فرائد الاصول للشيخ الانصاري...

 

الجزء الاول

 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين الحمد لله الذي هدانا إلى شرائع الاسلام بتمهيد قواعد الاحكام، وأرشدنا إلى غاية المرام باتباع مسالك الافهام، ووفقنا لتحصيل فصول الاصول باتقان ضوابط شريعة خير الانام، وبلغنا إلى نهاية المسؤول بإحكام قوانين الاحكام.

والصلاة والسلام على المبعوث لاعلاء دعائم الاسلام و إعلان معالم الحلال والحرام، وآله وأصحابه البررة، مفاتيح الرحمة ومصابيح الظلام.

أما بعد، فيقول أقل خدام الشريعة، أحوج الورى، عبدالحسين بن محمد بن رضا التستري - عفى الله تعالى عنهما -: إن هذا تصنيف شريف، وتأليف منيف، من جملة تصانيف المولى القمقام، وقدوة الانام فحل الاعلام، وفريد الايام، الخائض في أسرار المدارك، والغائص في بحار المسالك، ممهد القواعد، وجامع المقاصد، كاشف رموز الدالائل، نخبة الاواخر والاوائل، مقباس مناهج غاية المرام، ومشكاة مسالك إرشاد العوام، مهذب القوانين المحكمة، ومحرر الاشارات المبهمة، منبع الفضل، وعين العدل، فاتح صحيفة السداد والرشاد، وخاتم رقيمة الفضل والفقاهة والاجتهاد، رئيس المحققين والمدققين من الاولين والآخرين، شمس الفقهاء والمجتهدين، مرتضى المصطفى، و مصطفى المرتضى، كهف الحاج، شيخنا واستاذنا، علم التقى، الحاج شيخ مرتضى الانصاري التستري - مد الله تعالى أطناب ظلاله على مفارق الانام، وعمر الله بوجوده الشريف دوارس شرع الاسلام، ما دامت الفروع مترتبة على الاصول، والشمس لها الطلوع والافول.

ثم إنه دام ظله العالى لما أودع فيه نقود الحقائق وفرائد درر الدقائق، وأدرج فيه من مهمات مسائل الاصول ما لم يذكر في أبواب ولا فصول، وأجاد ما أفاد فيه من المطالب الابكار ما لم تصل إليها نتائج الافكار، كثر رغبة المشتغلين إلى إدراكها، وإشتد ميل المحصلين إلى فهمها.

[2]

ولما كان بعضهم ما اهتدوا بنور التوفيق إلى ما فيه من التدقيق والتحقيق، سألوني أن أعلق عليه وأضيف إليه ما استفدته حين قراء‌تي عليه - دام ظله العالي - بيانا للكتاب وتقريبا للمدعى إلى الحق والصواب، وكان مع إختصاره وسهولة إستنساخه واكتثاره في غاية العزة والندرة، ولا يكاد أيدي الكتاب تكفي لكفايته، مع ما بهم من السعي في تكثير كتابته، وكان إنطباعه موجبا للشياع وباعثا على مزيد الانتفاع، فبادر بعض من ساعده التوفيق بعد إطلاعه إلى إكثاره باطباعه، ولامتياز ما فيه من المطالب وجودة ما احتوى من العجائب سمي ب‍ " فرائد الاصول " في تمييز المزيف عن المقبول.

رزقنا الله وإياه حسن المآب، إنه هو الكريم الوهاب، بحق محمد وآله الاطياب.

قال: بسم الله الرحمن الرحيم فاعلم أن المكلف إذا إلتفت إلى حكم شرعي، فإما أن يحصل له الشك فيه أو القطع أو الظن.

فإن حصل له الشك فالمرجع فيه هي القواعد الشرعية الثابتة للشاك في مقام العمل، وتسمى بالاصول العملية.

وهي منحصرة في أربعة، لان الشك إما أن يلاحظ فيه الحالة السابقة أم لا.

وعلى الثاني، فإما أن يمكن الاحتياط أم لا.

وعلى الاول، فإما أن يكون الشك في التكليف أو في المكلف به.

فالاول مجرى الاستصحاب، والثاني مجرى التخيير، والثالث مجرى أصالة البراء‌ة، والرابع مجرى قاعدة الاحتياط.

[ فالاول مجرى الاستحصاب، والثاني مجرى أصالة البراء‌ة، والثالث مجرى قاعدة الاحتياط، والرابع مجرى قاعدة التخيير.خ ل ].

[ وبعبارة أخرى: الشك إما أن يلاحظ فيه الحالة السابقة أو لا.

فالاول مجرى الاستصحاب، والثاني إما أن يكون الشك فيه في التكليف أو لا.

فالاول مجرى أصالة البراء‌ة، والثاني إما أن يمكن الاحتياط فيه أو لا.

فالاول مجرى قاعدة الاحتياط، والثاني مجرى قاعدة التخيير.نسخة ].

وما ذكرنا هو المختار في مجاري الاصول الاربعة، وقد وقع الخلاف فيها، وتمام الكلام في كل واحد موكول إلى محله.

فالكلام يقع في مقاصد ثلاثة: الاول في القطع، والثاني في الظن، والثالث في الاصول العملية المذكورة التي هي مرجع عند الشك.

المقصد الاول في القطع

مقدمة

فنقول: لا إشكال في وجوب متابعة القطع والعمل عليه ما دام موجودا، لانه بنفسه طريق إلى الواقع.

وليس طريقيته قابلة لجعل الشارع إثباتا أو نفيا.

ومن هنا يعلم أن إطلاق الحجة عليه ليس كإطلاق الحجة على الامارات المعتبرة شرعا، لان الحجة عبارة عن الوسط الذي به يحتج على ثبوت الاكبر للاصغر، ويصير واسطة للقطع بثبوته له، كالتغير لاثبات حدوث العالم.

فقولنا: (الظن حجة، أو البينة حجة، أو فتوى المفتي حجة)، يراد به كونه هذه الامور أوساطا لاثبات أحكام متعلقاتها.

فيقال: هذا مظنون الخمرية، وكل مظنون الخمرية يجب الاجتناب عنه.

وكذلك قولنا: هذا الفعل مما أفتى المفتي بتحريمه، أو قامت البينة على كونه محرما، وكل ما كان كذلك فهو حرام.

وهذا بخلاف القطع، لانه إذا قطع بوجوب شئ فيقال: هذا واجب، وكل واجب يحرم ضده أو يجب مقدمته.

وكذلك العلم بالموضوعات.

فإذا قطع بخمرية شئ، فيقال: هذا خمر، وكل خمر يجب الاجتناب عنه.

ولا يقال: إن هذا معلوم الخمرية، وكل معلوم الخمرية حكمه كذا.

لان احكام الخمر إنما تثبت للخمر، لا لما علم أنه خمر.

والحاصل أن كون القطع حجة غير معقول، لان الحجة ما يوجب القطع بالمطلوب، فلا يطلق على نفس القطع.

هذا كله بالنسبة إلى حكم متعلق القطع، وهو الامر المقطوع.

وأما بالنسبة إلى حكم آخر، فيجوز أن يكون القطع مأخوذا في موضوعه، فيقال: إن الشئ المعلوم، بوصف كونه معلوما، حكمه كذا.

وحينئذ فالعلم يكون وسطا لثبوت ذلك الحكم لمتعلقه وإن لم يطلق عليه الحجة، إذ المراد

[5]

بالحجة في باب الادلة ما كان وسطا لثبوت أحكام متعلقة شرعا، لا لحكم آخر.

كما إذا رتب الشارع الحرمة على الخمر المعلوم كونهاخمرا، لا على نفس الخمر، وكترتب وجوب الاطاعة عقلا على معلوم الوجوب، لاالواجب الواقعي.

وبالجملة فالقطع قد يكون طريقا للحكم ن وقد يكون مأخوذا في موضوع الحكم.

* * *

ثم ما كان منه طريقا لا يفرق فيه بين خصوصياته من حيث القاطع به وأسباب القطع وأزمانه، إذ المفروض كونه طريقا إلى متعلقه، فيترتب عليه أحكام متعلقه، ولا يجوز للشارع أن ينهى عن العمل به، لانه مستلزم للتناقض.

فإذا قطع كون مائع بولا، من أي سبب كان، فلا يجوز للشارع أن يحكم بعدم نجاسته أو عدم وجوب الاجتناب عنه، لان المفروض أنه بمجرد القطع يحصل له صغرى وكبرى، أعني قوله: (هذا بول، وكل بول يجب الاجتناب عنه، فهذا يجب الاجتناب عنه).

فحكم الشارع بأنه لا يجب الاجتناب عنه مناقض له، إلا إذا فرض عدم كون النجاسة ووجوب الاجتناب من أحكام نفس البول، بل من أحكام ماعلم بوليته على وجه خاص من حيث السبب أو الشخص أو غيرهما، [ فخرج العلم حينئذ عن كونه طريقا ] ويكون مأخوذا في الموضوع.

وحكمه أن يتبع في إعتباره مطلقا أو على وجه خاص دليل ذلك الحكم الثابت الذي أخذ العلم في موضوعه.

فقد يدل على ثبوت الحكم لشئ بشرط العلم به، بمعنى إنكشافه للمكلف من غير خصوصية للانكشاف.

كما في حكم العقل بحسن إتيان ما قطع العبد بكونه مطلوبا لمولاه، وقبح ما يقطع بكونه مبغوضا، فإن مدخلية القطع بالمطلوبية أو المبغوضية في صيرورة الفعل حسنا أو قبيحا عند العقل لا يختص ببعض أفراده.

وكما في حكم الشرع بحرمة ما علم أنه خمر أو نجاسته بقول مطلق بناء على أن الحرمة والنجاسة الواقعيتين إنما تعرضان مواردهما بشرط العلم، لا في نفس الامر، كما هو قول بعض.

وقد يدل دليل ذلك الحكم على ثبوته لشئ بشرط حصول القطع به من سبب خاص او شخص خاص، مثل ما ذهب إليه بعض الاخباريين من عدم جواز العمل في الشرعيات بالعلم الغير الحاصل من الكتاب والسنة، كما سيجئ، وما ذهب إليه بعض من منع عمل القاضي بعلمه في حقوق الله تعالى.

وأمثلة ذلك بالنسبة إلى حكم غير القاطع كثيرة، كحكم الشارع على المقلد بوجوب الرجوع إلى

[6]

الغير في الحكم الشرعي إذا علم به من الطرق الاجتهادية المعهودة.

لا من مثل الرمل والجفر، فإن القطع الحاصل من هذه وإن وجب على القاطع الاخذ به في عمل نفسه، إلا أنه لا يجوز للغير تقليده في ذلك.

وكذلك العلم الحاصل للمجتهد الفاسق او غير الامامى من الطرق الاجتهادية المتعارفة، فانه لايجوز للغيرالعمل بها، وكحكم الشارع على الحاكم بوجوب بوجوب قبول خبر العدل المعلوم له من الحس، لا من الحدس، إلى غير ذلك.

* * *

 ثم من خواص القطع الذي هو طريق إلى الواقع قيام الامارات الشرعية والاصول العملية مقامه في العمل، بخلاف المأخوذ في الحكم على وجه الوضوعية، فإنه تابع لدليل ذلك الحكم.

فإن ظهر منه أو من دليل خارج إعتباره على وجه الطريقية للموضوع - كالامثلة المتقدمة - قامت الامارات والاصول مقامه.

وإن ظهر منه إعتبار القطع في الموضوع من حيث كونها صفة خاصة قائمة بالشخص لم يقم مقامه غيره.

كما إذا فرضنا أن الشارع إعتبر صفة القطع على هذا الوجه في حفظ عدد الركعات الثنائية والثلاثية والاوليين من الرباعية.

فإن غيره، كالظن بأحد الطرفين أو أصالة عدم الزائد، لا يقوم مقامه إلا بدليل خاص خارجي غير أدلة حجية مطلق الظن في الصلاة وأصالة عدم الاكثر.

ومن هذا الباب عدم جواز أداء الشهادة إستنادا إلى البينة أو اليد على قول، وإن جاز تعويل الشاهد في عمل نفسه بهما إجماعا، لان العلم بالمشهود به مأخوذ في مقام العمل على وجه الطريقية، بخلاف مقام أداء الشهادة، إلا أن يثبت من الخارج أن كل ما يجوز العمل به من الطرق الشرعية يجوز الاستناد إليه في الشهادة، كما يظهر من رواية حفص الواردة في جواز الاستناد إلى اليد.

ومما ذكرنا يظهر أنه لو نذر أحد أن يتصدق كل يوم بدرهم ما دام متيقنا بحياة ولده، فإنه لا يجب التصدق عند الشك في الحياة، لاجل إستصحاب الحياة، بخلاف ما لو علق النذر بنفس الحياة، فإنه يكفي في الوجوب الاستصحاب.

* * *

 ثم إن هذا الذي ذكرنا من كون القطع مأخوذا تارة على وجه الطريقية وأخرى على وجه الموضوعية، جار في الظن أيضا.

فإنه وإن فارق العلم في كيفية الطريقية - حيث أن العلم طريق بنفسه، والظن المعتبر طريق بجعل الشارع، بمعنى كونه وسطا في ترتب أحكام متعلقه، كما أشرنا إليه سابقا - لكن الظن قد يؤخذ طريقا مجعولا إلى متعلقه، وقد يؤخذ موضوعا للحكم، [ سواء كان موضوعا على

[7]

وجه الطريقية لحكم متعلقه أو لحكم آخر يقوم مقامه سائر الطرق الشرعية، فيقال حينئذ إنه حجة، وقد يؤخذ موضوعا لا على وجه الطريقة لحكم متعلقه أو لحكم آخر ولا يطلق عليه الحجة ح ]، فلا بد من ملاحظة دليل ذلك ثم الحكم بقيام غيره من الطرق المعتبرة مقامه، لكن الغالب فيه الاول.

[8]

وينبغى التنبيه على أمور:

الامرالاول:هل القطع حجة سواء صادف الواقع أم لم يصادف

إنه قد عرفت أن القاطع لا يحتاج في العمل بقطعه إلى أزيد من الادلة المثبتة لاحكام مقطوعه، فيجعل ذلك كبرى لصغرى قطع بها فيقطع بالنتيجة.

فإذا قطع بكون شئ خمرا وقام الدليل على كون حكم الخمر في نفسها هي الحرمة فيقطع بحرمة ذلك الشئ.

لكن الكلام في أن قطعه هذا هل هو حجة عليه من الشارع وإن كان مخالفا للواقع في علم الله فيعاقب على مخالفته، أو أنه حجة عليه إذا صادف الواقع؟، بمعنى أنه لو شرب الخمر الواقعي عالما عوقب عليه، في مقابل من شربها جاهلا، لا أنه يعاقب على شرب ما قطع بكونه خمرا وإن لم يكن خمرا في الواقع.

ظاهر كلماتهم في بعض المقامات الاتفاق على الاول، كما يظهر، من دعوى جماعة الاجماع على أن ظان ضيق الوقت إذا أخر الصلاة عصى وإن إنكشف بقاء الوقت، فإن تعبيرهم بظن الضيق لبيان أدنى فردي الرجحان، فيشمل القطع بالضيق.

نعم حكي عن النهاية وشيخنا البهائي التوقف في العصيان، بل في التذكرة: (لو ظن ضيق الوقت عصى لو أخر إن إستمر الظن، وإن إنكشف خلافه فالوجه عدم العصيان)، إنتهى.

واستقرب العدم سيد مشايخنا في المفاتيح.

وكذا لا خلاف بينهم ظاهرا في أن سلوك المظنون الخطر أو مقطوعه معصية يجب إتمام الصلاة فيه ولو بعد إنكشاف عدم الضرر فيه، فتأمل.ويؤيده بناء العقلاء على الاستحقاق وحكم العقل بقبح التجري.

[9]

وقد يقرر دلالة العقل على ذلك: بأنا إذا فرضنا شخصين قاطعين بأن قطع أحدهما بكون مائع معين خمرا وقطع الاخر بكون مائع آخر خمرا فشرباهما، فاتفق مصادفة أحدهما للواقع ومخالفة الاخر، فإما أن يستحقا العقاب، أو لا يستحقه أحدهما، أو يستحقه من صادف قطعه الواقع دون الاخر، أو العكس.

لا سبيل إلى الثاني والرابع، والثالث مستلزم لاناطة إستحقاق العقاب بما هو خارج عن الاختيار، وهو مناف لما يقتضيه العدل، فتعين الاول.ويمكن الخدشة في الكل.

أما الاجماع، فالمحصل منه غير حاصل، والمسألة عقلية، خصوصا مع مخالفة غير واحد، كما عرفت من النهاية وستعرف من قواعد الشهيد، قدس سره، والمنقول منه ليس حجة في المقام.

وأما بناء العقلاء، فلو سلم فإنما على مذمة الشخص من حيث أن هذا الفعل يكشف عن وجود صفة الشقاوة فيه، لا على نفس فعله، كمن إنكشف لهم من حاله أنه بحيث لو قدر على قتل سيده لقتله، فإن المذمة على المنكشف، لا الكاشف.

ومن هنا يظهر الجواب على قبح التجري، فإنه لكشف ما تجري به عن خبث الفاعل لكونه جريئا عازما على العصيان والتمرد، لا عن كون الفعل مبغوضا للمولى.

والحاصل: أن الكلام في كون هذا الفعل الغير المنهي عنه واقعا، مبغوضا للمولى من حيث تعلق إعتقاد المكلف بكونه مبغوضا، لا في أن هذا الفعل المنهى عنه باعتقاد ينبئ عن سوء سريرة العبد مع سيده وكونه جريئا في مقام الطغيان والمعصية وعازما عليه، فإن هذا غير منكر في هذا المقام، كما سيجئ، ولكن لا يجدي في كون الفعل محرما شرعيا، لان إستحقاق المذمة على ما كشف عنه الفعل لا يوجب إستحقاقه على نفس الفعل، ومن المعلوم أن الحكم العقلي بإستحقاق الذم إنما يلازم إستحقاق العقاب شرعا إذا تعلق بالفعل، لا بالفاعل.

وأما ما ذكر من الدليل العقلي فنلتزم بإستحقاق من صادف قطعه الواقع، لانه عصى إختيارا، دون من لم يصادف.

قولك: (إن التفاوت بالاستحقاق والعدم لا يحسن أن يناط بما هو خارج عن الاختيار)، ممنوع، فإن العقاب بما لا يرجع بالاخرة إلى الاختيار قبيح، إلا أن عدم العقاب لامر لا يرجع إلى الاختيار قبحه غير معلوم.

كما يشهد به الاخبار الواردة في أن: (من سن سنة حسنة كان له مثل أجر من عمل بها، ومن سن سنة سيئة كان له مثل وزر من عمل بها).

[10]

فإذا فرضنا ان شخصين سنا سنة حسنة أو سيئة، واتفق كثرة العامل بأحدهما وقلة العامل بما سنه الاخر، فإن مقتضى الروايات كون ثواب الاول أو عقابه أعظم، وقد إشتهر: (أن للمصيب أجرين وللمخطئ أجرا واحدا).

والاخبار في أمثال ذلك في طرفي الثواب والعقاب بحد التواتر.

فالظاهر أن العقل إنما يحكم بتساويهما في إستحقاق المذمة من حيث شقاوة الفاعل وخبث سريرته مع المولى، لا في إستحقاق المذمة على الفعل المقطوع بكونه معصية.

وربما يؤيد ذلك أنا نجد من أنفسنا الفرق في مرتبة العقاب بين من صادف فعله الواقع و بين من لم يصادف.

إلا أن يقال: إن ذلك إنما هو في المبغوضات العقلائية من حيث أن زيادة العقاب من المولى وتأكد الذم من العقلاء بالنسبة إلى من صادف إعتقاده الواقع لاجل التشفي المستحيل في حق الحكيم تعالى، فتأمل، هذا.

وقد يظهر من بعض المعاصرين: (التفصيل في صورة القطع بتحريم شئ غير محرم واقعا، فرجح إستحقاق العقاب بفعله، إلا أن يعتقد تحريم واجب غير مشروط بقصد القربة، فإنه لا يبعد عدم إستحقاق العقاب عليه مطلقا أو في بعض الموارد نظرا إلى معارضة الجهة الواقعية للجهة الظاهرية، فإن قبح التجري عندنا ليس ذاتيا، بل يختلف بالوجوه والاعتبارات.

فمن إشتبه عليه مؤمن ورع بكافر واجب القتل، فحسب أنه ذلك الكافر و تجرى فلم يقتله، فإنه لا يستحق الذم على هذا الفعل عقلا عند من إنكشف له الواقع، وإن كان معذورا لو فعل.

وأظهر من ذلك ما لو جزم بوجوب قتل نبي أو وصي فتجرى ولم يقتله.

ألا ترى أن المولى الحكيم إذا أمر عبده بقتل عدو له فصادف العبد إبنه وزعمه ذلك العدو فتجرى ولم يقتله، أن المولى إذا إطلع على حاله لا يذمه على هذا التجري بل يرضى به، وإن كان معذورا لو فعل.

وكذا لو نصب له طريقا غير القطع إلى معرفة عدوه، فأدى الطريق إلى تعيين إبنه فتجرى ولم يفعل.

وهذا الاحتمال حيث يتحقق عند المتجري لا يجديه إن لم يصادف الواقع، ولذا يلزمه العقل بالعمل بالطريق المنصوب، لما فيه من القطع بالسلامة من العقاب.بخلاف ما لو ترك العمل به، فإن المظنون فيه عدمها.

[11]

ومن هنا يظهر أن التجري على الحرام في المكروهات الواقعية أشد منه في مباحاتها، وهو فيها أشد منه في مندوباتها، ويختلف بإختلافها ضعفا وشدة كالمكروهات.

ويمكن أن يراعى في الواجبات الواقعية ما هو الاقوى من جهاته وجهات التجري) إنتهى كلامه رفع مقامه.

أقول: يرد عليه، أولا، منع ما ذكره من عدم كون قبح التجري ذاتيا، لان التجري على المولى قبيح ذاتا، سواء كان لنفس الفعل ولكشفه عن كونه جريئا [ كالظلم، بل هو قسم من الظلم ]، فيمتنع عروض الصفة المحسنة، وفي مقابله الانقياد لله سبحانه، فإنه يمتنع أن يعرض له جهة مقبحة.

وثانيا، أنه لو سلم أنه لا إمتناع في أن يعرض له جهة محسنة، لكنه باق على قبحه ما لم يعرض له تلك الجهة، وليس مما لا يعرض في نفسه حسن ولا قبح إلا بملاحظة ما يتحقق في ضمنه.

و بعبارة أخرى: لو سلمنا عدم كونه علة تامة للقبح، كالظلم، فلا شك في كونه مقتضيا له، كالكذب، وليس من قبيل الافعال التي لا يدرك العقل بملاحظتها في أنفسها حسنها ولا قبحها.

وحينئذ فيتوقف إرتفاع قبحه على إنضمام جهة يتدارك بها قبحه، كالكذب المتضمن لانجاء نبي.

ومن المعلوم أن ترك قتل المؤمن - بوصف أنه مؤمن في المثال الذي ذكره كفعله ليس من الامور التي تتصف بحسن أو قبح، للجهل بكونه قتل مؤمن.ولذا إعترف في كلامه بأنه لو قتله كان معذورا.

فإذا لم يكن هذا الفعل الذي تحقق التجري في ضمنه مما يتصف بحس أو قبح، لم يؤثر في إقتضاء ما يقتضي القبح، كما لا يؤثر في إقتضاء ما يقتضي الحسن لو فرض أمره بقتل كافر فقتل مؤمنا معتقدا كفره، فإنه لا إشكال في مدحه من حيث الانقياد وعدم مزاحمة حسنه بكونه في الواقع قتل مؤمن.

ودعوى: (أن الفعل الذي يتحقق به التجري وإن لم يتصف في نفسه بحسن ولا قبح لكونه مجهول العنوان، لكنه لا يمتنع أن يؤثر في قبح ما يقتضي القبح بأن يرفعه، إلا أن نقول بعدم مدخلية الامور الخارجة عن القدرة في إستحقاق المدح والذم، وهو محل نظر بل منع.

وعليه يمكن إبتناء منع الدليل العقلي السابق في قبح التجري)، مدفوعة - مضافا إلى الفرق بين ما نحن فيه وبين ما تقدم

[12]

من الدليل العقلي، كما لا يخفى على المتأمل بأن العقل مستقل بقبح التجري في المثال المذكور.

و مجرد تحقق ترك قتل المؤمن في ضمنه، مع الاعتراف بأن ترك القتل لايتصف بحسن لا قبح، لا يرفع قبحه، ولذا يحكم العقل بقبح الكذب وضرب اليتيم إذا إنضم إليهما ما يصرفهما إلى المصلحة إذا جهل الفاعل بذلك.

ثم إنه ذكر هذا القائل في بعض كلماته: (أن التجري إذا صادف المعصية الواقعية تداخل عقابهما).

ولم يعلم معنى محصل لهذا الكلام، إذ مع كون التجري عنوانا مستقلا في إستحقاق العقاب لا وجه للتداخل إن أريد به وحدة العقاب، فإنه ترجيح بلا مرجح.

وسيجئ في الرواية أن على الراضي إثما وعلى الداخل إثمين، وإن أريد به عقاب زائد على عقاب محض التجري، فهذا ليس تداخلا، لن كل فعل إجتمع فيه عنوانان من القبح يزيد عقابه على ما كان فيه أحدهما.

* * *

 والتحقيق أنه لا فرق في قبح التجري بين موارده وأن المتجري لا إشكال في إستحقاقه الذم من جهة إنكشاف خبث باطنه وسوء سريرته بذلك.

وأما إستحقاقه للذم من حيث الفعل المتجرى في ضمنه، ففيه إشكال، كما إعترف به الشهيد، قدس سره، فيما يأتي من كلامه.

نعم لو كان التجري على المعصية بالقصد إلى المعصية، فالمصرح به في الاخبار الكثيرة العفو عنه، وإن كان يظهر من أخبار أخر العقاب على القصد أيضا: مثل قوله صلى الله عليه وآله: (نية الكافر شر من عمله)، وقوله: (إنما يحشر الناس على نياتهم).

وما ورد من تعليل خلود أهل النار في النار وخلود أهل الجنة في الجنة بعزم كل من الطائفتين على الثبات على ما كان عليه من المعصية والطاعة لو خلدوا في الدنيا.

وماورد من: (أنه إذا إلتقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار.

قيل: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول، قال: لانه أراد قتل صاحبه) ومنا ورد في العقاب على فعل بعض المقدمات بقصد ترتب الحرام، كغارس الخمر والماشي

[13]

لسعاية مؤمن.

وفحوى ما دل على أن الرضا بفعل كالفعل، مثل قوله عليه السلام: (الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم، وعلى الداخل إثمان إثم الرضا وإثم الدخول) ويؤيده قوله تعالى: (إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله).

وما ورد أن: (من رضي بفعل فقد لزمه وإن لم يفعل).

وما ورد في تفسير قوله تعالى: (فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين)، من أن نسبة القتل إلى المخاطبين مع تأخرهم عن القائلين بكثير لرضاهم بفعلهم.

ويؤيده قوله تعالى: (تلك الدار الاخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين)، وقوله تعالى: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم).

ويمكن حمل الاخبار الاول على من إرتدع عن قصده بنفسه، وحمل الاخبار الاخيرة على من بقي على قصده حتى عجز عن الفعل لا باختياره.

أو يحمل الاول على من إكتفى بمجرد القصد، والثانية على من إشتغل بعد القصد ببعض المقدمات، كما يشهد له حرمة الاعانة على المحرم، حيث عممه بعض الاساطين لاعانة نفسه على الحرام، ولعله لتنقيح المناط، لا للدلالة اللفظية.

* * *

 وقد علم مما ذكرنا أن التجري على أقسام يجمعها عدم المبالاة بالمعصية أو قلتها.

أحدها مجرد القصد إلى المعصية، والثاني القصد مع الاشتغال بمقدماته، والثالث القصد مع التلبس بما يعتقد كونه معصية، والرابع التلبس بما يحتمل كونه معصية رجاء لتحقق المعصية به، والخامس التلبس به لعدم المبالاة بمصادفة الحرام، والسادس التلبس به رجاء أن لا يكون معصية وخوف أن يكون معصية.

ويشترط في صدق التجري في الثلاثة الاخيرة عدم كون الجهل عقليا أو شرعيا، كما في الشبهة المحصورة الوجوبية أو التحريمية، وإلا لم يتحقق إحتمال المعصية وإن تحقق إحتمال المخالفة للحكم الواقعي، كما في موارد أصالة البراء‌ة وإستصحابها.

ثم إن الاقسام الستة كلها مشتركة في إستحقاق الفاعل للمذمة من حيث خبث ذاته وجرأته

[14]

وسوء سريرته، وإنما الكلام في تحقق العصيان بالفعل المتحقق في ضمنه التجري.

وعليك بالتأمل في كل من الاقسام.

قال الشهيد، رحمه الله، في القواعد: (لا يؤثر نية المعصية عقابا ولا ذما ما لم يتلبس بها.

وهو مما ثبت في الاخبار العفو عنه.

ولو نوى المعصية وتلبس بما يراه معصية فظهر خلافها، ففي تأثير هذه النية نظر، من أنها لما لم تصادف المعصية صارت كنية مجردة وهي غير مؤاخذ بها، ومن دلالتها على إنتهاك الحرمة وجرأته على المعاصي.

وقد ذكر بعض الاصحاب أنه لو شرب المباح تشبها بشرب السكر فعل حراما.

ولعله ليس لمجرد النية، بل بإنضمام فعل الجوارح.

ويتصور محل النظر في صور: منها: ما لو وجد إمرأة في منزل غيره، فظنها أجنبية فأصبها، فبان أنها زوجته أو أمته.

ومنها: ما لو وطئ زوجته بظن أنها حائض فبانت طاهرة.

ومنها: لو هجم على طعام بيد غيره فأكله، فتبين أنه ملكه.

ومنها: لو ذبح شاة بظنها للغير بقصد العدوان، فظهرت ملكه.

ومنها: ما إذا قتل نفسا بظن أنها معصومة، فبانت مهدورة.

وقد قال بعض العامة: (نحكم بفسق المتعاطي ذلك، لدلالته على عدم المبالاة بالمعاصي، ويعاقب في الاخرة ما لم يتب عقابا متوسطا بين الصغيرة والكبيرة).

وكلاهما تحكم وتخرص على الغيب)، إنتهى.

الامرالثاني: هل القطع الحاصل من المقدمات العقلية حجة

إنك قد عرفت أنه لا فرق فيما يكون العلم فيه كاشفا محضا بين أسباب العلم.

وينسب إلى غير واحد من أصحابنا الاخباريين عدم الاعتماد على القطع الحاصل من المقدمات العقلية القطعية الغير الضرورية، لكثرة وقوع الاشتباه والغلط فيها، فلا يمكن الركون إلى شئ منها.

فإن أرادوا عدم جواز الركون بعد حصول القطع، فلا يعقل ذلك في مقام إعتبار العلم من حيث الكشف، ولو أمكن الحكم بعدم إعتباره لجرى مثله في القطع الحاصل من المقدمات الشرعية طابق النعل بالنعل.

وإن أرادوا عدم جواز الخوض في المطالب العقلية لتحصيل المطالب الشرعية لكثرة وقوع الغلط والاشتباه، فلو سلم ذلك وأغمض عن المعارضة، لكثرة ما يحصل من الخطأ في فهم المطالب من الادلة الشرعية، فله وجه.

وحينئذ فلو خاض فيها وحصل القطع بما لا يوافق الحكم الواقعي لم يعذر في ذلك، لتقصيره في مقدمات التحصيل، إلا أن الشأن في ثبوت كثرة الخطأ أزيد مما يقع في فهم المطالب من الادلة الشرعية.

وقد عثرت، بعدما ذكرت هذا، على كلام يحكى عن المحدث الاسترابادي في فوائده المدنية، قال في عداد ما استدل به على إنحصار الدليل في غير الضروريات الدينية في السماع عن الصادقين عليهم السلام، قال: (الدليل التاسع مبني على مقدمة دقيقة شريفة تفطنت بتوفيق الله تعالى.

وهي أن العلوم النظرية قسمان، قسم ينتهي إلى مادة هي قريبة من الاحساس، و من هذا القسم علم الهندسة والحساب وأكثر أبواب المنطق.

وهذا القسم لا يقع فيه الخلاف بين العلماء والخطأ في نتائج الافكار.والسبب في ذلك أن الخطأ في الفكر

[16]

إما من جهة الصورة أو من جهة المادة.

والخطأ من جهة الصورة لا يقع من العلماء، لان معرفة الصورة من الامور الواضحة عند الاذهان المستقيمة.

والخطأ من جهة المادة لا يتصور في هذه العلوم، لقرب المواد فيها إلى الاحساس.

وقسم ينتهي إلى مادة هي بعيدة عن الاحساس.

ومن هذا القسم الحكمة الالهية والطبيعية وعلم الكلام وعلم أصول الفقه والمسائل النظرية الفقهية وبعض القواعد المذكورة في كتب المنطق.

ومن ثم رفع الاختلافات والمشاجرات بين الفلاسفة في الحكمة الالهية والطبيعية وبين علماء الاسلام في اصول الفقه ومسائل الفقه وعلم الكلام وغير ذلك.

والسبب في ذلك أن القواعد المنطقية إنما هي عاصمة عن الخطأ من جهة الصورة لا من جهة المادة.

إذ أقصى مايستفاد من المنطق في باب مواد الاقيسة تقسيم المواد على وجه كلي إلى أقسام.

وليست في المنطق قاعدة بها يعلم أن كل مادة مخصوصة داخلة في أي قسم من الاقسام، ومن المعلوم عند أولي الالباب إمتناع وضع قاعدة تكفل بذلك).

ثم إستظهر ببعض الوجوه تأييدا لما ذكره، وقال بعد ذلك: (فإن قلت: لا فرق في ذلك بين العقليات والشرعيات.

والشاهد على ذلك ما نشاهده من كثرة الاختلافات الواقعة بين أهل الشرع في أصول الدين وفي الفروع الفقهية.

قلت: إنما نشأ ذلك من ضم مقدمة عقلية باطلة بالمقدمة النقلية الظنية أو القطعية ومن الموضحات لما ذكرناه من أنه ليس في المنطلق قانون يعصم عن الخطأ في مادة الفكر أن المشائيين إدعوا البداهة في أن تفريق ماء كوز إلى كوزين إعدام لشخصه وإحداث لشخصين آخرين.

وعلى هذه المقدمة بنوا إثبات الهيولى.

والاشراقيين إدعوا البداهة في أنه ليس إعداما للشخص الاول وإنما إنعدمت صفة من صفاته وهو الاتصال).

ثم قال: (إذا عرفت ما مهدناه من المقدمة الدقيقة الشريفة، فنقول: إن تمسكنا بكلامهم عليهم السلام فقد عصمنا من الخطأ، وإن تمسكنا بغيرهم

[17]

لم نعصم منه)، إنتهى كلامه.

والمستفاد من كلامه عدم حجية إدراكات العقل في غير المحسوسات وما تكون مباديه قريبة من الاحساس إذا لم يتوافق عليه العقول.

وقد إستحسن ما ذكره غير واحد ممن تأخر عنه، منهم السيد المحدث الجزائري، قدس سره، في أوائل شرح التهذيب، على ما حكي عنه.

قال بعد ذكر كلام المحدث المتقدم بطوله: (وتحقيق المقام يقتضي ما ذهب إليه.

فإن قلت: قد عزلت العقل عن الحكم في الاصول والفروع.

فهل يبقى له حكم في مسألة من المسائل؟ قلت: أما البديهيات فهي له وحده، وهو الحاكم فيها.

وأما النظريات فإن وافقه النقل وحكم بحكمه قدم حكمه على النقل وحده.

وأما لو تعارض هو والنقلي، فلا شك عندنا في ترجيح النقل وعدم الالتفات إلى ما حكم به العقل.

قال -: - وهذا أصل يبتنى عليه مسائل كثيرة.

ثم ذكر جملة من المسائل المتفرعة).

أقول: لا يحضرني شرح التهذيب حتى ألاحظ ما فرع على ذلك.

فليت شعري إذا فرض حكم العقل على وجه القطع بشئ كيف يجوز حصول القطع أو الظن من الدليل النقلي على خلافه.

و كذا لو فرض حصول القطع من الدليل النقلي كيف يجوز حكم العقل بخلافه على وجه القطع؟ وممن وافقهما على ذلك في الجملة المحدث البحراني في مقدمات الحدائق، حيث نقل كلاما للسيد المتقدم في هذا المقام واستحسنه، إلا أنه صرح بحجية العقل الفطري الصحيح وحكم بمطابقته للشرع ومطابقة الشرع له.

ثم قال: (لا مدخل للعقل في شئ من الاحكام الفقهية من عبادات وغيرها، ولا سبيل إليها إلا السماع عن المعصوم عليه السلام، لقصور العقل المذكور عن الاطلاع عليها).

ثم قال: (نعم يبقى الكلام بالنسبة إلى ما يتوقف على التوقيف، فنقول: إن كان الدليل العقلي المتعلق بذلك بديهيا ظاهر البداهة، مثل الواحد نصف الاثنين، فلا ريب في صحة العمل به.

وإلا فإن لم يعارضه دليل عقلي ولا نقلي فكذلك، وإن عاضره دليل عقلي آخر، فإن تأيد أحدهما بنقلي كان الترجيح

[18]

للمتأيد بالدليل النقلي، وإلا فإشكال.

وإن عارضه دليل نقلي، فإن تأيد ذلك العقلي بدليل نقلي كان الترجيح للعقلي، إلا أن هذا في الحقيقة تعارض في النقليات، وإلا فالترجيح للنقلي، وفاقا للسيد المحدث المتقدم ذكره وخلافا للاكثر.

هذا بالنسبة إلى العقلي بقول مطلق.

أما لو أريد به المعنى الاخص، وهو الفطري الخالي عن شوائب الاوهام الذي هو حجة من حجج الملك العلام وإن شذ وجوده في الانام ففي ترجيح النقلي عليه إشكال)، إنتهى.

ولا أدري كيف جعل الدليل النقلي في الاحكام النظرية مقدما على ما هو في البداهة من قبيل (الواحد نصف الاثنين).

مع أن ضروريات الدين والمذهب لم يزد في البداهة على ذلك.

والعجب مما ذكره في الترجيح عند تعارض العقل والنقل كيف يتصور الترجيح في القطعيين، وأي دليل على الترجيح المذكور.

وأعجب من ذلك الاستشكال في تعارض العقليين من دون ترجيح مع أنه لا إشكال في تساقطهما، وفي تقديم العقلى الفطري الخالي عن شوائب الاوهام على الدليل النقلي.

مع أن العلم بوجود الصانع إما أن يحصل من هذا العقل الفطري أو مما دونه من العقليات البديهية، بل النظريات المنتهية إلى البداهة.

والذي يقتضيه النظر، وفاقا لاكثر أهل النظر، أنه كلما حصل القطع من دليل عقلي فلا يجوز أن يعارضه دليل نقلي.

وإن وجد ما ظاهره المعارضة فلا بد من تأويله إن لم يمكن طرحه.

وكلما حصل القطع من دليل نقلي، مثل القطع الحاصل من إجماع جميع الشرائع على حدوث العالم زمانا، فلا يجوز أن يحصل القطع على خلافه من دليل عقلي، مثل إستحالة تخلف الاثر عن المؤثر.

ولو حصل منه صورة برهان كانت شبهة في مقابلة البديهة، لكن هذا لا يتأتى في العقل البديهي من قبيل (الواحد نصف الاثنين)، ولا في الفطري الخالي عن شوائب الاوهام.

فلا بد في مواردهما من إلتزام عدم حصول القطع من النقل على خلافه، لان الادلة القطعية النظرية في النقليات مضبوطة محصورة ليس فيها شئ يصادم العقل البديهي أو الفطري.

فإن قلت: لعل نظر هؤلاء في ذلك إلى ما يستفاد من الاخبار، مثل قولهم عليهم السلام: (حرام عليكم أن تقولوا بشئ ما لم تسمعوه منا)، وقولهم عليهم السلام: (ولو أن رجلا قام وليله وصام

[19]

نهاره وحج دهره وتصدق بجميع ماله ولم يعرف ولاية ولي الله فيكون أعماله بدلالته فيواليه، ما كان له على الله ثواب) وقولهمخ عليهم السلام: (من دان الله بغير سماع من صادق فهو كذا وكذا) إلى غير ذلك، من أن الواجب علينا هو إمتثال أحكام الله تعالى التي بلغها حججه عليهم السلام.

فكل حكم لم يكن الحجة واسطة في تبليغه لم يجب إمتثاله، بل يكون من قبيل (اسكتوا عما سكت الله عنه)، فإن معنى سكوته عنه عدم أمر أوليائه بتبليغه حينئذ.

فالحكم المنكشف بغير واسطة الحجة ملغى في نظر الشارع وإن كان مطابقا للواقع.

كما يشهد به تصريح الامام، عليه السلام، بنفي الثواب على التصدق بجميع المال، مع القطع بكونه محبوبا ومرضيا عند الله.

ووجه الاستشكال في تقديم الدليل النقلي على العقلي الفطري السليم ما ورد من النقل المتواتر على حجية العقل، وأنه حجة باطنة، وأنه مما يعبد به الرحمن ويكتسب به الجنان، ونحوها، مما يستفاد منه كون العقل السليم أيضا حجة من الحجج.

فالحكم المنكشف به حكم بلغه الرسول الباطني، الذي هو شرع من داخل، كما أن الشرع عقل من خارج.

ومما يشير إلى ما ذكرنا من قبل هؤلاء، ما ذكره السيد الصدر، رحمه الله، في شرح الوافية في جملة كلام له في حكم ما يستقل به العقل، ما لفظه: (إن المعلوم هو أنه يجب فعل شئ أو تركه أو لا يجب إذا حصل الظن أو القطع بوجوبه أو حرمته أو غيرهما من جهة نقل قول المعصوم، عليه السلام، أو فعله أو تقريره، لا أنه يجب فعله أو تركه أو لا يجب مع حصولهما من أي طريق كان)، إنتهى موضع الحاجة.

قلت: أولا، نمنع مدخلية توسط تبليغ الحجة في وجوب إطاعة حكم الله سبحانه.

كيف والعقل، بعدما عرف أن الله تعالى لا يرضى بترك الشئ الفلاني وعلم بوجوب إطاعة الله، لم يحتج ذلك إلى توسط مبلغ.

ودعوى إستفادة ذلك من الاخبار ممنوعة، فإن المقصود من أمثال الخبر المذكور عدم جواز الاستبداد بالاحكام الشرعية بالعقول الناقصة الظنية، على ما كان متعارفا في ذلك الزمان من العمل بالاقيسة والاستحسانات، من غير مراجعة حجج الله بل في مقابلهم عليهم السلام.

وإلا فإدراك العقل القطعي للحكم المخالف للدليل النقلي على وجه لا يمكن الجمع بينهما في غاية

[20]

الندرة بل لا نعرف وجوده، فلا ينبغي الاهتمام به في هذه الاخبار الكثيرة، مع أن ظاهرها ينفي حكومة العقل ولو مع عدم المعارض.

وعلى ما ذكرنا يحمل ما ورد من: (أن دين الله لا يصاب بالعقول).

وأما نفي الثواب على التصدق مع عدم كون العمل به بدلالة ولي الله، فلو أبقي على ظاهره دل على عدم الاعتبار بالعقل الفطري الخالي عن شوائب الاوهام، مع إعترافه بأنه حجة من حجج الملك العلام.

فلا بد من حمله على التصدقات الغير المقبولة، مثل التصدق على المخالفين، لاجل تدينهم بذلك الدين الفاسد، كما هو الغالب في تصدق المخالف على المخالف.

كما في تصدقنا على فقراء الشيعة، لاجل محبتهم لامير المؤمنين عليه السلام وبغضهم لاعدائه، أو على أن المراد حبط ثواب التصدق، من أجل عدم المعرفة لولي الله تعالى أو على غير ذلك.

وثانيا، سلمنا مدخلية تبليغ الحجة في وجوب الاطاعة.

لكنا إذا علمنا إجمالا بأن حكم الواقعة الفلانية لعموم الابتلاء بها قد صدر يقينا من الحجة مضافا إلى ما ورد من قوله، صلى الله عليه وآله، في خطبة حجة الوداع: (معاشر الناس ! ما من شئ يقربكم إلى الجنة ويباعدكم عن النار إلا أمرتكم به، وما من شئ يقربكم إلى النار ويباعدكم عن الجنة إلا وقد نهيتكم عنه) ثم أدركنا ذلك الحكم إما بالعقل المستقل وإما بواسطة مقدمة عقلية، نجزم من ذلك بأن ما إستكشفناه بعقولنا صادر عن الحجة، صلوات الله عليه، فيكون الاطاعة بواسطة الحجة.

إلا أن يدعى: أن الاخبار المتقدمة وأدلة وجوب الرجوع إلى الائمة، صلوات الله عليهم، تدل على مدخلية تبليغ الحجة وبيانه في طريق الحكم، وأن كل حكم لم يعلم من طريق السماع عنهم عليهم السلام ولو بالواسطة، فهو غير واجب الاطاعة.

وحينئذ فلا يجدي مطابقة الحكم المدرك لما صدر عن الحجة عليه السلام.

لكن قد عرفت عدم دلالة الاخبار.

ومع تسليم ظهورها فهو أيضا من باب تعارض النقل الظني مع العقل القطعي.

ولذلك لا فائدة مهمة في هذه المسألة، إذ بعدما قطع العقل بحكم وقطع بعدم رضاء الله جل ذكره بمخالفته، فلا يعقل ترك العمل بذلك ما دام هذا القطع باقيا، فكل ما دل على خلاف ذلك فمؤول أو مطروح.

نعم، الانصاف أن الركون إلى العقل فيما يتعلق بإدراك مناطات الاحكام لينتقل منها إلى

[21]

إدراك نفس الاحكام موجب للوقوع في الخطأ كثيرا في نفس الامر، وإن لم يحتمل ذلك عند المدرك، كما يدل عليه الاخبار الكثيرة الواردة، بمضمون (إن دين الله لا يصاب بالعقول)، و (إنه لا شئ أبعد عن دين الله من عقول الناس).

وأوضح من ذلك كله رواية أبان بن تغلب عن الصادق عليه السلام: (قال: قلت له: رجل قطع إصبعا من أصابع المرأة، كم فيها من الدية؟.

قال: عشر من الابل.

قال: قلت: قطع إصبعين؟ قال: عشرون.

قلت: قطع ثلاث، قال: ثلاثون.

قلت: قطع أربعا.

قال: عشرون.

قلت: سبحان الله ! يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعا فيكون عليه عشرون، كان يبلغنا هذا ونحن بالعراق، فقلنا: إن الذي جاء به شيطان.

قال عليه السلام: مهلا، يا أبان ! هذا حكم رسول الله " ص " إن المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغ الثلث رجع إلى النصف‌ء يا أبان ! إنك أخذتني بالقياس، والسنة إذا قيست محق الدين).

وهي وإن كانت ظاهرة في توبيخ أبان على رد الرواية الظنية التي سمعها في العراق بمجرد إستقلال عقله بخلافه أو على تعبجه مما حكم به الامام عليه السلام، من جهة مخالفته لمقتضى القياس، إلا أن مرجع الكل إلى التوبيخ على مراجعة العقل في إستنباط الاحكام.

فهو توبيخ على المقدمات المفضية إلى مخالفة الواقع.

وقد أشرنا، هنا وفي أول المسألة، إلى عدم جواز الخوض لاستكشاف الاحكام الدينية في المطالب العقلية والاستعانة بها في تحصيل مناط الحكم والانتقال منه إليه على طريق اللم، لان أنس الذهن بها يوجب عدم حصول الوثوق بما يصل إليه من الاحكام التوقيفية، فقد يصير منشأ لطرح الامارات النقلية الظنية، لعدم حصول الظن له منها بالحكم.

وأوجب من ذلك ترك الخوض في المطالب العقلية النظرية لادراك ما يتعلق بأصول الدين، فإنه تعريض للهلاك الدائم والعذاب الخالد.

وقد أشير إلى ذلك عند النهى عن الخوض في مسألة القضاء والقدر، وعند نهي بعض أصحابهم، عليهم السلام، عن المجادلة في المسائل الكلامية.

لكن الظاهر من بعض تلك الاخبار أن الوجه في النهي عن الاخير عدم الاطمينان بمهارة الشخص المنهي في المجادلة، فيصير مفحما عند المخالفين ويوجب ذلك وهن المطالب الحقة في نظر أهل الخلاف.

الامرالثالث: قد إشتهر في ألسنة المعاصرين أن قطع القطاع لا إعبار به

ولعل الاصل في ذلك ما صرح به كاشف الغطاء قدس سره، بعد الحكم بأن كثير الشك لا إعتبار بشكه.

قال: (وكذا من خرج عن العادة في قطعه أو في ظنه فيلغو إعتبارهما في حقه) إنتهى.

أقول: أما عدم إعتبار ظن من خرج عن العادة في ظنه، فلان أدلة إعتبار الظن في مقام يعتبر فيه مختصة بالظن الحاصل من الاسباب التي يتعارف حصول الظن منها لمتعارف الناس لو وجدت تلك الاسباب عندهم على النحو الذي وجد عند هذا الشخص، فالحاصل من غيرها يساوي الشك في الحكم.

وأما قطع من خرج قطعه عن العادة: فإن أريد بعدم إعتباره عدم إعتباره في الاحكام التي يكون القطع موضوعا لها، كقبول شهادته وفتواه ونحو ذلك فهو حق، لان أدلة إعتبار العلم في هذه المقامات لا تشمل هذا قطعا، لكن ظاهر كلام من ذكره في سياق كثير الشك إرادة غير هذا القسم.

وإن أريد يه عدم إعتباره في مقامات يعتبر القطع فيها من حيث الكاشفية والطريقية إلى الواقع: فإن أريد بذلك أنه حين قطعه كالشاك، فلا شك في أن أحكام الشاك وغير العالم لا تجري في حقه.

وكيف يحكم على القاطع بالتكليف بالرجوع إلى ما دل على عدم الوجوب عند عدم العلم، والقاطع بأنه صلى ثلاثا بالبناء على أنه صلى أربعا، ونحو ذلك.

وإن أريد بذلك وجوب ردعه عن قطعه وتنزيله إلى الشك أو تنبيهه على مرضه ليرتدع بنفسه ولو بأن يقال له: (إن الله سبحانه لا يريد منك الواقع)، لو فرض عدم تفطنه، لقطعه بأن الله يريد

[23]

الواقع منه ومن كل احد، فهو حق.

لكنه يدخل في باب الارشاد، ولا يختص بالقطاع، بل بكل من قطع بما يقطع بخطائه فيه من الاحكام الشرعية والموضوعات الخارجية المتعلقة بحفظ النفوس والاعراض، بل الاموال في الجملة.

وأما في ما عدا ذلك مما يتعلق بحقوق الله سبحانه، فلا دليل على وجوب الردع في القطاع، كما لا دليل عليه في غيره.

ولو بنى على وجوب ذلك في حقوق الله سبحانه من باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما هو ظاهر بعض النصوص والفتاوى، لم يفرق أيضا بين القطاع وغيره.

وإن أريد بذلك أنه بعد إنكشاف الواقع لا يجزي ما أتى به على طبق قطعه، فهو أيضا حق في الجملة، لان المكلف إن كان تكليفه حين العمل مجرد الواقع من دون مدخلية للاعتقاد، فالمأتي به المخالف للواقع لا يجزي عن الواقع، سواء القطاع وغيره.

وإن كان للاعتقاد مدخل فيه، كما في أمر الشارع بالصلاة إلى ما يعتقد كونها قبلة، فإن قضية هذا كفاية القطع المتعارف، لا قطع القطاع، فيجب عليه الاعادة وإن لم تجب على غيره.

ثم إن بعض المعاصرين وجه الحكم بعدم إعتبار قطع القطاع - بعد تقييده بما إذا علم القطاع أو احتمل أن يكون حجية قطعه مشروطة بعدم كونه قطاعا بأنه يشترط في حجية القطع عدم منع الشارع عنه وإن كان العقل أيضا قد يقطع بعدم المنع، إلا أنه إذا احتمل المنع يحكم بحجية القطع ظاهرا ما لم يثبت المنع.

وأنت خبير بأنه يكفي في فساد ذلك عدم تصور القطع بشئ عدم ترتيب آثار ذلك الشئ عليه مع فرض كون الآثار آثارا له.

والعجب أن المعاصر مثل لذلك بما إذا قال المولى لعبده: (لا تعتمد في معرفة أوامري على ما تقطع به من قبل عقلك أو يؤدي إليه حدسك، بل إقتصر على ما يصل إليك مني بطريق المشافهة والمراسلة).

وفساده يظهر مما سبق من أول المسألة إلى هنا.

الامرالرابع: إن المعلوم إجمالا هل هو كالمعلوم بالتفصيل في الاعتبار أم لا؟

والكلام فيه يقع تارة في إعتباره من حيث إثبات التكليف به وأن الحكم المعلوم بالاجمال هل هو كالمعلوم بالتفصيل في التنجز على المكلف أم هو كالمجهول رأسا.

وأخرى في أنه بعدما ثبت التكيلف بالعلم التفصيلي أو الاجمالي المعتبر فهل يكتفى في إمتثاله بالموافقة الاجمالية ولو مع تيسر العلم التفصيلي أم لا يكتفى به إلا مع تعذر العلم التفصيلي.

فلا يجوز إكرام شخصين أحدهما زيد مع التمكن من معرفة زيد بالتفصيل، ولا فعل الصلاتين في ثوبين مشتبهين مع إمكان الصلاة في ثوب طاهر.

والكلام من الجهة الاولى يقع من جهتين، لان إعتبار العلم الاجمالي له مرتبتان، الاولى حرمة المخالفة القطعية، والثانية وجوب الموافقة القطعية.

والمتكفل للتكلم في المرتبة الثانية هي مسألة البراء‌ة والاشتغال عند الشك في المكلف به، فالمقصود في المقام الاول التكلم في المرتبة الاولى.

ولنقدم الكلام في:

المقام الثاني وهو كفاية العلم الاجمالي في الامتثال

فنقول: مقتضى القاعدة جواز الاقتصار في الامتثال بالعلم الاجمالي بإتيان الملكف به.

أما فيما لا يحتاج سقوط التكليف فيه إلى قصد الاطاعة ففي غاية الوضوح، وأما فيما يحتاج إلى قصد الاطاعة فالظاهر أيضا تحقق الاطاعة إذا قصد الاتيان بشيئين يقطع بكون أحدهما المأمور به.

[25]

ودعوى: (أن العلم بكون المأتي به مقربا معتبر حين الاتيان به ولا يكفي العلم بعده بإتيانه)، ممنوعة، إذ لا شاهد لها بعد تحقق الاطاعة بغير ذلك ايضا، فيجوز لمن تمكن من تحصيل العلم التفصيلي باداء العبادات العمل بالاحتياط وترك تحصيل العلم التفصيلي.

لكن الظاهر كما هو المحكي عن بعض ثبوت الاتفاق على عدم جواز الاكتفاء بالاحتياط إذا توقف على تكرار العبادة، بل ظاهر المحكي عن الحلي، في مسألة الصلاة في الثوبين، عدم جواز التكرار للاحتياط حتى مع عدم التمكن من العلم التفصيلي وإن كان ما ذكره من التعميم ممنوعا.

وحينئذ فلا يجوز لمن تمكن من تحصيل العلم بالماء المطلق أو بجهة القبلة أو في ثوب طاهر أن يتوضأ وضوئين يقطع بوقوع أحدهما بالماء المطلق أو يصلي إلى جهتين يقطع بكون أحدهما القبلة أو في ثوبين يقطع بطهارة أحدهما.

لكن الظاهر من صاحب المدارك، قدس سره، التأمل بل ترجيح الجواز في المسألة الاخيرة.

ولعله متأمل في الكل، إذ لا خصوصية لمسألة الاخيرة.

وأما إذا لم يتوقف الاحتياط على التكرار، كما إذا أتي بالصلاة مع جميع ما يحتمل أن يكون جزء‌ا، فالظاهر عدم ثبوت إتفاق على المنع ووجوب تحصيل اليقين التفصيلي.

لكن لا يبعد ذهاب المشهور إلى ذلك، بل ظاهر كلام السيد الرضي، رحمه الله، في مسألة الجاهل بوجوب القصر وظاهر تقرير أخيه السيد المرتضى، رحمه الله، له ثبوت الاجماع على بطلان صلاة من لا يعلم أحكامها.

هذا كله في تقديم العلم التفصيلي على الاجمالي.

وهل يلحق بالعلم التفصيلي الظن التفصيلي المعتبر، فيقدم على العلم الاجمالي ام لا؟ التحقيق أن يقال: إن الظن المذكور إن كان مما لم يثبت إعتباره إلا من جهة (دليل الانسداد) المعروف بين المتأخرين لاثبات حجية الظن المطلق، فلا إشكال في جواز ترك تحصيله والاخذ بالاحتياط إذا لم يتوقف على التكرار والعجب ممن يعمل بالامارات من باب الظن المطلق، ثم يذهب إلى عدم صحة عبادة تارك طريقي الاجتهاد والتقليد والاخذ بالاحتياط.

ولعل الشبهة من جهة إعتبار قصد الوجه.

ولابطال هذه الشبهة وإثبات صحة عبادة المحتاط محل آخر.

وأما لو توقف الاحتياط على التكرار، ففي جواز الاخذ به وترك تحصيل الظن بتعيين المكلف به أو عدم الجواز وجهان: من أ، العمل بالظن المطلق لم يثبت إلا جوازه وعدم وجوب تقديم الاحتياط عليه، أما تقديمه

[26]

على الاحتياط فلم يدل عليه دليل.

ومن أن الظاهر أن تكرار العبادة إحتياطا في الشبهة الحكمية مع ثبوت الطريق إلى الحكم الشرعي ولو كان الظن المطلق خلاف السيرة المستمرة بين العلماء، مع أن جواز العمل بالظن إجماعي، فيكفي في عدم جواز الاحتياط بالتكرار إحتمال عدم جوازه وإعتبار الاعتقاد التفصيلي في الامتثال.

والحاصل: أن الامر دائر بين تحصيل الاعتقاد التفصيلي ولو كان ظنا وبين تحصيل العلم بتحقق الاطاعة ولو إجمالا.

فمع قطع النظر عن الدليل الخارجي يكون الثاني مقدما على الاول في مقام الطاعة، بحكم العقل والعقلاء.

لكن بعد العلم بجواز الاول والشك في جواز الثاني في الشرعيات من جهة منع جماعة من الاصحاب عن ذلك وإطلاقهم إعتبار نية الوجه، فالاحوط ترك ذلك وإن لم يكن واجبا، لان نية الوجه لو قلنا بإعتباره فلا نسلمه إلا مع العلم بالوجه أو الظن الخاص، لا الظن المطلق الذي لم يثبت القائل به جوازه إلا بعدم وجوب الاحتياط لا بعدم جوازه، فكيف يعقل تقديمه على الاحتياط.

وأما لو كان الظن مما ثبت إعتباره بالخصوص، فالظاهر أن تقديمه على الاحتياط إذا لم يتوقف على التكرار مبني على إعتبار قصد الوجه.

وحيث قد رجحنا في مقامه عدم إعتبار نية الوجه فالاقوى جواز ترك تحصيل الظن والاخذ بالاحتياط.

ومن هنا يترجح القول بصحة عبادة المقلد إذا أخذ بالاحتياط وترك التقليد، إلا إنه خلاف الاحتياط من جهة وجود القول بالمنع من جماعة.

وإن توقف الاحتياط على التكرار فالظاهر أيضا جواز التكرار بل أولويته على الاخذ بالظن الخاص، ما تقدم من أن تحصيل الواقع بطريق العلم ولو إجمالا أولى من تحصيل الاعتقاد الظني به ولو كان تفصيلا.

وأدلة الظنون الخاصة إنما دلت على كفايتها عن الواقع، لا تعين العمل بها في مقام الامتثال.

إلا أن شبهة إعتبار نية الوجه، كما هو قول جماعة بل المشهور بين المتأخرين، جعل الاحتياط في خلاف ذلك، مضافا إلى ما عرفت من مخالفة التكرار للسيرة المستمرة.

مع إمكان أن يقال: إنه إذا شك بعد القطع بكون داعي الامر هو التعبد بالمأمور به.

لا حصوله بأي وجه إتفق، في أن الداعي هو التعبد بإيجاده ولو في ضمن أمرين أو أزيد، أو التعبد بخصوصه متميزا عن غيره، فالاصل عدم سقوط الغرض الداعي إلا بالثاني، وهذا ليس تقييدا في دليل تلك العبادة حتى يرفع بإطلاقه، كما لا يخفى.

وحينئذ فلا ينبغي بل لا يجوز ترك الاحتياط في جيمع موارد إرادة التكرار بتحصيل الواقع أولا

[27]

بظنه المعتبر من التقليد أو الاجتهاد بأعمال الظنون الخاصة أو المطلقة وإتيان الواجب مع نية الوجه، ثم الاتيان بالمحتمل الاخر بقصد القربة من جهة الاحتياط.

وتوهم: (أن هذا قد يخالف الاحتياط من جهة إحتمال كون الواجب ما أتي به بقصد القربة، فيكون قد أخل فيه بنية الوجوب)، مدفوع بأن هذا المقدار من المخالفة للاحتياط مما لا بد منه، إذ لو أتي به بنية الوجوب كان فاسدا قطعا، لعدم وجوبه ظاهرا على المكلف بعد فرض الاتيان بما وجب عليه في ظنه المعتبر.

وإن شئت قلت: إن نية الوجه ساقطة فيما يؤتى به من باب الاحتياط، إجماعا، حتى من القائلين بإعتبار نية الوجه، لان لازم قولهم بإعتبار نية الوجه في مقام الاحتياط عدم مشروعية الاحتياط وكونه لغوا.

ولا أظن أحدا يلتزم بذلك، عدى السيد أبي المكارم في ظاهر كلامه في الغنية في رد الاستدلال على كون الامر للوجوب بأنه أحوط، وسيأتي ذكره عند الكلام على الاحتياط في طي مقدمات دليل الانسداد.

اما المقام الاول وهو كفاية العلم الاجمالي في تنجز التكليف وإعتباره كالتفصيلي

فقد عرفت أن الكلام في إعتباره بمعنى وجوب الموافقة القطعية وعدم كفاية الموافقة الاحتمالية راجع إلى مسألة البراء‌ة والاحتياط.

والمقصود هنا بيان إعتباره في الجملة الذي أقل مراتبه حرمة المخالفة القطعيه، فنقول: إن للعلم الاجمالي صورا كثيرة، لان الاجمال الطاري، إما من جهة متعلق الحكم مع تبين نفس الحكم تفصيلا، كما لو شككنا أن حكم الوجوب في يوم الجمعة يتعلق الظهر أو الجمعة، و حكم الحرمة يتعلق بهذا الموضوع الخارجي من المشتبهين أو بذاك، وإما من جهة نفس الحكم مع تبين موضوعه، كما لو شك في أن هذا الموضوع المعلوم الكلي أو الجزئي يتعلق به الوجوب أو الحرمة، وإما من جهة الحكم والمتعلق جميعا، مثل أن نعلم أن حكما من الوجوب والتحريم تعلق بأحد هذين الموضوعين.

ثم الاشتباه في كل من الثلاثة، إما من جهة الاشتباه في الخطاب الصادر من الشارع كما في مثال الظهر والجمعة، وإما من جهة إشتباه مصاديق متعلق ذلك الخطاب كما في المثال الثاني.

[28]

والاشتباه في هذا القسم إما في المكلف به كما في الشبهة المحصورة وإما في المكلف.

وطرفا الشبهة في المكلف إما أن يكونا إحتمالين في مخاطب واحد كما في الخنثى، وإما أن يكونا إحتمالين في مخاطبين كما في واجدي المني في الثوب المشترك.

ولا بد قبل التعرض لبيان حكم الاقسام من التعرض لامرين.

أحدهما: إنك قد عرفت في أول مسألة إعتبار العلم أن إعتباره قد يكون من باب محض الكشف والطريقية وقد يكون من باب الموضوعية بجعل الشارع.

والكلام هنا في الاول، إذ إعتبار العلم الاجمالي وعدمه في الثاني تابع لدلالة ما دل على جعله موضوعا.

فإن دل على كون العلم التفصيلي داخلا في الموضوع، كما لو فرضنا أن الشارع لم يحكم بوجوب الاجتناب إلا عما علم تفصيلا نجاسته، فلا إشكال في عدم إعتبار العلم الاجمالي بالنجاسة.

الثاني: أنه إذا تولد من العلم الاجمالي العلم التفصيلي بالحكم الشرعى في مورد، وجب إتباعه وحرم مخالفته، لما تقدم من إعتبار العلم التفصيلي من غير تقييد بحصوله من منشأ خاص.

فلا فرق بين من علم تفصيلا ببطلان صلاته بالحدث أو بواحد مردد بين الحدث والاستدبار، أو بين ترك ركن وفعل مبطل، أو بين فقد شرط من شرائط صلاة نفسه وفقد شرط من شرائط صلاة إمامه بناء على إعتبار وجود شرائط الامام في علم المأموم، إلى غير ذلك.

وبالجملة فلا فرق بين هذا العلم التفصيلي وبين غيره من العلوم التفصيلية.

إلا أنه قد ورد في الشرع مواورد توهم خلاف ذلك.

منها: ما حكم به بعض فيما إذا إختلفت الامة على قولين ولم يكن مع أحدهما دليل، من أن يطرح القولان ويرجع إلى مقتضى الاصل، فإن إطلاقه يشمل ما لو علمنا بمخالفة مقتضى الاصل للحكم الواقعي المعلوم وجوده بين القولين، بل ظاهر كلام الشيخ، رحمه الله، القائل بالتخيير هو التخيير الواقعي المعلوم تفصيلا مخالفته لحكم الله الواقعي في الواقعة.

ومنها: حكم بعض بجواز إرتكاب كلا المشتبهين في الشبهة المحصورة دفعة أو تدريجا، فإنه قد يؤدي إلى العلم التفصيلي بالحرمة أو النجاسة.كما لو إشترى بالمشتبهين بالميتة جارية.

فإنا نعلم تفصيلا بطلان البيع في تمام الجارية لكون بعض ثمنها ميتة، فنعلم تفصيلا بحرمة وطيها، مع أن القائل بجواز الارتكاب لم يظهر من كلامه إخراج هذه الصور.

ومنها: حكم بعض بصحة إئتمام أحد واجدي المنيي في الثوب المشترك بينهما بالاخر مع أن

[29]

المأموم يعلم تفصيلا ببطلان صلاته من جهة حدثه أو حدث إمامه.

ومنها: حكم الحاكم بتنصيف العين التي تداعاها رجلان بحيث يعلم صدق أحدهما وكذب الاخر، فإن لازم ذلك جواز شراء ثالث للنصفين من كل منهما مع أنه يعلم تفصيلا عدم إنتقال تمام المال إليه من مالكه الواقعي.

ومنها: حكمهم بأنه لو كان لاحد درهم ولاخر درهمان، فتلف أحد الدراهم من عند الودعي، أن لصاحب الاثنين واحدا ونصفا وللاخر نصفا، فإنه قد يتفق إفضاء ذلك إلى مخالفة تفصيليلة.

كما لو أخذ الدرهم المشترك بينهما ثالث، فإنه يعلم تفصيلا بعدم إنتقاله من مالكه الواقعي إليه.

ومنها: ما لو أقر بعين لشخص ثم أقر بها لآخر، فإنه يغرم للثاني قيمة العين بعد دفعها إلى الاول، فإنه قد يؤدي ذلك إلى إجتماع العين والقيمة عند واحد وبيعهما بثمن واحد، فيعلم عدم إنتقال تمام الثمن إليه، لكون بعض مثمنه مال المقر في الواقع.

ومنها: الحكم بإنفساخ العقد المتنازع في تعيين ثمنه أو مثمنه على وجه يقضى فيه بالتحالف.

كما لو إختلفا في كون المبيع بالثمن المعين عبدا أو جارية، فإن رد الثمن إلى المشتري بعد التحالف مخالف للعلم التفصيلي بصيرورته ملك البائع ثمنا للعبد أو الجارية، وكذا لو إختلفا في كون ثمن الجارية المعينة عشرة دنانير أو مائة درهم، فإن الحكم برد الجارية مخالف للعلم التفصيلي بدخولها في ملك المشتري.

ومنها: حكم بعضهم بأنه لو قال أحدهما: بعتك الجارية بمائة، وقال الآخر: وهبتني إياها بأنهما يتحالفان وترد الجارية إلى صاحبها، مع أنا نعلم تفصيلا بإنتقالها من ملك صاحبها إلى الاخر.

إلى غير ذلك من الموارد التي يقف عليها المتتبع.

فلا بد في هذه الموارد من إلتزام أحد أمور على سبيل منع الخلو: أحدها: كون العلم التفصيلي في كل من أطراف الشبهة موضوعا للحكم.

بأن يقال: الواجب الاجتناب عما علم كونه بالخصوص بولا، فالمشتبهان طاهران في الواقع.

وكذا المانع للصلاة الحدث المعلوم صدوره تفصيلا من مكلف خاص، فالمأموم والامام متطهران في الواقع.

الثاني: أن الحكم الظاهري في حق كل أحد نافذ واقعا في حق الاخر، بأن يقال: إن من كانت صلاته بحسب الظاهر صحيحة عند نفسه، فللاخر أن يترتب عليها آثار الصحة الواقعية فيجوز له الائتمام، وكذا من حل له أخذ الدار، ممن وصل إلى نصفه إذا لم يعلم كذبه في الدعوى بأن إستند إلى بينة أو إقرار أو إعتقاد من القرائن، فإنه يملك هذا النصف في الواقع.وكذلك إذا إشترى

[30]

النصف الاخر فيثبت ملكه للنصفين في الواقع.وكذا الاخذ ممن وصل إليه نصف الدرهم في مسألة الصلح وفي مسألتي التحالف.

الثالث: أن يلتزم بتقييد الاحكام المذكورة بما إذا لم يفض إلى العلم التفصيلي بالمخالفة والمنع مما يستلزم المخالفة تفصيلا، كمسألة إختلاف الامة على قولين وحمل أخذ المبيع في مسألتي التحالف على كونه تقاصا شرعيا قهريا عما يدعيه من الثمن أو إنفساخ البيع بالتحالف من أصله أو من حينه وكون أخذ نصف الدرهم مصالحة قهرية.

وعليك بالتأمل في دفع الاشكال عن كل مورد بأحد الامور المذكورة، فإن إعتبار العلم التفصيلي بالحكم الواقعي وحرمة مخالفته مما لا يقبل التخصيص بإجماع أو نحوه.

* * *

 إذا عرفت هذا فلنعد إلى حكم مخالفة العلم الاجمالي، فنقول: مخالفة الحكم المعلوم بالاجمال يتصور على وجهين.

أحدهما: مخالفته من حيث الالتزام، كالالتزام بإباحة وطي المرأة المرددة بين من حرم وطيها بالحلف ومن وجب وطيها به مع إتحاد زماني الوجوب والحرمة، وكالالتزام بإباحة موضوع كلي مردد أمره بين الوجوب والتحريم مع عدم كون أحدهما المعين تعبديا يعتبر فيه قصد الامتثال، فإن المخالفة في المثالين ليس من حيث العمل، لانه لا يخلو من الفعل الموافق للوجوب أو الترك الموافق للحرمة.فلا قطع بالمخالفة إلا من حيث الالتزام بإباحة الفعل.

الثاني: مخالفته من حيث العمل، كترك الامرين اللذين يعلم بوجوب أحدهما، وإرتكاب فعلين يعلم بحرمة أحدهما، فإن المخالفة هنا من حيث العمل.

وبعد ذلك فنقول: أما المخالفة الغير العملية، فالظاهر جوازها في الشبهة الموضوعية والحكمية معا، سواء كان الاشتباه والترديد بين حكمين لموضوع واحد كالمثالين المتقدمين، أو بين حكمين لموضوعين كطهارة البدن وبقاء الحدث لمن توضأ غفلة بمائع مردد بين الماء والبول.

أما في الشبهة الموضوعية، فلان الاصل فيها إنما يخرج مجراه عن موضوع التكليفين، فيقال: الاصل عدم تعلق الحلف بوطي هذه وعدم تعلق الحلف بترك وطيها، فتخرج المرأة بذلك عن موضوع حكمي التحريم والوجوب، فيحكم بالاباحة لاجل الخروج من موضوع الوجوب والحرمة، لا لاجل طرحهما.

وكذا الكلام في الحكم بطهارة البدن وبقاء الحدث في الوضوء بالمائع المردد.

وأما الشبهة الحكمية، فلان الاصول الجارية فيها وإن لم يخرج مجراها عن موضوع الحكم

[31]

الواقعي، بل كانت منافية لنفس الحكم، كأصالة الاباحة مع العلم بالوجوب أو الحرمة، فإن الاصول في هذه منافية لنفس الحكم الواقعي المعلوم إجمالا، لا مخرجة عن موضوعة، إلا أن الحكم الواقعي المعلوم إجمالا لا يترتب عليه أثر إلا وجوب الاطاعة وحرمة المعصية والمفروض أنه لا يلزم من إعمال الاصول مخالفة عملية له ليتحقق المعصية، ووجوب الالتزام بالحكم الواقعي مع قطع النظر عن العمل غير ثابت.

لان الالتزام بالاحكام الفرعية إنما يجب مقدمة للعمل وليست كالاصول الاعتقادية يطلب فيها الالتزام والاعتقاد من حيث الذات.

ولو فرض ثبوت الدليل عقلا أو نقلا على وجوب الالتزام بحكم الله الواقعي لم ينفع، لان الاصول تحكم في مجاريها بإنتفاء الحكم الواقعي، فهي كالاصول في الشبهة الموضوعية مخرجة لمجاريها عن موضوع ذلك الحكم، أعني وجوب الاخذ بحكم الله، هذا.

ولكن التحقيق أنه لو ثبت هذا التكليف، أعني وجوب الاخذ بحكم الله والالتزام مع قطع النظر عن العمل، لم تجر الاصول، لكونها موجبة للمخالفة العملية للخطاب التفصيلي، أعني وجوب الالتزام بحكم الله، وهو غير جائز حتى في الشبهة الموضوعية، كما سيجئ، فيخرج عن المخالفة الغير العملية.

فالحق - مع فرض عدم قيام الدليل على وجوب الالتزام بما جاء به الشارع على ما جاء به - أن طرح الحكم الواقعي ولو كان معلوما تفصيلا ليس محرما إلا من حيث كونها معصية دل العقل على قبحها وإستحقاق العقاب بها.

فإذا فرض العلم تفصيلا بوجوب الشئ فلم يلتزم به المكلف إلا أنه فعله لا لداعي الوجوب، لم يكن عليه شئ.

نعم لو أخذ في ذلك الفعل نية القربة فالاتيان به لا للوجوب مخالفة عملية و معصية لترك المأمور به.

ولذا قيدنا الوجوب والتحريم في صدر المسألة بغير ما علم كون أحدهما المعين تعبديا.

فإذا كان هذا حال العلم التفصيلي، فإذا علم إجمالا بحكم مردد بين الحكمين وفرضنا إجراء الاصل في نفي الحكمين اللذين علم بكون أحدهما حكم الشارع، والمفروض أيضا عدم مخالفتهما في العمل، فلا معصية ولا قبح، بل وكذلك لو فرضنا عدم جريان الاصل، لما عرفت من ثبوت ذلك في العلم التفصيلي.

فملخص الكلم أن المخالفة من حيث الالتزام ليست مخالفة، ومخالفة الاحكام الفرعية إنما هي في العمل، ولا عبرة بالالتزام وعدمه.

[32]

ويمكن أن يقرر دليل الجواز أى جواز المخالفة فيه بوجه أخصر: وهو أنه لو وجب الالتزام: فإن كان بأحدهما المعين واقعا فهو تكليف من غير بيان ولا يلتزمه أحد، وإن كان بأحدهما على وجه التخيير فهذا لا يمكن أن يثبت بذلك الخطاب الواقعي المجمل، فلا بد له من خطاب آخر.

وهو، مع أنه لا دليل عليه، غير معقول، لان الغرض من هذا الخطاب المفروض كونه توصليا حصول مضمونه، أعني إيقاع الفعل أو الترك تخييرا، وهو حاصل من دون الخطاب التخييري، فيكون الخطاب طلبا للحاصل، وهو محال.

إلا أن يقال: إن المدعي للخطاب التخييري إنما يدعي ثبوته بأن يقصد منه التعبد بأحد الحكمين، لا مجرد حصول مضمون أحد الخطابين الذي هو حاصل، فينحصر دفعه حينئذ بعدم الدليل، فافهم، هذا.

وأما دليل وجوب الالتزام بما جاء به النبي، صلى الله عليه وآله، فلا يثبت إلا الالتزام بالحكم الواقعي على ما هو عليه، لا الالتزام بأحدهما تخييرا عند الشك، فافهم، هذا.

ولكن الظاهر من جماعة من الاصحاب، في مسألة الاجماع المركب، إطلاق القول بالمنع عن الرجوع إلى حكم علم عدم كونه حكم الامام في الواقع.وعليه بنوا.عدم جواز الفصل فيما علم كون الفصل فيه طرحا لقول الامام عليه السلام.

نعم صرح غير واحد من المعاصرين، في تلك المسألة فيما إذا إقتضى الاصلان حكمين يعلم بمخالفة أحدهما للواقع، بجواز العمل بكليهما.وقاسه بعضهم على العمل بالاصلين المتنافيين في الموضوعات.

لكن القياس في غير محله، لما تقدم من أن الاصول في الموضوعات حاكمة على أدلة التكليف، فإن البناء على عدم تحريم المرأة لاجل البناء بحكم الاصل على عدم تعلق الحلف بترك وطيها، فهي خارجة عن موضوع الحكم بتحريم وطي من حلف على ترك وطيها.

وكذا الحكم بعدم وجوب وطيها لاجل البناء على عدم الحلف على وطيها، فهي خارجة عن موضوع الحكم بوجوب وطي من حلف على وطيها وهذا بخلاف الشبهة الحكمية، فإن الاصل فيها معارض لنفس الحكم المعلوم بالاجمال وليس مخرجا لمجراه عن موضوعه حتى لا ينافيه جعل الشارع.

لكن هذا المقدار من الفرق غير مجد، إذ اللازم من منافاة الاصول لنفس الحكم الواقعي، حتى مع العلم التفصيلي ومعارضتها له، هو كون العمل بالاصول موجبا لطرح الحكم الواقعي من حيث الالتزام.

فإذا فرض جواز ذلك، لان العقل والنقل لم يدلا إلا على حرمة المخالفة العملية، فليس

[33]

الطرح من حيث الالتزام مانعا عن إجراء الاصول المتنافية في الواقع.

ولا يبعد حمل إطلاق كلمات العلماء في عدم جواز طرح قول الامام، عليه السلام، في مسألة الاجماع على طرحه من حيث العمل، إذ هو المسلم المعروف من طرح قول الحجة.

فراجع كلماتهم فيما إذا إختلفت الامة على قولين ولم يكن مع أحدهما دليل، فإن ظاهرالشيخ، رحمه الله، الحكم بالتخيير الواقعى وظاهر المنقول عن بعض طرحهما والرجوع إلى الاصل.

ولا ريب أن في كليهما طرحا للحكم الواقعي، لان التخيير الواقعي كالاصل حكم ثالث.

نعم ظاهرهم في مسألة دوران الامر بين الوجوب والتحريم الاتفاق على عدم الرجوع إلى الاباحة وإن إختلفوا بين قائل بالتخيير وقائل بتعيين الاخذا بالحرمة.

والانصاف: أنه لا يخلو عن قوة، لان المخالفة العملية التي لا تلزم في المقام هي المخالفة دفعة وفي واقعة عن قصد وعمد، وأما المخالفة تدريجا وفي واقعتين فهي لازمة البتة.

والعقل كما يحكم بقبح المخالفة دفعة عن قصد وعمد، كذلك يحكم بحرمة المخالفة في واقعتين تدريجا عن قصد إليهما من غير تقييد بحكم ظاهري عند كل واقعة.وحينئذ فيجب بحكم العقل الالتزام بالفعل أو الترك.

إذ في عدمه إرتكاب لما هو مبغوض للشارع يقينا عن قصد.

وتعدد الواقعة إنما يجدي مع الاذن من الشارع عند كل واقعة.

كما في تخيير الشارع للمقلد بين قولي مجتهدين تخييرا مستمرا يجوز معه الرجوع عن احدهما إلى الاخر.

وأما مع عدمه فالقادم على ما هو مبغوض للشارع يستحق عقلا العقاب على إرتكاب ذلك المبغوض.

أما لو إلتزم بأحذ الاحتمالين قبح عقابه على مخالفة الواقع لو إتفقت.

ويمكن إستفادة الحكم أيضا من فحوى أخبار التخيير عند التعارض، لكن هذا الكلام لا يجري في الشبهة الواحدة التي لم تتعدد فيها الواقعة حتى تحصل المخالفة العملية تدريجا.

فالمانع في الحقيقة هي المخالفة العملية القطعية ولو تدريجا مع عدم التعبد بدليل ظاهري، فتأمل جدا.

هذا كله في المخالفة القطعية للحكم المعلوم إجمالا من حيث الالتزام، بأن لا يلتزم به أو يلتزم بعدمه في مرحلة الظاهر إذا إقتضت الاصول ذلك.

وأما المخالفة العملية، فإن كانت لخطاب تفصيلي، فالظاهر عدم جوازها، سواء كانت في الشبهة الموضوعية، كإرتكاب الانائين المشتبهين المخالف لقول الشارع: (إجتنب عن النجس)، أو كترك القصر والاتمام في موارد إشتباه الحكم، لان ذلك معصية لذلك الخطاب.

لان المفروض وجوب الاجتناب عن النجس الموجود بين الانائين، ووجوب صلاة الظهر والعصر، مثلا، قصرا أو

[34]

إتماما.

وكذا لو قال: (أكرم زيدا)، واشتبه بين شخصين، فإن ترك إكرامهما معصية.

فإن قلت: إذا أجرينا أصالة الطهارة في كل من الانائين وأخرجناهما عن موضوع النجس بحكم الشارع فليس في إرتكابهما، بناء على طهارة كل منهما، مخالفة لقول الشارع: (إجتنب عن النجس).

قلت: أصالة الطهارة في كل مهما بالخصوص إنما يوجب جواز إرتكابه من حيث هو.

وأما الاناء النجس الموجود بينهما فلا أصل يدل على طهارته، لانه نجس يقينا، فلا بد إما من إجتنابهما تحصيلا للموافقة القطعية، وإما أن يجتنب أحدهما فرارا عن المخالفة القطعية على الاختلاف المذكور في محله.

هذا، مع أن حكم الشارع بخروج مجرى الاصل عن موضوع المكلف به الثابت بالادلة الاجتهادية لا معنى له إلا رفع حكم ذلك الموضوع، فمرجع أصالة الطهارة إلى عدم وجوب الاجتناب المخالف لقوله: (إجتنب عن النجس)، فافهم.

وإن كانت المخالفة مخالفة لخطاب مردد بين خطابين كما إذا علمنا بنجاسة هذا المائع أو بحرمة هذه المرأة، أو علمنا بوجوب الدعاء عند رؤية هلال رمضاه، أو بوجوب الصلاة عند ذكر النبي، صلى الله عليه وآله ففي المخالفة القطعية حنيئذ وجوه:

أحدهما: الجواز مطلقا، لان المردد بين الخمر والاجنبية لم يقع النهي عنه في خطاب من الخطابات الشرعية حتى يحرم إرتكابه، وكذا المردد بين الدعاء والصلاة، فإن الاطاعة والمعصية عبارة عن موافقة الخطابات التفصيلية ومخالفتها.

الثاني: عدم الجواز مطلقا، لان مخالفة الشارع قبيحة عقلا مستحقة للذم عليها، ولا يعذر فيها إلا الجاهل بها.

الثالث: الفرق بين الشبهة في الموضوع والشبهة في الحكم، فيجوز في الاولى دون الثانية، لان المخالفة القطعية في الشبهات الموضوعية فوق حد الاحصاء، بخلاف الشبهات الحكمية، كما يظهر من كلماتهم في مسائل الاجماع المركب.

وكان الوجه ما تقدم، من أن الاصول في الموضوعات تخرج مجاريها عن موضوعات أدلة التكليف.

بخلاف الاصول في الشبهات الحكمية، فإنها منافية لنفس الحكم الواقعي المعلوم إجمالا.

وقد عرفت ضعف ذلك، وأن مرجع الاخراج الموضوعي إلى رفع الحكم المترتب على ذلك، فيكون الاصل في الموضوع في الحقيقة منافيا لنفس الدليل الواقعي إلا أنه حاكم عليه لا معارض له، فافهم.

الرابع: الفرق بين كون الحكم المشتبه في موضوعين واحدا بالنوع كوجوب أحدالشيئين وبين

[35]

إختلافه كوجوب الشئ وحمرمة آخر.

والوجه في ذلك أن الخطابات في الواجبات الشرعية بأسرها في حكم خطاب واحد بفعل الكل، فترك البعض معصية عرفا، كما لو قال المولى: (إفعل كذا وكذا وكذا)، فإنه بمنزلة: (إفعلها جميعا)، فلا فرق في العصيان بين ترك واحد منها معينا أو واحد غير معين عنده.

نعم في وجوب الموافقة القطعية بالاتيان بكل واحد من المحتملين كلام آخر مبني على أن مجرد العلم بالحكم الواقعي يقتضي البرآة اليقينية العلمية عنه أو يكتفي بأحدهما حذرا عن المخالفة القطعية التي هي نفسها مذمومة عند العقلاء ويعد معصية عندهم وإن لم يلتزموا الامتثال اليقيني لخطاب مجمل.

والاقوى من هذه الوجوه هو الوجه الثاني ثم الاول ثم الثالث ثم الرابع.

هذا كله في إشتباه الحكم من حيث الفعل المكلف به.

* * *

 وأما الكلام في إشتباهه من حيث المكلف بذلك الحكم، فقد عرفت أنه يقع تارة في الحكم الثابت لموضوع واقعي مردد بين شخصين، كأحكام الجنابة المتعلقة بالجنب المردد بين واجدي المني، وقد يقع في الحكم الثابت لشخص من جهة تردده بين موضوعين، كحكم الخنثى المردد بين الذكر والانثى.

أما الكلام في الاول: فمحلصه: أن مجرد التكليف بين شخصين لا يوجب على أحدهما شيئا، إذ العبرة في الاطاعة والمعصية بتعلق الخطاب بالمكلف الخاص، فالجنب المردد بين شخصين غير مكلف بالغسل وإن ورد من الشارع أنه يجب الغسل على كل جنب، فإن كلا منهما شاك في توجه هذا الخطاب إليه، فيقبح عقاب واحد من الشخصين يكون جنبا بمجرد هذا الخطاب الغير الموجه إليه.

نعم لو إتفق لاحدهما أو لثالث علم بتوجه الخطاب إليه دخل في إشتباه متعلق التكليف الذي تقدم حكمه باقسامه.

ولا بأس بالاشارة إلى بعض فروع المسأله، ليتضح إنطباقها على ما تقدم في العلم الاجمالي بالتكليف.

فمنها: حمل احدهما الاخر وإدخاله في المسجد للطواف أو لغيره، بناء على تحريم إدخال الجنب او إدخال النجاسة الغير المتعدية.

[36]

فإن قلنا إن الدخول والادخال متحققان بحركة واحدة، دخل في المخالفة المعلومة تفصيلا وإن تردد بين كونه من جهة الدخول أو الادخال.

وإن جعلناهما متغايرين في الخارج كما في الذهن: فإن جعلنا الدخول والادخال راجعين إلى عنوان محرم واحد، وهو القدر المشترك بين إدخال النفس وإدخال الغير، كان من المخالفة المعلومة للخطاب التفصيلي، نظير إرتكاب المشتبهين بالنجس.

وإن جعلنا كلا منهما عنوانا مستقلا دخل في المخالفة للخطاب المعلوم بالاجمال الذي عرفت فيه الوجوه المتقدمة، وكذا من جهة دخول المحمول وإستيجاره الحامل مع قطع النظر عن حرمة الدخول والادخال عليه أو فرض عدمها حيث أنه علم إجمالا بصدور أحد المحرمين إما دخول المسجد جنبا او استجار جنب للدخول في المسجد.

إلا ان يقال بأن الاستيجار تابع لحكم الاجير، فاذا لم يكن هو في تكليفه محكوما بالجنابة وابيح له الدخول في المسجد صح استيجار الغير له.

ومنها: إقتداء الغير بهما في صلاة أو صلاتين.

فإن قلنا بأن عدم جواز الاقتداء من أحكام الجنابة الواقعية، كان الاقتداء بهما في صلاة واحدة موجبا للعلم التفصيلي ببطلان الصلاة والاقتداء بهما في صلاتين من قبيل إرتكاب الانائين والاقتداء بأحدهما في صلاة واحدة كإرتكاب أحد الانائين.

وإن قلنا إنه يكفي في جواز الاقتداء عدم جنابة الشخص في حكم نفسه، صح الاقتداء في صلاة، فضلا عن صلاتين، لانهما طاهران بالنسبة إلى حكم الاقتداء.والاقوى هو الاول، لان الحدث مانع واقعي لا علمي.

نعم لا إشكال في إستيجارهما لكنس المسجد، فضلا عن إستيجار أحدهما، لان صحة الاستيجار تابعة لاباحة الدخول لهما، لا للطهارة الواقعية، والمفروض إباحته لهما.

وقس على ما ذكرنا جميع ما يرد عليك مميزا بين الاحكام المتعلقة بالجنب من حيث الحدث الواقعي وبين الاحكام المتعلقة بالجنب من حيث أنه مانع ظاهري للشخص المتصف به.

وأما الكلام في الخنثى: فيع تارة في معاملتها مع غيرها من معلوم الذكورية والانوثية أو مجهولهما، وحكمهما بالنسبة إلى التكاليف المختصة بكل من الفريقين، وتارة في معاملة الغير معهما، وحكم الكل يرجع إلى ما ذكرنا في الاشتباه المتعلق بالمكلف به.

أما معاملتها مع الغير، فمقتضى القاعدة إحترازها عن غيرها مطلقا، للعلم الاجمالي بحرمة نظرها

[37]

إلى إحدى الطائفتين، فتجتنب عنهما مقدمة.

وقد يتوهم: (أن ذلك من باب الخطاب الاجمالي، لان الذكور مخاطبون بالغض عن الاناث وبالعكس، والخنثى شاك في دخوله في أحد الخطابين).

والتحقيق هو الاول، لانه علم تفصيلا بتكليفه بالغص عن إحدى الطائفتين، ومع العلم التفصيلي لا عبرة بإجمال الخطاب كما تقدم في الدخول والادخال في المسجد لواجدي المني مع أنه يمكن إرجاع الخطابين إلى خطاب واحد، وهو تحريم نظر كل إنسان إلى كل بالغ لا يماثله في الذكورية والانوثية عدا من يحرم نكاحه.

ولكن يمكن أن يقال: إن الكف عن النظر إلى ما عدى مشقة عظيمة فلا يجب الاحتياط فيه، بل العسر فيه أولى من الشبهة الغير المحصورة، أو يقال: إن رجوع الخطابين إلى خطاب واحد في حرمة المخالفة القطعية، لا في وجوب الموافقة القطعية، فافهم.

وهكذا حكم لباس الخنثى، حيث إنه يعلم إجمالا بحرمة واحد من مختصات الرجال كالمنطقة والعمامة أو مختصات النساء عليه، فيجتنب عنهما.

وأما حكم ستارته في الصلاة، فيجتنب الحرير ويستر جميع بدنه.

وأما حكم الجهر والاخفات، فإن قلنا بكون الاخفات في العشائين والصبح رخصة للمرأة جهر الخنثى بهما، وإن قلنا إنه عزيمة لها فالتخيير، إن قام الاجماع على عدم وجوب تكرار الصلاة في حقها.

وقد يقال بالتخيير مطلقا، من جهة ما ورد: من أن الجاهل في الجهر والاخفات معذور.

وفيه مضافا إلى أن النص إنما دل على معذورية الجاهل بالنسبة إلى لزوم الاعادة لو خالف الواقع، وأين هذا من تخيير الجاهل من أول الامر بينهما، بل الجاهل لو جهر أو أخفت مترددا بطلت صلاته، إذ يجب عليه الرجوع إلى العلم أو العالم -: أن الظاهر من الجهل في الاخبار غير هذا الجهل.

وأما تخيير قاضي الفريضة المنسية عن الخمس في ثلاثية ورباعية وثنائية، فإنما هو بعد ورود النص في الاكتفاء بالثلاث المستلزم لالغاء الجهر والاخفات بالنسبة إليه، فلا دلالة فيه على تخيير الجاهل بالموضوع مطلقا.

وأما معاملة الغير معها، فقد يقال بجواز نظر كل من الرجل والمرأة إليها، لكونها شبهة في الموضوع، والاصل الاباحة.

وفيه: أن عموم وجوب الغض على المؤمنات، إلا عن نسائهن أو الرجال المذكورين في الاية، يدل على وجوب الغض عن الخنثى.ولذا حكم في جامع المقاصد بتحريم نظر الطائفتين

[38]

إليها، كتحريم نظرها إليهما.

بل إدعى سبطه الاتفاق على ذلك، فتأمل جدا.

ثم إن جميع ما ذكرنا إنما هو في غير النكاح.

وأما التناحك، فيحرم بينه وبين غيره قطعا، فلا يجوز له تزويج إمرأة، لاصالة عدم ذكوريته بمعنى عدم ترتب أثر الذكورية من جهة النكاح و وجوب حفظ الفرج إلا عن الزوجة وملك اليمين - ولا التزوج برجل، لاصالة عدم كونه إمرأة، كما صرح به الشهيد.

لكن ذكر الشيخ مسألة فرض الوارث الخنثى المشكل زوجا أو زوجة، فافهم.

هذا تمام الكلام في إعتبار العلم.

المقصد الثاني في الظن ...المقام الاول: إمكان التعبد بالظن عقلا

أما الاول، فاعلم أن المعروف هو إمكانه.

ويظهر من الدليل المحكي عن إبن قبة، في إستحالة العمل بالخبر الواحد، عموم المنع لمطلق الظن، فإنه إستدل على مذهبه بوجهين:

(الاول: أنه لو جاز التعبد بخبر الواحد في الاخبار عن النبي، صلى الله عليه وآله، لجاز التعبد به في الاخبار عن الله تعالى، والتالي باطل إجماعا.

الثاني: أن العمل به موجب لتحليل الحرام وتحريم الحلال، إذ لا يؤمن أن يكون ما أخبر بحليته حراما وبالعكس).

وهذا الوجه - كما ترى - جار في مطلق الظن، بل في مطلق الامارة الغير العلمية وإن لم يفد الظن.

وإستدل المشهور على الامكان: بأنا نقطع بأنه لا يلزم من التعبد به محال.

وفي هذا التقرير نظر، إذ القطع بعدم لزوم المحال موقوف على إحاطة العقل جميع الجهات المحسنة والمقبحة وعلمه بإنتفائها، وهو غير حاصل فيما نحن فيه.

فالاولى أن يقرر هكذا: إنا لا نجد في عقولنا بعد التأمل ما يوجب الاستحالة، وهذا طريق يسلكه العقلاء في الحكم بالامكان.

والجواب عن دليله الاول: أن الاجماع إنما قام على عدم الوقوع، لا على الامتناع، مع أن عدم الجواز قياسا على الاخبار عن الله تعالى، بعد تسليم صحة الملازمة، إنما هو فيما إذا بني تأسيس الشريعة أصولا وفروعا على العمل بخبر الواحد، لا مثل ما نحن فيه، مما ثبت أصل الدين وجميع فروعه بالادلة القطعية، لكن عرض إختفاؤها في الجملة من جهة العوارض وإخفاء الظالمين للحق.

وأما دليله الثاني: فقد أجيب عنه تارة بالنقض بالامور الكثيرة الغير المفيدة للعلم، كالفتوى والبينة واليد، بل القطع أيضا، لانه قد يكون جهلا مركبا.وأخرى بالحل بأنه إن أريد تحريم

[41]

الحلال الظاهري أو عكسه فلا نسلم لزومه، وإن أريد تحريم الحلال الواقعي ظاهرا فلا نسلم إمتناعه.

والاولى أن يقال: إنه إن أراد إمتناع التعبد بالخبر في المسألة التي إنسد فيها باب العلم بالواقع، فلا يعقل المنع عن العمل به فضلا عن إمتناعه.

إذ من فرض عدم التمكن مع العلم بالواقع، إما أن يكون للمكلف حكم في تلك الواقعة، وإما أن لا يكون له فيها حكم، كالبهائم والمجانين.

فعلى الاول، فلا مناص عن إرجاعه إلى ما لا يفيد العلم من الاصول والامارات الظنية التي منها الخبر الواحد.

وعلى الثاني يلزم ترخيص فعل الحرام الواقعي وترك الواجب الواقعي، وقد فر المستدل منهما.

فإن التزم أن مع عدم التمكن من العلم لا وجوب ولا تحريم، لان الواجب والحرام ما علم بطلب فعله أو تركه.

قلنا: فلا يلزم من التعبد بالخبر تحليل حرام أو عكسه.

وكيف كان فلا نظن بالمستدل إرادة الامتناع في هذا الفرض، بل الظاهر أنه يدعي الانفتاح، لانه أسبق من السيد وأتباعه الذين إدعوا إنفتاح باب العلم.

ومما ذكرنا: ظهر أنه لا مجال للنقض عليه بمثل الفتوى، لان المفروض إنسداد باب العلم على المستفتي.

وليس له شئ أبعد من تحريم الحلال وتحليل الحرام من العمل بقول المفتي، حتى أنه لو تمكن من الظن الاجتهادي فالاكثر على عدم جواز العمل بفتوى الغير.

وكذلك نقضه بالقطع مع إحتمال كونه في الواقع جهلا مركبا، فإن باب هذا الاحتمال منسد على القاطع.

وإن أراد الامتناع مع إنفتاح باب العلم والتمكن منه في مورد العمل بالخبر، فنقول: إن التعبد بالخبر حينئذ يتصور على وجهين:

أحدهما: أن يجب العمل به، لمجرد كونه طريقا إلى الواقع وكاشفا ظنيا عنه، بحيث لم يلاحظ فيه مصلحة سوى الكشف عن الواقع، كما قد يتفق ذلك عند إنسداد باب العلم وتعلق الغرض بإصابة الواقع، فإن الامر بالعمل بالظن الخبري أو غيره لا يحتاج إلى مصلحة سوى كونه كاشفا ظنيا عن الواقع.

الثاني: أن يجب العمل به، لاجل أنه يحدث فيه بسبب قيام تلك الامارة مصلحة راجحة على المصلحة الواقعية التي تفوت عند مخالفة تلك الامارة للواقع، كأن يحدث في صلاة الجمعة بسبب

[42]

إخبار العادل بوجوبها مصلحة راجحة على المفسدة في فعلها على تقدير حرمتها واقعا.

أما إيجاب العمل بالخبر على الوجه الاول، فهو وإن كان في نفسه قبيحا مع فرض إنفتاح باب العلم، لما ذكره المستدل من تحريم الحلال وتحليل الحرام، لكن لا يمتنع أن يكون الخبر أغلب مطابقة للواقع في نظر الشارع من الادلة القطعية التي يستعملها المكلف للوصول إلى الحرام والحلال الواقعيين، أو يكونا متساويين في نظره من حيث الايصال إلى الواقع.

إلا أن يقال: إن هذا رجوع إلى فرض إنسداد باب العلم والعجز عن الوصول إلى الواقع، إذ ليس المراد إنسداد باب الاعتقاد ولو كان جهلا مركبا، كما تقدم سابقا.

فالاولى الاعتراف بالقبح مع فرض التمكن عن الواقع.

وأما وجوب العمل بالخبر على الوجه الثاني، فلا قبح فيه أصلا، كما لا يخفى.

قال في النهاية في هذا المقام، تبعا للشيخ، قدس سره، في العدة: (إن الفعل الشرعي إنما يجب لكونه مصلحة، ولا يمتنع أن يكون مصلحة إذا فعلناه ونحن على صفة مخصوصة، وكوننا ظانين بصدق الراوي صفة من صفاتنا، فدخلت في جملة أحوالنا التي يجوز كون الفعل عندها مصلحة)، إنتهى موضع الحاجة.

فإن قلت: إن هذا إنما يوجب التصويب، لان المفروض على هذا أن في صلاة الجمعة التي أخبر بوجوبها مصلحة راجحة على المفسدة الواقعية.

فالمفسدة الواقعية سليمة عن المعارض الراجح بشرط عدم إخبار العادل بوجوبها، وبعد الاخبار يضمحل المفسدة، لعروض المصلحة الراجحة.

فلو ثبت مع هذا الوصف تحريم ثبت بغير مفسدة توجبه، لان الشرط في إيجاب المفسدة له خلوها عن معارضة المصلحة الراجحة.

فيكون إطلاق الحرام الواقعي حينئذ بمعنى أنه حرام لولا الاخبار، لا أنه حرام بالفعل ومبغوض واقعا، فالموجود بالفعل في هذه الواقعة عند الشارع ليس إلا المحبوبية والوجوب، فلا يصح إطلاق الحرام على ما فيه المفسدة المعارضة بالمصلحة الراجحة عليه.

ولو فرض صحته فلا يوجب ثبوت حكم شرعي مغاير للحكم المسبب عن المصلحة الراجحة.

والتصويب وإن لم ينحصر في هذا المعنى، إلا أن الظاهر بطلانه أيضا، كما إعترف به العلامة في النهاية في مسألة التصويب، وأجاب به صاحب المعالم في تعريف الفقه عن قول العلامة بأن ظنية الطريق لا تنافي قطعية الحكم.

قلت: لو سلم كون هذا تصويبا مجمعا على بطلانه وأغمضنا النظر عما سيجئ من عدم كون

[43]

ذلك تصويبا، كان الجواب به عن إبن قبة من جهة أنه أمر ممكن غير مستحيل وإن لم يكن واقعا، لاجماع أو غيره.

وهذا المقدار يكفي في رده.

إلا أن يقال: إن كلامه، قدس سره بعد الفراغ عن بطلان التصويب، كما هو ظاهر إستدلاله.

وحيث إنجر الكلام إلى التعبد بالامارات الغير العلمية، فنقول في توضيح هذا المرام وإن كان خارجا عن محل الكلام: إن ذلك يتصور على وجهين:

الاول: أن يكون ذلك من باب مجرد الكشف عن الواقع، فلا يلاحظ في التعبد بها إلا الايصال إلى الواقع، فلا مصلحة في سلوك هذا الطريق وراء مصلحة الواقع.

كما لو أمر المولى عبده عند تحيره في طريق بغداد بسؤال الاعراب عن الطريق، غير ملاحظ في ذلك إلا قول الاعراب موصلا إلى الواقع دائما أو غالبا.والامر بالعمل في هذا القسم ليس إلا للارشاد.

الثاني: أن يكون ذلك لمدخلية سلوك الامارة في مصلحة العمل وإن خالف الواقع.

فالغرض إدراك مصلحة سلوك هذا الطريق التي هى مساوية لمصلحة الواقع أو أرجح منها.

أما القسم الاول، فالوجه فيه لا يخلو من أمور: أحدها: كون الشارع العالم بالغيب عالما بدوام موافقة هذه الامارات للواقع وإن لم يعلم بذلك المكلف.

الثاني: كونها في نظر الشارع غالب المطابقة.

الثالث: كونها في نظره أغلب مطابقة من العلوم الحاصلة للمكلف بالواقع، لكون أكثرها في نظر الشارع جهلا مركبا.

والوجه الاول والثالث يوجبان الامر بسلوك الامارة ولو مع تمكن المكلف من الاسباب المفيدة للقطع.

والثاني لا يصح إلا مع تعذر باب العلم، لان تفويت الواقع على المكلف ولو في النادر من دون تداركه بشئ قبيح.

وأما القسم الثاني، فهو على وجوه:

أحدها: أن يكون الحكم - مطابقا - تابعا لتلك الامارة، بحيث لا يكون في حق الجاهل مع قطع النظر عن وجود هذه الامارة وعدمها حكم، فيكون الاحكام الواقعية مختصة في الواقع بالعالمين بها،

[44]

والجاهل مع قطع النظر عن قيام أمارة عنده على حكم العالمين لا حكم له أو محكوم بما يعلم الله أن الامارة تؤدي إليه.وهذا تصويب باطل عند أهل الصواب من المخطئة.

وقد تواتر بوجود الحكم المشترك بين العالم والجاهل الاخبار والآثار.

الثاني: أن يكون الحكم الفعلي تابعا لهذه الامارة، بمعنى: أن لله في كل واقعة حكما يشترك فيه العالم والجاهل لولا قيام الامارة على خلافه، بحيث يكون قيام الامارة المخالفة مانعا عن فعلية ذلك الحكم، لكون مصلحة سلوك هذه الامارة غالبة على مصلحة الواقع.

فالحكم الواقعي فعلي في حق غير الظان بخلافه، وشأني في حقه بمعنى وجود المقتضي لذلك الحكم لولا الظن على خلافه.

وهذا أيضا كالاول في عدم ثبوت الحكم الواقعي للظان بخلافه، لان الصفة المزاحمة بصفة أخرى لا تصير منشأ لحكم، فلا يقال للكذب النافع: إنه قبيح واقعا.

والفرق بينه وبين الوجه الاول، بعد إشتراكهما في عدم ثبوت الحكم الواقعي للظان بخلافه، أن العامل بالامارة المطابقة حكمه حكم العالم ولم يحدث في حقه بسبب ظنه حكم، نعم كان ظنه مانعا عن المانع، وهو الظن بالخلاف.

الثالث: أن لا يكون للامارة القائمة على الواقعة تأثير في الفعل الذي تضمنت الامارة حكمه ولا تحدث فيه مصلحة، إلا أن العمل على طبق تلك الامارة، والالتزام به في مقام العمل على أنه هو الواقع، وترتيب الآثار الشرعية المترتبة عليه واقعا يشتمل على مصلحة، [ فأوجبه الشارع.

ومعنى إيجاب العمل على الامارة وجوب تطبيق العمل عليها، لا وجوب إيجاد عمل على طبقها، إذ قد لا تتضمن الامارة إلزاما على المكلف.

فإذا تضمنت إستحباب شئ أو وجوبه تخييرا أو إباحته وجب عليه إذا أراد الفعل أن يوقعه على وجه الاستحباب او الاباحة بمعنى حرمة قصد غيرهما كما لو قطع بهما، ] وتلك المصلحة لا بد أن تكون مما يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع، لو كان الامر بالعمل به مع التمكن من العلم، وإلا كان تفويتا لمصلحة الواقع، وهو قبيح، كما عرفت في كلام إبن قبة.

فإن قلت: ما الفرق بين هذا الوجه الذي مرجعه إلى المصلحة في العمل بالامارة وترتيب أحكام الواقع على مؤداها وبين الوجه السابق الراجع إلى كون قيام الامارة سببا لجعل مؤداها على المكلف؟ مثلا إذا فرضنا قيام الامارة على وجوب صلاة الجمعة مع كون الواجب في الواقع هي الظهر فإن كان في فعل الجمعة مصلحة يتدارك بها ما يفوت بترك صلاة الظهر، فصلاة الظهر في حق هذا

[45]

الشخص خالية عن المصلحة الملزمة، فلا صفة تقتضي وجوبها الواقعي، فهنا وجوب واحد واقعا و ظاهرا متعلق بصلاة الجمعة، وإن لم يكن في فعل الجمعة صفة، كان الامر بالعمل بتلك الامارة قبيحا، لكونه مفوتا للواجب مع التمكن من إدراكه بالعلم.

فالوجهان مشتركان في إختصاص الحكم الواقعي بغير من قام عنده الامارة على وجوب صلاة الجمعة.

فيرجع الوجه الثالث إلى الوجه الثاني، وهو كون الامارة سببا لجعل مؤداها هو الحكم الواقعي لا غير، وإنحصار الحكم في المثال بوجوب صلاة الجمعة، وهو التصويب الباطل.

قلت: أما رجوع الوجه الثالث إلى الوجه الثاني فهو باطل، لان مرجع جعل مدلول الامارة في حقه الذي هو مرجع الوجه الثاني إلى أن صلاة الجمعة هي واجبة عليه واقعا، كالعالم بوجوب صلاة الجمعة، فإذا صلاها فقد فعل الواجب الواقعي، فإذا إنكشف مخالفة الامارة للواقع فقد إنقلب موضوع الحكم واقعا إلى موضوع آخر، كما إذا صار المسافر بعد صلاة القصر حاضرا، إذا قلنا بكفاية السفر في أول الوقت لصحة القصر واقعا.

ومعنى الامر بالعمل على طبق الامارة الرخصة في أحكام الواقع على مؤداها من دون أن يحدث في الفعل مصلحة على تقدير مخالفة الواقع، كما يوهمه ظاهر عبارتي العدة والنهاية المتقدمتين.

فإذا أدت إلى وجوب صلاة الجمعة واقعا، وجب ترتيب أحكام الوجوب الواقعي وتطبيق العمل على وجوبها الواقعي.

فإن كان في أول الوقت جاز الدخول فيها بقصد الوجوب وجاز تأخيرها.

فإذا فعلها جاز له فعل النافلة وإن حرمت في وقت الفريضة المفروض كونها في الواقع هي الظهر، لعدم وجوب الظهر عليه فعلا ورخصة في تركهما، وإن كان في آخر وقتها حرم تأخيرها والاشتغال بغيرها.

ثم إن إستمر هذا الحكم الظاهري أعني الترخيص في ترك الظهر إلى آخر وقتها - وجب كون الحكم الظاهري، لكون ما فعله في أول الوقت هو الواقع المستلزم لفوت الواقع على المكلف، مشتملا على مصلحة يتدارك بها ما فات لاجله من مصلحة الظهر، لئلا يلزم تفويت الواجب الواقعي على المكلف مع التمكن من إتيانه بتحصيل العلم به.

وإن لم يستمر بل علم بوجوب الظهر في المستقبل، بطل وجوب العمل على طبق وجوب صلاة الجمعة واقعا ووجب العمل على طبق عدم وجوبه في نفس الامر من أول الامر، لان المفروض عدم حدوث الوجوب النفس الامري، وإنما عمل على طبقه ما دامت أمارة الوجوب قائمة.

فإذا فقدت بإنكشاف وجوب الظهر وعدم وجوب الجمعة، وجب حينئذ ترتيب ما هو كبرى

[46]

لهذا المعلوم، أعني وجوب الاتيان بالظهر ونقض آثار وجوب صلاة الجمعة إلا ما فات منها.

فقد تقدم أن مفسدة فواته متداركة بالحكم الظاهري المتحقق في زمان الفوت.

فلو فرضنا العلم بعد خروج وقت الظهر، فقد تقدم أن حكم الشارع بالعمل بمؤدى الامارة اللازم منه ترخيص ترك الظهر في الجزء الاخير لا بد أن يكون لمصلحة يتدارك بها مفسدة ترك الظهر.

ثم إن قلنا: إن القضاء فرع صدق الفوت المتوقف على فوت الواجب من حيث أن فيه مصلحة، لم يجب فيما نحن فيه، لان الواجب وإن ترك إلا أن مصلحته متداركة، فلا يصدق على هذا الترك الفوت.

وإن قلنا: إنه متفرع على مجرد ترك الواجب، وجب هنا، لفرض العلم بترك صلاة الظهر مع وجوبها عليه واقعا.

إلا أن يقال: إن غاية ما يلتزم به في المقام هي المصلحة في معذورية الجاهل مع تمكنه من العلم ولو كانت لتسهيل الامر على المكلفين، ولا ينافي ذلك صدق الفوت، فافهم.

ثم إن هذا كله على ما إخترناه من عدم إقتضاء الامر الظاهري للاجزاء واضح، وأما على القول بإقتضائه له فقد يشكل الفرق بينه وبين القول بالتصويب.

وظاهر شيخنا في تمهيد القواعد إستلزام القول بالتخطئة لعدم الاجزاء.

قال قدس سره: (من فروع مسألة التصويب والتخطئة لزوم الاعادة للصلاة بظن القبلة وعدمه)، وإن كان في تمثيله لذلك بالموضوعات محل نظر.

- فعلم من ذلك أن ما ذكره من وجوب كون فعل الجمعة مشتملا على مصلحة يتدارك به مفسدة ترك الواجب ومعه يسقط عن الوجوب ممنوع، لان فعل الجمعة قد لايستلزم الا ترك الظهر في بعض أجزاء وقته، فالعمل على الامارة معناه الاذن في الدخول فيها على قصد الوجوب والدخول في التطوع بعد فعلها.

نعم يجب في الحكم بجواز فعل النافلة اشتماله على مصلحة يتدارك به مفسدة فعل التطوع في وقت الفريضة لو اشتمل دليله الفريضة المأذون في تركها ظاهرا، والا كان جواز التطوع في تلك الحال حكما واقعيا لا ظاهريا.

واما قولك انه مع تدارك المفسدة بمصلحة الحكم الظاهري يسقط الوجوب فممنوع ايضا، اذ قد يترتب على وجوبه واقعا حكم شرعي وان تدارك مفسدة تركه مصلحة فعل آخر كوجوب قضائه اذا علم بعد خروج الوقت بوجوبه واقعا.

وبالجملة، فحال الامر بالعمل بالامارة القائمة على حكم شرعي حال الامر بالعمل بالامارة القائمة على الموضوع الخارجي، كحياة زيد وموت عمرو.

فكما أن الامر بالعمل بالامارة في الموضوعات لا يوجب جعل نفس الوضوع، وإنما يوجب جعل أحكامه، فيترتب عليه الحكم ما دامت الامارة قائمة عليه، فإذا فقدت الامارة وحصل العلم بعدم ذلك الموضوع ترتب عليه في المستقبل جميع أحكام عدم ذلك الموضوع من أول الامر، فكذلك حال الامر بالعمل على الامارة القائمة على الحكم.

وحاصل الكلام ثبوت الفرق الواضح بين جعل مدلول الامارة حكما واقعيا والحكم بتحققه واقعا عند قيام الامارة وبين الحكم واقعا بتطبيق العمل على الحكم الواقعي المدلول عليه بالامارة،

[47]

كالحكم واقعا بتطبيق العمل على طبق الموضوع الخارجي الذي قامت عليه الامارة.

وأما توهم: (أن مرجع تدارك مفسدة مخالفة الحكم الواقعي، بالمصلحة الثابتة في العمل على طبق مؤدى الامارة إلى تصويب الباطل نظرا إلى خلو الحكم الواقعي حينئذ عن المصلحة الملزمة التي تكون في فوتها المفسدة).

ففيه: منع كون هذا تصويبا.

كيف والمصوبة يمنعون حكم الله في الواقع، فلا يعقل عندهم إيجاب العمل بما جعل طريقا إليه والتعبد بترتيب آثاره في الظاهر، بل التحقيق عد مثل هذا من وجوه الرد على المصوبة.

وأما ما ذكره: (من أن الحكم الواقعي إذا كانت مفسدة مخالفته متداركة بمصلحة العمل على طبق الامارة، فلو بقي في الواقع كان حكما بلا صفة، وإلا ثبت إنتقاء الحكم في الواقع.

وبعبارة أخرى: إذا فرضنا الشئ في الواقع واجبا وقامت أمارة على تحريمه، فإن لم يحرم ذلك الفعل لم يجب العمل بالامارة، وإن حرم فإن بقى الوجوب لزم إجتماع الحكمين المتضادين، وإن إنتفى ثبت إنتفاء الحكم الواقعي).

ففيه: أن المراد بالحكم الواقعي الذي يلزم بقاؤه هو الحكم المتعين المتعلق بالعباد الذي يحكي عنه الامارة ويتعلق به العلم والظن وأمر السفراء بتبليغه وإن لم يلزم إمتثاله فعلا في حق من قامت عنده أمارة على خلافه.

إلا أنه يكفي في كونه حكمه الواقعي أنه لا يعذر فيه إذا كان عالما به أو جاهل مقصرا، والرخصة في تركه عقلا، كما في الجاهل القاصر، أو شرعا، كمن قامت عنده أمارة معتبرة على خلافه.

و مما ذكرنا يظهر حال الامارة على الموضوعات الخارجية، فإنها من القسم الثالث.

والحاصل: أن المراد بالحكم الواقعي هي مدلولات الخطابات الواقعية الغير المقيدة بعلم المكلفين ولا بعدم قيام الامارة على خلافها، لها آثار عقلية وشرعية تترتب عليها عند العلم بها أو قيام أمارة حكم الشارع بوجوب البناء على كون مؤداها هو الواقع.نعم هذه ليست أحكاما فعليه بمجرد وجودها الواقعى.

فتلخص من جميع ما ذكرناه أن ذكره إبن قبة من إستحالة التعبد بخبر الواحد أو بمطلق الامارة الغير العلمية - ممنوع على إطلاقه، وإنما يصح، إذا ورد التعبد على بعض الوجوه، كما تقدم تفصيل ذلك.

[48]

ثم إنه ربما ينسب إلى بعض: (إيجاب التعبد بخبر الواحد أو بمطلق الامارة على الله تعالى.

بمعنى قبح تركه منه)، في مقابل قول إبن قبة.

فإن أراد به وجوب إمضاء حكم العقل بالعمل به عند عدم التمكن من العلم ببقاء التكليف، فحسن.

وإن أراد وجوب الجعل بالخصوص في حال الانسداد، فممنوع، إذ جعل الطريق بعد إنسداد باب العلم إنما يجب عليه إذا لم يكن هناك طريق عقلي وهو الظن.

إلا أن يكون لبعض الظنون في نظره خصوصية.

وإن أراد حكم صورة الانفتاح: فإن أراد وجوب التعبد العيني، فهو غلط، لجواز تحصيل العلم معه قطعا، وإن أراد وجوب التعبد به تخييرا، فهو مما لا يدركه العقل، إذ لا يعلم العقل بوجود مصلحة في الامارة يتدارك بها مصلحة الواقع التي تفوت بالعمل بالامارة، اللهم إلا أن يكون في تحصيل العلم حرج يلزم في العقل رفع إيجابه بنصب أمارة هي أقرب من غيرها إلى الواقع أو أصح في نظر الشارع من غيره في مقام البدلية عن الواقع، وإلا فيكفي إمضاؤه للعمل بمطلق الظن، كصورة الانسداد.

المقام الثاني: في وقوع التعبد بالظن في الاحكام الشرعية

ثم إذا تبين عدم إستحالة تعبد الشارع بغير العلم وعدم القبح فيه ولا في تركه، فيقع الكلام في المقام الثاني في وقوع التعبد به في الاحكام الشرعية مطلقا أو في الجملة.

وقبل الخوض في ذلك لا بد من تأسيس الاصل الذي يكون عليه المعول عند عدم الدليل على وقوع التعبد بغير العلم مطلقا أو في الجملة فنقول: التعبد بالظن، الذي لم يدل دليل على التعبد به، محرم بالادلة الاربعة.

ويكفي من الكتاب قوله تعالى: (قل الله أذن لكم أم على الله تفترون)، دل على أن ما ليس بإذن من الله من إسناد الحكم إلى الشارع فهو إفتراء، ومن السنة قوله، صلى الله عليه وآله، في عداد القضاة من أهل النار: (ورجل قضى بالحق وهو لا يعلم)، ومن الاجماع ما إدعاه الفريد البهبهاني، في بعض رسائله، من كون عدم الجواز بديهيا عند العوام فضلا عن العلماء، ومن العقل تقبيح العقلاء من يتكلف من قبل مولاه بما لا يعلم بوروده عن المولى ولو كان عن جهل مع التقصير.نعم، قد يتوهم متوهم أن الاحتياط من هذا القبيل.

وهو غلط واضح، إذ فرق بين الالتزام بشئ من قبل المولى على أنه منه مع عدم العلم بأنه منه، وبين الالتزام بإتيانه لاحتمال كونه منه أو رجاء كونه منه.

وشتان ما بينهما، لان العقل يستقل بقبح الاول وحسن الثاني.

والحاصل: أن المحرم هو العمل بغير العلم متعبدا به ومتدينا به.

[50]

وأما العمل به من دون تعبد بمقتضاه: فإن كان لرجاء إدراك الواقع، فهو حسن ما لم يعارضه إحتياط آخر أو لم يثبت من دليل آخر وجوب العمل على خلافه، كما لو ظن الوجوب واقتضى الاستصحاب الحرمة، فإن الاتيان بالفعل محرم وإن لم يكن على وجه التعبد بوجوبه والتدين به.

وإن لم يكن لرجاء إدراك الواقع، فإن لزم منه طرح أصل دل الدليل على وجوب الاخذ به حتى يعلم خلافه، كان محرما أيضا، لان فيه طرحا للاصل الواجب العمل، كما فيما ذكر، من مثال كون الظن بالوجوب على خلاف إستصحاب التحريم، وإن لم يلزم منه ذلك جاز العمل، كما لو ظن بوجوب ما تردد بين الحرمة والوجوب، فإن الالتزام بطرف الوجوب لا على أنه حكم الله المعين جائز.

لكن في تسمية هذا عملا بالظن مسامحة، وكذا في تسمية الاخذ به من باب الاحتياط.

وبالجملة، فالعمل بالظن إذا لم يصادف الاحتياط محرم إذا وقع على وجه التعبد به والتدين، سواء إستلزم طرح الاصل أو الدليل الموجود في مقابله أم لا، وإذا وقع على غير وجه التعبد به فهو محرم إذا إستلزم طرح ما يقابله من الاصول والادلة المعلوم وجوب العمل بها، هذا.

وقد يقرر (الاصل) هنا بوجوه أخر: منها: أن الاصل عدم الحجية وعدم وقوع التعبد به وإيجاب العمل به.

وفيه: أن الاصل وإن كان ذلك إلا أنه لا يترتب على مقتضاه شئ، فإن حرمة العمل بالظن يكفي في موضوعها عدم العلم بورود التعبد من غير حاجة إلى إحراز عدم ورود التعبد به، ليحتاج في ذلك إلى الاصل ثم إثبات الحرمة.

والحاصل: أن أصالة عدم الحادث إنما يحتاج إليها في الاحكام المترتبة على عدم ذلك الحادث.

وأما الحكم المرتب على عدم العلم بذلك الحادث فيكفي فيه الشك فيه ولا يحتاج إلى إحراز عدمه بحكم الاصل.

وهذا نظير قاعدة الاشتعال الحاكمة بوجوب اليقين بالفراغ، فإنه لا يحتاج في إجرائها إلى إجراء أصالة عدم فراغ الذمة، بل يكفي فيها عدم العلم بالفراغ، فتأمل.

ومنها: أن الاصل هي إباحة العمل بالظن، لانها الاصل في الاشياء.

حكاه بعض عن السيد المحقق الكاظمي.

وفيه: على تقدير النسبة، أولا، أن إباحة التعبد بالظن غير معقول، إذ لا معنى لجواز التعبد وتركه لا إلى بدل.

غاية الامر التخيير بين التعبد بالظن والتعبد بالاصل أو الدليل الموجود هناك في مقابله الذي يتعين الرجوع إليه لولا الظن.

فغاية الامر وجوب التعبد به أو بالظن تخييرا،

[51]

فلا معنى للاباحة التي هي الاصل في الاشياء.

وثانيا، أن أصالة الاباحة إنما هي فيما لا يستقل العقل بقبحه، وقد عرفت إستقلال العقل بقبح التعبد بالظن من دون العلم بوروده من الشارع.

ومنها: أن الامر في المقام دائر بين الوجوب والتحريم، ومقتضاه التخيير أو ترجيح جانب التحريم، بناء على أن دفع المفسده أولى من جلب المنفعة.

وفيه: منع الدوران، لان عدم العلم بالوجوب كاف في ثبوت التحريم، لما عرفت من إطباق الادلة الاربعة على عدم جواز التعبد بما لا يعلم وجوب التعبد به من الشارع.

ألا ترى أنه إذا دار الامر بين رجحان عبادة وحرمتها كفى عدم ثبوت الرجحان في ثبوت حرمتها.

ومنها: أن الامر في المقام دائر بين وجوب تحصيل مطلق الاعتقاد بالاحكام الشرعية المعلومة إجمالا وبين وجوب تحصيل خصوص الاعتقاد القطعى، فيرجع إلى الشك في المكلف به وتردده بين التخيير والتعيين، فيحكم بتعيين تحصيل خصوص الاعتقاد القطعى تحصيلا لليقين بالبراء‌ة، خلافا لمن لم يوجب ذلك في مثل المقام.

وفيه: أولا، أن وجوب تحصيل الاعتقاد بالاحكام مقدمة عقلية للعمل بها وامتثالها، فالحاكم بوجوبه هو العقل.

ولا معنى لتردد العقل في موضوع حكمه وأن الذي حكم هو بوجوبه تحصيل مطلق الاعتقاد أو خصوص العلم منه، بل إما أن يستقل بوجوب تحصيل خصوص الاعتقاد القطعي على ما هو التحقيق، وإما أن يحكم بكفاية مطلق الاعتقاد.

ولا يتصور الاجمال في موضوع الحكم العقلي، لان التردد في الموضوع يستلزم التردد في الحكم، وهو لا يتصور من نفس الحاكم.

و سيجئ الاشارة إلى هذا في رد من زعم أن نتيجة دليل الانسداد مهملة مجملة، مع عدم دليل الانسداد دليلا عقليا وحكما يستقل به العقل.

وأما ثانيا، فلان العمل بالظن في مورد مخالفته للاصول والقواعد الذي هو محل الكلام مخالفة قطعية لحكم الشارع بوجوب الاخذ بتلك الاصول حتى يعلم خلافها.

فلا حاجة في رده إلى مخالفته لقاعدة الاشتغال الراجعة إلى قدح المخالفة الاحتمالية للتكليف المتيقن.

مثلا إذا فرضنا أن الاستصحاب يقتضي الوجوب والظن حاصل بالحرمة، فحينئذ يكون العمل بالظن مخالفة قطعية لحكم الشارع بعدم نقض اليقين بغير اليقين، فلا يحتاج إلى تكلف أن التكليف بالواجبات و المحرمات يقيني، ولا نعلم كفاية تحصيل مطلق الاعتقاد الراجح فيها أو وجوب تحصيل الاعتقاد القطعي وأن في تحصيل الاعتقاد الراجح مخالفة إحتمالية للتكليف المتيقن فلا يجوز.

فهذا أشبه شئ بالاكل عن القفا.

[52]

فقد تبين مما ذكرنا أن ما ذكرنا في بيان الاصل هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه.

وحاصله: أن التعبد بالظن مع الشك في رضاء الشارع بالعمل به في الشريعة تعبد بالشك، وهو باطل عقلا ونقلا.

وأما مجرد العمل على طبقه فهو محرم إذا خالف أصلا من الاصول اللفظية أو العملية الدالة على وجوب الاخذ بمضمونها حتى يعلم الرافع.

فالعمل بالظن قد تجتمع فيه جهتان للحرمة، كما إذا عمل به ملتزما أنه حكم الله، وكان العمل به مخالفا لمقتضى الاصول، وقد تحقق فيه جهة واحدة، كما إذا خالف الاصل ولم يلتزم بكونه حكم الله، أو التزم ولم يخالف مقتضى الاصول، وقد لا يكون فيه عقاب أصلا، كما إذا لم يلتزم بكونه حكم الله ولم يخالف أصلا.

وحينئذ قد يستحق عليه الثواب، كما إذا عمل به على وجه الاحتياط، هذا.

ولكن حقيقة العمل بالظن هو الاستناد إليه في العمل والالتزام بكون مؤداه حكم الله في حقه، فالعمل على ما يطابقه بلا إستناد إليه ليس عملا به.

فصح أن يقال: إن العمل بالظن والتعبد به حرام مطلقا، وافق الاصول أو خالفها.

غاية الامر أنه إذا خالف الاصول يستحق العقاب من جهتين، من جهة الالتزام والتشريع ومن جهة طرح الاصل المأمور بالعمل به حتى يعلم بخلافه.

وقد أشير في الكتاب والسنة إلى الجهتين: فمما أشير فيه إلى الاولى قوله تعالى: (قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون)، بالتقريب المتقدم.

وقوله صلى الله عليه وآله: (رجل قضى بالحق وهو لا يعلم).

ومما أشير فيه إلى الثانية قوله تعالى: (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) وقوله عليه السلام: (من أفتى الناس بغير علم كان ما يفسده أكثر مما يصلحه)، ونفس أدلة الاصول.

ثم إن ما ذكرنا من الحرمة من الجهتين مبني على ما هو التحقيق، من أن إعتبار الاصول، لفظية كان أو عملية، غير مقيد بصورة عدم الظن على خلافها.

وأما إذا قلنا بإشتراط عدم كون الظن عى خلافها، فلقائل أن يمنع أصالة حرمة العمل بالظن مطلقا، لا على وجه الالتزام ولا على غيره.

أما مع عدم تيسر العلم في المسألة، فلدوران الامر فيها بين العمل بالظن وين الرجوع إلى

[53]

الاصل الموجود في تلك المسألة على خلاف الظن.

وكما لا دليل على التعبد بالظن، كذلك لا دليل على التعبد بذلك الاصل، لانه المفروض.

فغاية الامر التخيير بينهما أو تقديم الظن، لكونه أقرب إلى الواقع، فيتعين بحكم العقل.

وأما مع التمكن من العلم في المسألة، فلان عدم جواز الاكتفاء فيها بتحصيل الظن ووجوب تحصيل اليقين مبني على القول بوجوب تحصيل الواقع علما.

أما إذا أدعي أن العقل لا يحكم بأزيد من وجوب تحصيل الظن وأن الضرر الموهوم لا يجب دفعه، فلا دليل على لزوم تحصيل العلم مع التمكن.

ثم إنه ربما يستدل على أصالة حرمة العمل بالظن بالآيات الناهية عن العمل بالظن، وقد أطالوا الكلام في النقض والابرام في هذا المقام بما لا ثمرة مهمة في ذكره بعدما عرفت.

لانه إن أريد الاستدلال بها على حرمة التعبد والالتزام والتدين بمؤدى الظن، قد عرفت أنه من ضروريات العقل، فضلا عن تطابق الادلة الثلاثة النقلية عليه.

وإن اريد دلالتها على حرمة العمل المطابق للظن وإن لم يكن عن إستناد إليه: فإن أريد حرمته إذا خالف الواقع مع التمكن من العلم به، فيكفي في ذلك الادلة الواقعية، وإن أريد حرمته إذا خالف الاصول مع عدم التمكن من العلم، فيكفي فيه أيضا أدلة الاصول، بناء على ما هو التحقيق، من أن مجاريها صور عدم العلم الشامل للظن، وإن أريد حرمة العمل المطابق للظن من دون إستناد إليه وتدين به وعدم مخالفة العمل للواقع مع التمكن منه ولا لمقتضى الاصول مع العجز عن الواقع، فلا دلالة فيها ولا في غيرها على حرمة ذلك، ولا وجه لحرمته أيضا.

والظاهر أن مضمون الايات هو التعبد بالظن والتدين به، وقد عرفت أن ضروري التحريم، فلا مهم في إطالة الكلام في دلالة الايات وعدمها.

* * *

 إنما المهم الموضوع له هذه الرسالة بيان ما خرج او قيل بخروجه من هذا الاصل من الامور الغير العلمية التي أقيم الدليل على إعتبارها مع قطع النظر عن إنسداد باب العلم الذي جعلوه موجبا للرجوع إلى الظن مطلقا أو في الجملة، وهي أمور:

الظنون المعتبرة

منها: الامارات المعمولة في إستنباط الاحكام الشرعية من ألفاظ الكتاب والسنة وهي على قسمين:

القسم الاول: ما يعمل لتشخيص مراد المتكلم عند إحتمال إرادة خلاف ذلك، كأصالة الحقيقة عند إحتمال إرادة المجاز، وأصالة العموم والاطلاق، ومرجع الكل إلى أصالة عدم القرينة الصارفة عن المعنى الذي يقطع بإرادة المتكلم الحكيم له لو حصل القطع بعدم القرينة، وكغلبة إستعمال المطلق في الفرد الشائع بناء على عدم وصوله إلى حدالوضع، وكالقرائن المقامية التي يعتمدها أهل اللسان في محاوراتهم، كوقوع الامر عقيب توهم الحظر ونحو ذلك، وبالجملة الامور المعتبرة عند أهل اللسان في محاوراتهم، بحيث لو أراد المتكلم القاصد للتفهيم خلاف مقتضاها من دون نصب قرينة معتبرة عد ذلك منه قبيحا.

والقسم الثاني: ما يعمل لتشخيص أوضاع الالفاظ وتمييز مجازاتها عن حقائقها وظواهرها عن خلافها، كتشخيص أن لفظ (الصعيد) موضوع لمطلق وجه الارض أو التراب الخالص، وتعيين أن وقوع الامر عقيب توهم الحظر هل يوجب ظهوره في الاباحة المطلقة، وأن الشهرة في المجاز المشهور هل توجب إحتياج الحقيقة إلى القرينة الصارفة من الظهور العرضي المسبب من الشهرة، نظير إحتياج المطلق المنصرف إلى بعض أفراده.

وبالجملة، فالمطلوب في هذا القسم أن اللفظ ظاهر في هذا المعنى أو غير ظاهر، وفي القسم الاول أن الظاهر المفروغ عن كونه ظاهرا مراد أولا.

والشك في الاول مسبب عن الاوضاع اللغوية والعرفية وفي الثاني عن إعتماد المتكلم على القرينة وعدمه.

فالقسمان من قبيل الصغرى والكبرى لتشخيص المراد.

القسم الاول  وهو ما يعمل لتشخيص مراد المتكلم

فاعتباره في الجملة مما لا إشكال فيه ولا خلاف، لان المفروض كون تلك الامور معتبرة عند أهل اللسان في محاوراتهم المقصود بها التفهيم، ومن المعلوم بديهة أن طريق محاورات الشارع في تفهيم مقاصده للمخاطبين لم يكن طريقا مخترعا مغايرا لطريق محاورات أهل اللسان في تفهيم مقاصدهم.

وإنما الخلاف والاشكال وقع في موضعين:

أحدهما: جواز العمل بظواهر الكتاب.

والثاني: أن العمل بالظواهر مطلقا في حق غير المخالطب بها قام الدليل عليه بالخصوص بحيث لا يحتاج إلى إثبات إنسداد باب العلم في الاحكام الشرعية أم لا.

والخلاف الاول ناظر إلى عدم كون المقصود بالخطاب إستفادة المطلب منه مستقلا.

والخلاف الثاني ناظر إلى منع كون المتعارف بين أهل اللسان إعتماد غير من قصد إفهامه بالخطاب على ما يستفيده من الخطاب بواسطة أصالة عدم القرينة عند التخاطب.

فمرجع كلا الخلافين إلى منع الصغرى.

وأما الكبرى أعني كون الحكم عند الشارع في إستنباط مراداته من خطاباته المقصودة بها التفهيم ما هو المتعارف عند أهل اللسان في الاستفادة فمما لا خلاف فيه ولا إشكال.

* * *

[56]

أما الكلام في الخلاف الاول فتفصيله أنه ذهب جماعة من الاخباريين إلى المنع عن العمل بظواهر الكتاب من دون ما يرد التفسير وكشف المراد عن الحجج المعصومين صلوات الله عليهم.

وأقوى ما يتمسك لهم على ذلك وجهان أحدهما: الاخبار المتواترة المدعى ظهورها في المنع عن ذلك مثل النبوي صلى الله عليه وآله: (من فسر القرآن برأيه فليتبوء مقعده من النار) وفي رواية أخرى: (من قال في القرآن بغير علم فليتبوء مقعده من النار).

وفي نبوي ثالث: (من فسر القرآن برأيه فقد إفترى على الله الكذب).

وعن أبي عبدالله عليه السلام: (من فسر القرآن برأيه إن أصاب لم يؤجرو إن أخطأ سقط أبعد من السماء).

وفي النبوي العامي: (من فسر القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ).

وعن مولانا الرضا، عليه السلام، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليهم: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إن الله عزوجل قال في الحديث القدسي: ما آمن بي من فسر كلامي برأيه، وما عرفني من شبهني بخلقي، وما على ديني من إستعمل القياس في ديني).

وعن تفسير العياشي عن أبي عبدالله عليه السلام: (قال: من حكم برأيه بين إثنين فقد كفر، و من فسر برأيه آية من كتاب الله فقد كفر).

[57]

وعن مجمع البيان: (إنه قد صرح عن النبي صلى الله عليه وآله وعن الائمة القائمين مقامه: أن تفسير القرآن لا يجوز إلا بالاثر الصحيح والنص الصريح).

وقوله عليه السلام: (ليس شئ أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن.

إن الاية يكون أولها في شئ وآخرها في شئ، وهو كلام متصل ينصرف إلى وجوه).

وفي مرسلة شبيب بن أنس عن أبي عبدالله عليه السلام: (إنه قال لابي حنيفة: أنت فقيه أهل العراق؟ قال: نعم.

قال: فبأي شئ تفتيهم؟ قال: بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله قال: يا أبا حنيفة ! تعرف كتاب الله حق معرفته وتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: نعم.

قال عليه السلام: يا أبا حنيفة ! لقد إدعيت علما، ويلك، ما جعل الله ذلك إلا عند أهل الكتاب الذين أنزل عليهم، ويلك، وما هو إلا عند الخاص من ذرية نبينا صلى الله عليه وآله، وما ورثك الله من كتابه حرفا).

وفي رواية زيد الشحام: (قال: دخل قتادة على أبي جعفر عليه السلام، فقال له: أنت فقيه أهل البصرة؟ فقال: هكذا يزعمون، فقال: بلغني أنك تفسر القرآن، قال: نعم إلى أن قال -: يا قتادة ! إن كنت قد فسرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت، وإن كنت قد فسرته من الرجال فقد هلكت وأهلكت.

ويحك ! يا قتادة ! إنما يعرف القرآن من خوطب به).

إلى غير ذلك مما ادعى في الوسائل، في كتاب القضاء، تجاوزها عن حد التواتر.

وحاصل هذا الوجه يرجع إلى أن منع الشارع عن ذلك يكشف عن أن مقصود المتكلم ليس تفهيم مطالبه بنفس هذا الكلام، فليس من قبيل المحاورات العرفية.

والجواب عن الاستدلال بها أنها لا تدل على المنع عن العمل بالظواهر الواضحة المعنى بعد الفحص عن نسخها وتخصيصها وإرادة خلاف ظاهرها في الاخبار.

إذ من المعلوم أن هذا لا يسمى تفسيرا، فإن أحدا من العقلاء إذا رأى في كتاب مولاه أنه أمره بشئ بلسانه المتعارف في مخاطبته له، عربيا أو فارسيا أو غيرهما، فعمل به وامتثله، لم يعد هذا تفسيرا، إذ التفسير كشف القناع.

ثم لو سلم كون مطلق حمل اللفظ على معناه تفسيرا، لكن الظاهر أن المراد بالرأي هو الاعتبار

[58]

العقلي الظني الراجح إلى الاستحسان، فلا يشمل حمل ظواهر الكتاب على معانيها اللغوية والعرفية.

وحينئذ فالمراد بالتفسير بالرأي: إما حمل اللفظ على خلاف ظاهره أو أحد إحتماليه، لرجحان ذلك في نظره القاصر وعقله الفاتر.

ويرشدإليه المروي عن مولانا الصادق، عليه السلام، قال في حديث طويل: (وإنما هلك الناس في المتشابه، لانهم لم يقفوا على معناه ولم يعرفوا حقيقته.

فوضعوا له تأويلا من عند أنفسهم بآرائهم، واستغنوا بذلك عن مسألة الاوصياء عليهم السلام، فيعرفونهم).

وإما الحمل على ما يظهر له في بادي الرأي من المعاني العرفية واللغوية، من دون تأمل في الادلة العقلية ومن دون تتبع في القرائن النقلية، مثل الآيات الاخر الدالة على خلاف هذا المعنى و الاخبار الواردة في بيان المراد منها وتعيين ناسخها من منسوخها.

ومما يقرب هذا المعنى الثاني، وإن كان الاول أقرب عرفا، أن المنهي، في تلك الاخبار، المخالفون الذين يستغنون بكتاب الله عن أهل البيت، عليهم السلام، بل يخطئونهم به.

ومن المعلوم ضرورة من مذهبنا تقديم نص الامام، عليه السلام، على ظاهر القرآن، كما أن المعلوم ضرورة من مذهبهم العكس.

ويرشدك إلى هذا ما تقدم في رد الامام، (ع)، على أبي حنيفة حيث أنه يعمل بكتاب الله.

ومن المعلوم أنه إنما كان يعمل بظواهره، لا أنه كان يؤوله بالرأي، إذ لا عبرة بالرأي عندهم مع الكتاب والسنة.

ويرشد إلى هذا قول أبي عبدالله، عليه السلام، في ذم المخالفين: (إنهم ضربوا القرآن بعضه ببعض، واحتجوا بالمنسوخ وهو يظنون انه الناسخ، واحتجوا بالخاص وهو يظنون أنه العام، واحتجوا بالاية وتركوا السنة في تأوليها ولم ينظروا إلى ما يفتح به الكلام وإلى ما يختمه ولم يعرفوا موارده ومصادره إذ لم يأخذوه عن أهله فضلوا وأضلوا).

وبالجملة، فالانصاف: يقتضي عدم الحكم بظهور الاخبار المذكورة في النهي عن العمل بظاهر الكتاب بعد الفحص والتتبع في سائر الادلة، خصوصا الاثار الواردة عن المعصومين عليهم السلام، كيف، ولو دلت على المنع من العمل على هذا الوجه دلت على عدم جواز العمل بأحاديث أهل

[59]

البيت عليه السلام.

ففي رواية سليم بن قيس الهلالي عن أمير المؤمنين عليه السلام: (إن أمر النبي صلى الله عليه وآله مثل القرآن، منه ناسخ ومنسوخ، وخاص وعام ومحكم ومتشابه، وقد كان يكون من رسول الله " ص " الكلام، يكون له وجهان، كلام عام وكلام خاص، مثل القرآن).

وفي رواية أسلم بن مسلم: (إن الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن).

هذا كله مع معارضة الاخبار المذكورة بأكثر منها، مما يدل على جواز التمسك بظاهر القرآن: مثل خبر الثقلين المشهور بين الفريقين، وغيرها، مما دل على الامر بالتمسك بالقرآن والعمل بما فيه، وعرض الاخبار المتعارضة بل ومطلق الاخبار عليه، ورد الشروط المخالفة للكتاب في أبواب العقود والاخبار الدالة قولا وفعلا وتقريرا على جواز التمسك بالكتاب.

مثل قوله، عليه السلام، لما قال زرارة: (من أين علمت أن المسح ببعض الرأس؟ فقال عليه السلام: لمكان الباء).

فعرفه مورد إستفادة الحكم من ظاهر الكتاب.

وقول الصادق، عليه السلام، في مقام نهي الدوانقي عن قبول خبر النمام: (إنه فاسق، وقال الله: إن جاء‌كم فاسق بنبا فتبينوا، الاية).

وقوله عليه السلام: لابنه إسماعيل: (إن الله عزوجل يقول: يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين، فإذا شهد عندك المؤمنون فصدقهم).

وقوله، عليه السلام، لمن أطال الجلوس في بيت الخلاء لاستماع الغناء، إعتذارا بأنه لم يكن شيئا أتاه برجله: (أما سمعت قول الله عزوجل: إن السمع والبصر والفواد كل أولئك كان عنه مسئولا).

وقوله، عليه السلام، في تحليل العبد للمطلقة ثلاثا: (إنه زوج، قال الله عزوجل: حتى ينكح زوجا غيره) وفي عدم تحليلها بالعقد المنقطع: إنه تعالى قال: فإن طلقها فلا جناح عليهما).

وتقريره، عليه السلام، التمسك بقوله تعالى: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب)، وأنه نسخ بقوله تعالى (ولا تنكحوا المشركات).

[60]

وقوله، عليه السلام: في رواية عبدالاعلى، في حكم من عثر، فوقع ظفره، فجعل على إصبعه مرارة: (إن هذا وشبهه يعرف من كتاب الله: ما جعل عليكم في الدين من حرج.

ثم قال: إمسح عليه)، فأحال، عليه السلام، معرفة حكم المسح على إصبعه المغطى بالمرارة إلى الكتاب، موميا إلى أن هذا لا يحتاج إلى السؤال، لوجوده في ظاهر القرآن.

ولا يخفى أن إستفادة الحكم المذكور من ظاهر الاية الشريفة مما لا يظهر إلا للمتأمل المدقق، نظرا إلى أن الاية الشريفة إنما تدل على نفي وجوب الحرج، أعني المسح على نفس الاصبع، فيدور الامر في بادي النظر بين سقوط المسح رأسا وبين بقائه مع سقوط قيد مباشرة الماسح للممسوح، فهو بظاهره لا يدل على ما حكم به الامام، عليه السلام، لكن يعلم عند التأمل أن الموجب للحرج هو إعتبار المباشرة في المسح، فهو الساقط دون أصل المسح، فيصير نفي الحرج دليلا على سقوط إعتبار المباشرة في المسح، فيمسح على الاصبع المغطى.

فإذا أحال الامام، عليه السلام، إستفادة مثل هذا الحكم إلى الكتاب، فكيف يحتاج نفي وجوب الغسل أو الوضوء، عند الحرج الشديد المستفاد من ظاهر الاية المذكورة، أو غير ذلك من الاحكام التي يعرفها كل عارف باللسان من ظاهر القرآن، إلى ورود التفسير بذلك من أهل البيت عليهم السلام.

ومن ذلك ما ورد من: (أن المصلي أربعا في السفر إن قرئت عليه آية القصر وجب عليه الاعادة، وإلا فلا).

وفي بعض الروايات (إن قرئت عليه وفسرت له).

والظاهر ولو بحكم أصالة الاطلاق في باقي الروايات أن المراد من تفسيرها له بيان أن المراد من قوله تعالى: (لا جناح عليكم أن تقصروا)، بيان الترخيص في أصل تشريع القصر وكونه مبنيا على التخفيف، فلا ينافي تعين القصر على المسافر وعدم صحة الاتمام منه، ومثل هذه المخالفة للظاهر يحتاج إلى التفسير بلا شبهة.

وقد ذكر زرارة ومحمد بن مسلم للامان، عليه السلام،: (إن الله تعالى قال: (فليس عليكم جناح)، ولم يقل: إفعلوا، فأجاب، عليه السلام، بأنه من قبيل قوله تعالى: (فمن حج البيت أو إعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما).

وهذا أيضا يدل على تقرير الامام عليه السلام لهما في التعرض لاستفادة الاحكام من الكتاب

[61]

والدخل والتصرف في ظواهره.

ومن ذلك إستشهاد الامام عليه السلام بآيات كثيرة، مثل الاستشهاد لحلية بعض النسوان بقوله تعالى: (وأحل لكم ما وراء ذلكم)، وفي عدم جواز طلاق العبد بقوله تعالى: (عبدا مملوكا لا يقدر على شئ).

ومن ذلك الاستشهاد لحلية بعض الحيوانات بقوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما، الاية).

إلى غير ذلك مما لا يحصى.

الثاني: من وجهي المنع إنا نعلم بطرو التقييد والتخصيص والتجوز في أكثر ظواهرالكتاب.

وذلك مما يسقطها عن الظهور.

وفيه أولا، النقض بظواهر السنة، فإنا نقطع بظرو مخالفة الظاهر في أكثرها.

وثانيأ، أن هذا لا يوجب السقوط، وإنما يوجب الفحص عما يوجب مخالفة الظاهر.

فإن قلت: العلم الاجمالي بوجود مخالفات الظواهر لا يرتفع أثره، وهو وجوب التوقف بالفحص، ولذا لو تردد اللفظ بين معنيين أو علم إجمالا بمخالفة أحد الظاهرين لظاهر الاخر كما في العامين من وجه وشبههما - وجب التوقف فيه ولو بعد الفحص.

قلت: هذه شبهة ربما تورد على من إستدل على وجوب الفحص عن المخصص في العمومات بثبوت العلم الاجمالي بوجود المخصصات.

فإن العلم الاجمالي إما أن يبقى أثره ولو بعد العلم التفصيلي بوجود عدة مخصصات، وإما أن لا يبقى.

فإن بقي فلا يرتفع بالفحص، وإلا فلا مقتضي للفحص.

وتندفع هذا الشبهة: بأن المعلوم إجمالا هو وجود مخالفات كثيرة في الواقع فيما بأيدينا بحيث تظهر تفصيلا بعد الفحص.

وأما وجود مخالفات في الواقع زائدا على ذلك فغير معلوم.

فحينئذ لا يجوز العمل قبل الفحص، لاحتمال وجود مخصص يظهر بعد الفحص، ولا يمكن نفيه بالاصل لاجل العلم الاجمالي.

وأما بعد الفحص فإحتمال وجود المخصص في الواقع ينفى بالاصل السالم عن

[62]

العلم الاجمالي.

والحاصل: أن المنصف لا يجد فرقا بين ظاهر الكتاب والسنة، لا قبل الفحص ولا بعده.

* * *

 ثم إنك قد عرفت أن العمدة في منع الاخباريين من العمل بظواهر الكتاب هي الاخبار المانعة عن تفسير القرآن.

إلا أنه يظهر من كلام السيد الصدر شارح الوافية، في آخر كلامه، أن المنع عن العمل بظواهر الكتاب هو مقتضى الاصل.

والعمل بظواهر الاخبار خرج بالدليل، حيث قال بعد إثبات أن في القرآن محكمات وظواهر وأنه مما لا يصح إنكاره، وينبغي النزاع في جواز العمل بالظواهر وأن الحق مع الاخباريين - ما خلاصته: (إن التوضيح يظهر بعد مقدمتين.

الاولى: أن بقاء التكليف مما لا شك فيه، ولزوم العمل بمقتضاه موقوف على الافهام، وهو يكون في الاكثر بالقول، ودلالته في الاكثر تكون ظنية، إذ مدار الافهام على إلقاء الحقائق مجردة عن القرينة وعلى ما يفهمون وإن كان إحتمال التجوز وخفاء القرينة باقيا.

الثانية: أن المتشابه كما يكون في أصل اللغة كذلك يكون بحسب الاصطلاح، مثل أن يقول أحد: (أنا أستعمل العمومات، وكثيرا ما أريد الخصوص من غير قرينة، وربما أخاطب أحدا وأريد غيره، ونحو ذلك).

فحينئذ لا يجوز لنا القطع بمراده ولا يحصل لنا الظن به.

والقرآن من هذا القبيل، لانه نزل على إصطلاح خاص.

لا أقول على وضع جديد، بل أعم من أن يكون ذلك أو يكون فيه مجازات لا يعرفها العرب، ومع ذلك قد وجدت فيه كلمات لا يعلم المراد منها، كالمقطعات.

ثم قال: - قال سبحانه: (فيه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات)، الاية، ذم على إتباع المتشابه، ولم يبين لهم المتشابهات: ماهي، وكم هي، بل لم يبين لهم المراد من هذا اللفظ، وجعل البيان موكولا إلى خلفائه، والنبي، صلى الله عليه وآله، نهى الناس عن التفسير بالاراء.

وجعلوا الاصل عدم العمل بالظن إلا ما أخرجه الدليل.

[63]

إذا تمهدت المقدمتان، فنقول: مقتضى الاولى العمل بالظواهر ومقتضى الثانية عدم العمل، لان ما صار متشابها لا يحصل الظن بالمراد منه وما بقي ظهوره مندرج في الاصل المذكور.

فنطالب بدليل جواز العمل، لان الاصل الثابت عند الخاصة هو عدم جواز العمل بالظن إلا ما أخرجه الدليل.

لا يقال: إن الظاهر من المحكم ووجوب العمل بالمحكم إجماعي.

لانا نمنع الصغرى، إذ المعلوم عندنا مساواة المحكم للنص.

وأما شموله للظاهر فلا إلى أن قال: - لا يقال: إن ما ذكرتم لو تم لدل على عدم جواز العمل بظواهر الاخبار أيضا، لما فيها من الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، والعام والمخصص، والمطلق والمقيد.

لانا نقول: إنا لو خلينا وأنفسنا، لعملنا بظواهر الكتاب والسنة مع عدم نصب القرينة على خلافها.

ولكن منعنا من ذلك في القرآن للمنع من إتباع المتشابه و عدم بيان حقيقته، ومنعنا رسول الله، صلى الله عليه وآله، عن تفسير القرآن.

ولا ريب في أن غير النص محتاج إلى التفسير.

وأيضا ذم الله تعالى من إتباع الظن، وكذا الرسول، صلى الله عليه وآله، وأوصيائه عليهم السلام، ولم يستثنوا ظواهر القرآن إلى أن قال: - وأما الاخبار، فقد سبق أن أصحاب الائمة، عليهم السلام، كانوا عاملين باخبار الاحاد من غير فحص عن مخصص أو معارض ناسخ أو مقيد، ولولا هذا لكنا في العمل بظواهر الاخبار أيضا من المتوقفين)، إنتهى.

أقول: وفيه مواقع للنظر، سيما في جعل العمل بظواهر الاخبار من جهة قيام الاجماع العملي، ولولاه لتوقف في العمل بها أيضا، إذ لا يخفى أن عمل أصحاب الائمة، عليهم السلام، بظواهر الاخبار لم يكن لدليل خاص شرعي وصل إليهم من أئمتهم، وإنما كان أمرا مركوزا في أذهانهم بالنسبة إلى مطلق الكلام الصادر من المتكلم لاجل الافادة والاستفادة، سواء كان من الشارع أم غيره.

وهذا المعنى جار في القرآن أيضا على تقدير كونه ملقى للافادة والاستفادة على ما هو الاصل في خطاب كل متكلم.

نعم، الاصل الاولي هي حرمة العمل بالظن، على ما عرفت مفصلا.

لكن

[64]

الخارج منه ليس خصوص ظواهر الاخبار حتى يبقى الباقي، بل الخارج منه هو مطلق الظهور الناشي عن كلام كل متكلم ألقي إلى غيره للافهام.

ثم إن ما ذكره من عدم العلم بكون الظواهر من المحكمات وإحتمال كونها من المتشابهات ممنوع: أولا، بأن المتشابه لا يصدق على الظواهر، لا لغة ولا عرفا، بل يصح سلبه عنه.

فالنهي الوارد عن إتباع المتشابه لا يمنع، كما إعترف به في المقدمة الاولى، من أن مقتضى القاعدة وجوب العمل بالظواهر.

وثانيا، بأن إحتمال كونها من المتشابه لا ينفع في الخروج عن الاصل الذي اعترف به.

ودعوى إعتبار العلم بكونها من المحكم هدم لما إعترف به من أصالة حجية الظواهر، لان مقتضى ذلك الاصل جواز العمل إلا أن يعلم كونه مما نهى الشارع عنه.

وبالجملة، فالحق ما اعترف به، قدس سره، من أنا لو خلينا وأنفسنا، لعملنا بظواهر الكتاب.

ولا بد للمانع من إثبات المنع.

ثم إنك قد عرفت مما ذكرنا أن خلاف الاخباريين في ظواهر الكتاب ليس في الوجه الذي ذكرنا، من إعتبار الظواهر اللفظية في الكلمات الصادرة لافادة المطلب وإستفادته.

وإنما يكون خلافهم في أن خطابات الكتاب لم يقصد بها إستفادة المراد من أنفسها، بل بضميمة تفسير أهل الذكر أو أنها ليست بظواهر بعد إحتمال كون محكمها من المتشابه، كما عرفت من كلام السيد المتقدم.

[65]

وينبغي التنبيه على أمور الاول إنه ربما يتوهم بعض: (أن الخلاف في إعتبار ظواهر الكتاب قليل الجدوى، إذ ليست آية متعلقة بالفروع أو الاصول إلا ورد في بيانها أو في الحكم الموافق لها خبر أو أخبار كثيرة، بل إنعقد الاجماع على أكثرها.

مع أن جل آيات الاصول والفروع، بل كلها، مما تعلق بالحكم فيها بأمور مجملة لا يمكن العمل بها إلا بعد أخد تفصيلها من الاخبار)، إنتهى.

" النراقي، مناهج الاحكام، ص 158 ".

أقول: ولعله قصر نظره على الايات الواردة في العبادات، فإن أغلبها من قبيل ما ذكره، وإلا فالاطلاقات الواردة في المعاملات مما يتمسك بها في الفروع الغير المنصوصة أو المنصوصة بالنصوص المتكافئة كثيرة جدا.

مثل: (أوفوا بالعقود)، و (أحل الله البيع)، و (تجارة عن تراض)، و (فرهان مقبوضة)، و (لا تؤتوا السفاء أموالكم)، و (لا تقربوا مال اليتيم)، و (أحل لكم ما وراء ذلكم)، و (إن جاء‌كم فاسق بنبأ فتبينوا)، و (لولا نفر من كل فرقة)، و (فاسألوا أهل الذكر)، و (عبدا مملوكا لا يقدر على شي)، و (ما على المحسنين من سبيل)، وغير ذلك مما لا يحصى.

بل وفي العبادات أيضا كثيرة، مثل قوله: (إنما المشركون نجس، فلا يقربوا المسجد الحرام).

وآيات التيمم، والوضوء، والغسل.

وهذا العمومات، وإن ورد فيها أخبار في الجملة، إلا أنه ليس كل فرع مما يتمسك فيه بالاية ورد فيه خبر سليم عن المكافئ، فلاحظ وتتبع.

الثاني: إنه إذا إختلف القراء‌ة في الكتاب على وجهين مختلفين في المؤدى، كما في قوله تعالى: (حتى

[66]

يطهرن)، حيث قرء بالتشديد من المتطهر الظاهر في الاغتسال، وبالتخفيف من الطهارة الظاهرة في النقاء عن الحيض.

فلا يخلو: إما أن نقول بتواتر القراء‌ات كلها، كما هو المشهور، خصوصا في ما كان الاختلاف في المادة، وإما أن لا نقول، كما هو مذهب جماعة.

فعلى الاول، فهما بمنزلة آيتين تعارضتا، لا بد من الجمع بينهما بحمل الظاهر على النص أو على الاظهر، ومع التكافؤ لا بد من الحكم بالتوقف والرجوع إلى غيرهما.

وعلى الثاني، فإن ثبت جواز الاستدلال بكل قراء‌ة، كما ثبت بالاجماع جواز القراء‌ة بكل قراء‌ة، كان الحكم كما تقدم.

وإلا فلا بد من التوقف في محل التعارض والرجوع إلى القواعد، مع عدم المرجح أو مطلقا بناء على عدم ثبوت الترجيح هنا، كما هو الظاهر.

فيحكم بإستصحاب الحرمة قبل الاغتسال، إذ لم يثبت تواتر التخفيف، أو بالجواز بناء على عموم قوله تعالى: (فأتوا حرثكم أنى شئتم)، من حيث الزمان، خرج منه أيام الحيض على الوجهين في كون المقام من إستصحاب حكم المخصص أو العمل بالعموم الزماني.

الثالث: إن وقوع التحريف في القرآن، على القول به، لايمنع من التمسك بالظواهر، لعدم العلم الاجمالي بإختلال الظواهر بذلك، مع أنه لو علم لكان من قبيل الشبهة الغير المحصورة.

مع أنه لو كان من قبيل الشبهة المحصورة، أمكن القول بعدم قدحه، لاحتمال كون الظاهر المصروف عن ظاهره من الظواهر الغير المتعلقة بالاحكام الشرعية العملية التي أمرنا بالرجوع فيها إلى ظاهر الكتاب، فافهم.

الرابع: قد يتوهم: (أن وجوب العمل بظواهر الكتاب بالاجماع مستلزم لعدم جواز العمل بظاهره، لان من تلك الظواهر ظاهر الايات الناهية عن العمل بالظن مطلقا حتى ظواهر الكتاب).

وفيه: أن فرض وجود الدليل على حجية الظواهر موجب لعدم ظهور الايات الناهية في حرمة العمل بالظواهر، مع أن ظواهر الايات الناهية لو نهضت للمنع عن ظواهر الكتاب لمنعت عن حجية أنفسها، إلا أن يقال إنها لا تشمل أنفسها.

فتأمل.

وبإزاء هذا التوهم توهم: (أن خروج ظواهر الكتاب عن الايات الناهية ليس من باب التخصيص، بل من باب التخصص، لان وجود القاطع على حجيتها يخرجها عن غير العلم إلى العلم).

وفيه: ما لا يخفى.

[67]

وأما التفصيل الاخر فهو الذي يظهر من صاحب القوانين، قدس سره، في آخر مسألة حجية الكتاب وفي أول مسألة الاجتهاد والتقليد.

وهو الفرق بين من قصد إفهامه بالكلام، فالظواهر حجة بالنسبة إليه من باب الظن الخاص، سواء كان مخاطبا، كما في الخطابات الشفاهية، أم لا، كما في الناظر في الكتب المصنفة، لرجوع كل من ينظر إليها، وبين من لم يقصد إفهامه بالخطاب، كأمثالنا بالنسبة إلى أخبار الائمة الصادرة عنهم في مقام الجواب عن سؤال السائلين وبالنسبة إلى الكتاب العزيز، بناء على عدم كون خطاباته موجهة إلينا وعدم كونه من باب تأليف المصنفين.

فالظهور اللفظي ليس حجة حينئذ لنا، إلا من باب الظن المطلق الثابت حجيته عند إنسداد باب العلم.

ويمكن توجيه هذا التفصيل: بأن الظهور اللفظي ليس حجة إلا من باب الظن النوعي.

وهو كون اللفظ بنفسه لو خلي وطبعه مفيدا للظن بالمراد.

فإذا كان مقصود المتكلم من الكلام إفهام من يقصد إفهامه، فيجب عليه إلقاء الكلام على وجه لا يقع المخاطب معه في خلاف المراد، بحيث لو فرض وقوعه في خلاف المقصود، كان إما لغفلة منه في الالتفات إلى ما اكتنف به الكلام الملقى إليه، وإنما لغفلة من المتكلم في إلقاء الكلام على وجه يفي بالمراد.

ومعلوم أن إحتمال الغفلة من المتكلم أو السامع إحتمال مرجوح في نفسه مع إنعقاد الاجماع من العقلاء والعلماء على عدم الاعتناء بإحتمال الغفلة في جميع أمور العقلاء، أقوالهم وأفعالهم.

وأما إذا لم يكن الشخص مقصودا بالافهام، فوقوعه في خلاف المقصود لا ينحصر سببه في الغفلة.

فإنا إذا لم نجد في آية أو رواية ما يكون صارفا عن ظاهرها واحتملنا ان يكون المخاطب قد فهم المراد بقرينة قد خفيت علينا، فلا يكون هذا الاحتمال لاجل غفلة من المتكلم أو منا، إذ لا يجب على المتكلم إلا نصب القرينة لمن قصد إفهامه، مع أن عدم تحقق الغفلة من المتكلم في محل

[68]

الكلام مفروض لكونه معصوما.

وليس إختفاء القرينة علينا مسببا عن غفلتنا عنها، بل لدواعي الاختفاء الخارجة عن مدخلية المتكلم ومن ألقي إليه الكلام.

فليس هنا شئ يوجب بنفسه الظن بالمراد، حتى لو فرضنا الفحص.

فإحتمال وجود القرينة حين الخطاب وإختفائه علينا ليس هنا ما يوجب مرجوحيته حتى لو تفحصنا عنها ولم نجدها.

إذ لا يحكم العادة، ولو ظنا، بأنها لو كانت لظفرنا بها، إذ كثير من الامور قد إختفت علينا.

بل لا يبعد دعوى العلم بأن ما إختفى علينا من الاخبار والقرائن أكثر مما ظفرنا بها، مع أنا لو سلمنا حصول الظن بإنتفاء القرائن المتصلة، لكن القرائن الحاليه وما اعتمد عليه المتلكم من الامور العقلية أو النقلية الكلية أو الجزئية المعلومة عند المخاطب الصارفة لظاهر الكلام ليست مما يحصل الظن بانتفائها بعد البحث والفحص.

ولو فرض حصول الظن من الخارج بإرادة الظاهر من الكلام لم يكن ذلك ظنا مستندا إلى الكلام، كما نبهنا عليه في أول المبحث.

وبالجملة، فظواهر الالفاظ حجة، بمعنى عدم الاعتناء بإحتمال إرادة خلافها، إذا كان منشأ ذلك الاحتمال غفلة المتكلم في كيفية الافادة أو المخاطب في كيفية الاستفادة، لان إحتمال الغفلة مما هو مرجوح في نفسه ومتفق على عدم الاعتناء به في جميع الامور دون ما إذا كان الاحتمال مسببا عن إختفاء أمور لم تجر العادة القطعية أو الظنية بأنها لو كانت لوصلت إلينا.

ومن هنا يظهر: أن ما ذكرنا سابقا، من إتفاق العقلاء والعلماء على العمل بظواهر الكلام في الدعاوى والاقارير والشهادات والوصايا والمكاتبات، لا ينفع في رد هذا الفصيل، إلا أن يثبت كون أصالة عدم القرينة حجة من باب التعبد.ودون إثباتها خرط القتاد.

ودعوى: (أن الغالب إتصال القرائن، فإحتمال إعتماد المتكلم على القرينة المنفصلة مرجوح لندرته)، مردودة: بأن من المشاهد المحسوس تطرق التقييد والتخصيص إلى أكثر العمومات والاطلاقات مع عدم وجوده في الكلام.

وليس إلا لكون الاعتماد في ذلك كله على القرائن المفصلة، سواء كانت منفصلة عند الاعتماد كالقرائن العقلية والنقلية الخارجية أم كانت مقالية متصلة، لكن عرض لها الانفصال بعد ذلك، لعروض التقطيع للاخبار أو حصول التفاوت من جهة النقل بالمعنى أو غير ذلك.

فجميع ذلك مما لا يحصل الظن بأنها لو كانت لوصلت إلينا.

مع إمكان أن يقال: إنه لو حصل الظن لم يكن على إعتباره دليل خاص.

نعم، الظن الحاصل في مقابل إحتمال الغفلة الحاصلة للمخاطب أو المتكلم مما أطبق عليه العقلاء في جميع أقوالهم وأفعالهم.هذا غاية ما يمكن

[69]

من التوجيه لهذا التفصيل.

* * *

 ولكن الانصاف: أنه لا فرق في العمل بالظهور اللفظي وأصالة عدم الصارف عن الظاهر بين من قصد إفهامه ومن لم يقصد، فإن جميع ما دل من إجماع العلماء وأهل اللسان على حجية الظاهر بالنسبة إلى من قصد إفهامه جار فيما يقصد، لان أهل اللسان إذا نظروا إلى كلام صادر من متكلم إلى مخاطب يحكمون بإرادة ظاهره منه إذا لم يجدوا قرينة صارفة بعد الفحص في مظان وجودها، ولا يفرقون في إستخراج مرادات المتكلمين بين كونهم مقصودين بالخطاب وعدمه.

فإذا وقع المكتوب الموجه من شخص إلى شخص بيد ثالث، فلا يتأمل في إستخراج مرادات المتكلم من الخطاب المتوجه إلى المكتوب إليه.

فإذا قرضنا إشتراك هذا الثالث مع المكتوب إليه فيما أراد المولى منهم، فلا يجوز له الاعتذار في ترك الامتثال بعدم الاطلاع على مراد المولى.

وهذا واضح لمن راجع الامثلة العرفية، هذا حال أهل اللسان في الكلمات الواردة إليهم.

وأما العلماء، فلا خلاف بينهم في الرجوع إلى أصالة الحقيقة في الالفاظ المجردة عن القرائن الموجة من متكلم إلى مخاطب، سواء كان ذلك في الاحكام الجزئية، كالوصايا الصادرة عن الموصي المعين إلى شخص معين، ثم مست الحاجة إلى العمل بها مع فقد الموصى إليه، فإن العلماء لا يتأملون في الافتاء بوجوب العمل بظاهر ذلك الكلام الموجه إلى الموصى إليه المقصود وكذا في الاقارير، أم كان في الاحكام الكلية، كالاخبار الصادرة عن الائمة، عليهم السلام، مع كون المقصود منها تفهيم مخاطبهم لا غير، فإنه لم يتأمل أحد من العلماء في إستفادة الاحكام من ظواهرها معتذرا بعدم الدليل على حجية أصالة عدم القرينة بالنسبة إلى غير المخاطب ومن قصد إفهامه.

ودعوى: (كون ذلك منهم للبناء على كون الاخبار الصادرة عنهم، عليهم السلام، من قبيل تأليف المصنفين)، واضحة الفساد.

مع أنها لو صحت لجرت في الكتاب العزيز، فإنه أولى بأن يكون من هذا القبيل، فترتفع ثمرة التفصيل المذكور، لان المفصل معترف بأن ظاهر الكلام الذي هو من قبيل تأليف المؤلفين حجة بالخصوص، لا لدخوله في مطلق الظن.

وإنما كلامه في إعتبار ظهور الكلام الموجه إلى مخاطب خاص بالنسبة إلى غيره.

والحاصل: أن القطع حاصل لكل متتبع في طريقة فقهاء المسلمين بأنهم يعملون بظواهر الاخبار من دون إبتناء ذلك على حجية الظن المطلق الثابتة بدليل الانسداد، بل يعمل بها من يدعي الانفتاح وينكر العمل بأخبار الآحاد، مدعيا كون معظم الفقه معلوما بالاجماع والاخبار المتواترة.

[70]

ويدل على ذلك أيضا سيرة أصحاب الائمة، عليهم السلام، فإنهم كانوا يعملون بظواهر الاخبار الواردة إليهم من الائمة الماضين، عليهم السلام، كما كانوا يعملون بظواهر الاقوال التي سمعوها من إئمتهم، عليهم السلام، لا يفرقون بينهما إلا بالفحص وعدمه، كما سيأتي.

والحاصل: أن الفرق في حجية أصالة الحقيقة وعدم القرينة بين المخاطب وغيره مخالف للسيرة القطعية من العلماء وأصحاب الائمة عليهم السلام.

هذا كله، مع أن التوجيه المذكور لذلك التفصيل، لابتنائه على الفرق بين أصالة عدم الغفلة والخطأ في فهم المراد وبين مطلق أصالة عدم القرينة، يوجب عدم كون ظواهر الكتاب من الظنون المخصوصة، وإن قلنا بشمول الخطاب للغائبين، لعدم جريان أصالة عدم الغفلة في حقهم مطلقا.

فما ذكره من إبتناء كون ظواهر الكتاب ظنونا مخصوصة على شمول الخطاب للغائبين غير سديد، لان الظن المخصوص إن كان هو الحاصل من المشافهة الناشي عن ظن عدم الغفلة والخطأ، فلا يجري في حق الغائبين، وإن قلنا بشمول الخطاب لهم، وإن كان هو الحاصل من أصالة عدم القرينة فهو جار في الغائبين وإن لم يشملهم الخطاب.

ومما يمكن أن يستدل به أيضا زيادة على ما مر من إشتراك أدلة حجية الظواهر من إجماعي العلماء وأهل اللسان ما ورد في الاخبار المتواترة معنى، من الامر بالرجوع إلى الكتاب وعرض الاخبار عليه، فإن هذه الظواهر المتواترة حجة للمشافهين بها، فيشترك غير المشافهين، فيتم المطلوب، كما لا يخفى.

ومما ذكرنا تعرف النظر فيما ذكره المحقق القمي، رحمه الله، بعدما ذكر من عدم حجية ظواهر الكتاب بالنسبة إلينا بالخصوص، بقوله: (فإن قلت: إن أخبار الثقلين تدل على كون ظاهر الكتاب حجة لغير المشافهين بالخصوص.

فأجاب عنه: بأن رواية الثقلين ظاهرة في ذلك، لاحتمال كون المراد التمسك بالكتاب بعد ورود تفسيره عن الائمة، عليهم السلام، كما يقوله الاخباريون.

وحجية ظاهر رواية الثقلين بالنسبة إلينا مصادرة، إذ لا فرق بين ظواهر الكتاب والسنة في حق غير المشافهين بها).

وتوضيح النظر: أن العمدة في حجية ظواهر الكتاب غير خبر الثقلين من الاخبار المتواترة الآمرة

[71]

بإستنباط الاحكام من ظواهر الكتاب.

وهذه الاخبار تفيد القطع بعدم إرادة الاستدلال بظواهر الكتاب بعد ورود تفسيرها عن الائمة، عليهم السلام، وليست ظاهرة في ذلك حتى يكون التمسك بظاهرها لغير المشافهين بها مصادرة.

وأما خبر الثقلين، فيمكن منع ظهوره إلا في وجوب إطاعتهما وحرمة مخالفتهما، وليس في مقام إعتبار الظن الحاصل بهما في تشخيص الاطاعة والمعصية، فافهم.

ثم إن لصاحب المعالم، رحمه الله، في هذا المقام كلاما يحتمل التفصيل المتقدم، لا بأس بالاشارة إليه.

قال: - في الدليل الرابع من أدلة حجية خبر الواحد، بعد ذكر إنسداد باب العلم في غير الضروري من الاحكام، لفقد الاجماع والسنة المتواترة ووضوح كون أصل البراء‌ة لا يفيد غير الظن وكون الكتاب ظني الدلالة - ما لفظه: لا يقال: إن الحكم المستفاد من ظواهر مقطوع لا مظنون، وذلك بضميمة مقدمة خارجية، وهي قبح خطاب الحكيم بما له ظاهر وهو يريد خلافه من غير دلالة تصرف عن ذلك الظاهر.

سلمنا، ولكن ذلك ظن مخصوص، فهو من قبيل الشهادة لا يعدل عنه إلى غيره إلا بدليل.

لانا نقول: أحكام الكتاب كلها من قبيل خطاب المشافهة.

وقد مر أنه مخصوص بالموجودين في زمن الخطاب وأن ثبوت حكمه في حق من تأخر إنما هو بالاجماع وقضاء الضرورة بإشتراك التكليف بين الكل.

وحينئذ فمن الجائز أن يكون قد إقترن ببعض تلك الظواهر ما يدلهم على إرادة خلافها.

وقد وقع ذلك في مواضع علمناها بالاجماع ونحوه، فيحتمل الاعتماد في تعريفنا لسائرها على الامارات المفيدة للظن القوي، وخبر الواحد من جملتها.

ومع قيام هذا الاحتمال ينفى القطع بالحكم.

ويستوي حينئذ الظن المستفاد من ظاهر الكتاب والحاصل من غيره بالنظر إلى إناطة التكليف به، لابتناء الفرق بينهما على كون الخطاب متوجها إلينا، وقد تبين خلافه، ولظهور إختصاص الاجماع والضرورة الدالين على المشاركة في التكليف المستفاد من ظاهر الكتاب بغير صورة وجود الخبر الجامع للشرائط الاتية المفيدة للظن)، إنتهى كلامه.

[72]

ولا يخفى: أن في كلامه، قدس سره، على إجماله وإشتباه المراد منه كما يظهر من المحشين مواقع النظر والتأمل.

ثم إنك قد عرفت: أن مناط الحجية والاعتبار في دلالة الالفاظ هو الظهور العرفي، وهو كون الكلام بحيث يحمل عرفا على ذلك المعنى ولو بواسطة القرائن المقامية المكتنفة بالكلام.

فلا فرق بين إفادته الظن بالمراد وعدمها، ولا بين وجود الظن الغير المعتبر على خلافه وعدمه، لان ما ذكرنا من الحجه على العمل بها جار في جميع الصور المذكورة.

وما ربما يظهر من العلماء من التوقف في العمل بالخبر الصحيح المخالف لفتوى المشهور أو طرحه مع إعترافهم بعدم حجية الشهرة - فليس من جهة مزاحمة الشهرة لدلالة الخبر الصحيح من عموم أو إطلاق، بل من جهة مزاحمتها للخبر من حيث الصدور، بناء على أن ما دل من الدليل على حجية الخبر الواحد من حيث السند لا يشمل المخالف للمشهور، ولذا لايتأملون في العمل بظواهر الكتاب والسنة المتواترة الصدور إذا عارضها الشهرة.

فالتأمل في الخبر المخالف للمشهور إنما هو إذا خالفت الشهرة نفس الخبر، لا عمومه أو إطلاقه.

فلا يتأملون في عمومه إذا كانت الشهرة على التخصيص.

نعم، ربما يجري على لسان بعض متأخري المتأخرين من المعاصرين عدم الدليل على حجية الظواهر إذا لم تفد الظن او إذا حصل الظن الغير المعتبر على خلافها.

لكن الانصاف: أنه مخالف لطريقة أرباب اللسان والعلماء في كل زمان، ولذا عد بعض الاخباريين، كالاصوليين، إستصحاب حكم العام والمطلق حتى يثبت المخصص والمقيد من الاستصحابات المجمع عليها.

وهذا وإن لم يرجع إلى الاستصحاب المصطلح إلا بالتوجيه، إلا أن الغرض من الاستشهاد به بيان كون هذه القاعدة إجماعية.

وربما فصل بعض من المعاصرين تفصيلا يرجع حاصله إلى: (أن الكلام إن كان مقرونا بحال أو مقال يصلح أن يكون صارفا عن المعنى الحقيقي فلا يتمسك فيه بأصالة الحقيقة، وإن كان الشك في أصل وجود الصارف أو كان هنا أمر منفصل يصلح لكونه صارفا، فيعمل على أصالة الحقيقة).

وهذا تفصيل حسن متين، لكنه تفصيل في العمل بأصالة الحقيقة عند الشك في الصارف، لا

[73]

في حجية الظهور اللفظي، ومرجعة إلى تعيين الظهور العرفي وتمييزه عن موارد الاجمال، فإن اللفظ في القسم الاول يخرج عن الظهور إلى الاجمال بشهادة العرف.

ولذا توقف جماعة في المجاز المشهور والعام المتعقب بضمير يرجع إلى بعض أفراده والجمل المتعددة المتعقبة للاستثناء والامر والنهي الواردين في مظان الحظر أو الايجاب، إلى غير ذلك مما احتف اللفظ بحال او مقال يصلح لكونه صارفا.

ولم يتوقف أحد في عام بمجرد إحتمال دليل منفصل يحتمل كونه مخصصا له، بل ربما يعكسون الامر فيحكمون بنفي ذلك الاحتمال وإرتفاع الاجمال لاجل ظهور العام.

ولذا لو قال المولى: أكرم العلماء، ثم ورد قول آخر من المولى إنه لا تكرم زيدا، واشترك زيد بين عالم وجاهل، فلا يرفع اليد عن العموم بمجرد الاحتمال، بل يرفعون الاجمال بواسطة العموم، فيحكمون بإرادة زيد الجاهل من النهي.

وبإزاء التفصيل المذكور تفصيل آخر ضعيف، وهو: (أن إحتمال إرادة خلاف مقتضى اللفظ إن حصل من أمارة غير معتبرة فلا يصح رفع اليد عن الحقيقة، وإن حصل من دليل معتبر فلا يعمل بأصالة الحقيقة.

ومثل له بما إذا ورد في السنة المتواترة عام وورد فيها أيضا خطاب مجمل يوجب الاجمال في ذلك العام ولا يوجب الظن بالواقع.

قال -: فلا دليل على لزوم العمل بالاصل تعبدا.

ثم قال -: ولا يمكن دعوى الاجماع على لزوم العمل بأصالة الحقيقة تعبدا، فإن أكثر المحققين توقفوا في ما إذا تعارض الحقيقة المرجوحة مع المجاز الراجح) إنتهى.

ووجه ضعفه يظهر مما ذكر، فإن التوقف في ظاهر خطاب لاجل إجمال خطاب آخر محتمل لكونه معارضا، مما لم يعهد من أحد من العلماء، بل لا يبعد ما تقدم من حمل المجمل في أحد الخطابين على المبين في الخطاب الاخر.

وأما قياس ذلك على مسألة تعارض الحقيقة المرجوحة مع المجاز الراجح، فعلم فساده مما ذكرنا في التفصيل المتقدم، من أن الكلام المكتنف بما يصلح أن يكون صارفا قد إعتمد عليه المتكلم في إرادة خلاف الحقيقة لا يعد من الظواهر، بل من المجملات.

وكذلك المتعقب بلفظ يصلح للصارفية كالعام المتعقب بالضمير وشبهه مما تقدم.

القسم الثاني وهو الظن الذي يعمل لتشخيص الظواهر

كتشخيص أن اللفظ المفرد الفلاني، كلفظ الصعيد أو صيغة إفعل، أو أن المركب الفلاني، كالجملة الشرطية، ظاهر بحكم الوضع في المعنى الفلاني، وأن الامر الواقع عقيب الحظر ظاهر بقرينة وقوعه في مقام رفع الحظر - في مجرد رفع الحظر دون الالزام، والظن الحاصل هنا يرجع إلى الظن بالوضع اللغوي أو الانفهام العرفي، والاوفق بالقواعد عدم حجية الظن هنا، لان الثابت المتيقن هي حجية الظواهر.

وأما حجية الظن في أن هذا ظاهر، فلا دليل عليه، عدا وجوه ذكروها في إثبات جزئي من هذه المسألة.

وهي حجية قول اللغويين في الاوضاع.

فإن المشهور كونه من الظنون الخاصة التي ثبت حجيتها مع قطع النظر عن إنسداد باب العلم في الاحكام الشرعية وإن كانت الحكمة في إعتبارها إنسداد باب العلم في غالب مواردها، فإن الظاهر أن حكمة إعتبار أكثر الظنون الخاصة، كأصالة الحقيقة التقدم ذكرها وغيرها، إنسداد باب العلم في غالب مواردها من العرفيات والشرعيات.

والمراد بالظن المطلق ما ثبت إعتباره من أجل إنسداد باب العلم بخصوص الاحكام الشرعية، وبالظن الخاص ما ثبت إعتباره، لا لاجل الاضطرار إلى إعتبار مطلق الظن بعد تعذر العلم.

* * *

 وكيف كان، فاستدلوا على إعتبار قول اللغويين بإتفاق العلماء بل جميع العقلاء على الرجوع إليهم في إستعلام اللغات والاستشهاد بأقوالهم في مقام الاحتجاج، ولم ينكر ذلك أحد على أحد.

وقد حكي عن السيد في بعض كلماته دعوى الاجماع على ذلك، بل ظاهر كلامه المحكي إتفاق المسلمين.

[75]

قال الفاضل السبزواري، فيما حكي عنه، في هذا المقام، ما هذا لفظه: (صحة المراجعة إلى أصحاب الصناعات البارزين في صنعتهم البارعين في فنهم فيما إختص بصناعتهم، مما إتفق عليه العقلاء في كل عصر وزمان)، إنتهى.

وفيه: أن المتيقن من هذا الاتفاق هو الرجوع إليهم مع إجتماع شرائط الشهادة من العدد و العدالة ونحو ذلك، لا مطلقا.

ألا ترى أن أكثر علمائنا على إعتبار العدالة فيمن يرجع إليه من أهل الرجال، بل وبعضهم على إعتبار العدد، والظاهر إتفاقهم على إشتراط التعدد والعدالة في أهل الخبرة في مسألة التقويم وغيرها.

هذا مع أنه لا يعرف الحقيقة عن المجاز بمجرد قول اللغوي، كما إعترف به المستدل في بعض كلماته، فلا ينفع في تشخيص الظواهر.

فالانصاف: أن الرجوع إلى أهل اللغة مع عدم إجتماع شروط الشهادة: إما في مقامات يحصل العلم فيها بالمستعمل فيه من مجرد ذكر لغوي واحد أو أزيد له على وجه يعلم كونه من المسلمات عند أهل اللغة، كما قد يحصل العلم بالمسألة الفقهية من إرسال جماعة لها إرسال المسلمات، وإما في مقامات يتسامح فيها، لعدم التكليف الشرعي بتحصيل العلم بالمعنى اللغوي، كما إذا أريد تفسير خطبة أو رواية لا تتعلق بتكليف شرعي، وإما في مقام إنسد فيه طريق العلم ولا بد من العمل، فيعمل بالظن بالحكم الشرعي المستند بقول أهل اللغة.

ولا يتوهم: (أن طرح قول اللغوي الغير المفيد للعلم في ألفاظ الكتاب والسنة مستلزم لانسداد طريق الاستنباط في غالب الاحكام.

لاندفاع ذلك: بأن أكثر مواد اللغات إلا ما شذ وندر - كلفظ الصعيد ونحوه - معلوم من العرف و اللغة، كما لا يخفى.

والمتبع في الهيئآت هي القواعد العربية المستفادة من الاستقراء القطعي، وإتفاق أهل العربية أو التبادر بضميمة أصالة عدم القرنية، فإنه قد يثبت به الوضع الاصلي الموجود في الحقائق، كما في صيغه (إفعل) أو الجملة الشرطية أو الوصفية.

ومن هنا يتمسكون في إثبات مفهوم الوصف بفهم أبي عبيدة في حديث: (لي الواجد)، و نحوه غيره من موارد الاستشهاد - بفهم أهل اللسان.

وقد يثبت به الوضع بالمعنى الاعم الثابت في المجازات المكتنفة بالقرائن المقامية، كما يدعى أن الامر عقيب الحظر بنفسه مجردا عن القرينة يتبادر

[76]

منه مجرد رفع الحظر دون الايجاب والالزام.

وإحتمال كونه لاجل قرينة خاصة يدفع بالاصل، فيثبت به كونه لاجل القرينة العامة، وهي الوقوع في مقام رفع الحظر، فيثبت بذلك ظهور ثانوي لصيغة (إفعل) بواسطة القرينة الكلية.

وبالجملة، فالحاجة إلى قول اللغوي الذي لا يحصل العلم بقوله، لقلة مواردها، لا تصلح سببا للحكم بإعتباره لاجل الحاجة.

نعم سيجئ أن كل من عمل بالظن في مطلق الاحكام الشرعية الفرعية يلزمه العمل بالحكم الناشي من الظن بقول اللغوي، لكنه لا يحتاج إلى دعوى إنسداد باب العلم في اللغات، بل العبرة عنده بإنسداد باب العلم في معظم الاحكام.

فإنه يوجب الرجوع إلى الظن بالحكم الحاصل من الظن باللغة وإن فرض إنفتاح باب العلم فيما عدا هذا المورد من اللغات، وسيتضح هذا زيادة على هذا إن شاء الله، هذا.

ولكن الانصاف: أن مورد الحاجة إلى قول اللغويين أكثر من أن يحصى في تفاصيل المعاني بحيث يفهم دخول الافراد المشكوكة أو خروجها وإن كان المعنى في الجملة معلوما من دون مراجعة قول اللغوي، كما في ألفاظ الوطن، والمفازة، والتمر، والفاكهة، والكنز، والمعدن، والغوص، وغير ذلك من متعلقات الاحكام مما لا يحصى، وإن لم تكن الكثرة بحيث يوجب التوقف فيها محذورا.

ولعل هذا المقدار مع الاتفاقات المستفيضة كاف في المطلب، فتأمل.

[77]

ومن جملة الظنون الخارجة عن الاصل الاجماع المنقول بخبر الواحد عند كثير ممن يقول بإعتبار الخبر بالخصوص، نظرا إلى أنه أفراده، فيشمله أدلته، والمقصود من ذكره هنا، مقدما على بيان الحال في الاخبار، هو التعرض للملازمة بين حجية الخبر وحجيته، فنقول: إن ظاهر أكثر القائلين بإعتباره بالخصوص أن الدليل عليه هو الدليل على حجية خبر العادل.

فهو عندهم كخبر صحيح عالي السند، لان مدعي الاجماع يحكي مدلوله ويرويه عن الامام، عليه السلام، بلا واسطة.

ويدخل الاجماع ما يدخل لاخبر من الاقسام ويلحقه مايلحقه من الاحكام.

والذي يقوى في النظر هو عدم الملازمة بين حجية الخبر وحجية الاجماع المنقول، وتوضيح ذلك يحصل بتقديم أمرين: [ الامر ] الاول إن الادلة الخاصة التي أقاموها على حجية خبر العادل لا تدل إلا على حجية الاخبار عن حس، لان العمدة من تلك الادلة هو الاتفاق الحاصل من عمل القدماء وأصحاب الائمة، عليهم السلام، ومعلوم عدم شمولها إلا للرواية المصطلحة.وكذلك الاخبار الواردة في العمل بالروايات.

اللهم إلا أن يدعى أن المناط في وجوب العمل بالروايات هو كشفها عن الحكم الصادر عن المعصوم.

ولا يعتبر في ذلك حكاية ألفاظ الامام، عليه السلام، ولذا يجوز النقل بالمعنى.

فإذا كان المناط كشف الروايات عن صدور معناها عن الامام، عليه السلام، ولو بلفظ آخر

[78]

والمفروض أن حكاية الاجماع أيضا حكاية حكم صادر عن المعصوم، عليه السلام، بهذه العبارة التي هي معقد الاجماع أو بعبارة أخرى - وجب العمل به.

لكن هذا المناط لو ثبت دل على حجية الشهرة بل فتوى الفقيه إذا كشف عن صدور الحكم بعبارة الفتوى أو بعبارة غيرها.

كما عمل بفتاوى علي بن بابويه، قدس سره، لتنزيل فتواه منزلة روايته، بل على حجية مطلق الظن بالحكم الصادر عن الامام، عليه السلام، وسيجئ توضيح الحال إن شاء الله.

وأما الايات، فالعمدة فيها من حيث وضوح الدلالة هي آية النبأ.

وهي إنما تدل على وجوب قبول خبر العادل دون خبر الفاسق.

والظاهر منها - بقرينة التفصيل بين العادل حين الاخبار والفاسق، وبقرينة تعليل إختصاص التبين بخبر الفاسق بقيام إحتمال الوقوع في الندم إحتمالا مساويا، لان الفاسق لا رادع له عن الكذب هو عدم الاعتناء بإحتمال تعمد كذبه، لا وجوب البناء على إصابته وعدم خطائه في حدسه، لان الفسق والعدالة حين الاخبار لا يصلح مناطا لتصويب المخبر وتخطئته بالنسبة إلى حدسه.

وكذا إحتمال الوقوع في الندم من جهة الخطأ في الحدس أمر مشترك بين العادل والفاسق، فلا يصلح لتعليل الفرق به.

فعلمنا من ذلك أن المقصود من الاية إرادة نفي إحتمال تعمد الكذب عن العادل حين الاخبار دون الفاسق، لان هذا هو الذي يصلح لاناطته بالفسق والعدالة حين الاخبار.

ومنه تبين عدم دلالة الاية على قبول الشهادة الحدسية إذا قلنا بدلالة الاية على إعتبار شهادة العدل.

فان قلت: إن مجرد دلالة الاية على ما ذكر لا يوجب قبول الخبر لبقاء إحتمال خطأ العادل فيما أخبر وإن لم يتعمد الكذب، فيجب التبين في خبر العادل أيضا، لاحتمال خطائه وسهوه.

وهو خلاف الاية المفصلة بين العادل والفاسق.

غاية الامر وجوبه في خبر الفاسق من جهتين وفي العادل من جهة واحدة.

قلت: إذا ثبت بالاية عدم جواز الاعتناء بإحتمال تعمد كذبه ينفى إحتمال خطائه وغفلته و إشتباهه بأصالة عدم الخطأ في الحس.وهذا أصل عليه إطباق العقلاء والعلماء في جميع الموارد.

نعم لو كان المخبر ممن يكثر عليه الخطأ والاشتباه لم يعبأ بخبره، لعدم جريان أصالة عدم الخطأ والاشتباه.

ولذا يعتبرون في الشاهد والراوي الضبط، وإن كان ربما يتوهم الجاهل ثبوت ذلك من الاجماع.

إلا أن المنصف يشهد بأن إعتبار هذا في جميع موارده ليس لدليل خارجي مخصص لعموم آية

[79]

النبأ ونحوها مما دل على وجوب قبول قول العادل، بل لما ذكرنا من أن المراد بوجوب قبول قول العادل رفع التهمة عنه من جهة إحتمال تعمده الكذب، لا تصويبه وعدم تخطئته أو غفلته.

ويؤيد ما ذكرنا أنه لم يستدل أحد من العلماء على حجية فتوى الفقيه على العامي بآية النبأ، مع إستدلالهم عليها بآيتي النفر السؤال.

والظاهر أن ما ذكرنا من عدم دلالة الاية وأمثالها من أدلة قبول قول العادل على وجوب تصويبه في الاعتقاد - هو الوجه فيما ذهب إليه المعظم، بل أطبقوا عليه، كما في الرياض، من عدم إعتبار الشهادة في المحسوسات إذا لم تستند إلى الحس وإن علله في الرياض بما لا يخلو عن نظر، من أن الشهاده من الشهود وهو الحضور.

فالحس مأخوذ في مفهومها.

والحاصل: أنه لا ينبغي الاشكال في أن الاخبار عن حدس وإجتهاد ونظر ليس حجة إلا على من وجب عليه تقليد المخبر في الاحكام الشرعية وأن الاية ليست عامة لكل خبر ودعوى، خرج ما خرج.

فإن قلت: فعلى هذا إذا أخبر الفاسق بخبر يعلم بعدم تعمده للكذب فيه تقبل شهادته فيه، لان إحتمال تعمده للكذب منتف بالفرض، وإحتمال غفلته وخطائه منفي بالاصل المجمع عليه، مع أن شهادته مردودة إجماعا.

قلت: ليس المراد مما ذكرنا عدم قابلية العدالة والفسق لاناطة الحكم بهما وجودا وعدما تعبدا، كما في الشهادة والفتوى ونحوهما.

بل المراد أن الاية المذكورة لا تدل إلا على مانعية الفسق من حيث قيام إحتمال تعمد الكذب معه، فيكون مفهومها عدم المانع في العادل من هذه الجهة، فلا يدل على وجوب قبول خبر العادل إذا لم يمكن نفي خطائه بأصالة عدم الخطأ المختصة بالاخبار الحسية.

فالاية لا تدل أيضا على إشتراط العدالة ومانعية الفسق في صورة العلم بعدم تعمد الكذب، بل لا بد له من دليل آخر، فتأمل.

الامر الثاني أن الاجماع في مصطلح الخاصة بل العامة، الذين هم الاصل له وهو الاصل لهم، هو إتفاق جميع العلماء في عصر، كما ينادي بذلك تعريفات كثير من الفريقين.

قال في التهذيب: (الاجماع هو إتفاق أهل الحل والعقد من أمة محمد صلى الله

[80]

عليه وآله).

وقال صاحب غاية البادي في شرح المبادي، الذي هو أحد علمائنا المعاصرين للعلامة، قدس سره: (الاجماع في إصطلاح فقهاء أهل البيت، عليهم السلام، هو إتفاق أمة محمد، صلى الله عليه وآله، على وجه يشتمل على قول المعصوم)، إنتهى.

وقال في المعالم: (الاجماع في الاصطلاح إتفاق خاص، وهو إتفاق من يعتبر قوله من الامة)، إنتى.

وكذا غيرها من العبارات المصرحة بذلك في تعريف الاجماع وغيرها من المقامات، كما تراهم يعتذرون كثيرا عن وجود المخالف بإنقراض عصره.

ثم إنه لما كان وجه حجية الاجماع عند الامامية إشتماله على قول الامام، عليه السلام، كانت الحجية دائرة مدار وجوده، عليه السلام، في كل جماعة هو أحدهم، ولذا قال السيد المرتضى: (إذا كان علة كون الاجماع حجة كون الامام فيهم، فكل جماعة كثرت أو قلت، كان قول الامام في أقوالها، فإجماعها حجة، وإن خلاف الواحد والاثنين إذا كان الامام أحدهما قطعا أو تجويزا يقتضي عدم الاعتداد بقول الباقين وإن كثر، وإن الاجماع بعد الخلاف كالمبتدأ في الحجيه)، إنتهى.

وقال المحقق في المعتبر، بعد إناطة حجية الاجماع بدخول قول الامام عليه السلام: (إنه لو خلا المائة من فقهائنا من قوله لم يكن قولهم حجة، ولو حصل في إثنين كان قولهما حجة)، إنتهى.

وقال العلامة، رحمه الله، بعد قوله إن الاجماع عندنا حجة لاشتماله على قول المعصوم -: (وكل جماعة قلت أو كثرت كان قول الامام عليه السلام في جملة أقوالها فإجماعها حجة لاجله، لا لاجل الاجماع)، إنتهى.

هذا، ولكن لا يلزم من كونه حجة تسميته إجماعا في الاصطلاح، كما أنه ليس كل خبر جماعة يفيد العلم متواترا في الاصطلاح.

وأما ما إشتهر بينهم من أنه لا يقدح خروج معلوم النسب، واحدا أو أكثر، فالمراد أنه لا يقدح في حجية إتفاق الباقي، لا في تسميته إجماعا، كما علم من فرض المحقق،

[81]

قدس سره، الامام عليه السلام في إثنين.

نعم، ظاهر كلمات جماعة يوهم تسميته إجماعا في الاصطلاح حيث تراهم يدعون الاجماع في مسألة، ثم يعتذرون عن وجود المخالف بأنه معلوم النسب.

لكن التأمل الصادق يشهد بأن الغرض الاعتذار عن قدح المخالف في الحجية لا في التسمية.

نعم يمكن أن يقال: إنهم قد تسامحوا في إطلاق الاجماع على إتفاق الجماعة التي علم دخول الامام عليه السلام فيها، لوجود مناط الحجية فيه وكون وجود المخالف غير مؤثر شيئا، وقد شاع هذا التسامح بحث كاد أن ينقلب إصطلاح الخاصة عما وافق إصطلاح العامة إلى ما يعم إتفاق طائفة من الامامية، كما يعرف من أدنى تتبع لموارد الاستدلال.

بل إطلاق لفظ الاجماع بقول مطلق على إجماع الامامية فقط، مع أنهم بعض الامة لا كلهم، ليس إلا لاجل المسامحة، من جهة أن وجود المخالف كعدمه من حيث مناط الحجية.

وعلى أي تقدير فظاهر إطلاقهم إرادة دخول قول الامام، عليه السلام، في أقوال المجمعين بحيث يكون دلالته عليه بالتضمن.

فيكون الاخبار عن الاجماع إخبارا عن قول الامام عليه السلام.

وهذا هو الذي يدل عليه كلام المفيد والمرتضى وإبن زهرة والمحقق والعلامة والشهيدين ومن تأخر عنهم.

وأما إتفاق من عدا الامام عليه السلام - بحيث يكشف عن صدور الحكم عن الامام، عليه السلام، بقاعدة اللطف كما عن الشيخ، رحمه الله، أو التقرير كما عن بعض المتأخرين، أو بحكم العادة القاضية بإستحالة توافقهم على الخطأ مع كمال بذل الوسع في فهم الحكم الصادر عن الامام عليه السلام - فهذا ليس إجماعا إصطلاحيا إلا أن ينضم قول الامام عليه السلام المكشوف عنه بإتفاق هؤلاء إلى أقوالهم، فيسمى المجموع إجماعا، بناء على ما تقدم من المسامحة في تسمية إتفاق جماعة مشتمل على قول الامام عليه السلم إجماعا وإن خرج عنه الكثر أو الاكثر.

فالدليل في الحقيقة هو إتفاق من عدا الامام (ع)، والمدلول الحكم الصادر عنه عليه السلام نظير كلام الامام (ع) ومعناه.

فالنكتة في التعبير عن الدليل بالاجماع - مع توقفه على ملاحظة إنضمام مذهب الامام، عليه السلام، الذي هو المدلول إلى الكاشف عنه وتسمية المجموع دليلا - هو التحفظ على ما جرت سيرة أهل الفن، من إرجاع كل دليل إلى أحد الادلة المعروفة بين الفريقين، أعني الكتاب والسنة والاجماع والعقل.

ففي إطلاق الاجماع على هذا مسامحة في مسامحة، وحاصل المسامحتين إطلاق الاجماع على إتفاق

[82]

طائفه يستحيل بحكم العادة خطأهم وعدم وصولهم إلى حكم الامام عليه السلام.

والاطلاع على تعريفات الفريقين وإستدلالات الخاصة وأكثر العامة على حجية الاجماع يوجب القطع بخروج هذا الاطلاق عن المصطلح وبنائه على المسامحة لتنزيل وجود من خرج عن هذا الاتفاق منزلة عدمه.

كما عرفت من السيد والفاضلين، قدست أسرارهم، من أن كل جماعة قلت أو كثرت علم دخول قول الامام، عليه السلام، فيهم، فإجماعهم حجة.

ويكفيك في هذا ما سيجئ من المحقق الثاني في تعليق الشرائع من: (دعوى الاجماع على أن خروج الواحد من علماء العصر قادح في إنعقاد الاجماع)، مضافا إلى ما عرفت من إطباق الفريقين على تعريف الاجماع بإتفاق الكل.

ثم إن المسامحة من الجهة الاولى أو الثانية في إطلاق لفظ الاجماع على هذا من دون قرينة لا ضير فيها، لان العبرة في الاستدلال بحصول العلم من الدليل للمستدل.

نعم لو كان نقل الاجماع المصطلح حجة عند الكل كان إخفاء القرينة في الكلام الذي هو المرجع للغير تدليسا.

أما لو لم يكن نقل الاجماع حجة أو كان نقل مطلق الدليل القطعي حجة لم يلزم تدليس أصلا.

ويظهر من ذلك ما في كلام صاحب المعالم، رحمه الله، حيث أنه بعد أن ذكر أن حجية الاجماع إنما هي لاشتماله على قول المعصوم واستنهض بكلام المحقق الذي تقدم واستجوده، قال: (والعجب من غفلة جمع من الاصحاب عن هذا الاصل وتساهلهم في دعوى الاجماع عند إحتجاجهم به للمسائل الفقهية، حتى جعلوه عبارة عن إتفاقهم جماعة من الاصحاب، فعدلوا به عن معناه الذي جرى عليه الاصطلاح من دون نصب قرينة جلية ولا دليل لهم على الحجية يعتد به) إنتهى.

وقد عرفت أن مساهلتهم وتسامحهم في محله، بعدما كان مناط حجية الاجماع الاصطلاحي موجودا في إتفاق جماعة من الاصحاب وعدم تعبيرهم عن هذا الاتفاق بغير لفظ الاجماع، لما عرفت من التحفظ على عناوين الادلة المعروفة بين الفريقين.

إذا عرفت ما ذكرنا فنقول: إن الحاكي للاتفاق قد ينقل الاجماع بقول مطلق أو مضافا إلى المسلمين أو الشيعة أو أهل الحق أو غير ذلك مما يمكن أن يراد به دخول الامام عليه السلام في المجمعين، وقد ينقله مضافا إلى من عدا الامام، عليه السلام.

كقوله: أجمع علماؤنا أو أصحابنا أو

[83]

فقهاؤنا أو فقهاء أهل البيت، عليهم السلام، فإن ظاهر ذلك من عدا الامام عليه السلام، وإن كان إرادة العموم محتملة بمقتضى المعنى اللغوي.

لكنه مرجوح، فإن أضاف الاجماع إلى من عدا الامام عليه السلم فلا إشكال في عدم حجية نقله، لانه لم ينقل حجة وإن فرض حصول العلم للناقل بصدور الحكم عن الامام عليه السلام من جهة هذا الاتفاق إلا أنه إنما نقل سبب العلم ولم ينقل المعلوم وهو قول الامام عليه السلام حتى يدخل في نقل الحجة وحكاية السنة بخبر الواحد.

نعم، لو فرض أن السبب المنقول مما يستلزم عادة موافقة قول الامام، عليه السلام، أو وجود دليل ظني معتبر حتى بالنسبة إلينا، أمكن إثبات ذلك السبب المحسوس بخبر العادل والانتقال منه إلى لازمه.

لكن سيجئ بيان الاشكال في تحقق ذلك.

وفي حكم الاجماع المضاف إلى من عدا الامام، عليه السلام، الاجماع المطلق المذكور في مقابل الخلاف.

كما يقال: خرء الحيوان الغير المأكول غير الطير نجس إجماعا.

وإنما إختلفوا في خرء الطير.

أو يقال: إن محل الخلاف هو كذا.

وأما كذا فحكمه كذا إجماعا، فإن معناه في مثل هذا كونه قولا واحدا.

وأضعف مما ذكر نقل عدم الخلاف وأن ظاهر الاصحاب أو قضية المذهب وشبه ذلك.

وإن أطلق الاجماع أو أضافه على وجه يظهر منه إرادة المعنى المصطلح المتقدم ولو مسامحة، لتنزيل وجود المخالف منزلة العدم، لعدم قدحه في الحجية، فظاهطر الحكاية كونها حكاية للسنة، اعني حكم الامام، عليه السلام، لما عرفت من أن الاجماإع الاصطلاحي متضمن لقول الامام عليه السلام فيدخل في الخبر والحديث.

إلا أن مستند علم الحاكي بقول الامام، عليه السلام، أحد أمور: أحدها الحس، كما إذا سمع الحكم من الامام، عليه السلام، في جملة جماعة لا يعرف أعيانهم فيحصل له العلم بقول الامام عليه السلام.

وهذا في غاية القلة، بل نعلم أنه لم يتفق لاحد من هؤلاء الحاكين للاجماع، كالشيخين والسيدين وغيرهما.

ولذا صرح الشيخ في العدة، في مقام الرد على السيد حيث أنكر الاجماع من باب وجوب اللطف، بأنه لولا قاعدة اللطف لم يمكن التوصل إلى معرفة موافقة الامام للمجمعين.

الثاني قاعدة اللطف، على ما ذكره الشيخ في العدة وحكي القول به عن غيره من المتقدمين.

[84]

ولا يخفى أن الاستناد إليه غير صحيح، على ما ذكره في محله.

فإذا علم إستناده الحاكي إليه فلا وجه للاعتماد على حكايته.

والفروض أن إجماعات الشيخ كلها مستندة إلى هذه القاعدة، لما عرفت من كلامه المتقدم عن العدة وستعرف منها ومن غيرها من كتبه.

فدعوى مشاركته للسيد، قدس سره -، في إستكشاف قول الامام، عليه السلام، من تتبع أقوال الامة وإختصاصه بطريق آخر مبني على وجوب قاعدة اللطف - غير ثابتة، وإن إدعاها بعض، فإنه، قدس سره، قال في العدة، - في حكم ما إذا إختلفت الامامية على قولين يكون أحد القولين قول الامام، عليه السلام، على وجه لا يعرف بنفسه، والباقون كلهم على خلافه -: (إنه متى إتفق ذلك، فإن كان على القول الذي إنفرد به الامام، عليه السلام، دليل من كتاب أو سنة مقطوع بها لم يجب عليه الظهور ولا الدلالة على ذلك، لان الموجود من الدليل كاف في إزاحة التكليف، ومتى لم يكن عليه دليل وجب عليه الظهور أو إظهار من يبين الحق في تلك المسألة - إلى أن قال -: وذكر المرتضى علي بن الحسين الموسوي أخيرا: (أنه يجوز أن يكون الحق عند الامام، عليه السلام، والاقوال الاخر كلها باطلة.

ولا يجب عليه الظهور، لانا إذا كنا نحن السبب في إستتاره، فكل ما يفوتنا من الانتفاع به وبما معه من الاحكام يكون قد فاتنا من قبل أنفسنا، ولو أزلنا سبب الاستتار لظهر وانتفعنا به وأدى إلينا الحق الذي كان عنده).

قال: (وهذا عندي غير صحيح، لانه يؤدي إلى أن لا يصح الاحتجاج بإجماع الطائفة أصلا، لانا لا نعلم دخول الامام، عليه السلام، فيها إلا بالاعتبار الذي بيناه، ومتى جوزنا إنفراده بالقول وأنه لا يجب ظهوره منع ذلك من الاحتجاج بالاجماع)، إنتهى كلامه.

وذكر في موضع آخر من العدة: (إن هذه الطريقة - يعني طريقة السيد المتقدمة - غير مرضية عندي، لانها تؤدي إلى أن لا يستدل بإجماع الطائفة أصلا، لجواز أن يكون قول الامام، عليه السلام مخالفا لها، ومع ذلك لا يجب عليه إظهار ما عنده) إنتهى.

[85]

وأصرح من ذلك في إنحصار طريق الاجماع، عند الشيخ، فيما ذكره من قاعدة اللطف، ما حكي عن بعض أنه حكاه عن كتاب التهذيب [ التمهيد ] للشيخ: (أن سيدنا المرتضى، قدس سره، كان يذكر كثيرا أنه لا يمتنع أن يكون هنا أمور كثيرة غير واصلة إلينا علمها مودع عند الامام عليه السلام وإن كتمها الناقلون، ولا يلزم مع ذلك سقوط التكليف عن الخلق - إلى أن قال -: وقد إعترضنا على هذا في كتاب العدة في أصول الفقه وقلنا: هذا الجواب صحيح لولا ما نستدل في أكثر الاحكام على صحته بإجماع الفرقة.

فمتى جوزنا أن يكون قول الامام، عليه السلام، خلافا لقولهم ولا يجب ظهوره، جاز لقائل أن يقول: ما أنكرتم أن يكون قول الامام (ع) خارجا عن قول من تظاهر بالامامة ومع هذا لا يجب عليه الظهور، لانهم أتوا من قبل أنفسهم، فلا يمكننا الاحتجاج بإجماعهم أصلا)، إنتهى.

فإن صريح هذا الكلام أن القادح في طريقة السيد منحصر في إستلزامها رفع التمسك بالاجماع، ولا قادح فيها سوى ذلك، ولذا صرح في كتاب الغيبة بأنها قوية تقتضيها الاصول.

فلو كان لمعرفة الاجماع وجواز الاستدلال به طريق آخر غير قاعدة وجوب إظهار الحق عليه لم يبق ما يقدح في طريقة السيد، لاعتراف الشيخ بصحتها لولا كونها مانعة عن الاستدلال بالاجماع.

ثم إن الاستناد إلى هذا الوجه ظاهر من كل من إشترط في تحقق الاجماع عدم مخالفة أحد من علماء العصر، كفخر الدين والشهيد والمحقق الثاني.

قال في الايضاح في مسألة ما يدخل في المبيع: (إن من عادة المجتهد: إذا تغير إجتهاده إلى التردد أو الحكم بخلاف ما اختاره أولا، لم يبطل ذكر الحكم الاول، بل يذكر ما أدى إليه إجتهاده ثانيا في موضع آخر، لبيان عدم إنعقاد إجماع أهل عصر الاجتهاد الاول على خلافه، وعدم إنعقاد إجماع أهل العصل الثاني على كل واحد منهما.

وأنه لم يحصل في الاجتهاد الثاني مبطل للاول، بل معارض لدليله مساو له)، إنتهى.

وقد أكثر في الايضاح من عدم الاعتبار بالخلاف لانقراض عصر المخالف.

[86]

وظاهره الانطباق على هذه الطريقة، كما لا يخفى.

وقال في الذكرى: (ظاهر العلماء المنع عن العمل بقول الميت محتجين بأنه لا قول للميت، ولهذا ينعقد الاجماع على خلافه ميتا).

واستدل المحقق الثاني في حاشية الشرائع: (على أنه لا قول للميت، بالاجماع على أن خلاف الفقيه الواحد لسائر أهل عصره يمنع من إنعقاد الاجماع إعتدادا بقوله وإعتبارا بخلافه.

فإذا مات وانحصر أهل العصر في المخالفين له إنعقد وصار قوله غير منظور إليه ولا يعتد به)، إنتهى.

وحكي عن بعض أنه حكى عن المحقق الداماد أنه، قدس سره قال في بعض كلام له، في تفسير النعمة الباطنة: (إن من فوائد الامام - عجل الله فرجه - أن يكون مستندا لحجية إجماع أهل الحل والعقد من العلماء على حكم من الاحكام إجماعا بسيطا في أحكامهم الاجماعية وحجية إجماعهم المركب في أحكامهم الخلافية، فإنه - عجل الله فرجه - لا ينفرد بقول، بل من الرحمة الواجبة في الحكمة الالهية أن يكون في المجتهدين المختلفين في المسألة المختلف فيها من علماء العصر من يوافق رأيه رأي إمام عصره وصاحب أمره ويطابق قوله قوله وإن لم يكن ممن نعلمه بعينه ونعرفه بشخصه)، إنتهى.

وكأنه لاجل مراعاة هذا الطريقة إلتجا الشهيد في الذكرى إلى توجيه الاجماعات التي إدعاها جماعة في المسائل الخلافية مع وجود المخالف فيها بإرادة غير المعنى الاصطلاحي من الوجوه التي حكاها عنه في المعالم.

ولو جامع الاجماع وجود الخلاف ولو من معلوم النسب لم يكن داع إلى التوجيهات المذكورة مع بعدها أو أكثرها.

الثالث من طرق إنكشاف قول الامام عليه السلام لمدعى الاجماع الحدس.

وهذا على وجهين: أحدهما: أن يحصل له ذلك من طريق لو علمنا به ما خطأناه في إستكشافه.

وهذا على وجهين، أحدهما: أن يحصل له الحدس الضروري من مباد محسوسة بحيث يكون الخطأ فيه من قبيل الخطأ في الحس، فيكون بحيث لو حصل لنا تلك الاخبار لحصل لنا العلم كما حصل له.

ثانيهما: أن يحصل الحدس له من إخبار جماعة إتفق له العلم بعدم إجتماعهم على الخطأ، لكن ليس إخبارهم ملزوما

[87]

عادة للمطابقة لقول الامام، عليه السلام، بحيث لو حصل لنا علمنا بالمطابقة أيضا.

الثاني: أن يحصل ذلك من مقدمات نظرية وإجتهادات كثيرة الخطأ، بل علمنا بخطأ بعضها في موارد كثيرة من نقلة الاجماع، علمنا ذلك منهم بتصريحاتهم في موارد، واستظهرنا ذلك منهم في موارد أخر، وسيجئ جملة منها.

* * *

 إذا عرفت أن مستند خبر المخبر بالاجماع المتضمن للاخبار من الامام، عليه السلام، لا يخلو من الامور الثلاثة المتقدمة - وهي السماع عن الامام مع عدم معرفته بعينه، وإستكشاد قوله من قاعدة اللطف، وحصول العلم من الحدس، وظهر لك أن الاول هنا غير متحقق عادة لاحد من علمائنتا المدعين للاجماع، وأن الثاني ليس طريقا للعلم - فلا يسمع دعوى من إستند إليه، فلم يبق مما يصلح أن يكون المستند في الاجماعات المتداولة على ألسنة ناقليها إلا الحدس.

وعرفت أن الحدس قد يستند إلى مباد محسوسة ملزومة عادة لمطابقة قول الامام، عليه السلام، نظير العلم الحاصل من الحواس الظاهرة، ونظير الحدس الحاصل لمن أخبر بالعدالة والشجاعة لمشاهدته آثارهما المحسوسة الموجبة للانتقال إليهما بحكم العادة أو إلى مباد محسوسة موجبة لعلم المدعي بمطابقة قول الامام، عليه السلام، من دون ملازمه عادية، وقد يستند إلى إجتهادات وأنظار.

وحيث لا دليل على قبول خبر العادل المستند إلى القسم الاخير من الحدس، بل ولا المستند إلى الوجه الثاني، ولم يكن هناك ما يعلم به كون الاخبار مستندا إلى القسم الاول من الحدس، وجب التوقف في العمل بنقل الاجماع، كسائر الاخبار المعلوم إستنادها إلى الحدس المردد بين الوجوه المذكورة.

فإن قلت: ظاهر لفظ الاجماع إتفاق الكل، فإذا أخبر الشخص بالاجماع فقد أخبر بإتفاق الكل، ومن المعلوم أن حصول العلم بالحكم من إتفاق الكل كالضروري، فحدس المخبر مستند إلى مباد محسوسة ملزومة لمطابقة قول الامام، عليه السلام، عادة.

فإما أن يجعل الحجة نفس ما استفاده من الاتفاق، نظير الاخبار بالعدالة، وإما أن يجعل الحجة إخباره بنفس الاتفاق المستلزم عادة لقول الامام، عليه السلام، ويكون نفس المخبر به حينئذ محسوسا، نظير إخبار الشخص بأمور تستلزم العدالة أو الشجاعة عادة.

وقد أشار إلى الوجهين بعض السادة الاجلة في شرحه على الوافية، فإنه قدس سره، لما إعترض على نفسه: ب‍ (أن المعتبر من الاخبار ما إستند إلى إحدى

[88]

الحواس، والمخبر بالاجماع إنما رجع إلى بذل الجهد، ومجرد الشك في دخول مثل ذلك في الخبر يقتضي منعه).

أجاب عن ذلك: بأن المخبر هنا أيضا يرجع إلى السمع فيما يخبر عن العلماء وإن جاء العلم بمقالة المعصوم من مراعاة أمر آخر، كوجوب اللطف وغيره.

ثم أورد: بأن المدار في حجية الاجماع على مقالة المعصوم عليه السلام.

فالاخبار إنما هو بها ولا يرجع إلى سمع.

فأجاب عن ذلك: أولا، بأن مدار الحجية وإن كان ذلك، لكن إستلزام إتفاق كلمة العلماء لمقالة المعصوم عليه السلام معلوم لكل أحد، لا يحتاج فيه إلى النقل.

و إنما الغرض من النقل ثبوت الاتفاق.

فبعد إعتبار خبر الناقل لوثاقته ورجوعه في حكاية الاتفاق إلى الحس والسماع كان الاتفاق معلوما، ومتى ثبت ذلك كشف عن مقالة المعصوم للملازمة المعلومة لكل أحد.

وثانيا، أن الرجوع في حكاية الاجماع إلى نقل مقالة المعصوم لرجوع الناقل في ذلك إلى الحس، بإعتبار أن الاتفاق من آثاره.

ولا كلام في إعتبار مثل ذلك، كما في الاخبار بالايمان والفسق والشجاعة والكرم وغيرها من الملكات.

وإنما لا يرجع إلى الاخبار في العقليات المحضة، فإنه لا يعول عليها، وإن جاء بها ألف من الثقات حتى يدرك مثل ما أدركوا.

ثم أورد على ذلك: بأنه يلزم من ذلك الرجوع إلى المجتهد، لانه وإن لم يرجع إلى الحس في نفس الاحكام إلا أنه رجع في لوازمها وآثارها إليه، وهي أدلتها السمعية، فيكون رواية، فلم لا يقبل إذا جاء به الثقة.

وأجاب: بأنه إنما يكفي الرجوع إلى الحس في الآثار إذا كانت الآثار مستلزمة له عادة، وبالجملة إذا أفادت اليقين، كما في آثار الملكات وآثار مقالة الرئيس، وهي مقالة رعيته.

وهذا بخلاف ما يستنهضه المجتهد من الدليل على الحكم.

ثم قال: على أن التحقيق في الجواب عن السؤال الاول هو الوجه الاول، و عليه فلا أثر لهذا السوال)، إنتهى.

[89]

قلت إن الظاهر من الاجماع إتفاق أهل عصر واحد، لا جميع الاعصار، كما يظهر من تعاريفهم وسائر كلماتهم.

ومن المعلوم أن إجماع أهل عصر واحد مع قطع النظر عن موافقة أهالي الاعصار المتقدمة ومخالفتهم، لا يوجب عن طريق الحدس العلم الضروري بصدور الحكم عن الامام، عليه السلام، ولذا قد يتخلف، لاحتمال مخالفة من تقدم عليهم أن أكثرهم.

نعم يفيد العلم من باب وجوب اللطف الذي لا نقول بجريانه في المقام، كما قرر في محله.

مع أن علماء العصر إذا كثروا، كما في الاعصار السابقة، يتعذر أو يتعسر الاطلاع عليهم حسا بحيث يقطع مع سواهم في العصر، إلا إذا كان العلماء في عصر قليلين يمكن الاحاطة بآرائهم في المسألة فيدعى الاجماع، إلا أن مثل هذا الامر المحسوس لا يستلزم عادة لموافقة المعصوم عليه السلام.

فالمحسوس المستلزم عادة لقول الامام عليه السلام مستحيل التحقق للناقل، والممكن التحقق له غير مسلتزم عادة.

وكيف كان، فإذا إدعى الناقل الاجماع، خصوصا إذا كان ظاهره إتفاق جميع علماء الاعصار أو أكثرهم إلا من شذ - كما هو الغالب في إجماعات مثل الفاضلين والشهيدين - إنحصر محمله في وجوه: أحدهما: أن يراد به إتفاق المعروفين بالفتوى دون كل قابل للفتوى من أهل عصره أو مطلقا.

الثاني: أن يراد إجماع الكل.

ويستفيد ذلك من إتفاق المعروفين من أهل عصره.

وهذه الاستفادة ليست ضرورية وإن كانت قد تحصل، لان إتفاق أهل عصره، فضلا عن المعروفين منهم، لا يستلزم عادة إتفاق غيرهم ومن قبلهم، خصوصا بعد ملاحظة التخلف في كثير من الموارد، لا يسع هذا الرسالة لذكر معشارها.

ولو فرض حصوله للمخبر كان من باب الحدس الحاصل عما لا يوجب العلم عادة.

نعم هي إمارة ظنية على ذلك، لان الغالب في الاتفاقيات عند أهل عصر كونه من الاتفاقيات عند من تقدمهم.

وقد يحصل العلم بضميمة أمارات أخر، لكن الكلام في كونه الاتفاق مستندا إلى الحس أو إلى حدس لازم عادة للحس.

وألحق بذلك ما إذا علم إتفاق الكل من إتفاق جماعة، لحسن ظنه بهم، كما ذكره في أوائل المعتبر حيث قال: (ومن المقلدة من لو طالبته بدليل المسألة إدعى الاجماع، لوجوده في كتب الثلاثة قدست أسرارهم.

وهو جهل إن لم يكن تجاهلا).

[90]

فإن في توصيف المدعي بكونه مقلدا، مع أنا نعلم أنه لا يدعي الاجماع إلا عن علم، إشارة إلى إستناده في دعواه إلى حسن الظن بهم وأن جزمه في غير محله، فافهم.

الثالث: أن يستفيد إتفاق الكل على الفتوى من إتفاقهم على العمل بالاصل عند عدم الدليل، أو بعموم دليل عند عدم وجدان المخصص، أو بخبر معتبر عند عدم وجدان المعارض، أو إتفاقهم على مسألة أصولية نقلية أو عقليه يستلزم القول بها الحكم في المسألة المفروضة، وغير ذلك من الامور المتفق عليها التي يلزم بإعتقاد المدعي من القول بها، مع فرض عدم المعارض، القول بالحكم المعين في المسالة.

ومن المعلوم: أن نسبة هذا الحكم إلى العلماء في مثل ذلك لم تنشأ إلا من مقدمتين أثبتهما المدعي بإجتهاده: إحداهما كون ذلك الامر المتفق عليه مقتضيا ودليلا للحكم لولا المانع.

و الثانية إنتفاء المانع والمعارض.

ومن المعلوم أن الاستناد إلى الخبر المستند إلى ذلك غير جائز عند أحد من العاملين بخبر الواحد.

* * *

 ثم إن الظاهر أن الاجماعات المتعارضة من شخص واحد أو من معاصرين أو متقاربي العصرين ورجوع المدعي عن الفتوى التي إدعى الاجماع فيها ودعوى الاجماع في مسائل غير معنونة في كلام من تقدم على المدعي وفي مسائل قد إشتهر خلافها بعد المدعي، بل في زمانه، بل في ماقبله، كل ذلك مبني على الاستناد في نسبة القول إلى العلماء على هذا الوجه.

ولا بأس بذكر بعض موارد صرح المدعي بنفسه أو غيره في مقام توجيه كلامه فيها بذلك.

فمن ذلك: ما وجه به المحقق دعوى المرتضى والمفيد: أن من مذهبنا جواز إزالة النجاسة بغير الماء من المائعات.

قال: (وأما قول السائل: كيف أضاف المفيد والسيد ذلك إلى مذهبنا ولا نص فيه، فالجواب: أما علم الهدى، فإنه ذكر في الخلاف: أنه إنما أضاف ذلك إلى مذهبنا، لان من أصلنا العمل بالاصل ما لم يثبت الناقل، وليس في الشرع ما يمنع الازالة بغير الماء من المائعات - ثم قال -: وأما المفيد، فإنه إدعى في مسائل الخلاف: أن ذلك مروي عن الائمة)، إنتهى.

[91]

فظهر من ذلك أن نسبة السيد، قدس سره، الحكم المذكور إلى مذهبنا من جهة الاصل.

ومن ذلك ما عن الشيخ في الخلاف، حيث أنه ذكر، فيما إذا بان فسق الشاهدين بما يوجب القتل به القتل، بأنه يسقط القود وتكون الدية من بيت المال، قال: (دليلنا إجماع الفرقة، فإنهم رووا أن ما أخطأت القضاة، ففي بيت مال المسلمين)، إنتهى.

فعلل إنعقاد الاجماع بوجود الرواية عند الاصحاب.

وقال بعد ذلك، فيما إذا تعددت الشهود فيمن أعتقه المريض وعين كل غير ما عينه الاخر، ولم يف الثلث بالجميع: (إنه يخرج السابق بالقرعة، - قال -: دليلنا إجماع الفرقة وإخبارهم، فإنهم أجمعوا على أن كل أمر مجهول فيه القرعة)، إنتهى.

ومن هذا القبيل ما عن المفيد في فصوله، حيث أن سئل عن الدليل على أن المطلقة ثلاثا في مجلس واحد يقع منها واحدة.

فقال: (الدلالة على ذلك من كتاب الله عزوجل وسنة نبيه، صلى الله عليه وآله، وإجماع المسلمين)، ثم إستدل من الكتاب بظاهر قوله تعالى: (الطلاق مرتان).

ثم بين وجه الدلالة، ومن السنة قوله صلى الله عليه وآله: (كل ما لم يكن على أمرنا هذا فهو رد)، وقال: (ما وافق الكتاب فخذوه، وما لم يوافقه فاطرحوه).

و قد بينا أن المرة لا تكون المرتين أبدا وأن الواحدة لا تكون ثلاثا، فأوجب السنة إبطال طلاق الثلاث.

وأما إجماع الامة، فهو مطبقون على أن ما خالف الكتاب و السنة فهو باطل.

وقد تقدم وصف خلاف الطلاق بالكتاب والسنة، فحصل الاجماع على إبطاله)، إنتهى.

وحكي عن الحلي في السرائر الاستدلال بمثل هذا.

ومن ذلك الاجماع الذي إدعاه الحلي على المضايقة في قضاء الفوائت في رسالته المسماة بخلاصة الاستدلال، حيث قال: (أطبقت عليه الامامية خلفا عن سلف وعصرا بعد عصر وأجمعت على العمل به، ولا يعتد بخلاف نفر يسير من الخراسانيين، فإن إبني بابويه، والاشعريين،

[92]

كسعد بن عبدالله صاحب كتاب الرحمة، وسعد بن سعد، ومحمد بن علي بن محبوب صاحب كتاب نوادر الحكمة، والقميين أجمع، كعلي بن إبراهيم بن هاشم، ومحمد بن الحسن بن الوليد، عاملون بأخبار المضايقة، لانهم ذكروا أنه لا يحل رد الخبر الموثوق برواته، وحفظتهم الصدوق ذكر ذلك في كتاب من لا يحضره الفقيه، وخريت هذه الصناعة ورئيس الاعاجم الشيخ أبوجعفر الطوسي مودع أخبار المضايقة في كتبه مفت بها.

والمخالف إذا علم بإسمه ونسبه لم يضر خلافه) إنتهى.

ولا يخفى أن إخباره بإجماع العلماء على الفتوى بالمضايفه مبني على الحدس والاجتهاد من وجوه: أحدها: دلالة ذكر الخبر على عمل الذاكر به.

وهذا وإن كان غالبيا إلا أنه لا يوجب القطع، لمشاهدة التخلف كثيرا.

الثاني: تمامية دلالة تلك الاخبار عند أولئك على الوجوب، إذ لعلهم فهموا منها بالقرائن الخارجية تأكد الاستحباب.

الثالث: كون رواة تلك الروايات موثوقا بهم عند أولئك، لان وثوق الحلي بالرواة لا يدل على وثوق أولئك، مع أن الحلي لا يرى جواز العمل بأخبار الآحاد وإن كانوا ثقات، والمفتي إذا إستند فتواه إلى خبر واحد لا يوجب إجتماع أمثاله القطع بالواقع، خصوصا لمن يخطئ العمل بأخبار الآحاد.

وبالجملة فكيف يمكن أن يقال: إن مثل هذا الاجماع إخبار عن قول الامام، فيدخل في الخبر الواحد، مع أنه في الحقيقة إعتماد على إجتهادات الحلي مع وضوح فساد بعضها، فإن كثيرا ممن ذكر أخبار المضايقة قد ذكر أخبار المواسعة أيضا، وأن المفتي إذا علم إستناده إلى مدرك لا يصلح للركون إليه من جهة الدلالة أو المعارضة لا يؤثر فتواه في الكشف عن قول الامام.

وأوضح حالا في عدم جواز الاعتماد ما ادعاه الحلي من الاجماع على وجوب فطرة الزوجة ولو كانت ناشزه على الزوج.

ورده المحقق بأن أحدا من علماء الاسلام لم يذهب إلى ذلك.

فإن الظاهر أن الحلي إنما اعتمد في إستكشاف أقوال العلماء على تدوينهم للروايات الدالة بإطلاقها على وجوب فطرة الزوجة على الزوج، متخيلا أن الحكم معلق على الزوجة من حيث هي زوجة، ولم يتفطن

[93]

لكون الحكم من حيث العيلولة أو وجوب الانفاق.

فكيف يجوز الاعتماد في مثله على الاخبار بالاتفاق الكاشف عن قول الامام عليه السلم ويقال إنها سنة محكية.

وما أبعد ما بين ما إستند إليه الحلي في هذا المقام وبين ما ذكره المحقق في بعض كلماته المحكية، حيث قال: (إن الاتفاق على لفظ مطلق شامل لبعض أفراده الذي وقع فيه الكلام لا يقتضي الاجماع على ذلك الفرد، لان المذهب لا يصار إليه من إطلاق اللفظ ما لم يكن معلوما من القصد، لان الاجماع مأخوذ من قولهم: أجمع على كذا، إذا عزم عليه.

فلا يدخل في الاجماع على الحكم إلا من علم منه القصد إليه.

كما أنا لا نعلم مذهب عشرة من الفقهاء الذين لم ينقل مذهبهم لدلالة عموم القرآن وإن كانوا قائلين به)، إنتهى كلامه.

وهو في غاية المتانة.

لكنك عرفت ما وقع من جماعة من المسامحة في إطلاق لفظ الاجماع.

وقد حكي في المعالم عن الشهيد: (إنه أول كثيرا من الاجماعات، لاجل مشاهدة المخالف في مواردها، بإرادة الشهرة، أو بعدم الظفر بالمخالف حين دعوى الاجماع، أو بتأويل الخلاف على وجه لا ينافي الاجماع، أو بإرادة الاجماع على الرواية وتدوينها في كتب الحديث) إنتهى.

وعن المحدث المجلسي، قدس سره، في كتاب الصلاة من البحار.

، بعد ذكر معنى الاجماع ووجه حجيته عند الاصحاب: (إنهم لما رجعوا إلى الفقه كأنهم نسوا ما ذكروه في الاصول.

ثم أخذ في الطعن على إجماعاتهم إلى أن قال: - فيغلب على الظن أن مصطلحهم في الفروع غير ما جروا عليه فلا الاصول) إنتهى.

والتحقيق أنه لا حاجة إلى إرتكاب التأويل في لفظ الاجماع لما ذكره الشهيد، ولا إلى ما ذكره المحدث المذكور، قدس سرهما، من تغاير مصطلحهم في الفروع والاصول، بل الحق أن دعواهم للاجماع في الفروع مبني على إستكشاف الآراء ورأي الامام، عليه السلام، إما من حسن الظن

[94]

بجماعة من السلف أو من أمور تسلتزم بإجتهادهم إفتاء العلماء بذلك وصدور الحكم عن الامام عليه السلام أيضا.

وليس في هذا مخالفة لظاهر لفظ الاجماع حتى يحتاج إلى القرينة، ولاتدليس، لان دعوى الاجماع ليس لاجل إعتماد الغير عليه وچعله دليلا يستريح إليه في المسألة.

نعم قد يوجب التدليس من جهة نسبة الفتوى إلى العلماء، الظاهرة في وجدانها في كلماتهم، لكنه يندفع بأدنى تتبع في (الفقه)، ليظهر أن مبنى ذلك على إستنباط المذهب، لا على وجدانه مأثورا.

والحاصل: أن المتتبع في الاجماعات المنقولة يحصل له القطع من تراكم أمارات كثيرة بإستناد دعوى الناقلين للاجماع خصوصا إذا أرادوا به إتفاق علماء جميع الاعصار، كما هو الغالب في إجماعات المتأخرين - إلى الحدس الحاصل من حسن الظن بجماعة ممن تقدم على الناقل، أو من الانتقال من الملزوم إلى لازمه مع ثبوت الملازمة بإجتهاد الناقل وإعتقاده.

وعلى هذا ينزل الاجماعات المتخالفة من العلماء مع إتحاد العصر أو تقارب العصرين وعدم المبالاة كثيرا بإجماع الغير والخروج عنه للدليل.

وكذا دعوى الاجماع مع وجود المخالف.

فإن ما ذكرنا في مبنى الاجماع من أصح المحامل لهذه الامور المنافية لبناء دعوى الاجماع على تتبع الفتاوى في خصوص المسألة.

وذكر المحقق السبزواري في الذخيرة، بعد بيان تعسر العلم بالاجماع: (أن مرادهم بالاجماعات المنقولة، في كثير من المسائل بل في أكثرها، لا يكون محمولا على معناه الظاهر، بل إما يرجع إلى إجتهاد من الناقل مؤد بحسب القرائن و الامارات التي إعتبرها إلى أن المعصوم، عليه السلام، موافق في هذا الحكم، أو مرادهم الشهرة أو إتفاق أصحاب الكتب المشهورة، أو غير ذلك من المعاني المحتملة).

ثم قال بعد كلام له: (والذي ظهر لي من تتبع كلام المتأخرين أنهم كانوا ينظرون إلى كتب الفتاوي الموجودة عندهم في حال التأليف، فإذا رأوا إتفاقهم على حكم قالو إنه إجماعي.

ثم إذا إطلعوا على تصنيف آخر خالف مؤلفه الحكم المذكور، رجعوا عن الدعوى المذكورة.

ويرشد إلى هذا كثير من القرائن التي لا يناسب هذا المقام تفصيلها)، إنتهى.

[95]

وحاصل الكلام، من أول ما ذكرنا إلى هنا، أن الناقل للاجماع إن أحتمل في حقه تتبع فتاوى من إدعى إتفاقهم حتى الامام الذي هو داخل في المجمعين، فلا إشكال في حجيته وفي إلحاقه بالخبر الواحد، إذ لا يشترط في حجيته معرفة الامام تفصيلا حين السماع منه.

لكن هذا الفرض مما يعلم بعدم وقوعه وأن المدعى للاجماع لا يدعيه على هذا الوجه.

وبعد هذا فإن احتمل في حقه تتبع فتاوي جميع المجمعين، والمفروض أن الظاهر من كلامه هو إتفاق الكل المستلزم عادة لموافقه قول الامام عليه السلام، فالظاهر حجية خبره للمنقول إليه، سواء جعلنا المناط في حجيته تعلق خبره بنفس الكاشف الذي هو من الامور المحسوسة المستلزمة ضرورة لامر حدسي وهو قول الامام، أو جعلنا المناط تعلق خبره بالمنكشف وهو قول الامام، لما عرفت من أن الخبر الحدسي المستند إلى إحساس ما هو ملزوم للمخبر به عادة، كالخبر الحسي في وجوب القبول.

وقد تقدم الوجهان في كلام السيد الكاظمي في شرح الوافية.

لكنك قد عرفت سابقا القطع بإنتفاء هذا الاحتمال، خصوصا إذا أراد الناقل إتفاق علماء جميع الاعصار.

نعم لو فرضنا قلة العلماء في عصر بحيث يحاط بهم، أمكن دعوى إتفاقهم عن حس، لكن هذا غير مستلزم عادة لموافقته قول الامام، عليه السلام.

نعم يكشف عن موافقته، بناء على طريقة الشيخ المتقدمه التي لم تثبت عندنا وعند الاكثر.

ثم إذا علم عدم إستناد دعوى إستناد دعوى إتفاق العلماء المتشتتين في الاقطار الذي يكشف عادة عن موافقة الامام عليه السلام إلا إلى الحدس الناشي عن أحد الامور المتقدمة التي مرجعها إلى حسن الظن أو الملازمات الاجتهادية، فلا عبرة بنقله، لان الاخبار بقول الامام عليه السلام حدسي غير مستند إلى حس ملزوم له عادة، ليكون نظير الاخبار بالعدالة المستندة إلى الآثار الحسية، والاخبار بالاتفاق أيضا حدسي.

نعم يبقى هنا شئ، وهو أن هذا المقدار من النسبة المحتمل إستناد الناقل فيها إلى الحس يكون خبره حجة فيها، لان ظاهر الحكاية محمول على الوجدان إلا إذا قام هناك صارف، والمعلوم من الصارف هو عدم إستناد الناقل إلى الوجدان والحس في نسبة الفتوى إلى جميع من إدعى إجماعهم.

وأما إستناد نسبة الفتوى إلى جميع أرباب الكتب المصنفة في الفتاوى إلى الوجدان في كتبهم بعد التتبع، فأمر محتمل لا يمنعه عادة ولا عقل.

وما تقدم من المحقق السبزواري، من إبتناء دعوى الاجماع على ملاحظة الكتب الموجودة عنده

عنوان

[96]

حال التأليف، فليس عليه شاهد، بل الشاهد على خلافه.

وعلى تقدير فهو ظن لا يقدح في العمل بظاهر النسبة، فإن نسبة الامر الحسي إلى شخص ظاهر في إحساس الغير إياه من ذلك الشخص.

وحينئذ فنقل الاجماع غالبا إلا ما شذ حجة بالنسبة إلى صدور الفتوى عن جميع المعروفين من أهل الفتاوى.

ولا يقدح في ذلك أنا نجد الخلاف في كثير من موارد دعوى الاجماع، إذ من المحتمل إرادة الناقل ما عدا المخالف، فتتبع كتب من عداه ونسب الفتوى إليهم، بل لعله إطلع على رجوع من نجده مخالفا.

فلا حاجة إلى حمل كلامه على من عدا المخالف.

وهذا المضمون المخبر به عن حس، وإن لم يكن مستلزما بنفسه عادة لموافقة قول الامام، عليه السلام، إلا أنه قد يستلزمه بإنضمام أمارات أخر يحصلها المتتبع أو بإنضمام أقوال المتأخرين من دعوى الاجماع.

مثلا، إذا ادعى الشيخ، قدس سره، إلاجماع على إعتبار طهارة مسجد الجبهة، فلا أقل من إحتمال أن يكون دعواه مستندة إلى وجدان الحكم في الكتب المعدة للفتوى وإن كان بإيراد الروايات التي يفتي المؤلف بمضمونها.

فيكون خبره المتضمن لافتاء جميع أهل الفتوى بهذا الحكم حجة في المسألة.

فيكون كما لو وجدنا الفتاوى في كتبهم، بل سمعناها منهم.

وفتواهم وإن لم تكن بنفسها مستلزمة، عادة، لموافقة الامام، عليه السلام، إلا أنا إذا ضممنا إليها فتوى من تأخر عن الشيخ من أهل الفتوى وضم إلى ذلك أمارات أخر، فربما حصل من المجموع القطع بالحكم، لاستحالة تخلف هذه جميعها عن قول الامام، عليه السلام.

وبعض هذا المجموع - وهو إتفاق أهل الفتاوى المأثورة عنهم - وإن لم يثبت لنا بالوجدان، إلا أن المخبر قد أخبر به عن حس، فيكون حجة كالمحسوس لنا.

وكما أن مجموع ما يستلزم عادة لصدور الحكم عن الامام، عليه السلام، إذا أخبر به العادل عن حس قبل منه وعمل بمقتضاه، فكذا إذا أخبر العادل ببعضه عن حس.

وتوضيحه، بالمثال الخارجي، أن نقول: إن خبر مائة عادل أو ألف مخبر بشئ مع شدة إحتياطهم في مقام الاخبار يستلزم عادة ثبوت المخبر به في الخارج، فإذا أخبرنا عادل بأنه قد أخبر الف عادل بموت زيد وحضور دفنه، فيكون خبره بإخبار الجماعة بموت زيد حجة، فيثبت به لازمه العادي وهو موت زيد.

وكذلك إذا أخبر العادل بإخبار بعض هؤلاء وحصلنا إخبار الباقي بالسماع منهم.

[97]

نعم لو كانت الفتاوى المنقولة إجمالا بلفظ الاجماع على تقدير ثبوتها لنا بالوجدان مما لا يكون بنفسها أو بضميمة أمارات أخر مستلزمة عادة للقطع بقول الامام عليه السلام وإن كانت قد تفيده، لم يكن معنى لحجية خبر الواحد في نقلها تعبدا، لان معنى التعبد بخبر الواحد في شئ ترتيب لوازمه الثابتة له ولو بضميمة أمور أخر.

فلو أخبر العادل باخبار عشرين بموت زيد وفرضنا أن إخبارهم قد يوجب العلم وقد لا يوجب، لم يكن خبره حجة بالنسبة إلى موت زيد، إذ لا يلزم من إخبار عشرين بموت زيد موته.

وبالجملة، فمعنى حجية خبر العادل وجوب ترتيب ما يدل عليه المخبر به مطابقة، أو تضمنا، أو إلتزاما عقليا أو عاديا أو شرعيا، دون ما يقارنه أحيانا.

ثم إن ما ذكرنا لا يختص بنقل الاجماع، بل يجري في نقل الاتفاق وشبهه، ويجري في نقل الشهرة ونقل الفتاوى عن أربابها تفصيلا.

ثم إنه لو لم يحصل من مجموع ما ثبت بنقل العادل وما حصله المنقول إليه بالوجدان من الامارات والاقوال القطع بصدور الحكم الواقعي عن الامام، عليه السلام، لكن حصل منه القطع بوجود دليل ظني معتبر بحيث لو نقل إلينا لاعتقدناه تاما من جهة الدلالة وفقد المعارض، كان هذا المقدار أيضا كافيا في إثبات المسألة الفقهية، بل قد يكون نفس الفتاوى التي نقلها الناقل للاجماع إجمالا مستلزما لوجود دليل معتبر، فيستقل الاجماع المنقول بالحجية بعد إثبات حجية خبر العادل في المحسوسات، إلا إذا منعنا - كما تقدم سابقا - عن إستلزام إتفاق أرباب الفتاوى عادة لوجود دليل لو نقل إلينا لوجدناه تاما، وإن كان قد يحصل العلم بذلك من ذلك، إلا أن ذلك شئ قد يتفق ولا يوجب ثبوت الملازمة العادية التي هي المناط في الانتقال من المخبر به إليه.

ألا ترى أن إخبار عشرة بشئ قد يوجب العلم به، لكن لا ملازمة عادية بينهما، بخلاف إخبار ألف عادل محتاط في الاخبار.

وبالجملة، يوجد في الخبر مرتبة تستلزم عادة تحقق المخبر به، لكن ما يوجب العلم أحيانا قد لا يوجبه، وفي الحقيقة ليس هو بنفسه الموجب في مقام حصول العلم وإلا لم يتخلف.

* * *

 ثم إنه قد نبه على ما ذكرنا من فائدة نقل الاجماع بعض المحققين في كلام طويل له.

وما ذكرنا وإن كان محصل كلامه على ما نظرنا فيه، لكن الاولى نقل عبارته بعينها.

فلعل الناظر يحصل منه غير ما حصلنا، فإنا قد مررنا على العبارة مرورا.

ولا يبعد أن يكون قد إختفى علينا بعض ما له

[98]

دخل في مطلبه.

قال قدس سره في كشف القناع وفي رسالته التي صنفها في المواسعة والمضايقة ما هذا لفظه: (وليعلم أن المحقق في ذلك هو أن الاجماع، الذي نقل بلفظه المستعمل في معناه المصطلح أو بسائر الالفاظ على كثرتها، إذا لم يكن مبتنيا على دخول المعصوم بعينه أو ما في حكمه في المجمعين، فهو إنما يكون حجة على غير الناقل بإعتبار نقله السبب الكاشف عن قول المعصوم أو عن الدليل القاطع أو مطلق الدليل المعتد به وحصول الانكشاف للمنقول إليه والتمسك به بعد البناء على قبوله، لا بإعتبار ما إنكشف منه لناقله بحسب إدعائه.

فهنا مقامان:

الاول حجيته بالاعتبار الاول، وهي مبتنية من جهتي الثبوت والاثبات على مقدمات: الاولى: دلالة اللفظ على السبب.

وهذه لابد من إعتبارها، وهي متحققة ظاهرا في الالفاظ المتداولة بينهم ما لم يصرف عنها صارف.

وقد يشتبه الحال إذا كان النقل بلفظ الاجماع في مقام الاستدلال، لكن من المعلوم أن مبناه ومبنى غيره ليس على الكشف الذي يدعيه جهال الصوفية، ولا على الوجه الاخير الذي إن وجد في الاحكام ففي غاية الندرة، مع أنه على تقدير بناء الناقل عليه وثبوته واقعا كاف في الحجية.

فإذا إنتفى الامران تعين سائر الاسباب المقررة، وأظهرها غالبا عند الاطلاق حصول الاطلاع بطريق القطع أو الظن المعتد به على إتفاق الكل في نفس الحكم.

ولذا صرح جماعة منهم بإتحاد معنى الاجماع عند الفريقين وجعلوه مقابلا للشهرة.

وربما بالغوا في أمرها بأنها كادت تكون إجماعا ونحو ذلك.

وربما قالوا: إن كان هذا مذهب فلان فالمسألة إجماعية، وإذا لوحظت القرائن الخارجية من جهة العبارة والمسألة والنقلة واختلف الحال في ذلك.

فيؤخذ بما هو المتيقن أو الظاهر.

وكيف كان، فحيث دل اللفظ ولو بمعونة القرائن على تحقق الاتفاق المعتبر كان معتبرا، وإلا فلا.

الثانية: حجية نقل السبب المذكور وجواز التعويل عليه.

وذلك لانه ليس إلا

[99]

كنقل فتاوى العلماء وأقوالهم وعباراتهم الدالة عليها لمقلديهم وغيرهم، ورواية ما عدا قول المعصوم ونحوه من سائر ما تضمنه الاخبار، كالاسؤلة التي تعرف منها أجوبته، والاقول والافعال التي يعرف منها تقريره، ونحوها مما تعلق بها، وما نقل عن سائر الرواة المذكورين في الاسانيد وغيرها، وكنقل الشهرة وإتفاق سائر أولي الآراء والمذاهب وذوي الفتوى أو جماعة منهم وغير ذلك.

وقد جرت طريقة السلف والخلف من جيمع الفرق على قبول أخبار الآحاد في كل ذلك، مما كان النقل فيه على وجه الاجمال أو التفصيل وما تعلق بالشرعيات أو غيرها، حتى أنهم كثيرا ما ينقلون شيئا مما ذكر معتمدين على نقل غيرهم من دون تصريح بالنقل عنه والاستناد إليه لحصول الوثوق به وإن لم يصل إلى مرتبة العلم.

فيلزم قبول خبر الواحد فيما نحن فيه أيضا، لاشتراك الجميع في كونها نقل قول غير معلوم من غير معصوم وحصول الوثوق بالناقل، كما هو المفروض.

وليس شئ من ذلك الوصول حتى يتوهم عدم الاكتفاء فيه بخبر الواحد مع أن هذا الوهم فاسد من أصله، كما قرر في محله - ولا من الامور المتجددة التي لم يعهد الاعتماد فيها على خبر الواحد في زمان النبي صلى الله عليه وآله والائمه عليهم السلام والصحابة، ولا مما ينذر اختصاص معرفته ببعض دون بعض، مع أن هذا لا يمنع من التعويل على نقل العارف به، لما ذكر.

ويدل عليه مع ذلك ما دل على حجية خبر الثقة العدل بقول مطلق وما اقتضى كفاية الظن فيما لا غنى عن معرفته ولا طريق إليه غيره غالبا.

إذ من المعلوم شدة الحاجة إلى معرفة أقوال علماء الفريقين وأراء سائر أرباب العلوم لمقاصد شتى لا محيص عنها، كمعرفة المجمع عليه والمشهور والشاذ من الاخبار والاقوال والموافق للعامة أو أكثرهم والمخالف لهم والثقة والاوثق والاورع والافقه، وكمعرفة اللغات وشواهدها المنثورة والمنظومة وقواعد العربية التي عليها يبتنى إستنباط المطالب الشرعية وفهم معاني الاقارير والوصايا وسائر العقود والايقاعات المشتبة، وغير ذلك مما لا يخفى على المتأمل.

ولا طريق إلى ما اشتبه من جميع ذلك غالبا سوى النقل الغير الموجب للعلم والرجوع إلى الكتب المصححة ظاهرا وسائر الامارات الظنية.

فيلزم جواز العمل بها

[100]

والتعويل عليها فيما ذكر.

فيكون خبر الواحد الثقة حجة معتمدا عليها فيما نحن فيه، ولا سيما إذا كان الناقل من الافاضل الاعلام والاجلاء الكرام، كما هو الغالب، بل هو أولى بالقبول والاعتماد من أخبار الآحاد في نفس الاحكام، ولذا بني على المسامحة فيه من وجوه شتى بما لم يتسامح فيها، كما لا يخفى.

الثالثة: حصول إستكشاف الحجة المعتبرة من ذلك السبب.

ووجهه أن السبب المنقول بعد حجيته كالمحصل فيما يستكشف منه والاعتماد عليه وقبوله وإن كان من الادلة الظنية بإعتبار ظنية أصله.

ولذا كانت النتيجة في الشكل الاول تابعة في الضرورية والنظرية والعلمية والظنية وغيرها لاخس مقدمتيه مع بداهة إنتاجه.

فينبغي حينئذ أن يراعى حال الناقل حين نقله من جهة ضبطه وتورعه في النقل وبضاعته في العلم ومبلغ نظره ووقوفه على الكتب والاقول وإستقصائه لما تشتت منها ووصوله إلى وقائعها، فإن أحوال العلماء مختلف فيها إختلافا فاحشا.

وكذلك حال الكتب المنقول فيها الاجماع، فرب كتاب لغير متتبع موضوع على مزيد التتبع والتدقيق.

ورب كتاب لمتتبع موضوع على المسامحة وقلة التحقيق.

ومثله الحال في آحاد المسائل، فإنها تختلف أيضا في ذلك.

وكذا حال لفظه بحسب وضوح دلالته على السبب وخفائها، وحال ما يدل عليه من جهة متعلقه وزمان نقله لاختلاف الحكم بذلك، كما هو ظاهر.

ويراعى أيضا وقوع دعوى الاجماع في مقام ذكر الاقوال أو الاحتجاج، فإن بينهما تفاوتا من بعض الجهات.

وربما كان الاولى بالاعتماد بناء على إعتبار السبب، كما لا يخفى فإذا وقع إلتباس فيما يقتضيه ويتناوله كلام الناقل بعد ملاحظة ما ذكر أخذ بما هو المتيقن أو الظاهر.

ثم ليلحظ مع ذلك ما يمكن معرفته من الاقوال على وجه العلم واليقين، إذ لا وجه لاعتبار المظنون المنقول على سبيل الاجمال دون المعلوم على التفصيل.

مع أنه لو كان المنقول معلوما لما اكتفي به في الاستكشاف عن ملاحظة سائر الاقوال التي لها دخل فيه، فكيف إذا لم يكن كذلك.

ويلحظ أيضا سائر ما له تعلق في الاستكشاف بحسب ما يعتمد من تلك الاسباب، كما هو مقتضى الاجتهاد، سواء كان من الامور المعلومة أو المظنونة، و

[101]

من الاقوال المتقدمة على النقل أو المتأخرة أو المقارنة.

وربما يستغنى المتتبع بما ذكر عن الرجوع إلى كلام ناقل الاجماع لاستظهاره عدم مزية عليه في التتبع والنظر.

وربما كان الامر بالعكس وأنه إن تفرد بشئ كان نادارا لا يعتد به.

فعليه أن يستفرغ وسعه ويتبع نظره وتتبعه، سواء تأخر عن الناقل أم عاصره، وسواء أدى فكره إلى الموافقة له أو المخالفة، كما هو الشأن في معرفة سائر الادلة، وغيرها مما تعلق بالمسألة.

فليس الاجماع إلا كأحدها.

فالمقتضي للرجوع إلى النقل هو مظنة وصول الناقل إلى ما لم يصل هو إليه من جهة السبب أو إحتمال ذلك، فيعتمد عليه في هذا خاصة بحسب ما استظهر من حاله ونقله وزمانه ويصلح كلامه مؤيدا فيما عداه مع الموافقة لكشفه عن توافق النسخ وتقويته للنظر.

فإذا لوحظ جميع ما ذكر وعرف الموافق والمخالف إن وجد، فليفرض المظنون منه كالمعلوم، لثبوت حجيته بالدليل العملي ولو بوسائط.ثم لينظر.فإن حصل من ذلك إستكشاف معتبر كان حجة ظنية حيث كان متوقفا على النقل الغير الموجب للعلم بالسبب أو كان المنكشف غير الدليل القاطع، وإلا فلا.

وإذا تعدد ناقل الاجماع أو النقل، فإن توافق الجميع لوحظ كل ما علم على ما فصل وأخذ بالحاصل، وإن تخالف لوحظ جميع ما ذكر وأخذ فيما إختلف فيه النقل بالارجح بحسب حال الناقل وزمانه ووجود المعاضد وعدمه وقلته وكثرته.

ثم ليعمل بما هو المحصل ويحكم على تقدير حجيته بأنه دليل ظني واحد وإن توافق النقل وتعدد الناقل.

وليس ما ذكرناه مختصا بنقل الاجماع المتضمن لنقل الاقوال إجمالا، بل يجري في نقلها تفصيلا أيضا.

وكذلك في نقل سائر الاشياء التي يبتنى عليها معرفة الاحكام، والحكم فيما إذا وجد المنقول موافقا لما وجد أو مخالفا مشترك بين الجميع، كما هو ظاهر.

وقد إتضح بما بيناه وجه ما جرت عليه طريقة معظم الاصحاب مع عدم الاستدلال بالاجماع المنقول على وجه الاعتماد والاستقلال غالبا، ورده بعدم

[102]

الثبوت أو بوجدان الخلاف ونحوهما.

فإنه المتجه على ما قلنا، ولا سيما فيما شاع فيه النزاع والجدال إذ عرفت فيه الاقوال، أو كان من الفروع النادرة التي لا يستقيم فيها دعوى الاجماع، لقلة المتعرض لها إلا على بعض الوجوه التي لا يعتد بها، أو كان الناقل ممن لا يعتد بنقله، لمعاصرته أو قصور باعه أو غيرهما مما يأتي بيانه.

فالاحتياج إليه مختص بقليل من المسائل بالنسبة إلى قليل من العلماء ونادر من النقلة الافاضل) إنتهى كلامه، رفع مقامه.

لكنك خبير بأن هذه الفائدة للاجماع المنقول كالمعدومة، لان القدر الثابت من الاتفاق باخبار الناقل المستند إلى حسه ليس مما يستلزم عادة موافقة الامام، عليه السلام، وإن كان هذا الاتفاق لو ثبت لنا أمكن أن يحصل العلم بصدور مضمونه.

لكن ليس علة تامة لذلك، بل هو نظير إخبار عدد معين في كونه قد يوجب العلم بصدق خبرهم وقد لا يوجب، وليس أيضا مما يستلزم عادة وجود الدليل المعتبر حتى بالنسبة إلينا، لان إستناد كل بعض منهم إلى ما لا نراه دليلا، ليس أمرا مخالفا للعادة.

ألا ترى أنه ليس من البعيد أن يكون القدماء القائلون بنجاسة البئر، بعضهم قد إستند إلى دلالة الاخبار الظاهرة في ذلك مع عدم الظفر بما يعارضها، وبعضهم قد ظفر بالمعارض ولم يعمل به، لقصور سنده أو لكونه من الآحاد عنده أو لقصور دلالته أو لمعارضتة، لاخبار النجاسة و ترجيحها عليه بضرب من الترجيح.

فإذا ترجح في نظر المجتهد المتأخر أخبار الطهارة فلا يضره إتفاق القدماء على النجاسة المستند إلى الامور المختلفة المذكورة.

وبالجملة، فالانصاف - بعد التأمل وترك المسامحة بإبراز المظنون بصورة القطع، كما هو متعارف محصلي عصرنا - أن إتفاق من يمكن تحصيل فتاواهم على أمر، كما لا يستلزم عادة موافقة الامام، عليه السلام، كذلك لا يستلزم وجود دليل معتبر عند الكل من جهة أو من جهات شتى.

فلم يبق في المقام إلا أن يحصل المجتهد أمارات أخر من أقوال باقي العلماء وغيرها ليضيفها إلى ذلك، فيحصل من مجموع المحصل له والمنقول إليه الذي فرض بحكم المحصل من حيث وجوب العمل به تعبدا القطع في مرحلة الظاهر باللازم.

وهو قول الامام أو وجود دليل معتبر الذي هو أيضا يرجع إلى حكم الامام بهذا الحكم الظاهري المضمون لذلك الدليل، لكنه أيضا مبني على كون مجموع المنقول من

[103]

الاقوال والمحصل من الامارات ملزوما عاديا لقول الامام، عليه السلام، أو وجود الدليل المعتبر.

وإلا فلا معنى لتنزيل المنقول منزلة المحصل بأدلة حجية خبر الواحد، كما عرفت سابقا.

ومن ذلك ظهر أن ما ذكره هذا البعض ليس تفصيلا في مسألة حجية الاجماع المنقول، ولا قولا بحجيته في الجملة من حيث أنه إجماع منقول، وإنما يرجع محصله إلى أن الحاكي للاجماع يصدق فيما يخبره عن حس.

فإن فرض كون ما يخبره عن حسه ملازما، بنفسه أو بضميمة أمارات أخر، لصدور الحكم الواقعي أو مدلول الدليل المعتبر عند الكل، كانت حكايته حجة، لعموم أدلة حجية الخبر في المحسوسات، وإلا فلا.

وهذا يقول به كل من يقول بحجية الخبر الواحد في الجملة.

وقد إعترف بجريانه في نقل الشهرة وفتاوى آحاد العلماء.

* * *

ومن جيمع ما ذكرنا يظهر الكلام في المتواتر المنقول وأن نقل التواتر في خبر لا يثبت حجيته ولو قلنا بحجية خبر الواحد، لان التواتر صفة في الخبر تحصل باخبار جماعة تفيد العلم للسامع ويختلف عدده بإختلاف خصوصيات المقامات، وليس كل تواتر ثبت لشخص مما يستلزم في نفس الامر عادة تحقق المخبر به.

فإذا أخبر بالتواتر فقد اخبر باخبار جماعة أفاد له العلم بالواقع.

وقبول هذا الخبر لا يجدي شيئا، لان المفروض أن تحقق مضمون المتواتر ليس من لوازم إخبار الجماعة الثابت بخبر العادل.

نعم لو أخبر باخبار جماعة يستلزم عادة تحقق المخبر به - بأن يكون حصول العلم بالمخبر به لازم الحصول لاخبار الجماعة.

كأن أخبر مثلا باخبار ألف عادل أو أزيد بموت زيد وحضور جنازته - كان اللازم من قبول خبره الحكم بتحقق الملزوم وهو إخبار الجماعة، فيثبت اللازم وهو تحقق موت زيد.

إلا أن لازم من يعتمد على الاجماع المنقول وإن كان إخبار الناقل مستندا إلى حدس غير مستند إلى المبادى المحسوسة المستلزمة للمخبر به هو القول بحجية التواتر المنقول.

لكن ليعلم أن معنى قبول نقل التواتر، مثل الاخبار بتواتر موت زيد مثلا، يتصور على وجهين.

الاول: الحكم بثبوت الخبر المدعى تواتره، أعني موت زيد.

نظير حجية الاجماع المنقول بالنسبة إلى المسألة المدعى عليها الاجماع.

وهذا هو الذي ذكرنا أن الشرط في قبول خبر الواحد فيه كون ما أخبر به مستلزما عادة لوقوع متعلقه.

الثاني: الحكم بثبوت تواتر الخبر المذكور ليترتب على ذلك الخبر آثار المتواتر وأحكامه الشرعية.

كما إذا نذر أن يحفظ أو يكتب كل خبر متواتر.

[104]

ثم أحكام التواتر، منها: ما ثبت لما تواتر في الجملة ولو عند غير هذا الشخص، ومنها: ما ثبت لما تواتر بالنسبة إلى هذا الشخص.

ولا ينبغي الاشكال في أن مقتضى قبول نقل التواتر العمل به على الوجه الاول وأول وجهي الثاني، كما لا ينبغي الاشكال في عدم ترتب آثار تواتر المخبر به عند نفس الشخص.

ومن هنا يعلم أن الحكم بوجوب القراء‌ة في الصلاة إن كان منوطا بكون المقروء قرآنا واقعيا قرأه النبي صلى الله عليه وآله، فلا إشكال في جواز الاعتماد على إخبار الشهيد، قدس سره، بتواتر القراء‌ات الثلاث، أعني قراء‌ة أبي جعفر وأخويه [ يعقوب وخلف ].

لكن بالشرط المتقدم، وهو كون ما أخبر به الشهيد من التواتر ملزوما عادة لتحقق القرآنية.

وكذا لا إشكال في الاعتماد من دون شرط، إن كان الحكم منوطا بالقرآن المتواتر في الجملة، فإنه قد ثبت تواتر تلك القراء‌ات عند الشهيد باخباره.

وإن كان الحكم معلقا على القرآن المتواتر عند القاري أو مجتهده، فلا يجدي إخبار الشهيد بتواتر تلك القراء‌ات.

وإلى أحد الاولين نظر حكم المحقق والشهيد الثانيين بجواز القراء‌ة بتلك القراء‌ات مستندا إلى أن الشهيد والعلامة، قدس سرهما، قد إدعيا تواترها وأن هذا لا يقصر عن نقل الاجماع، وإلى الثالث نظر صاحب المدارك وشيخه المقدس الاردبيلي قدس سرهما، حيث إعترضا على المحقق و الشهيد بأن هذا رجوع عن إشتراط التواتر في القراء‌ة.

ولا يخلو نظرهما عن نظر، فتدبر، والحمد لله، وصلى الله على محمد وآله ولعنة الله على أعدائهم أجمعين.

[105]

ومن جملة الظنون التي توهم حجيتها بالخصوص الشهرة في الفتوى الحاصلة بفتوى جل الفقهاء المعروفين، سواء كان في مقابلها فتوى غيرهم بخلاف، أم لم يعرف الخلاف والوفاق من غيرهم.

ثم إن المقصود هنا ليس التعرض لحكم الشهرة من حيث الحجية في الجملة، بل المقصود إبطال توهم كونها من الظنون الخاصة، وإلا فالقول بحجيتها من حيث إفادة المظنة بناء على دليل الانسداد غير بعيد.

ثم إن منشأ توهم كونها من الظنون الخاصة أمران: أحدهما: ما يظهر من بعض، من أن أدلة حجية خبر الواحد تدل على حجيته بمفهوم الموافقة، لانه ربما يحصل منها الظن الاقوى من الحاصل من خبر العادل.

وهذا خيال ضعيف تخيله بعض في بعض رسائله، ووقع نظيره من الشهيد الثاني في المسالك، حيث وجه حجية الشياع الظني بكون الظن الحاصل منه أقوى من الحاصل من شهادة العدلين.

ووجه الضعف: أن الاولوية الظنية أوهن بمراتب من الشهرة، فكيف يتمسك بها في حجيتها، مع أن الاولوية ممنوعة رأسا، للظن بل العلم بأن المناط والعلة في حجية الاصل ليس مجرد إفادة الظن.

وأضعف من ذلك تسمية هذه الاولوية في كلام ذلك البعض مفهوم الموافقة، مع أنه ما كان إستفادة حكم الفرع من الدليل اللفظي الدال على حكم الاصل، مثل قوله تعالى: (ولا تقل لهما أف).

الامر الثاني: دلالة مرفوعة زرارة ومقبولة عمر بن حنظلة على ذلك.

ففي الاولى: (قال زرارة: قلت: جعلت فداك، يأتي عنكم الخبران والحديثان المتعارضان، فبأيهما نعمل؟ قال: خذ بما إشتهر بين أصحابك، ودع الشاذ النادر.

[106]

قلت: يا سيدي ! إنهما معا مشهوران مأثوران عنكم.

قال: خذ بما يقوله أعدلهما)، الخبر.

بناء على أن المراد بالموصول مطلق المشهور، رواية كان أو فتوى، أو أن إناطة الحكم بالاشتهار تدل على إعتبار الشهرة في نفسها وإن لم تكن في الرواية.

وفي المقبولة، بعد فرض السائل تساوي الراويين في العدالة، قال عليه السلام: (ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه بين أصحابك فيؤخذ به ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإن المجمع عليه لا ريب فيه.

وإنما الامور ثلاثة، أمر بين رشده فيتبع، وأمر بين غيه فيجتنب، وأمر مشكل يرد حكمه إلى الله ورسوله.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك.

فمن ترك الشبهات نجى من المحرمات، ومن أخذ الشبهات وقع في المحرمات وهلك من حيث لا يعلم.

قلت: فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم).

إلى آخر الرواية.

بناء على أن المراد بالمجمع عليه في الموضعين هو المشهور، بقرينة إطلاق المشهور عليه في قوله: (و يترك الشاذ الذي ليس بمشهور).

فيكون في التعليل بقوله: (فإن المجمع عليه)، إلخ، دلالة على أن المشهور مطلقا مما يجب العمل به وإن كان مورد التعليل الشهرة في الرواية.

ومما يؤيد إرادة الشهرة من الاجماع أن المراد لو كان الاجماع الحقيقي لم يكن ريب في بطلان خلافه، مع أن الامام عليه السلام جعل مقابله مما فيه الريب.

ولكن في الاستدلال بالروايتين ما لا يخفى من الوهن: أما الاولى، فيرد عليها مضافا إلى ضعفها، حتى أنه ردها من ليس دأبه الخدشة في سند الروايات، كالمحدث البحراني - أن المراد بالموصول هو خصوص الرواية المشهورة من الروايتين دون مطلق الحكم المشهور.

ألا ترى أنك لو سئلت عن أن أي المسجدين أحب إليك، فقلت: ما كان الاجتماع فيه أكثر.

لم يحسن للمخاطب أن ينسب إليك محبوبية كل مكان يكون الاجتماع فيه

[107]

أكثر بيتا كان أو خانا أو سوقا.

وكذا لو أجبت عن سؤال المرجح لاحد الرمانين فقلت: ما كان أكبر.

والحاصل: أن دعوى العموم في المقام بغير الرواية مما لا يظن بأدنى التفات، مع أن الشهرة الفتوائية مما لا يقبل أن يكون في طرفي المسألة.

فقوله: (يا سيدي ! إنهما معا مشهوران مأثوران)، أوضح شاهد على أن المراد بالشهرة الشهرة في الرواية الحاصلة بكون الرواية مما اتفق الكل على روايته أو تدوينه.

وهذا مما يمكن إتصاف الروايتين المتعارضين به.

ومن هنا يعلم الجواب عن التمسك بالمقبولة وأنه لا تنافي بين إطلاق المجمع عليه على المشهور و بالعكس حتى تصرف أحدهما عن ظاهره بقرينة الاخر، فإن إطلاق المشهور في مقابل الاجماع إنما هو إطلاق حادث مختص بالاصوليين، وإلا فالمشهور هو الواضح المعروف.

ومنه: شهر فلان سيفه، وسيف شاهر.

فالمراد أنه يؤخذ بالرواية التي يعرفها جميع أصحابك ولا ينكرها أحد منهم ويترك ما لا يعرفه إلا الشاذ ولا يعرفها الباقي.

فالشاذ مشارك للمشهور في معرفة الرواية المشهورة، والمشهور لا يشارك الشاذ في معرفة الرواية الشاذة.

ولهذا كانت الرواية المشهورة من قبيل بين الرشد، والشاذ من قبيل المشكل الذي يرد علمه إلى أهله، وإلا فلا معنى للاستشهاد بحديث التثليث.

ومما يضحكم الثكلى في هذا المقام توجيه قوله: (هما معا مشهوران)، بإمكان إنعقاد الشهرة في عصر على فتوى وفي عصر آخر على خلافها، كما قد يتفق بين القدماء والمتأخرين، فتدبر.

[108]

ومن جملة الظنون الخارجة بالخصوص عن أصالة حرمة العمل بغير العلم خبر الواحد في الجملة عند المشهور بل كاد أن يكون إجماعا.

إعلم أن إثبات الحكم الشرعي بالاخبار المروية عن الحجج، عليهم السلام، موقوف على مقدمات ثلاث: الاولى كون الكلام صادرا عن الحجة.

الثانية كون صدوره لبيان حكم الله، لا على وجه آخر من تقية وغيرها.

الثالثة ثبوت دلالتها على الحكم المدعى.

وهذا يتوقف أولا على تعيين أوضاع ألفاظ الرواية، و ثانيا على تعيين المراد منها وأن المراد مقتضى وضعها أو غيره.

فهذه أمور أربعة.

وقد أشرنا إلى كون الجهة الثانية من (المقدمة الثالثة) من الظنون الخاصة وهو المعبر عنه بالظهور اللفظي، وإلى أن الجهة الاولى منها مما لم يثبت كون الظن الحاصل فيها بقول اللغوى من الظنون الخاصة وإن لم نستبعد الحجية أخيرا.

وأما (المقدمة الثانية)، فهي أيضا ثابتة بأصالة عدم صدور الرواية لغير داعي بيان الحكم الواقعي.

وهي حجة، لرجوعها إلى القاعدة المجمع عليها بين العلماء والعقلاء من حمل كلام المتكلم على كونه صادرا لبيان مطلوبه الواقعي، لا لبيان خلاف مقصوده من تقية أو خوف، ولذا لا يسمع دعواه ممن يدعيه إذا لم يكن كلامه محفوفا بأماراته.

أما (المقدمة الاولى)، فهي التي عقد لها مسألة حجية أخبار الآحاد.

فمرجع هذه المسألة إلى أن السنة، أعني قول الحجة أو فعله أو تقريره، هل تثبت بخبر الواحد أم لا تثبت إلا بما يفيد القطع من التواتر والقرينة.

ومن هنا يتضح دخولها في مسائل أصول الفقه الباحثة عن أحوال الادلة.

ولا حاجة إلى تجشم دعوى أن البحث عن دليلية الدليل بحث عن أحوال الدليل.

[109]

ثم اعلم أن أصل وجوب العمل بالاخبار المدونة في الكتب المعروفة مما أجمع عليه في هذه الاعصار، بل لا يبعد كونه ضروري المذهب.

وإنما الخلاف في مقامين: أحدهما: كونها مقطوعة الصدور أو غير مقطوعة.

فقد ذهب شرذمة من متأخري الاخباريين، فيما نسب إليهم، إلى كونها قطعية الصدور.

وهذا قول لا فائده في بيانه والجواب عنه إلا التحرز عن حصول هذا الوهم لغيرهم كما حصل لهم، وإلا فمدعي القطع لا يلزم بذكر ضعف مبنى قطعه.

وقد كتبنا في سالف الزمان في رد القول رسالة تعرضنا فيها لجميع ما ذكروه وبيان ضعفها بحسب ما أدى إليه فهمي القاصر.

الثاني: أنها مع عدم قطعية صدورها معتبرة بالخصوص أم لا.

فالمحكي عن السيد والقاضي وإبن زهرة والطبرسي وإبن إدريس، قدس الله أسرارهم، المنع.

وربما نسب إلى المفيد، قدس سره، حيث حكي عنه في المعارج أنه قال: (إن خبر الواحد القاطع للعذر، هو الذي يقترن إليه دليل يفضي بالنظر إلى العلم، وربما يكون ذلك إجماعا أو شاهدا من عقل).

وربما ينسب إلى الشيخ، كما سيجئ عند نقل كلامه، وكذا إلى المحقق، بل إلى إبن بابويه، بل في الوافية: (أنه لم يجد القول بالحجية صريحا ممن تقدم على العلامة)، وهو عجيب.

وأما القائلون بالاعتبار فهم مختلفون، من جهة أن المعتبر منها كل ما في الكتب الاربعة، كما يحكى عن بعض الاخباريين أيضا، وتبعهم بعض المعاصرين من الاصوليين بعد إستثناء ما كان مخالفا للمشهور، أو أن المعتبر بعضها وأن المناط في الاعتبار عمل الاصحاب كما يظهر من كلام المحقق، أو عدالة الراوي أو وثاقته أو مجرد الظن بصدور الرواية من غير إعتبار صفة في الراوي، أو غير ذلك من الفصيلات في الاخبار.

والمقصود هنا بيان إثبات حجيته بالخصوص في الجملة في مقابل السلب الكلي.

ولنذكر، أولا، ما يمكن أن يحتج به القائلون بالمنع، ثم نعقبه بذكر أدلة الجواز فنقول:

[110]

أما حجية المانعين، فالادلة الثلاثة أما الكتاب: فالآيات الناهية عن العمل بما وراء العلم والتعليل المذكور في آية النباء، على ما ذكره أمين الاسلام، من أن فيها دلالة على عدم جواز العمل بخبر الواحد.

وأما السنة: فهي أخبار كثيرة تدل على المنع من العمل بالخبر الغير المعلوم الصدور إلا إذا احتف بقرينة معتبرة من كتاب او سنة معلومة: مثل ما رواه في البحار عن بصائر الدرجات، عن محمد بن عيسى، قال: (أقرأني داود بن فرقد الفارسي كتابه إلى أبي الحسن الثالث عليه السلام وجوابه عليه السلام بخطه، فكتب: نسألك عن العلم المنقول عن آبائك وأجدادك، صلوات الله عليهم أجمعين، قد إختلفوا علينا فيه، فكيف العمل به على إختلافه؟ فكتب، عليه السلام، بخطه: ما علمتم أنه قولنا فالزموه، وما لم تعلموه فردوه إلينا).

ومثله عن مستطرفات السرائر.

والاخبار الدالة على عدم جواز العمل بالخبر المأثور إلا إذا وجد له شاهد من كتاب الله أو من السنة المعلومة، فتدل على المنع عن العمل بالخبر الواحد المجرد عن القرينة: مثل ما ورد في غير واحد من الاخبار أن النبي، صلى الله عليه وآله، قال: (ما جاء‌كم عني مما لا يوافق القرآن فلم أقله).

وقول أبي جعفر وأبي عبدالله عليهما السلام: (لا يصدق علينا إلا ما يوافق كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله).

[111]

وقوله عليه السلام: (إذا جاء‌كم حديث عنا فوجدتم عليه شاهدا أو شاهدين من كتاب الله فخذوا به وإلا فقفوا عنده ثم ردوه إلينا حتى نبين لكم).

ورواية إبن أبي يعفور قال: (سالت أبا عبدالله عليه السلام عن إختلاف الحديث، يرويه من نثق به ومن لا نثق به.

قال: إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب الله أو من قول رسول الله صلى الله عليه وآله فخذوا به، وإلا فالذى جاء‌كم به أولى به) وقوله عليه السلام لمحمد بن مسلم: (ما جاء‌كم من رواية من بر أو فاجر يوافق كتاب الله فخذ به وما جاء‌كم من رواية بر أو فاجر يخالف كتاب الله فلا تأخذ به).

وقوله عليه السلام: (ما جاء‌كم من حديث لا يصدقه كتاب الله فهو باطل).

وقول أبي جعفر عليه السلام: (ما جاء‌كم عنا فإن وجدتموه موافقا للقرآن فخذوا به، وإن لم تجدوه موافقا فردوه، وإن اشتبه الامر عندكم فقفوا عنده وردوه إلينا حتى نشرح من ذلك ما شرح لنا).

وقول الصادق عليه السلام: (كل شئ مردود إلى كتاب الله والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف).

وصحيحة هشام بن الحكم عن ابي عبدالله عليه السلام: (ولا تقبلوا علينا حديثا إلا ما وافق الكتاب والسنة أو تجدون معه شاهدا من أحاديثنا المتقدمة، فإن المغيرة بن سعيد - لعنه الله دس - في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدث بها أبي.فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا وسنة نبينا).

والاخبار الواردة في طرح الاخبار المخالفة للكتاب والسنة ولو مع عدم المعارض متواترة جدا.

وجه الاستدلال بها: أن من الواضحات أن الاخبار الواردة عنهم، صلوات الله عليهم في مخالفة ظواهر الكتاب و السنة في غاية الكثرة.

والمراد من المخالفة للكتاب في تلك الاخبار الناهية عن الاخذ بمخالفة الكتاب والسنة ليست هي المخالفة على وجه التباين الكلي بحيث يتعذر أو يتعسر الجمع، إذ لا يصدر من الكذابين عليهم ما يباين الكتاب والسنة كلية، إذا لا يصدقهم أحد في ذلك.

فما كان يصدر عن الكذابين من الكذب لم يكن إلا نظير ما كان يرد من الائمة، صلوات الله عليهم، في مخالفة ظواهر الكتاب والسنة.

فليس المقصود من عرض ما يرد من الحديث على الكتاب والسنة إلا عرض

[112]

ما كان منها غير معلوم الصدور عنهم، وأنه إن وجد له قرينة وشاهد معتمد فهو، وإلا فليتوقف فيه، لعدم إفادته العلم بنفسه وعدم إعتضاده بقرينة معتبرة.

ثم إن عدم ذكر الاجماع ودليل العقل من جملة قرائن الخبر في هذه الروايات، كما فعله الشيخ في العدة، لان مرجعهما إلى الكتاب والسنة، كما يظهر بالتأمل.

ويشير إلى ما ذكرنا، من أن المقصود من عرض الخبر على الكتاب والسنة هو في غير معلوم الصدور، تعليل العرض في بعض الاخبار بوجود الاخبار المكذوبة في أخبار الامامية.

وأما الاجماع: فقد إدعاه السيد المرتضى، قدس سره، في مواضع من كلامه، وجعله في بعضها بمنزلة القياس في كون ترك العمل به معروفا من مذهب الشيعة.

وقد إعترف بذلك الشيخ، على ما يأتي في كلامه، إلا أنه أول معقد الاجماع بإرادة الاخبار التي يرويها المخالفون.

وهو ظاهر المحكي عن الطبرسي في مجمع البيان، قال: (لا يجوز العمل بالظن عند الامامية إلا في شهادة العدلين وقيم المتلفات وأروش الجنايات)، إنتهى.

والجواب: أما عن الآيات فبأنها، بعد تسليم دلالتها، عمومات مخصصة بماسيجئ من الادلة.

وأما [ الجواب ] عن الاخبار فعن الرواية الاولى فبأنها خبر واحد لا يجوز الاستدلال بها على المنع عن الخبر الواحد.

وأما أخبار العرض على الكتاب، فهي وإن كانت متواترة بالمعنى إلا أنها بين طائفتين، إحداهما ما دل على طرح الخبر الذي يخالف الكتاب، والثانية ما دل على طرح الخبر الذي لا يوافق الكتاب.

أما الطائفة الاولى، فلا تدل على المنع عن الخبر الذي لا يوجد مضمونه في الكتاب والسنة.

فإن قلت: ما من واقعة إلا ويمكن إستفادة حكمها من عمومات الكتاب المقتصر في تخصيصها على السنة القطعية.

مثل قوله تعالى: (خلق لكم ما في الارض جميعا).

وقوله تعالى: (إنما حرم عليكم الميتة)، إلخ.

و (كلوا مما غنمتم حلالا طيبا)، و (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم

[113]

العسر)، ونحو ذلك فالاخبار المخصصة لها كلها وكثير من عمومات السنة القطعية مخالفة للكتاب والسنة.

قلت: أولا، إنه لا يعد مخالفة ظاهر العموم، خصوصا مثل هذه العمومات، مخالفة، وإلا لعدت الاخبار الصادرة يقينا عن الائمة، عليهم السلامم المخالفة لعمومات الكتاب والسنة مخالفة للكتاب والسنة.

غاية الامر ثبوت الاخذ بها مع مخالفتها بكتاب الله وسنة نبيه، صلى الله عليه وآله، فتخرج عن عموم أخبار العرض.

مع أن الناظر في أخبار العرض على الكتاب والسنة يقطع بأنها تأبى عن التخصيص.

وكيف يرتكب التخصيص في قوله عليه السلام: (كل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف)، وقوله: (ما أتاكم من حديث لا يوافق كتاب الله فهو باطل)، وقوله عليه السلام: (لا تقبلوا علينا خلاف القرآن، فإنا إن حدثنا حدثنا بموافقة القرآن وموافقة السنة)، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال: (ما خالف كتاب الله فليس من حديثي، أو، لم أقله)، مع أن أكثر عمومات الكتاب قد خصص بقول النبي صلى الله عليه وآله.

ومما يدل، على أن المخالفة لتلك العمومات لا تعد مخالفة، لما دل من الاخبار على بيان حكم ما لا يوجد حكمه في الكتاب والسنة النبوية، إذ بناء على تلك العمومات لا يوجد واقعة لا يوجد حكمها فيهما.

فمن تلك الاخبار: ما عن البصائر والاحتجاج وغيرهما مرسلة عن رسول الله " ص " أنه قال: (ما وجدتم في كتاب الله فالعمل به لازم، ولا عذر لكم في تركه، وما لم يكن في كتاب الله تعالى وكانت فيه سنة مني فلا عذر لكم في ترك سنتي، وما لم يكن فيه سنة مني.

فما قال أصحابي فقولوا به، فإنما مثل أصحابي فيكم كمثل النجوم، بأيها أخذ اهتدي، وبأي أقاويل أصحابي أخذتم إهتديتم.وإختلاف أصحابي رحمة لكم.

قيل: يا رسول الله، ومن أصحابك قال: أهل بيتي)، الخبر.

فإنه صريح في أنه قد يرد من الائمة، عليهم السلام، ما لا يوجد في الكتاب والسنة.

ومنها: ما ورد في تعارض الروايتين من رد ما لا يوجد في الكتاب والسنة إلى الائمة، عليهم السلام، مثل ما رواه في العيون عن أبي الوليد، عن سعد بن محمد بن عبدالله المسمعي، عن

[114]

الميثمي.

وفيها: (ما ورد عليكم من خبرين مختلفين فاعرضوهما على كتاب الله - إلى أن قال: - وما لم يكن في الكتاب فاعرضوه على سنن رسول الله صلى الله عليه وآله - إلى أن قال - وما لم تجدوه في شئ من هذه فردوه إلينا علمه، فنحن أولى بذلك)، الخبر.

والحاصل: أن القرائن الدالة على أن المراد بمخالفة الكتاب ليس مجرد مخالفة عمومه أو إطلاقه كثيرة تظره لمن له أدنى تتبع.

ومن هنا ضعف التأمل في تخصيص الكتاب بخبر الواحد لتلك الاخبار، بل منعه لاجلها، كما عن الشيخ في العدة، أو لما ذكره المحقق من أن الدليل على وجوب العمل بخبر الواحد الاجماع على إستعماله فيما لا يوجد فيه دلالة، ومع الدلالة القرآنية يسقط وجوب العمل به.

وثانيا، أنا نتكلم في الاحكام التي لم يرد فيها عموم من القرآن والسنة، ككثير من أحكام المعاملات، بل العبادات التي لم ترد فيها إلا آيات مجملة أو مطلقة من الكتاب.

إذ لو سلمنا أن تخصيص العموم يعد مخالفة، أما تقييد المطلق فلا يعد في العرف مخالفة، بل هو مفسر خصوصا على المختار من عدم كون المطلق مجازاعند التقييد.

فإن قلت: فعلى أي شئ تحمل تلك الاخبار الكثيرة الآمرة بطرح مخالف الكتاب؟ فإن حملها على طرح مكا يباين الكتاب كلية حمل على فرد نادر بل معدوم، فلا ينبغي لاجله هذا الاهتمام الذي عرفته في الاخبار.

قلت: هذه الاخبار على قسمين: منها: ما يدل على عدم صدور الخبر المخالف للكتاب والسنة عنهم، عليهم السلام، وأن المخالف لهما باطل، وأنه ليس بحديثهم.

ومنها: ما يدل على عدم جواز تصديق الخبر المحكي عنهم، عليهم السلام، إذا خالف الكتاب والسنة.

أما الطائفة الاولى، فالاقرب حملها على الاخبار الواردة في أصول الدين، مثل مسائل الغلو والجبر والتفويض التي ورد فيها الآيات والاخبار النبوية.

وهذه الاخبار غير موجودة في كتبنا الجوامع، لانها أخذت عن الاصول بعد تهذيبها من تلك الاخبار.

[115]

وأما الثانية، فيمكن حملها على ما ذكر في الاولى، ويمكن حملها على صورة تعارض الخبرين كما يشهد به مورد بعضها، ويمكن حملها على خبر غير الثقة، لما سيجئ من الادلة على إعتبار خبر الثقة.

هذا كله في الطائفة الدالة على طرح الاخبار المخالفة للكتاب والسنة.

وأما الطائفة الآمرة بطرح ما لا يوافق الكتاب أو لم يوجد عليه شاهد من الكتاب والسنة.

فالجواب عنها - بعد ما عرفت من القطع بصدور الاخبار الغير الموافقة لما يوجد في الكتاب منهم، عليهم السلام، كما دل عليه روايتا الاحتجاج والعيون المتقدمتان المعتضدتان بغيرهما من الاخبار - انها محمولة على ما تقدم في الطائفة الآمرة بطرح الاخبار المخالفة للكتاب والسنة، وأن ما دل منها على بطلان ما لم يوافق وكونه زخرفا محمول على الاخبار الواردة في أصول الدين، مع إحتمال كون ذلك من أخبارهم الموافقة للكتاب والسنة على الباطن الذي يعلمونه منها، ولهذا كانوا يستشهدون كثيرا بآيات لا نفهم دلالتها، وما دل على عدم جواز تصديق الخبر الذي لا يوجد عليه شاهد من كتاب الله على خبر غير الثقة أو صورة التعارض، كما هو ظار غير واحد من الاخبار العلاجية.

ثم إن الاخبار المذكورة على فرض تسليم دلالتها وإن كانت كثيرة إلا أنها لا تقاوم الادلة الاتية، فإنها موجبة للقطع بحجية خبر الثقة، فلا بد من مخالفة الظاهر في هذه الاخبار.

وأما الجواب عن الاجماع: الذي إدعاه السيد والطبرسي، قدس سرهما، فبأنه لم يتحقق لنا هذا الاجماع.

والاعتماد على نقله تعويل على خبر الواحد، مع معارضته بما سيجئ من دعوى الشيخ المعتضده بدعوى جماعة أخرى الاجماع عليه حجية خبر الواحد في الجملة، وتحقق الشهرة على خلافها بين القدماء والمتأخرين.

وأما نسبة بعض العامة، كالحاجبي والعضدي، عدم الحجية إلى الرافضة، فمستندة إلى ما رأوا من السيد من دعوى الاجماع بل ضرورة المذهب على كون خبر الواحد كالقياس عند الشيعة.

[116]

وأما المجوزون، فقد إستدلوا على حجيته بالادلة الاربعة أما الكتاب، فقد ذكروا منه آيات إدعوا دلالتها منها: قوله تعالى في سورة الحجرات: (يا أيها الذين آمنوا إن جاء‌كم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين).

والمحكي في وجه الاستدلال بها وجهان: أحدهما: أنه سبحانه علق وجوب التثبت على مجئ الفاسق فينتفي عند إنتفائه عملا بمفهوم الشرط.

واذا لم يجب التثبت عند مجئ غير الفاسق، فاما أن يجب القبول وهو المطلوب، أو الرد وهو باطل، لانه يقتضي كون العادل أسوء حالا من الفاسق، وفساده بين.

الثاني: أنه تعالى أمر بالتثبت عند إخبار الفاسق.

وقد إجتمع فيه وصفان، ذاتي وهو كونه خبر واحد، وعرضي وهو كونه خبر فاسق.

ومقتضى التثبت هو الثاني، للمناسبة والاقتران، فإن الفسق يناسب عدم القبول، فلا يصلح الاول للعلية، وإلا لوجب الاستناد إليه.

إذ التعليل بالذاتي الصالح للعلية أولى من التعليل بالعرضي، لحصوله قبل حصول العرضي، فيكون الحكم قد حصل قبل حصول العرضي.

وإذا لم يجب التثبت عند إخبار العدل، فإما أن يجب القبول وهو المطلوب، أو الرد، فيكون حاله أسوء من حال الفاسق، وهو محال.

أقول: الظاهر أن أخذهم للمقدمة الاخيرة - وهي أنه إذا لم يجب التثبت وجب القبول، لان الرد مستلزم لكون العادل أسوء حالا من الفاسق - مبني عى ما يتراء‌ى من ظهور الامر بالتبين في الوجوب النفسي، فيكون هنا أمور ثلاثة، الفحص عن الصدق والكذب، والرد من دون تبين، والقبول

[117]

كذلك.لكنك خبير بأن الامر بالتبين هنا مسوق لبيان الوجوب الشرطي وأن التبين شرط للعمل بخبر الفاسق دونالعادل.

فالعمل بخبر العادل غير مشروط بالتبين، فيتم المطلوب من دون ضم مقدمة خارجية، وهي كون العادل أسوء حالا من الفاسق.

والدليل على كون الامر التبين للوجوب الشرطي لا النفسي - مضافا إلى أنه المتبادر عرفا في أمثال المقام وإلى أن الاجماع قائم على عدم ثبوت الوجوب النفسي للتبين في خبر الفاسق، وإنما أوجبه من أوجبه عند إرادة العمل به، لا مطلقا - هو أن التعليل في الاية بقوله تعالى: (أن تصيبوا)، لا يصلح أن يكون تعليلا للوجوب النفسي، لان حاصله يرجع إلى أنه: (لئلا تصيبوا قوما بجهالة بمقتضى العمل بخبر الفاسق فتندموا على فعلكم بعد تبين الخلاف).

ومن المعلوم أن هذا لا يصلح إلا علة لحرمة العمل بدون التبين.

فهذا هو المعلول، ومفهومه جواز العمل بخبر العادل من دون تبين.

مع أن في الاسوئية المذكورة في كلام الجماعة، بناء على كون وجوب التبين نفسيا، ما لا يخفى، لان الاية على هذا ساكتة عن حكم العمل بخبر الواحد قبل التبين وبعده، فيجوز إشتراك الفاسق والعادل في عدم جواز العمل قبل التبين، كما أنهما يشتركان قطعا في جواز العمل بعد التبين والعلم بالصدق، لان العمل حينئذ بمقتضى التبين لا بإعتبار الخبر.

فاختصاص الفاسق بوجوب التعرض بخبره والتفتيش عنه دون العادل لا يستلزم كون العادل أسوء حال، بل مستلزم لمزية كاملة للعادل على الفاسق، فتأمل.

* * *

وكيف كان، فقد أورد على الآية إيرادات كثيرة ربما تبلغ إلى نيف وعشرين، إلا أن كثيرا منها قابلة للدفع، فلنذكر، أولا ما لا يمكن الذب عنه، ثم نتبعه بذكر بعض ما أورد من الايرادات القابلة للدفع.

أما ما لا يمكن الذب عنه فايرادان أحدهما: أن الاستدلال إن كان راجعا إلى إعتبار مفهوم الوصف أعني الفسق، ففيه: أن المحقق في محله عدم إعتبار المفهوم في الوصف، خصوصا في الوصف الغير المعتمد على موصوف محقق، كما

[118]

فيما نحن فيه، فإنه أشبه بمفهوم اللقب.

ولعل هذا مراد من أجاب عن الآية، كالسيدين وأمين الاسلام والمحقق والعلامة وغيرهم، بأن هذا الاستدلال مبني على دلايل الخطاب ولانقول به.

وإن كان بإعتبار مفهوم الشرط، كما يظهر من المعالم والمحكي عن جماعة، ففيه: أن مفهوم الشرط عدم مجئ الفاسق بالنبأ، وعدم التبين هنا لاجل عدم ما يتبين.

فالجملة الشرطية هنا مسوقة لبيان تحقق الموضوع، كما في قول القائل: إن رزقت ولدا فاختنه، وإن ركب زيد فخذ ركابه، وإن قدم من السفر فاستقبله، وإن تزوجت فلا تضيع حقك زوجتك، وإذا قرأت الدرس فاحفظه.

قال الله سبحانه: و (إذا قرء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا)، و: (إذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها)، إلى غير ذلك مما لا يحصى.

ومما ذكرنا ظهر فساد ما يقال: تارة إن عدم مجئ الفاسق يشمل ما لو جاء العادل بنبأ فلا يجب تبينه فيثبت المطلوب، وأخرى إن جعل مدلول الاية هو عدم وجوب التبين في خبر الفاسق لاجل عدمه، يوجب حمل السالبة على المنتفية بإنتفاء الموضوع، وهو خلاف الظاهر.

وجه الفساد: أن الحكم إذا ثبت لخبر الفاسق بشرط مجئ الفاسق به كان المفهوم بحسب الدلالة العرفية أو العقلية إنتفاء الحكم المذكور في المنطوق عن الموضوع المذكور فيه عند إنتفاء الشرط المذكور فيه.

ففرض مجئ العادل بنبأ عند عدم الشرط - وهو مجئ الفاسق بالنبأ - لا يوجب إنتفاء التبين عن خبر العادل الذي جاء به، لانه لم يكن مثبتا في المنطوق حتى ينفى في المفهوم.

فالمفهوم في الاية أمثالها ليس قابلا لغير السالبة بإنتفاء الموضوع، وليس هنا قضية لفظية سالبة دار الامر بين كون سلبها لسلب المحمول عن الموضوع الموجود أو لانتفاء الموضوع.

الثاني: ما أورده، في محكي العدة والذريعة والغنية ومجمع البيان والمعارج وغيرها، من أنا لو سلمنا دلالة المفهوم على قبول خبر العادل الغير المفيد للعلم، لكن نقول: إن مقتضى عموم التعليل وجوب التبين في كل خبر لا يؤمن الوقوع في الندم من العمل به وإن كان المخبر عادلا، فيعارض المفهوم والترجيح مع ظهور التعليل.

لا يقال إن النسبة بينهما وإن كان عموما من وجه، فتعارضان في مادة الاجتماع وهي خبر العادل الغير المفيد للعلم، لكن يجب تقديم عموم المفهوم وإدخال مادة الاجتماع فيه، إذ لو خرج عنه وانحصر مورده في خبر العادل المفيد للعلم كان لغوا، لان خبر الفاسق المفيد للعلم أيضا واجب

عنوان

[119]

العمل، بل الخبر المفيد للعلم خارج عن المنطوق والمفهوم معا، فيكون المفهوم أخص مطلقا من عموم التعليل.

لانا نقول: ما ذكره أخيرا من أن المفهوم أخص مطلقا من عموم التعليل مسلم، إلا أنا ندعي التعارض بين ظهور عموم التعليل في عدم جواز العمل بخبر العادل الغير العلمي وظهور الجملة الشرطية أو الوصفية في ثبوت المفهوم.

فطرح المفهوم والحكم بخلو الجملة الشرطية عن المفهوم أولى من إرتكاب التخصيص في التعليل.

وإليه أشار في محكي العدة بقوله: (لا نمنع ترك دليل الخطاب لدليل، والتعليل دليل).

وليس في ذلك منافاة لما هو الحق، وعليه الاكثر، من جواز تخصيص العام بمفهوم المخالفة، لاختصاص ذلك أولا بالمخصص المنفصل.

ولو سلم جريانه في الكلام الواحد منعناه في العلة و المعلول، فإن الظاهر عند العرف أن المعلول يتبع العلة في العموم والخصوص.فالعلة تارة تخصص مورد المعلول وإن كان عاما بحسب اللفظ.

كما في قول القائل: (لا تأكل الرمان لانه حامض)، فيخصصه بالافراد الحامضة.

فيكون عدم التقييد في الرمان لغلبة الحموضة فيه.

وقد توجب عموم المعلول وإن كان بحسب الدلالة اللفظية خاصا، كما في قولن القائل: (لا تشرب الادوية التي يصفها لك النسوان، أو إذا وصفت لك إمرأه دواء فلا تشربه، لانك لا تأمن ضرره).

فيدل على أن الحكم عام في كل دواء لا يؤمن ضرره من أي واصف كان، ويكون تخصيص النسوان بالذكر من بين الجهال لنكتة خاصة أو عامة لاحظها المتكلم.

وما نحن فيه من هذا القبيل، فلعل النكتة فيه التنبيه على فسق الوليد، كما نبه عليه في المعارج.

وهذا الايراد مبني على أن المراد بالتبين هو التبين العلمي كما هو متقضى إشتقاقه.

ويمكن أن يقال: إن المراد منه ما يعم الظهور العرفي الحاصل من الاطمينان الذي هو مقابل الجهالة.

وهذا، وإن كان يدفع الايراد المذكور عن المفهوم - من حيث رجوع الفرق بين الفاسق والعادل في وجوب التبين إلى أن العادل الواقعي يحصل منه غالبا الاطمينان المذكور بخلاف

[120]

الفاسق، فلهذا وجب فيه تحصيل الاطمينان من الخارج - لكنك خبير بأن الاستدلال بالمفهوم على حجية الخبر العادل المفيد للاطمينان غير محتاج إليه، إذ المنطوق على هذا التقرير يدل على حجية كل ما يفيد الاطمينان، كما لا يخفى، فيثبت إعتبار مرتبة خاصة من مطلق الظن.

ثم إن المحكي عن بعض منع دلالة التعليل على عدم جواز الاقدام على ما هو مخالف للواقع: بأن المراد بالجهالة السفهاة وفعل ما لا يجوز فعله، لا مقابل العلم، بدليل قوله تعالى: (فتصبحوا على ما فعلتم نادمين).

ولو كان المراد الغلط في الاعتقاد لما جاز الاعتماد على الشهادة والفتوى.

وفيه، مضافا إلى كونه خلاف ظاهر لفظ الجهالة: أن الاقدام على مقتضى قول الوليد لم يكن سفاهة قطعا، إذ العاقل بل جماعة من العقلاء لا يقدمون على الامور من دون وثوق بخبر المخبر بها فالاية تدل على المنع عن العمل بغير العلم، لعلة هي كونه في معرض المخالفة للواقع.

وأما جواز الاعتماد على الفتوى والشهادة، فلا يجوز القياس بها، لما تقدم في توجيه كلام إبن قبة، من أن الاقدام على ما فيه مخالفة الواقع أحيانا: قد يحسن لاجل الاضطرار إليه وعدم وجود الاقرب إلى الواقع منه، كما في الفتوى، وقد يكون لاجل مصلحة تزيد على مصلحة إدراك الواقع، فراجع.

فالاولى لمن يريد التفصي عن هذا الايراد التشبث بما ذكرنا، من أن المراد بالتبين تحصيل الاطمينان، وبالجهالة الشك أو الظن الابتدائي الزائل بعد الدقة والتأمل، فتأمل.

ففيها إرشاد إلى عدم جواز مقايسة الفاسق بغيره وإن حصل منه الاطمينان، لان الاطمينان الحاصل من الفاسق يزول بالالتفات إلى فسقه وعدم مبالاته بالمعصية وإن كان متحرزا عن الكذب.

ومنه: يظهر الجواب عما ربما يقال من: أن العاقل لا يقبل الخبر من دون إطمينان بمضمونه، عادلا كان المخبر أو فاسقا.فلا وجه للامر بتحصيل الاطمينان في الفاسق.

وأما ما أورد على الاية بما هوقابل للذب عنه فكثير منها: معارضة مفهوم الاية بالايات الناهية عن العمل بغير العلم، والنسبة عموم من وجه، فالمرجع إلى أصالة عدم الحجية.

وفيه: أن المراد بالنبأ في المنطوق ما لا يعلم صدقه ولا كذبه.

فالمفهوم أخص مطلقا من تلك الايات فيتعين تخصيصها، بناء على ما تقرر، من أن ظهور الجملة الشرطية في المفهوم أقوى من ظهور العام في العموم.

وأما منع ذلك فيما تقدم من التعارض بين عموم التعليل وظهور المفهوم، فلما

[121]

عرفت من منع ظهور الجملة الشرطية المعللة بالتعليل الجاري في صورتي وجود الشرط وإنتفائه في إفادة الانتفاء عند الانتفاء، فراجع.

وربما يتوهم: أن للايات الناهية جهة خصوص، إما من جهة إختصاصها بصورة التمكن من العلم، وإما من جهة اختصاصها بغير البينة العادلة وأمثالها مما خرج عن تلك الايات قطعا.

ويندفع:

الاول، بعد منع الاختصاص، بأنه يكفي المستدل كون الخبر حجة بالخصوص عند الانسداد.

والثاني بأن خروج ما خرج من أدلة حرمة العمل بالظن لا يوجب جهة عموم في المفهوم، لان المفهوم أيضا دليل خاص، مثل الخاص الذي خصص أدلة حرمة العمل بالظن، فلا يجوز تخصيص العام بأحدهما أولا ثم ملاحظة النسبة بين العام بعد ذلك التخصيص وبين الخاص الاخير.

فإذا ورد: (أكرم العلماء)، ثم قام الدليل على عدم وجوب إكرام جماعة من فساقهم، ثم ورد دليل ثالث على عدم وجوب إكرام مطلق الفساق منهم، فلا مجال لتوهم تخصيص العام بالخاص الاول أولا، ثم جعل النسبة بينه وبين الخاص الثاني عموما من وجه، وهذا أمر واضح نبهنا عليه في (باب التعارض).

ومنها: أن مفهوم الاية لو دل على حجية خبر العادل لدل على حجية الاجماع الذي أخبر به السيد المرتضى وأتباعه، قدست أسرارهم، من عدم حجية خبر العادل، لانهم عدول أخبروا بحكم الامام، عليه السلام، بعدم حجية الخبر.

وفساد هذا الايراد أوضح من أن يبين، إذ بعد الغض عما ذكرنا سابقا في عدم شمول اية النبأ للاجماع المنقول، وبعد الغض عن أن إخبار هؤلاء معارض بإخبار الشيخ، قدس سره، نقول: إنه لا يمكن دخول هذا الخبر تحت الاية.

أما أولا، فلان دخوله يسلتزم خروجه، لانه خبر العادل فيستحيل دخوله.

ودعوى أنه لا يعم نفسه مدفوعة بأنه وإن لا يعم نفسه، لقصور دلالة اللفظ عليه، إلا أنه يعلم أن الحكم ثابت لهذا الفرد أيضا، للعلم بعدم خصوصية مخرجة له عن الحكم.

ولذا لو سألنا السيد عن أنه إذا ثبت إجماعك لنا بخبر واحد هل يجوز الاتكال عليه، فيقول: لا.

وأما ثانيا، فلو سلمنا جواز دخوله، لكن نقول إنه وقع الاجماع على خروجه من النافين بحجية الخبر ومن المثبتين، فتأمل.

وأما ثالثا، فلدوران الامر بين دخوله وخروج ما عداه وبين العكس، ولا ريب أن العكس

[122]

متعين، لا مجرد قبح إنتهاء التخصيص إلى الواحد، بل لان المقصود من الكلام حينئذ ينحصر في بيان عدم حجية خبر العادل.

ولا ريب أن التعبير عن هذا المقصود بما يدل على عموم حجية خبر العادل قبيح في الغاية وفضيح إلى النهاية.

كما يعلم من قول القائل: (صدق زيدا في جميع ما يخبرك)، فأخبرك زيد بألف من الاخبار، ثم أخبر بكذب جميعها، فأراد القائل من قوله: (صدق، إلخ) خصوص هذا الخبر.

وقد أجاب بعض من لا تحصيل له: بأن الاجماع المنقول مظنون الاعتبار وظاهر الكتاب مقطوع الاعتبار.

ومنها: أن الاية لا تشمل الاخبار مع الواسطة لانصراف النبأ إلى الخبر بلا واسطة، فلا يعم الروايات المأثورة عن الائمة، عليهم السلام، لاشتمالها على وسائط.

وضعف هذا الايراد على ظاهره واضح، لان كل واسطة من الوسائط إنما يخبر خبرا بلا واسطة، فإن الشيخ، قدس سره، إذا قال: (حدثني المفيد، قال: حدثني الصدوق، قال: حدثني أبي، قال: حدثني الصفار، قال: كتبت إلى العسكري، عليه السلام، بكذا)، فإن هناك أخبارا متعددة بتعدد الوسائط.

فخبر الشيخ قوله (حدثني المفيد، إلخ) وهذا خبر بلا واسطة يجب تصديقه.

فإذا حكم بصدقه وثبت شرعا أن المفيد حدث الشيخ بقوله (حدثني الصدوق)، فهذا الاخبار - أعني قول المفيد الثابت بخبر الشيخ: (حدثني الصدوق) أيضا خبر عادل وهو المفيد، فنحكم بصدقه وأن الصدوق حدثه.

فيكون كما لو سمعنا من الصدوق إخباره بقوله (حدثني أبي)، والصدوق عادل فيصدق في خبره.

فيكون كما لو سمعنا أباه يحدث بقول: (حدثني الصفار)، فنصدقه لانه عادل، فيثبت خبر الصفار أنه كتب إليه العسكري، عليه السلام.

وإذا كان الصفار عادلا وجب تصديقه والحكم بأن العسكري، عليه السلام، كتب إليه ذلك القول، كما لو شاهدنا الامام عليه السلام يكتب إليه، فيكون المكتوب حجة، فيثبت بخبر كل لاحق أخبار سابقه.

ولهذا يعتبر العدالة في جميع الطبقات، لان كل واسطة مخبر بخبر مستقل هذا.

ولكن قد يشكل الامر: بأن - الاية انما تدل على وجوب تصديق كل مخبر، ومعنى وجوب تصديقه ليس الا ترتيب الاثار الشرعية المترتبة على صدقه عليه، فاذا قال المخبر: ان زيدا عدل، فمعنى وجوب تصديقه وجوب ترتيب الاثار الشرعية المترتبة على عدالة زيد من جواز الاقتداء به وقبول شهادته، واذا قال المخبر: أخبرني عمرو أن زيدا عادل، فمعنى تصديق المخبر على ما عرفت وجوب ترتيب الاثار الشرعية المترتبة على اخبار عمرو بعدالة زيد، ومن الاثار الشرعية المترتبة على اخبار عمرو بعدالة زيد اذا كان عادلا، وان كان هو وجوب تصديقه في عدالة زيد الا ان هذا الحكم الشرعي لاخبار عمرو انما حدث بهذه الاية، وليس من الاثار الشرعية الثابتة للمخبر به مع قطع النظر عن الاية حتى يحكم بمقتضى الاية بترتيبه على اخبار عمرو به.

والحاصل أن الاية تدل على ترتيب الاثار الشرعية الثابتة للمخبر به الواقعي على اخبار العادل، ومن المعلوم أن المراد من الاثار غير هذا الاثر الشرعي الثابت بنفس الاية، فاللازم على هذا دلالة الاية على ترتيب جميع آثار المخبر به على الخبر، الا الاثر الشرعي الثابت بهذه الاية للمخبر به اذا كان خبرا.

وبعبارة: اخرى: الاية لاتدل على وجوب قبول الخبر الذي لم يثبت موضوع الخبرية له الا بدلالة الاية على وجوب قبول الخبر، لان الحكم لايشمل الفرد الذي يصير موضوعا له بواسطة ثبوته لفرد آخر.

ومن هنا يتجه أن يقال ان أدلة قبول الشهادة لاتشمل الشهادة على الشهادة، لان الاصل لايدخل في موضوع الشاهد الا بعد قبول شهادة الفرع.

- ما يحكيه الشيخ عن المفيد صار خبرا للمفيد بحكم وجوب التصديق، فكيف يصير موضوعا لوجوب التصديق الذي لم يثبت موضوع الخبرية إلا به.

ولكن يضعف هذا الاشكال، أولا، بإنتقاضه بورود مثله في نظيره الثابت بالاجماع، كالاقرار بالاقرار، فتأمل، وإخبار العادل بعدالة مخبر، فإن الاية تشمل الاخبار بالعدالة بغير إشكال وعدم قبول الشهادة على الشهادة لو سلم ليس من هذه الجهة.

- وثانيا، بالحل: وهو أن الممتنع هو توقف فردية بعض أفراد العام على اثبات الحكم لبعضها الاخر، كما في قول القائل: كل خبري صادق أو كاذب، أما توقف العلم ببعض الافراد وانكشاف فرديته على ثبوت الحكم لبعضها الاخر كما فيما نحن فيه، فلا مانع منه.

[123]

- وثانيا، بأن عدم قابلية اللفظ العام لان يدخل فيه الموضوع الذي لا يتحقق ولا يوجد إلا بعد ثبوت حكم هذا العام لفرد آخر، لا يوجب التوقف في الحكم إذا علم المناط الملحوظ في الحكم العام وأن المتكلم لم يلاحظ موضوعا دون آخر.

فيثبت الحكم لذلك الموضوع الموجود بعد تحقق الحكم وإن لم يكن كلام المتكلم قابلا لارادة ذلك الموضوع الغير الثابت إلا بعد الحكم العام.

فاخبار عمرو بعدالة زيد فيما لو قال المخبر: أخبرني عمرو بأن زيدا عادل، وإن لم يكن داخلا في موضوع ذلك الحكم العام وإلا لزم تأخر الموضوع عن الحكم الا أنه معلوم أن هذا الخروج مستند ألى قصور العبارة وعدم قابليتها لشموله، لا للفرق بينه وبين غيره في نظر المتكلم حتى يتأمل في شمول حكم العام له، بل لا قصور في العبارة بعد ما فهم منها أن هذا المحمول وصف لازم لطبيعة الموضوع ولا ينفك عن مصاديقه.

فهو مثل ما لو أخبر زيد بعض عبيد المولى بأنه قال: لا تعمل باخبار زيد، فإنه لا يجوز أن يعمل به ولو إتكالا على دليل عام يدل على الجواز ويقول إن هذا العام لا يشمل نفسه، لان عدم شموله له ليس إلا لقصور اللفظ وعدم قابليته للشمول، لا لتفاوت بينه وبين غيره من إخبار زيد في نظر المولى.

وقد تقدم في الايراد الثاني من هذه الايرادات ما يوضح لك، فراجع.

ومنها: أن العمل بالمفهوم في الاحكام الشرعية غير ممكن، لوجوب التفحص عن المعارض لخبر العدل في الاحكام الشرعية، فيجب تنزيل الاية على الاخبار في الموضوعات الخارجية، فإنها هي التي لا يجب التفحص فيها عن المعارض، ويجعل المراد من القبول فيها هو القبول في الجملة، فلا ينافي إعتبار إنضمام عدل آخر إليه.

فلا يقال: إن قبول خبر الواحد في الموضوعات الخارجية مطلقا يستلزم قبوله في الاحكام بالاجماع المركب والاولوية.

وفيه: أن وجوب التفحص عن المعارض غير وجوب التبين في الخبر، فإن الاول يؤكد حجية خبر العادل ولا ينافيها، لان مرجع التفحص عن المعارض إلى الفحص عما أوجب الشارع العمل به، كما أوجب العمل بهذا.

والتبين المنافي للحجية هو التوقف عن العمل وإلتماس دليل آخر، فيكون ذلك الدليل هو المتبع ولو كان أصلا من الاصول.فإذا يئس عن المعارض عمل بهذا الخبر، وإذا وجده أخذ بالارجح منهما.وإذا يئس عن التبين توقف عن العمل ورجع إلى ما يقتضيه الاصول العملية.

فخبر الفاسق وإن إشترك مع خبر العادل في عدم جواز العمل بمجرد المجئ إلا أنه بعد اليأس عن وجود المنافي يعمل بالثاني دون الاول.

ومع وجدان المنافي يوخذ به في الاول ويؤخذ بالارجح في الثاني، فتتبع الادلة في الاول لتحصيل المقتضي الشرعي للحكم الي تضمنه خبر الفاسق، وفي الثاني لطلب المانع عما اقتضاه الدليل الموجود.

[124]

ومنها: أن مفهوم الاية غير معلول به في الموضوعات الخارجية التي منها مورد الاية، وهو إخبار الوليد بإرتداد طائفة.

ومن المعلوم أنه لا يكفي فيه خبر العادل الواحد، بل لا أقل من إعتبار العدلين، فلا بد من طرح المفهوم، لعدم جواز إخراج المورد.

وفيه: أن غاية الامر لزوم تقيد المفهوم بالنسبة إلى الموضوعات بما إذا تعدد المخبر العادل.

فكل واحد من خبري العدلين في البينة لا يجب التبين فيه.

وأما لزوم إخراج المورد فممنوع، لان المورد داخل في منطوق الاية لا مفهومها، وجعل أصل خبر الارتداد موردا للحكم بوجوب التبين إذا كان المخبر به فاسقا، ولعدمه إذا كان المخبر به عادلا، لا يلزم منه إلا تقييد الحكم في طرف المفهوم و إخراج بعض أفراده، وهذا ليس من إخراج المورد المستهجن في شئ.

ومنها: ما عن غاية البادي، من أن المفهوم يدل على عدم وجوب التبين، وهو لا يستلزم العمل، لجواز وجوب التوقف.

وكأن هذا الايراد مبني على ما تقدم فساده من إرادة وجوب التبين نفسيا، وقد عرفت ضعفه، وأن المراد وجوب التبين لاجل العمل عند إرادته وليس التوقف حينئذ واسطة.

ومنها: أن المسألة أصولية، فلا يكتفى فيها بالظن.

وفيه: أن الظهور اللفظي لا بأس بالتمسك به في أصول الفقه، والاصول التي لا يتمسك لها بالظن مطلقا هو أصول الدين لا أصول الفقه، والظن الذي لا يتمسك به في الاصول مطلقا هو مطلق الظن، لا الظن الخاص.

ومنها: أن المراد بالفاسق مطلق الخارج عن طاعه الله ولو بالصغائر.

فكل من كان كذلك أو احتمل في حقه ذلك وجب التبين في خبره وغيره ممن يفيد قوله العلم، لانحصاره في المعصوم ومن هو دونه.

فيكون في تعليق الحكم بالفسق إشارة إلى أن مطلق خبر المخبر غير المعصوم لا عبرة به، لاحتمال فسقه، لان المراد الفاسق الواقعي لا المعلوم.

فهذا وجه آخر لافادة الاية حرمة إتباع غير العلم، لا يحتاج معه إلى التمسك في ذلك بتعليل الاية، كما تقدم في الايراد الثاني من الايرادين الاولين.

وفيه: أن إرادة مطلق الخارج عن طاعة الله من إطلاق الفاسق خلاف الظاهر عرفا، فالمراد به إما الكافر، كما هو الشائع إطلاقه في الكتاب، حيث أنه يطلق غالبا في مقابل المؤمن.

وإما الخارج

[125]

عن طاعة الله بالمعاصي الكبيرة الثابتة تحريمها في زمان نزول هذه الاية.

فالمرتكب للصغيرة غير داخل تحت إطلاق الفاسق في عرفنا المطابق للعرف السابق، مضافا إلى قوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم).

مع أنه يمكن فرض الخلو عن الصغيرة والكبيرة.كما إذا علم منه التوبة من الذنب السابق.

وبه يندفع الايراد المذكور، حتى على مذهب من يجعل كل ذنب كبيرة.

وأما إحتمال فسقه بهذا الخبر لكذبه فيه فهو غير قادح، لان ظاهر قوله: (إن جاء‌كم فاسق بنبأ)، تحقق الفسق قبل النبأ، لا به، فالمفهوم يدل على قبول خبر من ليس فاسقا مع قطع النظر عن هذا النبأ واحتمال فسقه به.

هذه جملة مما أوردوه على ظاهر الاية، وقد عرفت أن الوارد منها إيرادان، والعمدة الايراد الاول الذي أورده جماعة من القدماء والمتأخرين.

ثم إنه استدل بمفهوم الاية على حجية خبر العادل، كذلك قد يستدل بمنطوقها على حجية خبر غير العادل إذا حصل الظن بصدقه، بناء على أن المراد بالتبين ما يعم تحصيل الظن.

فإذا حصل من الخارج ظن بصدق خبر الفاسق كفى في العمل به.

ومن التبين الظني تحصيل شهرة العلماء على العمل بالخبر او على مضمونه أو على روايته.

ومن هنا تمسك بعض بمنطوق الاية على حجية الخبر الضعيف المنجبر بالشهرة.

وفي حكم الشهرة أمارة أخرى غير معتبرة.

ولو عمم التبين للتبين الاجمالي - وهو تحصيل الظن بصدق مخبره - دخل خبر الفاسق المتحرز عن الكذب، فيدخل الموثق وشبهه بل الحسن أيضا.

وعلى ما ذكر فيثبت من آية النبا، منطوقا ومفهوما، حجية الاقسام الاربعة للخبر الصحيح والحسن والموثق والضعيف المحفوف بقرينة ظنية.ولكن فيه من الاشكال ما لا يخفى، لان التبين ظاهر في العلمي.

كيف ولو كان المراد مجرد الظن لكان الامر به في خبر الفاسق لغوا، إذ العاقل لا يعمل بخبر إلا بعد رجحان صدقه على كذبه، إلا أن يدفع اللغوية بما ذكرنا سابقا، من أن المقصود التنبيه والارشاد على أن الفاسق لا ينبغي أن

[126]

يعتمد عليه وأنه لا يؤمن من كذبه وإن كان المظنون صدقه.

وكيف كان، فمادة التبين ولفظ الجهالة وظاهر التعليل كلها آبية من إرادة مجرد الظن.

نعم يمكن دعوى صدقه على الاطمينان الخارج عن التحير والتزلزل بحيث لا يعد في العرف العمل به تعريضا للوقوع في الندم.فحينئذ لا يبعد إنجبار خبر الفاسق به.

لكن لو قلنا بظهور المنطوق في ذلك كان دالا على حجية الظن الاطميناني المذكور وإن لم يكن معه خبر فاسق نظرا إلى أن الظاهر من الاية أن خبر الفاسق وجوده كعدمه، وأنه لا بد من تبين الامر من الخارج والعمل على ما يقتضيه التبين الخارجي.

نعم ربما يكون نفس الخبر من الامارات التي يحصل من مجموعها التبين.

فالمقصود الحذر عن الوقوع في مخالفة الواقع.

فكلما حصل الامن منه جاز العمل، فلا فرق حينئذ بين خبر الفاسق المعتضد بالشهرة إذا حصل الاطمينان بصدقه وبين الشهرة المجردة إذا حصل الاطمينان بصدق مضمونها.

والحاصل: أن الاية تدل على أن العمل يعتبر فيه التبين من دون مدخلية لوجود خبر الفاسق و عدمه، سواء قلنا بأن المراد منه العلم أو الاطمينان أو مطلق الظن.

حتى أن من قال بأن خبر الفاسق يكفي فيه مجرد الظن بمضمونه بحسن أو توثيق أو غيرهما من صفات الراوي، فلازمه القول بدلالة الاية على حجية مطلق الظن بالحكم الشرعي وإن لم يكن معه خبر أصلا، فافهم واغتنم واستقم، هذا.

ولكن لا يخفى أن حمل التبين على تحصيل مطلق الظن أو الاطمينان يوجب خروج مورد المنطوق وهو الاخبار بالارتداد.

ومن جملة الايات: قوله تعالى في سورة البراء‌ة: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون).

دلت على وجوب الحذر عند إنذار المنذرين من دون إعتبار إفادة خبرهم العلم لتواتر أو قرينة، فيثبت وجوب العمل بخبر الواحد.أما وجوب الحذر، فمن وجهين.

[127]

أحدهما: أن لفظة (لعل) بعد إنسلاخها عن معنى الترجي ظاهرة في كون مدخولها محبوبا للمتكلم.

وإذا تحقق حسن الحذر ثبت وجوبه، إما لما ذكره في المعالم، من أنه لا معنى لندب الحذر، إذ مع قيام المقتضي يجب ومع عدمه لا يحسن، وإما لان رجحان العمل بخبر الواحد مستلزم لوجوبه بالاجماع المركب، لان كل من أجازه فقد أوجبه.

الثاني: أن ظاهر الاية وجوب الانذار، لوقوعه غاية للنفر الواجب بمقتضى كلمة (لولا)، فإذا وجب الانذار أفاد وجوب الحذر لوجهين.

أحدهما وقوعه غاية للواجب، فإن الغاية المترتبة على فعل الواجب مما لا يرضى الآمر بإنتفائه، سواء كان من الافعال المتعلقة للتكليف أم لا، كما في قولك: (تب لعلك تفلح، وأسلم لعلك تدخل الجنة)، وقوله تعالى: (فقولا قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى).

الثاني أنه إذا وجب الانذار ثبت وجوب القبول وإلا لغى الانذار.

ونظير ذلك ما تمسك به في المسالك على وجوب قبول قول المرأة وتصديقها في العدة، من قوله تعالى: (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن)، فاستدل بتحريم الكتمان ووجوب الاظهار عليهن على قبول قولهن بالنسبة إلى ما في الارحام.

فإن قلت: المراد بالنفر النفر إلى الجهاد، كما يظهر من صدر الاية، وهو قوله تعالى: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة)، ومن المعلوم أن النفر إلى الجهاد ليس للتفقه والانذار، نعم ربما يترتبان عليه، بناء على ما قيل، من أن المراد حصول البصيرة في الدين من مشاهدة آيات الله وظهور أوليائه على أعدائه وسائل ما يتفق في حرب المسلمين مع الكفار من آيات عظمة الله وحكمته، فيخبروا بذلك عند رجوعهم إلى الفرقة المتخلفة الباقية في المدينة.

فالتفقه والانذار من قبيل الفائدة لا الغاية حتى تجب بوجوب ذيها.

قلت: أولا، إنه ليس في صدر الاية دلالة على أن المراد النفر إلى الجهاد، وذكر الاية في آيات الجهاد لا يدل على ذلك.

وثانيا، لو سلم أن المراد النفر إلى الجهاد، لكن لا يتعين أن يكون النفر من كل قوم طائفة لاجل مجرد الجهاد، بل لو كان لمحض الجهاد لم يتعين أن ينفر من كل قوم طائفة، فيمكن أن يكون التفقه غاية لايجاب النفر على كل طائفة من كل قوم، لا لايجاب أصل النفر.

[128]

وثالثا، إنه فسر الاية بأن المراد نهي المؤمنين عن نفر جميعهم إلى الجهاد، كما يظهر من قوله: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة)، وأمر بعضهم بأن يتخلفوا عند النبي، صلى الله عليه وآله، ولا يخلوه وحده، فيتعلموا مسائل حلالهم وحرامهم حتى ينذروا قومهم النافرين إذا رجعوا إليهم.

والحاصل: أن ظهور الاية في وجوب التفقه والانذار مما لا ينكر، فلا محيص عن حمل الاية عليه وإن لزم مخالفة الظاهر في سياق الاية أو بعض ألفاظها.

* * *

ومما يدل على ظهور الاية في وجوب التفقه والانذار إستشهاد الامام بها على وجوبه في أخبار كثيرة.

منها: ما عن الفضل بن شاذان في علله عن الرضا، عليه السلام، في حديث، قال: (إنما أمروا بالحج لعلة الوفادة إلى الله وطلب الزيادة والخروج عن كل ما اقترف العبد - إلى أن قال: - ولاجل ما فيه من التفقه ونقل اخبار الائمة، عليهم السلام، إلى كل صفح وناحية.

كما قال الله عزوجل: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة، الاية).

ومنها: ما ذكره في ديباجة المعالم، من رواية علي بن حمزة، قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: تفقهوا في الدين، فإن من لم يتفقه منكم في الدين فهو أعرابي، إن الله عزوجل يقول: ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون).

ومنها: ما رواه في الكافي، في باب ما يجب على الناس عند مضي.

الامام، عليه السلام، عن صحيحة يعقوب بن شعيب: (قال: قلت لابي عبدالله عليه السلام: إذا حدث على الامام حدث كيف يصنع الناس؟ قال: أين قول الله عزوجل: (فلولا نفر..اه).

قال: هم في عذر ما داموا في الطلب، وهؤلاء الذين ينتظرونهم في عذر حتى يرجع إليهم أصحابهم).

ومنها: صحيحة عبدالاعلى قال: (سألت أبا عبدالله، عليه السلام، عن قول العامة إن رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية.

قال: حق والله.

قلت: فإن إماما هلك، ورجل في خراسان لا يعلم من وصيه، لم يسعه ذلك؟ قال: لا يسعه إن الامام إذا مات وقعت حجة على من هو معه في البلد، وحق النفر على من ليس بحضرته إذا بلغهم أن الله عزوجل يقول: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة، اه).

[129]

ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبدالله عليه السلام.

وفيها: (قلت: أفيسع الناس إذا مات العالم أن لا يعرفوا الذي بعده؟ فقال: أما أهل هذه البلدة فلا - يعني أهل المدينة - وأما غيرها من البلدان فبقدر مسيرهم، إن الله عزوجل يقول: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة).

ومنها: صحيحة البزنطي المروية في قرب الاسناد عن أبي الحسن الرضا عليه السلام.

ومنها: رواية عبدالمؤمن الانصاري الواردة في جواب من سأل عن قوله صلى الله عليه وآله: (إختلاف أمتي رحمة.

قال: إذا كان إختلافهم رحمة فإتفاقهم عذاب ! ليس هذا يراد، إنما يراد الاختلاف في طلب العلم، على ما قال الله عزوجل: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة)، الحديث منقول بالمعنى، ولا يحضرني ألفاظه.

وجميع هذا هو السر في إستدلال أصحابنا بالاية الشريفة على وجوب تحصيل العلم وكونه كفائيا.

هذا غاية ما قيل أو يقال في توجيه الاستدلال بالاية الشريفة.

* * *

لكن الانصاف: عدم جواز الاستدلال بها من وجوه:

الاول: أنه لا يستفاد من الكلام إلا مطلوبية الحذر عقيب الانذار بما يتفقهون في الجملة، لكن ليس فيها إطلاق وجوب الحذر، بل يمكن أن يتوقف وجوبه على حصول العلم، فالمعنى: لعله يحصل لهم العلم فيحذروا.

فالاية مسوقة لبيان مطلوبية الانذار بما يتفقهون ومطلوبية العمل من المنذرين بما أنذروا.

وهذا لا ينافي إعتبار العلم في العمل.

ولهذا صح ذلك فيما يطلب فيه العلم.

فليس في هذه الاية تخصيص للادلة الناهية عن العمل بما لم يعلم.

ولذا إستشهد الامام، فيما سمعت من الاخبار المتقدمة، على وجوب النفر في معرفة الامام، عليه السلام، وإنذار النافرين للمتخلفين، مع أن الامامة لا تثبت إلا بالعلم.

الثاني: أن التفقه الواجب ليس إلا معرفة الامور الواقعية من الدين، فالانذار الواجب هو الانذار بهذه الامور المتفقه فيها.فالحذر لا يجب إلا عقيب الانذار بها.فإذا لم يعرف المنذر - بالفتح - أن الانذار هل وقع بالامور الدينية الواقعية أو بغيرها خطاء أو تعمدا من المنذر - بالكسر - لم يجب الحذر حينئذ.

فانحصر وجوب الحذر فيما إذا علم المنذر صدق المنذر في إنذاره بالاحكام الواقعية.فهو نظير

[130]

قول القائل: أخبر فلانا بأوامري، لعله يمتثلها.

فهذه الاية نظير ما ورد من الامر بنقل الروايات، فإن المقصود من هذا الكلام ليس إلا وجوب العمل بالامور الواقعية، لا وجوب تصديقه فيما يحكي ولو لم يعلم مطابقته للواقع.

ولا يعد هذا ضابطا لوجوب العمل بالخبر الظني الصادر من المخاطب في الامر الكذائي.

ونظيره جميع ما ورد من بيان الحق للناس ووجوب تبليغه إليهم، فإن المقصود منه إهتداء الناس إلى الحق الواقعي، لا إنشاء حكم ظاهري لهم بقبول كل ما يخبرون به وإن لم يعلم مطابقته للواقع.

ثم الفرق بين هذا الايراد وسابقه: أن هذا الايراد مبني على أن الاية ناطقة بإختصاص مقصود المتكلم بالحذر عن الامور الواقعية المستلزم لعدم وجوبه إلا بعد إحراز كون الانذار متعلقا بالحكم الواقعي.

وأما الايراد السابق فهو مبني على سكوت الاية عن التعرض لكون الحذر واجبا على الاطلاق أو بشرط حصول العلم.

الثالث: لو سلمنا دلالة الاية على وجوب الحذر مطلقا عند إنذار المنذر ولو لم يفد العلم، لكن لا تدل على وجوب العمل بالخبر من حيث أنه خبر، لان الانذار هو الابلاغ مع التخويف.

فإنشاء التخويف مأخوذ فيه، والحذر هو التخوف الحاصل عقيب هذا التخويف الداعي إلى العمل بمقتضاه فعلا، ومن المعلوم أن التخويف لا يجب إلا على الوعاظ في مقام الايعاد على الامور التي يعلم المخاطبون بحكمها من الوجوب والحرمة، كما يوعد على شرب الخمر وفعل الزنا وترك الصلاة، أو على المرشدين في مقام إرشاد الجهال.

فالتخوف لا يجب إلا على المتعظ والمسترشد.

ومن المعلوم أن تصديق الحاكي فيما يحكيه من لفظ الخبر الذي هو محل الكلام خارج عن الامرين.

توضيح ذلك أن المنذر إما أن ينذر ويخوف على وجه الافتاء ونقل ما هو مدلول الخبر بإجتهاده، وإما أن ينذر ويخوف بلفظ الخبر حاكيا له عن الحجة.

فالاول: كأن يقول: يا أيها الناس ! إتقوا الله في شرب العصير، فإن شربه يوجب المؤاخذة.

والثاني: كأن يقول: في مقام التخويف قال الامام عليه السلام: من شرب العصير فكأنما شرب الخمر.

أما الانذار على الوجه الاول، فلا يجب الحذر عقيبه إلا على المقلدين لهذا المفتي.

وأما الثاني، فله جهتان: إحداهما جهة تخويف وإيعاد، والثانية جهة حكاية قول الامام عليه السلام.

ومن المعلوم أن الجهة الاولى ترجع إلى الاجتهاد في معنى الحكاية، فهي ليست حجة إلا على من هو مقلد له، إذ هو الذي يجب عليه التخوف عند تخويفه.

[131]

وأما الجهة الثانية فهي التي تنفع المجتهد الآخر الذي يسمع منه هذه الحكاية، لكن وظيفته مجرد تصديقه في صدور هذا الكلم عن الامام عليه السلام.

وأما أن مدلوله متضمن لما يوجب التحريم الموجب للخوف أو الكراهة، فهو ما ليس فهم المنذر حجة فيه بالنسبة إلى هذا المجتهد.

فالاية الدالة على وجوب التخوف عند تخويف المنذرين مختصة بمن يجب عليه اتباع المنذر في مضمون الحكاية وهو المقلد له، للاجماع على أنه لا يجب على المجتهد التخوف عند إنذار غيره.

إنما الكلام في أنه هل يجب عليه تصديق غيره في الالفاظ الاصوات التي يحكيها عن المعصوم عليه السلام أم لا، والاية لا تدل على وجوب ذلك على من لا يجب عليه التخوف عند التخويف.

فالحق: أن الاستدلال بالاية على وجوب الاجتهاد كفاية ووجوب التقليد على العوام أولى من الاستدلال بها على وجوب العمل بالخبر.

وذكر شيخنا البهائي، قدس سره، في أول أربعينه: (أن الاستدلال بالنبوي المشهور: (من حفظ على أمتي أربعين حديثا بعثه الله يوم القيامة فقيها عالما)، على حجية الخبر لا يقصر عن الاستدلال عليها بهذه الاية).

وكان فيه إشارة إلى ضعف الاستدلال بها، لان الاستدلال بالحديث المذكور ضعيف جدا، كما سيجئ إن شاء الله عند ذكر الاخبار.

ولكن ظاهر الرواية المتقدمة عن علل الفضل يدفع هذا الايراد، لكنها من الآحاد، فلا ينفع في صرف الايه من ظاهرها في مسألة حجية الآحاد مع إمكان منع دلالتها على المدعى، لان الغالب تعدد من يخرج إلى الحج من كل صقع، بحيث يكون الغالب حصول القطع من حكايتهم لحكم الله الواقعي، عن الامام، عليه السلام، وحينئذ فيجب الحذر عقيب إنذارهم.فإطلاق الرواية منزل على الغالب).

ومن جملة الايات التي استدل بها جماعة، تبعا للشيخ في العدة على حجية الخبر، قوله تعالى: (إن الذين يكتموت ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون)، الاية.

والتقريب فيه: نظير ما بيناه في آية النفر، من أن حرمة الكتمان تستلزم وجوب القبول عند الاظهار.

[132]

ويرد عليها: ما ذكرنا من الايرادين الاولين في آية النفر، من سكوتها وعدم التعرض فيها لوجوب القبول وإن لم يحصل العلم عقيب الاظهار أو إختصاص وجوب القبول المستفاد منها بالامر الذي يحرم كتمانه ويجب إظهاره، فإن من أمر غيره بإظهار الحق للناس ليس مقصوده إلا عمل الناس بالحق، ولا يريد بمثل هذا الخطاب تأسيس حجية قول المظهر تعبدا ووجوب العمل بقوله و إن لم يطابق الحق.

ويشهد لما ذكرنا: أن مورد الاية كتمان اليهود لعلامات النبي، صلى الله عليه وآله، بعد ما بين الله لهم ذلك في التوراة، ومعلوم أن آيات النبوة لا يكتفى فيها بالظن.

نعم لو وجب الاظهار على من لا يفيد قوله العلم غالبا أمكن جعل ذلك دليلا على أن المقصود العمل بقوله وإن لم يفد العلم، لئلا يكون إلقاء هذا الكلام كاللغو.

ومن هنا يمكن الاستدلال بما تقدم - من آية تحريم كتمان ما في الارحام على النساء - على وجوب تصديقهن، وبآية وجوب إقامة الشهادة على وجوب قبولها بعد الاقامة، مع إمكان كون وجوب الاظهار لاجل رجاء وضوح الحق من تعدد المظهرين.

ومن جملة الآيات التي استدل بها بعض المعاصرين قوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون).

بناء على أن وجوب السؤال يستلزم وجوب قبول الجواب وإلا لغى وجوب السؤال.

وإذا وجب قبول الجواب وجب قبول كل ما يصح أن يسأل عنه ويقع جوابا له، لان خصوصية المسبوقية بالسؤال لا دخل فيه قطعا.

فإذا سئل الراوي الذي هو من أهل العلم عما سمعه عن الامام، عليه السلام، في خصوص الواقعة، فأجاب باني سمعته يقول كذا، وجب القبول، بحكم الاية.

فيجب قبول قوله إبتداء: (إنى سمعت الامام عليه السلام يقول كذا)، لان حجية قوله هو الذي أوجب السؤال عنه، لا أن وجوب السؤال أوجب قبول قوله، كما لا يخفى.

ويرد عليه: أن الاستدلال إن كان بظاهر الاية، فظاهرها بمقتضى السياق إرادة علماء أهل الكتاب، كما عن إبن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة.

فإن المذكور في سورة النحل: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر)، وفي سورة الانبياء: (وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا

[133]

تعلمون).وإن كان مع قطع النظر عن سياقها.

ففيه: أولا، أنه ورد في الاخبار المتسفيضة أن أهل الذكر هم الائمة، عليه السلم.

وقد عقد في أصول الكافي بابا لذلك، وقد أرسله في المجمع عن علي عليه السلام.

ورد بعض مشايخنا هذه الاخبار بضعف السند، بناء على إشتراك بعض الروات في بعضها و ضعف بعضها في الباقي.وفيه نظر، لان روايتين منها صحيحتان، وهما روايتا محمد بن مسلم والوشاء، فلاحظ.و رواية أبي بكر الحضرمي حسنة أو موثقة.نعم ثلاث روايات أخر منها لا تخلو من ضعف ولا تقدح قطعا.

وثانيا: أن الظاهر من وجوب السؤال عند عدم العلم وجوب تحصيل العلم، لا وجوب السؤال للعمل بالجواب تعبدا، كما يقال في العرف: سل إن كنت جاهلا.

ويؤيده أن الاية واردة في أصول الدين وعلامات النبي، صلى الله عليه وآله، التي لا يؤخذ فيها بالتعبد إجماعا.

وثالثا: لو سلم حمله على إرادة وجوب السؤال للتعبد بالجواب، لا لحصول العلم منه، قلنا: إن المراد من أهل العلم ليس مطلق من علم ولو بسماع رواية من الامام، عليه السلام، وإلا لدل على حجية قول كل عالم بشئ ولو من طريق السمع والبصر، مع أنه يصح سلب هذا العنوان من مطلق من أحس شيئا بسمعه أو بصره.

والمتبادر من وجوب سؤال أهل العلم بناء على إرادة التعبد بجوابهم هو سؤالهم عما هم عالمون به ويعدون من أهل العلم في مثله.

فينحصر مدلول الاية في التقليد، ولذا تمسك به جماعة على وجوب التقليد على العامي.

وبما ذكرنا يندفع ما يتوهم من (أنا نفرض الراوي من أهل العلم.

فإذا وجب قبول روايته وجب قبول رواية من ليس من أهل العلم بالاجماع المركب).

حاصل وجه الاندفاع: أن سؤال أهل العلم عن الالفاظ التي سمعها من الامام، عليه السلام، والتعبد بقوله فيها ليس سؤالا من أهل العلم من حيث هم أهل العلم.

ألا ترى أنه لو قال: سل الفقهاء إذا لم تعلم، أو الاطباء، لا يحتمل أن يكون قد أراد ما يشمل المسموعات والمبصرات الخارجية من قيام زيد، وتكلم عمرو، وغير ذلك.

[134]

ومن جملة الايات، قوله تعالى في سورة البرائة: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن.

قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين).

مدح الله - عزوجل - رسوله، صلى الله عليه وآله، بتصديقه للمؤمنين، بل قرنه بالتصديق بالله جل ذكره.

فإذا كان التصديق حسنا يكون واجبا.

ويزيد في تقريب الاستدلال وضوحا ما رواه في فروع الكافي، في الحسن بابراهيم بن هاشم، أنه كان لاسماعيل بن أبي عبدالله دنانير، وأراد رجل من قريش أن يخرج بها إلى اليمن.

فقال له أبو عبدالله عليه السلام: (يا بني ! أما بلغك أنه يشرب الخمر؟ قال: سمعت الناس يقولون.

فقال: يا بني ! إن الله - عزوجل - يقول: يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين.

يقول: يصدق الله ويصدق للمؤمنين.فإذا شهد عندك السملمون فصدقهم).

ويرد عليه: أولا، أن المراد بالاذن سريع التصديق والاعتقاد بكل ما يسمع، لا من يعمل تعبدا بما يسمع من دون حصول الاعتقاد بصدقه.فمدحه، عليه السلام، بذلك، لحسن ظنه بالمؤمنين وعدم إتهامهم.

وثانيا: أن المراد من التصديق في الاية ليس جعل المخبر به واقعا وترتيب جميع آثاره عليه، إذ لو كان المراد به ذلك لم يكن أذن خير لجميع الناس.

إذ لو أخبره أحد بزنا أحد أو شربه أو قذفه أو إرتداده، فقلته النبي أو جلده، لم يكن في سماعه ذلك الخبر خير للمخبر عنه، بل كان محض الشر له، خصوصا مع عدم صدور الفعل منه في الواقع.

نعم يكون خيرا للمخبر من حيث متابعة قوله وإن كان منافقا موذيا للنبي، صلى الله عليه وآله، على ما يقتضيه الخطاب في (لكم).

فثبوت الخبر لكل من المخبر والمخبر عنه لا يكون إلا إذا صدق المخبر بمعنى إظهار القبول عنه وعدم تكذيبه وطرح قوله رأسا مع العمل في نفسه بما يقتضيه الاحتياط التام بالنسبة إلى المخبر عنه.

فإن كان المخبر به مما يتعلق بسوء حاله لا يؤذيه في الظاهر، لكن يكون على حذر منه في الباطن، كما كان هو مقتضى المصلحة في حكاية إسماعيل المتقدمة.

ويؤيد هذا المعنى: ما عن تفسير العياشي عن الصادق، عليه السلام، من أنه يصدق المؤمنين،

[135]

لانه صلى الله عليه وآله كان رؤوفا رحيما بالمؤمنين.

فإن تعليل التصديق بالرأفة والرحمة على كافة المؤمنين ينافي إرادة قبول قول أحدهم على الاخر بحيث يرتب عليه آثاره وإن أنكر المخبر عنه وقوعه، إذ مع الانكار لا بد عن تكذيب أحدهما، وهو منماف لكونه أذن خير ورؤوفا رحيما لجميع المؤمنين.فتعين إرادة التصديق بالمعنى الذي ذكرنا.

ويؤيد أيضا: ما عن القمي، رحمه الله، في سبب نزول الاية: (أنه نم منافق على النبي، صلى الله عليه وآله، فأخبره الله ذلك، فأحضره النبي " ص " وسأله، فحلف: أنه لم يكن شئ مما ينم عليه، فقبل منه النبي " ص ".

فأخذ هذا الرجل بعد ذلك يطعن على النبي " ص " ويقول: إنه يقبل كل ما يسمع.

أخبره الله إني أنم عليه وأنقل أخباره، فقبل.فأخبرته أني لم أفعل، فقبل.

فرده الله - تعالى - بقوله لنبيه " ص ": (قل أذن خير لكم).

ومن المعلوم: أن تصديقه، صلى الله عليه وآله، للمنافق لم يكن بترتيب آثار الصدق عليه مطلقا.

وهذا التفسير صريح في أن المراد من المؤمنين المقرون بالايمان من غير إعتقاد، فيكون الايمان لهم على حسب إيمانهم، ويشهد بتغاير معنى الايمان في الموضعين، مضافا إلى تكرار لفظه، تعديته في الاول بالباء وفي الثاني باللام، فافهم.

وأما توجيه الرواية فيحتاج إلى بيان معنى التصديق، فنقول: إن المسلم إذا أخبر بشئ فلتصديقه معنيان.

أحدهما: ما يقتضيه أدلة تنزيل فعل المسلم على الصحيح والاحسن، فإن الاخبار، من حيث أنه فعل من أفعال المكلفين، صحيحه ما كان مباحا وفاسده ما كان نقيضه، كالكذب والغيبة ونحوهما، فحمل الاخبار على الصادق حمل على أحسنه.

والثاني: هو حمل إخباره، من حيث أنه لفظ دال على معنى يحتمل مطابقته للواقع وعدمها، على كونه مطابقا للواقع بترتيب آثار الواقع عليه.

والحاصل أن المعنى الثاني هو الذي يراد من العمل بخبر العادل.

وأما المعنى الاول، فهو الذي يقتضيه أدلة حمل فعل المسلم على الصحيح والاحسن.

وهو ظاهر الاخبار الواردة في: أن من حق المؤمن على المؤمن أن يصدقه ولا يتهمه، خصوصا مثل قوله عليه السلام:

[136]

(يا أبا محمد ! كذب سمعك وبصرك عن أخيك، فإن شهد عندك خمسون قسامة أنه قال قولا، وقال: لم أقله، فصدقه وكذبهم، الخبر).

فإن تكذيب القسامة، مع كونهم أيضا مؤمنين، لا يراد منه إلا عدم ترتيب آثار الواقع على كلامهم.

لا ما يقابل تصديق المشهود عليه، فإنه ترجيح بلا مرجح، بل ترجيح المرجوح.

نعم خرج من ذلك مواضع وجوب قبول شهادة المؤمن على المؤمن وإن أنكر المشهود عليه.

وأنت إذا تأملت هذه الرواية ولاحظتها مع الرواية المتقدمة في حكاية إسماعيل، لم يكن لك بد من حمل التصديق على ما ذكرنا.

وإن أبيت إلا عن ظهور خبر إسماعيل في وجوب التصديق بمعنى ترتيب آثار الواقع، فنقول: إن الاستعانة بها على دلالة الاية خروج عن الاستدلال بالكتاب إلى السنة، والمقصود هو الاول.

غاية الامر كون هذه الرواية في عداد الروايات الاتية إن شاء الله تعالى.

ثم إن هذه الايات على تقدير تسليم دلالة كل واحد منها على حجية الخبر إنما تدل، بعد تقييد المطلق منها الشامل لخبر العادل وغيره بمنطوق آية النبأ، على حجية خبر العادل الواقعي أو من أخبر عدل واقعي بعدالته.

بل يمكن إنصراف المفهوم بحكم الغلبة إلى صورة إفادة خبر العادل الظن الاطميناني بالصدق، كما هو الغالب مع القطع بالعدالة.

فيصير حاصل مدلول الايات إعتبار خبر العادل الواقعي بشرط إفادته الظن الاطميناني والوثوق، بل هذا أيضا منصرف سائر الآيات وإن لم يكن إنصرافا موجبا لظهور عدم إرادة غيره، حتى يعارض المنطوق.

[137]

وأما السنة فطوائف من الاخبار منها: ما ورد في الخبرين المتعارضين من الاخذ بالاعدل والاصدق والمشهور والتخيير عند التساوي.

مثل مقبولة عمر بن حنظلة، حيث يقول: (الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث).

وموردها وإن كان في الحاكمين إلا أن ملاحظة جميع الرواية تشهد بأن المراد بيان المرجح للروايتين اللتين إستند إليهما الحاكمان.

ومثل رواية عوالي اللئالي المروية عن العلامة المرفوعة إلى زرارة: (قال: يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان، فبأيهما نأخذ؟ قال: خذ بما إشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر.

قلت: فإنهما معا مشهوران، قال: خذ بأعدلهما وأوثقهما في نفسك).

ومثل رواية إبن أبي الجهم عن الرضا، عليه السلام، قلت: يجيئنا الرجلان، وكلاهما ثقة، بحديثين مختلفين، فلا نعلم أيهما الحق.

قال: إذا لم تعلم فموسع عليك بأيهما أخذت).

ورواية الحارث بن المغيرة عن الصادق، عليه السلام، قال: (إذا سمعت من أصحابك الحديث وكلهم ثقة، فموسع عليك حتى ترى القائم).وغيرها من الاخبار.

[138]

والظاهر: أن دلالتها على إعتبار الخبر الغير المقطوع الصدور واضحة.

إلا أنه لا إطلاق لها، لان السؤال عن الخبرين اللذين فرض السائل كلا منهما حجة يتعين العمل بها لولا المعارض، كما يشهد به السؤال بلفظ (أي) الدالة على السؤال عن المعين مع العلم بالمبهم.

فهو كما إذا سئل عن تعارض الشهود أو أئمة الصلاة، فأجاب ببيان المرجح، فإنه لا يدل إلا على أن المفروض تعارض من كان منهم مفروض القبول لولا المعارض.

نعم رواية إبن المغيرة تدل على إعتبار خبر كل ثقة.

وبعد ملاحظة ذكر الاوثقية والاعدلية في المقبولة والمرفوعة يصير الحاصل من المجموع إعتبار خبر الثقة، بل العادل.

لكن الانصاف: أن ظاهر مساق الرواية أن الغرض من العدالة حصول الوثاقة، فيكون العبرة بها.

ومنها: ما دل على إرجاع آحاد الرواة إلى آحاد أصحابهم، عليهم السلام، بحيث يظهر منه عدم الفرق بين الفتوى والرواية.

مثل إرجاعه، عليه السلام، إلى زرارة، بقوله عليه السلام: (إذا أردت حديثا فعليك بهذا الجالس.

مشيرا إلى زرارة).

وقوله، عليه السلام، في رواية أخرى: (وأما ما رواه زرارة عن أبى، عليه السلام، فلا يجوز رده) وقوله، عليه السلام لابن أبي يعفور - بعد السؤال عمن يرجع إليه إذا إحتاج أو سئل عن مسألة: (فما يمنعك عن الثقفي؟ - يعني محمد بن مسلم - فإنه سمع من ابي أحاديث، و كاعنده وجيها).

وقولة، عليه السلام، فيما عن الكشي لسلمة بن أبي حبيبة: (إئت أبان بن تغلب، فإنه قد سمع مني حديثا كثيرا.

فما روى لك عني فاروه عني).

وقوله، عليه السلام، لشعيب العقرقوفي بعد السؤال عمن يرجع إليه: (عليك بالاسدي، يعني أبا بصير).

وقوله عليه السلام، لعلي إبن المسيب بعد السؤال عمن يأخذ عنه معالم الدين:

[139]

(عليك بزكريا إبن آدم المأمون على الدين والدنيا).

وقوله عليه السلام، لما قال له عبدالعزيز بن المهتدي: (ربما أحتاج ولست ألقاك في كل وقت، أفيونس بن عبدالرحمن ثقة آخذ عنه معالم ديني؟ قال: نعم).وظاهر هذه الرواية أن قبول قول الثقة كان أمرا مفروغا عنه عند الراوي.

فسأل عن وثاقة يونس، ليترتب عليه أخذ المعالم منه.

ويؤيده في إناطة وجوب القبول بالوثاقة ما ورد في العمري وإبنه اللذين هما من النواب والسفراء.

ففي الكافي في باب النهي عن التسمية: (عن الحميرى عن أحمد بن إسحاق.

قال: سألت أبا الحسن، عليه السلام، و قلت له: من أعامل وعمن آخذ وقول من أقبل؟ فقال عليه السلام له: العمرى ثقتي فما أدى إليك عني فعني يؤدي، وما قال لك عني فعني يقول، فاسمع له و أطع، فإنه الثقة المأمون).

وأخبرنا أحمد بن إسحق أنه سأل أبا محمد، عليه السلام، عن مثل ذلك، فقال له: (العمري وإبنه ثقتان، فما أديا إليك عني فعني يؤديان، وما قالا لك فعني يقولان، فاسمع لهما وأطعهما، فإنهما الثقتان المأمونان، الخبر).

وهذه الطائفة أيضا مشتركة مع الطائفه الاولى في الدلالة على إعتبار خبر الثقة المأمون.

ومنها: ما دل على وجوب الرجوع إلى الرواة والثقات والعلماء على وجه يظهر منه عدم الفرق بين فتواهم بالنسبة إلى أهل الاستفتاء وروايتهم بالنسبة إلى أهل العمل بالرواية.

مثل قول الحجة - عجل الله فرجه - لاسحاق بن يعقوب، على ما في كتاب الغيبة للشيخ، وإكمال الدين، للصدوق، والاحتجاج للطبرسي: (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فانهم حجتي عليكم و أنا حجة الله عليهم).

فإنه لو سلم أن ظاهر الصدر الاختصاص بالرجوع في حكم الوقائع إلى الرواة، أعني الاستفتاء

عنوان

[140]

منهم، إلا أن التعليل بأنهم حجته، عليه السلام، يدل على وجوب قبول خبرهم.

ومثل الرواية المحكية عن العدة من قوله عليه السلام: (إذا نزلت بكم حادثة لا تجدون حكمها فيما روي عنا، فانظروا إلى ما رووه عن علي، عليه السلام).

دل على الاخذ بروايات الشيعة وروايات العامة مع عدم وجود المعارض من رواية الخاصة.

ومثل ما في الاحتجاج عن تفسير العسكري، عليه السلام، - في قوله تعالى: (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب)، الاية - من أنه قال رجل للصادق عليه السلام: (فإذا كان هؤلاء القوم من اليهود والنصارى لا يعرفون الكتاب إلا بما يسمعونه من علمائهم، لا سبيل لهم إلى غيره.

فكيف ذمهم بتقليدهم والقبول من علمائهم؟ وهل عوام اليهود إلا كعوامنا يقلدون علماء‌هم؟ فإن لم يجز لاولئك القبول من علمائهم لم يجز لهؤلاء القبول من علمائهم).

فقال عليه السلام: (بين عوامنا وعلمائنا وبين عوام اليهود وعلمائهم فرق من جهة وتسوية من جهة.

أما من حيث إستووا، فإن الله - تعالى - ذم عوامنا بتقليدهم علماء‌هم.كما ذم عوامهم بتقليدهم علماء‌هم.

وأما من حيث إفترقوا فلا.

قال: بين لي يابن رسول الله ! قال: إن عوام اليهود قد عرفوا علماء‌هم بالكذب الصريح وبأكل الحرام و الرشاء وبتغيير الاحكام عن وجهها بالشفاعات والنسابات والمصانعات، و عرفوهم بالتعصب الشديد الذي يفارقون به أديانهم، وأنهم إذا تعصبوا أزالوا حقوق من تعصبوا عليه، وأعطوا ما لا يستحقه من تعصبوا له من أموال غيرهم و ظلموهم من أجلهم، وعلموهم يقارفون المحرمات واضطروا بمعارف قلوبهم إلى أن من فعل ما يفعلونه فهو فاسق، لا يجوز أن يصدق على الله تعالى ولا على الوسائط بين الخلق وبين الله تعالى.

فلذلك ذمهم لما قلدوا من عرفوا ومن علموا أنه لا يجوز قبول خبره ولا تصديقه ولا العمل بما يؤديه إليهم عمن لم يشاهدوه ووجب عليهم النظر بأنفسهم في أمر رسول الله صلى الله عليه وآله، إذ كانت دلائله أوضح من

[141]

أن تخفى وأشهر من أن لا تظهر لهم.

وكذلك عوام أمتنا إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر والعصبية الشديدة والتكالب على حطام الدنيا وحرامها وإهلاك من يتعصبون عليه وإن كان لاصلاح أمره مستحقا، والترفرف بالبر والاحسان على من تعصبوا له وإن كان للاذلال والاهانة مستحقا.

فمن قلد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء، فهم مثل اليهود الذين ذمهم الله تعالى بالتقليد لفسقة فقهائهم.

فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا على هواه، مطيعا لامر مولاه، فللعوام أن يقلدوه.

وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة، لا جميعهم.

فأما من ركب من القبائح والفواحش مراكب فسقة فقهاء العامة فلا تقبلوا منهم عنا شيئا، ولا كرامة.

وإنما كثر التخليط فيما يتحمل عنا أهل البيت لذلك، لان الفسقة يتحملون عنا فيحرفونه بأسره لجهلهم، ويضعون الاشياء على غير وجوهها لقلة معرفتهم، وآخرون يتعمدون الكذب علينا ليجروا من عرض الدنيا ما هو زادهم إلى نار جهنم.

ومنهم قوم نصاب لا يقدرون على القدح فينا، فيتعلمون بعض علومنا الصحيحة فيتوجهون عند شيعتنا وينتقصون بنا عند أعدائنا، ثم يضيفون إليه أضعافه وأضعاف أضعافه من الاكاذيب علينا التي نحن براء منها، فيقبله المستسلمون من شيعتنا على أنه من علومنا، فضلوا وأضلوا.

أولئك أضر على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد، لعنه الله، على الحسين بن علي عليه السلام)، إنتهى.

دل هذا الخبر الشريف اللائح منه آثار الصدق على جواز قبول قول من عرف بالتحرز عن الكذب وإن كان ظاهره إعتبار العدالة بل ما فوقها.

لكن المستفاد من مجموعه أن المناط في التصديق هو التحرز من الكذب، فافهم.

ومثل ما عن أبي الحسن، عليه السلام، فيما كتبه جوابا عن السؤال عمن نعتمد عليه في الدين، قال: (اعتمدا في دينكما على كل مسن في حبنا كثير القدم في أمرنا).

[142]

وقوله عليه السلام، في رواية أخرى: (لا تأخذن معالم دينك من غير شعيتنا، فإنك إن تعديتهم أخذت دينك من الخائنين الذين خانوا الله ورسوله وخانوا أماناتهم.

إنهم ائتمنوا على كتاب الله فحرفوه وبدلوه)، الحديث.

وظاهرهما وإن كان الفتوى، إلا أن الانصاف شمولهما للرواية بعد التأمل، كما تقدم في سابقتهما.

ومثل ما في كتاب الغيبة، بسنده الصحيح إلى عبدالله الكوفي خادم الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح، حيث سأله أصحابه عن كتب الشلمعاني.

فقال الشيخ: (أقول فيها ما قاله العسكري، عليه السلام، في كتب بني فضال، حيث قالوا له: مانصنع بكتبهم وبيوتنا منها ملاء؟ قال: خذوا ما رووا، وذروا ما رأو).

فإنه دل بمورده على جواز الاخذ بكتب بني فضال وبعدم الفصل على كتب غيرهم من الثقات ورواياتهم.

ولهذا إن الشيخ الجليل المذكور الذي لا يظن به القول في الدين بغير السماع من الامام عليه السلام: قال: (أقول في كتب الشلمغاني ما قاله العسكري، عليه السلام، في كتب بني فضال).مع أن هذا الكلام بظاهره قياس باطل.

ومثل ما ورد مستفيضا في المحاسن وغيره: (حديث واحد في حلال وحرام تأخذه من صادق خير لك من الدنيا وما فيها من ذهب وفضة.

وفي بعضها: يأخذ صادق عن صادق).

ومثل ما في الوسائل عن الكشي، من أنه ورد توقيع على القاسم بن العلي.

و فيه: (إنه لا عذر لاحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنا ثقاتنا قد علموا أنا نفاوضهم سرنا ونحمله إليهم).

ومثل مرفوعة الكناني عن الصادق، عليه السلام، في تفسير قوله تعالى: (و من يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب).

قال: (هؤلاء قوم من شيعتنا ضعفاء، وليس عندهم ما يتحملون به إلينا فيستمعون حديثنا و يفتشون من علمنا، فيرحل قوم فوقهم وينفقون أموالهم ويتعبون أبدانهم حتى يدخلوا علينا ويسمعوا حديثنا فينقلوا إليهم فيعيه أولئك ويضيعه هؤلاء.

فأولئك

[143]

الذين يجعل الله لهم مخرجا ويرزقهم من حيث لا يحتسبون).

دل على جواز العمل بالخبر وإن نقله من يضيعه ولا يعمل به.

ومنها: الاخبار الكثيرة التي يظهر من مجموعها جواز العمل بخبر الواحد وإن كان في دلالة كل واحد على ذلك نظر.

مثل النبوي المستفيض بل المتواتر: (إنه من حفظ على أمتي أربعين حديثا بعثه الله فقيها عالما يوم القيامة).

قال شيخنا البهائي، قدس سره، في أول أربعينه: (إن دلالة هذا الخبر على حجية خبر الواحد لا يقصر عن دلالة آية النفر).

ومثل الاخبار الكثيرة الواردة في الترغيب في الرواية والحث عليها وإبلاغ ما في كتب الشيعة، مثل ما ورد في شأن الكتب التي دفنوها لشدة التقية.

فقال عليه السلام: (حدثوا بها فإنها حق).ومثل ما ورد في مذاكرة الحديث والامر بكتابته.

مثل قوله للراوي: (اكتب وبث علمك في بني عمك، فإنه يأتي زمان هرج، لا يأنسون إلا بكتبهم).

وما ورد في ترخيص النقل بالمعنى.

وما ورد مستفيضا، بل متواترا، من قولهم عليهم السلام: (إعرفوا منازل الرجال منا بقدر روايتهم عنا).

وما ورد من قولهم عليهم السلام: (لكل رجل منا من يكذب عليه).

وقوله صلى الله عليه و آله: (ستكثر بعدي القالة، وإن من كذب علي فليتبوء مقعده من النار).

وقول أبي عبدالله عليه السلام: (إنا أهل بيت صديقون، لا نخلو من كذاب يكذب علينا).

وقوله عليه السلام: (إن الناس أولعوا الكذب علينا، كأن الله إفترض عليهم ولا يريد منهم غيره).

وقوله عليه السلام: (لكل منا من يكذب عليه) فإن بناء المسلمين لو كان على الاقتصار على المتواترات لم يكثر القالة، والكذابة والاحتفاف

[144]

بالقرينة القطعية في غاية القلة.

إلى غير ذلك من الاخبار التي يستفاد من مجموعها رضاء الائمة، عليهم السلام، بالعمل بالخبر وإن لم يفد القطع.

وقد إدعى في الوسائل تواتر الاخبار بالعمل بخبر الثقة، إلا أن القدر المتيقن منها هو خبر الثقة الذي يضعف فيه إحتمال الكذب على وجه لا يعتني به العقلاء ويقبحون التوقف فيه لاجل ذلك الاحتمال.

كما دلا عليه ألفاظ الثقة والمأمون والصادق وغيرها الواردة في الاخبار المتقدمة، وهي ايضا منصرف إطلاق غيرها.

وأما العدالة، فأكثر الاخبار المتقدمة خالية عنها، بل في كثير منها التصريح بخلافه، مثل رواية العقدة الآمرة بالاخذ بما رووه عن علي، عليه السلام، والواردة في كتب بني فضال، ومرفوعة الكناني، وتاليها.

نعم في غير واحد منها حصر المعتمد في أخذ معالم الدين في الشيعة، لكنه محمول على غير الثقة أو على أخذ الفتوى، جمعا بينها وبين ما هو أكثر منها.

وفي رواية بني فضال شهادة على هذا الجمع، مع أن التعليل للنهي في ذيل الرواية بأنهم ممن خانوا الله ورسوله يدل على إنتفاء النهي عند إنتفاء الخيانة المكشوف عنه بالوثاقة، فإن الغير الامامي الثقة، مثل إبن فضال وإبن بكير، ليسوا خائنين في نقل الرواية.وسيأتى توضيحه عند ذكر الاجماع إن شاء الله.

[145]

وأما الاجماع، فتقريره من وجوه أحدها الاجماع على حجية خبر الواحد في مقابل السيد وأتباعه وطريق تحصيله أحد وجهين، على سبيل منع الخلو.

أحدهما: تتبع أقوال العلماء من زماننا إلى زمان الشيخين، فيحصل من ذلك القطع بالاتفاق الكاشف عن رضاء الامام، عليه السلام، بالحكم أو عن وجود نص معتبر في المسألة.

ولا يعتنى بخلاف السيد وأتباعه، إما لكونهم معلومي النسب، كما ذكر الشيخ في العدة، وإما للاطلاع على أن ذلك لشبهة حصلت لهم، كما ذكره العلامة في النهاية، ويمكن أن يستفاد من العدة أيضا، وإما لعدم إعتبار إتفاق الكل في الاجماع على طريق المتأخرين المبني على الحدس.

والثاني: تتبع الاجماعات المنقولة في ذلك: فمنها: ما حكي عن الشيخ، قدس سره، في العدة في هذا المقام حيث قال: (وأما ما اخترته من المذهب، فهو أن خبر الواحد إذا كان واردا من طريق أصحابنا القائلين بالامامة - وكان ذلك مرويا عن النبي، صلى الله عليه وآله، أو عن أحد الائمة، عليهم السلام، وكان ممن لا يطعن في روايته ويكون سديدا في نقله، ولم يكن هناك قرينة تدل على صحة ما تضمنه الخبر.

لانه إذا كان هناك قرينة تدل على صحة ذلك، كان الاعتبار بالقرينة، وكان ذلك موجبا للعلم، كما تقدمت القرائن - جاز العمل به.

والذي يدل على ذلك إجماع الفرقة المحقة، فأني وجدتها مجمعة على العمل بهذه الاخبار التي رووها في تصانيفهم ودونوها في أصولهم، لا يتناكرون ذلك ولا يتدافعون، حتى أن واحدا منهم إذا أفتى بشئ لا يعرفونه سألوه من أين قلت هذا؟

[146]

فإذا أحالهم على كتاب معروف أو أصل مشهور، وكان راويه ثقة لا ينكر حديثه، سكتوا وسلموا الامر وقبلوا قوله.

هذه عادتهم وسجيتهم من عهد النبي، صلى الله عليه وآله، ومن بعده من الائمة، صلوات الله عليهم، إلى زمان جعفر بن محمد، عليه السلام، الذي إنتشر عنه العلم وكثرت الرواية من جهته.

فلولا أن العمل بهذه الاخبار كان جائزا لما أجمعوا على ذلك، لان إجماعهم فيه معصوم ولا يجوز عليه الغلط والسهو.

والذي يكشف عن ذلك: أنه لما كان العمل بالقياس محظورا عندهم في الشريعة لم يعملوا به أصلا.

وإذا شذ واحد منهم وعمل به في بعض المسائل و إستعمله على وجه المحاجة لخصمه وإن لم يكن إعتقاده، ردوا قوله، وأنكروا عليه، وتبرأوا من قوله حتى أنهم يتركون تصانيف من وصفناه ورواياته لما كان عاملا بالقياس.

فلو كان العمل بالخبر الواحد جرى بذلك المجرى لوجب فيه أيضا مثل ذلك، وقد علمنا خلافه.

فإن قيل: كيف تدعون إجماع الفرقة المحقة على العمل بخبر الواحد، والمعلوم من حالها أنها لا ترى العمل بخبر الواحد، كما أن من المعلوم أنها لا ترى العمل بالقياس.

فإن جاز إدعاء أحدهما جاز إدعاء الاخر.

قيل له: المعلوم من حالها الذي لا ينكر أنهم لا يرون العمل بخبر الواحد الذي يرويه مخالفوهم في الاعتقاد ويختصون بطريقه، فأما ما كان رواته منهم وطريقه أصحابهم، فقد بينا أن المعلوم خلاف ذلك، وبينا الفرق بين ذلك وبين القياس، وأنه لو كان معلوما حظر العمل بالخبر الواحد لجرى مجرى العلم بحظر القياس، وقد علم خلاف ذلك.

فإن قيل: " إليس شيوخكم لا يزالون يناظرون خصومهم في أن خبر الواحد لا يعمل به، ويدفعونهم عن صحة ذلك، حتى أن منهم من يقول: لا يجوز ذلك عقلا، ومنهم من يقول: لا يجوز ذلك سمعا، لان الشرع لم يرد به.

وما رأينا أحدا تكلم في جواز ذلك، ولا صنف فيه كتابا، ولا أملى فيه مسألة، فكيف أنتم تدعون خلاف ذلك؟ قيل له: من أشرت إليهم من المنكرين لاخبار الآحاد، إنما تكلموا من خالفهم

[147]

في الاعتقاد ودفعوهم من وجوب العمل بما يروونه من الاخبار المتضمنة للاحكام التي يروون خلافها.

وذلك صحيح على ما قدمناه، ولم نجدهم إختلفوا في ما بينهم، وأنكر بعضهم على بعض العمل بما يروونه إلا في مسائل دل الدليل الموجب للعلم على صحتها.

فإذا خالفوهم فيها أنكروا عليهم، لمكان الادلة الموجبة للعلم والاخبار المتواترة بخلافه.

على أن الذين أشير إليهم في السؤال أقوالهم متميزة بين اقوال الطائفة المحقة، وقد علمنا أنه لم يكونوا أئمة معصومين.

وكل قول قد علم قائله و عرف نسبه وتميز من أقاويل سائر الفرقة المحقة لم يعتد بذلك القول، لان قول الطائفة إنما كان حجة من حيث كان فيهم معصوم.

فإذا كان القول من غير معصوم علم أن قول المعصوم داخل في باقي الاقوال ووجب المصير إليه على ما بينته في الاجماع)، إنتهى موضع الحاجة من كلامه.

ثم أورد على نفسه: بأن العقل إذا جوز التعبد بخبر الواحد والشرع ورد به، فما الذي يحملكم على الفرق بين ما يرويه الطائفة المحقة وبين ما يرويه أصحاب الحديث من العامة.

ثم أجابإ عن ذلك: بأن خبر الواحد إذا كان دليلا شرعيا فينبغي أن يستعمل بحسب ما قررته الشريعة، والشارع يرى العمل بخبر طائفة خاصة فليس لنا التعدي إلى غيرها.على أن العدالة شرط في الخبر بلا خلاف.ومن خالف الحق لم يثبت عدالته، بل ثبت فسقه.

ثم أورد على نفسه: بأن العمل بخبر الواحد يوجب كون الحق من جهتين عند تعارض خبرين.

ثم أجأب: أولا، بالنقض بلزوم ذلك عند من منع العمل بخبر الواحد إذا كان هناك خبران متعارضان، فإنه يقول مع عدم الترجيح بالتخيير، فإذا اختار كلا منهما إنسان لزم كون الحق في جهتين.

وأيد ذلك: بأنه قد سئل الصادق، عليه السلام، عن إختلاف أصحابه في المواقيت وغيرها، فقال عليه السلام: (أنا خالفت بينهم).

قال بعد ذلك:

[148]

فإن قيل: كيف تعملون بهذه الاخبار ونحن نعلم أن رواتها، كما رووها، رووا أيضا أخبار الجبر والتفريض وغير ذلك من الغلو والتناسخ وغير ذلك من المناكير، فكيف يجوز الاعتماد على ما يرويه أمثال هؤلاء.

قلنا لهم: ليس كل الثقات نقل حديث الجبر والتشبيه، ولو صح أنه نقل لم يدل على أنه كان معتقدا لما تضمنه الخبر.

ولا يمتنع أن يكون إنما رواه ليعلم أنه لم يشذ عنه شئ من الروايات، لا لانه معتقد ذلك.

ونحن لم نعتمد على مجرد نقلهم، بل إعتمادنا على العمل الصادر من جهتهم وارتفاع النزاع فيما بينهم.

وأما مجرد الرواية فلا حجية فيه على حال.

فان قيل: كيف تعولون على هذه الروايات، وأكثر رواتها المجبرة والمشبهة و المقلدة والغلاة والواقفية والفطحية، وغير هؤلاء، من فرق الشيعة المخالفة للاعتقاد الصحيح، ومن شرط خبر الواحد أن يكون روايه عدلا عند من أوجب العمل به، وإن عولت على عملهم دون روايتهم فقد وجدناهم علموا بما طريقه هؤلاء الذين ذكرناهم.

وذلك يدل على جواز العمل بأخبار الكفار والفساق.

قيل لهم: لسنا نقول إن جميع أخبار الآحاد يجوز العمل بها، بل لها شرائط نذكرها فيما بعد، ونشير ههنا إلى جملة من القول فيه.

فأما ما يرويه العلماء المعتقدون للحق فلا طعن على ذلك بهم، وأما ما يرويه قوم من المقلدة فالصحيح الذى أعتقده أن المقلد للحق وإن كان مخطئا في الاصل معفو عنه ولا أحكم فيه بحكم الفساق، ولا يلزم على هذا ترك ما نقلوه.

على أن من أشار إليهم لا نسلم أنهم كلهم مقلدة، بل لا يمتنع أن يكونوا عالمين بالدليل على سبيل الجملة، كما يقوله جماعة أهل العدل في كثير من أهل الاسواق والعامة.

وليس من حيث يتعذر عليهم إيراد الحجج ينبغي أن يكونوا غير عالمين، لان إيراد الحجج والمناظرة صناعة ليس يقف حصول المعرفة على حصولها.

كما قلنا في أصحاب الجملة.

وليس لاحد أن يقول: هؤلاء ليسوا من أصحاب الجملة، لانهم إذا سئلوا عن التوحيد أو العدل أو صفات الائمة أو صحة النبوة.قالوا روينا كذا، ويروون في ذلك كله الاخبار، وليس هذا طريق أصحاب الجملة.

وذلك أنه ليس يمتنع أن يكون هؤلاء أصحاب الجملة وقد حصل لهم المعارف بالله.غير أنهم لما تعذر

[149]

عليهم إيراد الحجج في ذلك، أحالوا على ما كان سهلا عليهم.وليس يلزمهم أن يعلموا أن ذلك لا يصح أن يكون دليلا إلا بعد أن يتقدم منهم المعرفة بالله.وإنما الواجب عليهم أن يكونوا عالمين.

وهم عالمون على الجملة، كما قررنا فما يتفرع عليه من الخطأ لا يوجب التكفير ولا التضليل.

وأما الفرق الذين أشار إليهم، من الواقفية والفطحية وغير ذلك فعن ذلك جوابان).

ثم ذكر الجوابين - وحاصل أحدهما كفاية الوثاقة في العمل بالخبر.

ولهذا قبل خبر إبن بكير وبني فضال وبني سماعة، وحاصل الثاني أنا لانعمل برواياتهم إلا إذا إنضم إليها رواية غيرهم.

ومثل الجواب الاخير ذكر في رواية الغلاة ومن هو متهم في نقله.

وذكر الجوابين أيضا في روايات المجبرة والمشبهة، بعد منع كونهم مجبرة و مشبهة، لان روايتهم لاخبار الجبر والتشبيه لا تدل على ذهابهم إليه.

ثم قال: فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون الذين أشرتم إليهم لم يعملوا بهذه الاخبار لمجردها، بل إنما علموا بها لقرائن إقترنت بها دلتهم على صحتها ولاجلها عملوا بها، ولو تجردت لما عملوا بها، وإذا جاز ذلك لم يمكن الاعتماد على عملهم بها.

قيل لهم: القرائن التي تقترن بالخبر وتدل على صحته أشياء مخصوصة نذكرها فيما بعد من الكتاب والسنة والاجماع والتواتر، ونحن نعلم أنه ليس في جميع المسائل التي إستعملوا فيها أخبار الآحاد ذلك، لانها أكثر من أن تحصى، لوجودها في كتبهم وتصانيفهم وفتاواهم، وليس في جميعها يمكن الاستدلال بالقرائن، لعدم ذكر ذلك في صريحه وفحواه أو دليله ومعناه، ولا في السنة المتواترة، لعدم ذكر ذلك في أكثر الاحكام، بل وجودها في مسائل معدودة، ولا في إجماع، لوجود الاختلاف في ذلك.فعلم أن دعوى القرائن في جميع ذلك دعوى محالة.

ومن ادعى القرائن في جميع ما ذكرنا كان السبر بيننا وبينه، بل كان معولا على ما يعلم ضرورة خلافه ومدعيا لما يعلم من نفسه ضده ونقيضه.

ومن قال عند ذلك: إني متى عدمت شيئا من القرائن حكمت بما كان يقتضيه العقل، يلزمه أن يترك أكثر الاخبار وأكثر الاحكام ولا يحكم فيها بشئ ورد الشرع به.

وهذا يرغب أهل العلم عنه، ومن صار إليه لا يحسن مكالمته، لانه يكون معولا على ما يعلم

[150]

ضرورة من الشرع خلافه)، إنتهى.

ثم أخذ في الاستدلال ثانيا على جواز العمل بهذه الاخبار: بأنا وجدنا أصحابنا مختلفين في المسائل الكثيرة في جميع أبواب الفقه، وكل منهم يستدل ببعض هذه الاخبار، ولم يعهد من أحد منهم تفسيق صاحبه وقطع المودة عنه، فدل ذلك على جوازه عندهم.

ثم استدل ثالثا على ذلك: بأن الطائفة وضعت الكتب لتمييز الرجال الناقلين لهذه الاخبار وبيان أحوالهم من حيث العدالة والفسق، والموافقة في المذهب و المخالفة، وبيان من يعتمد على حديثه ومن لا يعتمد، وإستثنوا الرجال من جملة ما رووه في التصانيف.وهذه عادتهم من قديم الوقت إلى حديثه.فلولا جواز العمل برواية من سلم عن الطعن لم يكن فائدة لذلك كله).إنتهى المقصود من كلامه، زاد الله في علو مقامه).

وقد أتى في الاستدلال على هذا المطلب بما لا مزيد عليه، حتى أنه أشار في جملة كلامه إلى دليل الانسداد، وأنه لو إقتصر على الادلة العلمية وعمل بأصل البراء‌ة في غيرها لزم ما علم ضرورة من الشرع خلافه.

فشكر الله سعيه.

ثم إن من العجب أن غير واحد من المتأخرين تبعوا صاحب المعالم في دعوى عدم دلالة كلام الشيخ على حجية الاخبار المجردة عن القرينة، قال في المعالم، على ما حكي عنه: (والانصاف أنه لم يتضح من حال الشيخ وأمثاله مخالفتهم للسيد، قدس سره، إذ كانت أخبار الاصحاب يومئذ قريبة العهد بزمان لقاء المعصوم، عليه السلام، وإستفادة الاحكام منه، وكانت القرائن المعاضدة لها متيسرة، كما اشار إليه السيد، قدس سره، ولم يعلم أنه اعتمدوا على الخبر المجرد ليظهر مخالفتهم لرأيه فيه.

وتفطن المحقق من كلام الشيخ لما قلناه، قال في المعارج: (ذهب شيخنا أبوجعفر، قدس سره، إلى العمل بخبر الواحد العدل من رواة أصحابنا.

لكن لفظه وإن كان مطلقا فعند التحقيق يتبين أنه لا يعمل بالخبر مطلقا، بل بهذه الاخبار التي رويت عن الائمة، عليهم السلام، ودونها الاصحاب، لا أن كل خبر يرويه

[151]

عدل إمامي يجب العمل به.هذا هو الذي تبين لي من كلامه.ويدعى إجماع الاصحاب على العمل بهذه الاخبار.

حتى لو رواها غير الامامي وكان الخبر سليما عن المعارض واشتهر نقله في هذه الكتب الدائرة بين الاصحاب عمل به)، إنتهى.

قال، بعد نقل هذا عن المحقق: (وما فهمه المحقق من كلام الشيخ هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه، لا ما نسبه العلامة إليه)، إنتهى كلام صاحب المعالم.

وأنت خبير بأن ما ذكره في وجه الجمع، من تيسر القرائن وعدم إعتمادهم على الخبر المجرد، قد صرح الشيخ في عبارته المتقدمة ببداهة بطلانه، حيث قال: (إن دعوى القرائن في جميع ذلك دعوى محالة، فأن المدعي لها معول على ما يعلم ضرورة خلافه ويعلم من نفسه ضده ونقيضه).

و الظاهر بل المعلوم أنه، قدس سره، لم يكن عنده كتاب العدة.

وقال المحدث الاسترابادي في محكي الفوائد المدنية: (إن الشيخ، قدس سره، لا يجيز العمل إلا بالخبر المقطوع بصدوره عنهم.وذلك هو مراد المرتضى، قدس سره، فصارت المناقشة لفظية، لا كما توهمه العلامة ومن تبعه).

إنتهى كلامه.

وقال بعض من تأخر عنه من الاخباريين في رسالته، بعدما استحسن ما ذكره صاحب المعالم: (ولقد أحسن النظر وفهم طريقة الشيخ والسيد، قدس سرهما، من كلام المحقق، قدس سره، كما هو حقه.

والذي يظهر منه أنه لم ير عدة الاصول للشيخ، وإنما فهم ذلك مما نقله المحقق، قدس سره، ولو رآها لصدع بالحق أكثر من هذا.وكم له من تحقيق أبان من غفلات المتأخرين، كوالده وغيره.وفيما ذكره كفاية لمن طلب الحق وعرفه.

وقد تقدم كلام الشيخ، وهو صريح فيما فهمه المحقق، قدس سره، وموافق لما يقوله السيد، قدس سره، فليراجع.

والذي أوقع العلامة في هذا الوهم ما ذكره الشيخ في العدة، من أنه يجوز العمل بخبر العدل الامامي، ولم يتأمل بقية الكلام، كما تأمله المحقق، ليعلم أنه إنما يجوز العمل بهذه الاخبار التي روتها الاصحاب واجتمعوا على جواز العمل بها.

وذلك مما يوجب العلم بصحتها، لا ان كل خبر يرويه عدم إمامي يجب العمل

[152]

به، وإلا فكيف يظن بأكابر الفرقة الناجية وأصحاب الائمة، صلوات الله عليهم - مع قدرتهم على أخذ اصول الدين وفروعه منهم - عليهم السلام - بطريق اليقين: أن يعولوا فيهما على أخبار الآحاد المجردة.

مع أن مذهب العلامة وغيره أنه لا بد في أصول الدين من الدليل القطعي وأن المقلد في ذلك خارج عن ربقة الاسلام.

وللعلامة وغيره كثير من هذا الغفلات لالفة أذهانهم بأصول العامة.

ومن تتبع كتب القدماء وعرف أحوالهم، قطع بأن الاخباريين من أصحابنا لم يكونوا يعولون في عقائدهم إلا على الاخبار المتواترة أو الآحاد المحفوفة بالقرائن المفيدة للعلم.

وأما خبر الواحد فيوجب عندهم الاحتياط دون القضاء والافتاء، والله الهادي)، إنتهى كلامه.

أقول: أما دعوى دلالة كلام الشيخ في العدة على عمله بالاخبار المحفوفة بالقرائن العلمية دون االمجردة عنها، وأنه ليس مخالفا للسيد، قدس سرهما، فهو كمصادمة الضرورة، فإن في العبارة المتقدمة من العدة، وغيرها مما لم نذكرها، مواضع تدل على مخالفة السيد، نعم يوافقه في العمل بهذه الاخبار المدونة.

إلا أن السيد يدعي تواترها له واحتفافها بالقرينة المفيدة للعلم، كما صرح به في محكي كلامه، في جواب المسائل التبانيات، من: (أن أكثر أخبارنا المروية في كتبنا معلومة مقطوع على صحتها، إما بالتواتر أو بأمارة وعلامة تدل على صحتها وصدق رواتها، فهي موجبة للعلم مفيدة للقطع وإن وجدناها في الكتب مودعة بسند مخصوص من طريق الآحاد)، إنتهى.

والشيخ يأبى عن إحتفافها بها، كما عرفت من كلامه السابق في جواب ما أورده على نفسه، بقوله: (فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون الذين أشرتم إليهم لم يعملوا بهذه الاخبار بمجردها، بل إنما عملوا بها لقرائن إقترنت بها دلتهم على صحتها)، إلى آخر ما ذكره.

ومجرد عمل السيد والشيخ بخبر خاص - لدعوى الاول تواتره، والثاني كون خبر الواحد حجة - لا يلزم منه توافقهما في مسألة حجية خبر الواحد.

فإن الخلاف فيها يثمر في خبر يدعي السيد تواتره ولا يراه الشيخ جامعا لشرائط الخبر المعتبر وفي خبر يراه الشيخ جامعا ولم يحصل تواتره للسيد، إذ ليس جميع ما دون في الكتب متواترا عند السيد ولا جامعا لشرائط الحجية عند الشيخ.

[153]

ثم إن إجماع الاصحاب الذي إدعاه الشيخ على العمل بهذه الاخبار لا يصير قرينة لصحتها بحيث تفيد العلم حتى كون حصول الاجماع للشيخ قرينة عامة لجميع هذه الاخبار.

كيف وقد عرفت إنكاره للقرائن حتى لنفس المجمعين ولو فرض كون الاجماع على العمل قرينة، لكنه غير حاصل في كل خبر بحيث يعلم أو يظن أن هذا الخبر بالخصوص، وكذا ذاك وذاك مما اجمع على العمل به، كما لا يخفى.

بل المراد الاجماع على الرجوع إليها والعمل بها بعد حصول الوثوق من الراوي أو من القرائن.

ولذا إستثنى القميون كثيرا من رجال نوادر الحكمة، مع كونه من الكتب المشهورة المجمع على الرجوع إليها، واستثنى إبن الوليد من روايات العبيدي ما يرويها عن يونس، مع كونها في الكتب المشهورة.

والحاصل أن معنى الاجماع على العمل بها عدم ردها من جهة كونها أخبار آحاد، لا الاجماع [ على العمل ] بكل خبر منها.

ثم إن ما ذكره - من تمكن أصحاب الائمة، عليهم السلام، من أخذ الاصول والفروع بطريق اليقين - دعوى ممنوعة واضحة المنع.

وأقل ما يشهد عليها ما علم بالعين والاثر من إختلاف أصحابهم - صلوات الله عليهم - في الاصول والفروع، ولذا شكى غير واحد من أصحاب الائمة، عليهم السلام، إليهم إختلاف أصحابهم، فأجابوهم تارة بأنهم، عليهم السلام، قد ألقوا الاختلاف بينهم حقنا لدمائهم، كما في رواية حريز وزرارة وأبي أيوب الخزاز، وأخرى أجابوهم بأن ذلك من جهة الكذابين، كما في رواية فيض بن المختار: (قال: قلت لابي عبدالله عليه السلام: جعلني الله فداك، ما هذا الاختلاف الذي بين شيعتكم؟ قال: (وأي الاختلاف؟ يا فيض !)، قلت له: إني أجلس في حلقهم بالكوفة وأكاد أشك في إختلافهم في حديثهم، حتى أرجع إلى المفضل بن عمر، فيوقفني من ذلك على ما تستريح به نفسي.

فقال عليه السلام: أجل، كما ذكرت يا فيض ! إن الناس قد أولعوا بالكذب علينا، كأن الله إفترض عليهم ولا يريد منهم غيره.

إني أحدث أحدهم بحديث، فلا يخرج من عندي حتى يتأوله على غير تأويله.

وذلك لانهم لا يطلبون بحديثنا وبحبنا ما عند الله تعالى، وكل يحب أن يدعى رأسا).

وقريب منها: رواية داود بن سرحان، وإستثناء القميين كثيرا من رجال نوادر الحكمة معروف،

[154]

وقصة إبن أبي العوجاء أنه قال عند قتله: (قد دسست في كتبكم أربعة آلاف حديث) مذكورة في الرجال.

وكذا ما ذكره يونس بن عبدالرحمن، من أنه أحاديث كثيرة من أصحاب الصادقين، عليهما السلام ثم عرضها على أبي الحسن الرضا، عليه السلام، فانكر منها أحاديث كثيرة، إلى غير ذلك مما يشهد بخلاف ما ذكره.

وأما ما ذكره - من عدم الاخباريين في عقائدهم إلا على الاخبار المتواترة والآحاد العلمية - ففيه: أن الاظهر في مذهب الاخباريين ما ذكره العلامة، من أن الاخباريين لم يعولوا في أصول الدين وفروعه إلا على أخبار الآحاد.

ولعلهم المعنيون مما ذكره الشيخ في كلامه السابق في المقلدة، أنهم إذا سئلوا عن التوحيد وصفات الائمة والنبوة، قالوا: روينا كذا، وأنهم يروون في ذلك الاخبار.

وكيف كان، فدعوى دلالة كلام الشيخ في العدة على موافقة السيد، في غاية الفساد.

لكنها غير بعيدة ممن يدعي قطعية صدور أخبار الكتب الاربعة، لانه إذا ادعى القطع لنفسه بصدور الاخبار التي أودعها الشيخ في كتابيه، فكيف يرضى للشيخ ومن تقدم عليه من المحدثين أن يعملوا بالاخبار المجردة عن القرينة.

وأما صاحب المعالم، قدس سره، فعذره أنه لم يحضره عدة الشيخ حين كتابة هذا الموضع، كما حكي عن بعض حواشيه واعترف به هذا الرجل.

وأما المحقق، قدس سره، فليس في كلامه المتقدم منع دلالة كلام الشيخ على حجية خبر الواحد المجرد مطلقا، وإنما منع من دلالته على الايجاب الكلي، وهو أن كل خبر يرويه عدل إمامي يعمل به، وخص مدلوله بهذه الاخبار التي دونها الاصحاب وجعله موافقا لما إختاره في المعتبر من التفصيل في أخبار الآحاد المجردة بعد ذكر الاقوال فيها، وهو: (أن ما قبله الاصحاب أو دلت القرائن على صحته عمل به، وما أعرض الاصحاب عنه أو شذ يجب طرحه) إنتهى.

والانصاف: أن ما فهمه العلامة من إطلاق قول الشيخ بحجية خبر العدل الامامي أظهر مما فهمه المحقق من التقييد، لان الظاهر أن الشيخ إنما يتمسك بالاجماع على العمل بالروايات المدونة في كتب الاصحاب على حجية مطلق خبر العدل الامامي، بناء منه على أن الوجه في عملهم بها كونها أخبار عدول.

وكذا ما ادعاه من الاجماع على العمل بروايات الطوائف الخاصة من غير الامامية، وإلا فلم يأخذه في عنوان مختاره ولم يشترط كون الخبر مما رواه الاصحاب وعملوا به،

[155]

فراجع كلام الشيخ وتأمله، والله العالم، وهو الهادي إلى الصواب.

ثم إنه لا يبعد وقوع مثل هذا التدافع بين دعوى السيد ودعوى الشيخ، مع كونهما معاصرين خبيرين بمذهب الاصحاب في العمل بخبر الواحد.

فكم من مسألة فرعية وقع الاختلاف بينهما في دعوى الاجماع فيها.

مع أن المسألة الفرعية أولى بعدم خفاء مذهب الاصحاب فيها عليهما، لان المسائل الفرعية معنونة في الكتب مفتى بها غالبا بالخصوص.

نعم قد يتفق دعوى الاجماع بملاحظة قواعد الاصحاب، والمسائل الاصولية لم تكن معنونة في كتبهم.

إنما المعلوم من حالهم أنهم عملوا بأخبار وطرحوا أخبارا.

فلعل وجه عملهم بما عملوا كونه متواترا أو محفوفا عندهم، بخلاف ما طرحوا، على ما يدعيه السيد، قدس سره، على ما صرح به في كلامه المتقدم، من أن الاخبار المودعة في الكتب بطريق الآحاد متواترة أو محفوفة.

ونص في مقام آخر على أن معظم الاحكام يعلم بالضرورة والاخبار المعلومة.

ويحتمل كون الفارق بين ما عملوا وما طرحوا مع إشتراكهما في عدم التواتر والاحتفاف فقد شرط العمل في أحدهما دون الاخر على ما يدعيه الشيخ، قدس سره، على ما صرح به في كلامه المتقدم، من الجواب عن إحتمال كون عملهم بالاخبار لاقترانها بالقرائن.

نعم لا يناسب ما ذكرنا من الوجه تصريح السيد بأنهم شددوا الانكار على العامل بخبر الواحد.

ولعل الوجه فيه: ما اشار إليه الشيخ في كلامه المتقدم بقوله: (إنهم منعوا من الاخبار التي رواها المخالفون في المسائل التي روى أصحاب خلافها).

واستبعد هذا صاحب المعالم في حاشية منه على هامش المعالم، بعدما حكاه عن الشيخ: (بأن الاعتراف بانكار عمل الامامية بأخبار الآحاد لا يعقل صرفه إلى روايات مخالفيهم، لان إشتراط العدالة عندهم وإنتفاء‌ها في غيرهم كاف في الاضراب عنها، فلا وجه للمبالغة في نفي العمل بخبر يروونه)، إنتهى.

وفيه: أنه يمكن أن يكون إظهار هذا المذهب للتجنن به في مقام لا يمكنهم التصريح بفسق الراوي، فاحتالوا في ذلك بأنا لا نعمل إلا بما حصل لنا القطع بصدقه بالتواتر أو بالقرائن، ولا دليل عندنا على العمل بالخبر الظني وإن كان راويه غير مطعون.

وفي عبارة الشيخ المتقدمة إشارة

[156]

إلى ذلك حيث خص إنكار الشيوخ للعمل بالخبر المجرد بصورة المناظرة مع خصومهم.

والحاصل: أن الاجماع الذي ادعاه السيد، قدس سره، قولي، وما إدعاه الشيخ، قدس سره، إجماع عملي، والجمع بينهما يمكن بحمل عملهم على ما احتف بالقرينة عندهم، وبحمل قولهم على ما ذكرنا من الاحتمال في دفع الروايات الواردة فيما لا يرضونه من المطالب.

والحمل الثاني مخالف لظاهر القول، والحمل الاول ليس مخالفا لظاهر العمل، لان العمل مجمل من أجل الجهة التي وقع عليها.

إلا أن الانصاف: أن القرائن تشهد بفساد الحمل الاول، كما سيأتي.

فلا بد من حمل قول من حكى عنهم السيد المنع، إما على ما ذكرنا، من إرادة دفع أخبار المخالفين التي لا يمكنهم ردها بفسق الراوي، وإما على ما ذكره الشيخ، من كونهم جماعة معلومي النسب لا يقدح مخالفتهم بالاجماع.

ويمكن الجمع بينهما بوجه آخر: وهو أن مراد السيد، قدس سره، من العلم الذي إدعاه في صدق الاخبار هو مجرد الاطمينان، فإن المحكي عنه، قدس سره، في تعريف العلم أنه ما اقتضى سكون النفس.

وهو الذي ادعى بعض الاخباريين أن مرادنا بالعلم بصدور الاخبار هو هذا المعنى، لا اليقين الذي لا يقبل الاحتمال رأسا.

فمراد الشيخ من تجرد هذه الاخبار عن القرائن تجردها عن القرائن الاربع التي ذكرها أولا، وهي موافقة الكتاب أو السنة أو الاجماع أو دليل العقل.

ومراد السيد من القرائن التي إدعى في عبارته المتقدمه إحتفاف أكثر الاخبار بها هي الامور الموجبة للوثوق بالراوي أو بالرواية بمعنى سكون النفس بهما وركونها إليهما.

وحينئذ فيحمل إنكار الامامية للعمل بخبر الواحد على إنكارهم للعمل به تعبدا، أو لمجرد حصول رجحان بصدقه على ما يقوله المخالفون.

والانصاف: أنه لم يتضح من كلام الشيخ دعوى الاجماع على أزيد من الخبر الموجب لسكون النفس ولو بمجرد وثاقة الراوى وكونه سديدا في نقله لم يطعن في روايته.

ولعل هذا الوجه أحسن وجوه الجمع بين كلامي الشيخ والسيد، قدس سرهما، خصوصا مع ملاحظة تصريح السيد، قدس سره، في كلامه بأن أكثر الاخبار متواترة أو محفوفة، وتصريح الشيخ، قدس سره، في كلامه المتقدم بإنكار ذلك.

وممن نقل الاجماع على حجية أخبار الآحاد: السيد الجليل رضي الدين إبن طاووس، حيث قال في جملة كلام له يطعن فيه على السيد، قدس سره،: (ولا يكاد تعجبي ينقضى كيف إشتبه عليه أن الشيعة تعمل بأخبار الآحاد

[157]

في الامور الشرعية، ومن إطلع على التواريخ والاخبار وشاهد عمل ذوي الاعتبار، وجد المسلمين والمرتضى وعلماء الشيعة الماضين عاملين بأخبار الآحاد بغير شبهة عند العارفين، كما ذكر محمد بن الحسن الطوسي في كتاب العدة وغيره من المشغولين بتصفح أخبار الشيعة وغيرهم من المصنفين)، إنتهى.

وفيه دلالة على أن غير الشيخ من العلماء أيضا إدعى الاجماع على عمل الشيعة بأخبار الآحاد.

وممن نقل الاجماع أيضا العلامة، رحمه الله، في النهاية حيث قال: (إن الاخباريين منهم لم يعولوا في أصول الدين وفروعه إلا على أخبار الآحاد، و الاوصوليين منهم، كأبي جعفر الطوسي عمل بها ولم ينكره سوى المرتضى وأتباعه، لشبهة حصلت لهم)، إنتهى.

وممن إدعاه أيضا المحدث المجلسي، قدس سره، في بعض رسائله، حيث إدعى تواتر الاخبار و عمل الشيعة في جميع الاعصار على العمل بخبر الواحد.

ثم إن مراد العلامة، قدس سره، من الاخباريين يمكن أن يكون مثل الصدوق وشيخه ، قدس سرهما، حيث أثبتا السهو للنبي، صلى الله عليه وآله، والائمة، عليهم السلام، لبعض أخبار الآحاد، وزعما أن نفيه عنهم، عليهم السلام، أول درجة في الغلو، ويكون ما تقدم في كلام الشيخ من المقلدة الذين إذا سئلوا عن التوحيد وصفات النبي " ص " والائمة عليهم السلام قالوا: روينا كذا، ورووا في ذلك الاخبار.

وقد نسب الشيخ، قدس سره، في هذا المقام من العدة العمل بأخبار الآحاد في أصول الدين إلى بعض غفلة أصحاب الحديث.

ثم إنه يمكن أن يكون الشبهة التي ادعى العلامة، قدس سره، حصولها للسيد وأتباعه هو زعم الاخبار التي عمل بها الاصحاب ودونوها في كتبهم محفوفة عندهم بالقرائن، أو أن من قال من شيوخهم بعدم حجية أخبار الآحاد أراد بها مطلق الاخبار، حتى الاخبار الواردة من طرق أصحابنا مع وثاقة الراوي، أو أن مخالفته لاصحابنا في هذه المسألة لاجل شبهة حصلت له، فخالف المتفق عليه بين الاصحاب.

ثم إن دعوى الاجماع على العمل بأخبار الآحاد، وإن لم يطلع عليها صريحة في كلام غير الشيخ

[158]

وإبن طاووس والعلامة والمجلسي، قدست أسرارهم، إلا أن هذه الدعوى منهم مقرونة بقرائن تدل على صحتها وصدقها، فخرج عن الاجماع المنقول بخبر الواحد المجرد عن القرينة ويدخل في المحفوف بالقرينة، وبهذا الاعتبار يتمسك بها على حجية الاخبار.

بل السيد، قدس سره، قد إعترف في بعض كلامه المحكي، كما يظهر منه، بعمل الطائفة بأخبار الآحاد، إلا أنه يدعي أنه لما كان من المعلوم عدم علمهم بالاخبار المجردة، كعدم علمهم بالقياس، فلا بد من حمل موارد عملهم على الاخبار المحفوفة.

قال في الموصليات، على ما حكي عنه في محكي السرائر: (إن قيل: أليس شيوخ هذا الطائفة عولوا في كتبهم في الاحكام الشرعية على الاخبار التي رووها عن ثقاتهم وجعلوها العمدة والحجة في الاحكام حتى رووا عن ائمتهم، عليهم السلام، فيما يجئ مختلفا من الاخبار عند عدم الترجيح أن يؤخذ منه ما هو أبعد من قول العامة، وهذا يناقض ما قدمتموه.

قلنا: ليس ينبغي أن يرجع عن الامور المعلومة المشهورة المقطوع عليها إلى ما هو مشتبه وملتبس ومجمل، وقد علم كل موافق ومخالف أن الشيعة الامامية تبطل القياس في الشريعة حيث لا يؤدي إلى العلم، وكذلك نقول في أخبار الآحاد)، إنتهى المحكي عنه.

وهذا الكلام، كما ترى، يظهر منه عمل الشيوخ بأخبار الآحاد، إلا أنه، قدس سره، إدعى معلومية خلافه من مذهب الامامية، فترك هذا الظهور أخذا بالمقطوع، ونحن نأخذ بما ذكره أولا، لاعتضاده بما يوجب الصدق، دون ما ذكره أخيرا، لعدم ثبوته إلا من قبله.

وكفى بذلك موهنا، بخلاف الاجماع المدعى من الشيخ والعلامة، فإنه معتضد بقرائن كثيرة تدل على صدق مضمونها وأن الاصحاب عملوا بالخبر الغير العلمي في الجملة: فمن تلك القرائن: ما إدعاه الكشي من إجماع العصابة على تصحيح ما يصح عن جماعة.

فإن من المعلوم أن معنى التصحيح المجمع عليه هو عد خبره صحيحا، بمعنى علملهم به، لا القطع بصدوره، إذ الاجماعه وقع على التصحيح، لا على الصحة، مع أن الصحة عندهم على ما صرح به غير واحد عبارة عن الوثوق والركون، لا القطع واليقين.

[159]

ومنها: دعوى النجاشي أن مراسيل إبن أبي عمير مقبولة عند الاصحاب.

وهذه العبارة تدل على عمل الاصحاب بمراسيل مثل إبن أبي عمير، لا من أجل القطع بالصدور، بل لعلمهم أنه لا يروي أو لا يرسل إلا عن ثقة.

فولا قبولهم لما يسنده الثقة إلى الثقة لم يكن وجه لقبول مراسيل إبن أبي عمير الذي لا يروي إلا عن الثقة، والاتفاق المذكور قد إدعاه الشهيد في الذكرى أيضا.

وعن كاشف الرموز تلميذ المحقق: أن الاصحاب عملوا بمراسيل البزنطي.

ومنها: ما ذكره إبن إدريس في رسالة خلاصة الاستدلال التي صنفها في مسألة فورية القضاء، في مقام دعوى الاجماع على المضايقة وأنها مما أطبقت عليه الامامية إلا نفر يسير من الخراسانيين، قال في مقام تقريب الاجماع: (إن إبني بابويه، والاشعريين، كسعد به عبدالله وسعيد بن سعد ومحمد بن علي بن محبوب، والقميين أجمع، كعلي بن إبراهيم ومحمد بن الحسن بن الوليد، عاملون بالاخبار المتضمنة للمضايقة، لانهم ذكروا أنه لا يحل رد الخبر الموثوق برواته) إنتهى.

فقد استدل على مذهب الامامية بذكرهم لاخبار المضايقة وذهابهم إلى العمل برواية الثقة، فاستنتج من هاتين المقدمتين ذهابهم إلى المضايقة.

وليت شعري إذا علم إبن إدريس أن مذهب هؤلاء - الذين هم أصحاب الائمة، عليهم السلام، ويحصل العلم بقول الامام، عليه السلام، من إتفاقهم - وجوب العمل برواية الثقة وأنه لا يحل ترك العمل بها، فكيف تبع السيد في مسألة خبر الواحد، إلا أن يدعى أن المراد بالثقة من يفيد قوله القطع - وفيه ما لا يخفى - أو يكون مراده ومراد السيد، قدس سرهما، من الخبر العلمي ما يفيد الوثوق والاطمينان، لا ما يوجب اليقين، على ما ذكرناه سابقا في الجمع بين كلامي السيد والشيخ، قدس سرهما.

ومنها: ما ذكره المحقق في المعتبر، في مسألة خبر الواحد، حيث قال: (أفرط الحشوية في العمل بخبر الواحد حتى إنقادوا لكل خبر، وما فطنوا لما تحته من التناقض، فإن من جملة الاخبار قول النبي صلى الله عليه وآله: (ستكثر بعدي القالة علي)، وقول الصادق عليه السلام: (إن لكل رجل منا رجلا يكذب

[160]

عليه).وإقتصر بعضهم عن هذا الافراط فقال: (كل سليم السند يعلم به).

وما علم أن الكاذب قد يصدق، ولم يتنبه على أن ذلك طعن في علماء الشيعة وقدح في المذهب، إذ ما من مصنف إلا وهو يعمل بخبر المجروح كما يعمل بخبر العدل.

وأفرط آخرون في طريق رد الخبر حتى أحالوا إستعماله عقلا.

واقتصر آخرون، فلم يروا العقل مانعا، لكن الشرع لم يأذن في العمل به.

وكل هذه الاقوال منحرفة عن السنن.

والتوسط أقرب، فما قبله الاصحاب أو دلت القرائن على صحته عمل به، وما أعرض عنه الاصحاب أو شذ يجب إطراحه) إنتهى.

وهو - كما ترى - ينادي بأن علماء الشيعة قد يعملون بخبر المجروج كما يعملون بخبر العدل.

وليس المراد عملهم بخبر المجروح والعدل إذا أفاد العلم بصدقه، لان كلامه في الخبر الغير العلمي، وهو الذي أحال قوم إستعماله عقلا ومنعه آخرون شرعا.

ومنها: ما ذكره الشهيد في الذكرى، والمفيد الثاني ولد شيخنا الطوسي، من أن الاصحاب قد عملوا بشرائع الشيخ أبي الحسن علي بن بابويه عند إعواز النصوص تنزيلا لفتاواه منزلة رواياته.

ولولا عمل الاصحال برواياته الغير العلمية لم يكن وجه للعمل بتلك الفتاوى عند عدم رواياته.

ومنها: ما ذكره المجلسي في البحار في تأويل بعض الاخبار التي تقدم ذكرها في دليل السيد وأتباعه مما دل على المنع من العمل بالخبر الغير المعلوم الصدور، من: (أن عمل أصحاب الائمة، عليهم السلام، بالخبر الغير العلمي متواتر بالمعنى).

ولا يخفى: أن شهادة مثل هذا المحدث الخبير الغواص في بحار أنوار أخبار الائمة الاطهار بعمل أصحاب الائمة، عليهم السلام، بالخبر الغير العلمي، ودعواه حصول القطع له بذلك من جهة التواتر، لا يقصر عن دعوى الشيخ والعلامة الاجماع على العمل بأخبار الآحاد.

وسيأتي أن المحدث الحر العاملي في الفصول المهمه إدعى أيضا تواتر الاخبار بذلك.

ومنها: ما ذكره شيخنا البهائي في مشرق الشمسين من: (أن الصحيح عند القدماء ما كان محفوفا بما يوجب ركون النفس إليه).

[161]

وذكر فيما يوجب الوثوق أمورا لا تفيد إلا الظن، ومعلوم أن الصحيح عندهم هو المعمول به، وليس هذا مثل الصحيح عند المتأخرين في أنه قد لا يعمل به، لاعراض الاصحاب عنه أو لخلل آخر.

فالمراد أن المقبول عندهم ما تركن إليه النفس وتثق به.

هذا ما حضرني من كلمات الاصحاب، الظاهرة في دعوى الاتفاق على العمل بخبر الواحد الغير العلمي في الجملة، المؤيدة لما إدعاه الشيخ والعلامة.

وإذا ضممت إلى ذلك كله ذهاب معظم الاصحاب بل كلهم، عدا السيد وأتباعه، من زمان الصدوق إلى زماننا هذا، إلى حجية الخبر الغير العلمي، حتى أن الصدوق تابع في التصحيح والرد لشيخه إبن الوليد، وأن ما صححه فهو صحيح وأن ما رده فهو مردود، كما صرح به في صلاة الغدير في الخبر الذي رواه في العيون عن كتاب الرحمة، ثم ضممت إلى ذلك ظهور عبارة أهل الرجال في تراجم كثير من الرواة في كون العمل بالخبر الغير العلمي مسلما عندهم، مثل قولهم: فلان لا يعتمد على ما ينفرد به، وفلان مسكون في روايته، وفلان صحيح الحديث، والطعن في بعض بأنه يعتمد الضعفاء والمراسيل، إلى غير ذلك، وضممت إلى ذلك ما يظهر من بعض أسؤلة الروايات السابقة، من أن العمل بالخبر الغير العلمي كان مفروغا عنه عند الرواة - تعلم علما يقينا صدق ما ادعاه الشيخ من إجماع الطائفة.

والانصاف: أنه لم يحصل في مسألة يدعي فيها الاجماع من الاجماعات المنقولة والشهرة العظيمة القطعية والامارات الكثيرة الدالة على العمل ما حصل في هذه المسألة، فالشاك في تحقق الاجماع في هذه المسألة، لا أراه يحصل له الاجماع في مسألة من المسائل الفقهية، اللهم إلا في ضروريات المذهب.

لكن الانصاف: أن المتيقن من هذا كله الخبر المفيد للاطمينان، لا مطلق الظن.ولعله مراد السيد من العلم، كما أشرنا إليه آنفا.

بل ظاهر كلام بعض إحتمال أن يكون مراد السيد، قدس سره، من خبر غير مراد الشيخ، قدس سره.

قال الفاضل القزويني في لسان الخواص، على ما حكي عنه: (إن هذه الكلمة، أعني خبر الواحد، على ما يستفاد من تتبع كلماتهم، يستعمل في ثلاثة معان: أحدهما الشاذ النادر الذي لم يعمل به أحد، أو ندر من يعمل به، ويقابله ما

[162]

عمل به كثيرون.

الثاني: ما يقابل المأخوذ من الثقات المحفوظ في الاصول المعمولة عند جميع خواص الطائفة، فيشمل الاول ومقابله.

الثالث: ما يقابل المتواتر القطعي الصدور، وهذا يشمل الاولين وما يقابلهما).

ثم ذكر ما حاصله: (إن ما نقل إجماع الشيعة على إنكاره هو الاول، وما انفرد السيد، قدس سرة، برده هو الثاني.

وأما الثالث: فلم يتحقق من أحد نفيه على الاطلاق)، إنتهى.

وهو كلام حسن.

وأحسن منه ما قدمناه، من أن المراد السيد من العلم ما يشمل الظن الاطميناني، كما يشهد به التفسير المحكي عنه للعلم: بأنه ما اقتضى سكون النفس، والله العالم.

الثاني: من وجوه تقرير الاجماع أن يدعي الاجماع، حتى من السيد وأتباعه، على وجوب العمل بالخبر الغير العلمي، في زماننا هذا وشبهه مما انسد فيه باب القرائن المفيدة للعلم بصدق الخبر، فإن الظاهر أن السيد إنما منع من ذلك لعدم الحاجة إلى خبر الواحد المجرد.

كما يظهر من كلامه المتضمن للاعتراض على نفسه، بقوله: (فإن قلت: إذا سددتم طريق العمل بأخبار الآحاد، فعلى أي شئ تعولون في الفقه كله).

فأجاب بما حاصله: إن معظم الفقه يعلم بالضرورة والاجماع والاخبار العلمية.

وما يبقى من المسائل الخلافية يرجع فيها إلى التخيير).

وقد إعترف السيد، رحمه الله، في بعض كلامه على ما في المعالم، بل وكذا الحلي في بعض كلامه، على ما هو ببالي: بأن العمل بالظن متعين فيما لا سبيل فيه إلى العلم.

الثالث: من وجوه تقرير الاجماع إستقرار سيرة المسلمين طرا على إستفادة الاحكام الشرعية من أخبار الثقات المتوسطة بينهم و بين الامام، عليه السلام، أو المجتهد.

أترى أن المقلدين يتوقفون في العمل بما يخبرهم الثقة عن المجتهد، أو الزوجة تتوقف فيما يحيكه زوحها من المجتهد في مسائل حيضها وما يتعلق بها إلى أن يعلموا من المجتهد تجويز العمل بالخبر الغير

عنوان

[163]

العلمي؟ وهذا مما لا شك فيه.ودعوى حصول القطع لهم في جميع الموارد بعيدة عن الانصاف.

نعم المتيقن من ذلك صورة حصول الاطمينان بحيث لا يعتنى باحتمال الخلاف.

وقد حكي إعتراض السيد، قدس سره، على نفسه: ب‍ (أنه لا خلاف بين الامة في أن من وكل وكيلا أو إستناب صديقا في إبتياع أمة أو عقد على إمرأة في بلدته أو في بلاد نائية - فحمل إليه الجارية وزف إليه المرأة، وأخبره أنه أزاح العلة في ثمن الجارية ومهر المرأة وأنه اشترى هذه وعقد على تلك: - إن له وطئها والانتفاع بها في كل ما يسوغ للمالك والزوج.

وهذه سبيله مع زوجته وأمته إذ أخبرته بطهرها وحيضها، ويرد الكتاب على المرأة بطلاق زوجها أو بموته فتتزوج، وعلى الرجل بموت إمرأته، فيتزوج أختها.

وكذا لا خلاف بين الامة في أن للعالم أن يفتي وللعامي أن يأخذ منه مع عدم علم أن ما أفتى به من شريعة الاسلام وأنه مذهبه).

فأجاب بما حاصله: (إنه إن كان الغرض من هذه الرد على من أحال التعبد بخبر الواحد فمتوجه، فلا محيص، وإن كان الغرض الاحتجاج به على وجوب العمل بأخبار الآحاد في التحليل والتحريم، فهذه مقامات ثبت فيها التعبد بأخبار الآحاد من طرق علمية من إجماع وغيره على أنحاء مختلفة، في بعضها لا يقبل إلا إخبار أربعة، وفي بعضها لا يقبل إلا عدلان، وفي بعضها يكفي قول العدل الواحد، وفي بعضها يكفي خبر الفاسق والذمي، كما في الوكيل ومبتاع الامة والزوجة في الحيض والطهر.

وكيف يقاس على ذلك رواية الاخبار في الاحكام).

أقول: المعترض، حيث إدعى الاجماع على العمل في الموارد المذكورة، فقد لقن الخصم طريق إلزامه والرد عليه بأن هذه الموارد للاجماع ولو إدعى إستقرار سيرة المسلمين على العمل في الموارد المذكورة وإن لم يطلعوا على كون ذلك إجماعا عند العلماء كان أبعد عن الرد، فتأمل.

الرابع: [ من وجوه تقرير الاجماع ] إستقرار طريقة العقلاء طرا على الرجوع إلى خبر الثقة في أمورهم العادية، ومنها الاوامر الجارية من الموالي إلى العبيد.

[164]

فنقول: إن الشارع إن إكتفى بذلك منهم في الاحكام الشرعية فهو، وإلا وجب عليه ردعهم و تنبيههم على بطلان سلوك هذا الطريق في الاحكام الشرعية، كما ردع في مواضع خاصة.

وحيث لم يردع علم منه رضاه بذلك، لان اللازم في باب الاطاعة والمعصية الاخذ بما يعد طاعة في العرف و ترك ما يعد معصية، كذلك.

فإن قلت: يكفي في ردعهم الايات المتكاثرة والاخبار المتظافرة بل المتواترة على حرمة العمل بما عدا العلم.

قلت: قد عرفت إنحصار دليل حرمة العمل بما عدا العلم في أمرين وأن الايات والاخبار راجعة إلى أحدهما.

الاول: أن العمل بالظن والتعبد به من دون توقيف من الشارع تشريع محرم بالادلة الاربعة.

والثاني أن فيه طرحا لادلة الاصول العملية واللفظية التي إعتبرها الشارع عند عدم العلم بخلافها.

وشئ من هذين الوجهين لا يوجب ردعهم عن العمل، لكون حرمة العمل بالظن من أجلهما مركوزا في ذهن العقلاء، لان حرمة التشريع ثابت عندهم، والاصول العملية واللفظية معتبرة عندهم، مع عدم الدليل على الخلاف.

ومع ذلك نجد بناء‌هم على العمل بالخبر الموجب للاطمينان.

والسر في ذلك عدم جريان الوجهين المذكورين بعد إستقرار سيرة العقلاء على العمل بالخبر، لانتفاء التشريع، مع بناء‌هم على سلوكه في مقام الاطاعة والمعصية، فإن الملتزم بفعل ما أخبر الثقة بوجوبه وترك ما أخبر بحرمته لا يعد مشرعا، بل لا يشكون في كونه مطيعا، ولذا يعولون عليه في أوامرهم العرفية من الموالي إلى العبيد، مع أن قبح التشريع عند العقلاء لا يختص بالاحكام الشرعية.

وأما الاصول المقابلة للخبر، فلا دليل على جريانها في مقابل خبر الثقة، لان الاصول التي مدركها حكم العقل، لا الاخبار، لقصورها عن إفادة إعتبارها، كالبراء‌ة والاحتياط والتخيير، لا إشكال في عدم جريانها في مقابل خبر الثقة، بعد الاعتراف ببناء العقلاء على العمل به في أحكامها العرفية، لان نسبة العقل في حكمه بالعمل بالاصول المذكورة إلى الاحكام الشرعية و العرفية سواء.

وأما الاستصحاب، فإن أخذ من العقل فلا إشكال في أنه لا يفيد الظن في المقام، وإن أخذ من الاخبار فغاية الامر حصول الوثوق بصدورها دون اليقين.

وأما الاصول اللفظية، كالاطلاق والعموم، فليس بناء أهل اللسان على إعتبارها حتى في

[165]

مقام وجود الخبر الموثوق به في مقابلها، فتأمل.

الخامس: [ من وجوه تقرير الاجماع ] ما ذكره العلامة في النهاية من إجماع الصحابة على العمل بخبر الواحد من غير نكير، وقد ذكر في النهاية مواضع كثيرة عمل فيها الصحابة بخبر الواحد.

وهذا الوجه لا يخلو من تأمل، لانه إن أريد من الصحابة العاملين بالخبر من كان في ذلك الزمان لا يصدر إلا عن رأي الحجة، عليه السلام، فلم يثبت عمل أحد منهم بخبر الاحد فضلا عن ثبوت تقرير الامام عليه السلام له، وإن أريد به الهمج الرعاع الذين يصغون إلى كل ناعق، فمن المقطوع عدم كشف عملهم عن رضاء الامام، عليه السلام، لعدم إرتداعهم بردعه في ذلك اليوم.

ولعل هذا مراد السيد، قدس سره، حيث أجاب عن هذا الوجه بأنه إنما عمل بخبر الواحد المتأمرون الذين يتحشم التصريح بخلافهم، وإمساك النكير عليهم لا يدل على الرضا بعملهم.

إلا ان يقال: إنه لو كان عملهم منكرا لم يترك الامام بل ولا أتباعه من الصحابة النكير على العاملين، إظهارا للحق، وإن لم يظنوا الارتداع، إذ ليست هذه المسألة بأعظم من مسألة الخلافة التي أنكرها عليهم من أنكر، لاظهار الحق ودفعا لتوهم دلالة السكوت على الرضا.

السادس: [ من وجوه تقرير الاجماع ] دعوى الاجماع من الامامية، حتى السيد وأتباعه، على وجوب الرجوع إلى هذه الاخبار الموجودة في أيدينا المودعة في أصول الشيعة وكتبهم.

ولعل هذا هو الذي فهمه بعض من عبارة الشيخ المتقدمة عن العدة، فحكم بعدم مخالفة الشيخ للسيد، قدس سرهما.

وفيه: أولا، أنه إن أريد ثبوت الاتفاق على العمل بكل واحد واحد من أخبار هذه الكتب، فهو مما علم خلافه بالعيان، وإن أريد ثبوت الاتفاق على العمل بها في الجملة على إختلاف العاملين في شروط العمل حتى يجوز أن يكون المعمول به عند بعضهم مطروحا عند آخر، فهذا لا ينفعنا إلا في حجية ما علم إتفاق الفرقة على العمل به بالخصوص.وليس يوجد ذلك في الاخبار إلا نادرا.خصوصا مع ما نرى من رد بعض المشايخ، كالصدوق والشيخ، بعض الاخبار المودعة في الكتب المعتبرة، بضعف السند أو بمخالفة الاجماع أو نحوها.

وأما ثانيا: فلان ما ذكره من الاتفاق لا ينفع، حتى في الخبر الذي علم إتفاق الفرقة على قبوله والعمل به، لان الشرط في الاتفاق العملي أن يكون وجه عمل المجمعين معلوما.

ألا ترى أنه لو

[166]

إتفق جماعة يعلم برضاء الامام، عليه السلام، بعملهم على النظر إلى إمرأة، لكن يعلم أو يحتمل أن يكون وجه نظرهم كونها زوج، لبعضهم، وأما لآخر، وبنتا لثالث، وأم زوجة لرابع، وبنت زوجة لخامس، وهكذا.

فهل يجوز لغيرهم ممن لا محرمية بينها وبينه أن ينظر إليها من جهة إتفاق الجماعة الكشاف عن رضاء الامام، عليه السلام، بل لو رأى شخص الامام، عليه السلام، ينظر إلى إمرأة، فهل يجوز لعاقل التأسي به؟ وليس هذا كله إلا من جهة أن الفعل لا دلالة فيه على الوجه الذي يقع عليه، فلا بد في الاتفاق العملي من العلم بالجهة والحيثية التي إتفق المجمعون على إيقاع الفعل من هذه الجهة و الحيثية.

ومرجع هذا إلى وجوب إحراز الموضوع في الحكم الشرعي المستفاد من الفعل.

ففيما نحن فيه إذا علم بأن بعض المجمعين يعملون بخبر من حيث علمه بصدوره بالتواتر أو بالقرينة، وبعضهم من حيث كونه ظانا بصدوره قاطعا بحجية هذا الظن، فإذا لم يحصل لنا العلم بصدوره ولا العلم بحجية الظن الحاصل منه، أو علمنا بخطأ من يعمل به لاجل مطلق الظن، أو إحتملنا خطأه، فلا يجوز لنا العمل بذلك الخبر تبعا للمجمعين.

[167]

الرابع دليل العقل وهو من وجوه، بعضها يختص بإثبات حجية خبر الواحد، وبعضها يثبت حجية الظن مطلقا أو في الجملة فيدخل فيه الخبر.

أما الاول [ وهو حجية خبر الواحد ] فتقريره من وجوه أولها: ما اعتمدته سابقا، وهو أن لا شك للمتتبع في أحوال الرواة المذكورة في تراجمهم في كون أكثر الاخبار بل جلها، إلا ما شذ وندر، صادرة عن الائمة، عليهم السلام، وهذا يظهر بعد التأمل في كيفية ورودها إلينا وكيفية إهتمال أرباب الكتب من المشايخ الثلاثة ومن تقدمهم، في تنقيح ما أودعوه في كتبهم، وعدم الاكتفاء بأخذ الرواية من كتاب وإيداعها في تصانيفهم حذرا من كون ذلك الكتاب مدسوسا فيه من بعض الكذابين.

فقد حكي عن أحمد بن محمد بن عيسى أنه قال: (جئت إلى الحسن بن علي الوشاء وسألته أن يخرج إلي كتابا لعلاء بن رزين وكتاب لابان بن عثمان الاحمر، فأخرجهما.

فقلت: أحب أن أسمعها.

فقال لي: رحمك الله، ما أعجلك اذهب، فاكتبهما وأسمع من بعد.

فقلت له: لا آمن الحدثان.

فقال: لو علمت أن الحديث يكون له هذا الطلب لاستكثرت منه، فإني قد أدركت في هذا المسجد مائة شيخ، كل يقول: حدثني جعفر بن محمد، عليهما السلام).

[168]

وعن حمدويه، عن أيوب بن نوح: (أنه دفع إليه دفترا فيه أحاديث محمد بن سنان، فقال: إن شئتم أن تكتبوا ذلك فافعلوا، فإني كتبت عن محمد بن سنان، ولكن لا أروي لكم عنه شيئا، فإنه قال قبل موته: كل ما حدثتكم به فليس بسماع ولا برواية، وإنما وجدته).

فانظر كيف إحتاطوا في الرواية لم يسمع من الثقات وإنما وجد في الكتب.

وكفاك شاهدا أن علي بن الحسن بن فضال لم يرو كتب أبيه الحسن عنه مع مقابلتها عليه، وإنما يرويها عن أخويه أحمد ومحمد عن أبيه.

واعتذر عن ذلك بأنه يوم مقابلته الحديث مع أبيه كان صغير السن ليس له كثر معرفة بالروايات، فقرأها على أخويه ثانيا والحاصل: أن الظاهر إنحصار مدارهم على إيداع ما سمعوه من صاحب الكتاب أو ممن سمعه منه، فلم يكونوا يودعون إلا ما سمعوا ولو بوسائط من صاحب الكتاب، ولو كان معلوم الانتساب مع إطمينانهم بالوسائط وشدة وثوقهم بهم.

حتى أنهم ربما كانوا يتبعونهم في تصحيح الحديث ورده، كما إتفق للصدوق بالنسبة إلى شيخه إبن الوليد، قدس سرهما.

وربما كانوا لا يثقون بمن يوجد فيه قدح بعيد المدخلية في الصدق.

ولذا حكي عن جماعة منهم التحرز عن الرواية عمن يروي من الضعفاء ويعتمد المراسيل، وإن كان ثقة في نفسه.

كما إتفق بالنسبة إلى البرقي.

بل يتحرزون عن الرواية عمن يعمل بالقياس، مع أن عمله لا دخل له بروايته، كما إتفق بالنسبة إلى الاسكافي، حيث ذكر في ترجمته أنه كان يرى القياس، فترك رواياته لاجل ذلك.

وكانوا يتوقفون في روايات من كان على الحق فعدل عنه، وإن كانت كتبه ورواياته حال الاستقامة، حتى أذن لهم الامام، عليه السلام، أو نائبه.

كما سألوا العسكري، عليه السلام، عن كتب بني فضال، وقالوا: إن بيوتنا منها ملاء، فأذن عليه السلام لهم.

وسألواالشيخ أبا القاسم بن روح عن كتب إبن عزاقر التي صنفها قبل الارتداد عن مذهب الشيعة، حتى أذن لهم الشيخ في العمل بها.

والحصال: أن الامارات الكاشفة عن إهتمام أصحابنا في تنقيح الاخبار في الازمنة المتأخرة

[169]

عن إ زمان الرضا، عليه السلام، أكثر من أن تحصى ويظهر للمتتبع.

* * *

والداعي إلى شدة الاهتمام - مضافا إلى كون تلك الروايات أساس الدين وبها قوام شريعة سيد المرسلين، صلى الله عليه وآله، ولهذا قال الامام، عليه السلام، في شأن جماعة من الرواة: (لولا هؤلاء لاندرست آثار النبوة)، وأن الناس لا يرضون بنقل ما لا يوثق به في كتبهم المؤلفة في التواريخ التي لا يترتب على وقوع الكذب فيها أثر ديني بل ولا دنيوي، فكيف في كتبهم المؤلفة، لرجوع من يأتي إليها في أمور الدين، على ما أخبرهم الامام، عليه السلام، بأنه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون إلا بكتبهم، وعلى ما ذكره الكليني، قدس سره، في ديباجة الكافي من كون كتابه مرجعا لجميع من يأتي بعد ذلك - ما تنبهوا له ونبههم عليه الائمة - عليهم السلام - من أن الكذابة كانوا يدسون الاخبار المكذوبة في كتب أصحاب الائمة، عليهم السلام، كما يظهر من الروايات الكثيرة: منها: أنه عرض يونس بن عبدالرحمن على سيدنا أبي الحسن الرضا، عليه السلام، كتب جماعة من أصحاب الباقر والصادق، عليهما السلام، فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من أحاديث أبي عبدالله عليه السلام.

وقال: (إن أبا الخطاب كذب على أبي عبدالله، عليه السلام، وكذلك أصحاب أبي الخطاب يدسون الاحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبدالله عليه السلام).

ومنها: ما عن هشام بن الحكم أنه سمع أبا عبدالله عليه السلام يقول: (كان المغيرة بن سعد، لعنه الله، يتعمد الكذب على أبي ويأخذ كتب أصحابه، وكان أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة، لعنه الله، فكان يدس فيها الكفر والزندقة ويسندها إلى أبي، عليه السلام)، الحديث.

ورواية الفيض بن المختار المتقدمة في ذيل كلام الشيخ.

إلى غير ذلك من الروايات.

وظهر مما ذكرنا أن ما علم إجمالا من الاخبار الكثيرة من وجود الكذابين ووضع الحديث،

[170]

فهو إنما كان قبل زمان مقابلة الحديث وتدوين علمي الحديث والرجال بين أصحاب الائمة، عليهم السلام، مع أن العلم بوجود الاخبار المكذوبة إنما ينافي دعوى القطع بصدور الكل التي تنسب إلى بعض الاخباريين، أو دعوى الظن بصدور جميعها.

ولا ينافي ذلك ما نحن بصدده، من دعوى العلم الاجمالي بصدور أكثرها أو كثير منها، بل هذه دعوى بديهية.

والمقصود مما ذكرنا دفع ما ربما يكابره المتعسف الخالي عن التتبع من منع هذا العلم الاجمالي.

ثم إن هذا العلم الاجمالي إنما هو متعلق بالاخبار المخالفة للاصل المجردة عن القرينة، وإلا فالعلم بوجود مطلق الصادر لا ينفع.

فإذا ثبت العلم الاجمالي بوجود الاخبار الصادرة، فيجب بحكم العقل العمل بكل خبر مظنون الصدور، لان تحصيل الواقع الذي يجب العمل به إذا لم يمكن على وجه العلم تعين المصير إلى الظن في تعيينه، توصلا إلى العمل بالاخبار الصادرة.

* * *

بل ربما يدعى وجوب العمل بكل واحد منها مع عدم المعارض والعمل بمظنون الصدور أو بمظنون المطابقة للواقع من المتعارضين.

والجواب عنه: أولا، أن وجوب العمل بالاخبار الصادرة إنما هو لاجل وجوب إمتثال أحكام الله الواقعي المدلول عليها بتلك الاخبار.

فالعمل بالخبر الصادر عن الامام، عليه السلام، إنما يجب من حيث كشفه عن حكم الله الواقعى.

وحينئذ نقول: إن العلم الاجمالي ليس مختصا بهذه الاخبار، بل نعلم إجمالا بصدور أحكام كثيرة عن الائمة، عليهم السلام، لوجود تكاليف كثيرة، وحينئذ فاللازم أولا، الاحتياط، ومع تعذره أو تعسره أو قيام الدليل على عدم وجوبه يرجع إلى ما أفاد الظن بصدور الحكم الشرعي التكليفي عن الحجة، عليه السلام، سواء كان المفيد للظن خبرا أو شهرة أو غيرهما.

فهذا الدليل لا يفيد حجية خصوص الخبر، وإنما يفيد حجية كل ما ظن منه بصدور الحكم عن الحجة وإن لم يكن خبرا.

فإن قلت: المعلوم صدور كثير من هذه الاخبار التي بأيدينا.

وأما صدور الاحكام المخالفة للاصول غير مضمون هذه الاخبار فهو غير معلوم لنا ولا مظنون.

قلت: أولا، العلم الاجمالي وإن كان حاصلا في خصوص هذه الروايات التي بأيدينا، إلا أن العلم الاجمالي حاصل أيضا في مجموع ما بأيدينا من الاخبار ومن الامارات الاخر المجردة عن الخبر التي بأيدينا المفيدة للظن بصدور الحكم عن الامام، عليه السلام، وليست هذا الامارات خارجة عن أطراف العلم الاجمالي الحاصل في المجموع بحيث يكون العلم الاجمالي في المجموع مستندا إلى

[171]

بعضها وهي الاخبار، ولذا لو فرضنا عزل طائفة من هذه الاخبار وضممنا إلى الباقي مجموع الامارات الاخر كان العلم الاجمالي بحاله.

فهنا علم إجمالي حاصل في الاخبار وعلم إجمالي حاصل بملاحظة مجموع الاخبار وسائر الامارات المجردة عن الخبر.

فالواجب مراعاة العلم الاجمالي الثانى وعدم الاقتصار على مراعاة الاول.

نظير ذلك: ما إذا علمنا إجمالا بوجود شياه محرمة في قطيع غنم بحيث يكون نسبته إلى كل بعض منها كنسبته إلى البعض الآخر وعلمنا أيضا بوجود شياه محرمة في خصوص طائفة خاصة من تلك الغنم بحيث لو لم يكن من الغنم إلا هذه علم إجمالا بوجود الحرام فيها أيضا.

والكاشف عن ثبوت العلم الاجمالي في المجموع ما أشرنا إليه سابقا، من أنه لو عزلنا من هذه الطائفة الخاصة التي علم بوجود الحرام فيها قطعة توجب إنتفاء العلم الاجمالي فيها وضممنا إليها مكانها باقي الغنم حصل العلم الاجمالي بوجود الحرام فيها أيضا.

وحينئذ فلا بد من أن نجري حكم العلم الاجمالي في تمام الغنم إما بالاحتياط أو بالعمل بالمظنة لو بطل وجوب الاحتياط.

وما نحن فيه من هذا القبيل.

ودعوى أن سائر الامارات المجردة لا مدخل لها في العلم الاجمالي وأن هنا إجماليا واحدا بثبوت الواقع بين الاخبار، خلاف الانصاف.

وثانيا: إن اللازم من ذلك العلم الاجمالى هو العمل بالظن في مضمون تلك الاخبار، لما عرفت من أن العمل بالخبر الصادر إنما هو بإعتبار كون مضمونه حكم الله الذي يجب العمل به.

وحينئذ فكلما ظن بمضمون خبر منها ولو من جهة الشهرة يؤخذ به، وكل خبر لم يحصل الظن بكون مضمونه حكم الله لا يؤخذ به ولو كان مظنون الصدور.

فالعبرة بظن مطابقة الخبر للواقع، لا بظن الصدور.

وثالثا: إن مقتضى هذا الدليل وجوب العمل بالخبر المقتضي للتكليف، لانه الذي يجب العمل به.

وأما الاخبار الصادرة النافية للتكليف فلا يجب العمل بها نعم يجب الاذعان بمضمونها وإن لم تعرف بعينها.

وكذلك لا يثبت به حجية الاخبار على وجه ينهض لصرف ظواهر الكتاب والسنة القطعية.