دروس في علم الاصول

 

السيد محمد باقر الصدر

 

الحلقة الثانية

 

تعريف علم الاصول

 

[141]

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

يعرف علم الاصول عادة بأنه " العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي ".

وتوضيح ذلك: إن الفقيه في إستنباطه مثلا للحكم بوجوب رد التحية من قوله تعالى " واذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها او ردوها "(1) يستعين بظهور صيغة الامر في الوجوب، وحجية الظهور.

فهاتان قاعدتان ممهدتان لاستنباط الحكم الشرعي بوجوب رد التحية. وقد يلاحظ على التعريف أن تقييد القاعدة بوصف التمهيد يعني أنها تكتسب أصوليتها من تمهيدها وتدوينها لغرض الاستنباط، مع أننا نطلب من التعريف إبداء الضابط الموضوعي الذي بموجبه يدون علماء الاصول في علمهم هذه المسألة دون تلك، ولهذا قد تحذف كلمة التمهيد ويقال إنه العلم بالقواعد التي تقع في طريق الاستنباط.

ولكن يبقى هناك إعتراض أهم وهو أنه لا يحقق الضابط المطلوب، لان مسائل اللغة كظهور كلمة الصعيد تقع في طريق الاستنباط أيضا، ولهذا كان الاولى تعريف علم الاصول بأنه: العلم بالعناصر المشتركة في عملية الاستنباط. ونقصد بالاشتراك صلاحية العنصر للدخول في استنباط حكم أي مورد من الموارد التي يتصدى الفقيه لاستنباط حكمها مثل ظهور صيغة الامر في الوجوب، فإنه قابل لان يستنبط منه وجوب الصلاة أو

___________________________________

(1) النساء: 86 (*)

[142]

وجوب الصوم وهكذا. وبهذا تخرج أمثال مسألة ظهور كلمة الصعيد عن علم الاصول، لانها عنصر خاص لا يصلح للدخول في إستنباط حكم غير متعلق بمادة الصعيد.

موضوع علم الاصول

يذكر لكل علم موضوع عادة، ويراد به ما يكون جامعا بين موضوعات مسائله، وينصب البحث في المسائل على أحوال ذلك الموضوع وشوونه، كالكلمة العربية بالنسبة إلى النحو مثلا وعلى هذا الاساس حاول علماء الاصول تحديد موضوع لعلم الاصول، فذكر المتقدمون منهم أن موضوعه هو: الادلة الاربعة (الكتاب والسنة والاجماع والعقل) وإعترض على ذلك: بأن الادلة الاربعة ليست عنوانا جامعا بين موضوعات مسائله جميعا، فمسائل الاستلزامات مثلا موضوعها الحكم، إذ يقال مثلا: إن الحكم بالوجوب على شئ هل يستلزم تحريم ضده أو لا؟ ومسائل حجية الامارات الظنية كثيرا ما يكون موضوعها الذي يبحث عن حجيته شيئا خارجا عن الادلة الاربعة، كالشهرة وخبر الواحد، ومسائل الاصول العملية موضوعها الشك في التكليف على أنحائه وهو أجنبي عن الادلة الاربعة أيضا.

ولهذا ذكر جملة من الاصوليين: أن علم الاصول ليس له موضوع واحد، وليس من الضروري أن يكون للعلم موضوع كون جامع بين موضوعات مسائله. غير أن بالامكان توجيه ما قيل أولا من كونه الادلة هي الموضوع مع عدم الالتزام بحصرها في الادلة الاربعة بان نقول: إن موضوع علم الاصول

[144]

هو كل ما يترقب أن يكون دليلا وعنصرا مشتركا في عملية إستنباط الحكم الشرعي والاستدلال عليه، والبحث في كل مسألة أصولية، إنما يتناول شيئا مما يترقب أن يكون كذلك، ويتجه إلى تحقيق دليليته والاستدلال عليها إثباتا ونفيا، فالبحث في حجية الظهور أو خبر الواحد أو الشهرة بحث في دليليتها، والبحث في أن الحكم بالوجوب على شئ، هل يستلزم تحريم ضده بحث في دليلية الحكم بوجوب شئ على حرمة الضد، ومسائل الاصول العملية يبحث فيها عن دليلية الشك وعدم البيان على المعذرية، وهكذا.

فصح أن موضوع علم الاصول هو الادلة المشتركة في الاستدلال الفقهي، والبحث الاصولي يدور دائما حول دليليتها.

فائدة علم الاصول

إتضح مما سبق أن لعلم الاصول فائدة كبيرة للاستدلال الفقهي، وذلك أن الفقيه في كل مسألة فقهية يعتمد على نمطين من المقدمات في إستدلاله الفقهي: أحدهما: عناصر خاصة بتلك المسألة من قبيل الرواية التي وردت في حكمها، وظهورها في إثبات الحكم المقصود، وعدم وجود معارض لها ونحو ذلك.

والآخر: عناصر مشتركة تدخل في الاستدلال على حكم تلك المسألة وفي الاستدلال على حكم مسائل أخرى كثيرة في مختلف أبواب الفقه، من قبيل أن خبر الواحد الثقة حجة وان ظهور الكلام حجة.

والنمط الاول من المقدمات يستوعبه الفقيه بحثا في نفس تلك المسألة، لان ذلك النمط من المقدمات مرتبط بها خاصة. وأما النمط الثاني فهو بحكم عدم إختصاصه بمسألة دون أخرى، أنيط ببحث آخر خارج نطاق البحث الفقهي

[145]

في هذه المسألة وتلك، وهذا البحث الآخر هو الذي يعبر عنه علم الاصول، وبقدر ما إتسع الالتفات تدريجا من خلال البحث الفقهي إلى العناصر المشتركة، اتسع علم الاصول وازداد أهمية، وبذلك صح القول: بأن دور علم الاصول بالنسبة إلى الاستدلال الفقهي يشابه دور علم المنطق بالنسبة إلى الاستدلال بوجه عام، حيث إن علم المنطق يزود الاستدلال بوجه عام بالعناصر المشتركة التي لا تختص بباب من أبواب التكفير دون باب، وعلم الاصول يزود الاستدلال الفقهي خاصة بالعناصر المشتركة التي لا تختص بباب من أبواب الفقه دون باب.

الحكم الشرعي وتقسيمه

الحكم الشرعي هو التشريع الصادر من الله تعالى لتنظيم حياة الانسان وتوجيهه، وهو على قمسين: أحدهما: الاحكام التكليفيه التي تتعلق بأفعال الانسان ولها توجيه عملي مباشر، والآخر: الاحكام الوضيعة التي ليس لها توحيه عملي مباشر، وكثيرا ما تقع موضوعا لحكم تكليفي كالزوجية التي تقع موضوعا لوجوب النفقة مثملا.

مبادئ الحكم التكليفي:

ونحن إذا حللنا عملية الحكم التكليفي كالوجوب - كما يمارسها أى مولى في حياتنا الاعتيادية - نجد أنها تنقسم إلى مرحلتين: إحداهما: مرحلة الثبوت للحكم، والاخرى مرحلة الاثبات والابراز، فالمولى في مرحلة الثبوت يحدد ما يشتمل عليه الفعل من مصلحة - وهي ما يسمى بالملاك - حتى إذا أدرك وجود مصلحة بدرجة معينة فيه تولدت إرادة لذلك الفعل بدرجة تتناسب مع المصلحة المدركة، وبعد ذلك يصوغ المولى إرادته صياغة جعلية من نوع الاعتبار، فيعتبر الفعل على ذمة المكلف، فهناك إذن في مرحلة الثبوت ملاك وإرادة وإعتبار، وليس الاعتبار عنصرا ضروريا في مرحلة الثبوت، بل يستخدم غالبا كعمل تنظيمي وصياغي إعتاده المشركون والعقلاء، وقد سار الشارع على طريقتهم في ذلك. وبعد إكتمال مرحلة الثبوت بعناصرها الثلاثة - أو بعنصريها الاولين على أقل تقدير - تبدأ مرحلة الاثبات، وهي المرحلة

[147]

التي يبرز فيها المولى - بجملة إنشائية أو خبرية - مرحلة الثبوت بدافع من الملاك والارادة، وهذا الابراز قد يتعلق بالارادة مباشرة، كما إذا قال أريد منكم كذا، وقد يتعلق بالاعتبار الكاشف عن الارادة، كما إذا قال: (لله على الناس حج البيت من إستطاع إليه سبيلا).

وإذا تم هذا الابراز من المولى أصبح من حقه على العبد قضاء لحق مولويته الاتيان بالفعل، وإنتزع العقل عن إبراز المولى لارادته الصادر منه بقصد التوصل إلى مراده عناوين متعددة من قبيل البعث والتحريك ونحوهما.

وكثيرا ما يطلق على الملاك والارادة - وهما العنصران اللازمان في مرحلة الثبوت - إسم (مبادى الحكم)، وذلك بإفتراض أن الحكم نفسه هو العنصر الثالث من مرحلة الثبوت - أي الاعتبار - والملاك والارادة مبادى له وأن كان روح الحكم وحقيقته - التي بها يقع موضوعا لحكم العقل بوجوب الامتثال - هي نفس الملاك والارادة إذا تصدى المولى لابرازهما بقصد التوصل إلى مراده سواء أنشأ إعتبارا أو لا.

ولكل واحد من الاحكام التكليفية الخمسة مبادئ تتفق مع طبيعته، فمبادئ الوجوب هي الارادة الشديد، ومن ورائها المصلحة البالغة درجة عالية تأبى عن الترخيص في المخالفة.

ومبادئ الحرمة هي المبغوضية الشديدة، ومن ورائها المفسدة البالغة إلى الدرجة نفسها.

والاستحباب والكراهة بتولدان عن مبادئ من نفس النوع، ولكنها أضعف درجة بنحو يسمح المولى معها بترك المستحب وبارتكاب المكروه.

وأما الاباحة فهي بمعنيين، أحدهما: الاباحة بالمعنى الاخص التي تعتبر نوعا خامسا من الاحكام التكليفية، وهي تعبر عن مساواة الفعل والترك في نظر المولى.

والآخر: الاباحة بالمعنى الاعم، وقد يطلق عليها إسم الترخيص في مقابل الوجوب والحرمة فتشمل المستحبات والمكروهات مضافا إلى المباحات بالمعنى الاخص لاشتراكها جميعا في عدم الالزام.

[148]

والاباحة قد تنشأ عن خلو الفعل المباح من أي ملاك يدعو إلى الالزام فعلا أو تركا، وقد تنشأ عن وجود ملاك في أن يكون المكلف مطلق العنان، وملاكها على الاول لا إقتضائي، وعلى الثاني إقتضائي.

التضاد بين الاحكام التكليفية:

وحين نلاحظ أنواع الحكم التكيفي التي مرت بنا، نجد أن بينها تنافيا وتضادا، يؤدي إلى إستحالة اجتماع نوعين منها في فعل واحد. ومرد هذا التنافي إلى التنافر بين مبادئ تلك الاحكام، وأما على مستوى الاعتبار فقط فلا يوجد تنافر، إذ لا تنافي بين الاعتبارا ت إذا جردت عن الملاك والارادة.

وكذلك أيضا لا يمكن أن يجتمع في فعل واحد فردان من نوع واحد، فمن المستحيل أن يتصف شئ واحد بوجوبين، لان ذلك يعني إجتماع إرادتين على مراد واحد، وهو من قبيل إجتماع المثلين لان الارادة لا تتكرر على شئ واحد، وإنما تقوى وتشتد، والمحذور هنا أيضا بلحاظ المبادئ لا بلحاظ الاعتبار نفسه.

شمول الحكم الشرعي لجميع وقائع الحياة:

ولما كان الله تعالى عالما بجميع المصالح والمفاسد التي ترتبط بحياة الانسان في مختلف مجالاته الحياتية، فمن اللطف اللائق برحمته أن يشرع للانسان التشريع الافضل وفقا لتلك المصالح والمفاسد في شتى جوانب الحياة، وقد أكدت ذلك نصوص كثيرة وردت عن أئمة أهل البيت عليهم السلام، وخلاصتها أن الواقعة لاتخلو من حكم.

الحكم الواقعي والحكم الظاهري

ينقسم الحكم الشرعي إلى واقعي وظاهري.

فالحكم الواقعي هو: كل حكم لم يفترض في موضوعه الشك في حكم شرعي مسبق، والحكم الظاهري هو: كل حكم إفترض في موضوعه الشك في حكم شرعي مسبق، من قبيل أصالة الحل في قوله: كل شئ لك حلال حتى تعلم أنه حرام وسائر الاصول العملية الاخرى، ومن قبيل أمره بتصديق الثقة والعمل على وفق خبره وأمره بتصديق سائر الامارات الاخرى. وهلى هذا الاساس يقال عن الاحكام الظاهرية بأنها متأخرة رتبة عن الاحكام الواقعية، لانها قد افترض في موردها الشك في الحكم الواقعي، ولولا وجود الاحكام الواقعية في الشريعة لما كانت هناك أحكام ظاهرية.

الامارات والاصول

 والاحكام الظاهرية تصنف عادة إلى قسمين: أحدهما: الحكم الظاهري المرتبط بكشف دليل معين على نحو يكون كشف ذلك الدليل هو الملاك التام لجعله كالحكم الظاهري بوجوب تصديق خبر الثقة، والعمل على طبقه سواء كان ذلك الدليل الظني مفيدا للظن الفعلي دائما أو غالبا، وفي حالات كثيرة، وفي هذه الحالة يسمى ذلك الدليل بالامارة، ويسمى الحكم الظاهري بالحجية فيقال: إن الشارع جعل الحجية للامارة.

والقسم الآخر الحكم الظاهري الذي أخذ فيه بعين الاعتبار نوع الحكم المشكوك سواء لم يؤخذ أي كشف معين بعين الاعتبار في مقام جعله أو أخذ، ولكن لا بنحو يكون هو الملاك التام، بل منضما إلى نوع الحكم المشكوك.

ومثال الحالة الاولى: أصالة الحل فإن الملحوظ فيها كون الحكم المشكوك والمجهول مرددا بين الحرمة والاباحة، ولم يلحظ فيها وجود كشف معين عن الحلية.

[150]

ومثال الحالة الثانية: قاعدة الفراغ، فإن التعبد في هذه القاعدة بصحة العمل المفروغ عنه يرتبط بكاشف معين عن الصحة، وهو غلبة الانتباه وعدم النسيان في الانسان، ولكن هذا الكاشف ليس هو كل الملاك، بل هناك دخل لكون المشكوك مرتبطا بعمل تم الفراغ عنه، ولهذا لايتعبدنا الشارع بعدم النسيان في جميع الحالات.

وتسمى الاحكام الظاهرية في هذا القسم بالاصول العملية، ويطلق على الاصول العملية في الحالة الاولى إسم الاصول العملية غير المحرزة، وعليها في الحالة الثانية إسم الاصول العملية الحرزة، وقد يعبر عنها بالاصول العملية التنزيلية.

إجتماع الحكم الواقعي والظاهري

وبناء على ما تقدم يمكن أن يجتمع في واقعة واحدة حكمان، أحدهما واقعي، والآخر ظاهري مثلا: إذا كان الدعاء عند رؤية الهلال واجبا واقعا وقامت الامارة على إباحته، فحكم الشارع بحجية الامارة، وبأن الفعل المذكور مباح في حق من يشك في وجوبه، فقد إجتمع حكمان تكليفيان على واقعة واحدة، أحدهما واقعي وهو الوجوب، والآخر ظاهري وهو الاباحة، وما دام أحدهما من سنخ الاحكام الواقعية، والآخر من سنخ الاحكام الظاهرية، فلا محذور في إجتماعهما، وإنما المستحيل أن يجتمع في واقعة واحدة وجوب واقعي وإباحة واقعية.

القضية الحقيقية والقضية الخارجية للاحكام

الحكم الشرعي تارة يجعل على نحو القضية الخارجية واخرى يجعل على نحو القضية الحقيقية، وتوضيح ذلك: إن المولى المشرع تارة يشير إلى الافراد الموجودين فعلا من العلماء مثلا فيقول أكرمهم، وأخرى يفترض وجود العالم ويحكم بوجوب إكرامه ولو لم يكن هناك عالم موجود فعلا فيقول: إذا وجد عالم فأكرمه.

[151]

والحكم في الحالة الاولى مجعول على نحو القضية الخارجية، وفي الحالة الثانية مجعول على نحو القضية الحقيقية، وما هو المفترض فيها نطلق عليه إسم الموضوع للقضية الحقيقية، والفارق النظري بين القضيتين أننا بموجب القضية الحقيقية نستطيع أن نقول: لو إزداد عدد العلماء لوجب إكرامهم جميعا، لان موضوع هذه القضية العالم المفترض، وأي فرد جديد من العالم يحقق الافتراض المذكور، ولا نستطيع أن نؤكد القول نفسه بلحاظ القضية الخارجية، لان المولى في هذه القضية أحصى عددا معينا وأمر بإكرامهم، وليس في القضية ما يفترض تعميم الحكم لو إزداد العدد.

تنويع البحث

حينما يستنبط الفقيه الحكم الشرعي، ويستدل عليه تارة، يحصل على دليل يكشف عن ثبوت الحكم الشرعي فيعول على كشفه، وأخرى يحصل على دليل يحدد الموقف العملي والوظيفة العملية تجاه الواقعة المجهول حكمها، وهذا ما يكون في الاصول العملية التي هي أدلة على الوظيفة العملية وليست أدلة على الواقع.

وعلى هذا الاساس سوف نصنف بحوث علم الاصول إلى نوعين: أحدهما: البحث في الادلة من القسم الاول، أي العناصر المشتركة في عملية الاستنباط التي تتخذ أدلة، بإعتبار كشفها عن الحكم الشرعي، ونسميها بالادلة المحرزة. والآخر البحث في الاصول العملية، وهي الادلة من القسم الثاني أي العناصر المشتركة في عملية الاستنباط التي تتخذ أدلة على تحديد الوظيفة العملية تجاه الحكم الشرعي المجهول، ونسميها بالادلة العملية أو الاصول العملية. وكل ما يستند إليه الفقيه في إستدلاله الفقهي وإستنباطه للحكم الشرعي لا يخرج عن أحد هذين القسمين من الادلة.

ويمكن القول على العموم: بأن كل واقعة يعالج الفقيه حكمها يوجد فيها أساسا دليل من القسم الثاني أي أصل عملي يحدد الوظيفة العملية، فإن توفر للفقيه الحصول على دليل محرز أخذ به وترك الاصل العملي، وفقا لقاعدة تقدم الادلة المحرزة على الاصول العملية كما يأتي ان شاء الله تعالى، وإن لم يتوفر دليل محرز أخذ بالاصل العملي فهو المرجع العام للفقيه حيث لا يوجد دليل محرز.

[153]

ويوجد عنصر مشترك يدخل في جميع عمليات إستنباط الحكم الشرعي، سواء ما استند فيه الفقيه إلى دليل من القسم الاول أو إلى دليل من القسم الثاني، وهذا العنصر هو حجية القطع، ونريد بالقطع إنكشاف قضية بدرجة لا يشوبها شك، ومعنى حجيته كونه منجزا أي مصححا للعقاب إذا خالف العبد مولاه في تكليف مقطوع به لديه، وكونه معذرا أي نافيا لاستحقاق العقاب عن العبد إذا خالف مولاه نتيجة عمله بقطعه.

وواضح أن حجية القطع بهذا المعنى لا تستغني عنه جميع عمليات الاستنباط، لانها إنما تؤدي إلى القطع بالحكم الشرعي أو بالموقف العملي تجاهه، ولكي تكون هذه النتيجة ذات أثر، لا بد من الاعتراف مسبقا بحجية القطع، بل أن حجية القطع مما يحتاجها الاصولي في الاستدلال على القواعد الاصولية نفسها، لانه مهما استدل على ظهور صيغة أفعل في الوجوب مثلا فلن يحصل على أحسن تقدير إلا على القطع بظهورها في ذلك، وهذا لا يفيد إلا مع إفتراض حجية القطع.

كما إنه بعد إفتراض تحديد الادلة العامة، والعناصر المشتركة في عملية الاستنباط، قد يواجه الفقيه حالات التعارض بينها، سواء كان التعارض بين دليل من القسم الاول، ودليل من القسم الثاني كالتعارض بين الامارة والاصل، أو بين دليلين من قسم واحد سواء كانا من نوع واحد كخبرين لثقتين، أو من نوعين كالتعارض بين خبر الثقة وظهور الآية، أو بين أصالة الحل والاستصحاب.

ومن أجل ذلك سنبدأ فيما يلي بحجية القطع، ثم نتكلم عن القسم الاول من الادلة. ثم عن القسم الثاني (الاصول العملية) ونختم بأحكام تعارض الادلة إن شاء الله تعالى ومنه نستمد التوفيق.

حجية القطع

للقطع كاشفية بذاته عن الخارج. وله ايضا نتيجة لهذه الكاشفية محركية نحو ما يوافق الغرض الشخصي للقاطع إذا انكشف له بالقطع، فالعطشان إذا قطع بوجود الماء خلفه تحرك نحو تلك الجهة طلبا للماء. وللقطع إضافة إلى الكاشفية والمحركية المذكورتين خصوصية ثالثة وهي: الحجية بمعنى ان القطع بالتكليف ينجز ذلك التكليف، أي يجعله موضوعا لحكم العقل بوجوب امتثاله وصحة العقاب على مخالفته.

والخصوصية الاولى والثانية بديهيتان ولم يقع بحث فيهما، ولا تفيان بمفردهما بغرض الاصولي، وهو تنجيز التكليف الشرعي على المكلف بالقطع به، وانما الذي يفي بذلك الخصوصية الثالثة. كما انه لا شك في ان الخصوصية الاولى هي عين حقيقة القطع، لان القطع هو عين الانكشاف والاراء‌ة، لا انه شئ من صفاته الانكشاف، ولا شك ايضا في ان الخصوصية الثانية من الآثار التكوينية للقطع بما يكون متعلقا للغرض الشخصي، فالعطشان الذي يتعلق غرض شخصي له بالماء حينما يقطع بوجوده في جهة، يتحرك نحو تلك الجهة لا محالة، والمحرك هنا هو الغرض، والمكمل لمحركية الغرض هو قطعة بوجود الماء، وبامكان استيفاء الغرض في تلك الجهة.

واما الخصوصية الثالثة وهي حجية القطع، اي منجزيته للتكليف بالمعنى المتقدم، فهي شئ ثالث غير مستبطن في الخصوصيتين السابقتين، فلا يكون

[155]

التسليم بهما من الناحية المنطقية تسليما ضمنيا بالخصوصية الثالثة، وليس التسليم بهما مع إنكار الخصوصية الثالثة تناقضا منطقيا، فلا بد إذن من استئناف نظر خاص في الخصوصية الثالثة، وفي هذا المجال يقال عادة إن الحجية لازم ذاتي للقطع كما ان الحرارة لازم ذاتي للنار، فالقطع بذاته يستلزم الحجية والمنجزية، ولاجل ذلك لا يمكن أن تغلى حجيته ومنجزيته في حال من الاحوال، حتى من قبل المولى نفسه، لان لازم الشئ لا يمكن ان ينفك عنه، وانما الممكن للمولى ان يزيل القطع عن القاطع، فيخرجه عن كونه قاطعا بدلا عن ان يفكك بين القطع والحجية.

ويتلخص هذا الكلام في قضيتين: إحداهما، ان الحجية والمنجزية ثابتة للقطع لانهما من لوازمه. والاخرى: انها يستحيل ان تنفك عنه لان اللازم لا ينفك عن الملزوم. اما القضية الاولى فيمكن ان نتسأل بشأنها، اي قطع هذا الذي تكون المنجزية من لوازمه؟ هل هو القطع بتكليف المولى او القطع بتكليف أي آمر؟ ومن الواضح ان الجواب هو الاول لان غير المولى إذا أمر لا يكون تكليفه منجزا على المأمور ولو قطع به، فالمنجزية إذن تابعة للقطع بتكليف المولى، فنحن إذن نفترض اولا ان الآمر مولى ثم نفترض القطع بصدور التكليف منه، وهنا نتسأل من جديد ما معنى المولى؟ والجواب ان المولى هو من له حق الطاعة اي من يحكم العقل بوجوب امتثاله واستحقاق العقاب على مخالفته، وهذا يعني ان الحجية (التي محصلها - كما تقدم - حكم العقل بوجوب الامتثال واستحقاق العقاب على المخالف) قد افترضناها مسبقا بمجرد افتراض ان الآمر مولى فهي إذن من شؤون كون الآمر مولى، ومستبطنة في نفس افتراض المولوية، فحينما نقول إن القطع بتكليف المولى حجة اي يجب امتثاله عقلا كأننا قلنا: إن القطع بتكليف من يجب امتثاله يجب امتثاله، وهذا تكرار لما هو المفترض، فلا بد ان نأخذ نفس حق الطاعة

[156]

والمنجزية المفترضة في نفس كون الآمر مولى، لنرى مدى ما للمولى من حق الطاعة على المأمور، وهل له حق الطاعة في كل ما يقطع به من تكاليفه، او أوسع من ذلك بان يفترض حق الطاعة في كل ما ينكشف لديه من تكاليفه ولو بالظن او الاحتمال، أو أضيق من ذلك بان يفترض حق الطاعة في بعض ما يقطع به من التكاليف خاصة، وهكذا يبدو أن البحث في حقيقته بحث عن حدود مولوية المولى، وما نؤمن به له مسبقا من حق الطاعة، فعلى الاول تكون المنجزية ثابتة في حالات القطع خاصة، وعلى الثاني تكون ثابتة في كل حالات القطع والظن والاحتمال، وعلى الثالث تكون ثابتة في بعض حالات القطع.

والذي ندركه بعقولنا ان مولانا سبحانه وتعالى له حق الطاعة في كل ما ينكشف لنا من تكاليفه بالقطع او بالظن او بالاحتمال ما لم يرخص هو نفسه في عدم التحفظ، وهذا يعني ان المنجزية ليست ثابتة للقطع بما هو قطع بل بما هو انكشاف، وان كان انكشاف منجز مهما كانت درجته ما لم يحرز ترخيص الشارع نفسه في عدم الاهتمام به. نعم كلما كان الانكشاف بدرجة اكبر كانت الادانة وقبح المخالفة أشد. فالقطع بالتكليف يستتبع لا محالة مرتبة أشد من التنجز والادانة لانه المرتبة العليا من الانكشاف.

واما القضية الثانية وهي: ان المنجزية لا تنفك عن القطع بالتكليف، وليس بامكان المولى نفسه ان يتدخل بالترخيص في مخالفة القطع وتجريده من المنجزية فهي صحيحة، ودليلها: ان هذا الترخيص إما حكم واقعي او حكم ظاهري، والاول مستحيل لان التكليف الواقعي مقطوع به فاذا ثبتت ايضا اباحة واقعية لزم اجتماع الضدين لما تقدم من التنافي والتضاد بين الاحكام التكليفية والواقعية.

[157]

والثاني مستحيل ايضا لان الحكم الظاهري كما تقدم ما أخذ في موضوعه الشك ولا شك مع القطع.

وبهذا يظهر ان القطع لا يتميز عن الظن والاحتمال في اصل المنجزية، وانما يتميز عنهما في عدم امكان تجريده عن تلك المنجزية، لان الترخيص في مورده مستحيل كما عرفت، وليس كذلك في حالات الظن والاحتمال، فان الترخيص الظاهري فيها ممكن لانه لا يتطلب اكثر من فرض الشك والشك موجود، ومن هنا صح أن يقال إن منجزية القطع غير معلقة بل ثابتة على الاطلاق، وان منجزية غيره من الظن والاحتمال معلقة لانها مشروطة بعدم إحراز الترخيص الظاهري في ترك التحفظ.

معذرية القطع

كنا نتحدث حتى الآن عن الجانب التنجيزي والتسجيلي من حجية القطع (المنجزية)، والآن نشير إلى الجانب الآخر من الحجية وهو المعذرية، اي كون القطع بعدم التكليف معذرا للمكلف على نحو لو كان مخطئا في قطعه لما صحت معاقبته على المخالفة، وهذه المعذرية تستند إلى تحقيق حدود مولوية المولى وحق الطاعة.

وذلك لان حق الطاعة هل موضوعه الذي تفرض طاعته تكاليف المولى بوجودها في الشريعة بقطع النظر عن قطع المكلف بها وشكه فيها، أو قطعه بعدمها، أي انها تستتبع حق الطاعة في جميع هذه الحالات، او ان موضوع حق الطاعة تكاليف المولى المنكشفة للمكلف ولو بدرجة احتمالية من الانكشاف؟ فعلى الاول لا يكون القطع معذرا اذا خالف الواقع، وكان التكليف ثابتا على خلاف ما قطع، وعلى الثاني يكون القطع معذرا اذ لا حق طاعة للمولى في حالة عدم انكشاف التكليف ولو انكشافا احتماليا.

والاول من هذين الاحتمالين غير صحيح، لان حق الطاعة من المستحيل ان يحكم به العقل بالنسبة إلى تكليف يقطع المكلف بعدمه، إذ لا يمكن للمكلف ان يتحرك عنه فكيف يحكم العقل بلزوم ذلك، فيتعين الاحتمال الثاني، ومعه يكون القطع

[158]

بعدم التكليف معذرا عنه لانه يخرج - في هذه الحالة - عن دائرة حق الطاعة، اي عن نطاق حكم العقل بوجوب الامتثال.

التجري

اذا قطع المكلف بوجوب أو تحريم فخالفه وكان التكليف ثابتا في الواقع اعتبر عاصيا، واما اذا قطع بالتكليف وخالفه ولم يكن التكليف ثابتا واقعا سمي متجريا، وقد وقع البحث في انه هل يدان مثل هذا المكلف المتجري بحكم العقل ويستحق العقاب كالعاصي أو لا؟ ومرة اخرى يجب ان نرجع إلى حق الطاعة الذي تمثله مولوية المولى لنحدد موضوعه، فهل موضوعه هو التكليف المنكشف للمكلف او مجرد الانكشاف ولو لم يكن مصيبا، بمعنى ان حق المولى على الانسان هل في ان يطيعه في تكاليفه التي انكشفت لديه او في كل مايتراء‌ى له من تكاليفه، سواء كان هناك تكليف حقاا أو لا؟ فعلى الاول لا يكون المكلف المتجري قد أخل بحق الطاعة إذ لا تكليف، وعلى الثاني يكون قد أخل به فيستحق العقاب.

والصحيح هو الثاني لان حق الطاعة ينشأ من لزوم احترام المولى عقلا ورعاية حرمته، ولا شك في انه من الناحية الاحترامية ورعاية الحرمة لا فرق بين التحدي الذي يقع من العاصي، والتحدي الذي يقع من المتجري، فالمتجري اذن يستحق العقاب كالعاصي.

العلم الاجمالي

القطع تارة يتعلق بشئ محدد ويسمى بالعلم التفصيلي ومثاله: العلم بوجوب صلاة الفجر او العلم بنجاسة هذا الاناء المعين، واخرى يتعلق باحد شيئين لا على وجه التعيين، ويسمى بالعلم الاجمالي ومثاله: العلم بوجوب صلاة ما في ظهر الجمعة هي اما الظهر أو الجمعة دون ان تقدر على تعيين الوجوب في

[159]

احداهما بالضبط، أو العلم بنجاسة أحد الاناء‌ين دون تعين. ونحن اذا حللنا العلم الاجمالي نجد انه مزدوج من العلم بالجامع بين الشيئين، ومن شكوك واحتمالات بعدد الاطراف التي يرتدد بينها ذلك الجامع، ففي المثال الاول يوجد عندنا علم بوجوب صلاة ما، وعندنا احتمالان لوجوب صلاة الظهر خاصة، ولوجوب صلاة الجمعة خاصة.

ولا شك في ان العلم بالجامع منجز، وان الاحتمال في كل طرف منجز ايضا وفقا لما تقدم من ان كل انكشاف منجز مهما كانت درجته، ولكن منجزية القطع على ما عرفت غير معلقة، ومنجزية الاحتمال معلقة، ومن هنا كان بامكان المولى في حالات العلم الاجمالي ان يبطل منجزية احتمال هذا الطرف أو ذاك، وذلك بالترخيص الظاهري في عدم التحفظ، فاذا رخص فقط في احتمال وجوب صلاة الظهر بطلت منجزية هذا الاحتمال وظلت منجزية احتمال وجوب الجمعة على حالها، وكذلك منجزية العلم بالجامع فانها تظل ثابتة ايضا بمعنى ان المكلف لا يمكنه ان يترك كلتا الصلاتين رأسا، واذا رخص المولى فقط في اهمال احتمال وجوب صلاة الجمعة بطلت منجزية هذا الاحتمال وظلت منجزية الباقي كما تقدم، وبامكان المولى ان يرخص في كل من الطرفين معا بترخيصين ظاهريين، وبهذا تبطل كل المنجزيات بما فيها منجزية العلم بالجامع.

وقد تقول: ان العلم بالجامع فرد من القطع وقد تقدم ان منجزية القطع غير معلقة، فكيف ترتفع منجزية العلم بالجامع هنا؟ والجواب ان القطع الذي تكون منجزيته غير معلقة هو العلم التفصيلي، اذ لا مجال للترخيص الظاهري في مورده، لان الترخيص الظاهري لا يمكن الا في حالة الشك، ولا شك مع العلم التفصيلي، ولكن في حالة العلم الاجمالي حيث ان الشك في كل طرف موجود، فهناك مجال للترخيض الظاهري فتكون منجزية العلم الاجمالي معلقة على عدم احراز الترخيص الظاهري في كل من الطرفين،

[160]

هذا من الناحية النظرية ثبوتا، واما من الناحية الواقعية اثباتا، وانه هل صدر من الشارع ترخيص في كل من طرفي العلم الاجمالي، فهذا ما يقع البحث عنه في الاصول العملية.

القطع الطريقي والموضوعي

تارة يحكم الشارع بحرمة الخمر مثلا فيقطع المكلف بالحرمة، ويقطع بان هذا خمر، وبذلك يصبح التكليف منجرا عليه كما تقدم، ويسمى القطع في هذه الحالة بالقطع الطريقي بالنسبة إلى تلك الحرمة لانه مجرد طريق وكاشف عنها وليس له دخل وتأثير في وجودها واقعا، لان الحرمة ثابتة للخمر على اي حال، سواء قطع المكلف بان هذا خمر أو لا. واخرى يحكم الشارع بان ما تقطع بانه خمر حرام فلا يحرم الخمر إلا اذا قطع المكلف بانه خمر، ويسمى القطع في هذه الحالة بالقطع الموضوعي، لانه دخيل في وجود الحرمة، وثبوتها للخمر فهو بمثابة الموضوع للحرمة.

والقطع انما ينجز التكليف اذا كان قطعا طريقيا بالنسبة اليه، لان منجزيته انما هي من اجل كاشفيته، وهو انما يكشف عما يكون قطعا طريقيا بالنسبة اليه، واما التكليف الذي يكون القطع موضوعا له ودخيلا في أصل ثبوته، فهو لا يتنجز بذلك القطع، ففي المثال المتقدم للقطع الموضوعي لا يكون القطع بالخمرية منجزا للحرمة، لانه لا يكشف عنها وانما يولدها، بل الذي ينجز الحرمة في هذا المثال القطع بحرمة مقطوع الخمرية.

وهكذا ينجز كل قطع ما يكون كاشفا عنه، وطريقا اليه من التكاليف دون ما يكون موضوعا ومولدا له من الاحكام. وقد يتفق ان يكون قطع واحد طريقيا بالنسبة إلى تكليف، وموضوعيا بالنسبة إلى تكليف آخر.

كما اذا قال المولى الخمر حرام، ثم قال من قطع بحرمة الخمر فيحرم عليه بيعه، فان القطع بحرمة

[161]

الخمر قطع طريقي بالنسبة إلى حرمة الخمر، وقطع موضوعي بالنسبة إلى حرمة بيع الخمر.

جواز الاسناد إلى المولى

وهناك جانب ثالث في القطع غير المنجزية والمعذرية، وهو جواز اسناد الحكم المقطوع إلى المولى، وتوضيح ذلك ان المنجزية والمعذرية ترتبطان بالجانب العملي فيقال: ان القطع بالحرمة منجز لها بمعنى انه لا بد للقاطع ان لا يرتكب ما قطع بحرمته، وان القطع بعدم الحرمة معذر عنها، بمعنى ان له ان يرتكب الفعل، وهناك شئ آخر وهو اسناد الحرمة نفسها إلى المولى، فان القطع بحرمة الخمر يؤدي إلى جواز اسناد الحرمة إلى المولى، بأن يقول القاطع: ان الشارع حرم الخمر لانه قول بعلم، وقد اذن الشارع في القول بعلم، وحرم القول بلا علم.

وبالتدبر فيما بيناه من التمييز بين القطع الطريقي والقطع الموضوعي يتضح ان القطع بالنسبة إلى جواز الاسناد قطع موضوعي لا طريقي، لان جواز الاسناد حكم شرعي اخذ في موضوعه القطع بما يسند إلى المولى.

تلخيص ومقارنة

 اتضح مما ذكرناه ان تنجز التكليف المقطوع لما كان من شؤون حق الطاعة للمولى سبحانه، وكان حق الطاعة له يشمل كل ما ينكشف من تكاليفه، ولو انكشافا احتماليا. فالمنجزية إذن ليست مختصة بالقطع، بل تشمل كل انشكاف مهما كانت درجته، وان كانت بالقطع تصبح مؤكدة وغير معلقة كما تقدم.

وخلافا لذلك مسلك من افترض المنجزية والحجية لازما ذاتيا للقطع، فانه ادعى انها من خواص القطع، فحيث لا قطع ولا علم لا منجزية، فكل

[162]

تكليف لم ينكشف بالقطع واليقين فهو غير منجز ولا يصح العقاب عليه، وسمي ذلك بقاعدة قبح العقاب بلا بيان اي بلا قطع وعلم، وفاته ان هذا في الحقيقة تحديد لمولوية المولى وحق الطاعة له رأسا. وهذان مسلكان يحدد كل منهما الطريق في كثير من المسائل المتفرعة، ويوضح للفقيه منهجا مغايرا من الناحية النظرية لمنهج المسلك الآخر. ونسمي المسلك المختار بمسلك حق الطاعة، والآخر بمسلك قبح العقاب بلا بيان.

الادلة

تحديد المنهج في الادلة والاصول

عرفنا سابقا ان الادلة التي يستند اليها الفقيه في استدلاله الفقهي واستنباطه للحكم الشرعي على قسمين، فهي: اما ادلة محرزة يطلب بها كشف الواقع، واما ادلة عملية (اصول عملية) تحدد الوظيفة العملية للشاك الذي لا يعلم بالحكم. ويمكن القول على العموم بان كل واقعة يعالج الفقيه حكمها يوجد فيها دليل من القسم الثاني اي اصل عملي يحدد لغير العالم الوظيفة العملية، فان توفر للفقيه الحصول على دليل محرز أخذ به وترك الاصل العملي وفقا لقاعدة تقدم الادلة المحرزة على الاصول العملية، كما يأتي ان شاء الله تعالى في تعارض الادلة، وان لم يتوفر دليل محرز أخذ بالاصل العملي فهو المرجع العام للفقيه حيث لا يوجد دليل محرز.

وتختلف الادلة المحرزة عن الاصول العملية في ان تلك تكون أدلة ومستندا للفقيه بلحاظ كاشفيتها عن الواقع واحرازها للحكم الشرعي، واما هذه فتكون أدلة من الوجهة العملية فقط، بمعنى انها تحدد كيف يتصرف الانسان الذي لا يعرف الحكم الشرعي للواقعة. كما ان الادلة المحرزة تختلف فيما بينها، لان بعضها أدلة قطعية تؤدي إلى القطع بالحكم الشرعي، وبعضها ادلة ظنية تؤدي إلى كشف ناقص محتمل الخطأ عن الحكم الشرعي، وهذه

[166]

الادلة الظنية هي التي تسمى بالامارات.

المنهج على مسلك حق الطاعة

واعم الاصول العملية - بناء على مسلك حق الطاعة - هو اصالة اشتغال الذمة، وهذا أصل يحكم به العقل ومفاده ان كل تكليف يحتمل وجوده ولم يثبت إذن الشارع في ترك التحفظ تجاهه فهو منجز، وتشتغل به ذمة المكلف، ومرد ذلك إلى ما تقدم من ان حق الطاعة للمولى يشمل كل ما ينكشف من التكاليف ولو انكشافا ظنيا أو احتماليا. وهذا الاصل هو المستند العام للفقيه، ولا يرفع يده عنه الا في بعض الحالات التالية:

اولا: اذا حصل له دليل محرز قطعي على نفي التكليف كان القطع معذرا بحكم العقل كما تقدم، فيرفع يده عن اصالة الاشتغال إذ لا يبقى لها موضوع.

ثانيا: اذا حصل له دليل محرز قطعي على اثبات التكليف فالتنجز يظل على حاله، ولكنه يكون بدرجة اقوى واشد كما تقدم.

ثالثا: اذا لم يتوفر له القطع بالتكليف لا نفيا ولا اثباتا، ولكن حصل له القطع بترخيص ظاهري من الشارع في ترك التحفظ، فحيث ان منجزية الاحتمال والظن معلقة على عدم ثبوت إذن من هذا القبيل كما تقدم، فمع ثبوته لا منجزية فيرفع يده عن اصالة الاشتغال. وهذا الاذن تارة يثبت بجعل الشارع الحجية للامارة (الدليل المحرز غير القطعي)، كما اذا أخبر الثقة المظنون الصدق بعدم الوجوب فقال لنا الشارع: صدق الثقة، وأخرى يثبت بجعل الشارع لاصل عملي من قبله، كأصالة الحل الشرعية القائلة (كل شئ حلال حتى تعلم انه حرام) والبراء‌ة الشرعية القائلة (رفع ما لا يعلمون) وقد تقدم الفرق بين الاماراة والاصل العملي.

[167]

رابعا: اذا لم يتوفر له القطع بالتكليف لا نفيا ولا اثباتا، ولكن حصل له القطع بان الشارع لا يأذن في ترك التحفظ، فهذا يعني ان منجزية الاحتمال والظن تظل ثابتة غير انها أكد وأشد مما إذا كان الاذن محتملا.

وهنا ايضا تارة يثبت عدم الاذن من الشارع في ترك التحفظ، بجعل الشارع الحجية للامارة، كما اذا أخبر الثقة المظنون الصدق بالوجوب فقال الشارع: ولا ينبغي التشكيك فيما يخبر به الثقة او قال: صدق الثقة، واخرى يثبت بجعل الشارع لاصل عملي من قبله كاصالة الاحتياط الشرعية المجعولة في بعض الحالات.

فائدة المنجزية والمعذرية الشرعية

وبما ذكرناه ظهر انه في الحالتين الاولى والثانية لا معنى لتدخل الشارع في ايجاد معذرية أو منجزية، لان القطع ثابت، وله معذرية ومنجزية كاملة، وفي الحالتين الثالثة الرابعة يمكن للشارع ان يتدخل في ذلك، فاذا ثبت عنه جعل الحجية للامارة النافية للتكليف او جعل أصل مرخص كأصالة الحل، ارتفعت بذلك منجزية الاحتمال او الظن. لان هذا الجعل منه إذن في ترك التحفظ، والمنجزية المذكورة معلقة على عدم ثبوت الاذن المذكور، واذا ثبت عنه جعل الحجية لامارة مثبتة للتكليف او لاصل يحكم بالتحفظ، تأكدت بذلك منجزية الاحتمال، لان ثبوت ذلك الجعل معناه العلم بعدم الاذن في ترك التحفظ ونفي لاصالة الحل ونحوها.

المنهج على مسلك قبح العقاب بلا بيان

وما تقدم كان بناء على مسلك حق الطاعة، واما بناء على مسلك قبح العقاب بلا بيان فالامر على العكس تماما والبداية مختلفة، فان اعم الاصول العملية حينئذ هو قاعدة قبح العقاب بلا بيان وتسمى ايضا بالبراء‌ة العقلية

[168]

ومفادها: ان المكلف غير ملزم عقلا بالتحفظ تجاه اي تكليف ما لم ينكشف بالقطع واليقين، وهذا الاصل لا يرفع الفقيه يده عنه الا في بعض الحالات: ولنستعرض الحالات الاربع المتقدمة لنرى حال الفقيه فيها بناء على مسلك قبح العقاب بلا بيان.

اما الحالة الاولى: فيظل فيها قبح العقاب ثابتا (أي المعذرية) غير انه يتأكد بحصول القطع بعدم التكليف.

واما الحالة الثانية: فيرتفع فيها موضوع البراء‌ة العقلية، لان عدم البيان على التكليف تبدل إلى البيان والقطع فيتنجز التكليف.

واما الحالة الثالثة: فيظل فيها قبح العقاب ثابتا، غير انه يتأكد بثبوت الاذن من الشارع في ترك التحفظ.

واما الحالة الرابعة: فاصحاب هذا المسلك يلتزمون عمليا فيها، بان التكليف يتنجز على الرغم من انه غير معلوم، ويتحيرون نظريا في كيفية تخريج ذلك على قاعدتهم القائلة بقبح العقاب بلا بيان، بمعنى ان الامارة المثبتة للتكليف بعد جعل الحجية لها او أصالة الاحتياط، كيف تقوم مقام القطع الطريقي فتنجز التكليف مع انه لا يزال مشكوكا وداخلا في نطاق قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وسيأتي في الحلقة التالية بعض اوجه العلاج للمشكلة عند اصحاب هذا المسلك.

الادلة المحرزة

تقسيم البحث في الادلة المحرزة

يعتمد الفقيه في عملية الاستنباط على عناصر مشتركة تسمى بالادلة المحرزة كما تقدم، وهي اما أدلة قطعية، بمعنى انها تؤدي إلى القطع بالحكم فتكون حجة على اساس حجية القطع الناتج عنها، واما ادلة ظنية، ويقوم دليل قطعي على حجيتها شرعا، كما إذا علمنا بان المولى أمر باتباعها فتكون حجة بموجب الجعل الشرعي.

والدليل المحرز في الفقه سواء كان قطعيا أو لا، ينقسم إلى قسمين.

الاول: الدليل الشرعي ونعني به كل ما يصدر من الشارع مما له دلالة على الحكم، ككلام الله سبحانه او كلام المعصوم. الثاني: الدليل العقلي ونعني به القضايا التي يدركها العقل ويمكن ان يستنبط منها حكم شرعي كالقضية العقلية القائلة بان إيجاب شئ يستلزم ايجاب مقدمته.

والقسم الاول ينقسم بدوره إلى نوعين: احدهما: الدليل الشرعي اللفظي، وهو كلام المعصوم كتابا أو سنة.

والآخر: الدليل الشرعي غير اللفظي، ويتمثل في فعل المعصوم سواء كان تصرفا مستقلا او موقفا امضائيا تجاه سلوك معين وهو الذي يسمى بالتقرير.

[172]

والبحث في هذا القسم بكلا نوعيه تارة يقع في تحديد دلالات الدليل الشرعي، واخرى في ثبوت صغراه، وثالثة في حجية تلك الدلالة ووجوب الاخذ بها، ففي الدليل الشرعي إذن ثلاثة أبحاث. ولكن قبل البدء بهذه الابحاث على الترتيب المذكور نستعرض بعض المبادئ والقواعد العامة في الادلة المحرزة.

الاصل عند الشك في الحجية

عرفنا ان للشارع دخلا في جعل الحجية للادلة المحرزة غير القطعية (الامارات)، فان احرزنا جعل الشارع الحجية لامارة فهو، وإذا شككنا في ذلك لم يكن بالامكان التعويل على تلك الامارة لمجرد احتمال جعل الشارع الحجية لها، لانها إن كانت نافية للتكليف ونريد ان نثبت بها المعذرية فمن الواضح بناء على ما تقدم عدم امكان ذلك ما لم نحرز جعل الحجية لها الذي يعني إذن الشارع في ترك التحفظ تجاه التكليف المشكوك، إفذ بدون إحراز هذا الاذن تكون منجزية الاحتمال للتكليف الواقعي قائمة بحكم العقل، ولا ترتفع هذه المنجزية الا بإحراز الاذن في ترك التحفظ، ومع الشك في الحجية لا احراز للاذن المذكور. وان كانت الامارة مثبتة للتكليف، ونريد ان نثبت بها المنجزية خروجا عن أصل معذر كأصالة الحل المقررة شرعا، فواضح ايضا انا ما لم نقطع بحجيتها لا يمكن رفع اليد بها عن دليل أصالة الحل مثلا، فدليل الاصل الجاري في الواقعة والمؤمن عن التكليف المشكوك، هو المرجع ما لم يقطع بحجية الامارة المثبتة للتكليف. وبهذا صح القول ان الاصل عند الشك في الحجية عدم الحجية، بمعنى ان الاصل نفوذ الحالة المتفرضة لولا تلك الامارة من منجزية او معذرية.

مقدار ما يثبت بالادلة المحرزة

الدليل المحرز له مدلول مطابقي ومدلول التزامي، فكلما كان الدليل المحرز حجة ثبت بذلك مدلوله المطابقي، واما مدلوله الالتزامي ففيه بحث، وحاصله ان الدليل المحرز إذا كان قطعيا فلا شك في ثبوت مدلولاته الالتزامية به لانها تكون قطعية ايضا، فتثبت بالقطع كما يثبت المدلول المطابقي بذلك، واذا كان الدليل ظنيا وقد ثبتت حجيته بجعل الشارع كما في الامارة مثل خبر الثقة وظهور الكلام فهنا حالتان: الاولى: ان يكون موضوع الحجية - اي ما حكم الشارع بانه حجة - صادقا على الدلالة الالتزامية كصدقها على الدلالة المطابقية، ومثال ذلك: ان يرد دليل على حجية خبر الثقة، ويقال بان الاخبار عن شئ اخبار عن لوازمه، وفي هذه الحالة يثبت المدلول الالتزامي لانه مما أخبر عنه الثقة بالدلالة الالتزامية فيشمله دليل الحجية المتكفل للامر بالعمل بكل ما أخبر به الثقة مثلا.

الثانية: ان لا يكون موضوع الحجية صادقا على الدلالة الالتزامية، ومثال ذلك: ان يرد دليل على حجية ظهور اللفظ، فان الدلالة الالتزامية غير العرفية ليست ظهورا لفظيا فلا تشكل فردا من موضوع دليل الحجية، فمن هنا يقع البحث في حجية الدليل لاثبات المدلول الالتزامي في حالة من هذا القبيل، وقد يستشكل في ثبوت هذه الحجية بدليل حجية الظهور، لان دليل حجية الظهور لا يثبت الحجية الا لظهور اللفظ، والدلالة الالتزامية لهذا الظهور ليست ظهورا لفظيا فلا تكون حجة، ومجرد علمنا من الخارج بان ظهور اللفظ اذا كان صادقا فدلالته الالتزامية صادقة ايضا، لا يبرر استفادة الحجية للدلالة الالتزامية، لان الحجية حكم شرعي، وقد يخصصه بإحدى الدلالتين دون الاخرى على الرغم من تلازمهما في الصدق.

[174]

ويوجد في هذا المجال اتجاهان: احدهما للمشهور وهو: ان دليل الحجية كلما استفيد منه جعل الحجية لشئ بوصفه إمارة على الحكم الشرعي كان ذلك كافيا لاثبات لوازمه ومدلولاته الالتزامية. وعلى هذا الاساس وضعوا قاعدة مؤداها ان مثبتات الامارات حجة، اي ان الامارة كما يعتبر اثباتها لمدلوها المطابقي حجة، كذلك اثباتها لمدلولها الالتزامي. والاتجاه الآخر للسيد الاستاذ حيث ذهب إلى ان مجرد قيام دليل حجية إمارة على اساس ما لها من كشف عن الحكم الشرعي لا يكفي لذلك، إذ من الممكن ثبوتا ان الشارع يتعبد المكلف بالمدلول المطابقي من الامارة فقط، كما يمكنه ان يتعبده بكل ما تكشف عنه مطابقة او التزاما، وما دام كلا هذين الوجهين ممكنا ثبوتا، فلا بد لتعيين الاخير منهما من وجود اطلاق في دليل الحجية يقتضي امتداد التعبد وسريانه إلى المداليل الالتزامية.

والصحيح هو الاتجاد الاول، وذلك لاننا عرفنا سابقا ان الامارة معناها الدليل الظني الذي يستظهر من دليل حجيته، ان تمام الملاك بحجيته هو كشفه بدون نظر إلى نوع المنكشف، وهذا الاستظهار متى ما تم في دليل الحجية كان كافيا لاثبات الحجية في المدلولات الالتزامية ايضا، لان نسبة كشف الامارة إلى المدلول المطابقي والالتزامي بدرجة واحدة دائما، وما دام الكشف هو تمام الملاك للحجية بحسب الفرض، فيعرف من دليل الحجية ان مثبتات الامارة كلها حجة. وعلى خلاف ذلك الاصول العملية تنزيلية أو غيرها فانها لما كانت مبنية على ملاحظة نوع المؤدى كما تقدم فلا يمكن ان يستفاد من دليلها اسراء التعبد إلى كل اللوازم الا بعناية خاصة في لسان الدليل، ومن هنا قيل إن الاصول العملية ليست حجة في مثبتاتها اي في مدلولاتها الالتزامية، وسيأتي تفصيل الكلام عن ذلك في ابحاث الاصول العملية ان شاء الله تعالى.

تبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية

عرفنا ان الامارات حجة في المدلول المطابقي والمدلول الالتزامي معا، والمدلول الالتزامي تارة يكون مساويا للمدلول المطابقي، واخرى يكون اعم منه، ففي حالة المساواة اذا علم بان المدلول المطابقي باطل فقد علم ببطلان المدلول الالتزامي ايضا، وبذلك تسقط الامارة بكلا مدلوليها عن الحجية، واما اذا كان اللازم اعم وبطل المدلول المطابقي، فالمدلول الالتزامي يظل محتملا، ومن هنا يأتي البحث التالي: وهو ان حجية الامارة في اثبات المدلول الالتزامي هل ترتبط بحجيتها في اثبات المدلول المطابقي أو لا؟ فالارتباط يعني انها اذا سقطت عن الحجية في المدلول المطابقي للعلم ببطلانه مثلا، سقطت ايضا عن الحجية في المدلول الالتزامي وهو معنى التبعية، وعدم الارتباط يعني ان كلا من الدلالة المطابقية والدلالة الالتزامية حجة ما لم يعلم ببطلان مفادها بالخصوص، ومجرد العلم ببطلان المدلول المطابقي لا يوجد خللا في حجية الدلالة الالتزامية ما دام المدلول الالتزامي محتملا ولم يتضح بطلانه بعد.

وقد يستدل على الارتباط بأحد الوجهين التاليين: الاول: ان الدلالة الالتزامية متفرعة في وجودها على الدلالة المطابقية، فتكون متفروعة في حجيتها ايضا. ويلاحظ على ذلك ان التفرع في الوجود لماذا يستلزم التفرع في الحجية؟ أو لا يمكن ان نفترض ان كل واحدة من الدلالتين موضوع مستقل للحجية بلحاظ كاشفيتها؟ الثاني ان نفس السبب الذي يوجب سقوط الدلالة المطابقية عن الحجية، يوجب دائما سقوط الدلالة الالتزامية، فإذا علم مثلا بعدم ثبوت المدلول المطابقي وسقطت بذلك حجية الدلالة المطابقية، فان هذا العلم بنفسه يعني العلم ايضا بعدم ثبوت المدلول الالتزامي، لان ما تحكي عنه الدلالة الالتزامية

[176]

دائما حصة خاصة من اللازم، وهي الحصة الناشئة او الملازمة للمدلول المطابقي لا طبيعي اللازم على الاطلاق، وتلك الحصة مساوية للمدلول المطابقي دائما.

وبكلمة اخرى ان ذات اللازم وان كان أعم احيانا، ولكنه بما هو مدلول التزامي مساو دائما للمدلول المطابقي فلا يتصور ثبوته بدونه، فموت زيد وان كان اعم من احتراقه بالنار ولكن من اخبر باحتراقه بالمطابقة فهو لا يخبر التزاما بالموت الاعم ولو كان بالسم، بل مدلوله الالتزامي هو الموت الناشئ من الاحتراق خاصه، فاذا كنا نعلم بعدم الاحتراق فكيف نعمل بالمدلول الالتزامي؟ وسيأتي تكميل البحث عن ذلك وتعميقه في الحلقة الآتيه ان شاء الله تعالى.

وفاء الدليل بدور القطع الموضوعي

الدليل المحرز اذا كان قطعيا فهو يفي بما يقتضيه القطع الطريقي من منجزية ومعذرية، لانه يوجد القطع في نفس المكلف بالحكم الشرعي، كما انه يفي بما يترتب على القطع الموضوعي من احكام شرعيه، لان هذه الاحكام يتحقق موضوعها وجدانا.

والدليل المحرز غير القطعي (اي الامارة) يفي بما يقتضيه القطع الطريقي من منجزية ومعذرية، فالامارة الحجة شرعا إذا دلت على ثبوت التكليف اكدت منجزيته واذا دلت على نفي التكليف كانت معذرا عنه ورفعت أصالة الاشتغال كما لو حصل القطع الطريقي بنفي التكليف كما تقدم توضيحه، وهذا معناه قيام الامارة مقام القطع الطريقي، ولكن هل تفي الامارة بالقيام مقام القطع الموضوعي فيه بحث وخلاف فلو قال المولى كل ما قطعت بانه خمر فأرقه وقامت الامارة الحجة شرعا على ان هذا خمر ولم يحصل القع بذلك، فهل يترتب وجوب الاراقة على هذه الامارة كما يترتب على القطع

[177]

أولا؟ وهنا تفصيل وهو انا تارة نفهم من دليل وجوب اراقة مقطوع الخمرية، ان مقصود هذا الدليل من المقطوع ما قامت حجة منجزة على خمريته وليس القطع الا كمثال، واخرى نفهم منه اناطة الحكم بوجوب الاراقة بالقطع بوصفه كاشفا تاما لا يشوبه شك ففي الحالة الاولى تقوم الامارة الحجة مقام القطع الموضوعي ويترتب عليها وجوب الاراقة لانها تحقق موضوع هذا الوجوب وجدانا وهو الحجة.

وفي الحالة الثانية لا يكفي مجرد كون الامارة حجة وقيام دليل على حجيتها ووجوب العمل بها لكي تقوم مقام القطع الموضوعي، لان وجوب الاراقة منوط بالقطع بما هو كاشف تام، والامارة وان اصبحت حجة ومنجزة لمؤداها بجعل الشارع، ولكنها ليست كاشفا تاما على اي حال، فلا يترتب عليها وجوب الاراقة، إلا اذا ثبت في دليل الحجية او في دليل آخر، ان المولى اعمل عناية ونزل الامارة منزلة الكاشف التام في احكامه الشرعية، كما نزل الطواف منزلة الصلاة في قوله: الطواف بالبيت صلاة، وهذه عناية اضافية لا يستبطنها مجرد جعل الحجية للامارة. وبهذا صح القول إن دليل حجية الامارة بمجرد افتراضه الحجية لا يفي لاقامتها مقام القطع الموضوعي.

اثبات الدليل لجواز الاستناد

من المقرر فقهيا ان اسناد حكم إلى الشارع بدون علم غير جائز، وعلى هذا الاساس فاذا قام على الحكم دليل وكان الدليل قطعيا، فلا شك في جواز اسناد مؤداه إلى الشارع لانه اسناد بعلم.

واما اذا كان الدليل غير قطعي كما في الامارة التي قد جعل الشارع لها الحجية وأمر باتباعها فهل يجوز هنا اسناد الحكم إلى الشارع؟ لا ريب في جواز اسناد نفس الحجية والحكم الظاهري إلى الشارع لانه معلوم وجدانا.

[178]

واما الحكم الواقعي الذي تحكي عنه الامارة فقد يقال: إن اسناده غير جائز لانه لا يزال غير معلوم، ومجرد جعل الحجية للامارة لا يبرر الاسناد بدون علم، وانما يجعلها منجزة ومعذرة من الوجهة العملية.

وقد يقال إن هذا مرتبط بالبحث السابق في قيام الامارة مقام القطع الموضوعي، لان القطع أخذ موضوعا لجواز اسناد الحكم إلى المولى، فاذا استفيدت من دليل الحجية تلك العناية الاضافية التي تقوم الامارة بموجبها مقام القطع الموضوعي، ترتب عليها جواز اسناد مؤدى الامارة إلى الشارع وإلا فلا.

الدليل الشرعي(1 - الدليل الشرعي اللفظي)

تمهيد

لما كان الدليل الشرعي اللفظي يتمثل في الفاظ يحكمها نظام اللغة.. ناسب ذلك أن نبحث في مستهل الكلام عن العلاقات اللغوية بين الالفاظ والمعاني، ونصنف اللغة بالصورة التي تساعد على ممارسة الدليل اللفظي والتمييز بين درجات من الظهور اللفظي.

الظهور التصوري والظهور التصديقي

إذا سمعنا كلمة مفردة كالماء من آلة إنتقل ذهننا إلى تصور المعنى، وكذلك إذا سمعناها من إنسان متلفت، ولكننا في هذه الحالة لا نتصور المعنى فحسب بل نستكشف من اللفظ إن الانسان قصد بتلفظه أن يخطر ذلك المعنى في ذهننا، بينما لا معنى لهذا الاستكشاف حينما تصدر الكلمة من آلة، فهناك إذن دلالتان لكلمة الماء أحدهما: الدلالة الثابتة حتى في حالة الصدور من آلة وتسمى بالدلالة التصورية. والاخرى: الدلالة التي توجد عند صدور الكلمة من المتلفظ الملتفت وتسمى بالدلالة التصديقية.

وإذا ضم المتلفظ الملتفت كلمة أخرى فقال (الماء بارد) إستكسفنا أنه يريد أن يخطر في ذهننا معنى الماء ومعنى بارد، ومعنى جملة الماء بارد ككل. ولكن

[184]

لماذا يريد أن نتصور ذلك كله؟ والجواب أن تلفظه بهذه الجملة يدل عادة على أن المتكلم يريد بذلك أن يخبرنا ببرودة الماء ويقصد الحكاية عن ذلك، بينما في بعض الحالات لا يكون قاصدا ذلك كما في حالات الهزل، فإن الهازل لا يقصد إلا إخطار صورة المعنى في ذهن السامع فقط على خلاف المتكلم الجاد.

فالمتكلم الجاد حينما يقول الماء بارد يكتسب كلامه ثلاث دلالات وهي: الدلالة التصورية المتقدمة، والدلالة التصديقية المتقدمة، ولنسميها بالدلالة التصديقية الاولى، ودلالة ثالثة هي الدلالة على قصد الحكاية والاخبار عن برودة الماء، وتسمى بالدلالة على المراد الجدي، كما تسمى بالدلالة التصديقية الثانية. وأما الهازل حين يقول الماء بارد، فلكلامه دلالة تصورية ودلالة تصديقية أولى دون الدلالة التصديقية الثانية، لانه ليس جادا ولا يريد الاخبار حقيقية، وأما الآلة حين تردد الجملة ذاتها فليس لها إلا دلالة تصورية فقط. وهكذا امكن التمييز بين ثلاثة اقسام من الدلالة.

الوضع وعلاقته بالدلالات المتقدمة

والدلالة التصويرية هي في حقيقتها علاقة سببية بين تصور اللفظ وتصور المعنى، ولما كانت السببية بين شيئين لا تحصل بدون مبرر، إتجه البحث إلى تبريرها، ومن هنا نشأت عدة إحتمالات.

الاول: إحتمال السببية الذاتية بأن يكون اللفظ بذاته دالا على المعنى وسببا لاحضار صورته. ولا شك في سقوط هذا الاحتمال لما هو معروف بالخبرة والملاحظة من عدم وجود أية للفظ لدى الانسان قبل الاكتساب والتعلم.

الثاني: إفتراض أن السببية المذكورة نشأت من وضع الواضع اللفظ للمعنى، والوضع نوع إعتبار يجعله الواضع وإن إختلف المحققون في نوعية

[185]

المعتبر، فهناك من قال إنه إعتبار سببية اللفظ لتصور المعنى، ومن قال إنه إعتبار كون اللفظ اداة لتفهيم المعنى، ومن قال إنه إعتبار ون اللفظ على المعنى، كما توضع الاعمدة على رؤوس الفراسخ.

ويرد على هذا المسلك بكل محتملاته أن سببية اللفظ لتصور المعنى سببية واقعية بعد الوضع، ومجرد إعتبار كون شئ سببا لشئ أو إعتبار ما يقارب هذا المعنى لا يحقق السببية واقعا، فلا بد لاصحاب مسلك الاعتبار في الوضع أن يفسروا كيفية نشوء السببية الواقعية من الاعتبار المذكور، وقد يكون عجز هذا المسلك عن تفسير ذلك أدى بآخرين إلى إختيار الاحتمال الثالث الآتي: الثالث: أن دلالة اللفظ تنشأ من الوضع، والوضع ليس إعتبارا، بل هو تعهد من الواضع بأن لا يأتي باللفظ إلا عند قصد تفهيم المعنى، وبذلك تنشأ ملازمة بين الاتيان باللفظ وقصد تفهيم المعنى، ولازم ذلك أن يكون الوضع هو السبب في الدلالة التصديقية المستبطنة ضمنا للدلالة التصورية، بينما على مسلك الاعتبار لا يكون الوضع سببا الا للدلالة التصورية. وهذا فرق مهم بين المسلكين، وهناك فرق آخر وهو أنه بناء على التعهد يجب إفتراض كل متكلم متعهدا وواضعا لكي تتم الملازمة في كلامه، وأما بناء على مسلك الاعتبار فيفترض ان الوضع اذا صدر في البداية من المؤسس أوجب دلالة تصورية عامة لكل من علم به بدون حاجة إلى تكرار عملية الوضع من الجميع. ويرد على مسلك التعهد.

أولا: ان المتكلم لا يتعهد عادة، بأن لا يأتي باللفظ إلا إذا قصد تفهيم المعنى الذي يريد وضع اللفظ له، لان هذا يعني إلتزامه ضمنا بأن لا يستعمله مجازا، مع أن كل متكلم كثيرا ما يأتي باللفظ به تفهيم المعنى المجازي، فلا يحتمل صدور الالتزام الضمني المذكور من كل متكلم.

[186]

وثانيا: أن الدلالة اللفظية والعلقة اللغوية بموجب هذا المسلك تتضمن إستدلالا منطقيا وإدراكا للملازمة وإنتقالا من أحد طرفيها إلى الآخر، مع أن وجودها في حياة الانسان يبدأ منذ الادوار الاولى لطفولته وقبل أن ينضح أي فكر إستدلالي له، وهذا يبرهن على إنها أبسط من ذلك.

والتحقيق أن الوضع يقوم على أساس قانون تكويني للذهن البشري، وهو: أنه كلما إرتبط شيئان في تصور الانسان ارتباطا مؤكدا اصبح بعد ذلك تصور أحدهما مستدعيا لتصور الآخر.

وهذا الربط بين تصورين تارة يحصل بصورة عفوية، كالربط بين سماع الزئير وتصور الاسد الذي حصل نتيجة التقارن الطبيعي المتكرر بين سماع الزئير ورؤية الاسد، وأخرى يحصل بالعناية التي يقوم بها الواضع، إذ يربط بين اللفظ وتصور معنى مخصوص في ذهن الناس فينتقلون من سماع اللفظ إلى تصور المعنى، والاعتبار الذي تحدثنا عنه في الاحتمال الثاني، ليس إلا طريقة يستعملها الواضع في ايجاد ذلك الربط والقرن المخصوص بين اللفظ وصورة المعنى. فمسلك الاعتبار هو الصحيح، ولكن بهذا المعنى وبذلك صح أن يقال إن الوضع قرن مخصوص بين تصور اللفظ وتصور المعنى بنحو أكيد لكي يستتبع حالة إثارة أحدهما للآخر في الذهن. ومن هنا نعرف أن الوضع ليس سببا إلا للدلالة التصورية، وأما الدلالتان التصديقيتان الاولى والثانية، فمنشأهما الظهور الحالي والسياقي للكلام لا الوضع.

الوضع التعييني والتعيني:

وقد قسم الوضع من ناحية سببه إلى تعييني وتعيني، فقيل إن العلاقة بين اللفظ والمعنى أن نشأت من جعل خاص فالوضع تعييني، وإن نشأت من كثرة

[187]

الاستعمال بدرجة توجب الالفة الكاملة بين اللفظ والمعنى فالوضع تعيني.

ويلاحظ على هذا التقسيم بأن الوضع إذا كان هو الاعتبار أو التعهد، فلا يمكن أن تنشأ عن كثرة الاستعمال مباشرة، لوضوح أن الاستعمال المتكرر لا يولد بمجرده إعتبارا ولا تعهدا، فلا بد من إفتراض أن كثرة الاستعمال تكشف عن تكون هذا الاعتبار أو التعهد، فالفرق بين الوضعين في نوعية الكاشف عن الوضع.

وهذه الملاحظة لا ترد على ما ذكرناه في حقيقة الوضع من أنه القرن الاكيد بين تصور اللفظ وتصور المعنى، فإن حالة القرن الاكيد تحصل بكثرة الاستعمال أيضا لانها تؤدي إلى تكرر الاقتران بين تصور اللفظ وتصور المعنى فيكون القرن بينهما أكيدا بهذا التكرر إلى أن يبلغ إلى درجة تجعل أحد التصورين صالحا لتوليد التصور الآخر فيتم بذلك الوضع التعيني.

توقف الوضع على تصور المعنى

ويشترط في كل وضع يباشره الواضع أن يتصور الواضع المعنى الذي يريد أن يضع اللفظ له لان الوضع بمثابة الحكم على المعنى واللفظ، وكل حاكم لا بد له من إستحضار موضوع حكمه عند جعل ذلك الحكم. وتصور المعنى تارة يكون بإستحضاره مباشرة وأخرى بإستحضار عنوان منطبق عليه وملاحظته بما هو حاك عن ذلك المعنى. وهذا الشرط يتحقق في ثلاث حالات:

الاولى: أن يتصور الواضع معنى كليا كالانسان ويضع اللفظ بإزائه ويسمى بالوضع العام والموضوع له العام.

الثانية: إن يتصور الواضع معنى جزئيا كزيد ويضع اللفظ بإزائه ويسمى بالوضع الخاص والموضوع له الخاص.

[188]

الثالثة: أن يتصور الواضع عنوانا مشيرا إلى فرده ويضع اللفظ بإزاء الفرد الملحوظ من خلال ذلك العنوان المشير ويسمى بالوضع العام والموضوع له الخاص.

وهناك حالة رابعة لا يتوفر فيها الشرط المذكور ويطلق عليها إسم الوضع الخاص والموضوع له العام وهي أن يتصور الفرد ويضع اللفظ لمعنى جامع، وهذا مستحيل لان الفرد والخاص ليس عنوانا منطبقا على ذلك المعنى الجامع ليكون مشيرا إليه، فالمعنى الجامع في هذه الحالة لا يكون مستحضرا بنفسه ولا بعنوان مشيرا إليه ومنطبق عليه. ومثال الحالة الاولى أسماء الاجناس، ومثال الحالة الثانية الاعلام الشخصية، وأما الحالة الثالثة فقد وقع الخلاف في جعل الحروف مثالا لها وسيأتي الكلام عن ذلك في بحث مقبل إن شاء الله تعالى.

توقف الوضع على تصور اللفظ

كما يتوقف الوضع على تصور المعنى كذلك يتوقف على تصور اللفظ، أما بنفسه فيسمى الوضع شخصيا، وأما بعنوان مشير اليه فيسمى الوضع نوعيا.

ومثال الاول: وضع اسماء الاجناس.

ومثال الثاني: وضع الهيئة المحفوظة في ضمن كل أسماء الفاعلين لمعنى هيئة إسم الفاعل، فإن الهيئة لما كانت لا تنفصل في مقام التصور عن المادة وكان من الصعب إحضار تمام المواد عند وضع إسم الفاعل إعتاد الواضع أن يحضر الهيئة في ضمن مادة معينة كفاعل، ويضع كل ما كان على هذه الوتيرة للمعنى الفلاني فيكون الوضع نوعيا.

[189]

المجاز

يكتسب اللفظ بسبب وضعه للمعنى الحقيقي صلاحية الدلالة على المعنى الحقيقي من أجل الاقتران الخاص بينهما، كما يكتسب صلاحية الدلالة على كل معنى مقترن بالمعنى الحقيقي إقترانا خاصا كالمعاني المجازية المشابهة، غير أنها صلاحية بدرجة أضعف، لانها تقوم على أساس مجموع إقترانين، ومع إقتران اللفظ بالقرينة على المعنى المجازي تصبح هذه الصلاحية فعلية ويكون اللفظ دالا فعلا على المعنى المجازي. وأما في حالة عدم وجود القرينة فالذي ينسبق إلى الذهن من اللفظ تصور المعنى الموضوع له، ومن هنا يقال إن ظهور الكلام في مرحلة المدلول التصوري يتعلق بالمعنى الموضوع له دائما بمعنى أنه هو الذي تأتي صورته إلى الذهن بمجرد سماع اللفظ دون المعنى المجازي. وما ذكرناه من إكتساب اللفظ صلاحية الدلالة على المعنى المجازي لا يحتاج إلى وضع خاص وراء وضع اللفظ لمعناه الحقيقي، وإنما يحصل بسبب وضعه للمعنى الحقيقي:

وإنما الكلام في أنه هل يصح إستعمال اللفظ في المعنى المجازي ما دام أصبح صالحا للدلالة عليه أو تتوقف صحته على وضع معين، وعلى تقدير القول بالتوقف لا بد من تصوير الوضع المصحح للاستعمال المجازي بنحو يختلف عن الوضع للمعنى الحقيقي - وإلا لانقلب المعنى المجازي إلى حقيقي وهو خلف - ويحفظ الطولية بين الوضعين على نحو يفسر أسبقية المعنى الحقيقي إلى الذهن عند سماع اللفظ المجرد عن القرينة، وذلك بأن يدعى مثلا وضع اللفظ المنضم إلى القرينة للمعنى المجازي فحيث لا قرينة تنحصر علاقة اللفظ بالمعنى الحقيقي ولا يزاحمه المعنى المجازي.

[190]

والصحيح عدم الاحتياج إلى وضع المجاز لتصحيح الاستعمال، لانه إن أريد بصحة الاستعمال حسنة فواضح أن كل لفظ له صلاحية الدلالة على معنى يحسن إستعماله فيه وقصد تفهيمه به، واللفظ له هذه الصلاحية بالنسبة إلى المعنى المجازي كما عرفت فيصح إستعماله فيه، وان أريد بصحة الاستعمال إنتسابه إلى اللغة التي يريد المتكلم التكلم بها فيكفي في ذلك أن يكون الاستعمال مبنيا على صلاحية في اللفظ للدلالة على المعنى ناشئة من أوضاع تلك اللغة.

علامات الحقيقة والمجاز

ذكر المشهور عدة علامات لتمييز المعنى الحقيقي عن المجازي.

منها: التبادر من اللفظ أي إنسباق المعنى إلى الذهن منه لان المعنى المجازي لا يتبادر من اللفظ إلا بضم القرينة، فإذا حصل التبادر بدون قرينة كشف عن كون المتبادر معنى حقيقيا. وقد يعترض على ذلك بأن تبادر المعنى الحقيقي من اللفظ يتوقف على علم الشخص بالوضع فإذا توقف علمه بالوضع على هذه العلامة لزم الدور.

وأجيب على ذلك بأن التبادر يتوقف على العلم الارتكازي بالمعنى وهو العلم المترسخ في النفس الذي يلتئم مع الغفلة عنه فعلا والمطلوب من التبادر العلم الفعلي المتقوم بالالتفات فلا دور، كما أن افتراض كون التبادر عند العالم علامة عند الجاهل لا دور فيه أيضا. والتحقيق أن الاعتراض بالدور لا محل له اساسا لانه مبني على افتراض ان انتقال الذهن إلى المعنى من اللفظ فرع العلم بالوضع مع إنه فرع نفس الوضع أي وجود عملية القرن الاكيد بين تصور اللفظ وتصور المعنى في ذهن الشخص، فالطفل الرضيع الذي إقترنت عنده كلمة "ماما" برؤية أمه يكفي نفس هذا الاقتران الاكيد ليتصور أمه عندما يسمع كلمة " ماما " مع إنه ليس عالما بالوضع إذ لا يرعف معنى الوضع.

[191]

فالتبادر إذن يتوقف على وجود عملية القرن الاكيد بين التصورين في ذهن الشخص، والمطلوب من التبادر تحصيل العلم بالوضع أي العلم بذلك القرن الاكيد فلا دور.

ومنها: صحة الحمل فإن صح الحمل الاولي الذاتي للفظ المراد إستعلام حاله على معنى ثبت كونه هو المعنى الموضوع له، وإن صح الحمل الشايع ثبت كون المحمول عليه مصداقا لعنوان هو المعنى له اللفظ، وإذا لم يصح كلا الحملين ثبت عدم كون المحمول عليه نفسه المعنى الموضوع له ولا مصداقه.

والصحيح أن صحة الحمل إنما تكون علامة على كون المحمول عليه هو نفس المعنى المراد في المحمول أو مصداق المعنى المراد، أما أن هذا المعنى المراد في جانب المحمول هل هو معنى حقيقى للفظ او مجازى، فلا سبيل إلى تعيين ذلك عن طريق صحة الحمل، بل لا بد أن يرجع الانسان إلى مرتكزاته لكي يعين ذلك.

ومنها: الاطراد وهو أن يصح إستعمال اللفظ في المعنى المشكوك كونه حقيقيا في جميع الحالات، وبلحاظ أي فرد من أفراد ذلك المعنى فيدل الاطراد في صحة الاستعمال على كونه هو المعنى الحقيقي للفظ، إذ لا إطراد في صحة الاستعمال في المعنى المجازي.

وقد أجيب على ذلك بأن الاستعمال في معنى إذا صح مجازا ولو في حال وبلحاظ فرد صح دائما، وبلحاظ سائر الافراد مع الحفاظ على كل الخصوصيات والشؤون التي بها صح الاستعمال في تلك الحالة أو في ذلك الفرد، فالاطراد ثابت إذن في المعاني المجازية أيضا مع الحفاظ على الخصوصيات التي بها صح الاستعمال.

تحويل المجاز إلى حقيقة

إذا استعمل الانسان كلمة الاسد مثلا الموضوعة للحيوان المفترس في الرجل الشجاع فهذا إستعمال مجازي.

[192]

وقد يحتال لتحويله إلى إستعمال حقيقي بأن يستعمله في الحيوان المفترس ويطبقه على الرجل الشجاع، بإفتراض أنه مصداق للحيوان المفترس، إذ بالامكان أن يفترض غير المصداق مصداقا بالاعتبار والعناية، ففي هذه الحالة لا يوجد تجوز في الكلمة لانها استعملت فيما وضعت له، وإنما العناية في تطبيق مدلولها على غير مصداقه فهو مجاز عقلي لا لفظي.

إستعمال اللفظ وإرادة الخاص

إذا إستعمل اللفظ وأريد به معنى مباين لما وضع له فهو مجاز بلا شك. وإما إذا كان المعنى الموضوع له اللفظ ذا حصص وحالات كثيرة وأريد به بعض تلك الحصص، كما إذا أتيت بلفظ الماء واردت ماء الفرات فهذا له حالتان: الاولى: أن تستعمل لفظة الماء بمفردها في تلك الحصة بالذات أي في ماء الفرات بما هو ماء خاص، وهذا يكون مجازا لان اللفظ لم يوضع للخاص بما هو خاص.

الثانية: ان تستعمل لفظة الماء معناها المشترك بين ماء الفرات وغيره وتأتي بلفظ آخر يدل على خصوصية الفرات بان تقول ائتني بماء الفرات، فالحصة الخاصة قد أفيدت بمجموع كلمتي ماء والفرات لا بكلمة ماء فقط، وكل من الكلمتين قد إستعملت في معناها الموضوعة له فلا تجوز، ونطلق على إرادة الخاص بهذا النحو طريقة تعدد الدال والمدلول، فطريقة تعدد الدال والمدلول نعني بها افادة مجموعة من المعاني بمجموعة من الدوال وبازاء كل دال واحد من تلك المعاني.

الاشتراك والترادف

لاشك في إمكان الاشتراك وهو وجود معنيين للفظ واحد والترادف وهو وجود لفظين لمعنى واحد بناء على غير مسلك التعهد في تفسير الوضع،

[193]

ومجرد كون الاشتراك مؤديا إلى الاجمال وتردد السامع في المعنى المقصود لا يوجب فقدان الوضع المتعدد لحكمته، لان حكمته إنما هي إيجاد ما يصلح للتفهيم في مقام الاستعمال ولو بضم القرينة.

وأما على مسلك التعهد إذا فلا يخلو تصوير الاشتراك والترادف من إشكال، لان التعهد إذا كان بمعنى الالتزام بعدم الايتان باللفظ، إلا إذا قصد تفهيم المعنى الذي يضع له اللفظ امتنع الاشتراك المضتمن لتعهدين من هذا القبيل بالنسبة إلى لفظ واحد، اذ يلزم ان يكون عند الاتيان باللفظ قاصدا لكلا المعنيين وفاء بكلا التعهدين، وهو غير مقصود من المتعهد جزما، وإذا كان التعهد بمعنى الالتزام بالاتيان باللفظ عند قصد تفهيم المعنى امتنع الترادف المتضمن لتعهدين من هذا القبيل بالنسبة إلى معنى واحد، إذ يلزم أن يأتي بكلا اللفظين عند قصد تفهيم المعنى، وهو غير مقصود من المتعهد جزما.

وحل الاشكال اما بإفتراض تعدد المتعهد او وحدة المتعهد بان يكون متعهدا بعدم الاتيان باللفظ إلا اذا قصد تفيهم أحد المعنيين بخصوصه، أو متعهدا عند قصد تفيهم المعنى بالاتيان بأحد اللفظين، أو فرض تعهدين مشروطين على نحو يكون المتعهد به في كل منهما مقيدا بعدم الآخر.

تصنيف اللغة

تنقسم اللغة إلى كلمة بسيطة وكلمة مركبة، وهيئة تركيبية، تقوم بأكثر من كلمة، فالكلمة البسيطة هي الكلمة الموضوعة بمادة حروفها وتركيبا الخاص، بوضع واحد للمعنى، من قبيل أسماء الاجناس وأسماء الاعلام والحروف. والكلمة المركبة هي الكلمة التي يكون لهيئتها وضع، ولمادتها وضع آخر من قبيل الفعل، والهيئة التركيبية وهي الهيئة التي تحصل بانضمام كلمة إلى أخرى وتكون موضوعة لمعنى خاص.

والهيئات والحروف عموما لا تستقل معانيها بنفسها لانها من سنخ النسب والارتباطات، ففي قولنا: السير إلى مكة

[194]

المكرمة واجب، تدل (إلى) على نسبة خاصة بين السير ومكة، حيث إن السير ينتهي بمكة، وتدل هيئة مكة المكرمة على نسبة وصفية وهي كون (المكرمة) وصاف لمكة وتدل هيئة جملة السير.. واجب على نسبة خاصة بين السير وواجب، وهي أن الوجوب ثابت فعلا للسير.

والنسبة التي يدل عليها الحرف غير كافية بمفردها لتكوين جملة تامة، ولهذا تسمى بالنسبة الناقصة. وأما الهيئات فبعضها يدل على النسبة الناقصة كهيئة الجملة الوصفية وبعضها يدل على النسبة التي تتكون بها جملة تامة وتسمى نسبة تامة، وذلك كهيئة الجملة الخبرية او هيئة الجملة الانشائية من قبيل زيد عالم وصم. ويصطلح أصوليا على التعبير بالمعنى الحرفي عن كل نسبة، سواء كانت مدلولة للحرف أو الهيئة الجملة الناقصة أو لهيئة الجملة التامة، وبالمعنى الاسمي عما سوى ذلك من المدلولات. ويختلف المعنى الحرفي عن المعني الاسمي في أمور منها: أن المعنى الحرفي بإعتباره نسبة وكل نسبة متقومة بطرفيها فلا يمكن أن يلحظ دائما ضمن طرفي النسبة، وأما المعنى الاسمي فيمكن أن يلحظ بصورة مستقلة.

وقد ذهب المحقق النائيني (رحمه الله) إلى التفرقة بين المعاني الاسمية والمعاني الحرفية بأن الاولى إخطارية والثانية إيجادية. والمستفاد من ظاهر كلمات مقرري بحثه أن مراده بكون المعني الاسمي إخطاريا، أن الاسم يدل على معنى ثابت في ذهن المتكلم في المرتبة السابقة على الكلام، وليس دور الاسم إلا التعبير عن ذلك المعنى، ومراده بكون المعنى الحرفي إيجاديا أن الحرف أداة للربط بين مفردات الكلام فمدلوله هو نفس الربط الواقع في مرحلة الكلام بين مفرداته، ولا يعبر عن معنى أسبق رتبة من هذه المرحلة، ومن هنا يكون الحرف موجدا لمعناه لان معناه ليس إلا الربط الكلامي الذي يحصل به.

[195]

وهذا المعنى من الايجابية للحرف واضح البطلان لان الحرف وإن كان يوجد الربط في مرحلة الكلام ولكنه إنما يوجد ذلك بسبب دلالته على معنى، أي على الجانب النسبي والربطي في الصورة الذهنية ونسبته إلى الربط القائم في الصورة الذهنية على حد ربط الاسم بالمعاني الاسمية الداخلة في تلك الصورة، فلا تصح التفرقة بين المعاني الاسمية والحرفية بالاخطارية والايجادية. نعم هناك معنى آخر دقيق ولطيف لايجادية المعاني الحرفية تتميز بها عن المعاني الاسمية تأتي الاشارة إليه في الحلقة الثالثة إن شاء الله تعالى.

المقارنة بين الحروف والاسماء الموازية لها

كل حرف نجد تعبيرا إسميا موازيا له ف‍ (إلى) يوازيها في الاسماء (إنتهاء) و (من) يوازيها (ابتداء) و (في) توازيها (ظرفية) وهكذا، وعلى الرغم من الموازة، فإن الحرف والاسم الموازي له ليسا مترادفين بدليل أنه لا يمكن إستبدال أحدهما في موضع الآخر كما هو الشآن في المترادفين عادة. والسبب في ذلك يعود إلى أن الحرف يدل على النسبة، والاسم يدل على مفهوم إسمي يوازي تلك النسبة ويلازمها، ومن هنا لم يكن بالامكان أن يفصل مدلول (إلى) عن طرفيه ويلحظ مستقلا، لان النسبة لا تنفصل عن طرفيها بينما بالامكان أن نلحظ كلمة الانتهاء بمفردها ونتصور معناها.

ونفس الشئ نجده في هيئات الجمل مع أسماء موازية لها، فقولك: زيد عالم إخبار بعلم زيد، فالاخبار بعلم زيد تعبير إسمي عن مدلول هيئة زيد عالم، إلا أنه لا يرادفه لوضوح أنك لو نطقت بهذا التعبير الاسمي لكنت قد قلت جملة ناقصة لا يصح السكوت عليها، بينما (زيد عالم) جملة تامة يصح السكوت عليها.

[196]

تنوع المدلول التصديقي

عرفنا فيما سبق أن الالفاظ لها دلالة تصورية تنشأ من الوضع، ولها دلالة تصديقية تنشأ من السياق.

والدلالة التصديقية الاولى تشترك فيها الكلمات والجمل الناقصة والجمل التامة. والدلالة التصديقية الثانية على المراد الجدي تختص بها الجمل التامة. وسنخ المدلول التصديقي الاول واحد في جميع الالفاظ وهو قصد المتكلم إخطار صورة المعنى في ذهن السامع. وأما سنخ المدلول التصديقي الثاني أن المراد الجدي فيختلف من جملة تامة إلى جملة تامة أخرى. فالجملة الخبرية مثل (زيد عالم) مدلولها الجدي قصد الاخبار والحكاية عن النسبة التامة التي تدل عليها هيئتها، والجملة الاستفهامية (هل زيد عالم) مدلولها الجدي طلب الفهم والاطلاع على وقوع تلك النسبة التامة، والجملة الطلبية (صل) مدلولها الجدي طلب إيقاع النسبة التامة التي تدل عليها هيئة صل أي طلب وقوع الصلاة من المخاطب.

ويختلف في ذلك السيد الاستاذ فإنه بنى - كما عرفنا سابقا - على أن الوضع عبارة عن التعهد وفرع عليه أن الدلالة اللفظية الناشئة من الوضع دلالة تصديقية لا تصورية بحتة، وعلى هذا الاساس إختار أن كل جملة تامة موضوعة بالتعهد لنفس مدلولها التصديقي الجدي مباشرة وقد عرفت الحال في مبناه سابقا.

المقارنة بين الجمل التامة والناقصة

لا شك في أن المعنى الموضوع له للجملة التامة يختلف عن المعنى الموضوع له للجملة الناقصة، لان الاولى يصح السكوت عليها دون الثانية. وهذا الاختلاف يوجد تفسيران له: أحدهما مبني على أن المعنى الموضوع له هو المدلول التصديقي مباشرة كما إختاره السيد الاستاذ تفريعا على تفسيره للوضع بالتعهد.

[197]

وحاصله أن الجملة التامة في قولنا: (المفيد عالم) موضوعة لقصد الحكاية والاخبار عن ثبوت المحمول للموضوع، والجملة الناقصة الوصفية في قولنا: (المفيد عالم) موضوعة لقصد إخطار صورة هذه الحصة الخاصة. والجواب على ذلك ما تقدم من أن المعنى الموضوع له غير المدلول التصديقي بل هو المدلول التصوري، والمدلول التصوري للحروف والهيئات هو النسبة، فلا بد من إفتراض فرق بين نحوين من النسبة احدهما يكون مدلولا للجملة التامة، والآخر مدلول للجملة الناقصة.

والتفسير الآخر أن هيئة كلتا الجملتين موضوعة للنسبة ولكنها في أحدهما اندماجية وفي الاخرى غير إندماجية، وكل جملة موضوعة للنسبة الاندماجية فهي ناقصة، لانها تحول المفهومين إلى مفهوم واحد وتصير الجملة في قوة كلمة واحدة، وكل جملة موضوعة للنسبة غير الاندماجية فهي جملة تامة. وقد تقدم في الحلقة السابقة بعض الحديث عن ذلك.

الدلالات الخاصة والمشتركة

هذه نبذة تمهيدية عن الدلالة اللفظية وعلاقات الالفاظ بالمعاني نكتفي بها للدخول في الحديث عن تحديد دلالات الدليل الشرعي اللفظي، ومن الواضح ان هذه الدلالات على قسمين: فبعضها دلالات خاصة ترتبط ببعض المسائل الفقهية كدلالة كلمة الصعيد أو الكعب، وبعضها دلالات عامة تصلح أن تكون عنصرا مشتركا في عملية الاستنباط في مختلف أبواب الفقه كدلالة الامر على الوجوب. وقد عرفت سابقا أن ما يدخل في البحث الاصولي إنما هو القسم الثاني، ولهذا فسوف يكون البحث عن الدلالات العامة للدليل الشرعي اللفظي.

الامر والنهي

الامر

الامر تارة يستعمل بمادته فيقال: (آمرك بالصلاة) وأخرى بصيغته فيقال: (صل). أما مادة الامر فلا شك في دلالتها بالوضع على الطلب، ولكن لا بنحو تكون مرادفة للفظ الطلب، لان لفظ الطلب ينطبق بمفهومه على الطلب التكويني كطلب العطشان للماء والطلب التشريعي سواء صدر من العالي أو من غيره، بينما الامر لا يصدق إلا على الطلب التشريعي من العالي، سواء كان مستعليا أي متظاهرا بعلوه أو لا. كما أن مادة الامر لا ينحصر معناها لغة بالطلب، بل ذكرت لها معان أخرى كالشئ والحادثة والغرض، وعلى هذا الاساس تكون مشتركا لفظيا وتعيين الطلب بحاجة إلى قرينة، ومتى دلت القرينة على ذلك يقع الكلام في أن المادة تدل على الطلب بنحو الوجوب او تلائم مع الاستحباب؟ فقد يستدل على إنها تدل على الوجوب بوجوه: منها: قوله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره)(1) وتقريبه أن الامر لو كان يشمل الطلب الاستحبابي لما وقع على إطلاقه موضوعا للحذر من العقاب.

___________________________________

(1) سورة النور آية 63. (*)

[199]

ومنها قوله: صلى الله عليه وآله (لولا أن أشق على أمتي لامرتهم بالسواك). وتقريبه أن الامر لو كان يشمل الاستحباب لما كان الامر مستلزما للمشقة كما هو ظاهر الحديث. ومنها: التبادر فإن المفهوم عرفا من كلام المولى حين يستعمل كلمة الامر أنه في مقام الايجاب والالزام والتبادر علامة الحقيقة.

وأما صيغة الامر فقد ذكرت لها عدة معان كالطلب والتمني والترجي والتهديد والتعجيز وغير ذلك، وهذا في الواقع خلط بين المدلول التصوري للصيغة، والمدلول التصديقي الجدي لها بإعتبارها جملة تامة وتوضيحه أن الصيغة - أي هيئة فعل الامر - لها مدلول تصوري ولا بد أن تكون من سنخ المعنى الحرفي كما هو الشأن في سائر الهيئات والحروف، فلا يصح أن يكون مدلولها نفس الطلب بما هو مفهوم إسمي، ولا مفهوم الارسال نحو المادة، بل نسبة طلبية أو ارسالية توازي مفهوم الطلب أو مفهوم الارسال، كما توازي النسبة التي تدل عليها (إلى) مفهوم (الانتهاء)، والعلاقة بين مدلول الصيغة بوصفه معنى حرفيا ومفهوم الارسال أو الطلب تشابه العلاقة بين مدلول (من) و (إلى) و (في) ومدلول (الابتداء) و (الانتهاء) و (الظرفية). فهي علاقة موازاة لا ترادف.

ونقصد بالنسبة الطلبية أو الارسالية الربط المخصوص الذي يحصل بالطلب أو بالارسال بين المطلب والمطلوب منه، أو بين المرسل والمرسل إليه، وهذا هو المدلول التصوري للصيغة الثابت بالوضع.

وللصيغة باعتبارها جملة تامة مكونة من فعل وفاعل، مدلول تصديقي جدي بحكم السياق لا الوضع، إذ تكشف سياقا عن أمر ثابت في نفس المتكلم هو الذي دعاه إلى استعمال الصيغة، وفي هذه المرحلة تتعد الدواعي التي يمكن أن تدل عليها الصيغة بهذه الدلالة، فتارة يكون الداعي هو الطلب، وأخرى الترجي وثالثة التعجيز، وهكذا مع إنحفاظ المدلول التصوري للصيغة في الجميع.

[200]

هذا كله على المسلك المختار المشهور القائل بأن الدلالة الوضيعة هي الدلالة التصورية. وأما بناء على مسلك التعهد القائل بأن الدلالة الوضعية هي الدلالة التصديقية، وأن المدلول الجدي للجملة التامة هو المعنى الموضوع له إبتداء فلا بد من الالتزام بتعدد المعنى في تلك الموارد لاختلاف المدلول الجدي. ثم إن الظاهر من الصيغة أن المدلول التصديقي الجدي هو الطلب دون سائر الدواعي الاخرى، وذلك لانه ان قيل بأن المدلول التصوري هو النسبة الطلبية، فواضح أن الطلب مصداق حقيقي للمدلول التصوري دون سائر الدواعي، فيكون أقرب إلى المدلول التصوري وظاهر كل كلام أن مدلوله التصديقي أقرب ما يكون للتطابق والمصداقية للمدلول التصوري، وأما إذا قيل بأن المدلول التصوري هو النسبة الارسالية، فلان المصداق الحقيقي لهذه النسبة إنما ينشأ من الطلب لا من سائر الدواعي فيتعين داعي الطلب بظهور الكلام.

ولكن قد ينفق أحيانا أن يكون المدلول الجدي هو قصد الاخبار عن حكم شرعي آخر غير طلب المادة أو إنشاء ذلك الحكم وجعله، كما في قوله: (اغسل ثوبك من البول) فإن المراد الجدي من إغسل ليس طلب الغسل، إذ قد يتنجس ثوب الشخص فيهمله ولا يغسله ولا إثم عليه، وإنما المراد بيان أن الثوب يتنجس بالبول.

وهذا حكم وضعي وإنه يطهر بالغسل، وهذا حكم وضعي آخر، وفي هذه الحالة تسمى الصيغة بالامر الارشادي لانها إرشاد وإخبار عن ذلك الحكم. وكما أن المعروف في دلالة مادة الامر على الطلب أنها تدل على الطلب الوجوبي، كذلك الحال في صيغة الامر بمعنى أنها تدل على النسبة الارسالية الحاصلة من إرادة لزومية، وهذا هو النسبة للتبادر بحسب الفهم العرفي العام.

[201]

وكثيرا ما يستعمل غير فعل الامر من الافعال في إفادة الطلب، أما بادخال لام الامر عليه فيكون الاستعمال بلا عناية، وأما بدون إدخاله، كما إذا قيل يعيد ويغتسل، ويشتمل الاستعمال حينئذ على عناية، لان الجملة حينئذ خبرية بطبيعتها، وقد إستعملت في مقام الطلب. وفي الاول يدل على الوجوب بنحو دلالة الصيغة عليه، وفي الثاني يوجد خلاف في الدلالة على الوجوب، ويأتي الكلام عن ذلك في حلقة مقبلة إن شاء الله تعالى.

دلالات أخرى للامر

عرفنا أن الامر يدل على الطلب ويدل على أن الطلب على نحو الوجوب. وهناك دلالات أخرى محتملة وقع البحث عن ثبوتها له وعدمه.

منها: دلالته على نفي الحرمة بدلا عن دلالته على الطلب والوجوب في حالة معينة، وهي ما إذا ورد عقيب التحريم أو في حالة يحتمل فيها ذلك.

والصحيح أن صيغة الامر على مستوى المدلول التصوري لا تتغير دلالتها في هذه الحالة، بل تظل دالة على النسبة الطلبية، غير أن مدلولها التصديقي هنا يصبح مجملا ومرددا بين الطلب الجدي وبين نفي التحريم، لان ورود الامر في إحدى الحالتين المذكورتين يوجب الاجمال من هذه الناحية.

ومنها: الادلة الامر بالفعل الموقت بوقت محدد على وجوب القضاء خارج الوقت، على من لم يأت بالواجب في وقته. وتوضيح الحال في ذلك أن الامر بالفعل الموقت تارة يكون أمرا واحدا بهذا الفعل المقيد فلا يقتضي إلا الاتيان به، فإن لم يأت به حتى إنتهى الوقت فلا موجب من قبله للقضاء، بل يحتاج إيجاب القضاء إلى أمر جديد، وتارة أخرى يكون الامر بالفعل الموقت أمرين مجتمعين في بيان واحد، أحدهما: أمر بذات الفعل على الاطلاق، والآخر أمر بإيقاعه في الوقت الخاص، فإن فات المكلف إمتثال الامر الثاني بقي عليه الامر الاول، ويجب عليه أن يأتي بالفعل حينئذ ولو خرج الوقت فلا يحتاج إيجاب القضاء إلى أمر جديد.

[202]

وظاهر الدليل الامر بالموقت هو وحدة الامر، فيحتاج إثبات تعدده على الوجه الثاني إلى قرينة خاصة.

ومنها: دلالة الامر بالامر بشئ، على الامر بذلك الشئ مباشرة بمعنى أن الآمر إذا أمر زيدا بأن يأمر خالدا بشئ فهل يستفاد الامر المباشر لخالد من ذلك أو لا؟ فعلى الاول لو أن خالدا أطلع على ذلك قبل أن يأمره زيد لوجب عليه الاتيان بذلك الشئ، وعلى الثاني لا يكون ملزما بشئ.

ومثاله في الفقه أمر الشارع لولي الصبي بأن يأمر الصبي بالصلاة، فإن قيل بأن الامر بالامر بشئ أمر به كان أمر الشارع هذا أمرا للصبي - ولو على نحو الاستحباب - بالصلاة.

النهي

كما أن للامر مادة وصيغة، كذلك الحال في النهي، فمادته نفس كلمة النهي وصيغته من قبيل لا تكذب، والمادة تدل على الزجر بمفهومه الاسمي، والصيغة تدل على الزجر والامساك بنحو المعنى الحرفي، وإن شئت عبر بالنسبة الزجرية والامساكية. وقد وقع الخلاف بين جملة من الاصوليين في أن مفاد النهي هل هو طلب الترك الذي هو مجرد أمر عدمي، أو طلب الكف عن الفعل الذي هو أمر وجودي وقد يستدل للوجه الثاني، بأن الترك إستمرار للعدم الازلي الخارج عن القدرة فلا يمكن تعلق الطلب به. ويندفع هذا الدليل بأن بقاء‌ه مقدور فيعقل التكليف به، ويندفع الوجه الثاني، بأن من حصل منه الترك بدون كف لا يعتبر عاصيا للنهي عرفا.

والصحيح أن كلا الوجهين باطل، لان النهي ليس طلبا لا للترك ولا للكف، وإنما هو زجر بنحو المعنى

[203]

الاسمي - كما في مادة النهي - أو بنحو المعنى الحرفي - كما في صيغة النهي - وهذا يعني أن متعلقه الفعل لا الترك. ولا اشكال في دلالة النهي مادة وصيغة على كون الحكم بدرجة التحريم، ويثبت ذلك بالتبادر والفهم العرفي العام.

الاحتراز في القيود

إذا ورد خطاب يشتمل على حكم وقيد له فقد يكون هذا القيد متعلقا للحكم، كالاكرام في (اكرم الفقير)، وقد يكون موضوعا له كالفقير في المثال، وقد يكون شرطا كما في الجملة الشرطية، (إذا زالت الشمس فصل) وقد يكون غاية كما في (صم في الليل) وقد يكون وصفا للموضوع كالعادل في (اكر الفقير العادل) وهكذا.

وفي كل هذه الحالات يوجد للكلام مدلول تصوري أريد إخطاره في ذهن السامع، ومدلول تصديقي جدي وهو الحكم الشرعي الذي أبرز وكشف عنه بذلك الخطاب. ولا شك في ان الصورة التي نتصورها في مرحلة المدلول التصوري عند سماع الكلام المذكور هي صورة حكم يرتبط بذلك القيد على نحو من أنحاء الارتباط، ونستكشف من دخول القيد في الصورة التي يدل عليها الكلام بالدلالة التصورية دخوله ايضا في المدلول التصديقي الجدي، بمعنى ان القيد مأخوذ في ذلك الحكم الشرعي الخاص الذي كشف عنه ذلك الكلام، فحينما يقول المولى (اكرم الفقير العادل) نفهم ان الوجوب الذي أراد كشفه بهذا الخطاب قد جعل على الفقير العادل، واخذت العدالة في موضوعه وفقا لاخذها في المدلول التصوري للكلام، وذلك لان المولى لو لم يكن قد أخذ العدالة قيدا في موضوع ذلك الوجوب الذي جعله وابرزه بقوله: (اكرم الفقير العادل) لكان هذا يعني انه أخذ في المدلول

[205]

التصوري لكلامه قيدا ولم يأخذ ذلك القيد في المدلول الجدي لذلك الكلام، اي انه بين بالدلالة التصورية للكلام شيئا وهو القيد مع انه لا يدخل في نطاق مراده الجدي، وهذا خلاف ظهور عرفي سياقي مفاده: ان كل ما يبين بالكلام في مرحلة المدلول التصوري فهو داخل في نطاق المراد الجدي، وبكلمة اخرى ان ما يقوله يريده حقيقة، وبهذا الظهور نثبت قاعدة وهي: قاعدة احترازية القيود، ومؤداها: ان كل قيد يؤخذ في المدلول التصوري للكلام، فالاصل فيه بحكم ذلك الظهور أن يكون قيدا في المراد الجدي ايضا، فإن قال: (اكرم الانسان الفقير)، فالفقر قيد في المراد الجدي بمعنى كونه دخيلا في موضوع الاكرام الذي سيق ذلك الكلام للكشف عنه.

ويترتب على ذلك انه إذا لم يكن الانسان فقيرا فلا يشمله ذلك الوجوب، ولكن هذا لا يعني ان إكرامه ليس واجبا باعتبار آخر فقد يكون هناك وجوب ثان يخص الانسان العالم ايضا، فاذا لم يكن الانسان فقيرا وكان عالما فقد يجب إكرامه بوجوب ثان. وهكذا نعرف ان قاعدة احترازية القيود تثبت ان شخص الحكم الذي يشكل المدلول التصديقي الجدي للكلام المشتمل على القيد لا يشتمل من انتفى عنه القيد ولا تنفي وجود حكم آخر يشمله.

الاطلاق

الاطلاق يقابل التقييد، فان تصورت معنى ولاحظت فيه وصفا خاصا او حالة معينة، كان ذلك تقييدا، وان تصورته بدون ان تلحظ معه أي وصف او حالة اخرى كان ذلك إطلاقا، فالتقييد إذن هو لحاظ خصوصية زائدة في الطبيعة، والاطلاق عدم لحاظ الخصوصية الزائدة.

والطبيعة محفوظة في كلتا الحالتين: غير انها تتميز في الحالة الاولى بأمر وجودي وهو لحاظ الخصوصية، وتتميز في الحالة الثانية بأمر عدمي وهو عدم لحاظ الخصوصية. ومن هنا يقع البحث في ان كلمة انسان مثلا أو أي كلمة مشابهة هل هي موضوعة للطبيعة المحفوظة في كلتا الحالتين فلا التقييد دخيل في المعنى الموضوع له ولا الاطلاق، بل الكلمة بمدلولها تلائم كلا الامرين، او ان الكلمة موضوعة للطبيعة المطلقة فتدل الكلمة بالوضع على الاطلاق وعدم لحاظ القيد.

وقد وقع الخلاف في ذلك، ويترتب على هذا الخلاف أمران: أحدهما: إن استعمال اللفظ وارادة المقيد على طريقة تعدد الدال والمدلول يكون استعمالا حقيقا على الوجه الاول، لان المعنى الحقيقي للكلمة محفوظ في ضمن المقيد والمطلق على السواء، ويكون مجازا على الوجه الثاني لان الكلمة لم تستعمل في المطلق مع انها موضوعة للمطلق، اي للطبيعة التي لم يلحظ معها قيد بحسب الفرض.

والامر الآخر: إن الكلمة إذا وقعت في دليل حكم، كما إذا أخذت

[207]

موضوعا للحكم مثلا ولم نعلم ان الحكم هل هو ثابت لمدلول الكلمة على الاطلاق، او لحصة مقيدة منه أمكن على الوجه الثاني ان نستدل بالدلالة الوضعية للفظ على الاطلاق، لانه مأخوذ في المعنى الموضوع له وقيد له فيكون من القيود التي ذكرها المتكلم فنطبق عليه قاعدة احترازية القيود فثبت ان المراد الجدي مطلقا ايضا.

وأما على الوجه الاول فلا دلالة وضعية للفظ على ذلك، لان اللفظ موضوع بموجبه للطبيعة المحفوظة في ضمن المطلق والمقيد، وكل من الاطلاق والتقييد خارج عن المدلول الوضعي للفظ. فالمتكلم لم يذكر في كلامه التقييد ولا الاطلاق فلا يمكن بالطريقة السابقة ان نثبت الاطلاق بل لا بد من طريقة اخرى.

والصحيح هو الوجه الاول: لان الوجدان العرفي شاهد بان استعمال الكلمة في المقيد على طريقة تعدد الدال والمدلول ليس فيه تجوز. وعلى هذا الاساس نحتاج في إثبات الاطلاق إلى طريقة أخرى، إذا ما دام الاطلاق غير مأخوذ في مدلول اللفظ وضعا فهو غير مذكور في الكلام فلا يتاح تطبيق قاعدة احترازية القيود عليه.

والطريقة الاخرى هي ما يسميها المحققون المتأخرون بقرينة الحكمة وجوهرها التمسك بدلالة تصديقية لظهور عرفي سياقي آخر غير ذلك الظهور الحالي السياقي الذي تعتمد عليه قاعدة احترازية القيود، فقد عرفنا سابقا ان هذه القاعدة تعتمد على ظهور عرفي سيأتي مفاده، ان ما يقوله يريده حقيقة، ويوجد ظهور عرفي سياقي آخر مفاده: ان لا يكون شئ دخيلا وقيدا في مراده الجدي وحكمه ولا يبينه باللفظ، لان ظاهر حال المتكلم انه في مقام بيان تمام مراده الجدي بخطابه، وحيث ان القيد ليس مبينا في حالة عدم نصب قرينة على التقييد فهو إذن ليس داخلا في المراد الجدي والحكم الثابت، وهذا هو الاطلاق المطلوب.

[208]

وهكذا نلاحظ ان كلا من قرينة الحكمة التي تثبت الاطلاق وقاعدة احترازية القيود تبتنى على ظهور عرفي سياقي حالي غير الظهور العرفي السياقي الحالي الذي تعتمد عليه الاخرى، فالقاعدة تبتنى على ظهور حال المتكلم في ان ما يقوله يريده، وقرينة الحكمة تبتنى على ظهور حال المتكلم في ان كل ما يكون قيدا في مراده الجدي يقوله في الكلام الذي صدر منه لابراز ذلك المراد الجدي اي انه في مقام بيان تمام مراده الجدي بخطابه.

وقد يعترض على قرينة الحكمة هذه بان اللفظ إذا لم يكن يدل بالوضع إلا على الطبيعة المحفوظة في ضمن المقيد والمطلق معا فلا دال على الاطلاق، كما لا دال على التقييد، مع ان احدهما ثابت في المراد الجدي جزما، لان موضوع الحكم في المراد الجدي اما مطلق واما مقيد، وهذا يعني أنه على اي حال لم يبين تمام مراده بخطابه ولا معين حينئذ لافتراض الاطلاق في مقابل التقييد.

ويمكن الجواب على هذا الاعتراض بان ذلك الظهور الحالي السياقي لا يعني سوى ان يكون كلامه وافيا بالدلالة على تمام ما وقع تحت لحاظه من المعاني بحيث لا يكون هناك معنى لحظه المتكلم ولم يأت بما يدل عليه، لا ان كل ما لم يلحظه لا بد ان يأتي بما يدل على عدم لحاظه، فان ذلك مما لا يقتضيه الظهور الحالي السياقي، وعليه فإذا كان المتكلم قد اراد المقيد مع انه لم ينصب قرينة على القيد، فهذا يعني وقوع أمر تحت اللحاظ، زائد على الطبيعة وهو تقيدها بالقيد، لان المقيد يتميز بلحاظ زائد ولا يوجد في الكلام ما يبين هذا التقييد الذي وقع تحت اللحاظ، واذا كان المتكلم قد أراد المطلق فهذا لا يعني وقوع شئ تحت اللحاظ زائدا على الطبيعة، لان الاطلاق، كما تقدم عبارة عن عدم لحاظ القيد، فصح ان يقال: إن المتكلم لو كان قد اراد المقيد لما كان مبينا لتمام مرامه. لان القيد واقع تحت اللحاظ، وليس مدلولا للفظ، واذا كان مراده المطلق، فقد بين تمام ما وقع تحت لحاظه، لان نفس الاطلاق ليس واقعا تحت اللحاظ بل هو عدم لحاظ القيد الزائد.

[209]

ونستلخص من ذلك اننا بتوسط قرينة الحكمة نثبت الاطلاق، ونستغني بذلك عن اثباته بالدلالة الوضعية عن طريق اخذه قيدا في المعنى الموضوع له اللفظ، ثم تطبيق قاعدة احترازية القيود عليه، لكن يبقى هناك فارق عملي بين اثبات الاطلاق بقرينة الحكمة، واثبات بالدلالة الوضعية، وتطبيق قاعدة احترازية القيود، وهذا الفارق العملي يظهر في حالة اكتناف الكلام بملابسات معينة تفقده الظهور السياقي الذي تعتمد عليه قرينة الحكمة، فلا يعود لحال المتكلم ظهور في انه في مقام بيان تمام مراده الجدي بكلامه وأمكن ان يكون في مقام بيان بعضه، ففي هذه الحالة لا تتم قرينة الحكمة لبطلان الظهور الذي تعتمد عليه، فلا يمكن اثبات الاطلاق لمن يستعمل قرينة الحكمة لاثباته، وخلافا لذلك من يثبت الاطلاق بالدلالة الوضعية وتطبيق قاعدة احترازية القيود، فإن بإمكانه ان يثبت الاطلاق في هذه الحالة أيضا، لان الظهور الذي تعتمد عليه هذه عالقاعدة غير الظهور الذي تعتمد عليه قرينة الحكمة كما عرفنا سابقا، وهو ثابت على أي حال.

ثم إن الاطلاق الثابت بقرينة الحكمة، تارة يكون شموليا، أي مقتضيا لاستيعاب الحكم لتمام افراد الطبيعة. واخرى يكون بدليا يكتفى في امتثال الحكم المجهول فيه إيجاد أحد الافراد.

ومثال الاول: اطلاق الكذب في (لا تكذب)، ومثال الثاني: اطلاق الصلاة في (صل).

والاطلاق تارة يكون أفراديا واخرى يكون أحواليا، والمقصود بالاطلاق الافرادي ان يكون للمعنى أفراد فيثبت بقرينة الحكمة انه لم يرد به بعض الافراد دون بعض، والمقصود بالاطلاق الاحوالي ان يكون للمعنى أحوال، كما في اسماء الاعلام، فإن مدلول كلمة زيد وإن لم يكن له افراد ولكن له أحوال متعددة، فيثبت بقرينة الحكمة، انه لم يرد به حال دون حال.

[210]

الاطلاق في المعاني الحرفية

مر بنا سابقا ان المعاني في المصطلح الاصولي تارة تكون معاني إسمية كمدلول عالم، (اكرم العالم)، واخرى معاني حرفية، كمدلول صيغة الامر في نفس المثال، ولا شك في ان قرينة الحكمة تجري على المعاني الاسمية، ويثبت بها إطلاقها، واما المعاني الحرفية فقد وقع النزاع في امكان ذلك بشأنها، مثلا: إذا شككنا في ان الحكم بالوجوب هل هو مطلق وثابت في كل الاحوال، او في بعض الاحوال دون بعض، فهل يمكن ان نطبق قرينة الحكمة على مفاد (اكرم) في المثال وهو الوجوب المفاد على نهج النسبة الطلبية والارسالية لاثبات انه مطلق أو لا؟ وسيأتي توضيح الحال في هذا النزاع في الحلقة الثالثة ان شاء الله تعالى. والصحيح فيه إمكان تطبيق مقدمات الحكمة في مثل ذلك.

التقابل بين الاطلاق والتقييد

إتضح مما ذكرناه ان هناك إطلاقا وتقييدا في عالم اللحاظ وفي مقام الثبوت، والتقييد هنا بمعنى لحاظ القيد، والاطلاق بمعنى عدم لحاظ القيد. وهناك ايضا إطلاق وتقييد في عالم الدلالة، وفي مقام الاثبات، والتقييد هنا بمعنى الاتيان في الدليل بما يدل على القيد، والاطلاق بمعنى عدم الاتيان بما يدل على القيد مع ظهور حال المتكلم في انه في مقام بيان تمام مراده بخطابه والاطلاق الاثباتي يدل على الاطلاق الثبوتي، والتقييد الاثباتي يدل على التقييد الثبوتي.

ولا شك في ان الاطلاق والتقييد متقابلان ثبوتا وإثباتا، غير ان التقابل على أقسام، فتارة يكون بين أمرين وجوديين كالتضاد بين الاستقامة والانحناء، وأخرى يكون بين وجود عدم، كالتناقض بين وجود البصر وعدمه، وثالثة يكون بين وجود صفة في موضع معين وعدمها في ذلك الموضع مع كون الموضع قابلا لوجودها فيه من قبيل البصر والعمى، فان العمى ليس عدم البصر، ولو في جدار، بل عدم البصر في كائن حي يمكن في شأنه ان يبصر.

[211]

وعلى هذا الاساس اختلف الاعلام في ان التقابل بين الاطلاق والتقييد الثبوتيين من أي واحد من هذه الانحاء، ومن الواضح على ضوء ما ذكرناه انه ليس تضادا، لان الاطلاق الثبوتي ليس امرا وجوديا، بل هو عدم لحاظ القيد، ومن هنا قيل تارة: بانه من قبيل تقابل البصر وعدمه، فالتقييد بمثابة البصر والاطلاق بمثابة عدمه، وقيل اخرى: إنه من قبيل التقابل بين البصر والعمى، فالتقييد بمثابة البصر والاطلاق بمثابة العمى.

واما التقابل بين الاطلاق والتقييد الاثباتيين فهو من قبيل تقابل البصر والعمى بدون شك بمعنى ان الاطلاق الاثباتي الكاشف عن الاطلاق الثبوتي هو عدم ذكر القيد في حالة يتيسر للمتكلم فيها ذكر القيد، والا لم يكن سكوته عن التقييد كاشفا عن الاطلاق الثبوتي.

الحالات المختلفة لاسم الجنس

مما ذكرناه يتضح ان أسماء الاجناس لا تدل على الاطلاق بالوضع، بل بالظهور الحالي وقرينة الحكمة.

ولاسم الجنس ثلاث حالات:

الاولى: ان يكون معرفا باللام من قبيل كلمة (البيع) في (احل الله البيع).

الثانية: ان يكون منكرا، اي منونا بتنوين التنكبير من قبيل كلمة (رجل) في (جاء رجل) او (جئني برجل).

الثالثة: ان يكون خاليا من التعريف والتنكير، كما في حالة كونه منونا بتنوين التمكين او كونه مضافا.

[212]

ويلاحظ ان اسم الجنس يبدو بوضعه الطبيعي وبدون تطعيم لمعناه، في الحالة الثالثة، بينما يطعم في الحالة الثانية بشئ من التنكير، وفي الحالة الاولى بشئ من التعريف اما الحيثية التي طعم بها مدلول اسم الجنس في الحالة الثانية، فاصبح نكرة، فالمعروف انها حيثية الوحدة، فالنكرة موضوعة للطبيعة المأخوذة بقيد الوحدة، ولهذا لا يمكن ان يكون الاطلاق شموليا حين ينصب الامر على نكرة مثل (اكرم عالما)، وذلك لان طبيعة عالم مثلا حين تتقيد بقيد الوحدة لا يمكن ان تنطبق على اكثر من واحد - أي واحد - وهو معنى الاطلاق البدلي.

واما الحيثية التي طعم بها مدلول اسم الجنس في الحالة الاولى فاصبح معرفة فهي التعيين، فاللام تعين مدلول مدخولها وتطبقه على صورة مألوفة، إما بحضورها فعلا كما في العهد الحضوري، وإما بذكرها سابقا، كما في العهد الذكري، وإما باستئناس ذهني خاص بها، كما في العهد الذهني، وإما باستئناس ذهني عام بها، كما في لام الجنس، فان في الذهن لكل جنس انطباعات معينة تشكل لونا من الاستيناس العام الذهني بمفهوم ذلك الجنس، فان قيل: (نار) دلت الكلمة على ذات المفهوم وان قيل: (النار) واريد باللام لام الجنس افاد ذلك تطبيق هذا المفهوم على حصيلة تلك الانطباعات، وبذلك يصبح معرفة.

واسم الجنس في حالة كونه معرفة، وكذلك في الحالة الثالثة التي يخلو فيها من التعريف والتنكير معا يصلح للاطلاق الشمولي، ولهذا إذا قلت (اكرم العالم) جرت قرينة الحكمة لاثبات الاطلاق الشمولي في كلمة (العالم).

الانصراف

قد يتكون - نتيجة لملابسات - أنس ذهني خاص بحصة معينة من حصص المعنى الموضوع له اللفظ، وهذا الانس على نحوين، احدهما: ان يكون نتيجة

[213]

لتواجد تلك الحصة في حياة الناس وغلبة وجودها على سائر الحصص.

والآخر: ان يكون نتيجة لكثرة استعمال اللفظ وارادة تلك الحصة على طريقة تعدد الدال والمدلول.

اما النحو الاول فلا يؤثر على إطلاق اللفظ شيئا لانه انس ذهني بالحصة مباشرة دون ان يؤثر في مناسبة اللفظ لها او يزيد في علاقته بما هو لفظ بتلك الحصة خاصة.

واما النحو الثاني فكثرة الاستعمال المذكورة قد تبلغ إلى درجة توجب نقل اللفظ من وضعه الاول إلى الوضع للحصة، او تحقق وضعا تعينيا للفظ لتلك الحصة بدون نقل، وقد لا توجب ذلك ايضا، ولكنها تشكل درجة من العلاقة والقرن بين اللفظ والحصة بمثابة تصلح ان تكون قرينة على ارادتها، خاصة من اللفظ، فلا يمكن حنيئذ اثبات الاطلاق بقرينة الحكمة، لانها تتوقف على ان لا يكون في كلام المتكلم ما يدل على القيد، وتلك العلاقة والانس الخاص يصلح للدلالة عليه.

الاطلاق المقامي

الاطلاق الذي استعرضناه وعرفنا انه يثبت بقرينة الحكمة والظهور الحالي السياقي نسميه الاطلاق اللفظي تمييزا له عن نحو آخر من الاطلاق لا بد من معرفته، نطلق عليه اسم الاطلاق المقامي. ونقصد بالاطلاق اللفظي حالة وجود صورة ذهنية للمتكلم وصدور الكلام منه في مقام التعبير عن تلك الصورة، ففي مثل هذا الحالة اذا ترددنا في هذه الصورة هل انها تشتمل على قيد غير مذكور في الكلام الذي سبق للتحدث عنها، كان مقتضى الظهور الحالي السياقي في ان المتكلم يبين تمام المراد بالخطاب مع عدم ذكره للقيد هو الاطلاق، وهذا هو الاطلاق اللفظي لانه يرتبط بمدلول اللفظ.

[214]

واما الاطلاق المقامي فلا يراد به نفي شئ لو كان ثابتا لكان قيدا في الصورة الذهنية التي يتحدث عنها اللفظ، وانما يراد به نفي شئ لو كانا ثابتا لكان صورة ذهنية مستقلة وعنصرا آخر، فاذا قال المتكلم: (الفاتحة جزء في الصلاة والركوع جزء فيها، والسجود جزء فيها...) وسكت، واردنا ان نثبت بعدم ذكره لجزئية السورة انها ليست جزء‌ا كان هذا اطلاقا مقاميا.

ويتوقف هذا الاطلاق المقامي على احراز ان المتكلم في مقام بيان تمام اجزاء الصلاة، إذ ما لم يحرز ذلك لا يكون عدم ذكره لجزئية السورة كاشفا عن عدم جزئيتها، ومجرد استعراضه لعدد من اجزاء الصلاة لا يكفي لاحراز ذلك، بل يحتاج احرازه إلى قيام قرينة خاصة على انه في هذا المقام. وبذلك يختلف الاطلاق المقامي عن الاطلاق اللفظي، اذ في الاطلاق اللفظي يوجد ظهور سياقي عام يتكفل إثبات ان كل متكلم يسوق لفظا للتعبير عن صورة ذهنية، فلا تزيد الصورة الذهنية التي يعبر عنها باللفظ عن مدلول اللفظ، ولا يوجد في الاطلاق المقامي ظهور مماثل في ان كل من يستعرض عددا من اجزاء الصلاة فهو يريد الاستيعاب.

بعض التطبيقات لقرينة الحكمة

يدل الامر - كما تقدم - على الطلب وانه على نحو الوجوب كما تقدم، وقد يقال بهذا الصدد: إن دلالته على الوجوب ليست بالوضع، وإنما هي بالاطلاق وقرينة الحكمة، لان الطلب غير الوجوبي طلب ناقص محدود وهذا التحديد تقييد في هوية الطلب، ومع عدم نصب قرينة على التقييد يثبت بالاطلاق ارادة الطلب المطلق، اي الطلب الذي لا حد له بما هو طلب وهو الوجوب.

[215]

وللطلب انقسامات عديدة: كانقسامه إلى الطلب النفسي والغيري: فالاول هو طلب الشئ لنفسه، والثاني هو طلب الشئ لاجل غيره.

وانقسامه إلى الطلب التعييني والتخييري، فالاول هو طلب شئ معين، والثاني طلب أحد الاشياء على سبيل التخيير.

وانقسامه إلى العيني والكفائي، فالاول هو طلب الشئ من المكلف بعينه، والثاني طلبه من احد المكلفين على سبيل البدل.

وبالاطلاق وقرينة الحكمة يمكن ان نثبت كون الطلب نفسيا تعيينيا عينيا، ويقال في توضيح ذلك: ان الغيرية تقتضي تقييد وجوب الشئ بما اذا وجب ذلك الغير، والتخييرية تقتضي تقييده بما إذا لم يؤت بالآخر، والكفائية تقتضي تقييده بما اذا لم يأت الآخر بالفعل، وكل هذه التقييدات تنفى مع عدم القرينة عليها بقرينة الحكمة فيثبت المعنى المقابل لها.

العموم

تعريف العموم

الاستيعاب تارة يثبت دون أن يكون مدلولا للفظ، وأخرى يكون مدلولا له، فالاول كاستيعاب الحكم الوارد على المطلق لافراده، فإذا قيل: (أكرام العالم) إقتضى إسم الجنس إستيعاب وجوب الاكرام لافراد العالم، إلا أن هذا الاستيعاب ليس مدلولا للفظ، وإنما الكلام بدل على نفي القيد، ومن لوازم ذلك إنحلال الحكم حينئذ في مرحلة التطبيق على جميع أفراد العالم.

والثاني هو العموم، كما في قولنا: (كل رجل) فإن (كل) هنا تدل بنفسها على الاستيعاب.

وبهذا ظهر أن اسماء العدد كعشرة رغم إستيعابها لوحداتها ليست عموما، لان هذا الاستيعاب صفة واقعية للعشرة فإن كل مركب يستوعب اجزاء‌ه، وليس مدلولا عليه بنفس لفظ العشرة، فحاله حال إنقسام العشرة إلى متساويين، فكما أنه صفة واقعية، وليس داخلا في مدلول اللفظ كذلك الاستيعاب.

أدوات العموم ونحو دلالتها

لا شك في وجود أدوات تدل على العموم بالوضع مثل كلمة (كل) و (جميع) ونحوهما من الالفاظ الخاصة بإفادة الاستيعاب، غير أن النقطة

[217]

الجديرة بالبحث فيها وفي كل ما ثبت أنه من أدوات العموم بالوضع هي: أن إسراء الحكم إلى تمام أفراد مدخول الاداة، أي (عالم) مثلا في قولنا (أكرم كل عالم) هل يتوقف على إجراء الاطلاق وقرينة الحكمة في المدخول، أو أن دخول أداة العموم على الكلمة يغنيها عن مقدمات الحكمة، وتتولى الاداة بنفسها دور تلك القرينة؟ وقد ذكر صاحب الكفاية (رحمه الله) أن كلا الوجهين ممكن من الناحية النظرية، لان أداة العموم إذا كانت موضوعة لاستيعاب ما يراد من المدخول تعين الوجه الاول، لان المراد بالمدخول لا يعرف حينئذ من ناحية الاداة، بل بقرينة الحكمة، وإذا كانت موضوعة لاستيعاب تمام ما يصلح المدخول للانطباق عليه تعين الوجه الثاني، لان المدخول مفاده الطبيعة، وهي صالحة للانطباق على تمام الافراد فيتم تطبيقها، كذلك بتوسط الاداة مباشرة.

وقد إستظهر رحمه الله - بحق - الوجه الثاني، وقد لا يكتفي بالاستظهار في تعيين الوجه الثاني، بل يبرهن على إبطال الوجه الاول بلزوم اللغوية. إذ بعد فرض الاحتياج إلى قرينة الحكمة لاثبات الاطلاق في المرتبة السابقة على دخول الاداة يكون دور الاداة لغوا صرفا، ولا يمكن إفتراض كونها تأكيدا، لان فرض الطولية بين دلالة الاداة وثبوت الاطلاق بقرينة الحكمة يمنع عن تعقل كون الاداة ذات أثر ولو تأكيدي.

دلالة الجميع المعرف باللام

ومما ادعيت دلالته على العموم الجمع المعرف باللام بعد التسليم، بأن الجمع الخالي من اللام لا يدل على العموم وأن المفرد المعرف باللام لا يدل على ذلك أيضا، وإنما يجري فيه الاطلاق وقرينة الحكمة.

والكلام في ذلك يقع في مرحلتين: الاولى: تصوير هذه الدلالة ثبوتا، والصحيح في تصويرها أن يقال: إن الجمع المعرف باللام مشتمل على دوال ثلاثة: أحدها: يدل على المعنى الذي

[218]

يراد إستيعاب أفراده، وهو المادة، وثانيها: يدل على الجمع، وهو هيئة الجمع، وثالثها: يدل على إستيعاب الجمع لتمام أفراد مدلول المادة وهو اللام.

والثانية: في حال هذه الدلالة اثباتا، وتفصيل ذلك أنه تارة يدعي وضع اللام الداخلة على الجمع للعموم، وأخرى يدعي وضعها لتعيين مدخولها وحيث لا يوجد معين للافراد الملحوظين في الجمع من عهد ونحوه تتعين المرتبة الاخيرة من الجمع، لانها المرتبة الوحيدة التي لا تردد في إنطباقها وحدود شمولها، فيكون العموم من لوازم المدلول الوضعي وليس هو المدلول المباشر وقد إعترض على كل من الدعويين.

أما على الاولى فبأن لازمها كون الاستعمال في موارد العهد مجازيا، اذ لا عموم أو البناء على الاشتراك اللفظي بين العهد والعموم وهو بعيد. وأما الثانية فقد أورد عليها صاحب الكفاية (رحمه الله) بأن التعيين، كما هو محفوظ في المرتبة الاخيرة من الجمع كذلك هو محفوظ في المراتب الاخرى.

وكأنه يريد بالتعيين المحفوظ في كل تلك المراتب تعين العدد وماهية المرتبة وعدد وحداتها، بينما المقصود بالتعين الذي تتميز به المرتبة الاخيرة من الجمع تعين ما هو داخل من الافراد في نطاق الجمع المعرف، وهذا النحو من التعين لا يوجد إلا لهذه المرتبة.

المفاهيم

تعريف المفهوم

الكلام له مدلول مطابقي وهو المنطوق، وقد يتفق أن يكون له مدلول التزامي، والمفهوم مدلول التزامي للكلام، ولكن لا كل مدلول إتزامي، بل المدلول الالتزامي الذي يعبر عن إنتفاء الحكم في المنطوق إذا إختلفت بعض القيود المأخوذة في المدلول المطابقي، فقولك (صلاة الجمعة واجبة) يدل بالدلالة الالتزامية على أن صلاة الظهر ليست واجبة، ولكن هذا ليس مفهوما، لانه لا يعبر عن إنتفاء نفس وجوب صلاة الجمعة، أي إنتفاء حكم المنطوق.

وتحصل الدلالة الالتزامية على إنتفاء الحكم المنطوق بإختلال بعض القيود بسبب أن الربط الخاص المأخوذ في المدلول المطابقي بين الحكم وقيوده قد أخذ على نحو يستدعي إنتفاء الحكم المنطوق بإنتفاء ما ربط به. ولكن ليس كل إنتفاء من هذا القبيل للحكم المنطوق مفهوما أيضا، بل إذا تضمن إنتفاء طبيعي الحكم المنطوق، فزيد مثلا قد يجب إكرامه بملاك المجاملة، وقد يجب إكرامه بملاك مجازاة الاحسان، وقد يجب إكرامه بملاك الشفقة، وهكذا، فإذا قيل (إذا جاء‌ك زيد فاكرمه) فوجوب الاكرام المبرر بهذا الكلام لا بد أن يكون واحدا من هذه الافراد للوجوب.

[220]

ولنفترض أنه الفرد الاول منها مثلا، وهذا الفرد من الوجوب ينتفي بانتفاء الشرط تطبيقا لقاعدة إحترازية القيود، ولكن هذه القاعدة لا تنفي سائر أفراد الوجوب الاخرى، ولا يعتبر ذلك مفهوما، بل المفهوم أن يدل الربط الخاص المأخوذ في المنطوق بين الحكم وقيده على إنتفاء طبيعي الحكم بانتفاء القيد، فقولنا: (إذا جاء زيد فاكرمه) في المثال المتقدم، إنما يعتبر له مفهوم إذا دل الربط فيه بين الشرط والجزاء على إنه في حالات إنتفاء الشرط ينتفي طبيعي وجوب الاكرام بكل أفراده الآنفة الذكر.

ومن هنا صح تعريف المفهوم بأنه: إنتفاء طبيعي الحكم المنطوق على أن يكون هذا الانتفاء مدلولا إلتزاميا لربط الحكم في المنطوق بطرفه.

ضابط المفهوم

وعلى ضوء ما ذكرناه في تعريف المفهوم نواجه السؤال التالي: ما هو هذا النحو من الربط الذي يستلزم إنتفاء الحكم عند الانتفاء لكي نبحث بعد ذلك عن الجمل التي يمكن القول بأنها تدل على ذلك النحو من الربط، وبالتالي يكون لها مفهوم؟ والمعروف أن الربط الذي يحقق المفهوم يتوقف على ركنين أساسيين: أحدهما: أن يكون الربط معبرا عن حالة لزوم علي إنحصاري: وبكلمة أخرى أن يكون من ارتباط المعلول بعلته المنحصرة، إذ لو كان الربط بين الجزاء والشرط مثلا مجرد إتفاق بدون لزوم، أو لزوما بدون علية او علية بدون انحصار لتوفر علة أخرى، لما إنتفى مدلول الجزاء بانتفاء ما ارتبط به في الجملة من شرط، لامكان وجوده بعلة أخرى.

والركن الآخر: أن يكون المرتبط بتلك العلة المنحصرة طبيعي الحكم، وسنخه لا شخصه لكي ينتفي الطبيعي بإنتفاء تلك العلة لا الشخص فقط، لما عرفت سابقا من أن المفهوم لا يتحقق إلا إذا كان الربط مستلزما لانتفاء طبيعي الحكم المنطوق بإنتفاء القيد. ونلاحظ على الركن الاول من هذين الركنين.

[221]

أولا: أن كون المرتبط به الحكم علة تامة ليس أمرا ضروريا لاثبات المفهوم، بل يكفي أن يكون جزء العلة إذا إفترضنا كونه جزء‌ا لعلة منحصرة، فالمهم من ناحية المفهوم الانحصار لا العلية.

وثانيا: أن الجملة الشرطية مثلا إذا أفادت كون الجزاء ملتصقا بالشرط ومتوقفا عليه كفى ذلك في إثبات الانتفاء عند الانتفاء، ولو لم يكن فيها ما يثبت علية الشرط للجزاء أو كونه جزء العلة، بل وحتى لو لم يكن فيها ما يدل على اللزوم، ولهذا لو قلنا إن مجئ زيد متوقف صدفة على مجئ عمرو، لدل ذلك على عدم مجئ زيد في حالة عدم مجئ عمرو، فليست دلالة الجملة على اللزوم العلي الانحصاري هي الاسلوب الوحيد لدلالتها على المفهوم، بل يكفي بدلا عن ذلك دلالتها على الالتصاق والتوقف، ولو صدفة من جانب الجزاء.

مفهوم الشرط

من أهم الجمل التي وقع البحث عن مفهومها الجملة الشرطية. ولا شك في دلالتها على ربط الجزاء بالشرط، وأن وقع الاختلاف في الدال على هذا الربط، فالرأي المعروف أن أداة الشرط هي الدالة على الربط وضعا، وخالف في ذلك المحقق الاصفهاني، إذ ذهب إلى أن الاداة موضوعة لافادة أن مدخولها (أي الشرط) قد إفترض، وقدر على نهج الموضوع في القضية الحقيقية، وأما ربط الجزاء بالشرط وتعليقه عليه، فهو مستفاد من هيئة الجملة وما فيها من ترتيب للجزاء على الشرط.

وعلي أي حال يتجه البحث حول ما إذا كان هذا الربط المستفاد من الجملة الشرطية بين الجزاء والشرط يفي بإثبات المفهوم أولا. وفي هذا المجال نواجه سؤالين على ضوء ما تقدم من الضابط لاثبات المفهوم:

[222]

أولا: هل المعلق طبيعي الحكم أو شخصه؟ ثانيا: هل يستفاد من الجملة أن الشرط علة منحصرة للمعلق؟ وفيما يتصل بالسؤال الاول يقال عادة: بأن المعلق طبيعي الحكم لا الشخص، وذلك بإجراء الاطلاق وقرينة الحكمة في مفاد هيئة جملة الجزاء، فإن مفادها هو المحكوم عليه بالتعليق، ومقتضى الاطلاق أنه لوحظ بنحو الطبيعي لا بنحو الشخص، ففي جملة (إذ جاء زيد فاكرمه) نثبت بالاطلاق أن مفاد (أكرم) طبيعي الوجوب المفاد بنحو المعنى الحرفي والنسبة الارسالية.

وفيما يتصل بالسؤال الثاني قد يقال: إن أداة الشرط موضوعة لغة للربط العلي الانحصاري بين الشرط والجزاء، ولكن يورد على ذلك عادة بأنها لو كانت موضوعة على هذا النحو لزم أن يكون إستعمالها في مورد كون الشرط علة غير منحصرة مجازا وهو خلاف الوجدان، ومن وهنا اتجه القائلون بالمفهوم إلى دعوى أخرى وهي: أن اللزوم مدلول وضعي للاداة، والعلية مستفادة من تفريغ الجزاء على الشرط بالفاء الثابتة حقيقة أو تقديرا، وأما الانحصار فيثبت بالاطلاق، إذ لو كان للشرط بديل يتحقق عوضا عنه في بعض الاحيان، لكان لا بد من تقييد الشرط المذكور في الجملة بذلك البديل بحرف (او) ونحوها، فيقال مثلا (إن جاء زيد أو مرض فاكرمه) فحيث لم يذكر ذلك والقي الشرط مطلقا، ثبت بذلك عدم وجود البديل وهو معنى الانحصار.

الشرط المسوق لتحقيق الموضوع

يوجد في الجملة الشرطية (إن جاء زيد فاكرمه) حكم وهو وجوب الاكرام وشرط وهو المجئ، وموضوع ثابت في حالتي وجود الشرط وعدمه، وهو زيد، وفي هذه الحالة يثبت مفهوم الشرط تبعا لما تقدم من بحوث.

[223]

ولكننا أحيانا نجد أن الشرط يساوق وجود الموضوع ويعني تحقيقه على نحو لا يكون في الجملة الشرطية موضوع محفوظ في حالتي وجود الشرط وعدمه، كما في قولنا: إذا رزقت ولدا فاختنه، وفي مثل ذلك لا مجال للمفهوم إذ مع عدم الشرط لا موضوع لكي تدل الجملة على نفي الحكم عنه، ويسمى الشرط في حالات من هذا القبيل بالشرط المسوق لتحقيق الموضوع.

مفهوم الوصف

إذا قيد متعلق الحكم أو موضوعه بوصف معين، كما في إكرام الفقير العادل، فهل يدل التقييد بوصف معين، كما في إكرام الفقير العادل، فهل يدل التقييد بوصف العادل على المفهوم؟ قد يقال بثبوت المفهوم لاحد الوجهين التاليين: الاول: أنه لو كان يجب إكرام الفقير العادل والفقير غير العادل معا، فهذا يعني أن العدالة ليس لها دخل في موضوع الحكم بالوجوب، مع أن أخذ قيد في الخطاب ظاهر عرفا في أنه دخيل في الحكم.

ويرد على ذلك: أن دلالة الخطاب على دخل القيد لا شك فيها، ومردها إلى ظهور حال المتكلم في أن كل ما يبين بالكلام في مرحلة المدلول التصوري فهو داخل في نطاق المراد الجدي، وحيث أن الوصف قد بين في مرحلة المدلول بوصفه قيدا، فيثبت بذلك أنه دخيل في موضوع الحكم المراد جدا، وعلى أساس ذلك قامت قاعدة إحترازية القيود كما تقدم، غير أن ذلك إنما يقتضي دخل الوصف في شخص الحكم وإنتفاء هذا الشخص الذي سيق الكلام لابرازه بإنتفاء الوصف لا إنتفاء طبيعي الحكم، وما نقصده بالمفهوم إنتفاء الطبيعي.

الثاني: أنه لو كان يجب إكرام الفقير العادل والفقير غير العادل ولو

[224]

بفردين من الوجوب وبجعلين، لما كانت هناك فائدة في ذكر المولى لقيد العدالة، لانه لو لم يذكره وجاء الخطاب مطلقا لما أضر بمقصوده، وإذا لم تكن هناك فائدة في ذكر القيد كان لغوا، فيتعين لصيانة كلام المولى عن اللغوية أن يفترض لذكر القيد فائدة، وهي التنبيه على عدم شمول الحكم للفقير غير العادل فيثبت المفهوم وهذا البيان وإن كان متجها، ولكنه إنما يقتضي نفي الثبوت الكلي الشامل للحكم في حالات إنتفاء الوصف ولا ينفي ثبوته في بعض الحالات مع إنتفائه في حالات أخرى، إذ يكون لذكر القيد عندئذ فائدة وهي التحرز عن هذه الحالات الاخرى، لانه لو لم يذكر لشمل الخطاب كل حالات الانتفاء.

فالوصف إذن له مفهوم محدود، ويدل على إنتفاء الحكم بإنتفاء الوصف على نحو السالبة الجزئية لا على نحو السالبة الكلية. وينبغي أن نلاحظ في هذا المجال، أن الوصف تارة يذكر مع موصوفه فيقال مثلا: (إحترم العالم الفقيه) وأخرى يذكر مستقلا فيقال: (إحترم الفقيه). والوجه الاول لاثبات المفهوم للوصف لو تم يجري في كلتا الحالتين، وأما الوجه الثاني فيختص بالحالة الاولى، لان ذكر الوصف في الحالة الثانية لا يكون لغوا على أي حال ما دام الموصوف غير مذكور.

جمل الغاية والاستثناء

وهناك جمل أخرى يقال عادة بثبوت المفهوم لها كالجملة المتكلفة لحكم مغيبي، كما في (صم إلى الليل) أو المتكفلة لحكم مع الاستثناء منه. ولا شك في أن الغاية والاستثناء يدلان على أن شخص الحكم الذي أريد إبرازه بذلك الخطاب منفي بعد وقوع الغاية، ومنفي عن المستثنى تطبيقا لقاعدة إحترازية القيود، ولكن هذا لا يكفي لاثبات المفهوم، لان المطلب فيه نفي طبيعي

[225]

الحكم، كما في الجملة الشرطية، وهذا يتوقف على إثبات كون الغاية أو الاستثناء غاية لطبيعي الحكم، وإستثناء منه على وزان كون المعلق في الجملة الشرطية طبيعي الحكم، فإن أمكن إثبات ذلك للغاية ولاداة الاستثناء مفهوم كمفهوم الجملة الشرطية، فتدلان على أن طبيعي الحكم ينتفي عن جميع الحالات التي تشملها الغاية أو يشملها المستثنى، وإذا لم يكن إثبات ذلك لم يكن للغاية والاستثناء مفهوم بهذا المعنى.

نعم يثبت لها مفهوم محدود بقدر ما ثبت للوصف بقرينة اللغوية إذ لو كان طبيعي الحكم ثابتا بعد الغاية أو للمستثنى ايضا ولو بجعل آخر، كان ذكر الغاية أو الاستثناء بلا مبرر عرفي فلا بد من إفتراض إنتفاء الطبيعي في حالات وقوع الغاية وحالات المستثنى ولو بنحو السالبة الجزئية صيانة للكلام عن اللغوية.

التطابق بين الدلالات

تقدم ان الكلام له ثلاث دلالات، وهي: الدلالة التصورية، والدلالة التصديقية الاولى، والدلالة التصديقية الثانية.

وتقدم ان الظاهر من كل لفظ في مرحلة الدلالة التصويرية هو المعنى الموضوع له اللفظ. ونريد هنا الاشارة إلى ظهور كل لفظ في مرحلة الدلالة التصديقية الاولى: في ان المتكلم يقصد باللفظ تفهيم نفس المعنى الظاهر من الدلالة التصورية لا معنى آخر، فاذا قال المتكلم (أسد) وشككنا في ان المتكلم هل قصد ان يخطر في ذهننا المعنى الحقيقي وهو الحيوان المفترس او المعنى المجازي وهو الرجل الشجاع، كان ظاهر حاله انه يقصد إخطار المعنى الحقيقي، ومرد ذلك في الحقيقة إلى ظهور حال المتكلم في التطابق بين الدلالة التصورية، والدلالة التصديقية الاولى، فما دام الظاهر من الاولى هو المعنى الحقيقي، فالمقصود في الثانية هو أيضا، وهذا الظهور حجة على ما يأتي في قاعدة حجية الظهور ويطلق على حجيته اسم أصالة الحقيقة.

ولنأخذ الآن الدلالة التصديقية الثانية بعد افتراض تعيين الدلالتين السابقتين عليها لنجد فيها نفس الشئ، فان الظاهر من الكلام في مرحلة الدلالة التصديقية الثانية، ان المراد الجدي متطابق مع ما قصد إخطاره في الذهن في مرحلة الدلالة التصديقية الاولى، فاذا قال المتكلم (اكرم كل جيراني) وعرفنا ان يريد أن يخطر في ذهننا صورة العموم، ولكن شككنا في

[227]

ان مراده الجدي هل هو أن نكرم جيرانه جميعا، او ان نكرم بعضهم، غير انه أتى باللفظ عاما وقصد اخطار العموم مجاملة لجيرانه، ففي هذه الحالة نجد أن ظاهر حال المتكلم انه جاد في التعميم، وان مراده الجدي ذلك، ومرد ذلك في الحقيقة إلى ظهور حال المتكلم في التطابق بين الدلالة التصديقية الاولى والدلالة التصديقية الثانية، فما دام الظاهر من الاولى إخطار صورة العموم، فالظاهر من الثانية ارادة العموم جدا، وهذا الظهور حجة، ويطلق على حجيته في هذا المثال أصالة العموم.

وقد يقول المتكلم (اكرم فلانا) ويخطر في ذهننا مدلول الكلام، ولكننا نشك في انه جاد في ذلك، ونحتمل انه متأثر بظروف خاصة من التقية ونحوها، وانه ليس له مراد جدي اطلاقا، والكلام فيه كالكلام في المثال السابق، فان ظهور التطابق بين الدلالتين التصديقيتين يقتضي دلالة الكلام على أن ما أخطره في ذهننا عند سماع هذا الكلام مراد له جدا، وان الجهة التي دعته إلى الكلام هي كون مدلوله مرادا جديا له لا التقيه، وهذا الظهور حجة ويسمى بأصالة الجهة.

ونلاحظ على ضوء ما تقدم ان في الكلام ثلاثة ظواهر: احدهما تصوري، واثنان تصديقيان، ويختلف التصوري عنهما في ان ظهور اللفظ تصورا في المعنى الحقيقي لا يتزعزع حتى مع قيام القرينة المتصلة، على ان المتكلم اراد معنى آخر، واما ظهور الكلام تصديقا في ارادة المتكلم للمعنى الحقيقي استعمالا وجدا فيزول بقيام القرينة المذكورة ويتحول من المعنى الحقيقي إلى المعنى الذي تدل عليه القرينة، واما القرينة المنفصلة فلا تزعزع شيئا من هذه الظواهر، وانما تشكل تعارضا بين ظهور الكلام الاول وبينها، وتقدم عليه وفقا لقواعد الجمع العرفي.

مناسبات الحكم والموضوع

قد يذكر الحكم في الدليل مرتبطا بلفظ له مدلول عام، ولكن العرف يفهم ثبوت الحكم لحصة من ذلك المدلول، كما اذا قيل (إغسل ثبوك إذا أصابه البول)، فان الغسل لغة قد يطلق على استعمال اي مائع، ولكن العرف يفهم من هذا الدليل ان المطهر هو الغسل بالماء.

وقد يذكر الحكم في الدليل مرتبطا بحالة خاصة، ولكن العرف يفهم ان هذه الحالة مجرد مثال لعنوان عام، وان الحكم مرتبط بذلك العنوان العام، كما إذا ورد في قربة وقع فيها نجس انه لا تتوضأ منها ولا تشرب، فان العرف يرى الحكم ثابتا لماء الكوز ايضا، وان القربة مجرد مثال.

وهذه التعميمات وتلك التخصيصات تقوم في الغالب على اساس ما يسمى بمناسبات الحكم والموضوع، حيث إن الحكم له مناسبات ومناطات مرتكزة في الذهن العرفي، بسببها ينسبق إلى ذهن الانسان عند سماع الدليل التخصيص تارة والتعميم أخرى، وهذه الانسباقات حجة، لانها تشكل ظهورا للدليل، وكل ظهور حجة وفقا لقاعدة حجية الظهور، كما يأتي إن شاء الله تعالى.

اثبات الملاك بالدليل

عرفنا سابقا ان كل حكم له ملاك، فالوجوب مثلا ملاكه المصلحة الاكيدة في الفعل، والدليل على الحكم بالمطابقة دليل بالالتزام على ملاكه فله مدلولان مطابقي والتزامي، فاذا افترضنا في حالة من الحالات ان الحكم تعذر اثباته بذلك الدليل، كما هو الحال في صورة العجز، فان الحكم بوجوب الفعل على العاجز غير صحيح، فهذا يعني ان المدلول المطابقي للدليل ساقط في هذه الصورة، والسؤال بهذا الشأن هو انه هل يمكن إثبات وجود الملاك بالدليل فيما إذا كان هناك أثر يرتب على إثبات الملاك كوجوب القضاء مثلا؟ والجواب على هذا السؤال يتعلق بما يتخذ من مبنى في ترابط الدلالة الالتزامية مع الدلالة المطابقية في الحجية، فان قلنا باستقلال كل من هاتين الدلالتين في الحجية امكن إثبات الملاك في المقام بالدلالة الالتزامية للدليل، لان سقوط دلالته المطابقية لا يؤثر على حجية الدلالة الالتزامية بحسب الفرض، وان قلنا بتبعية الالتزامية للمطابقية في الحجية، كما هو الصحيح، فلا يمكن ذلك.

وعليه ففي كل حالة يتعذر فيها إثبات نفس الحكم بالدليل لا يبقى في الدليل ما يثبت وجود الملاك. ومثل ذلك ما إذا كان الدليل على حكم دالا بالالتزام على حكم آخر، وسقط المدلول المطابقي، فان محاولة إثبات الحكم المدلول التزاما حينئذ بنفس الدليل كمحاولة إثبات الملاك بالدليل في الحالة الآنفة الذكر.

[230]

ومثال ذلك: دليل الوجوب الدال بالالتزام على الحكم بالجواز وعدم الحرمة، فاذا نسخ الوجوب جرى البحث في مدى امكان اثبات الجواز، وعدم الحرمة بنفس دليل الوجوب المنسوخ، والكلام فيه، كما تقدم في الملاك.

2 - الدليل الشرعي غير اللفظي

عرفنا فيما تقدم ان الدليل الشرعي تارة يكون لفظيا، واخرى غير لفظي، والدليل الشرعي غير اللفظي هو الموقف الذي يتخذه المعصوم وتكون له دلالة على الحكم الشرعي. ويتمثل هذا الموقف في الفعل تارة، وفي التقرير والسكوت عن تصرف معين تارة أخرى، ونتكلم الآن عن دلالات كل من الفعل والسكوت.

دلالة الفعل

اما الفعل فتارة يقترن بمقال او بظهور حال يقتضي كونه تعليميا فيكتسب مدلوله من ذلك، وأخرى يتجرد عن قرينة من هذا القبيل، وحينئذ فان لم يكن من المحتمل اختصاص المعصوم بحكم في ذلك المورد دل صدور الفعل منه على عدم حرمته بحكم عصمته، كما يدل الترك على عدم الوجوب لذلك، ولا يدل بمجرده على استحباب الفعل ورجحانه إلا إذا كان عبادة - فإن عدم حرمتها مساوق لمشروعيتها ورجحانها - او احرزنا في مورد عدم وجود اي حافز غير شرعي، فيتعين كون الحافز شرعيا فيثبت الرجحان، ويساعد على هذا الاحراز تكرار صدور العمل من المعصوم، او مواظبته عليه مع كونه من الاعمال التي لا يقتضي الطبع تكرارها والمواظبة عليها.

[232]

وهل يدل الفعل على عدم كونه مرجوحا، اما مطلقا، واما في حالة تكرار صدوره من المعصوم، او لا يدل على اكثر مما تقدم من نفي الحرمة في ذلك؟ وجوه مبنية على ان المعصوم هل يجوز في حقه ترك الاولى وفعل المكروه، او يجوز حتى التكرار والمواظبة على ذلك، او لا يجوز شئ من هذا بالنسبة اليه؟ ويلاحظ انه على تقدير عدم تجويز ترك الاولى على المعصوم، اما مطلقا او بنحو المواظبة على الترك، نستطيع ان نستفيد من الترك عدم استحباب المتروك، كما نستفيد من الفعل عدم كونه مكروها وعدم كون الترك مستحبا.

وتبقى هناك نقطة ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار وهي: ان هذه الدلالات انما تتحقق في اثبات حكم للمكلف عند افتراض وحدة الظروف المحتمل دخلها في الحكم الشرعي، فان الفعل ما كان دالا صامتا وليس له اطلاق، فلا يعين ما هي الظروف التي لها دخل في اثبات ذلك الحكم للمعصوم، فما لم نحرز وحدة الظروف المحتمل دخلها لا يمكن ان نثبت الحكم.

ومن هنا قد يثار اعتراض عام في المقام، وهو ان نفس النبوة والامامة ظرف يميز المعصوم دائما عن غيره، فكيف يمكن ان نثبت الحكم على اساس فعل المعصوم.

والجواب على ذلك: إن احتمال دخل هذا الظرف في الحكم المكتشف ملغي بقوله تعالى (ولكم في رسول الله أسوة حسنة)(1) وما يناظره من الادلة الشرعية الدالة على جعل النبي والامام قدوة، فان فرض ذلك يقتضي الغاء دخل النبوة والامامة في سلوكهما لكي يكون قدوة لغير النبي والامام، فما لم يثبت بدليل ان الفعل المعين من مختصات النبي والامام يبنى على عدم الاختصاص.

[233]

دلالة السكوت والتقرير

واما السكوت فقد يقال: إنه دليل الامضاء وتوضيح ذلك، ان المعصوم اذا واجه سلوكا معينا، فاما ان يبدي موقف الشرع منه، وهذا يعني وجود الدليل الشرعي اللفظي، واما ان يسكت، وهذا السكوت يمكن ان يعتبر دليلا على الامضاء، ودلالته على الامضاء تارة تدعى على أساس عقلي، واخرى على أساس الظهور الحالي.

اما الاساس العقلي فيمكن توضيحا: إما بملاحظة المعصوم مكلفا، فيقال: إن هذا السلوك لو لم يكن مرضيا لوجب النهي عنه على المعصوم لوجوب النهي عن المنكر، او لوجوب تعليم الجاهل، فعدم نهيه وسكوته مع عصمته يكشف عقلا عن كون السلوك مرضيا، واما بملاحظة المعصوم شارعا وهادفا، فيقال: إن السلوك الذي يواجهه المعصوم لو كان يفوت عليه غرضه بما هو شارع لتعين الوقوف في وجهه، ولما صح السكوت لانه نقض للغرض، ونقض الغرض من العاقل الملتفت مستحيل.

وكل من اللحاظين له شروطه، فاللحاظ الاول يتوقف على توفر شروط وجوب النهي عن المنكر.

واللحاظ الثاني يتوقف على ان يكون السلوك المسكوت عنه مما يهدد بتفويت غرض شرعي فعلي بان يكون مرتبطا بالمجال الشرعي مباشرة، كالسلوك القائم على العمل بأخبار الآحاد الثقات في الشرعيات، او ناشئا من نكتة تقتضي بطبعها الامتداد إلى المجال الشرعي على نحو يتعرض الغرض الشرعي للخطر والتفويت، كما لو كان العمل باخبار الآحاد قائما في المجالات العرفية، ولكن بنكتة تقتضي بطبعها تطبيق ذلك على الشرعيات ايضا عند الحاجة.

واما الاساس الاستظهاري فيقوم على دعوى ان ظاهر حال المعصوم - بوصفه المسؤول العام عن تبليغ الشريعة وتقويم الزيغ - عند سكوته عن سلوك يواجهه ارتضاء ذلك السلوك، وهذا ظهور حالي، وتكون الدلالة

[234]

حينئذ استظهارية ولا تخضع لجملة من الشروط التي يتوقف عليها الاساس العقلي.

السيرة

ومن الواضح ان السكوت انما يدل على الامضاء في حالة مواجهة المعصوم لسلوك معين، وهذه المواجهة على نحوين: احدهما: مواجهة سلوك فرد خاص يتصرف أمام المعصوم، كأن يمسح أمام المعصوم في وضوئه منكوسا ويسكت عنه.

والآخر: مواجهة اجتماعي وهو ما يسمى بالسيرة العقلائية كما إذا كان العقلاء بما هم عقلاء يسلكون سلوكا معينا في عصر المعصوم، فانه بحكم تواجده بينهم يكون مواجها لسلوكهم العام، ويكون سكوته دليلا على الامضاء.

ومن هنا أمكن الاستدلال بالسيرة العقلائية عن طريق استكشاف الامضاء من سكوت المعصوم. والامضاء المستكشف بالسكوت ينصب على النكتة المركوزة عقلائيا لا على المقدار الممارس من السلوك خاصة.

وهذا يعني أولا: ان الممضى ليس هو العمل الصامت لكي لا يدل على أكثر من الجواز، بل هو النكتة، اي المفهوم العقلائي المرتكز عنه فقد يثبت به حكم تكليفي او حكم وضعي.

وثانيا: ان الامضاء لا يختص بالعمل المباشر فيه عقلائيا في عصر المعصوم، ففيما اذا كانت النكتة اوسع من حدود السلوك الفعلي كان الظاهر من حال المعصوم امضاء‌ها كبرويا وعلى امتدادها.

وعلى ضوء ما ذكرناه نعرف ان ما يمكن الاستدلال به على اثبات حكم شرعي هو السيرة المعاصرة للمعصومين، لانها هي التي ينعقد لسكوت المعصوم عنها ظهور في الامضاء دون السيرة المتأخرة. وقد يتوهم ان السيرة المتأخرة معاصرة أيضا للمعصوم، وان كان غائبا فيدل سكوته عنها على امضائه، وليست لدينا سيرة غير معاصرة للمعصوم.

[235]

والجواب على هذا التوهم: ان سكوت المعصوم في غيبته لا يدل على امضائه لا على اساس العقل ولا على أساس استظهاري، اما الاول فلانه غير مكلف في حالة الغيبة بالنهي عن المنكر وتعليم الجاهل، وليس الغرض بدرجة من الفعلية تستوجب الحفاظ عليه بغير الطريق الطبيعي الذي سبب الناس أنفسهم إلى سده بالتسبيب إلى غيبته. واما الثاني فلان الاستظهار مناطه حال المعصوم، ومن الواضح ان حال الغيبة لا يساعد على استظهار الامضاء من السكوت.

وعلى هذا يعرف ان كشف السيرة العقلائية عن امضاء الشارع، انما هو بملاك دلالة السكوت عنها على الامضاء لا بملاك ان الشارع سيد العقلاء وطليعتهم، فما يصدق عليهم يصدق عليه كما يظهر من بعض الاصوليين، وذلك لان كونه كذلك بنفسه يوجب احتمال تميزه عنهم في بعض المواقف، وتخطئته لهم في غير ما يرجع إلى المدركات السليمة الفطرية لعقولهم كما واضح.

إثبات صغرى الدليل الشرعي

 [239]

تمهيد

الدليل الشرعي شى يصدر من الشارع وله دلالة على حكم شرعي، وقد تقدم في البحث الاول عدد من الضوابط الكلية للدلالة. وهنا نتكلم عن كيفية إثبات كون الدليل صادرا من الشارع، وهذا ما نعبر عنه بإثبات صغرى الدليل الشرعي. وهذا الاثبات على نحوين: أحدهما: الاثبات الوجداني وذلك بإحراز الصدور وجدانا، والآخر: الاثبات التعبدي وذلك بأن يتعبد الشارع بالصدور كأن يقول مثلا: إعملوا بما يرويه الثقاة، وهذا معنى جعل الحجية فالكلام يقع في قسمين:

1 - وسائل الاثبات الوجداني

وسائل الاثبات الوجداني للدليل الشرعي - بالنسبة إلى غير المعاصرين للشارع - هي الطرق التي توجب العلم بصدور الدليل من الشارع، ولا يمكن حصر هذه الطرق ولكن يمكن إبراز ثلاث طرق رئيسية وهي:

أولا: الاخبار الحسي المتعدد بدرجة توجب اليقين، وهو المسمى بالخبر المتواتر.

ثانيا: الاخبار الحدسي المتعدد بالدرجة نفسها، وهو المسمى بالاجماع.

ثالثا: آثار محسوسة تكشف على سبيل الان عن الدليل الشرعي، ونتكلم الآن عن كل واحد من هذه الطرق تباعا.

الخبر المتواتر

كل خبر حسي يحتمل في شأنه - بما هو خبر - الموافقة للواقع والمخالفة له، وإحتمال المخالفة يقوم على اساس إحتمال الخطأ في المخبر، أو إحتمال تعمد الكذب لمصلحة معينة له تدعوه إلى إخفاء الحقيقة، فإذا تعدد الاخبار عن محور واحد، تضاء‌ل إحتمال المخالفة للواقع، لان إحتمال الخطأ أو تعمد الكذب في كل مخبر بصورة مستقلة إذا كان موجودا بدرجة ما، فاحتمال الخطأ أو تعمد الكذب في مخبرين عن واقعة واحدة معا أقل درجة، لان درجة إحتمال ذلك ناتج ضرب قيمة إحتمال الكذب في أحد المخبرين بقيمة

[242]

إحتماله في المخبر الآخر، وكلما ضربنا قيمة إحتمال بقيمة إحتمال آخر، تضاء‌ل الاحتمال، لان قيمة الاحتمال تمثل دائما كسرا محددا من رقم اليقين. فإذا رمزنا إلى رقم اليقين بواحد، فقيمة الاحتمال هي؟ أو؟ أو أي كسر آخر من هذا القبيل، وكلما ضربنا كسرا بكسر آخر خرجنا بكسر أشد ضآلة كما هو واضح.

وفي حالة وجود مخبرين كثيرين لا بد من تكرار الضرب بعدد اخبارات المخبرين لكي نصل إلى قيمة إحتمال كذبهم جميعا، ويصبح هذا الاحتمال ضئيلا جدا، ويزداد ضآلة كلما إزداد المخبرون حتى يزول عمليا، بل واقعيا لضآلته، وعدم إمكان إحتفاظ الذهن البشري بالاحتمالات الضئيلة جدا.

ويسمى حينئذ ذلك العدد من الاخبارت التي يزول معها هذا الاحتمال عمليا أو واقعيا بالتواتر، ويسمى الخبر بالخبر المتواتر. ولا توجد هناك درجة معينة للعدد الذي يحصل به ذلك. لان هذا يتأثر إلى جانب الكم بنوعية المخبرين، ومدى وثاقتهم وبناهتهم وسائر العوامل الدخلية في تكوين الاحتمال.

وبهذا يظهر أن الاحراز في الخبر المتواتر يقوم على أساس حساب الاحتمالات، والتواتر تارة يكون لفظيا، وأخرى معنويا، وثالثة إجماليا، وذلك أن المحور المشترك لكل الاخبارات أن كان لفظا محددا، فهذا من الاول، وإن كان قضية معنوية محددة، فهذا من الثاني، وإن كان لازما منتزعا، فهذا من الثالث.

وكلما كان المحور أكثر تحديدا كان حصول التواتر الموجب لليقين بحساب الاحتمالات أسرع إذ يكون إفتراض تطابق مصالح المخبرين جميعا بتلك الدرجة من الدقة رغم إختلاف أحوالهم وأوضاعهم أبعد في منطق حساب الاحتمالات.

[243]

وكما تدخل خصائص المخبرين من الناحية الكمية والكيفية في تقييم الاحتمال، كذلك تدخل خصائص المخبر عنه - أي مفاد الخبر - وهي على نحوين: خصائص عامة وخصائص نسبية والمراد بالخصائص العامة، كل خصوصية في المعنى تشكل بحساب الاحتمال عاملا مساعدا على كذب الخبر أو صدقه، بقطع النظر عن نوعية المخبر.

ومثال ذلك غرابة القضية المخبر عنها فإنها عامل مساعد على الكذب في نفسه فيكون موجبا لتباطؤ حصول اليقين بالتواتر، وعلى عكس ذلك كون القضية إعتيادية ومتوقعة ومنسجمة مع سائر القضايا الاخرى المعلومة، فإن ذلك عامل مساعد على الصدق ويكون حصول اليقين حينئذ أسرع. والمراد بالخصائص النسبية كل خصوصية في المعنى تشكل بحساب الاحتمال عاملا مساعدا على صدق الخبر أو كذبه فيما إذا لوحظ نوعية الشخص الذي جاء بالخبر، ومثال ذلك: غير الشيعي إذا نقل ما يدل على إمامة أهل البيت عليهم السلام، فان مفاد الخبر نفسه يعتبر بلحاظ خصوصية المخبر عاملا مساعدا لاثبات صدقه بحساب الاحتمال، لان إفتراض مصلحة خاصة تدعوه إلى الافتراء بعيد.

وقد تجتمع خصوصية عامة وخصوصية نسبية معا لصالح صدق الخبر كما في المثال المذكور، إذا فرضنا صدور الخبر في ظل حكم بني أمية، وأمثالهم ممن كانوا يحاولون المنع من أمثال هذه الاخبار، ترهيبا وترغيبا.

فإن خصوصية المضمون بقطع النظر عن مذهب المخبر شاهد قوي على الصدق وخصوصية المضمون مع اخذ مذهب المخبر بعين الاعتبار أقوى شهادة على ذلك.

الاجماع

الاجماع إتفاق عدد كبير من أهل النظر والفتوى في الحكم بدرجة توجب

[244]

إحراز الحكم الشرعي، وذلك أن فتوى الفقيه في مسألة شرعية بحتة تعتبر إخبارا حدسيا عن الدليل الشرعي، والاخبار الحدسي هو الخبر المبني على النظر والاجتهاد في مقابل الخبر الحسي القائم على اساس المدارك الحسية، وكما يكون الخبر الحسي ذا قيمة إحتمالية في إثبات مدلوله، كذلك فتوى الفقيه بوصفها خبرا حدسيا يحتمل فيه الاصابة والخطأ معا، وكما أن تعدد الاخبارات الحسية يؤدي بحسبا الاحتمالات إلى نمو إحتمال المطابقة وضآلة إحتمال المخالفة، كذلك الحال في الاخبارات الحدسية حتى تصل إلى درجة توجب ضآلة إحتمال الخطأ في الجميع جدا، وبالتالي زوال هذا الاحتمال عمليا أو واقعيا. وهذا ما يسمى بالاجماع.

فالاجماع والخبر المتواتر مشتركان في طريقة الاثبات بحساب الاحتمالات، ويعتمد الكشف في كل منهما على هذا الحساب، ولكنهما يتفاوتان في درجة الكشف. فإن نمو الاحتمال الموافق وتضاؤل إحتمال المخالفة أسرع حركة في التواتر منه في الاجماع وذلك لعدة امور يمكن ابراز اهمها في النقاط التالية:

الاولى: ان القيمة الاحتمالية للمفردات في الاجماع أصغر من القيمة الاحتمالية في التواتر، لان نسبة وقوع الخطأ في الحدسيات أكبر من نسبة وقوعه في الحسيات.

الثانية: أن الخطأ في مفردات الاجماع لا يتعين أن يكون ذا مركز واحد، بينما يكون الخطأ في الاخبار الحسية منصبا على مركز واحد عادة.

فحينما يفتي فقهاء عديدون بوجوب غسل الشعر في غسل الجنابة، ويكونون على خطأ مثلا، قد يكون خطأ أحدهم ناشئا من إعتماده على رواية غير تامة السند، وخطأ الآخر ناشئا من اعتماده على رواية غير تامة الدلالة، وخطأ الثالث ناشئا من إعتماده على أصالة الاحتياط وهكذا.

[245]

وكلما كان المركز المحتمل للاخطاء المتعددة واحدا أو متقاربا، كان إحتمال تراكم الاخطاء عليه أضعف والعكس صحيح.

الثالثة: ان إحتمال تأثير الخبر الاول في الخبر الثاني موجود في مجال الاخبار الحدسية، وغير موجود عادة في مجال الاخبار الحسية، وهذا يعني أن إحتمال الخطأ في الخبر الاول يتضمن في مجال الحدسيات إحتمالا للخطإ في الخبر الثاني، بينما هو في مجال الحسيات حيادي تجاه كون الثاني مخطئا أو مصيبا.

الرابعة: ان إحتمال الخطأ في قضية حسية يقترن عادة بإحراز وجود المقتضى للاصابة، وهو سلامة الحواس والفطرة، وينشأ من إحتمال وجود المانع عن تأثير المقتضى، وأما إحتمال الخطأ في قضية نظرية حدسية، فهو يتضمن أحيانا احتمال عدم وجود المقتضى للاصابة، أي احتمال كون عدم الاصابة ناشئا من القصور لا لعارض من قبيل الذهول أو إرتباك البال.

الخامسة: أن الاخطاء المحتملة في مجموع الاخبار الحدسية يحتمل نشوؤها من نكتة مشتركة، وأما الاخطاء المحتملة في مجموعة الاخبار الحسية فلا يحتمل فيها ذلك عادة، بل هي ترتبط في كل مخبر بظروفه الخاصة، وكلما كان هناك إحتمال النكتة المشتركة موجودا، كان إحتمال المجموع أقرب من إحتماله في حالة عدم وجودها. ويتأثر حساب الاحتمال في الاجماع بعوامل عديدة منها: نوعية العلماء المتفقين من الناحية العلمية، ومن ناحية قربهم من عصر النصوص.

ومنها: طبيعة المسألة المتفق على حكمها، وكونها من المسائل المترقب ورود النص بشأنها، أو من التفصيلات والتفريعات.

ومنها: درجة إبتلاء الناس بتلك المسألة وظروفها الاجتماعية فقد يتفق أنها بنحو يقتضي توافر الدواعي والظروف إشاعة الحكم المقابل لو لم يكن الحكم المجمع عليه ثابتا في الشريعة حقا.

[246]

ومنها: لحن كلام أولئك المجمعين في مقام الاستدلال على الحكم، ومدى إحتمال إرتباط موقفهم بمدارك نظرية موهونة إلى غير ذلك من النكات والخصوصيات.

ولما كان إستكشاف الدليل الشرعي من الاجماع مرتبطا بحساب الاحتمال، لم يكن للاجماع بعنوانه موضوعية في حصوله، فقد يتم الاستكشاف حتى مع وجود المخالف إذا كان الخلاف بنحو لا يؤثر على حساب الاحتمال المقابل، وهذا يرتبط إلى درجة كبيرة بتشخيص نوعية المخالف وعصره، ومدى تغلغله في الخط العلمي وموقعه فيه. كما أنه قد لا يكفي الاجماع بحساب الاحتمال للاستكشاف، فتضم إليه قرائن إحتمالية أخرى على نحو يتشكل من المجموع ما يقتضي الكشف بحساب الاحتمال.

سيرة المشترعة

ويناظر الاجماع السيرة المعاصرة والقريبة من عصر المعصومين عليهم السلام للمتشرعة بما هوم متشرعة.

وتوضيح ذلك أن العقلاء المعاصرين للمعصومين إذا إتجهوا إلى سلوك معين، فتارة يسلكونه بما هم عقلاء كسلوكهم القائم على التملك بالحيازة مثلا، وأخرى يسلكونه بما هم متشرعة كمسحهم القدم في الوضوء ببعض الكف مثلا.

والاول هو السيرة العقلائية، والثاني سيرة المتشرعة، والفرق بين السيرتين أن الاولى لا تكون بنفسها كاشفة عن موقف الشارع، وإنما تكشف عن ذلك بضم السكوت الدال على الامضاء، كما تقدم، وأما سيرة المتشرعة، فبالامكان إعتبارها بنفسها كاشفة عن الدليل الشرعي على أساس أن المتشرعة حينما يسلكون بوصفهم متشرعة، يجب أن يكونوا متلقين ذلك من الشارع، وهناك في مقابل ذلك إحتمال أن يكون السلوك المذكور مبنيا على الغفلة عن الاستعلام.

[247]

أو الغفلة في فهم الجواب على تقدير الاستعلام، غير أن هذا الاحتمال يضعف بحساب الاحتمال كلما لوحظ شمول السيرة، وتطابق عدد كبير من المتشرعة عليها، ومن هنا قلنا أن سيرة المتشرعة تناظر الاجماع لانها معا يقومان في كشفهما على أساس حساب الاحتمال.

غير أن الاجماع يمثل موقفا فتوائيا نظريا للفقهاء، والآخر يمثل سلوكا عمليا دينيا للمتشرعة. وكثيرا ما تشكل سيرة المتشرعة بالمعنى المذكور الحلقة الوسيطة بين الاجماع والدليل الشرعي، بمعنى أن تطابق أهل الفتوى على حكم مع عدم كونه منصوبا فيما بايدينا من نصوص يكشف بظن غالب إطمئناني عن تطابق سلوكي، وإرتكازي من المتشرعة المعاصرين لعصر النصوص، وهذا بدوره يكشف عن الدليل الشرعي.

وبكلمة أخرى إن الاجماع المذكور يكشف عن رواية غير مكتوبة، ولكنها معاشة سلوكا وإرتكازا بين عموم المتشرعة.

الاحراز الوجداني للدليل الشرعي غير اللفظي

مر بنا أن دليل السيرة العقلائية يعتمد على ركنين: أحدهما: قيام السيرة المعاصرة للمعصومين من العقلاء على شئ والآخر: سكوت المعصوم الذي يدل - كما تقدم - على الامضاء.

والسؤال الآن كيف يمكن أن نحرز كل واحد من هذين الركنين؟ فإننا بحكم عدم معاصرتنا لهما زمانا يجب أن نستدل عليهما بقضايا معاصرة ثابتة وجدانا لكي نحرز بذلك هذا النوع من الدليل الشرعي.

أما السيرة المعاصرة للمعصومين عليهم السلام، فهناك طرق يمكن أن يدعى الاستدلال بها عليها، وقد تستعمل نفس الطرق لاثبات السيرة المعاصرة للمعصومين من المتشرعة بوصفهم الشرعي: الطريق الاول: أن نستدل على ماضي السيرة العقلائية بواقعها المعاصر لنا.

وهذا الاستدلال يقوم على إفتراض الصعوبة في تحول السيرة من سلوك إلى سلوك مقابل، وكون السيرة العقلائية معبرة - بوصفها عقلائية - عن نكات فطرية وسليقة نوعه وهي مشتركة بين العقلاء في كل زمان.

[248]

ولكن الصحيح عدم صحة هذا الاستدلال، إذ لا صعوبة في تصور تحول السيرة بصورة تدريجية وبطيئة إلى أن تتمثل في السلوك المقابل بعد فترة طويلة من الزمن، وما هو صعب الافتراض التحول الفجائي العفوي، كما أن السلوك العقلائي ليس منبثقا دائما عن نكات فطرية مشتركة، بل يتأثر بالظروف والبيئة والمرتكزات الثقافية إلى غير ذلك من العوامل المتغيرة، فلا يمكن ان يعتبر الواقع المعاصر للسيرة دليلا على ماضيها البعيد.

الطريق الثاني: النقل التاريخي أما في نطاق التاريخ العام، أو في نطاق الروايات والاحاديث الفقهيه.

ويتوقف إعتبار هذا النقل أما على كونه موجبا للوثوق والعلم، أو على تجمع شرائط الحجية التعبدية فيه، وفي هذا المجال يمكن الاستفادة من الروايات نفسها، لانها تعكس ضمنا جوانب من حياة الرواة والناس وقتئذ، كما يمكن الاستفادة أيضا من فتاوى الجمهور في نطاق المعاملات مثلا بإعتبارها منتزعة أحيانا عن الوضع العام المرتكز عقلائيا إلى جانب دلالات التاريخ العام.

الطريق الثالث: أن يكون لعدم قيام السيرة المعاصرة للمعصومين على الحكم المطلوب لازم يعتبر إنتفاؤه وجدانيا فيثبت بذلك قيام السيرة على ذلك النحو.

ولنوضح ذلك في مثال كما يأتي: لنفرض أننا نريد أن نثبت أن السيرة المعاصرة للائمة عليهم السلام، كانت قائمة على الاجتزاء بالمسح ببعض الكف في الوضوء، فنقول: إن السيرة إذا كانت منعقدة على ذلك حقا، فهذا سوف يكون دليلا على عدم الوجوب لدى من يحاول الاستعلام عن حكم المسألة فيغنيه عن السؤال، وأما إذا لم تكن السيرة منعقدة على ذلك وكان إفتراض المسح بتمام الكف واردا في السلوك العملي لكثير من المتشرعة وقتئذ، فهذا يعني أن إستعلام حكم المسألة

[249]

ينحصر بالسؤال من المعصومين، أو الرجوع إلى رواياتهم - لان مسح المتشرعة بتمام الكف لا يكفي لاثبات الوجوب - وحيث إن المسألة محل الابتلاء لعموم أفراد المكلفين، ووجوب المسح بتمام الكف، يستنبطن عناية فائقة تحفز على السؤال، فمن الطبيعي أن تكثر الاسئلة في هذا المجال وتكثر الاجوبة تبعا لذلك، وفي هذه الحالة يفترض عادة أن يصل الينا مقدار من ذلك على أقل تقدير لاستبعاد إختفاء جلها، مع توفر الدواعي على نقلها، وعدم وجود ما يبرر الاختفاء، فإذا لم يصل إلينا ذلك نعرف أنه لم تكن هناك أسئلة وأجوبة كثيرة، وبالتالي لم تكن هناك حاجة إلى إستعلام حكم المسألة عن طريق السؤال والجواب.

وهذا يعين إفتراض قيام السيرة على الاجتزاء بالمسح ببعض الكف. وهذا الاستدلال يتوقف، كما لاحظنا على أن المسألة محل الابتلاء للعموم، وكون الحكم المقابل - كوجوب المسح بتمام الكف في المثال - يتطلب سلوكا لا يقتضيه الطبع بنفسه، وتوفر الدواعي على نقل ما يراد في حكم المسألة، وعدم وجود مبررات للاخفاء، وعدم وصول شى معتد به في هذا المجال، لاثبات الحكم المقابل من الروايات وفتاوى المتقدمين.

الطريق الرابع: أن يكون للسلوك الذي يراد إثبات كونه سلوكا عاما للمعاصرين للائمة سلوك بديل على نحو لو لم نفترض ذاك يتعين إفتراض هذا البديل، ويكون هذا السلوك البديل معبرا عن ظاهرة إجتماعية غريبة لو كانت واقعة حقا لسجلت وإنعكست علينا بإعتبارها على خلاف المألوف، وحيث لم تسجل يعرف أن الواقع خارجا كان هو المبدل لا البدل.

ومثال ذلك: أن نقول إن السلوك العام المعاصر للمعصومين كان منعقدا على إعتبار الظواهر والعمل بها. إذ لولا ذلك لكان لا بد من سلوك بديل يمثل طريقة أخرى في التفهيم، ولما كانت الطريقة البديلة تشكل ظاهرة غريبة عن المألوف كان من الطبيعي أن تنعكس ويشار اليها والتالي غير واقع فكذلك المقدم،

[250]

وبذلك يثبت إستقرار السيرة على العمل بالظواهر.

الطريق الخامس: الملاحظة التحليلية الوجدانية بمعنى: ان الانسان إذا عرض مسألة على وجدانه ومرتكزاته العقلائية، فرأى انه منساق إلى اتخاذ موقف معين، ولاحظ ان هذا الموقف واضح في وجدانه بدرجة كبيرة، واستطاع ان يتأكد من عدم ارتباطه بالخصوصيات المتغيرة من حال إلى حال، ومن عاقل إلى عاقل بملاحظة تحليلية وجدانية، امكنه ان ينتهي إلى الوثوق بان ما ينساق اليه من موقف حالة عامة في كل العقلاء. وقد يدعم ذلك باستقراء حالة العقلاء في مجتمعات عقلائية مختلفة للتأكد من هذه الحالة العامة.

وهذا طريق قد يحصل للانسان الوثوق بسببه، ولكنه ليس طريقا استدلاليا موضوعيا الا بقدر ما يتاح للملاحظ من استقراء للمجتمعات العقلائية المختلفة. واما سكوت المعصوم الدال على الامضاء فقد يقال: إن من الصعوبة بمكان الجزم به، إذ كيف نعرف انه لم يصدر من المعصوم ما يدل على الردع عن السيرة المعاصرة له، وغاية ما نستطيع ان نتأكد منه هو عدم وجود هذا الردع فيما بايدينا من نصوص غير ان ذلك لا يعني عدم صدوره، إذا لعله قد صدر ولم يصل.

غير ان الطريقة التي نتغلب بها على هذه الصعوبة تتم كما يأتي: نطرح القضية الشرطية القائلة: لو كان قد ردع المعصوم عن السيرة لوصل الينا، والتالي باطل لان المفروض عدم وصول الردع، فالمقدم مثله.

ووجه الشرطية ان الردع عن سيرة عقلائية مستحكمة لا يتحقق بصورة جادة بمجرد نهي واحد او نهيين، بل يجب ان يتناسب حجم الردع مع قوة السيرة وترسخها، فالردع إذن يجب ان يتمثل في نواه كثيرة، وهذه النواهي بنفسها تخلق ظروفا مناسبة لامثالها لانها تلفت انظار الرواة إلى السؤال وتكثر الاسئلة والاجوبة، والدواعي متوفرة لضبط هذه النواهي من قبل الرواة، فيكون من

[251]

الطبيعي ان يصل الينا شئ منها. وفي حالة عدم وصول شئ بالقدر الذي تفترضه الظروف المشار اليها، نستكشف عدم صدور الردع، وبذلك يتم كلا الركنين لدليل السيرة:

درجة الوثوق في وسائل الاحراز الوجداني

وسائل الاحراز الوجداني التي يقوم كشفها على حساب الاحتمال، تؤدي تارة إلى القطع بالدليل الشرعي، واخرى إلى قيمة احتمالية كبيرة، ولكن تناظرها في الطرف المقابل قيمة احتمالية معتد بها، وثالثة إلى قيمة احتمالية كبيرة تقابلها في الطرف المقابل قيمة احتمالية ضئيلة جدا، وتسمى القيمة الاحتمالية الكبيرة في هذه الحالة بالاطمئنان، وفي الحالة السابقة بالظن. ولا شك في حجية الاحراز الواصل إلى درجة القطع تطبيقا لمبدأ حجية القطع، كما لا شك في ان الاحراز الظني غير كاف للمقصود ما لم يقم دليل شرعي على التعبد به فيدخل في نطاق الاحراز التعبدي.

واما الاطمئنان فقد يقال بحجيته الذاتية عقلا تنجيزا وتعذيرا كالقطع، بمعنى ان حق الطاعة الثابت عقلا، كما يشمل حالة القطع بالتكليف، كذلك يشمل حالة الاطمئنان به، وكما لا يشمل حالة القطع بعدم التكليف، كذلك لا يشمل حالة الاطمئنان بعدمه، فان صحت هذه الدعوى لم نكن بحاجة إلى تعبد شرعي للعمل بالاطمئنان مع فارق، وهو امكان الردع عن العمل بالاطمئنان، مع عدم امكانه في القطع كما تقدم، وان لم تصح هذه الدعوى، تعين طلب الدليل على التعبد الشرعي بالاطمئنان. والدليل هو السيرة العقلائية الممضاة بدلالة السكوت.

وفي مقام الاستدلال على حجية الاطمئنان شرعا بالسيرة العقلائية مع سكوت الشارع عنها، لا بد من افتراض القطع بهذين الركنين، ولا يكفي الاطمئنان، والا كان من الاستدلال على حجية الاطمئنان بالاطمئنان.

2 - وسائل الاحراز التعبدي

وأهم ما يبحث عنه في علم الاصول كوسيلة تعبدية لاحراز صدور الدليل من الشارع، خبر الواحد، ويراد به الخبر الذي لم يحصل منه القطع بثبوت مؤداه.

والكلام فيه في ثلاث مراحل: احداها: استعراض الادلة المدعاة على حكم الشارع بحجيته. وثانيتها: استعراض الادلة المدعى كونها معارضة لذلك. والمرحلة الثالثة: تحديد دائرة الحجية وشروطها بعد فرض ثبوتها، وسنبحث هذه المراحل تباعا.

أدلة حجية خبر الواحد

وقد استدل على الحجية بالكتاب والسنة. اما الكتاب الكريم فبآيات. منها آية النبأ، وهي قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن جاء‌كم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)(1).

___________________________________

(1) الحجرات 6. (*)

[253]

وتقريب الاستدلال ان الجملة في الآية الكريمة شرطية، والحكم فيها هو الامر بالتبين، وموضوع الحكم النبأ وشرطه مجئ الفاسق به، فتدل بالمفهوم على انتفاء وجوب التبين عن النبأ إذا انتفى الشرط ولم يجئ به الفاسق، وهذا يعني انه لا يجب التبين في حالة مجئ العادل بالنبإ، وليس ذلك إلا لحجيته.

وقد نوقش في الاستدلال المذكور بوجهين: الاول، ان مجئ الفاسق بالنبإ شرط محقق للموضوع لانه هو الذي يحقق النبأ، وليس للجملة الشرطية مفهوم إذا كان الشرط مسوقا لتحقق الموضوع، كما تقدم في بحث مفهوم الشرط. وحاول صاحب الكفاية ان يدفع هذه المناقشة بدعوى انها انما تتم على الافتراض المتقدم في تعيين الموضوع والشرط، واما إذا قيل بان الموضوع هو الجائي بالنبأ، والشرط هو الفسق، كانت الآية في قوة قولنا، إذا كان الجائي بالنبأ فاسقا فتبينوا. ومن الواضح حينئذ ان الشرط هنا ليس محققا للموضوع، فيتم المفهوم. ولكن مجرد امكان هذه الفرضية لا يكفي لتصحيح الاستدلال ما لم يثبت كونها هي المستظهرة عرفا من الآية الكريمة.

الثاني: ان الحكم بوجوب التبين معلل في الآية الكريمة بالتحرز من الاصابة بجهالة، والعلة مشتركة بين اخبار الآحاد لان عدم العلم ثابت فيها جميعا، فتكون بمثابة القرينة المتصلة على الغاء المفهوم. وأجيب عن ذلك تارة بان الجهالة ليست مجرد عدم العلم، بل تستطبن السفاهة، وليس في العمل بخبر العادل سفاهة لان سيرة العقلاء عليه. واخرى بان المفهوم اخص من عموم التعليل لانه يقتضي حجية خبر العادل بينما التعليل يدل على عدم حجية كل ما هو غير علمي، ويشمل باطلاقه خبر العادل، فليكن المفهوم مقيدا لعموم التعليل.

[254]

وثالثة: بان المفهوم مفاده ان خبر العادل لا حاجة إلى التبين بشأنه لانه بين واضح، وهذا يعني افتراضه بمثابة الدليل القطعي، والامر بالتعامل معه على أساس أنه بين ومعلوم، وبهذا يخرج عن موضوع عموم التعليل، لان العموم في التعليل موضوعه عدم العلم. فاذا كان خبر العادل واضحا بينا بحكم الشارع، فهو علم ولا يشمله التعليل. ومنها آية النفر، وهي قوله تعالى: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلم يحذرون)(1).

وتقريب الاستدلال بها انها تدل على مطلوبية التحذر عنه الانذار بقرينه وقوع الحذر موقع الترجي بدخول لعل عليه، وجعله غاية للانذار الواجب، ومقتضى الاطلاق كون التحذر واجبا عند الانذار، ولو لم يحصل العلم من قوله المنذر، وهذا يكشف عن حجية اخبار المنذر.

والجواب على ذلك: اولا: ان وجوب التحذر عند الانذار لا يكشف عن كون الحذر الواجب بملاك حجية خبر المنذر، وذلك لان الانذار يفترض العقاب مسبقا، وكون الحكم منجزا بمنجز سابق، كالعلم الاجمالي أو الشك قبل الفحص، ولا يصدق عنوان الانذار على الاخبار عن حكم لا يستتبع عقابا الا بسبب هذا الاخبار.

وثانيا: لو سلمنا ان خبر المنذر بنفسه كان منجزا، فهذا لا يساوق الحجية بمعناها الكامل لما سبق من ان اي دليل احتمالي على التكليف. فهو ينجزه بحكم العقل، فغاية ما تفيده الآية الكريمة انها تنفي جعل اصالة البراء‌ة

___________________________________

(1) سورة التوبة: 122.(*)

[255]

شرعا في موارد قيام الخبر على التكليف، ولا تثبت جعل الشارع الحجية للخبر. نعم بناء على مسلك قبح العقاب بلا بيان يكشف ما ذكر عن الجعل الشرعي، إذ لولا الجعل الشرعي لجرت قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

وثالثا: ان الآية الكريمة لو دلت على حجية قول المنذر شرعا، فانما تدل على حجيته بما هو رأي ونظر، لا بما هو اخبار وشهادة، لان الانذار يعني مزج الاخبار بتشخيص المعنى واقتناص النتيجة.

ومنها آية الكتمان، وهي قوله تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يعلنهم الله ويعلنهم اللاعنون)(1).

وتقريب الاستدلال بها انها تدل بالاطلاق على حرمة الكتمان. ولو في حالة عدم ترتب العلم على الابداء، وهذا يكشف عن وجوب القبول في هذه الحالة، لان تحريم الكتمان من دون ايجاب القبول لغو، ووجوب القبول مع عدم العلم يساوق حكم الشارع بالحجية. والجواب على ذلك: اولا: ان الكتمان انما يصدق في حالة الاخفاء مع توفر مقتضيات الوضوح والعلم، فلا يشمل الاطلاق المذكور عدم الاخبار في مورد لا تتوفر فيه مقتضيات العلم.

وثانيا: ان تعميم حرمة الكتمان لعله بدافع الاحتياط من قبل المولى لعدم امكان اعطاء قاعدة للتمييز بين موارد ترتب العلم على الاخبار وغيرها، فان الحاكم قد يوسع موضوع حكمه الواقعي بدافع الاحتياط، وهذا غير الامر بالاحتياط.

___________________________________

(1) سورة البقرة: 159. (*)

[256]

ومنها آية السؤال من اهل الذكر، وهي قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)(1).

وتقريب الاستدلال ان الامر بالسؤال يدل باطلاقه على وجوب قبول الجواب، ولو لم يفد العلم لانه بدون ذلك يكون الامر بالسؤال في حال عدم افادة الجواب للعلم لغوا، واذا وجب قبول الجواب ولو لم يفد العلم، ثبتت الحجية. وقد اتضح الجواب مما سبق إضافة إلى ان الامر بالسؤال في الآية ليس ظاهرا في الامر المولوي لكي يستفاد منه ذلك، لانه وارد في سياق الحديث مع المعاندين والمتشككين في النبوة من الكفار، ومن الواضح ان هذا السياق لا يناسب جعل الحجية التعبدية، وانما يناسب الارشاد إلى الطرق التي توجب زوال التشكك، ودفع الشبهة بالحجة القاطعة، لان الطرف ليس ممن يتعبد بقرارات الشريعة.

ونلاحظ ايضا ان الامر بالسؤال مفرع على قوله: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم) والتفريع يمنع عن انعقاد اطلاق في متعلق السؤال لكي يثبت الامر بالسؤال في غير مورد المفرع عليه وامثاله. هذا على ان مورد الآية لا حجية فيه لاخبار الاحاد لانه يرتبط باصول الدين. وإذا قطعنا النظر عن كل ذلك، فالاستدلال يتوقف على حمل اهل الذكر على العلماء والرواة لا أهل النبوات السابقة بحمل الذكر على العلم لا على الرسالة الالهية.

واما السنة فلا بد لكي يصح الاستدلال بها في المقام ان تكون ثابتة بوسيلة من وسائل الاحراز الوجداني، ولا يكفي ثبوتها بخبر الواحد لئلا يلزم الدور.

___________________________________

(1) سورة النحل 43. (*)

[257]

وهنا وسيلتان للاحراز الوجداني: احداهما التواتر في الروايات الدالة على حجية خبر الواحد، والاخرى السيرة.

اما الوسيلة الاولى فتقريب الاستدلال بها: ان حجية خبر الواحد يمكن اقتناصها من ألسنة روايات كثيرة تشترك جميعا في افادة هذا المعنى وان اختلفت مضامينها، وبذلك يحصل التواتر الاجمالي، ويثبت بالتواتر حجية خبر الواحد الواجد من المزايا لما يجعله مشمولا لمجمع تلك الروايات المكونة للتواتر، فاذا اتفق وجود خبر من هذا القبيل يدل على حجية خبر الواحد في دائرة أوسع أخذ به.

واما الوسيلة الثانية، فتقريب الاستدلال بها يشتمل على الامور التالية: اولا: اثبات السيرة وكون المتشرعة، والرواة في عصر الائمة كانوا يعملون باخبار الثقات، ولو لم تفدهم الاطمئنان الشخصي، وفي هذا المجال يمكن استعمال الطريق الثالث من طرق إثبات السيرة المتقدمة، وذلك لتوفر شروطه، فانه لا شك في وجود عدد كبير من هذه الروايات بأيدي المتشرعة المعاصرين للائمة ودخول حكمها في محل ابتلائهم على أوسع نطاق، فاما ان يكونوا قد انعقدت سيرتهم على العمل بها من أجل تلقي ذلك من الشارع، او جريا على سجيتهم، واما ان يكونوا قد توقفوا عن العمل بها.

والاول هو المطلوب اذ تثبت بذلك السيرة الممتدة في تطبيقها إلى المجال الشرعي. واما الثاني فليس من المحتمل ان يؤدي توقفهم إلى طرح تلك الروايات جميعا بدون استعلام الحكم الشرعي تجاها، لان ارتكاز الاعتماد على اخبار الثقات، وكون طرح خبر الثقة على خلاف السجية العقلائية، يحول عادة دون

[258]

التوافق على الطرح بلا استعلام، والاستعلام يجب ان يكون بحجم اهمية المسألة، وهذا يقتضي افتراض اسئلة وأجوبة كثيرة، فلو لم يكن خبر الثقة حجة لكان هذا يعني تضافر النصوص بذلك في مقام الجواب على اسئلة الرواة، ومع توفر الدواعي على نقل ذلك لا بد من وصول هذه النصوص الينا، ولو في الجملة، بينما لم يصل الينا شئ من ذلك، بل وصل ما يعزز الحجية، وهذا يعين اما استقرار العمل باخبار الثقات بدون استعلام، واما استقراره على ذلك بسبب الاستعلام وصدور البيانات المثبتة للحجية.

ثانيا: ان السيرة الثابتة بالبيان السابق إذ كانت سيرة لاصحاب الائمة بما هم متشرعة، فهي تكشف عن الدليل الشرعي بلا حاجة إلى ضم مقدمة، واذا كانت سيرة لهم بما هم عقلاء، ضممنا اليها مقدمة اخرى وهي: ان الشارع لم يردع عنها إذ لو كان قد ردع بالدرجة الكافية لاثر هذا الردع من ناحية في هدم السيرة، ولو صل الينا شئ من نصوص الردع.

ثالثا: ان الآيات الناهية عن العمل بالظن قد يتوهم انها تردع عن السيرة، لان خبر الواحد امارة ظنية فيشمله اطلاق النهي عن العمل بالظن، ولكن الصحيح انها لا تصلح ان تكون رادعة، وذلك لاننا اثبتنا بالفعل انعقاد السيرة المعاصرة للائمة على العمل باخبار الثقات في الشرعيات، وهذا يعني بعد استبعاد العصيان.

اما وصول دليل اليهم على الحجية، او غفلتهم عن اقتضاء تلك النواهي للردع، او عدم كونها دالة على ذلك في الواقع، وعلى كل من هذه التقادير لا يكون الردع تاما. ومثل ذلك يقال في مقابل التمسك بأدلة الاصول كدليل أصالة البراء‌ة مثلا لاثبات الردع باطلاقها لحالة قيام خبر الثقة على خلاف الاصل المقرر فيها.

رابعا: ان عدم الردع يكشف عن الامضاء، وهذا واضح بعد اثبات امتداد السيرة إلى الشرعيات وجريانها على اثبات الحكم الشرعي بخبر الثقة،

[259]

الامر الذي يعرض الاغراض الشرعية للتفويت، لو لم تكن مرضية، مضافا إلى ان ظاهر الحال في امثال المقام هو الامضاء، كما تقدم.

أدلة نفي الحجية

وقد استدل على نفي الحجية بالكتاب والسنة. اما الكتاب فبما ورد فيه من النهي عن اتباع الظن، كقوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) *(1). وقد يجاب على ذلك بان النهي المذكور، انما يدل على نفي الحجية عن خبر الواحد بالاطلاق، وهذا الاطلاق يقيد بدليل حجية خبر الواحد، سواء كان لفظيا او سيرة.

اما على الاول فواضح، واما على الثاني فلان إطلاق الآيات لا يصلح ان يكون رادعا عن السيرة كما تقدم، وهذا يعني استقرار حجية السيرة فتكون مقيدة للاطلاق. واما السنة ففيها ما دل على عدم جواز العمل بالخبر غير العلمي، وفيها ما دل على عدم جواز العمل بخبر لا يكون عليه شاهد من الكتاب الكريم.

اما الفريق الاول فيرد عليه: اولا: انه من اخبار الاحاد الضعيفة سندا ولا دليل على حجيته.

وثانيا: انه يشمل نفسه لانه خبر غير علمي بالنسبة الينا، ولا نحتمل الفرق بينه وبين سائر الاخبار غير العلمية، وهذا يعني امتناع حجية هذا الخبر، لان حجيته تؤدي إلى نفي حجيته والتعبد بعدمها.

___________________________________

(1) الاسراء 36. (*)

[260]

واما الفريق الثاني فيرد عليه، انه لو تم في نفسه لكان مطلقا شاملا للاخبار الواردة في اصول الدين، والاخبار الواردة في الاحكام، فيعتبر ما دل على الحجية في القسم الثاني بالخصوص صالحا لتقييد اطلاق تلك الروايات.

تحديد دائرة الحجية

وبعد افتراض ثبوت الحجية يقع الكلام في تحديد دائرتها، وتحديد الدائرة تارة بلحاظ صفات الراوي، واخرى بلحاظ المروي.

اما باللحاظ الاول فصفوة القول في ذلك: ان مدرك الحجية اذا كان مفهوم آية النبأ، فهو يقتضي حجية خبر العادل ولا يشمل خبر الفاسق الثقة، واذا كان المدرك السنة على اساس الروايات والسيرة، فلا شك في ان موضوعها خبر الثقة، ولو لم يكن عادلا من غير جهة الاخبار، الا ان وثاقة الراوي تارة تؤخذ مناطا للحجية على وجه الموضوعية، واخرى تؤخذ مناطا لها على وجه الطريقية، وبما هي سبب للوثوق غالبا، بصدق الراوي، وصحة نقله، فان استظهر الاول لزم القول بحجية خبر الثقة، ولو قامت امارة عكسية مكافئة لوثاقة الراوي في كشفها، وان استظهر الثاني لزم سقوط خبر الثقة عن الحجية في حالة قيام امارة من هذا القبيلي.

وعليه يترتب ان اعراض القدماء من علمائنا عن العمل بخبر ثقة، يوجب سقوطه عن الحجية - إذا لم يحتمل فيه كونه قائما على اساس اجتهادي - لانه يكون إمارة على وجود خلل في النقل.

واما خبر غير الثقة فان لم تكن هناك إمارات ظنية على صدقه، فلا اشكال في عدم حجيته، وان كانت هناك امارات كذلك، فان افادت الاطمئنان الشخصي كان حجة لحجية الاطمئنان، كما تقدم، والا ففي حجية الخبر وجهان مبنيان على ان وثاقة الراوي هل هي مأخوذة مناطقا للحجية على

[261]

وجه الموضوعية، او بما هي سبب للوثوق الغالب بالمضنون على نحو يكون السبب والمسبب كلاهما دخيلين في الحجية، او بما هي معرف صرف للوثوق الغالب بالمضمون دون ان يكون لوثاقة الراوي دخل بعنوانها.

فعلى الاول والثاني لا يكون الخبر المذكور حجة، وعلى الثالث يكون حجة. وعلى هذه التقادير تبتنى اثباتا ونفيا مسألة انجبار الخبر الضعيف بعمل المشهور من قدماء العلماء. فان عمل المشهور به يعتبر امارة على صحة النقل، فقد يدخل في نطاق الكلام السابق.

واما باللحاظ الثاني فيعتبر في الحجية امران: احدهما: ان يكون الخبر حسيا لا حدسيا، والآخر ان لا يكون مخالفا لدليل قطعي الصدور من الشارع، كالكتاب الكريم.

اما الاول فلعدم شمول أدلة الحجية للاخبار الحدسية. واما الثاني فلما دل من الروايات على عدم حجية الخبر المخالف للكتاب الكريم، فانه يقيد أدلة حجية الخبر بغير صورة المخالفة للكتاب الكريم، او ما كان بمثابته من الادلة الشرعية القطعية صدورا وسندا.

قاعدة التسامح في أدلة السنن

ذكرنا ان خبر غير الثقة إذا لم تكن هناك امارات على صدقه، فهو ليس بحجة، ولكن قد يستثنى من ذلك الاخبار الدالة على المستحبات، او على مطلق الاوامر والنواهي غير الالزامية، فيقال، بانها حجة في اثبات الاستحباب او الكراهة ما لم يعلم ببطلان مفادها. ويستند في ذلك إلى روايات فيها الصحيحة وغيرها، دلت على ان من بلغه عن النبي ثواب على عمل فعمله كان له مثل ذلك الثواب، وان كان النبي لم يقله، بدعوى ان هذه الروايات تجعل الحجية لمطلق البلوغ في موارد المستحبات، ومن اجل هذا يعبر عن ذلك بالتسامح في ادلة السنن.

[262]

والتحقيق ان هذه الروايات فيها بدوا عدة احتمالات: الاول: أن تكون في مقام جعل الحجية لمطلق البلوغ.

الثاني: أن تكون في مقام إنشاء إستحباب واقعي نفسي على طبق البلوغ، فيكون بلوغ إستحباب الفعل عنوانا ثانويا له يستدعي ثبوت إستحباب واقعي بهذا العنوان.

الثالث: أن تكون ارشادا إلى حكم العقل بحسن الاحتياط وإستحقاق المحتاط للثواب.

الرابع: أن تكون وعدا مولويا لمصلحة في نفس الوعد، ولو كانت هذه المصلحة هي الترغيب في الاحتياط بإعتبار حسنه عقلا.

والاستدلال بالروايات على ما ذكر مبني على الاحتمال الاول، وهو غير متعين بل ظاهر لسان الروايات ينفيه لانها تجعل للعامل الثواب، ولو مع مخالفة الخبر للواقع. فلو كان وضع نفس الثواب تعبيرا عن التعبد بثبوت المؤدي، وحجية البلوغ، لما كان هناك معنى للتصريح بأن نفس الثواب محفوظ حتى مع مخالفة الخبر للواقع.

كما أن الاحتمال الثاني لا موجب لاستفادته أيضا الا دعوى أن الثواب على عمل فرع كونه مطلوبا، وهي مدفوعة بأنه يكفي حسن الاحتياط عقلا ملاكا للثواب.

فالمتعين هو الاحتمال الثالث، ولكن مع تطعيمه بالاحتمال الرابع، لان الاحتمال الثالث بمفرده لا يفسر إعطاء العامل نفس الثواب الذي بلغه، لان العقل إنما يحكم بإستحقاق العامل للثواب لا لشخص ذلك الثواب، فلا بد من الالتزام بأن هذه الخصوصية مردها إلى وعد مولوي.

إثبات حجية الدلالة في الدليل الشرعي

[265]

تمهيد

الدليل الشرعي قد يدل على حكم دلالة واضحة توجب اليقين أو الاطمئنان. بأن هذا الحكم هو المدلول المقصود.

وفي هذه الحالة يعتبر حجة في دلالته على إثبات ذلك الحكم، لان اليقين حجة والاطمئنان حجة، من دون فرق بين أن يكون هذا الوضوح واليقين بالدلالة قائما على أساس كونها دلالة عقلية آنية من قبيل دلالة فعل المعصوم على عدم الحرمة، أو على أساس كون الدليل لفظا لا يتحمل بحسب نظام اللغة وأساليب التعبير، سوى إفادة ذلك المدلول وهو المسمى بالنص، أو على أساس أحتفاف الدليل اللفظي بقرائن حالية أو عقلية تنفي إحتمال مدلول آخر، وإن كان ممكنا من وجهة نظر لغوية وعرفية عامة.

وقد يدل الدليل الشرعي على أحد أمرين أو أمور على نحو تكون صلاحيته لافادة أي واحد منها مكافئة لصلاحيته لافادة غيره، بحسب نظام اللغة، وأساليب التعبير العرفي، وهذا هو المجمل. ويكون حجة في إثبات الجامع على أساس العلم بان المراد لا يخلو من واحد محتمليه او محتملاته. هذا فيما إذا كان للجامع أثر قابل للتنجيز بالعلم المذكور، وأما كل واحد من المحتملات بخصوصه فلا يثبت بالدليل المذكور إلا مع الاستعانة بدليل خارجي على نفي المحتمل الآخر، فيضم إلى إثبات الجامع فينتج التعين في المحتمل البديل.

[266]

وقد يدل الدليل الشرعي على أحد أمرين مع اولوية دلالته على أحدهما بنحو مسبق إلى الذهن تصورا على مستوى المدلول التصوري، وتصديقا على مستوى المدلول التصديقي، وإن كانت افادة المعنى الآخر تصورا وتصديقا بالدليل المذكور ممكنة، ومحتملة أيضا بحسب نظام اللغة وأساليب التعبير، وهذا هو الدليل الظاهر في معنى وفي مثل ذلك يحمل على المعنى الظاهر، لان الظهور حجة في تعيين مراد المتكلم. وهذه الحجية لا تقوم على أساس إعتبار العلم، لان الظهور لا يوجب العلم دائما، بل على أساس حكم الشارع بذلك. ويعبر عن حجية الظهور بأصالة الظهور، وعلى وزان ذلك يقال أصالة العموم وأصالة الاطلاق وأصالة الحقيقة وأصالة الجد، وغير ذلك من مصاديق لكبرى حجية الظهور.

الاستدلال على حجية الظهور

وحكم الشارع بحجية الظهور يمكن الاستدلال عليه بالسيرة بأحد النحوين التاليين: النحو الاول: أن نتمسك بالسيرة العقلائية بمعنى إستفرار بناء العقلاء على إتخاذ الظهور وسيلة كافية لمعرفة مقاصد المتكلم، وترتيب ما يرى لها من آثار بحسب الاغراض التكوينية أو التشريعية، وهذه السيرة بحكم إستحكامها تشكل دافعا عقلائيا عاما للعمل بالظهور في الشرعيات لو ترك المتشرعة إلى ميولهم العقلائية، وفي حالة من هذا القبيل يكون عدم الردع والسكوت كاشفا عن الامضاء.

وقد تقدم في بحث دلالات الدليل الشرعي غير اللفظي إستعراض عدد من الاوجه لتفسير دلالة السكوت على الامضاء، ويلاحظ هنا أن واحدا من تلك الاوجه لا يمكن تطبيقه في المقام، وهو تفسير الدلالة على أساس الظهور الحالي، لان الكلام هنا في حجية الظهور، فلا يكفي في إثباتها ظهور حال المعصوم في الامضاء.

[267]

النحو الثاني: أن نتمسك بسيرة المتشرعة من أصحاب الائمة، وفقهائهم، فإننا لا نشك في أن علمهم في مقام الاستنباط كان يقوم فعلا على العمل بظواهر الكتاب والسنة، ويمكن إثبات ذلك بإستعمال الطريق الرابع من طرق إثبات السيرة المتقدمة فلاحظ.

وعلى هذا تكون السيرة المذكورة كاشفة كشفا أنيا مباشرا عن الامضاء، ولا حاجة حينئذ إلى توسيط قاعدة أن السكوت كاشف عن الامضاء على ما تقدم من الفرق بين سيرة المتشرعة والسيرة العقلائية. ويواجه الاستدلال بالسيرة هنا نفس ما واجهه الاستدلال بالسيرة في بحث حجية الخبر. إذ يعترض بأن هذه السيرة مردوع عنها بالمطلقات الناهية عن العمل بالظن أو باطلاق أدلة الاصول.

والجواب على الاعتراض يعرف مما تقدم في بحث حجية الخبر، مضافا إلى أن ما دل على النهي عن العمل بالظن يشمل إطلاق نفسه، لانه دلالة ظنية أيضا، ولا نحتمل الفرق بينها وبين غيرها من الدلالات والظواهر الظنية، فيلزم من حجيته التعبد بعدم حجية نفسه، وما ينفي نفسه كذلك لا يعقل الاكتفاء به في مقام الردع.

موضوع الحجية

عرفنا سابقا أن الدلالة تصورية وتصديقية. وعليه فهناك ظهور على مستوى الدلالة التصورية، وهناك ظهور على مستوى الدلالة التصديقية. ومعنى الظهور الاول أن يكون أحد المعنيين أسرع إنسباقا إلى تصور الانسان وذهنه من الآخر عند سماع اللفظ. ومعنى الظهور الثاني أن يكون كشف الكلام تصديقا عما في نفس المتكلم،

[268]

يبرز هذا المعنى دون ذاك فيقال حينئذ: إنه ظاهر فيه بحسب الدلالة التصديقية.

وقد تقدم أن الظاهر من كل كلام أن يتطابق مدلوله التصوري مع مدلوله التصديقي. وعلى أي حال، فموضوع الحجية هو الظهور على مستوى الدلالة التصديقية، لان الحجية معناها إثبات مراد المتكلم وحكمه بظهور الكلام، والكاشف عن المراد والحكم إنما هو الدلالة التصديقية والظهور التصديقي.

وأما الدلالة التصورية فلا تكشف عن شئ لكي تكون حجة في إثباته، وإنما هي مجرد إخطار وتصور، نعم الظهور على مستوى الدلالة التصورية هو الذي يعين لنا عادة الظهور التصديقي، لان ظاهر الكلام هو التطابق بين ما هو الظاهر تصورا، وما هو المراد تصديقا وجدا. فالظهور التصوري إذن يؤخذ كأداة لتعيين الظهور التصديقي الذي هو موضوع الحجية لا أنه موضوع لها مباشرة.

وقد يوضح المتكلم في نفس كلامه، ان مراده الجدي يختلف عما هو الظاهر من الكلام في مرحلة المدلول التصوري، وبهذا يصبح الظهور التصديقي الذي هو موضوع الحجية مختلفا عن الظهور التصوري، كما إذا قال، جئني بأسد وأعني به الرجل الشجاع، وتسمى الجملة التي سببت هذا الاختلاف بالقرينة المتصلة.

وهذه القرينة تارة يكون تواجدها في الكلام مؤكدا، كما في هذا المثال، وأخرى يكون محتملا، كما لو كنا نستمع إلى المتكلم، ثم ذهلنا عن الاستماع وإحتملنا أنه قال شيئا من ذلك القبيل. وفي كل من الحالتين لا يمكن الاخذ بالظهور التصديقي للكلام في إرادة الحيوان المفترس، إذ في الحالة الاولى لا ظهور كذلك جزما، لاننا نعلم بأن

[269]

الظهور التصديقي إختلف عن الظهور التصوري. وفي الحالة الثانية نشك في وجود ظهور تصديقي على طبق التصوري، لان إحتمال القرينة يوجب إحتمال التخالف بين الظهورين، ومع الشك في وجوده لا يمكن البناء على حجيته، وهذا يعني أن إحتمال القرينة المتصلة، كالقطع بها، يوجب عدم جواز الاخذ بالظهور الذي كان من المترقب أن يثبت للكلام في حالة تجرده عن القرينة.

ظواهر الكتاب الكريم

ذهب جماعة من العلماء إلى إستثناء ظواهر الكتاب الكريم من الحجية، وقالوا: بأنه لا يجوز العمل فيما يتعلق بالقرآن العزيز، إلا بما كان نصا في المعنى أو مفسرا تفسيرا محددا من قبل النبي صلى الله عليه وآله أو المعصومين من آله عليهم الصلاة والسلام.

وقد يستدل على ذلك بما يلي: الدليل الاول قوله تعالى: * (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قولبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله.) الآية(1).

فإنه يدل على النهي عن إتباع المتشابه، وكل ما لا يكون نصا فهو متشابه لتشابه محتملاته في علاقتها باللفظ، سواء كان اللفظ مع أحدها أقوى علاقة أو لا.

والجواب من وجوه: الاول: أن اللفظ الظاهر ليس من المتشابه، إذ لا تشابه ولا تكافؤ بين معانيه في درجة علاقتها باللفظ، بل المعنى الظاهر متميز في درجة علاقته، وعليه فالمتشابه يختص بالمجمل.

___________________________________

(1) آل عمران 7. (*)

[270]

الثاني: لو سلمنا أن الظاهر من المتشابه، فلا نسلم أن الآية الكريمة تنهي عن مجرد العمل بالمتشابه، وإنما هي في سياق ذم من يلتقط المتشابهات، فيركز عليها بصورة منفصلة عن المحكمات إبتغاء الفتنة، وهذا مما لا أشكال في عدم جوازه حتى بالنسبة إلى ظواهر الكتاب، فمساق الآية مساق قول القائل أن عدوي يحاول أن يبرز النقاط الموهمة من سلوكي، ويفصلها عن ملابساتها التي توضح سلوكي العام.

الثالث: ما قد يقال: من أن الآية ليست نصا في الشمول لظاهر الكتاب، وإنما هي ظاهرة - على أكثر تقدير - في الشمول، وهذا الظهور يشمله النهي نفسه فيلزم من حجية ظاهر الآية في إثبات الردع عن العمل بظواهر الكتاب الكريم نفي هذه الحجية.

الدليل الثاني: الروايات الناهية عن الرجوع إلى ظواهر القرآن الكريم، ويمكن تصنيفها إلى ثلاث طوائف.

الاولى: ما دل من الروايات على أن القرآن الكريم مبهم وغامض قد إستهدف المولى إغماضه وإبهامه لاجل تأكيد حاجة الناس إلى الحجة، وأنه لا يعرفه إلا من خوطب به، وأن غير المعصوم لا يصل إلى مستوى فهمه.

وهذه الطائفة يرد عليها: أولا: أن رواياتها جميعا ضعيفة السند، بل قد يحصل الاطمئنان بكذبها نتيجة لضعف رواتها، وكونهم في الغالب من ذوي الاتجاهات الباطنية المنحرفة على ما يظهر من تراجمهم. مع الالتفات إلى أن اسقاط ظواهر الكتاب الكريم عن الحجية أمر في غاية الاهمية. فلو كان الائمة بصدد بيانه، لما أمكن عادة إفتراض إختصاص هؤلاء الضعاف بالاطلاع على ذلك والاخبار عنه دون فقهاء أصحاب الائمة الذين عليهم المعول، وإليهم تفزع الشيعة في الفتوى والاستنباط بأمر الائمة وارجاعهم.

[271]

وثانيا: أن هذه الروايات معارضة للكتاب الكريم الدال على أنه نزل تباينا لكل شئ وهدى وبلاغا، والمخالف للكتاب من أخبار الاحاد لا يشمله دليل حجية خبر الواحد كما أشرنا سابقا.

الطائفة الثانية: ما دل من الروايات على عدم جواز الاستقلال في فهم القرآن عن الحجة. وهذه لا تدل على عدم جواز العمل بظاهر الكتاب بعد الفحص في كلمات الائمة وعدم الظفر بقرينة على خلاف الظاهر، لان هذا النحو من العمل ليس إستقلالا عن الحجة في مقام فهم القرآن الكريم.

الطائفة الثالثة: ما دل من الروايات على النهي عن تفسير القرآن بالرأي، وأن من فسر القرآن برأيه فقد كفر.

وقد أجيب على الاستدلال بها، بأن حمل اللفظ على معناه الظاهر ليس تفسيرا لان التفسير كشف القناع، ولا قناع على المعنى الظاهر، وقد يقال إن هذا الجواب لا ينطبق على بعض الحالات حينما يكون الدليل مشتملا على ظواهر إقتضائية عديدة متضاربة، على نحو يحتاج تقدير الظهور الفعلي المتحصل من مجموع تلك الظواهر بعد الموازنة والكسر والانكسار، إلى نظر وإمعان، فيكون لونا من كشف القناع.

ولهذا نرى أن الفقهاء قد يختلفون في فهم دليل: فيفهم بشكل من فقيه: ويأتي فقيه آخر فيبرز نكتة من داخل الدليل تعين فهمه بشكل آخر على أساس ما تقتضيه تلك النكتة من ظهور.

فالاحسن الجواب: أولا: بأن كلمة الرأي منصرفة - على ضوء ما نعرفه من ملابسات عصر النص، وظهور هذه الكلمة كمصطلح وشعار لاتجاه فقهي واسع - إلى الحدس والاستحسان فلا تشمل الرأي المبني على قريحة عرفية عامة.

وثانيا: أن إطلاق الروايات المذكورة للظاهر لا يصلح أن يكون رادعا عن السيرة على العمل بالظواهر، سواء أريد بها السيرة العقلائية أو سيرة المتشرعة، نظير ما تقدم في بحث حجية خبر الواحد.

[272]

أما الاولى فلان الردع يجب أن يتناسب حجما ووضوحا مع درجة إستحكام السيرة.

وأما الثانية: فلاننا إذا ادعينا أن سيرة المتشرعة من أصحاب الائمة كانت على العمل بظواهر الكتاب - وإلا لعرف الخلاف عنهم - فنفس هذه السيرة تثبت عدم صلاحية الاطلاق المذكور للردع، بل تكون مقيدة له.

ومما يدفع به الاستدلال بالروايات المذكورة عموما ما دل من الروايات على الامر بالتمسك بالقرآن الكريم الصادق عرفا على العمل بظواهره، وعلى إرجاع الشروط إليه، وابطال ما كان منها مخالفا له. فإن المخالفة ان كان المراد بها المخالفة للفظة، فتصدق على مخالفة ظاهره، وإن كان المراد بها المخالفة لواقع مضمونه، فمقتضى الاطلاق المقامي إمضاء ما عليه العرف من موازين في إستخراج المضمون، فيدل على حجية الظهور.

وأوضح من ذلك ما دل على طرح ما ورد عنهم عليهم السلام على الكتاب والاحجام عن العمل بما كان مخالفا له، فإنه لا يحتمل فيه أن يراد منه المخالفة للمضمون القرآني المكتشف بالخبر، لانه بصدد بيان جعل الضابط لما يقبل وما لا يقبل من الخبر، كما إنه لا يحتمل إختصاص المخالفة فيه بالمخالفة للنص الخبر المخالف للنص، وكون روايات طرح المخالف ناظرة إلى ما هو الشائع من المخالفة.

فإن قدمت هذه الروايات الدالة على حجية ظواهر الكتاب على الروايات التي إستدل بها على نفي الحجية فهو، وإن تكافأ الفريقان فعلى الاقل يلتزم بالتساقط، ويقال بالحجية حينئذ. لان الردع غير ثابت فتثبت الحجية بالسيرة العقلائية بصورة مستقلة، او بضم استصحاب مفادها الثابت في صدر الشريعة.

[273]

الدليل الثالث: ومرده إلى إنكار الظهور بدعوى أن القرآن الكريم مجمل، أما لتعمد من الله تعالى في جعله مجملا لتأكيد حاجة الناس إلى الامام، وأما لاقتضاء طبع المطلب، ذلك لان علو المعاني وشموخها يقتضي عدم تيسرها للفهم.

والجواب على ذلك: أن التعمد المذكور على خلاف الحكمة من نزول القرآن، وربط الناس بالامام فرع إقامة الحجة على أصل الدين المتوقفة على فهم القرآن وإدراك مضامينه، كما أن شموخ المعاني وعلوها ينبغي أن لا يكون على حساب الهدف من بيانها، ولما كان الهدف هداية الانسان، فلا بد أن تبين المعاني على نحو يؤثر في تحقق هذا الهدف، وذلك موقوف على تيسير فهمه. فالصحيح أن ظواهر الكتاب الكريم حجة كظواهر السنة.

الدليل العقلي

 [279]

تمهيد

الدليل العقلي كل قضية يدركها العقل، ويمكن ان يستنبط منها حكم شرعي، والبحث عن هذه القضايا العقلية، تارة يقع صغرويا في صحة القضية العقلية، ومدى ادراك العقل لها. واخرى يقع كبرويا في حجية الادراك العقلي لها.

والقضايا العقلية على قسمين: احدهما: قضايا تشكل عناصر مشتركة في عملية الاستنباط، كالقضية العقلية القائلة، ان إيجاب شئ يستلزم إيجاب مقدمته. والآخر: قضايا مرتبطة باحكام شرعية معينة، كحكم العقل بحرمة المخدر قياسا له على الخمر لوجود صفة مشتركة وهي: إذهاب الشعور، وحكم العقل بحرمة الكذب لانه قبيح.

والقسم الاول يدخل بحثه الصغروي والكبروي معا في علم الاصول، فقد يبحث عن اصل وجود ادراك عقلي، وهذا بحث صغروي، وقد يبحث عن حجيته، وهذا بحث كبروي، وكلاهما اصولي لانهما بحثان في العناصر المشتركة في عملية الاستنباط.

والقسم الثاني لا يدخل بحثه الصغروي في علم الاصول، لانه بحث في عنصر غير مشترك، وانما يدخل بحثه الكبروي في هذا العلم، لكون بحثا في

[280]

عنصر مشترك، كالبحث عن حجية القياس، وهكذا يتضح ان البحث الصغروي لا يكون اصوليا، الا في القسم الاول، وان البحث الكبروي اصولي في كلا القسمين.

غير ان الادراك العقلي إذا كان قطعيا فلا موجب للبحث عن حجيته للفراغ عن حجيته بعد الفراغ عن حجية القطع، وانما نحتاج إلى البحث عن حجيته، إذا لم يكن قطعيا كالقياس مثلا: وسوف نصنف البحث في القضايا العقلية إلى بحثين: أحدهما: صغروي في اثبات القضايا العقلية التي تشكل عناصر مشتركة. والآخر: كبروي في حجية ادراك العقلي غير القطعي.

1 - اثبات القضايا العقلية

تقسيمات للقضايا العقلية

القضايا العقلية التي تشكل عناصر مشتركة في عملية الاستنباط، وادلة عقلية على الحكم الشرعي يمكن ان تقسم كما يلي: اولا: تنقسم إلى ما يكون دليلا عقليا مستقلا، وما يكون عقليا غير مستقل.

والمراد بالاول ما لا يحتاج إلى إثبات قضية شرعية لاستنباط الحكم منه.

والمراد بالثاني ما يحتاج إلى إثبات قضية شرعية كذلك.

ومثال الاول: القضية القائلة: بان كل ما حكم العقل بحسنه او قبحه حكم الشارع بوجوبه او حرمته، فان تطبيقها لاستنباط حرمة الظلم مثلا، لا يتوقف على اثبات قضية شرعية مسبقة.

ومثال الثاني: القضية القائلة: إن وجوب شئ يستلزم وجوب مقدمته، فان تطبيقها لاستنباط وجوب الوضوء يتوقف على إثبات قضية شرعية مسبقة، وهي وجوب الصلاة.

وثانيا: تنقسم القضية العقلية إلى قضية تحليلية، وقضية تركيبية، والمراد بالقضية التحليلية، ما كان البحث فيها يدور حول تفسير ظاهرة معينة، كالبحث عن حقيقة الوجوب التخييري.

[282]

والمراد بالقضية التركيبية ما كان البحث فيها يدور حول استحالة شئ او ضرورته بعد الفراغ عن معناه وحقيقته في نفسه، كالبحث عن استحالة الامر بالضدين في وقت واحد.

ثالثا: تنقسم الادلة العقلية المستقلة التركيبية في دلالتها إلى سالبة وموجبة، والمراد بالسالبة، الدليل العقلي المستقل في إستنباط نفي حكم شرعي.

والمراد بالموجبة: الدليل العقلي المستقل في استنباط اثبات حكم شرعي.

ومثال الاول: القضية القائلة باستحالة التكليف بغير المقدور.

ومثال الثاني: القضية المشار اليها آنفا القائلة: بان كل ما حكم العقل بقبحه حكم الشارع بحرمته.

والقضايا العقلية متفاعلة فيما بينها. فقد يتفق ان تدخل قضية عقلية تحليلية في البرهنة على قضية اخرى تحليلية او تركيبية، كما قد تدخل قضية تركيبية في البرهنة على قضايا تحليلية، وهذا ما سنراه في البحوث الآتية ان شاء الله تعالى.

قاعدة استحالة التكليف بغير المقدور

يستحيل التكليف بغير المقدور، وهذا له معنيان: احدهما: ان المولى يستحيل ان يدين المكلف بسبب فعل او ترك غير صادر منه بالاختيار، وهذا واضح، لان العقل يحكم بقبح هذه الادانة، لان حق الطاعة لا يمتد إلى ما هو خارج عن الاختيار.

والمعنى الآخر: ان المولى يستحيل ان يصدر منه تكليف بغير المقدور في عالم التشريع، ولو لم يرتب عليه إدانة ومؤاخذة للمكلف، فليست الادانة وحدها مشروطة بالقدرة بل التكليف ذاته مشروط بها ايضا.

وتوضيح الحال في ذلك ان مقام الثبوت للحكم يشتمل - كما تقدم - على ملاك وإرادة واعتبار، ومن الواضح انه ليس من الضروري ان يكون الملاك مشروطا بالقدرة، كما ان بالامكان تعلق ارادة المولى بامر غير مقدور، لاننا لا نريد بالارادة الا الحب الناشئ من ذلك الملاك، وهو مهما كان شديدا، يمكن افتراض تعلقه بالمستحيل ذاتا فضلا عن الممتنع بالغير، والاعتبار إذا لوحظ بما هو اعتبار يعقل ايضا ان يتكفل جعل الوجوب على غير المقدور، لان الاعتبار سهل المؤونة، وليس لغوا في هذه الحالة، إذ قد يراد به مجرد الكشف بالصياغة التشريعية التي اعتادها العقلاء عن الملاك والمبادئ، ولكن إذا لوحظ الجعل والاعتبار بما هو ناشئ من داعي البعث والتحريك، فمن الواضح ان القدرة على مورده تعتبر شرطا فيه، لان داعي تحريك العاجز

[284]

يستحيل ان ينقدح في نفس العاقل الملتفت. وحيث ان الاعتبار الذي يكشف عنه الخطاب الشرعي هو الاعتبار بهذا الداعي، كما يقتضيه الظهور التصديقي السياقي للخطاب، فلا بد من اختصاصه بحال القدرة، ويستحيل تعلقه بغير المقدور.

ومن هنا كان كل تكليف مشروطا بالقدرة على متعلقه بدون فرق بين التكاليف الالزامية وغيرها. وكما يشترط في التكليف الطلبي (الوجوب والاستحباب) القدرة على الفعل، كذلك يشترط الشئ نفس في التكليف الزجري (الحرمة والكراهة) لان الزجر عما لا يقدر المكلف على ايجاده، او عن الامتناع عنه، غير معقول ايضا.

وهكذا نعرف، ان القدرة شرط ضروري في التكليف، ولكنها ليست شرطا ضروريا في الملاك والمبادئ.

ولكن هذا لا يعني انها لا تكون شرطا، فإن مبادئ الحكم يمكن ان تكون ثابتة وفعلية في حال القدرة والعجز على السواء، ويمكن ان تكون مختصة بحالة القدرة، ويكون انتفاء التكليف عن العاجز لعدم المقتضى وعدم الملاك رأسا. وفي كل حال من هذا القبيل يقال: إن دخل القدرة في التكليف شرعي. وقد تسمى القدرة حنيئذ بالقدرة الشرعية بهذا الاعتبار تمييزا لذلك عن حالات عدم دخل القدرة في الملاك، اذ يقال عندئذ: ان دخل القدرة في التكليف عقلي، وقد تسمى القدرة حينئذ بالقدرة العقلية. ولا فرق في استحالة التكليف بغير المقدور، بين ان يكون التكليف مطلقا من قبيل ان يقول الآمر لمأموره (طر في السماء)، او مقيدا بقيد يرتبط بارادة المكلف واختياره من قبيل ان يقول (إن صعدت إلى السطح فطر إلى السماء)، فان التكليف في كلتا الحالتين مستحيل.

[285]

والثمرة في اشتراط القدرة في صحة الادانة (المعنى الاول) واضحة، واما الثمرة في اشتراط القدرة في التكليف ذاته (المعنى الثاني) فقد يقال انها غير واضحة إذ ما دام العاجز غير مدان على اي حال، فلا يختلف الحال، سواء افترضنا ان القدرة شرط في التكليف او نفيا ذلك وقلنا: بان التكليف يشمل العاجز، إذ لا اثر لذلك بعد افتراض عدم الادانة، ولكن الصحيح وجود ثمرة، على الرغم من ان العاجز غير مدان على اي حال، وهي تتصل بملاك الحكم، إذ قد يكون من المفيد ان نعرف ان العاجز هل يكون ملاك الحكم فعليا في حقه وقد فاته بسبب العجز لكي يجب القضاء مثلا، او ان الملاك لا يشمله رأسا فلم يفته شئ ليجب القضاء، اي ان نعرف ان القدرة هل هي دخيلة في الملاك أو لا، فاذا جاء الخطاب الشرعي مطلقا ولم ينص فيه الشارع على قيد القدرة ظهرت الثمرة، لا ننا ان قلنا باشتراط القدرة في التكليف ذاته كما تقدم، كان حكم العقل بذلك بنفسه قرينة على تقييد اطلاق الخطاب، فكأنه متوجه إلى القادر خاصة وغير شامل للعاجز، وفي هذه الحالة لا يمكن اثبات فعلية الملاك في حق العاجز، وانه قد فاته الملاك ليجب عليه القضاء مثلا، لانه لا دليل على ذلك نظرا إلى ان الخطاب انما يدل على ثبوت الملاك بالدلالة الالتزامية، وبعد سقوط المدلول المطابقي للخطاب، وتبعية الدلالة الالتزامية على الملاك للدلالة المطابقية على التكليف، لا يبقى دليل على ثبوت الملاك في حق العاجز، وان لم نقل باشتراط القدرة في التكليف، اخذنا باطلاق الخطاب في المدلول المطابقي والالتزامي معا، واثبتنا التكليف والملاك على العاجز، وبذلك يثبت ان العاجز قد فاته الملاك، وان كان معذورا في ذلك، إذ لا يدان العاجز على اي حال.

قاعدة امكان التكليف المشروط

مر بنا ان مقام الثبوت للحكم يشتمل على عنصر يسمى بالجعل والاعتبار، وفي هذه المرحلة يجعل الحكم على نهج القضية الحقيقة، كما تقدم، فيفترض المولى كل الخصوصيات والقيود التي يريد اناطة الحكم بها، ويجعل الحكم منوطا بها فيقول مثلا: إذا استطاع الانسان وكان صحيح البدن مخلى السرب وجب عليه الحج.

ونحن إذا لاحظنا هذا الجعل نجد هناك شيئا قد تحقق بالفعل، وهو نفس الجعل الذي يعتبر في قوة قضية شرطية شرطها القيود المفترضة، وجزاؤها ثبوت الحكم، ولكن هناك شئ قد لا يكون متحققا فعلا، وانما يتحقق إذا وجد في الخارج مستطيع صحيح مخلى. وهو الوجوب على هذا او ذاك الذي يمثل فعلية الجزاء في تلك القضية الشرطية، فان فعلية الجزاء في كل قضية شرطية تابعة لفعلية الشرط، فما لم تتحقق تلك القيود لا يكون الوجوب فعليا، ويسمى الوجوب الفعلي بالمجعول.

ومن هنا امكن التمييز بين الجعل والمجعول، لان الاول موجود منذ البداية، والثاني لا يوجد الا بعد تحقق القيود خارجا، والقيود بالنسبة إلى المجعول بمثابة العلة، وليست كذلك بالنسبة إلى الجعل، لان الجعل متحقق قبل وجودها خارجا، نعم الجعل يتقوم بافتراض القيود وتصورها، إذ لو لم يتصور المولى الاستطاعة والصحة مثلا لما امكنه ان يجعل تلك القضية

[287]

الشرطية، وبذلك تعرف ان الجعل متقوم بلحاظ القيود وتصورها ذهنا، والمجعول متقوم بوجود القيود خارجا، ومترتب عليها من قبيل ترتب المعلول على علته.

وعلى هذا الاساس نعرف ان الحكم المشروط ممكن، ونعني بالحكم المشروط: ان يكون تحقق الحكم منوطا بتحقق بعض القيود خارجا فلا وجود له قبلها، فقد عرفنا ان المجعول يمكن ان يكون مشروطا، سواء كان حكما تكليفيا كالوجوب والحرمة، او وضعيا كالملكية والزوجية. وبذلك يندفع ما قد يقال: من ان الحكم المشروط غير معقول، لان الحكم فعل المولى، وهذا الفعل يصدر ويتحقق بمجرد اعمال المولى لحاكميته، فاي معنى للحكم المشروط. ووجه الاندفاع ان ما يتحقق كذلك انما هو الجعل لا المجعول، والحكم المشروط هو المجعول دائما.

قاعدة تنويع القيود وأحكامها

تنويع القيود

حينما يقال إذا زالت الشمس صل متطهرا، فالجعل يتحقق بنفس هذا الانشاء، واما المجعول وهو وجوب الصلاة فعلا، فهو مشروط بالزوال، ومقيد به. فلا وجوب قبل الزوال.

ونلاحظ قيدا آخر وهو الطهارة، وهذا القيد ليس قيدا للوجوب المجعول لوضوح ان الشمس إذا زالت وكان الانسان محدثا، وجبت عليه الصلاة ايضا، وانما هو قيد لمتعلق الوجوب، اي للواجب وهو الصلاة.

ومعنى كون شئ قيدا للواجب ان المولى حينما أمر بالصلاة امر بحصة خاصة منها لا بها كيفما اتفقت، حيث ان الصلاة تارة تقع مع الطهارة، واخرى بدونها، فاختار الحصة الاولى وامر بها.

وحينما نحلل الحصة الاولى نجد انها تشتمل على صلاة، وعلى تقيد بالطهارة، فالامر بها امر بالصلاة وبالتقيد، ومن هنا نعرف ان معنى اخذ الشارع شيئا قيدا في الواجب تحصيص الواجب به، والامر به بما هو مقيد بذلك القيد. وفي المثال السابق حينما نلاحظ الطهارة مع ذات الصلاة، لا نجد ان احدهما علة للآخر، او جزء العلة له، ولكن حينما نلاحظ الطهارة مع تقيد الصلاة بها، نجد ان الطهارة علة لهذا التقيد، إذ لولاها لما وجدت الصلاة مقيدة ومقترنة بالطهارة. ومن ذلك نستخلص، ان اخذ الشارع قيدا في الواجب يعني اولا:

[289]

تحصيص الواجب به، ثانيا: ان الامر يتعلق بذات الواجب والتقيد بذلك القيد، وثالثا: ان نسبة القيد إلى التقيد نسبة العلة إلى المعلول، وليس كذلك نسبته إلى ذات الواجب. وقد يؤخذ شئ قيدا للوجوب وللواجب معا، كشهر رمضان الذي هو قيد لوجوب الصيام فلا وجوب للصيام بدون رمضان، وهو ايضا قيد للصيام الواجب، بمعنى ان الصوم المأمور به هو الحصة الواقعة في ذلك الشهر خاصة، وبموجب كون الشهر قيدا للوجوب، فالوجوب تابع لوجود هذا القيد، وبموجب كونه قيدا للواجب يكون الوجوب متعلقا بالقيد به، اي ان الامر متعلق بذات الصوم وبتقيده بان يكون في شهر رمضان.

احكام القيود المتنوعة

لا شك في ان الواجبات تشتمل على نوعين من القيود: احدهما: قيود يلزم على المكلف تحصيلها، بمعنى انه لو لم يحصلها لا عتبر عاصيا للامر بذلك الواجب، كالطهارة بالنسبة إلى الصلاة، والآخر القيود التي لا يلزم على المكلف تحصيلها، بمعنى انه لو لم يأت بها المكلف، وبالتالي لم يأت بالواجب، لا يعتبر عاصيا كالاستطاعة بالنسبة إلى الحج.

والقضية التي نبحثها هي محاولة التعرف على الفرق بين هذين النوعين من القيود، وما هو الضابط في كون القيد مما يلزم تحصيله أو لا؟ والصحيح ان الضابط في ذلك ان كل ما كان قيدا لنفس الوجوب، فلا يجب تحصيله، ولا يكون المكلف مسؤولا عن إيجاده من قبل ذلك الوجوب، لانه ما لم يوجد القيد لا وجود للوجوب، كما تقدم. وكلما كان القيد قيدا لمتعلق الوجوب، اي للواجب، فهذا يعني ان الوجوب قد تعلق بالمقيد كما تقدم، اي بذات الواجب وبالتقيد بالقيد المذكور، وحينئذ يلاحظ هذا

[290]

القيد فان كان قيدا في نفس الوقت للوجوب ايضا، لم يكن المكلف مسؤولا عقلا من قبل ذلك الوجوب عن ايجاده، وانما هو مسؤول متى ما وجد القيد عن ايجاد ذات الواجب وايجاد تقيده بذك القيد، وان لم يكن القيد قيدا للوجوب، بل كان قيدا للواجب، فهذا يعني ان الوجوب فعلي حتى لو لم يوجد هذا القيد، واذا كان الوجوب فعليا فالمكلف مسؤول عن امتثاله والاتيان بمتعلقه، وهو المقيد وكان عليه حينئذ عقلا ان يوفر القيد لكي يوجد المقيد الواجب.

ونستخلص من ذلك: اولا: انه كلما كان القيد قيدا للوجوب فقط فلا يكون. المكلف مسؤولا عن إيجاد القيد.

وثانيا: انه كلما كان القيد قيدا للواجب فقط، فالمكلف مسؤول عن ايجاد القيد.

وثالثا: انه كلما كان القيد قيدا للوجوب وللواجب معا، فالمكلف غير مسؤول عن ايجاد القيد، ولكنه مسؤول عن ايجاد التقيد حنيما يكون القيد موجودا.

وإذا ضممنا إلى هذه النتائج ما تقدم من انه لا إدانة بدون قدرة، وان القدرة شرط في التكليف، نستطيع ان نستنتج القاعدة القائلة: إن كل القيود التي تؤخذ في الواجب دون الوجوب، لا بد ان تكون اختيارية ومقدورة للمكلف، لان المكلف مسؤول عن توفيرها، كما عرفنا آنفا، ولا مسؤولية ولا تكليف الا بالمقدور، فلا بد اذن ان تكون مقدورة، وهذا خلافا لقيود الوجوب فانها قد تكون مقدورة كالاستطاعة، وقد لا تكون كزوال الشمس، لان المكلف غير مسؤول عن ايجادها.

[291]

قيود الواجب على قسمين

عرفنا حتى الآن من قيود الواجب القيد الذي يأخذه الشارع قيدا، فيحصص به الواجب ويأمر بالحصة الخاصة، كالطهارة وتسمى هذه بالقيود او المقدمات الشرعية. وهناك قيود ومقدمات تكوينية يفرضها الواقع بدون جعل من قبل المولى، وذلك من قبيل ايجاد واسطة نقل، فانها مقدمة تكوينية للسفر بالنسبة إلى من لا يستطيع المشي على قدميه، فاذا وجب السفر كان توفير واسطة النقل مقدمة للواجب حتى بدون ان يشير اليها المولى، او يحصص الواجب بها، وتسمى بالمقدمة العقلية. والمقدمات العقلية للواجب من ناحية مسؤولية المكلف تجاهها كالقيود الشرعية، فان أخذت المقدمة العقلية للواجب قيدا للوجوب لم يكن المكلف مسؤولا عن توفيرها، والا كان مسؤولا عقلا عن ذلك، بسبب كونه ملزما بامتثال الامر الشرعي الذي لا يتم بدون ايجادها.

والمسؤولية تجاه قيود الواجب سواء كانت شرعية او عقلية، انما تبدأ بعد ان يوجد الوجوب المجعول، ويصبح فعليا بفعلية كل القيود المأخوذة فيه، فالمسؤولية تجاه الطهارة والوضوء مثلا، تبدأ من قبل وجوب صلاة الظهر بعد ان يصبح هذا الوجوب فعليا يتحقق شرطه وهو الزوال، واما قبل الزوال فلا مسؤولية تجاه قيود الواجب، إذ لا وجوب لكي يكون الانسان ملزما عقلا بامتثاله، وتوفير كل ماله دخل في ذلك.

المسؤولية قبل الوجوب

إذا كان للواجب مقدمة عقلية او شرعية وكان وجوبه منوطا بزمان معين، وافترضنا ان تلك المقدمة من المتعذر على المكلف ايجادها في ذلك الزمان، ولكن كان بامكانه إيجادها قبل ذلك، فهل يكون المكلف مسؤولا

[292]

عقلا عن توفيرها أو لا؟ ومثال ذلك: ان يعلم المكلف بانه لن يتمكن من الوضوء والتيمم عند الزوال لانعدام الماء والتراب، ولكنه يتمكن منه قبل الزوال، فهل يجب عليه ان يتوضأ قبل الزوال أو لا؟ والجواب: ان مقتضى القاعدة هو عدم كونه مسؤولا عن ذلك، إذ قبل الزوال لا وجوب للصلاة لكي يكون مسؤولا من ناحيته عن توفير المقدمات للصلاة، وإذا ترك المقدمة قبل الزوال فلن يحدث وجوب عند الزوال ليبتلى بمخالفته لانه سوف يصبح عند الزوال عاجزا عن الاتيان بالواجب، وكل تكليف مشروط بالقدرة، فلا ضير عليه في ترك ايجاد المقدمة قبل الزوال، وكل مقدمة يفوت الواجب بعدم المبادرة إلى الاتيان بها قبل زمان الوجوب، تسمى بالمقدمة المفوتة.

وبهذا صح ان القاعدة تقتضي عدم كون المكلف مسؤولا عن المقدمات المفوتة.

ولكن قد يتفق احيانا ان يكون للواجب دائما مقدمة مفوتة على نحو لو لم يبادر المكلف إلى ايقاعها قبل الوقت لعجز عن الواجب في حينه. ومثال ذلك: الوقوف بعرفات الواجب على من يملك الزاد والراحلة، فان الواجب منوط يظهر اليوم التاسع من عرفة، ولكن لو لم يسافر المكلف قبل هذا الوقت، لما ادرك الواجب في حينه، وفي مثل ذلك لا شك فقهيا في ان المكلف مسؤول عن ايجاد المقدمة المفوتة قبل الوقت، وقد وقع البحث اصوليا في تفسير ذلك وتكييفه، وانه كيف يكون المكلف مسؤولا عن توفير المقدمات لامتثال وجوب غير موجود بعد، وستأتي بعض المحاولات في تفسير ذلك في حلقة مقبلة.

القيود المتأخرة زمانا عن المقيد

القيد تارة يكون قيدا للحكم المجهول، وأخرى يكون قيدا للواجب الذي تعلق به الحكم كما تقدم. والغالب في القيود، في كلتا الحالتين، أن يكون المقيد موجودا حال وجود القيد أو بعده، فإستقبال القبلة قيد يجب أن يوجد حال الصلاة، والوضوء قيد يجب أن توجد الصلاة بعده، ويسمى الاول بالشرط المقارن، والثاني بالشرط المتقدم، ولكن قد يدعى أحيانا شرط للحكم أو للواجب، ويكون متأخرا زمانا عن ذلك الحكم أو الواجب.

ومثاله: ما يقال من أن غسل المستحاضة في ليلة الاحد شرط في صحة صوم نهار السبت، فهذا شرط للواجب، ولكنه متأخر عنه زمانا.

ومثال آخر: ما يقال من أن عقد الفضولي ينفذ من حين صدوره إذا وقعت الاجازة بعده، فهذا شرط للحكم، ولكنه متأخر عنه زمانا.

وقد وقع البحث أصوليا في إمكان ذلك وإستحالته، إذ قد يقال بالاستحالة لان الشرط بالنسبة إلى المشروط بمثابة العلة بالنسبة إلى المعلول، ولا يعقل ان تكون العلة متأخرة زمانا عن معلولها. وقد يقال بالامكان ويرد على هذا البرهان، أما بالنسبة إلى الشرط المتأخر للواجب، فإن القيود الشرعية للواجب لا يتوقف عليها وجود ذات الواجب، وإنما تنشأ قيديتها من تحصيص المولى للطبيعة بحصة عن طريق تقييدها بقيد، فكما يمكن أن يكون القيد المحصص مقارنا او متقدما يمكن أن يكون متأخرا، واما بالنسبة

[294]

إلى الشرط المتأخر للوجوب، فبأن قيود الوجوب كلها قيود للحكم المجعول لا للجعل كما تقدم، لوضوح ان الجعل ثابت قبل وجودها والمجعول وجوده مجرد إفتراض، وليس وجودا حقيقيا خارجيا، فلا محذور في إناطته بأمر متأخر.

زمان الوجوب والواجب

لكل من الوجوب، أي الحكم المجعول والواجب زمان، والزمانان متطابقان عادة، فوجوب صلاة الفجر، مثلا، زمانه الفترة الممتدة بين الطلوعين، وهذه الفترة هي بنفسها زمان الواجب، ويستحيل أن يكون زمان الوجوب بكامله متقدما على زمان الواجب، لان هذا معناه أنه في هذا الظرف الذي يترقب فيه صدور الواجب لا وجوب، فلا محرك للمكلف إلى الاتيان بالواجب، وهذا واضح. ولكن وقع البحث في أنه، هل بالامكان أن تتقدم بداية زمان الوجوب على زمان الواجب مع استمراره وامتداده وتعاصره بقاء‌ا مع الواجب؟ ومثال ذلك: الوقوف بعرفات فإنه واجب على المستطيع، وزمان الواجب هو يوم عرفة من الظهر إلى الغروب، وأما زمان الوجوب فيبدأ من حين حدوث الاستطاعة لدى المكلف التي قد تسبق يوم عرفة بفترة طويلة، ويستمر الوجوب من ذلك الحين إلى يوم عرفة الذي هو زمان الواجب.

وقد ذهب جماعة من الاصوليين إلى أن هذا معقول، وسموا كل واجب تتقدم بداية زمان وجوبه على زمان الواجب بالواجب المعلق، وحاولوا عن هذا الطريق أن يفسروا ما سبق من مسؤولية المكلف تجاه المقدمات المفوتة، وذلك لان الاشكال في هذه المسؤولية كان يبتنى على إفتراض أن الوجوب لا يحدث إلا في ظرف إيقاع الواجب، فإذا إفترضنا أن الوجوب غير مشروط بزمان

[296]

الواجب، بل يحدث قبله ويصبح فعليا بالاستطاعة، فمن الطبيعي أن يكون المكلف مسؤولا عن المقدمات المفوتة قبل مجى يوم عرفه، لان الوجوب فعلي، وهو يستدعي عقلا التهيؤ لامتثاله.

والصحيح أن زمان الواجب يجب أن يكون قيدا للوجوب، ولا يمكن أن يكون قيدا للواجب فقط، لانه أمر غير اختياري، وقد تقدم ان كل القيود التي تؤخذ في الواجب فقط يلزم أن تكون إختيارية، فبهذا نبرهن على إنه قيد للوجوب، وحينئذ فإن قلنا بإستحالة الشرط المتأخر للحكم، ثبت أن الوجوب ما دام مشروطا بزمان الواجب، فلا بد أن يكون حادثا بحدوثه لا سابقا عليه، لئلا يلزم وقوع الشرط المتأخر. وبهذا يتبرهن أن الواجب المعلق مستحيل. وإن قلنا بإمكان الشرط المتأخر جاز أن يكون زمان الواجب شرطا متأخرا للوجوب، فوجوب الوقوف بعرفات يكون له شرطان: أحدهما: مقارن يحدث الوجوب بحدوثه، وهو الاستطاعة.

والآخر متأخر: يسبقه الوجوب وهو مجى يوم عرفة على المكلف المستطيع وهو حي، فكل من إستطاع في شهر شعبان مثلا، وكان ممن سيجى عليه يوم عرفة وهو حي فوجوب الحج يبدأ في حقه من شعبان، وبذلك يصبح مسؤولا عن توفير المقدمات المفوتة له من أجل فعلية الوجوب.

متى يجوز عقلا التعجيز

تارة يترك المكلف الواجب وهو قادر على إيجاده، وهذا هو العصيان، وأخرى يتسبب إلى تعجيز نفسه عن الاتيان به، وهذا التسبيب له صورتان: الاولى: أن يقع بعد فعلية الوجوب، كحال إنسان يحل عليه وقت الفريضة ولديه ماء فيريق الماء ويعجز نفسه عن الصلاة مع الوضوء، وهذا لا يجوز عقلا لانه معصية.

الثانية: ان يقع قبل فعلية الوجوب كما لو أراق الماء في المثال قبل دخول الوقت، وهذا لا يجوز لانه بإراقة الماء يجعل نفسه عاجزا عن الواجب عند تحقق ظرف الوجوب، وحيث ان الوجوب مشروط بالقدرة فلا يحدث الوجوب في حقه، ولا محذور في أن يسبب المكلف إلى ان لا يحدث الوجوب في حقه، وإنما المحذور في أن لا يمتثله بعد أن يحدث، ولكن قد يقال هنا بالتفصيل بين ما اذا كان دخل القدرة في هذا الوجوب عقليا أو شرعيا، فإذا كان الدخل شرعيا جاز التعجيز المذكور، لانه لا يفوت على المولى بذلك شيئا، إذ يصبح عاجزا ولا ملاك للواجب في حق العاجز، وإذا كان الدخل عقليا وكان ملاك الواجب ثابتا في حق العاجز - أيضا وإن إختص التكليف بالقادر بحكم العقل - فلا يجوز التعجيز المذكور لان المكلف يعلم بأنه بهذا سوف يسبب إلى تفويت ملاك فعلي في ظرفه المقبل، وهذا لا يجوز بحكم العقل.

[298]

وعلى هذا الاساس يمكن تخريج مسؤولية المكلف تجاه المقدمات المفوتة في بعض الحالات، بأن يقال: أن هذه المسؤولية تثبت في كل حالة يكون دخل القدرة فيها عقليا لا شرعيا.

اخذ العلم بالحكم في موضوع الحكم

إستحالة إختصاص الحكم بالعالم به

إذا جعل الحكم على نحو القضية الحقيقية وإخذ في موضوعه العلم بذلك الحكم، إختص بالعالم به ولم يثبت للشاك أو القاطع بالعدم، لان العلم يصبح قيدا للحكم، غير أن أخذ العلم قيدا كذلك قد يقال: إنه مستحيل وبرهن على إستحالته بالدور، وذلك لان ثبوت الحكم المجعول متوقف على وجود قيوده، والعلم بالحكم متوقف على الحكم توقف كل علم على معلومه، فإذا كان العلم بالحكم من قيود نفس الحكم، لزم توقف كل منهما على الآخر، وهو محال.

وقد أجيب على ذلك بمنع التوقف الثاني، لان العلم بشئ لا يتوقف على وجود ذلك الشئ والا لكان كل علم مصيبا، وإنما يتوقف على الصورة الذهنية له في أفق نفس العالم، أي أن العلم يتوقف على المعلوم بالذات، لا على المعلوم بالعرض فلا دور. إلا أن هذا الجواب لا يزعزع الاستحالة العقلية، لان العقل قاض بأن العلم وظيفته تجاه معلومه مجرد الكشف ودوره دور المرآة، ولا يعقل للمرآة أن تخلق الشى الذي تكشف عنه فلا يمكن أن يكون العلم بالحكم دخيلا في تكوين شخص ذلك الحكم. غير أن هذه الاستحالة إنما تعني عدم إمكان أخذ العلم بالحكم المجعول قيدا له، وأما أخذ العلم بالجعل قيدا للحكم المجعول فلا محذور فيه بناء على

[300]

ما تقدم من التمييز بين الجعل والمجعول فلا يلزم دور ولا إخراج للعلم عن دوره الكاشف البحت.

والثمرة التي قد تفترض لهذا البحث هي أن التقييد بالعلم بالحكم إذا كان مستحيلا، فهذا يجعل الاطلاق ضروريا، ويثبت بذلك أن الاحكام الشرعية مشتركة بين العالم وغيره على مبنى من يقول: بأن التقابل بين التقييد والاطلاق الثبوتيين تقابل السلب والايجاب، وعلى العكس تكون إستحالة التقييد موجبة لاستحالة الاطلاق على مبنى من يقول ان التقابل بين التقييد والاطلاق كالتقابل بين البصر والعمى، فكما لا يصدق الاعمى حيث لا يمكن البصر، كذلك لا يمكن الاطلاق حيث يتعذر التقييد، ومن هنا تكون الاحكام على هذا القول مهملة لا هي بالمقيدة ولا هي بالمطلقة، والمهملة في قوة الجزئية.

أخذ العلم بحكم في موضوع حكم آخر

 قد يؤخذ العلم بحكم في موضوع حكم آخر، والحكمان أما أن يكونا متخالفين أو متضادين أو متماثلين فهذه ثلاث حالات: أما الحالة الاولى فلا شك في إمكانها، كما إذا قال الآمر: إذا علمت بوجوب الحج عليك فاكتب وصيتك ويكون العلم بوجوب الحج هنا قعطا موضوعيا بالنسبة إلى وجوب الوصية، وطريقيا بالنسبة إلى متعلقه.

وأما الحالة الثانية فلا ينبغي الشك في إستحالتها، ومثالها أن يقول الآمر: إذا علمت بوجوب الحج عليك فهو حرام عليك، والوجه في الاستحالة ما تقدم من أن الاحكام التكليفية الواقعية متناقضة متضادة، فلا يمكن للمكلف القاطع بالوجوب أن يتصور ثبوت الحرمة في حقه.

[301]

وأما الحالة الثالثة فقد يقال بإستحالتها، على أساس إن اجتماع حكمين متماثلين مستحيل، كإجتماع المتنافيين، فإذا قيل إن قطعت بوجوب الحج وجب عليك، بنحو يكون الوجوب المجعول في هذه القضية غير الوجوب المقطوع به مسبقا، كان معنى ذلك في نظر القاطع ان وجوبين متماثلين قد إجتمعا عليه.

أخذ قصد امتثال الامر في متعلقه

قد يكون غرض المولى قائما بإتيان المكلف للفعل كيفهما إتفق، ويسمى بالواجب التوصلي، وقد يكون غرضه قائما بأن يأتي المكلف بالفعل بقصد إمتثال الامر، ويسمى بالواجب التعبدي.

والسؤال هو: إنه هل بإمكان المولى عند جعل التكليف والوجوب في الحالة الثانية أن يدخل في متعلق الوجوب قصد إمتثال الامر او لا؟ قد يقال بان ذلك مستحيل، لان قصد امتثال الامر إذا دخل في الواجب، كان نفس الامر قيدا من قيود الواجب، لان القصد المذكور مضاف إلى نفس الامر، وإذا لاحظنا الامر وجدنا أنه ليس إختياريا للمكلف كما هو واضح، وحينئذ نطبق القاعدة السابقة القائلة: إن القيود المأخوذة في الواجب فقط يجب أن تكون إختيارية، لنستنتج أن هذا القيد إذن لا يمكن أن يكون قيدا للواجب فقط، بل لا بد أن يكون أيضا قيدا للوجوب، وهذا يعني أن الامر مقيد بنفسه وهو محال وهكذا يتبرهن بان أخذ قصد إمتثال الامر في متعلق نفسه يؤدي إلى المحال.

وثمرة هذا البحث أن هذه الاستحالة إذا ثبتت فسوف يختلف الموقف تجاه قصد إمتثال الامر عن الموقف تجاه أي خصوصية أخرى يشك في دخلها في الواجب، وذلك أنا إذا شككنا في دخل خصوصية إيقاع الصلاة مع الثوب الابيض في الواجب، أمكن التمسك بإطلاق كلام المولى لنفي دخل هذه

[303]

الخصوصية في الواجب بحسب عالم الوجوب والجعل، وإذا ثبت عدم دخلها في الواجب بحسب عالم الجعل يثبت عدم دخلها في الغرض، إذ لو كانت دخيلة في الغرض لاحذت في الواجب، ولو أخذت كذلك لذكرت في الكلام. وهذا الاسلوب لا يمكن تطبيقه على قصد إمتثال الامر عند الشك في دخله في الغرض، لان إطلاق كلام المولى وامره، إنما يعني عدم أخذ هذا القصد في متعلق الوجوب، ونحن بحكم الاستحالة الآنفة الذكر نعلم بذك بدون حاجة للرجوع إلى كلام المولى، ولكن لا يمكن أن نستكشف من ذلك عدم كون القصد المذكور دخيلا في الغرض المولوي، لان المولى مضطر على أي حال لعدم أخذه في الواجب، سواء كان دخيلا في غرضه أو لا، فلا يدل عدم أخذه على عدم دخله، وهذا يعني ان الاستحالة المذكورة تبطل امكان التمسك بإطلاق كلام المولى لنفي التعبدية وإثبات التوصيلة.

ومن هنا يمكن أن نصور الثمرة لاستحالة أخذ العلم بالحكم قيدا لنفسه على وجه آخر غير ما تقدم في ذلك البحث فنقول: إن هذه الاستحالة تبطل إمكان التمسك بإطلاق كلام المولى لنفي إختصاص أغراضه بالعالمين بالاحكام بنفس الطريقة المشار إليها في قصد إمتثال الامر.

اشتراط التكليف بالقدرة بمعنى آخر

مر بنا أن التكليف مشروط بالقدرة، وكنا نريد بها القدرة التكوينية، وهذا يعني أن التكليف لا يشمل العاجز.

وكذلك لا يشمل أيضا من كان قادرا على الامتثال، ولكنه مشغول فعلا بإمتثال واجب آخر مضاد لا يقل عن الاول أهمية، فإذا وجب إنقاذ غريق يعذر المكلف في ترك إنقاذه إذا كان عاجزا تكوينا، كما يعذر إذا كان قادرا، ولكنه إشتغل بإنقاذ غريق آخر مماثل على نحو لم يبق بالامكان إنقاذ الغريق الاول معه. وهذا يعني أن كل تكليف مشروط بعدم الاشتغال بإمتثال مضاد لا يقل عنه أهمية، وهذا القيد دخيل في التكليف بحكم العقل، ولو لم يصرح به المولى في خطابه، كما هو الحال في القدرة التكوينية. ولنطلق على القدرة التكوينية إسم القدرة بالمعنى الاخص، وعلى ما يشمل هذا القيد الجديد إسم القدرة بالمعنى الاعم.

والبرهان على هذا القيد الجديد: أن المولى إذا أمر بواجب، وجعل أمره مطالقا حتى لحالة الاشتغال بإمتثال مضاد لا يقل عنه أهمية، فإن أراد بذلك أن يجمع بين الامتثالين، فهو غير معقول لانه غير مقدور للمكلف، وإن أراد بذلك ان يصرف المكلف عن ذلك الامتثال المضاد فهذا بلا موجب يعد افتراض إنهما متساويان في الاهمية، فلا بد إذن من أخذ القيد المذكور. ومن هنا يعرف أن ثبوت أمرين بالضدين مستحيل إذا كان كل من الامرين مطلقا لحالة الاشتغال بإمتثال الامر الآخر أيضا، وأما إذا كان كل

[305]

منهما مقيدا بعدم الاشتغال بالآخر، أو كان احدهما كذلك، فلا استحالة ويقال عن الامرين بالضدين حينئذ: أنهما مجعولان على وجه الترتب، وان هذا الترتب هو الذي صحح جعلهما على هذا الوجه، وهذا ما يحصل في كل حالة يواجه فيها المكلف واجبين شرعيين، ويكون قادرا على إمتثال كل منهما بمفرده، ولكنه غير قادر على الجمع بينهما، فإنهما إن كانا متكافئين في الاهمية، كان وجوب كل منهما مشروطا بعدم إمتثال الآخر، وإن كان أحدهما أهم من الآخر ملاكا، فوجوب الاهم غير مقيد بعدم الاتيان بالاقل أهمية (المهم)، ولكن وجوب المهم مقيد بعدم الاتيان بالاهم، وتسمى هذه الحالات بحالات التزاحم. وقد تعترض وتقول إن الامرين بالضدين على وجه الترتب مستحيل، لان المكلف في حالة تركه لكلا الضدين يكون كل من الامرين فعليا وثابتا في حقه لان شرطه محقق، وهذا يعني أن المكلف في هذه الحالة يطلب منه كلا الضدين وهو محال.

والجواب على الاعتراض: أن الامرين والوجوبين، وإن كان فعليين معا في الحالة المذكورة، ولكن لا محذور في ذلك، إذ ما دام إمتثال أحدهما ينفي شرط الآخر وموضوعه، وبالتالي ينفي فعلية الوجوب الآخر، فلا يلزم من إجتماع الامرين أن يكون المطلوب من المكلف ما لا يطاق، وهو الجمع بين الضدين، ولهذا لو فرض المحال وصدر كلا الضدين من المكلف، لما وقعا على وجه المطلوبية معا. فليس المطلوب خارجا عن حدود القدرة.

وبهذا يتضح أن امكان وقوع الامرين بالضدين على وجه الترتب وإجتماعهما معا، نشأ من خصوصية الترتب بينهما أي من خصوصية كون أحدهما، أو كل منهما، بإمتثاله نافيا لموضوع الآخر ومعدما لشرطه.

التخيير والكفائية في الواجب

الخطاب الشرعي المتكفل للوجوب على نحوين: احدهما: ان يبين فيه وجوب عنوان كلي واحد، وتجري قرينة الحكمة لاثبات الاطلاق في الواجب، وانه اطلاق بدلي، كما إذ قال: صل فيكون الواجب طبيعي الصلاة، ويكون مخيرا بين ان يطبق هذا الطبيعي على الصلاة في المسجد او على الصلاة في البيت، الا ان هذا التخيير ليس شرعيا، بل هو عقلي بمعنى ان الخطاب الشرعي لم يتعرض إلى هذا التخيير، ولم يذكر هذه البدائل مباشرة، وانما يحكم العقل والعرف بالتخيير المذكور.

والنحو الآخر: ان يتعرض الخطاب الشرعي مباشرة للتخيير بين شيئين، فيأمر بهما على سبيل البدل فيقول مثلا: صل او أعتق رقبة، ويسمى التخيير حينئذ شرعيا، والوجوب بالوجوب التخييري.

التخيير الشرعي في الواجب

ولا شك في ان الوجوب التخييري ثابت في الشريعة في مواقع عديدة، وله خصائص متفق عليها، منها: ان المكلف يعد ممتثلا باتيان احد الشيئين او الاشياء، ويعد عاصيا إذا ترك البدائل كلها، غير انها معصية واحدة، ولها عقاب واحد، واذا اتى بالشيئين معا فقد امتثل أيضا. وقد وقع البحث في تحليل حقيقة الوجوب

[307]

التخييري، فقيل: ان مرجعه إلى التخيير العقلي بمعنى انه وجوب واحد متعلق بالجامع بين الشيئين تبعا لقيام الملاك به، سواء كان هذا الجامع عنوانا اصيلا، او عنوانا انتزاعيا كعنوان احدهما، وقيل إن مرجعه إلى وجوبين مشروطين بمعنى: ان كلا من العدلين واجب وجوبا مشروطا بترك الآخر، ومرد هذين الوجوبين إلى ملاكين وغرضين غير قابلين للاستيفاء معا، فمن أجل تعدد الملاك، وقيام ملاك خاص بكل من العدلين تعدد الوجوب، ومن أجل عدم امكان استيفاء الملاكين معا جعل الوجوب في كل منهما مشروطا بترك الآخر. وقد لوحظ على التفسير الثاني بان لازمه.

اولا: تعدد المعصية والعقاب في حالة ترك العدلين معا، كما هو الحال في حالات التزاحم بين واجبين لو تركهما المكلف معا.

وثانيا: عدم تحقق الامتثال عند الاتيان بكلا الامرين، إذ لا يكون كل من الوجوبين حينئذ فعليا، وكلا اللازمين معلوم البطلان.

وتوجد ثمرات تترتب على تفسير الوجوب التخييري بهذا الوجه او بذلك، وقد يذكر منها جواز التقرب بأحد العدلين بخصوصه على التفسير الثاني لانه متعلق للامر بعنوانه، وعدم جواز ذلك على التفسير الاول، لان الامر متعلق بالجامع، فالتقرب ينبغي ان يكون بالجامع المحفوظ في ضمنه كما هي الحالة في سائر موارد التخيير العقلي. ثم ان العدلين في موارد الوجوب التخييري يجب ان يكونا متباينين، ولا يمكن ان يكونا من الاقل والاكثر، لان الزائد حينئذ مما يجوز تركه بدون بديل، ولا معنى لافتراضه واجبا، فالتخيير بين الاقل والاكثر في الايجاب غير معقول. ويشابه ما تقدم الحديث عن الوجوب الكفائي، وهل هو وجوب موجه

[308]

إلى جامع المكلف او وجوبات متعددة بعدد افراد المكلفين، غير ان الوجوب على كل فرد مشروط بترك الآخرين.

التخيير العقلي في الواجب

حينما يأمر المولى بطبيعي فعل على نحو صرف الوجود والاطلاق البدلي، فيقول: اكرم زيدا والاكرام له حصص، فالتخيير بين الحصص عقلي لا شرعي كما تقدم، وإذا اختار المكلف ان يكرمه باهداء كتاب له لا يكون اختيار المكلف لهذه الحصة من الاكرام موجبا للكشف عن تعلق الوجوب بها خاصة، بل الوجوب بمبادئه متعلق بالطبيعي الجامع، ولهذا لو أتى المكلف بحصة اخرى لكان ممتثلا ايضا.

وبهذا صح ان يقال: ان تلك الحصة ليست متعلقا للامر، وانما هي مصداق لمتعلق الامر، وان متعلق الامر نسبته إلى سائر الحصص على نحو واحد، والوجوب لا يسري من الجامع إلى الحصة بمجرد تطبيق المكلف، لان استقرار الوجوب على متعلقه انما هو بالجعل، والمفروض انه قد جعل على الطبيعي الجامع الملحوظ بنحو صرف الوجود. وخلافا لذلك ما إذا أمر المولى بالطبيعي على نحو الاطلاق الشمولي او العموم، ومطلق الوجود، فقال: اكرم زيدا بكل اشكال الاكرام، فأن كل شكل منها يعتبر متعلقا للوجوب وليس مجرد مصداق للمتعلق، فالوجوب هنا يتعدد وتنال كل حصة وجوبا خاصا بها.

وكما رأينا سابقا وجود محاولة لارجاع الوجوب التخييري إلى وجوب واحد للجامع، فان هناك محاولة معاكسة ممن يرى ان الوجوب التخييري وجوبان مشروطان وهي: محاولة ارجاع الوجوب المتعلق بالطبيعي الجامع على نحو صرف الوجود إلى وجوبات متعددة للحصص، مشروط كل واحد منها بعدم الاتيان بسائر الحصص، وقد يعبر عن هذه المحاولة بان الاوامر متعلقة بالافراد لا بالطبائع.

امتناع اجتماع الامر والنهي

لا شك في التنافي والتضاد بين الاحكام التكليفية الواقعية كما تقدم، وهذا التنافي إنما يتحقق إذا كان المتعلق واحدا، فوجوب الصلاة ينافي حرمتها، ولا ينافي حرمة النظر إلى الاجنبية، لان الصلاة والنظر امران متغايران، وان كانا قد يوجدان في وقت واحد وفي موقف واحد، فلا محذور في ان يكون احدهما حراما والآخر واجبا.

وهناك حالتان يقع البحث في انهما هل تلحقان بفرض وحدة المتعلق او تعدده.

الحالة الاولى: فيما اذا كان الوجوب متعلقا بالطبيعي على نحو صرف الوجود والاطلاق البدلي والحرمة متعلقة بحصة من حصص ذلك الطبيعي، كما في (صل) و (لا تصل في الحمام) مثلا، فان الحصة والطبيعي باعتبار وحدتهما الذاتية قد يقال: ان المتعلق واحد فيستحيل ان يتعلق الوجوب بالطبيعي والحرمة بالحصة، وباعتبار تغايرهما بالاطلاق والتقييد قد يقال: بانه لا محذور في وجوب الطبيعي وحرمة الحصة.

والتحقيق ان وجوب الطبيعي يستدعي التخيير العقلي في مقام الامتثال بين حصصه وافراده، فان قلنا: بان هذا الوجوب مرده إلى وجوبات مشروطة للحصص، فالصلاة في الحمام إذن باعتبارها حصة من الطبيعي متعلق لوجوب خاص مشروط، فلو تعلقت بها الحرمة ايضا لزم اجتماع الحكمين المتنافيين على

[310]

متعلق واحد، وان أنكرنا ارجاع وجوب الطبيعي إلى وجوبات مشروطة، ولكن قلنا: ان الحصة التي يختارها المكلف في مقام امتثاله يسري اليها الوجوب، او على الاقل تسري اليها مبادئ الوجوب من الحب والارادة، وتقع على صفة المحبوبية الفعلية، فأيضا لا يمكن ان نفترض حينئذ تعلق الحرمة بالحصة، إذ في حالة إيقاعها في الخارج يلزم ان تكون محبوبة ومبغوضة في وقت واحد وهو مستحيل.

واما إذا قلنا بان الوجوب وجوب واحد متعلق بالجامع ولا يسري إلى الحصص، وان الحصة التي تقع خارجا منه لا تكون متعلقا للوجوب ولا لمبادئه، وانما هي مصداق للواجب وللمحبوب وليست هي الواجب او المحبوب، فلا محذور في ان يتعلق الامر بالجامع على نحو صرف الوجود، ويتعلق النهي بحصة منه. ثم إذا تجاوزنا هذا البحث وافترضنا الاستحالة، فبالامكان ان ندخل عنصرا جديدا، لنرى ان الاستحالة هل ترتفع بذلك أو لا، فنحن حتى الآن كنا نفترض ان الامر والنهي يتعلقان بعنوان واحد، وهو الصلاة، غير ان الامر متعلق بالطبيعي والنهي متعلق بالحصة، والان نفترض الحالة الثانية.

الحالة الثانية: ان لا يكون النهي المتعلق بالحصة متعلقا بها بنفس العنوان الذي تعلق به الامر، وهو الصلاة في المثال، بل بعنوان آخر، كما في (صل) و (لا تغصب). فاذا صلى في مكان مغصوب كان ما وقع منه باعتباره صلاة مصداقا للواجب. وباعتبار غصبا حراما، اي ان له عنوانين، والامر متعلق باحدهما والنهي بالآخر، فهل يكفي تغاير العنوانين في امكان التوفيق بين الامر بالصلاة والنهي عن الغصب وتصادقهما على الصلاة في المغصوب أو لا؟ فقد يقال بان ذلك يكفي لان الاحكام تتعلق بالعناوين لا بالاشياء الخارجية مباشرة، وبحسب العناوين يكون متعلق الامر مغايرا لمتعلق النهي، واما الشئ الخارجي الذي تصادق عليه العنوانان، فهو وان كان واحدا،

[311]

ولكن الاحكام لا تتعلق به مباشرة، فلا محذور في اجتماع الامر والنهي عليه بتوسط عنوانين، بل هناك من يذهب إلى ان تعدد العنوان يكشف عن تعدد الشئ الخارجي ايضا، فكما ان الغصب غير الصلاة عنوانا، كذلك غيرها مصداقا، وان كان المصداقان متشابكين وغير متميزين خارجا، فيكون الجواز - لو صح هذا - أوضح.

وقد يقال: بان تعدد العنوان لا يكفي، لان العناوين انما تتعلق بها الاحكام باعتبارها مرآة للخارج لا بما هي مفاهيم مستقلة في الذهن، فلكي يرتفع التنافي بين الامر والنهي لا بد ان يتعدد الخارج، ولا يمكن ان نبرهن على تعدده عن طريق تعدد العنوان، لان العناوين المتعددة قد تنتزع عن شئ واحد في الخارج.

وثمرة هذا البحث واضحة، فانه على القول بامتناع اجتماع الامر والنهي، يقع التعارض حتما بين دليل الامر ودليل النهي، لان الاخذ باطلاق الدليلين معا معناه اجتماع الامر والنهي، وهو مستحيل بحسب الفرض، ويجب ان يعالج هذا التعارض بين الدليلين وفقا للقواعد العامة للتعارض، وخلافا لذلك إذا قلنا بالجواز، فانا نأخذ حينئذ باطلاق الدليلين معا بدون محذور.

الوجوب الغيري لمقدمات الواجب

لا شك في ان المكلف مسؤول عقلا عن توفير المقدمات العقلية والشرعية للواجب، إذ لا يمكنه الامتثال بدون ذلك، ولكن وقع البحث في ان هذه المقدمات، هل تتصف بالوجوب الشرعي تبعا لوجوب ذيها، بمعنى انه هل يترشح عليها في نفس المولى ارادة من ارادته للواجب الاصيل، ووجوب من ايجابه، لذلك الواجب؟ فهناك من ذهب إلى ان ارادة شئ وايجابه يستلزمان ارادة مقدماته وايجابها، وتسمى الارادة المترشحة بالارادة الغيرية، والوجوب المترشح بالوجوب الغيري، في مقابل الارادة النفسية والوجوب النفيسي، وهناك من انكر ذلك.

وقد يقال بالتفصيل بين الارادة والايجاب، فبالنسبة إلى الارادة وما تعبر عنه من حب يقال بالملازمة والترشح، فحب الشئ يكون علة لحب مقدمته، وبالنسبة إلى الايجاب والجعل يقال بعدم الملازمة.

والقائلون بالملازمة يتفقون على ان الوجوب الغيري معلول للوجوب النفسي، وعلى هذا الاساس لا يمكن ان يسبقه في الحدوث، كما لا يمكن ان يتعلق بقيود الوجوب، لان الوجوب النفسي لا يوجد الا بعد افتراض وجودها، والوجوب الغيري لا يوجد الا بعد افتراض الوجوب النفسي، وهذا يعني ان الوجوب الغيري مسبوق دائما بوجود قيود الوجوب، فكيف

[313]

يعقل ان يتعلق بها وانما يتعلق بقيود الواجب ومقدماته العقلية والشرعية.

كما انهم يتفقون على ان الوجوب الغيري ليس له حسان مستقل في عالم الادانة واستحقاق العقاب، لوضوح انه لا يتعدد استحقاق العقاب بتعدد ما للواجب النفسي المتروك من مقدمات، كما ان الوجوب الغيري لا يمكن ان يكون مقصودا للمكلف في مقام الامتثال على وجه الاستقلال، بل يكون التحرك عنه دائما في إطار التحرك عن الوجوب النفسي، فمن لا يتحرك عن الامر بذي المقدمة، لا يمكنه ان يتحرك من قبل الوجوب الغيري، لان الانقياد إلى المولى، انما يكون بتطبيق المكلف ارادته التكوينية على ارادة المولى التشريعية، ولما كانت ارادة المولى للمقدمة تبعية، فكذلك لا بد ان يكون حال المكلف.

واختلف القائلون بالملازمة بعد ذلك في ان الوجوب الغيري، هل يتعلق بالحصة الموصلة من المقدمة إلى ذيها، او بالجامع المنطبق على الموصل وغيره؟ فلو أتى المكلف بالمقدمة ولم يأت بذيها يكون قد أتى بمصداق الواجب الغيري على الوجه الثاني دونه على الوجه الاول. ولا برهان على اصل الملازمة اثباتا او نفيا في عالم الارادة، وانما المرجع الوجدان الشاهد بوجودها، واما في عالم الجعل والايجاب، فالملازمة لا معنى لها، لان الجعل فعل اختياري للفاعل، ولا يمكن ان يترشح من شئ آخر ترشحا ضروريا، كما هو معنى الملازمة.

واما ثمرة هذا البحث: فقد يبدو على ضوء ماتقدم انه لا ثمرة له ما دام الوجوب الغيري غير صالح للادانة والمحركية، وانما هو تابع محض ولا ادانة ولا محركية الا للوجوب النفسي، والوجوب النفسي يكفي وحده لجعل المكلف مسؤولا عقلا عن توفير المقدمات، لان امتثاله لا يتم بدون ذلك،

[314]

فأي فرق بين افتراض وجود الوجوب الغيري وافتراض عدمه. ولكن قد يمكن تصوير بعض الثمرات، ومثال ذلك: انه إذا وجب انقاذ الغريق وتوقف على مقدمة محرمة اقل اهمية، وهي اتلاف زرع الغير، فيجوز للمكلف ارتكاب المقدمة المحرمة تمهيدا لانقاذ الغريق، فاذا افترضنا ان المكلف ارتكب المقدمة. المحرمة ولم ينقذ الغريق، فعلى القول بالملازمة، وبان الوجوب الغيري يتعلق بالجامع بين الحصة الموصلة وغيرها تقع المقدمة التي ارتكبها المكلف مصداقا للواجب ولا تكون محرمة في تلك الحالة، لامتناع اجتماع الوجوب والحرمة على شئ واحد، وعلى القول بانكار الملازمة او باختصاص الوجوب الغيري بالحصة الموصلة لا تقع المقدمة المذكورة مصداقا للواجب، ولا موجب حينئذ لسقوط حرمتها، بل تكون محرمة بالفعل، وانما تسقط الحرمة عن الحصة الموصلة من المقدمة خاصة.

اقتضاء وجوب الشئ لحرمة ضده

قد يقال بان إيجاب شئ يستلزم حرمة الضد والضد على قسمين: احدهما: الضد العام، وهو بمعنى النقيض.

والاخر: الضد الخاص، وهو الفعل الوجودي الذي لا يجتمع مع الفعل الواجب.

والمعروف بين الاصوليين ان إيجاب شئ يقتضي حرمة ضده العام. ولكنهم اختلفوا في جوهر هذا الاقتضاء، فزعم البعض ان الامر بالشئ عين النهي عن ضده العام، وذهب بعض آخر إلى انه يتضمنه بدعوى ان الامر بالشئ مركب من طلب ذلك الشئ والمنع عن تركه، وقال آخرون بالاستلزام، واما بالنسبة إلى الضد الخاص، فقد وقع الخلاف فيه وذهب جماعة إلى ان إيجاب شئ يقتضي تحريم ضده الخاص، فالصلاة وازالة النجاسة عن المسجد إذا كان المكلف عاجزا عن الجمع بينهما، فهما ضدان، وايجاب احدهما يقتضي تحريم الآخر.

وقد استدل البعض على ذلك بان ترك احد الضدين مقدمة لوقوع الضد الآخر فيكون واجبا بالوجوب الغيري، واذا وجب احد النقيضين حرم نقيضه، وبهذا يثبت حرمة الضد الخاص.

[316]

ولكن الصحيح انه لا مقدمية لترك احد الفعلين لايقاع الفعل الآخر، فان المقدمة هي العلة أو جزء العلة، ونحن نلاحظ ان المكلف في مثال الصلاة والازالة يكون اختياره هو العلة الكفيلة بتحقق ما يختاره ونفي ما لا يختاره، فوجود أحد الفعلين وعدم الآخر كلاهما مرتبطان باختيار المكلف لا ان احدهما معلول للآخر، ولو كان ترك الصلاة علة او جزء العلة للازالة، وترك الازالة علة او جزء العلة للصلاة، لكان فعل الصلاة نقيضا لعلة الازالة، ونقيض العلة لنقيض المعلول، فينتج ان فعل الصلاة علة لترك الازالة. وهذا يودي إلى الدور اذ يكون كل من الضدين معلولا لترك الآخر وعلة للترك نفسه.

فان قيل: إن عدم المانع من اجزاء العلة، ولا شك في ان أحد الضدين مانع عن وجود ضده فعدمه عدم المانع، فيكون من اجزاء العلة، وبذلك تثبت مقدميته.

كان الجواب: ان المانع على قمسين: احدهما: مانع يجتمع مع مقتضى الممنوع كالرطوبة المانعة عن احتراق الورقة والتي تجتمع مع وجود النار واصابتها للورقة بالفعل، والاخر مانع لا يمكن ان يجتمع مع مقتضى الممنوع، كالازالة المضادة للصلاة التي لا تجتمع مع المقتضى للصلاة، وهو ارادتها. إذ من الواضح انه كلما اراد الصلاة لم توجد الازالة، وما يعتبر عدمه من اجزاء العلة هو القسم الاول دون الثاني، والضد مانع من القسم الثاني دون الاول.

وثمرة هذا البحث انه إذا وجبت الازالة في المثال المذكور، فان قلنا: بان وجوب شئ يقتضي حرمة ضده حرمت الصلاة، ومع حرمتها لا يعقل ان تكون مصداقا للواجب لاستحالة اجتماع الوجوب والحرمة، فلو ترك المكلف

[317]

الازالة واختار الصلاة لوقعت باطلة، وان قلنا: بان وجوب شئ لا يقتضي حرمة ضده فلا محذور في ان يتعلق الامر بالصلاة، ولكن على وجه الترتب ومشروطا بترك الازالة، لما تقدم من ان الامرين بالضدين على وجه الترتب معقول، فاذا ترك المكلف الازالة وصلى كانت صلاته مأمورا بها، وتقع صحيحة وان اعتبر عاصيا بتركه للازالة.

اقتضاء الحرمة للبطلان

الحرمة حكم تكليفي، والبطلان حكم وضعي قد توصف به العبادة، وقد توصف به المعاملة، ويراد ببطلان العبادة انها غير مجزية، ولا بد من اعادتها او قضائها، وببطلان المعاملة انها غير مؤثرة ولا يترتب عليها مضمونها، وقد وقع الكلام في ان التحريم هل يستلزم البطلان أو لا؟ اما تحريم العبادة فيستلزم بطلانها وذلك: اما اولا فلان تحريمها يعني عدم شمول الامر لها، لامتناع اجتماع الامر والنهي، ومع عدم شموله لها لا تكون مجزية ولا يسقط بها الامر، وهو معنى البطلان، فإن قيل ان الامر غير شامل. ولكن لعل ملاك الوجوب شامل لها، واذا كانت واجدة للملاك ومستوفية له فيسقط الامر بها.

قلنا: انه بعد عدم شمول الامر لها لا دليل على شمول الملاك، لان الملاك انما يعرف من ناحية الامر.

وهذا البيان، كما يأتي في العبادة المحرمة، يأتي ايضا في كل مصداق لطبيعة مأمور بها، سواء كان الامر تعبديا او توصيليا.

واما ثانيا: فلاننا نفترض مثلا ان الملاك موجود في تلك العبادة المحرمة، ولكنها ما دامت محرمة ومبغوضة للمولى، فلا يمكن التقرب بها نحوه، ومعه لا تقع عبادة تصح وتجزى عن الامر، وهذا البيان يختص بالعبادات ولا يجري في غيرها.

[319]

واما تحريم المعاملة فتارة يراد به تحريم السبب المعاملي الذي يمارسه المتعاملان، وهو الايجاب والقبول مثلا، واخرى يراد به تحريم المسبب، اي التمليك الحاصل نتيجة لذلك.

ففي الحالة الاولى لايستلزم تحريم السبب بطلانه وعدم الحكم بنفوذه، كما لايستلزم صحته ونفوذه، ولا يأبى العقل عن ان يكون صدور شئ من المكلف مبغوضا للمولى، ولكنه إذا صار ترتب عليه بحكم الشارع اثره الخاص به كما في الظهار، فإنه محرم ولكنه نافذ ويترتب عليه الاثر.

وفي الحالة الثانية قد يقال: إن التحريم المذكور يستلزم الصحة. لانه لا يتعلق الا بمقدور، ولا يكون المسبب مقدورا، الا اذا كان السبب نافذا، فتحريم المسبب يستلزم نفوذ السبب وصحة المعاملة.

وينبغي التنبيه هنا على ان النهي في موارد العبادات والمعاملات كثيرا ما يستعمل لا لافادة التحريم، بل لافادة مانعيه متعلق النهي، او شرطية نقيضه، وفي مثل ذلك لا اشكال في انه يدل على البطلان، كما في (لا تصل فيما لا يؤكل لحمه) الدال على مانعية لبس ما هو مأخوذ مما لا يؤكل لحمه، او (لا تبع بدون كيل) الدال على شرطية الكيل ونحو ذلك، ودلالته على البطلان باعتباره ارشادا إلى المانعية او الشرطية، ومن الواضح ان المركب يختل بوجود المانع او فقدان الشرط، ولا علاقة لذلك باستلزام الحرمة التكليفية للبطلان.

مسقطات الحكم

يسقط الحكم بالوجوب وغيره بعدة امور: منها: الاتيان بمتعلقه. ومنها: عصيانه.

وهذان الامران ليسا قيدين في حكم المجعول، وانما تنتهي بهما فاعلية هذا الحكم ومحركيته.

ومنها: الاتيان بكل فعل جعله الشارع مسقطا للوجوب، بان أخذ عدمه قيدا في بقاء الوجوب المجعول.

ومنها: امتثال الامر الاضطراري، فانه مجز عن الامر الواقعي الاولي في بعض الحالات، وتفصيل ذلك انه، إذا وجبت الصلاة مع القيام، وتعذر القيام على المكلف، فامر الشارع امرا اضطراريا بالصلاة من جلوس، فلذلك صورتان: الاولى: أن يفرض إختصاص الامر الاضطراري بمن يستمر عجزه عن القيام طيلة الوقت.

الثانية: أن يفرض شموله لكل من عاجزا عن القيام عند ارادة الصلاة، سواء تجددت له القدرة بعد ذلك أو لا.

[321]

ففي الصورة الاولى لو صلى المكلف العاجز جالسا في أول الوقت، وتجددت له القدرة على القيام قبل خروج الوقت وجبت عليه الاعادة، لان الامر الواقعي الاولي بالصلاة قائما يشمله بمقتضى إطلاق دليله، وما أتى به لا موجب للاكتفاء به.

وأما في الصورة الثانية فلا توجب الاعادة على من صلى جالسا في أول الوقت ثم تجددت له القدرة قبل خروجه، وذلك لان صلاة الجالس التي أداها قد تعلق بها الامر بحسب الفرض، وهذا الامر ليس تعيينيا لانه لو لم يصل من جلوس في أول الوقت، وصلى من قيام في آخر الوقت لكفاه ذلك بلا أشكال فهو إذن أمر تخييري بين الصلاة الاضطرارية في حالة العجز، والصلاة الاختيارية في حال القدرة، ولو وجبت الاعادة لكان معنى هذا أن التخيير لا يكون بين هذه الصلاة وتلك، بل بين أن يجمع بين الصلاتين وبين أن ينتظر ويقتصر على الصلاة الاختيارية، وهذا تخيير بين الاقل والاكثر في الايجاب، وهو غير معقول، كما تقدم.

وبهذا يثبت ان الامر الاضطراري في الصورة الثانية يقتضي كون إمتثاله مجزيا عن الامر الواقعي الاختياري.

وتعرف بذلك ثمرة البحث في إمتناع التخيير بين الاقل والاكثر.

امكان النسخ وتصويره

من الظواهر المألوفة في الحياة الاعتيادية أن يشرع المشرع حكما مؤمنا بصحة تشريعه، ثم ينكشف له أن المصلحة على خلافه فينسخه ويتراجع عن تقديره السابق للمصلحة وعن إرادته التي نشأت من ذلك التقدير الخاطئ. وهذا الافتراض مستحيل في حق الباري سبحانه وتعالى، لان الجهل لا يجوز عليه عقلا، فأي تقدير للمصلحة وأي إرادة تنشأ من هذا التقدير لا يمكن أن يطرأ عليه تبدل وعدول مع حفظ مجموع الظروف التي لوحظت عند تحقق ذلك التقدير، وتلك الارادة.

ومن هنا صح القول بأن النسخ بمعناه الحقيقي المساوق للعدول غير معقول في مبادئ الحكم الشرعي من تقدير المصلحة والمفسدة وتحقق الارادة والكراهة. وكل حالات النسخ الشرعي مردها إلى ان المصلحة المقدرة مثلا كان لها أمد محدد من أول الامر وقد إنتهى، وأن الارادة التي حصلت بسبب ذلك التقدير كانت محددة تبعا للمصلحة. والنسخ معناه إنتهاء حدها ووقتها المؤقت لها من أول الامر، وهذا هو النسخ بالمعنى المجازي.

ولكن هناك مرحلة للحكم بعد تلك المبادئ، وهي مرحلة الجعل والاعتبار، وفي هذه المرحلة يكن تصوير النسخ بمعناه الحقيقي، ومعناه المجازي معا.

[323]

أما تصويره بالمعنى الحقيقي فبأن نفترض أن المولى جعل الحكم على طبيعي المكلف دون أن يقيده بزمان دون زمان، ثم بعد ذلك يلغي ذلك الجعل ويرفعه تبعا لما سبق في علمه من أن الملاك مرتبط بزمان مخصوص، ولا يلزم من ذلك محذور، لان الاطلاق في الجعل لم ينشأ من عدم علم المولى بدخل الزمان المخصوص في الملاك، بل قد ينشأ لمصلحة أخرى كإشعار المكلف بهيبة الحكم وابديته.

وأما تصويره بالمعنى المجازي فبأن نفترض ان المولى جعل الحكم على طبيعي المكلف المقيد بأن يكون في السنة الاولى من الهجرة مثلا، فإذا إنتهت تلك السنة إنتهى زمان المجعول ولم يطرأ تغيير على نفس الجعل.

والافتراض الاول اقرب إلى معنى النسخ، كما هو ظاهر.

[324]

الملازمة بين الحسن والقبح والامر والنهي

 الحسن والقبح أمران واقعيان يدركهما العقل. ومرجع الاول إلى أن الفعل مما ينبغي صدوره. ومرجع الثاني إلى أنه مما لاينبغي صدوره. وهذا الانبغاء إثباتا وسلبا أمر تكويني واقعي وليس مجعولا.

ودور العقل بالنسبة إليه دور المدرك لا دور المنشى والحاكم، ويمسى هذا الادراك بالحكم العقلي توسعا. وقد ادعى جماعة من الاصوليين الملازمة بين حسن الفعل عقلا، والامر به شرعا، وبين قبح الفعل عقلا والنهي عنه شرعا، وفصل بعض المدققين منهم بين نوعين من الحسن والقبح، أحدهما الحسن والقبح الواقعان في مرحلة متأخرة عن حكم شرعي والمرتبطان بعالم إمتثاله وعصيانه من قبيل حسن الوضوء بإعتباره طاعة لامر شرعي، وقبح أكل لحم الارنب بوصفه معصية لنهي شرعي.

والآخر الحسن والقبح الواقعان بصورة منفصلة عن الحكم الشرعي كحسن الصدق والامانة، وقبح الكذب والخيانة، ففي النوع الاول يستحيل أن يكون الحسن والقبح مستلزما للحكم الشرعي، والا للزم التسلسل، لان حسن الطاعة وقبح المعصية إذا إستتبعا أمرا ونهيا شرعيين، كانت طاعة ذلك الامر

[325]

حسنة عقلا، ومعصية هذا النهي قبيحة عقلا أيضا، وهذا الحسن والقبح يستلزم بدوره أمرا ونهيا، وهكذا حتى يتسلسل. وأما في النوع الثاني، فالاستلزام ثابت وليس فيه محذور التسلسل.

الاستقراء والقياس

عرفنا سابقا أن الاحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد والملاكات التي يقدرها المولى وفق حكمته ورعايته لعباده، وليست جزافا أو تشهيا. وعليه فإذا حرم الشارع شيئا، كالخمر مثلا، ولم ينص على الملاك والمناط في تحريمه، فقد يستنتجه العقل ويحدس به، وفي حالة الحدس به يحدس حينئذ بثبوت الحكم في كل الحالات التي يشملها ذلك الملاك، لان الملاك بمثابة العلة لحكم الشارع وإدراك العلة يستوجب إدراك المعلول. وأما كيف يحدس العقل بملاك الحكم ويعينه في صفة محددة، فهذا ما قد يكون عن طريق الاستقراء تارة وعن طريق القياس أخرى.

والمراد بالاستقراء أن يلاحظ الفقيه عددا كبيرا من الاحكام يجدها جميعا تشترك في حالة واحدة من قبيل أن يحصي عددا كبيرا من الحالات التي يعذر فيها الجاهل فيجد أن الجهل هو الصفة المشتركة بين كل تلك المعذريات، فيستنتج أن المناط والملاك في المعذرية هو الجهل، فيعمم الحكم إلى سائر حالات الجهل.

والمراد بالقياس أن نحصي الحالات والصفات التي من المحتمل أن تكون مناطا للحكم وبالتأمل والحدس والاستناد إلى ذوق الشريعة يغلب على الظن أن واحدا منها هو المناط، فيعمم الحكم إلى كل حالة يوجد فيها ذلك المناط.

[327]

والاستنتاج القائم على أساس الاستقراء ظني غالبا، لان الاستقراء ناقص عادة، ولا يصل عادة إلى درجة اليقين.

والقياس ظني دائما لانه مبني على إستنباط حدسي للمناط، وكلما كان الحكم العقلي ظنيا، إحتاج التعويل عليه إلى دليل على حجيته، كما هو واضح.

2 - حجية الدليل العقلي

الدليل العقلي تارة يكون قطعيا وأخرى يكون ظنيا فإذا كان الدليل العقلي قطعيا ومؤديا إلى العلم بالحكم الشرعي، فهو حجة من أجل حجية القطع، وهي حجية ثابتة للقطع الطريقي مهما كان دليله ومستنده.

ولكن هناك من خالف في ذلك، وبنى على أن القطع بالحكم الشرعي الناشى من الدليل العقلي لا أثر له، ولا يجوز التعويل عليه، وليس ذلك تجريدا للقطع الطريقي عن الحجية حتى يقال، بانه مستحيل، بل ادعي أن بالامكان تخريجه على أساس تحويل القطع من طريقي إلى موضوعي بأن يقال: أن الاحكام الشرعية قد أخذ في موضوعها قيد، وهو عدم العلم بجعلها من ناحية الدليل العقلي، فمع العلم بجعلها من ناحية الدليل العقلي لا يكون الحكم الشرعي ثابتا لانتفاء قيده، فلا أثر للعلم المذكور، إذ لا حكم في هذه الحالة.

وقد يقال: كيف يعقل أن يقال لمن علم بجعل الحكم الشرعي بالدليل ان الحكم غير ثابت مع إنه عالم به؟ والجواب على ذلك: أن هذا عالم بجعل الحكم وما نريد أن ننفيه عنه، ليس هو الجعل، بل المجعول، فالعلم العقلي بالجعل الشرعي يؤخذ عدمه قيدا في المجعول فلا مجعول مع وجود هذا العلم العقلي.

[329]

وإن كان الجعل الشرعي ثابتا، فلا محذور في هذا التخريج، ولكنه بحاجة إلى دليل شرعي على تقييد الاحكام الواقعية بالوجه المذكور ولا يوجد دليل من هذا القبيل.

وأما إذا كان الدليل العقلي ظنيا، كما في الاستقراء الناقص والقياس، وفي كل قضية من القضايا العقلية المتقدمة، إذا لم يجزم بها العقل، ولكنه ظن بها، فهذا الدليل يحتاج إلى دليل على حجيته، وجواز التعويل على ولا دليل على ذلك بل قام الدليل على عدم جواز التعويل على الحدس والرأي والقياس.

الاصول العملية

قلنا سابقا إن الفقيه تارة يحصل على دليل يحرز به الحكم الشرعي، وأخرى لا يتيسر له إحراز الحكم. ولكنه يحصل على دليل يحدد الموقف العملي باتجاه التكليف المشكوك، وهو الذي يسمى بالاصل العملي.

وهذا القسم من الادلة هو ما سنتحدث عنه هنا.

القاعدة العملية الاولية في حالة الشك

كلما شك المكلف في تكليف شرعي ولم يتيسر له إثباته أو نفيه، فلا بد له من تحديد موقفه العملي تجاه هذا الحكم المشكوك. ويوجد مسلكان في تحديد هذا الموقف.

الاول: مسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وهو المسلك المشهور القائل: بان التكليف ما دام لم يتم عليه البيان، فيقبح من المولى أن يعاقب على مخالفته. وهذا المسلك يعني بحسب التحليل، كما عرفنا في بحث سابق أن حق الطاعة للمولى مختص بالتكاليف المعلومة ولا يشمل المشكوكة.

الثاني: مسلك حق الطاعة الذي تقدم شرحه، وهو مبني على الايمان، بأن حق الطاعة للمولى يشمل كل تكليف غير معلوم العدم ما لم يأذن المولى نفسه في عدم التحفظ من ناحيته. فبناء على المسلك الاول، تكون القاعدة العملية الاولية هي البراء‌ة بحكم العقل. وبناء على المسلك الثاني تكون القاعدة المذكورة هي أصالة شغل الذمة بحكم العقل ما لم يثبت إذن من الشارع في عدم التحفظ.

ويظهر من كلام المحقق النائيني (رحمه الله) أنه حاول الاستدلال على قاعدة قبح العقاب بلا بيان، والبرهنة عليها. ويمكن تلخيص إستدلاله في وجهين:

[337]

أحدهما أن التكليف إنما يكون محركا للعبد بوجوده العلمي لا بوجوده الواقعي، كما هو الحال في سائر الاغراض الاخرى، فالاسد مثلا إنما يحرك الانسان نحو الفرار بوجوده المعلوم لا بوجوده الواقعي. وعليه فلا مقتضى للتحرك مع عدم العلم. ومن الواضح أن العقاب على عدم التحرك مع إنه لا مقتضى للتحرك قبيح.

والآخر: الاستشهاد بالاعراف العقلائية وإستقباح معاقبة الآمر في المجتمعات العقلائية مأموره على مخالفة تكليف غير واصل.

أما الوجه الاول فيرد عليه أن المحرك للعبد إنما هو الخروج عن عهدة حق الطاعة للمولى، وغرضه الشخصي قائم بالخروج عن هذه العهدة لا بامتثال التكليف بعنوانه، فلا بد من تحديد حدود هذه العهدة، وان حق الطاعة هل يشمل التكاليف المشكوكة أو لا؟ فإن ادعي عدم الشمول كان مصادرة، وخرج البيان عن كونه برهانا، وإن لم يفرغ من عدم الشمول، فلا يتم البرهان المذكور، إذ كيف يفترض ان التحرك مع عدم العلم بالتكليف بلا مقتضى، مع ان المقتضى للتحرك هو حق الطاعة الذي ندعي شموله للتكاليف المشكوكة ايضا.

وأما الوجه الثاني فهو قياس لحق الطاعه الثابت للمولى سبحانه وتعالى على حق الطاعة الثابت للآمر العقلائي وهو قياس بلا موجب، لان حق الطاعة للآمر العقلائي مجعول لا محالة من قبل العقلاء، او آمر أعلى فيكون محددا سعة وضيقا تبعا لجعله، وهو عادة يجعل في حدود التكاليف المقطوعة، وأما حق الطاعة للمولى سبحانه فهو حق ذاتي تكويني غير مجعول ولا يلزم من ضيق دائرة ذلك الحق المجعول ضيق دائرة هذا الحق الذاتي، كما هو واضح، فالمعول في تحديد دائرة هذا الحق على وجدان العقل

[338]

العملي، وهو يقتضي التعميم. فالصحيح إذن أن القاعدة العملية الاولية هي أصالة الاشتغال بحكم العقل ما لم يثبت الترخيص في ترك التحفظ.

القاعدة العملية الثانوية في حالة الشك

والقاعدة العملية الثانوية في حالة الشك التي ترفع موضوع القاعدة الاولى هي البراء‌ة الشرعية.

ومفادها: الاذن من الشارع في ترك التحفظ والاحتياط تجاه التكليف المشكوك، ولما كانت القاعدة الاولى مقيدة بعدم ثبوت الترخيص في ترك التحفظ، كانت البراء‌ة الشرعية رافعة لقيدها ونافية لموضوعها ومبدلة للضيق بالسعة. ويستدل لاثبات البراء‌ة الشرعية بعدد من الآيات الكريمة والروايات. أما الآيات فعديدة.

منها: قوله سبحانه وتعالى * (لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها) *(1).

وتقريب الاستدلال بالآية الكريمة إن إسم الموصول فيها، أما أن يراد به المال أو الفعل أو التكليف أو الجامع، والاول هو المتيقن لانه المناسب لمورد الآية حيث أمرت بالنفقة وعقبت ذلك بالكبرى المذكورة، ولكن لا موجب للاقتصار على المتيقن، بل نتمسك بالاطلاق لاثبات الاحتمال الاخير، فيكون معنى الآية الكريمة، ان الله لا يكلف مالا إلا بقدر ما رزق وأعطى، ولا يكلف بفعل إلا في حدود ما أقدر عليه من أفعال، ولا يكلف بتكليف إلا

___________________________________

(1) سورة الطلاق: 7. (*)

[340]

إذا كان قد آتاه واوصله إلى المكلف، فالايتاء بالنسبة إلى كل من المال والفعل والتكليف بالنحو المناسب له.

فينتج ان الله تعالى لا يجعل المكلف مسؤولا تجاه تكليف غير واصل وهو المطلوب.

وقد إعترض الشيخ الانصاري على هذا الاستدلال، بأن إرادة الجامع من إسم الموصول غير ممكنة، لان إسم الموصول حينئذ بلحاظ شموله للتكليف يكون مفعولا مطلقا وبلحاظ شموله للمال يكون مفعولا به، والنسبة بين الفعل والمفعول المطلق تغاير النسبة بين الفعل والمفعول به، فإن الاولى هي نسبة الحدث إلى طور من أطواره، والثانية هي نسبة المغاير إلى المغاير، فيلزم من إستعمال الموصول في الجامع إرادة كلتا النسبتين من هيئة ربط الفعل بمفعوله، وهو من استعمال اللفظ في معنيين، مع ان كل لفظ لا يستعمل الا في معنى واحد.

ومنها: قوله تعالى (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)(1).

وتقريب الاستدلال بالآية الكريمة، إنها تدل على أن الله تعالى لا يعذب حتى يبعث الرسول، وليس الرسول إلا كمثال للبيان، فكأنه قال لا عقاب بل بيان. ويمكن الاعتراض على هذا الاستدلال بأن غاية ما يقتضيه نفي العقاب في حالة عدم صدور البيان من الشارع لا في حالة صدوره وعدم وصوله إلى المكلف، لان الرسول إنما يؤخذ كمثال لصدور البيان من الشارع لا للوصول الفعلي إلى المكلف. وما نحن بصدده، إنما هو التأمين من ناحية تكليف لم يصل إلينا بيانه حتى ولو كان هذا البيان قد صدر من الشارع.

___________________________________

(1) سورة الاسراء: 15. (*)

[341]

ومنها: قوله تعالى (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس. أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم)(1) وتقريب الاستدلال بالآية الكريمة: أن الله تعالى لقن نبيه صلى الله عليه وآله كيفية المحاجة مع اليهود، فيما يرونه محرما بأن يتمسك بعدم الوجدان، وهذا ظاهر في أن عدم الوجدان كاف للتأمين. ويرد عليه أن عدم وجدان النبي فيما اوحي إليه يساوق عدم الوجود الفعلي للحكم، فكيف يقاس على ذلك عدم وجدان المكلف المحتمل أن يكون بسبب ضياع النصوص الشرعية.

ومنها: قوله تعالى * (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شئ عليم)*(2). وتقريب الاستدلال بالآية الكريمة إن المراد بالاضلال فيها، أما تسجيلهم ضالين ومنحرفين، وأما نوع من العقاب، كالخذلان والطرد من ابواب الرحمة، وعلى أي حال فقد أنيط الاضلال ببيان ما يتقون لهم، وحيث أضيف البيان لهم فهو ظاهر في وصوله إليهم، فمع عدم وصول البيان لا عقاب ولا ضلال، وهو معنى البراء‌ة.

وأما الروايات فعديدة أيضا.

منها: ما روي عن الصادق عليه السلام من قوله: (كل شى مطلق حتى يرد فيه نهي). والاطلاق يساوق السعة والتأمين، والشاك يصدق بشأنه أنه لم يرده النهي فيكون مؤمنا عن التكليف المشكوك وهو المطلوب.

___________________________________

(1) سورة الانعام - 145.

(2) سورة التوبة - 115. (*)

[342]

وقد يعترض على هذا الاستدلال بأن الورود تارة يكون بمعنى الصدور، وأخرى بمعنى الوصول، فإذا كان مفاد الرواية جعل صدور النهي غاية فلا يتم الاستدلال، لان الشاك يحتمل صدور النهي وتحقق الغاية، وإذا كان مفادها جعل وصول النهي إلى المكلف غاية ثبت المطلوب، ولكن لا معين للثاني فلا يمكن الاستدلال بالرواية المذكورة. وقد يجاب على ذلك بان الورود دائما يستبطن حيثية الوفود على شى فلا يطلق على حثيثة الصدور البحتة. ولكن مع هذا لا يتم الاستدلال إذ لم يعلم أن الملحوظ فيه وفود النهي على المكلف المساوق لوصوله اليه، بل لعل الملحوظ وفوده على الشئ نفسه، كما يناسبه قوله يرد فيه نهي، فكأنه النهي يرد على المادة فهناك مورود عليه ومورود عنه بقطع النظر عن المكلف، وهذا يعني ان الغاية صدور النهي من الشارع ووقوعه على المادة، سواء وصل إلى المكلف أو لا، فلا يتم الاستدلال.

ومنها: حديث الرفع وهو الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وآله، ومفاده: رفع عن أمتي تسعة: الخطأ، والنسيان، وما أكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما إضطروا إليه، والحسد، والطيرة، والتفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة.

وتقريب الاستدلال بفقرة (رفع ما لا يعلمون) يتم على مرحلتين: الاولى: أن هذا الرفع يوجد فيه بدوا إحتمالان: أحدهما: أن يكون رفعا واقعيا للتكليف المشكوك، فيكون الحديث مقيدا ومخصصا لاطلاق أدلة الاحكام الواقعية الالزامية بغرض العلم بها. والآخر: أن يكون رفعا ظاهريا، بمعنى تأمين الشاك ونفي وجوب الاحتياط عليه في مقابل وضع التكليف المشكوك وضعا ظاهريا بإيجاب

[343]

الاحتياط تجاه، وكل من الاحتمالين ينفع لاثبات السعة، لان التكليف المشكوك منفي اما واقعا، واما ظاهرا، ولكن الاحتمال الاول ساقط، لانه يؤدي إلى تقيد الاحكام الواقعية الالزامية بالعلم بها، وقد سبق ان اخذ العلم بالحكم قيدا لنفس الحكم مستحيل.

فإن قيل: أو لستم قلتم بإمكان أخذ العلم بالجعل في موضوع المجعول.

قلنا: نعم. ولكن ظاهر الحديث أن المرفوع والمعلوم شى واحد، بمعنى أن الرفع والعلم يتبادلان على مركز واحد، فإذا إفترضنا ان العلم بالجعل مأخوذ في موضوع المجعول، فهذا معناه ان العلم لوحظ متعلقا بالجعل، وان الرفع إنما هو رفع للمجعول بتقييده بالعلم بالجعل، وهذا خلاف ظاهر الحديث، فلا بد اذن من إفتراض ان الرفع يتعلق بالمجعول، وكذلك العلم فكأنه قال الحكم المجعول مرفوع حتى يعلم به. وعلى هذا الاساس يتعين حمل الرفع على إنه ظاهري لا واقعي، وإلا لزم أخذ العلم بالمجعول قيدا لنفس المجعول وهو محال.

الثانية: أن الشك في التكليف تارة يكون على نحو الشبهة الموضوعية، كالشك في حرمة المائع المردد بين الخل والخمر، وأخرى يكون على نحو الشبهة الحكمية، كالشك في حرمة لحم الارانب مثلا، وعليه، فالرفع الظاهري في فقرة (رفع ما لا يعلمون) قد يقال باختصاصه بالشبهة الموضوعية، وقد يقال باختصاصه بالشبهة الحكمية، وقد يقال بعمومه لكلتا الشبهتين.

أما الاحتمال الاول فقد استدل عليه بوحدة السياق لاسم الموصول في الفقرات المتعددة، إذ من الواضح أن المقصود منه، فيما إضطروا إليه ونحوه الموضوع الخارجي او الفعل الخارجي لا نفس التكليف فيحمل ما لا يعلمون على الموضوع الخارجي أيضا، فيكون مفاد الجملة حينئذ، أن الخمر غير

[344]

المعلوم مرفوع الحرمة، كما ان الفعل المضطر اليه مرفوع الحرمة فلا يشمل حالات الشك في أصل جعل الحرمة على نحو الشبهة الحكمية.

والتحقيق أن وحدة السياق، إنما تقتضي كون مدلول اللفظ المتكرر واحدا في السياق الواحد، لا كون المصاديق من سنخ واحد، فإذا إفترضنا ان اسم الموصول قد استعمل في جميع تلك الفقرات في معناه العام المبهم، غير ان مصداقه يختلف من جملة إلى أخرى بإختلفا صفاته لم تنثلم بذلك وحدة السياق في مرحلة المدلول الاستعمالي.

وأما الاحتمال الثاني فيستند إلى أن ظاهر (ما لا يعلمون) أن يكون نفس ما بازاء اسم الموصول غير معلوم، فان كان ما بازائه التكليف فهو بنفسه ليس مشكوكا وإنما المشكوك كونه خمرا مثلا. فلا يكون عدم العلم مسندا إلى مدلول اسم الموصول حقيقة. وهذا خلاف ظاهر الحديث، فيتعين أن يراد باسم الموصول التكليف، ومعه يختص بالشبهة الحكمية.

ويرد عليه أولا: أن بالامكان أن يكون ما بازاء اسم الموصول نفس عنوان الخمر لا المائع المشكوك كونه خمرا فعدم العلم يكون مسندا إليه حقيقة. وثانيا: لو سلمنا ان ما بازاء اسم الموصول ينبغي ان يكون هو التكليف فأن هذا لا يوجب الاختصاص بالشبهة الحكيمة، لان التكليف بمعنى الحكم المجعول مشكوك في الشبهة الموضوعية أيضا. وأما الاحتمال الثالث فهو يتوقف على تصوير جامع يمكن أن يراد بإسم الموصول على نحو ينطبق على الشبهة الحكمية والموضوعية، وهذا الجامع له فرضيتان:

الاولى: ان يراد باسم الموصول الشئ، سواء كان تكليفا او موضوعا خارجيا.

[345]

واعترض على ذلك بأن إسناد الرفع إلى التكليف حقيقي لانه قابل للرفع بنفسه واسناده إلى الموضوع مجازي وبلحاظ حكمه، ولا يمكن الجمع بين الاسناد الحقيقي والمجازي في إستعمال واحد.

والجواب: إن اسناد الرفع إلى التكليف ليس حقيقيا أيضا، لما عرفت سابقا من أنه رفع ظاهري لا واقعي، فالاسنادان كلاهما عنائيان.

الثانية: أن يراد بإسم الموصول التكليف المجعول وهو مشكوك في الشبهة الحكمية والموضوعية معا، وإنما يختلفان في منشأ الشك، فإن المنشأ في الاولى عدم العلم بالجعل، وفي الثانية عدم العلم بالموضوع.

والمعين للاحتمال الثالث بعد تصوير الجامع هو الاطلاق فتتم دلالة حديث الرفع على البراء‌ة ونفي وجوب التحفظ والاحتياط. ومنها: رواية زكريا بن يحيى عن آبي عبدالله عليه السلام أنه قال: (ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم). فان الوضع عن المكلف تعبير آخر عن الرفع عنه فتكون دلالة هذه الرواية على وزان دلالة الحديث السابق ويستفاد منها نفي وجوب التحفظ والاحتياط.

وقد يلاحظ على الاستدلال أمران: أحدهما: أن الحجب هنا أسند إلى الله تعالى فيختص بالاحكام المجهولة التي ينشأ عدم العلم بها من قبل الشارع لاخفائه لها، ولا يشمل ما تشك فيه عادة من الاحكام التي يحتمل عدم وصولها لعوارض إتفاقية. ويرد عليه: أن الحجب لم يسند إلى المولى سبحانه بما هو شارع وحاكم لينصرف إلى ذلك النحو من الحجب، بل أسند إليه بما هو رب العالمين، وبيده الامر من قبل ومن بعد، وبهذا يشمل كل حجب يقع في العالم، ولا موجب لتقييده بالحجب الواقع منه بما هو حاكم.

[346]

والآخر: أن موضوع القضية ما حجب عن العباد، فتختص بما كان غير معلوم لهم جميعا فلا يشمل التكاليف التي يشك فيها بعض العباد دون بعض.

وقد يجاب على ذلك باستظهار الانحلالية من الحديث بمعنى أن كل ما حجب عن عبد فهو موضوع عنه، فالعباد لوحظوا بنحو العموم الاستغراقي لا العموم المجموعي.

ومنها: رواية عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال: (كل شى فيه حلال وحرام فهو لك حلال، حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه) وتقريب الاستدلال أنها تجعل الحلية مع إفتراض وجود حرام وحلال واقعي، وتضع لهذه الحلية غاية، وهي تمييز الحرام.

فهذه الحلية ظاهرية إذن وهي تعبير آخر عن الترخيص في ترك التحفظ والاحتياط. ولكن ذهب جماعة من المحققين إلى أن هذه الرواية مختصة بالشبهات الموضوعية، وذلك لقرينتين: الاولى: أن ظاهر قوله (كل شى فيه حلال وحرام) افتراض طبيعة منقسمة فعلا إلى افراد محللة وافراد محرمة، وأن هذا الانقسام هو السبب في الشك في حرمة هذا الفرد أو ذاك وهذا إنما يصدق في الشبهة الموضوعية لا في مثل الشك في حرمة شرب التتن مثلا وأمثاله من الشبهات الحكمية، فإن الشك فيها لا ينشأ من تنوع أفراد الطبيعة، بل من عدم وصول النص الشرعي على التحريم.

الثانية: أن مفاد الحديث إذا حمل على الشبهة الحكمية كانت كلمة (بعينه) تأكيدا صرفا، لان العلم بالحرام فيها مساوق للعلم بالحرام بعينه عادة. وما إذا حمل على الشبهة الموضوعية كان للكلمة المذكورة فائدة ملحوظة لاجل حصر الغاية للحلية بالعلم التفصيلي دون العلم الاجمالي الذي يغلب تواجده في الشبهات الموضوعية، إذ من الذي لا يعلم عادة بوجود جبن

[347]

حرام وبوجود لحم حرام وبوجود شراب نجي؟ وإنما الشك في أن هذا الجبن أو اللحم أو الشراب المعين هل هو من الحرام النجس أو لا؟ وعليه فيكون الحمل على الشبهة الموضوعية متعينا عرفا، لان التأكيد الصرف خلاف الظاهر. هذه هي أهم النصوص التي إستدل بها على البراء‌ة من الكتاب والسنة. وقد لا حظنا أن بعضها تام الدلالة.

وقد يضاف إلى ذلك التمسك بعموم دليل الاستصحاب، وذلك بأحد لحاظين: الاول: أن نلتفت إلى بداية الشريعة فنقول: أن هذا التكليف المشكوك لم يكن قد جعل في تلك الفترة يقينا لان تشريع الاحكام كان تدريجيا فيستصحب عدم جعل ذلك التكليف. الثاني: أن يلتفت المكلف إلى حالة ما قبل تكليفه، كحالة صغره مثلا، فيقول: أن هذا التكليف لم يكن ثابتا علي في تلك الفترة يقينا، ويشك في ثبوته بعد البلوغ فيستصحب عدمه.

وقد إعترض المحقق النائيني قدس سره على إجراء الاستصحاب بأحد هذين اللحاظين، بأن إستصحاب عدم حدوث ما يشك في حدوثه، إنما يجري إذا كان الاثر المطلوب اثباته بالاستصحاب منوطا بعدم الحدوث، فنتوصل إليه تعبدا بالاستصحاب. ومثاله ان نشك في حدوث النجاسة في الماء، والاثر المطلوب تصحيح الوضوء به، وهو منوط بعدم حدوث النجاسة، فنجري إستصحاب عدم حدوث النجاسة ونثبت بالتعبد الاستصحابي إن الوضوء به صحيح، وأما إذا كان الاثر المطلوب إثباته بالاستصحاب، يكفي في تحققه واقعا مجرد عدم العلم بحدوث ذلك الشئ، فيكون ذلك الاثر محققا وجدانا في حالة الشك في الحدوث، ولا نحتاج حينئذ إلى إجراء إستصحاب عدم

[348]

الحدوث، ومثال ذلك: محل الكلام لان الاثر المطلوب هنا هو التأمين ونفي إستحقاق العقاب، وهذا الاثر مترتب على مجرد عدم البيان، وعدم العلم بحدوث التكليف - وفقا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان - فهو حاصل وجدانا واي معنى حينئذ لمحاولة تحصيله تعبدا بالاستصحاب، وهل هو الا نحو من تحصيل الحاصل.

وهذا الاعتراض غير صحيح لعدة إعتبارات.

منها: أننا ننكر قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فالاثر المطلوب لا يكفي فيه، إذن مجرد عدم العلم، كما هو واضح من مسلك حق الطاعة.

ومنها: أنه حتى إذا آمنا بقاعدة قبح العقاب بلا بيان فلا شك في أن قبح العقاب على مخالفة تكليف مشكوك لم يصل إذن الشارع فيه ثابت بدرجة أقل من قبحه على مخالفة تكليف مشكوك قد بين إذن الشارع في مخالفته.

والمطلوب بالاستصحاب تحقيق هذه الدرجة الاعلى من قبح العقاب والمعذرية، وما هو ثابت بمجرد الشك الدرجة الادنى، فليس هناك تحصيل للحاصل.

الاعتراضات على أدلة البراء‌ة

ويوجد هناك إعتراضان رئيسيان على أدلة البراء‌ة المتقدمة.

أحدهما: أن هذه الادلة، إنما تشمل حالة الشك اليدوي ولا تشمل حالة الشك المقترن بعلم إجمالي، كما تقدم في الحلقة السابقة، والفقيه حينما يلحظ الشبهات الحكمية ككل، يوجد لديه علم إجمالي بوجود عدد كبير من التكاليف المنتشرة في تلك الشبهات، فلا يمكنه إجراء أصل البراء‌ة في أي شبهة من تلك الشبهات.

والجواب: أن العلم الاجمالي المذكور وان كان ثابتا ولكنه منحل، لان

[349]

الفقيه من خلال إستنباطه وتتبعه يتواجد لديه علم تفصيلي بعدد محدد من التكاليف لا يقل عن العدد الذي كان يعلمه بالعلم الاجمالي في البداية، ومن هنا يتحول علمه الاجمالي إلى علم تفصيلي بالتكليف في هذه المواقع، وشك بدوي في التكليف في سائر المواقع الاخرى. وقد تقدم في حلقة سابقة إن العلم الاجمالي إذا انحل إلى علم تفصيلي وشك بدوي، بطلت منجزيته، وجرت الاصول المؤمنة خارج نطاق العلم التفصيلي.

والاعتراض الآخر أن أدلة البراء‌ة معارضة بأدلة شرعية، وروايات تدل على وجوب الاحتياط، وهذه الروايات، أما رافعة لموضوع أدلة البراء‌ة، واما مكافئة لها، وذلك ان هذه الروايات بيان لوجوب الاحتياط لا للتكليف الواقعي المشكوك.

فدليل البراء‌ة ان كانت البراء‌ة فيه مجعولة في حق من لم يتم عنده البيان لا على التكليف الواقعي، ولا على وجوب الاحتياط، كانت تلك الروايات رافعة لموضوع البراء‌ة المجعولة فيه باعتبارها بيانا لوجوب الاحتياط، وان كانت البراء‌ة في دليلها مجعولة في حق من لم يتم عنده البيان على التكليف الواقعي، فروايات الاحتياط لا ترفع موضوعها، ولكنها تعارضها، ومع التعارض لا يمكن ايضا الاعتماد على ادلة البراء‌ة.

ومثال النحو الاول من ادلة البراء‌ة: البراء‌ة المستفادة من قوله تعالى: " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا "، فإن الرسول اعتبر كمثال لمطلق البيان وإقامة الحجة، واقامة الحجة كما تحصل بإيصال الحكم الواقعي، كذلك بإيصال وجوب الاحتياط. فروايات وجوب الاحتياط بمثابة بعث الرسول، وبذلك ترفع موضوع البراء‌ة.

[350]

ومثال النحو الثاني من ادلة البراء‌ة المستفادة من حديث الرفع او الحجب، فان مفاده الرفع الظاهري للتكليف الواقعي المشكوك، ومعنى الرفع الظاهري عدم وجوب الاحتياط، فالبراء‌ة المستفادة من هذا الحديث وامثاله تستبطن بنفسها نفي وجوب الاحتياط وليست منوطة بعدم ثبوته.

ونستعرض فيما يلي جملة من الروايات التي تدعي دلالتها على وجوب الاحتياط، وسنرى انها لا تنهض لاثبات ذلك: فمنها: المرسل عن الصادق (ع) قال: " من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه "، ونلاحظ ان الرواية غاية ما تدل عليه الترغيب في الاتقاء، وليس فيها ما يدل على الالزام.

ومنها: ما روي عن امير المؤمنين (ع) من انه قال لكميل: يا كميل اخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت.

ونلاحظ ان الرواية وان اشتملت على امر بالاحتياط ولكنه قيد بالمشيئة، وهذا يصرفه عن الظهور في الوجوب، ويجعله في افادة ان الدين امر مهم، فأي مرتبة من الاحتياط تلتزم بها تجاهه فهو حسن.

ومنها: ما عن ابي عبدالله (ع): اورع الناس من وقف عند الشبهة.

ونلاحظ ان هذا البيان لا يكفي لاثبات الوجوب إذ لم يدل دليل على وجوب الاورعية.

ومنها: خبر حمزة بن طيار انه عرض على ابي عبدالله (ع) بعض خطب ابيه حتى إذا بلغ موضعا منها قال له: كف واسكت.

ثم قال: لا يسعكم فيما ينزل بكم مما لا تعلمون الا الكف عنه والتثبت والرد إلى أئمة الهدى حتى يحملوكم فيه على الحق، ويجلوا عنكم فيه العمى، ويعرفوكم فيه الحق.

[351]

قال الله تعالى: * (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعملون) *(1).

ونلاحظ ان هذه الرواية تأمر بالكلف والتريث من اجل مراجعة الامام، واخذ الحكم منه لا بالكف والاجتناب بعد المراجعة وعدم التمكن من تعيين الحكم، وما نريده هو اجراء البراء‌ة بعد المراجعة، والفحص لما سيأتي من ان البراء‌ة مشروطة بالفحص، وبذل الجهد في التوصل إلى الحكم الواقعي.

ومنها: رواية ابي سعيد الزهري عن ابي جعفر (ع) قال: الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة.

وتقريب الاستدلال انها تدل على وجود هلكة في اقتحام الشبهة، وهذا يعني تنجز التكليف الواقعي المشكوك وعدم كونه مؤمنا عنه، وهو معنى وجوب الاحتياط.

ويرد على ذلك ان هذا يتوقف على حمل الشبهة على الاشتباه بمعنى الشك، مع ان الاصل في مدلول الشبهة لغة المثل والمحاكي، وانما يطلق على الشك عنوان الشبهة، لان المماثلة والمشابهة تؤدي إلى التحير والشك، وعليه فلا موجب لحمل الشبهة على الشك، بل بالامكان حملها على ما يشبه الحق شبها صوريا، وهو باطل في حقيقته كما هو الحال في كثير من الدعوات الباطلة التي تبدو بالتدليس، وكأنها واجدة لسمات الحق، وقد فسرت الشبهة بذلك في جملة من الروايات، كما في كلام للامام لابنه الحسن حيث روي عنه انه قال: (وانما سميت الشبهة شبهة لانها تشبه الحق، فاما اولياء الله فضياؤهم فيها اليقين ودليهم سمت الهدى، واما اعداء الله فدعاؤهم فيها الضلال ودليلهم العمى).

___________________________________

(1) سورة النحل 43. (*)

[352]

وعلى هذا الاساس يكون مفاد الرواية التحذير من الانخراط في الدعوات والاتجاهات التي تحمل بعض شعارات الحق لمجرد حسن الظن بوضعها الظاهري بدون تمحيص وتدقيق في واقعها، ولا ربط لها حينئذ بتعيين الوظيفة العملية في موارد الشك في التكليف.

واما مشهور المعلقين على الرواية، فقد افترضوا ان الشبهة بمعنى الشك تأثرا بشيوع هذا الاطلاق في عرفهم الاصولي، وحاولوا المناقشة في الاستدلال بوجه آخر مبني على مسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان، إذ على هذا المسلك تكون الشبهة البدوية مؤمنا عنها بالقاعدة المذكورة ما لم يجعل الشارع منجزا للتكليف المشكوك بإيجاب الاحتياط ونحو ذلك، وهذا معناه ان التنجز واستحقاق العقاب من تبعات وجوب الاحتياط وليس سابقا عليه، ونحن إذا لاحظنا الرواية المذكورة نجد انها تفترض مسبقا، ان الاقدام مظنة للهلكة وتنصح بالوقوف حذرا من الهلكة، ومقتضي ذلك انها تتحدث عن تكاليف قد تنجزت وخرجت عن موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان في المرتبة السابقة، وليست بصدد إيجاب الاحتياط وتنجيز الواقع المشكوك بنفسها، ونتيجة ذلك ان الرواية لا تدل على وجوب الاحتياط، وانها تختص بالحالات التي يكون التكليف المشكوك فيها منجزا بمنجز سابق، كالعلم الاجمالي ونحوه.

ومنها: رواية جميل عن ابي عبدالله (ع) عن آبائه قال: قال رسول الله (ص): الامور ثلاثة، أمر بين لك رشده فاتبعه، وأمر بين لك غيه فاجتنبه، وأمر اختلف فيه فرده إلى الله. وكأنه يراد ان يدعى ان الشبهات الحكمية من القسم الثالث، وقد أمرنا فيه بالرد إلى الله وعدم الترسل في التصرف، وهو معنى الاحتياط.

[353]

ويرد عليه اولا: ان الرد إلى الله ليس بمعنى الاحتياط بل لعلة بمعنى الرجوع إلى الكتاب والسنة في استنباط الحكم في مقابل ما يكون بينا متفقا على رشده او غيه، فكأنه قيل: إن ما كان متفقا على غيه ورشده وبينا في نفسه عومل على أساس ذلك، وما كان مختلفا فيه فلا بد من الرجوع فيه إلى الكتاب والسنة، ولا يجوز التخرص فيه والرجم بالغيب، وبهذا يكون مفاد الرواية أجنبيا عما هو المقصود في المقام.

وثانيا: لو سلم ان المراد بالامر بالرد إلى الله الامر بالاحتياط، فنحن ننكر ان تكون الشبهة الحكمية بعد قيام الدليل الشرعي على البراء‌ة من القسم الثالث، بل الاقدام فيها بين الرشد لقيام الدليل القطعي على إذن الشارع في ذلك.

وعلى العموم فالظاهر عدم تمامية سائر الروايات التي يستدل بها على وجوب الاحتياط، وعليه فدليل البراء‌ة سليم عن المعارض. ولو سلمنا المعارضة كان الرجحان في جانب البراء‌ة لا وجوب الاحتياط، وذلك لوجوه: منها: ان دليل البراء‌ة قرآني، ودليل وجوب الاحتياط من اخبار الآحاد، وكلما تعارض هذان القسمان قدم الدليل القرآني القطعي، ولم يكن خبر الواحد حجة في مقابله.

ومنها: ان دليل البراء‌ة لا يشمل حالات العلم الاجمالي كما سيأتي، ودليل وجوب الاحتياط شامل لذلك، فيكون دليل البراء‌ة اخص فيخصصه.

ومنها: ان دليل وجوب الاحتياط أخص من دليل الاستصحاب القاضي باستصحاب عدم التكليف، فان افترضنا ان دليل الاحتياط ودليل البراء‌ة

[354]

متكافئان وتساقطا رجعنا إلى دليل الاستصحاب، إذ كلما وجد عام (كدليل الاستصحاب) ومخصص (كدليل الاحتياط) ومعارض للمخصص (كدليل البراء‌ة) سقط المخصص مع معارضه ورجعنا إلى العام.

تمديد مفاد البراء‌ة

بعد ان ثبت ان الوظيفة العملية الثانوية هي أصالة البراء‌ة نتكلم عن تحديد مفاد هذا الاصل وحدوده، وذلك في عدة نقاط.

البراء‌ة مشروطة بالفحص

النقطة الاولى: في ان هذا الاصل مشروط بالفحص واليأس عن الظفر بدليل فلا يجوز اجراء البراء‌ة لمجرد الشك في التكليف، وبدون فحص في مظان وجوده من الادلة. وقد يتراء‌ي في بادئ الامر ان في أدلة البراء‌ة الشرعية اطلاقا حتى لحالة ما قبل الفحص، كما في رفع ما لا يعلمون فان عدم العلم صادق قبل الفحص ايضا، ولكن هذا الاطلاق يجب رفع اليد عنه وذلك للامور التالية: اولا: ان بعض أدلة البراء‌ة لا تثبت المسؤولية، والادانة في حالة وجود بيان على التكليف في معرض الوصول على نحو لو فحص عنه المكلف لوصل اليه، فمثلا: الآية الثانية اذا تمتت دلالتها على البراء‌ة، فهي تدل في نفس الوقت على ان البراء‌ة مغياة ببعث الرسول، وبعد حمل الرسول على المثال يثبت ان الغاية هي توفير البيان على نحو يتاح للمكلف الوصول اليه، كما هو شأن الناس مع الرسول، وعليه فيثبت بمفهوم الغاية انه متى توفر البيان على هذا النحو فاستحقاق العذاب ثابت، ومن الواضح ان الشاك قبل الفحص يحتمل

[356]

تحقق الغاية وتوفر البيان فلا بد من الفحص، وكذلك ايضا الآية الرابعة فان البيان لهم جعل غاية البراء‌ة وهو يصدق مع توفير بيان في معرض الوصول.

وثانيا: ان للمكلف علما اجماليا بوجود تكاليف في الشبهات الحكمية كما تقدم، وهذا العلم انما ينحل بالفحص لكي يحرز عدد من التكاليف بصورة تفصيلية، وما لم ينحل لا تجري البراء‌ة فلا بد من الفحص إذن.

وثالثا: ان الاخبار الدالة على وجوب التعلم - وان المكلف يوم القيامة يقال له: لماذا لم تعمل؟ فاذا قال: لم أعلم. يقال له: لماذا لم تتعلم؟ - تعتبر مقيدة لاطلاق دليل البراء‌ة ومثبتة أن الشك بدون فحص وتعلم ليس عذرا شرعا.

التمييز بين الشك في التكليف والشك في المكلف به

النقطة الثانية: في ان الضابط لجريان اصل البراء‌ة هو الشك في التكليف لا الشك في المكلف به.

وتوضيح ذلك: ان المكلف تارة يشك في ثبوت الحكم الشرعي، كما اذا شك في حرمة شرب التتن او في وجوب صلاة الخسوف، واخرى يعلم بالحكم الشرعي ويشك في امتثاله، كما اذا علم بان صلاة الظهر واجبة وشك في انها هل أتى بها أو لا؟ فالشك الاول هو مجرى البراء‌ة العقلية والبراء‌ة الشرعية عند المشهور، وهو مجرى البراء‌ة الشرعية عندنا.

والشك الثاني لا تجري فيه البراء‌ة العقلية ولا الشرعية لان التكليف فيه معلوم، وانما الشك في امتثاله والخروج عن عهدته فيجري هنا اصل يسمى بأصالة الاشتغال ومفاده، كون التكليف في العهدة حتى يحصل الجزم بامتثاله، وعلى الفقيه ان يميز بدقة كل حالة من حالات الشك التي يفترضها، وهل انها

[357]

من الشك في التكليف لتجري البراء‌ة او من الشك في المكلف به لتجري اصالة الاشتغال؟ والتمييز في الشبهات الحكمية واضح عادة، لان الشك في الشبهة الحكمية انما يكون عادة في التكليف، واما الشبهات الموضوعية، ففيها من كلا القسمين، ولهذا لابد من تمييز الشبهة الموضوعية بدقة وتحديد دخولها في هذا القسم او ذاك.

وقد يقال في بادئ الامر ان الشبهة الموضوعية ليس الشك فيها شكا في التكليف، بل التكليف في الشبهات الموضوعية معلوم دائما فلا تجري البراء‌ة.

والجواب: ان التكليف بمعنى الجعل معلوم في حالات الشبهة الموضوعية، واما التكليف بمعنى المجعول فهو مشكوك في كثير من هذه الحالات، ومتى كان مشكوكا جرت البراء‌ة.

وتوضيح ذلك ان الحكم اذا جعل مقيدا بقيد كان وجود التكليف المجعول وفعليته تابعا لوجود القيد خارجا وفعليته، وحينئذ فالشك يتصور على انحاء: النحو الاول: ان يشك في اصل وجود القيد، وهذا يعني الشك في فعلية التكليف المجعول فتجري البراء‌ة.

ومثاله: ان يكون وجوب الصلاة مقيدا بالخسوف، فاذا شك في الخسوف شك في فعلية الوجوب فتجري البراء‌ة.

النحو الثاني: ان يعلم بوجود القيد في ضمن فرد ويشك في وجوده ضمن فرد آخر.

ومثاله: ان يكون وجوب اكرام الانسان مقيدا بالعدالة ويعلم بان هذا عادل ويشك في ان ذلك عادل.

ومثال آخر: أن يكون وجوب الغسل مقيدا بالماء، بمعنى انه يجب الغسل بالماء ويعلم بان هذا ماء ويشك في ان ذاك ماء.

[358]

وهناك فرق بين المثالين وهو ان المشكوك في المثال الاول لو كان فردا ثانيا حقا لحدث وجوب آخر للاكرام، لان وجوب الاكرام بالنسبة إلى افراد العالم شمولي وانحلالي بمعنى ان كل فرد له وجوب اكرام، واما المشكوك في المثال الثاني فهو لو كان فردا ثانيا حقا للماء لما حدث وجوب آخر للغسل، لان وجوب الغسل بالنسبة إلى افراد الماء بدلي فلا يجب الغسل بكل فرد من الماء، بل بصرف الوجود، فكون المشكوك فردا من الماء لا يعني تعددا في الواجب، بل يعني انك لو غسلت به لكفاك ولا عتبرت ممتثلا، وعلى هذا تجري البراء‌ة في المثال الاول، لان الشك شك في الوجوب الزائد، فلا يجب ان تكرم من تشك في علمه وتجري اصالة الاشتغال في المثال الثاني، لان الشك شك في الامتثال فلا يجوز أن تكتفي بالغسل بالمائع الذي تشك في انه ماء.

النحو الثالث: ان لا يكون هناك شك في القيد اطلاقا، وانما الشك في وجود متعلق الامر، وهذا واضح في انه شك في الامتثال مع العلم بالتكليف فتجري اصالة الاشتغال.

وهنا مورد الكلمة المعروفة القائلة: إن الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني.

النحو الرابع: ان يشك في وجود مسقط شرعي للتكليف، ذلك ان التكليف، كما يسقط عقلا بالامتثال او العصيان، كذلك قد يسقط بمسقط شرعي من قبيل الاضحية المسقطة شرعا للامر بالعقيقة، وعليه فقد يشك في وقوع المسقط الشرعي، اما على نحو الشبهة الحكمية بان يكون قد ضحى ويشك في ان الشارع هل جعلها مسقطة. او على نحو الشبهة الموضوعية بان يكون عالما بان الشارع جعل الاضحية مسقطة، ولكنه يشك في انه ضحى.

[359]

والمسقط الشرعي لا يكون مسقطا الا اذا اخذ عدمه قيدا في الطلب او الوجوب، وحينئذ فان فرض انه احتمل اخذ عدمه قيدا وشرطا في الوجوب على نحو لا يحدث وجوب مع وجود المسقط، فالشك في المسقط بهذا المعنى يكون شكا في اصل التكليف، ويدخل في النحو الاول المتقدم، وان فرض ان مسقطيته كانت بمعنى اخذ عدمه قيدا في بقاء الوجوب، فهو مسقط بمعنى كونه رفعا للوجوب لا انه مانع عن حدوثه، فالوجوب معلوم ويشك في سقوطه، والمعروف في مثل ذلك ان الشك في السقوط هنا، كالشك في السقوط الناشئ من احتمال الامتثال يكون مجرى لاصالة الاشتغال لا للبراء‌ة، ولكن الاصح انه في نفسه مجرى للبراء‌ة، لان مرجعه إلى الشك في الوجوب بقاء، ولكن استصحاب بقاء الوجوب مقدم على البراء‌ة.

البراء‌ة عن الاستحباب

النقطة الثالثة: في ان البراء‌ة هل تجري عند الشك في التكاليف الالزامية فقط او تشمل موارد الشك في الاستحباب والكراهية أيضا؟. ولعل المشهور انها لا تجري في موارد الشك في حكم غير الزامي لقصور ادلتها، اما ما كان مفاده السعة ونفي الضيق والتأمين من ناحية العقاب فواضح، لان الحكم الاستحبابي المشكوك مثلا، لا ضيق ولا عقاب من ناحيته جزما، فلا معنى للتأمين عنه بهذا اللسان.

واما ما كان بلسان (رفع ما يعلمون) فهو وان لم يفترض كون المرفوع مما فيه مظنة للعقاب، ولكن لا محصل لاجرائه في الاستحباب المشكوك، لانه ان اريد بذلك إثبات الترخيص في الترك فهو متيقن في نفسه، وان اريد عدم رجحان الاحتياط فهو معلوم البطلان لوضوح ان الاحتياط راجح على أي حال.

قاعدة منجزية العلم الاجمالي

كل ما تقدم كان في تحديد الوظيفة العملية في حالات الشك البدوي المجرد عن العلم الاجمالي.

وقد نفترض الشك في إطار علم اجمالي، والعلم الاجمالي، كما عرفنا سابقا، علم بالجامع مع شكوك بعدد اطراف العلم، وكل شك يمثل احتمالا من احتمالات انطباق الجامع ومورد كل واحد من هذه الاحتمالات يسمى بطرف من اطراف العلم الاجمالي والواقع المجمل المردد بينها هو المعلوم بالاجمال.

والكلام في تحديد الوظيفة العملية تجاه الشك المقرون بالعلم الاجمالي تارة يقع بلحاظ حكم العقل وبقطع النظر عن الاصول الشرعية المؤمنة كأصالة البراء‌ة، واخرى يقع بلحاظ تلك الاصول، فهنا مقامان:

 منجزية العلم الاجمالي عقلا

 اما المقام الاول فلا شك في ان العلم بالجامع الذي يتضمنه العلم الاجمالي حجة ومنجز.

ولكن السؤال انه ماهو المنجز بهذا العلم؟ فاذا علم بوجوب الظهر او الجمعة، وكان الواجب في الواقع الظهر، فلا شك في ان الوجوب ينتجز بالعم الاجمالي، وانما البحث في ان الوجوب بأي مقدار تنجز بالعلم، فهل يتنجز وجوب صلاة الظهر خاصة بوصفه المصداق

[361]

المحقق واقعا للجامع المعلوم؟ أو كلا الوجوبين المعلوم تحقق الجامع بينهما؟ او الوجوب بمقدار اضافته إلى الجامع بين الظهر والجمعة لا إلى الظهر بالخصوص ولا إلى الجمعة كذلك؟ فعلى الاول يدخل في العهدة - بسبب العلم - صلاة الظهر خاصة باعتبارها الواجب الواقعي الذي تنجز بالعلم الاجمالي، ولكن حيث ان المكلف لا يميز الواجب الواقعي عن غيره لزمه الاتيان بالطرفين ليضمن الاتيان بما تنجز واشتغلت به عهدته، ويسمى الاتيان بكلا الطرفين موافقة قطعية للتكليف المعلوم بالاجمال.

وعلى الثاني يدخل في العهدة - بسبب العلم - كلتا الصلاتين معا فتكون الموافقة القطعية واجبة عقلا بسبب العلم المذكور مباشرة. وعلى الثالث يدخل في العهدة - بسبب العلم - الجامع بين الصلاتين، لان الوجوب لم يتنجز بالعلم الا بقدر اضافته إلى الجامع، فلا يسعه ترك الجامع بترك كلا الطرفين معا، ويسمى تركهما معا بالمخالفة القطعية للتكليف المعلوم بالاجمال فيكفيه ان يأتي بأحدهما، لان ذلك يفي بالجامع ويسمى الاتيان باحد الطرفين دون الآخر موافقة احتمالية.

وقد يقال بالافتراض الاول باعتبار أن المصداق الواقعي هو المطابق الخارجي للصورة العلمية، وحيث ان العلم ينجز بما هو مرآة لمخارج ولا خارج بازائه الا ذلك المصداق فيكون هو المنجز بالعلم.

وقد يقال بالافتراض الثاني باعتبار ان العلم بالجامع بنسبته بما هو إلى كل من الطرفين على نحو واحد، ومجرد كون احد الطرفين محققا دون الآخر لا يجعل الجامع بما هو معلوم منطبقا عليه دون الآخر.

وقد يقال بالافتراض الثالث باعتبار ان العلم حيث إنه لا يسري من الجامع إلى اي من الطرفين بخصوصه، فالتنجز المعلوم له يقف على الجامع ايضا ولا يسري منه، وهذا هو الصحيح.

[362]

وعليه فان بني على مسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان فاللازم رفع اليد عن هذه القاعدة بقدر ماتنجز بالعلم وهو الجامع، فكل من الطرفين لا يكون منجزا بخصوصيته بل بجامعه، وينتج حينئذ ان العلم الاجمالي يستتبع عقلا حرمة المخالفة القطعية دون وجوب الموافقة القطعية. وان بني على مسلك حق الطاعة، فالجامع منجز بالعلم، وكل من الخصوصيتين للطرفين منحجزة بالاحتمال، وبذلك تحرم المخالفة القطعية، وتجب الموافقة القطعية عقلا، غير ان حرمة المخالفة القطعية عقلا تمثل منجزية العلم ووجوب الموافقة القطعية يمثل منجزية مجموع الاحتمالين. وعلى هذا فالمسلكان مشتركان في التسليم بتنجز الجامع بالعلم، ويمتاز المسلك الثاني بتنجز الطرفين بالاحتمال. هذا كله في المقام الاول.

جريان الاصول في اطراف العلم الاجمالي

واما المقام الثاني وهو الكلام عن جريان الاصول الشرعية المؤمنة في اطراف العلم الاجمالي، فهو تارة بلحاظ عالم الامكان، واخرى بلحاظ عالم الوقوع. اما بلحاظ عالم الامكان فقد ذهب المشهور إلى استحالة جريان البراء‌ة وامثالها في كل اطراف العلم الاجمالي لامرين: الاول: انها ترخيص في المخالفة القطعية، والمخالفة القطعية معصية محرفة وقبيحة عقلا، فلا يعقل ورود الترخيص فيها من قبل الشارع.

[363]

وهذا الكلام ليس بشي ء، لانه يرتبط بتشخيص نوعية حكم العقل بحرمة المخالفة القطعية للتكليف المعلوم بالاجمال، فان كان حكما معلقا على عدم ورود الترخيص الظاهري من المولى على الخلاف، فلا يكون الترخيص المولولي مصادما له بل رافعا لموضوعه، فمرد الاستحالة إلى دعوى ان حكم العقل ليس معلقا، بل هو منجز ومطلق، وهي دعوى غير مبرهنة ولا واضحة.

الثاني: ان الترخيص في المخالفة القطعية ينافي الوجوب الواقعي المعلوم بالاجمال، فبدلا عن الاستدلال بالمنافاة بين الترخيص المذكور وحكم العقل كما في الوجه السابق، يستدل بالمنافاة بينه وبين الوجوب الواقعي المعلوم لما تقدم من ان الاحكام التكليفية متنافية ومتضادة، فلا يمكن ان يوجب المولى شيئا، ويرخص في تركه في وقت واحد.

وهذا الكلام إذا كان الترخيص المذكور واقعيا، اي لم يؤخذ في موضوعه الشك، كما لو قيل بأنك مرخص في ترك الواجب الواقعي المعلوم إجمالا، ولا يتم إذا كان الترخيص المذكور متثملا في ترخيصين ظاهريين كل منهما مجعول على طرف ومترتب على الشك في ذلك الطرف، وذلك لما تقدم من ان التنافي انما هو بين الاحكام الواقعية لا بين الحكم الواقعي والظاهري، فالوجوب الواقعي ينافيه الترخيص الواقعي في مورده، لا الترخيص الظاهري، وعليه فلا محذور ثبوتا في جعل البراء‌ة في كل من الطرفين بوصفها حكما ظاهريا.

واما بلحاظ عالم الوقوع فقد يقال: ان إطلاق دليل البراء‌ة شامل لكل من طرفي العلم الاجمالي لانه مشكوك، ومما لا يعلم، فلو كنا قد بنينا على استحالة الترخيص في المخالفة القطعية فيما تقدم لكانت هذه الاستحالة قريند عقلية على رفع اليد عن اطلاق دليل البراء‌ة بالنسبة إلى احد الطرفين على الاقل، لئلا يلزم الترخيص في المخالفة القطعية، وحيث لا معين للطرف الخارج عن دليل الاصل، فاطلاق دليل الاصل لكل طرف يعارض اطلاقه للطرف الآخر.

[364]

ويسقط الاطلاقان معا، فلا تجري البراء‌ة الشرعية هنا، ولا هناك للتعارض بين الاصلين، ويجري كل فقيه حينئذ وفقا للمبنى الذي اختاره في المقام الاول لتشخيص حكم العقل بالمنجزية، فعلى مسلك حق الطاعة القائل بمنجزية العلم والاحتمال معا تجب الموافقة القطعية، لان الاحتمال في كل من الطرفين منجز عقلا مالم يردن إذن في مخالفته، والمفروض عدم ثبوت الاذن، وعلى مسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان القائل بمنجزية العلم دون الاحتمال، فيقتصر على مقدار ما تقتضيه منجزية العلم بالجامع على الافتراضات الثلاثة المتقدمة فيها.

واما إذا لم نبن على استحالة الترخيص في المخالفة القطعية عن طريق اجراء أصلين مؤمنين في الطرفين، فقد يقال حينئذ: انه لا يبقى مانع من التمسك باطلاق دليل البراء‌ة لاثبات جريانها في كل من الطرفين، ونتيجة ذلك جواز المخالفة القطعية. ولكن الصحيح مع هذا عدم جواز التمسك بالاطلاق المذكور وذلك.

أولا: لان الترخيص في المخالفة القطعية وان لم يكن منافيا عقلا للتكليف الواقعي المعلوم بالاجمال، إذا كان ترخيصا منتزعا عن حكمين ظاهريين في الطرفين، ولكنه مناف له عقلائيا وعرفا، ويكفي ذلك في تعذر الاخذ بإطلاق دليل البراء‌ة.

وثانيا: ان الجامع قد تم عليه البيان بالعلم الاجمالي، فيدخل في مفهوم الغاية لقوله تعالى * (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) *(1).

___________________________________

(1) سورة الاسراء - 15. (*)

[365]

ومقتضى مفهوم الغاية انه مع بعث الرسول واقامة الحجة يستحق العقاب، وهذا ينافي اطلاق دليل الاصل المقتضي للترخيص في المخالفة القطعية. وبذلك نصل إلى نفس النتائج المشار اليها سابقا على تقدير استحالة الترخيص في المخالفة القطعية، فلا تجري البراء‌ة في كلا الطرفين، لان ذلك ينافي التكليف المعلوم بالاجمال ولو عقلائيا، ولا تجري في احدهما دون الاخر، إذ لا مبرر لترجيح احدهما على الآخر، مع ان نسبتهما إلى دليل الاصل واحدة.

وقد اتضح من مجموع ما تقدم، ان النتيجة النهائية بناء على مسلك حق الطاعة، حرمة المخالفة القطعية ووجوب الموافقة القطعية معا، وبناء على مسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان حرمة المخالفة القطعية وعدم وجوب الموافقة القطعية. وبما ذكرناه على المسلك المختار يعرف ان القاعدة العملية الثانوية، وهي البراء‌ة الشرعية تسقط في موارد العلم الاجمالي، وتوجد قاعدة عملية ثالثة تطابق مفاد القاعدة العملية الاولى، ونسمي هذه القاعدة الثالثة باصالة الاشتغال في موارد العلم الاجمالي، او بقاعدة منجزية العلم الاجمالي.

تحديد أركان هذه القاعدة

نستطيع ان نستخلص مما تقدم ان قاعدة منجزية العلم الاجمالي لها عدة اركان: الاول: وجود العلم بالجامع، اذ لولا العلم بالجامع لكانت الشبهة في كل طرف بدوية وتجري فيها البراء‌ة الشرعية.

الثاني: وقوف العلم على الجامع، وعدم سرايته إلى الفرد، إذ لو كان الجامع معلوما في ضمن فرد معين، لكان علما تفصيليا لا إجماليا، ولما كان منجزا إلا بالنسبة إلى ذلك الفرد بالخصوص.

[366]

الثالث: ان يكون كل من الطرفين مشمولا في نفسه، وبقطع النظر عن التعارض الناشئ من العلم الاجمالى لدليل أصالة البراء‌ة إذ لو كان احدهما مثلا غير مشمول لدليل البراء‌ة لسبب آخر، لجرت البراء‌ة في الطرف الآخر بدون محذور، لان البراء‌ة في طرف واحد لا تعني الترخيص في المخالفة القطعية، وانما لا تجري لانها معارضة بالبراء‌ة في الطرف الآخر، فاذا افترضنا ان الطرف الاخر كان محروما من البراء‌ة لسبب آخر فلا مانع من جريان البراء‌ة في الطرف المقابل له، ومع جريانها لا تجب الموافقة القطعية.

الرابع: ان يكون جريان البراء‌ة في كل من الطرفين مؤديا إلى الترخيص في المخالفة القطعية، وامكان وقوعها خارجا على وجه مأذون فيه، إذ لو كانت المخالفة القطعية ممتنعة على المكلف حتى مع الاذن والترخيص لقصور قي قدرته، فلا محذور في اجراء البراء‌ة في كل من الطرفين، لان ذلك لن يؤدي إلى تمكين المكلف من إيقاع المخالفة القطعية ليكون منافيا للتكليف المعلوم بالاجمال عقلا او عقلائيا.

وكل الحالات التي تسقط فيها قاعدة منجزية العلم الاجمالي، يرجع فيها هذا السقوط إلى اختلال احد هذه الاركان الاربعة. فيختل الركن الاول مثلا فيما إذا انكشف للعالم بالاجمال خطأه، او تشكك في ذلك فيزول علمه بالجامع، وكذلك فيما إذا كان في احد الطرفين ما يوجب سقوط التكليف لو كان موردا له.

ومثاله ان يعلم اجمالا بان احد الحليبين من الحليب المحرم، ولكنه مضطر إلى الحليب البادر منهما اضطرارا يسقط الحرمة لو كان هو الحرام، ففي مثل

[367]

ذلك لا يوجد علم بجامع الحرمة، إذ لو كان الحليب المحرم هو الحليب البارد، فلا حرمة فيه فعلا بسبب الاضطرار، ولا في الاخر، ولو كان هو الحليب الآخر، فالحرمة ثابتة فعلا، وهذا يعني ان الحرمة لا يعلم ثبوتها فعلا في احد الحليبين ومن اجل ذلك يقال ان الاضطرار إلى طرف معين للعلم الاجمالي يوجب سقوطه عن المنجزية.

ومن حالات اختلال الركن الاول ان يأتي المكلف بفعل مترسلا، ثم يعلم اجمالا بان الشارع اوجب احد الامرين، اما ذلك الفعل، واما فعل آخر. فعلى الاول يكون التكليف قد سقط بالاتيان بالمكلف به، وعلى الثاني يكون ثابتا، فالتكليف لا يعلم ثبوته فعلا. ويختل الركن الثاني فيما إذا علم المكلف إجمالا بنجاسة احد المائعين، ثم علم تفصيلا بان احدهما المعين نجس، ففي مثل ذلك لا يبقى العلم واقفا على الجامع، بل يسري إلى الفرد، وهو معنى ما يقال من انحلال العلم الاجمالي بالعلم التفصيلي والشك البدوي. وكما ينحل العلم الاجمالي بالعلم التفصيلي نتيجة لاختلال الركن الثاني، كذلك قد ينحل بعلم اجمالي اصغر منه لاختلال هذا الركن ايضا.

وتوضيح ذلك: انا قد نعلم اجمالا بنجاسة مائعين في ضمن عشرة، فهذا العلم الاجمالي له عشرة اطراف والمعلوم نجاسته فيه اثنان منها، وقد نعلم بعد ذلك اجمالا بنجاسة مائعين في ضمن هذه الخمسة بالذات من تلك العشرة فينحل العلم الاجمالي الاول بالعلم الاجمالي الثاني، ويكون الشك في الخمسة الاخرى شكا بدويا، لان العلم بجامع اثنين في عشرة سرى إلى خصوصية جديدة، وهي كون الاثنين في ضمن الخمسة، فلم يعد التردد في نطاق العشرة، بل في نطاق الخمسة.

[368]

ويسمى العلم الاجمالي المنحل بالعلم الاجمالي الكبير والعلم الاجمالي المسببب لانحلاله بالعلم الاجمالي الصغير، لان اطرافه اقل عددا. ويعبر عن ذلك بقاعدة انحلال العلم الاجمالي الكبير بالعلم الاجمالي الصغير.

ويتوقف انحلال علم اجمالي بعلم اجمالي ثان: اولا: على ان تكون اطراف الثاني بعض اطراف العلم الاول المنحل، كما رأينا في المثال. وثانيا: على ان لا يزيد عدد المعلوم بالاجمال في العلم الاول المنحل على المعلوم اجمالا بالعلم الثاني، فلو زاد لم ينحل، كما لو افترضنا في المثال ان العلم الثاني تعلق بنجاسة مائع في ضمن الخمسة، فان العلم الاجمالي بنجاسة المائع الثاني في ضمن العشرة يظل ثابتا.

ويختل الركن الثالث فيما اذا كان احد الطرفين مجرى لاستصحاب منجز للتكليف لا للبراء‌ة، ومثاله ان يعلم اجمالا بنجاسة احد الاناء‌ين، غير ان احدها كان نجسا في السابق ويشك في بقاء نجاسته، ففي هذه الحالة يكون الاناء المسبوق بالنجاسة مجرى في نفسه لاستصحاب النجاسة لا لاصالة البراء‌ة او اصالة الطهارة، فتجري الاصول المؤمنة في الاناء الاخر بدون معارض، وتبطل بذلك منجزية العلم الاجمالي، ويسمى ذلك بالانحلال الحكمي تمييزا له عن الانحلال الحقيقي الذي تقدم في حالة اختلال الركن الثاني.

وانما يسمى بالانحلال الحكمي لان العلم الاجمالي موجود حقيقة، ولكنه لا حكم له عمليا، لان الاناء المسبوق بالنجاسة حكمه منجز بالاستصحاب، والاناء الآخر لا منجزية لحكمه لجريان الاصل المؤمن فيه، فكأن العلم الاجمالي غير موجود، وهذا هو محصل ما يقال: من ان العلم الاجمالي اذا كان احد طرفيه مجرى لاصل مثبت للتكليف، وكان الطرف الآخر مجرى لاصل مؤمن انحل العلم الاجمالي.

[369]

ومثال آخر لاختلال هذه الركن، وهو ان يكون احد طرفي العلم الاجمالي خارجا عن محل الابتلاء، ومعنى الخروج كذلك ان تكون المخالفة في هذا الطرف مما لا تقع من المكلف عادة لان ظروفه لا تيسر له ذلك، وان كانت لا تعجزه تعجيزا حقيقيا، فالمخالفة غير مقدورة عرفا وان كانت مقدورة عقلا، كما لو علم بنجاسة وحرمة طعام مردد بين اللبن الموجود على مائدته، ولبن موجود في بلد آخر لا يصل اليه عادة في حياته، وان كان الوصول ممكنا من الناحية النظرية والعقلية، ففي هذه الحالة لا يكون هذا اللبن الخارج عن محل الابتلاء مجرى للبراء‌ة في نفسه، إذ لا محصل عرفا للتأمين من ناحية تكليف لا يتعرض المكلف إلى مخالفته عادة، فتجري البراء‌ة عن حرمة اللبن الطاهر بدون معارض. وهذا هو معنى ما يقال عادة من ان تنجيز العلم الاجمالي يشترط فيه دخول كلا طرفيه في محل الابتلاء.

ويختل الركن الرابع في حالات: منها: حالة دوران الامر بين المحذورين: وهي ما إذا علم اجمالا بان هذا الفعل، اما واجب واما حرام، فان هذا العلم الاجمالي لا تمكن مخالفته القطعية، كما لا تمكن موافقته القطعية، فاذا جرت البراء‌ة عن الوجوب وجرت البراء‌ة عن الحرمة معا، لم يلزم محذور الترخيص في المخالفة القطعية، لانها غير معقولة على كل حال.

ومنها: حالة كون الاطراف غير محصورة وتسمى بالشبهة غير المحصورة، وهي ان يكون للعلم الاجمالي اطراف كثيرة جدا، على نحو لا يتيسر للمكلف

[370]

ارتكاب المخالفة فيها جميعا لكثرتها، ففي مثل ذلك تجري البراء‌ة في جميع الاطراف، إذ لا يلزم من ذلك تمكين المكلف من المخالفة القطعية.

والآن بعد ان اتضحت القاعدة العملية الثانوية، وهي البراء‌ة الشرعية، والقاعدة العملية الثالثة، وهي منجزية العلم الاجمالي، نستعرض جملة من الحالات التي وقع البحث في ادراجها ضمن القاعدة الاولى او الثانية.

حالة تردد اجزاء الواجب بين الاقل والاكثر

والحالة الرئيسية من حالات التردد هي ما اذا وجب مركب بوجوب واحد، وكان كل جزء في المركب واجبا بوجوب ضمني، وتردد أمر هذا المركب بين ان يكون مشتملا على تسعة اجزاء أو عشرة، فهل تدخل هذه الحالة في حالات العلم الاجمالي او حالات الشك البدوي؟ ويجب ان نعرف قبل كل شئ ان العلم الاجمالي لا يمكن ان يوجد إلا إذا افترض جامع بين فردين متباينين وكان ذلك الجامع معلوما ومرددا في انطباقه بين الفردين، واما إذا كان الجامع معلوما في ضمن احد الفردين ويحتمل وجوده في ضمن فرد آخر ايضا، فليس هذا من العلم الاجمالي، بل هو علم تفصيلي بالفرد الاول مع الشك البدوي في الفرد الثاني.

وهذا معناه ان طرفي العلم الاجمالي يجب ان يكونا متباينين، ويستحيل ان يكونا متداخلين تداخل الاقل والاكثر.

وعلى هذا الاساس يبدو ان الحالة المطروحة للبحث ليست من حالات العلم الاجمالي، إذ ليس فيها علم بالجامع بين فردين متباينين، بل علم تفصيلي بوجوب التسعة وشك بدوي في وجوب العاشر.

وقول القائل: انا نعلم بوجوب التسعة او العشرة كلام صوري لان التسعة ليست مباينة للعشرة.

[371]

وقد حاول بعض المحقيق ابراز أن الدوران في الحقيقة بين متباينين لا بين متداخلين لكي يتشكل علم اجمالي، وتطبق القاعدة الثالثة، وحاصل المحاولة ان الوجوب المعلوم في الحالة المذكورة، اما ما تعلق بالتسعة المطلقة، او بالتسعة المقيدة بالجزء العاشر، واطلاق التسعة وتقييدها حالتان متباينتان، وبذلك يتشكل علم إجمالي بوجوب التسعة او العشرة.

فان قيل إن العلم الاجمالي بوجوب التسعة او العشرة منحل إلى العلم التفصيلي باحد طرفيه، والشك البدوي في الطرف الآخر، لان التسعة معلومة الوجوب على اي حال، والجزء العاشر مشكوك الوجوب، واذا انحل العلم الاجمالي سقط عن المنجزية.

قلنا إن طرفي العلم الاجمالي هما: وجوب التسعة المطلقة ووجوب التسعة المقيدة بالعاشر، وكل من هذين الطرفين ليس معلوما بالتفصيل، وانما المعلوم وجوب التسعة على الاجمال، وهذا نفس العلم الاجمالي، فكيف ينحل به؟ فالصحيح ان يتجه البحث إلى انه هل يوجد علم اجمالي او لا بدلا عن البحث في انه هل ينحل بعد افتراض وجوده؟ والتحقيق هو عدم وجود علم اجمالي بالتكليف، وذلك لان وجوب التسعة المطلقة لا يعني وجوب التسعة ووجوب الاطلاق، فان الاطلاق كيفية في لحاظ المولى تنتج عدم وجوب العاشر وليس شيئا يوجبه على المكلف، واما وجوب التسعة في ضمن العشرة، فمعناه وجوب التسعة ووجوب العاشر، وهذا معناه اننا حينما نلحظ ما اوجبه المولى على المكلف، نجد انه ليس مرددا بين متباينين، بل بين الاقل والاكثر، فلا يمكن تصوير العلم الاجمالي بالوجوب، وإنما يمكن تصوير العلم الاجمالي بالنسبة إلى الخصوصيات اللحاظية التي تحدد كيفية لحاظ المولى للطبيعة عند امره بها، لانه إما ان يكون قد

[372]

لاحظها مطلقة او مقيدة، غير ان هذا ليس علما اجماليا بالتكليف ليكون منجزا. وهكذا يتضح انه لا يوجد علم اجمالي منجز وان البراء‌ة تجري عن الامر العاشر المشكوك كونه جزء‌ا للواجب، فيكفيه الاتيان بالاقل. ولا فرق في جريان البراء‌ة عن مشكوك الجزئية بين ان يكون الشك في اصل الجزئية، كما إذا شك في جزئية السورة، او في اطلاقها بعد العلم باصل الجزئية، كما إذا علمنا بان السورة جزء، ولكن شككنا في ان جزئيتها هل تختص بالصحيح او تشمل المريض ايضا، فانه تجري البراء‌ة حينئذ عن وجوب السورة بالنسبة إلى المريض خاصة.

وهناك صورة من الشك في اطلاق الجزئية وقع البحث فيها وهي: ما اذا ثبت ان السورة مثلا، جزء في حال التذكر وشك في اطلاق هذه الجزئية للناسي، فهل تجري البراء‌ة عن السورة بالنسبة إلى الناسي؟ لكي نثبت بذلك جواز الاكتفاء بما صدر منه في حالة النسيان من الصلاة الناقصة التي لا سورة فيها، فقد يقال: ان هذه الصورة هي احدى حالات دوران الواجب بين الاقل والاكثر، فتجري البراء‌ة عن الزائد.

ولكن اعترض على ذلك، بان حالات الدوران المذكورة تفترض وجود امر موجه إلى المكلف على اي حال، ويتردد متعلق. هذا الامر بين التسعة او العشرة مثلا، وفي الصورة المفروضة في المقام نحن نعلم بان غير الناسي مأمور بالعشرة - مثلا - بما في ذلك السورة لاننا نعلم مجزئيتها في حال التذكر، واما الناسي فلا يحتمل ان يكون مأمورا بالتسعة اي بالاقل، لان الامر بالتسعة لو صدر من الشارع، لكان متوجها نحو الناسي، خاصة لان المتذكر مأمور بالعشرة لا بالتسعة، ولا يعقل توجيه الامر إلى الناسي خاصة، لان الناسي لا يلتفت إلى كونه ناسيا لينبعث عن ذلك الامر، وعليه فالصلاة الناقصة التي

[373]

أتى بها ليست مصداقا للواجب يقينا، وانما يحتمل كونها مسقطة للواجب عن ذمته، فيكون من حالات الشك في المسقط، وتجري حينئذ اصالة الاشتغال، وتأتي تتمة الكلام عن ذلك في حلقة مقبلة ان شاء الله تعالى.

حالة احتمال الشرطية

عالجنا فيما سبق حالة احتمال الجزء الزائد، والآن نعالج حالة احتمال الشرط الزائد، كما لو احتمل ان الصلاة مشروطة بالايقاع في المسجد على نحو يكون إيقاعها في المسجد قيدا شرعيا في الواجب، وتحقيق الحال في ذلك ان مرجع القيد الشرعي - كما تقدم - عبارة عن تحصيص المولى للواجب بحصة خاصة على نحو يكون الامر متعلقا بذات الفعل وبالتقيد، فحالة الشك في شرطية شئ مرجعها إلى العلم بوجوب ذات الفعل، والشك في وجوب التقيد. وهذا ايضا دوران بين الاقل والاكثر بالنسبة إلى ما اوجبه المولى على المكلف، وليس دورانا بين المتباينين فلا يتصور العلم الاجمالي المنجز، بل تجري البراء‌ة عن وجوب التقيد. وقد يفصل بين ان يكون ما يحتمل شرطيته محتمل الشرطية في نفس متعلق الامر ابتداء‌ا، او في متعلق المتعلق، اي الموضوع.

ففي خطاب اعتق رقبة المتعلق للامر هو العتق، والموضوع هو الرقبة، فتارة يحتمل كون الدعاء عند العتق قيدا في الواجب، واخرى يحتمل كون الايمان قيدا في الرقبة.

ففي الحالة الاولى تجري البراء‌ة لان قيدية الدعاء للمتعلق معناها تقديه والامر بهذا التقييد، فيكون الشك في هذه القيدية راجعا إلى الشك في وجوب التقييد، فتجري البراء‌ة عنه.

وفي الحالة الثانية لا تجري البراء‌ة، لان قيدية الايمان للرقبة لا تعني الامر بهذا التقييد لوضوح ان جعل الرقبة مؤمنة ليس تحت الامر، وقد لا يكون تحت الاختيار اصلا، فلا يعود الشك في هذه القيدية إلى الشك في وجوب التقييد لتجري البراء‌ة.

[374]

والجواب: ان تقييد الرقبة بالايمان وان لم يكن تحت الامر على تقدير اخذه قيدا، ولكن تقيد العتق بايمان الرقبة المعتوقة تحت الامر على هذا التقدير، فالشك في قيدية الايمان شك في وجوب تقيد العتق بايمان الرقبة، وهو تقيد داخل في اختيار المكلف، ويعقل تعلق الوجوب به، فاذا شك في وجوبه جرت البراء‌ة عنه.

حالات دوران الواجب بين التعيين والتخيير

وقد يدور امر الواجب الواحد بين التعيين والتخيير، سواء كان التخيير المحتمل عقليا او شرعيا.

ومثال الاول: ما اذا علم بوجوب مردد بين ان يكون متعلقا باكرام زيد كيفما اتفق، او باهداء كتاب له.

ومثال الثاني: ما اذا علم بوجوب مردد بين ان يكون متعلقا باحدى الخصال الثلاث العتق او الاطعام او الصيام، او بالعتق خاصة.

وفي هذه الحالات نلاحظ ان العنوان الذي يتعلق به الوجوب مردد بين عنوانين متباينين، وان كان بينهما من حيث الصدق الخارجي عموم وخصوص مطلق، وحيث ان الوجوب يتعلق بالعناوين صح ان يدعى وجود علم إجمالي بوقوع احد العنوانين المتباينين في عالم المفهوم متعلقا للوجوب، ومجرد ان احدهما اوسع صدقا من الآخر، لا يوجب كونهما من الاقل والاكثر ما داما متباينين في عالم العناوين والمفاهيم الذي هو عالم عروض الوجوب وتعلقه، فالعلم الاجمالي بالوجوب إذن موجود، ولكن هذه العلم مع هذا غير منجز

[375]

للاحتياط، ورعاية الوجوب التعييني المحتمل، بل يكفي المكلف ان يأتي بالجامع ولو في ضمن غير ما يحتمل تعينه، وذلك لاختلال الركن الثالث من اركان تنجيز العلم الاجمالي المتقدمة، وهو ان يكون كل من الطرفين مشمولا في نفسه للبراء‌ة بقطع النظر عن التعارض الحاصل بين الاصلين من ناحية العلم الاجمالي، فان هذا الركن لا يصدق في المقام، وذلك لان وجوب الجامع الاوسع صدقا ليس مجرى للبراء‌ة بقطع النظر عن التعارض بين الاصلين لانه ان اريد بالبراء‌ة عنه التوصل إلى ترك الجامع رأسا، فهذا توصل بالاصل المذكور إلى المخالفة القطعية التي تتحقق بترك الجامع رأسا، فاذا كان أصل واحد يؤدي إلى هذا المحذور تعذر جريانه، وان اريد بالبراء‌ة عنه التأمين من ناحية الوجوب التخييري فقط، فهو لغو، لان المكلف في حالة ترك الجامع رأسا يعلم انه غير مأمون من اجل صدور المخالفة القطعية منه، فأي اثر لنفي استناد عدم الامن إلى جهة مخصوصة.

وبهذا يتبرهن ان اصل البراء‌ة عن وجوب الجامع لا يجري بقطع النظر عن التعارض، وفي هذه الحالة تجري البراء‌ة عن الوجوب التعييني بلا معارض.

2 - الاستصحاب

تعريف الاستصحاب

عرف الاستصحاب بانه الحكم ببقاء ما كان، وهو قاعدة من قواعد الاستنباط لدى كثير من المحققين، ووظيفة هذه القاعدة على الاجمال ان كل حالة كانت متيقنة في زمان، ومشكوكة بقاء يمكن إثبات بقائها بهذه القاعدة التي تسمى بالاستصحاب.

وقد اختلف القائلون بالاستصحاب، في ان الاعتماد عليه هل هو على نحو الامارية او على نحو الاصل العملي؟ كما اختلفوا في طريقة الاستدلال عليه، فقد استدل بعضهم عليه بحكم العقل وادراكه ولو ظنا بقاء الحالة السابقة، وبعصهم بالسيرة العقلائية، وبعضهم بالروايات. ومن هنا وقع الكلام في كيفية تعريف الاستصحاب بنحو يكون محورا لكل هذه الاتجاهات وصالحا لدعوى الامارية تارة، ودعوى الاصلية اخرى، وللاستدلال عليه بالادلة المتنوعة المذكورة.

ولذلك اعترض السيد الاستاذ على التعريف المتقدم بانه انما يناسب افتراض الاستصحاب اصلا، واما إذا افترض امارة فلا يصح تعريفه بذلك، بل يجب تعريفه بالحيثية الكاشفة عن البقاء، وليست هي الا اليقين بالحدوث. فينبغي ان يقال حينئذ: ان الاستصحاب هو اليقين بالحدوث، فلا يوجد معنى جامع يلائم كل المسالك يسمى بالاستصحاب.

[377]

ويرد عليه اولا: ان حيثية الكاشفية عن البقاء ليست على فرض وجودها قائمة باليقين بالحدوث، فضلا عن الشك في البقاء، بل بنفس الحدوث، بدعوى غلبة ان ما يحدث يبقى، وليس اليقين الا طريقا إلى تلك الامارة، كاليقين بوثاقة الراوي، فلو أريد تعريف الاستصحاب بنفس الامارة لتعين ان يعرف بالحدوث مباشرة.

وثانيا: انه سواء بني على الامارية، او على الاصلية لا شك في وجود حكم ظاهري مجعول في مورد الاستصحاب وانما الخلاف في انه هل هو بنكتة الكشف أو لا؟ فلا ضرورة - على الامارية - في ان يعرف الاستصحاب بنفس الامارة، بل تعريفه بذلك الحكم الظاهري المجعول يلائم كلا المسلكين ايضا.

وثالثا: ان بالامكان تعريف الاستصحاب بانه مرجعية الحالة السابقة بقاء، ويراد بالحالة السابقة اليقين بالحدوث، وهذه المرجعية امر محفوظ على كل المسالك والاتجاهات، لانها عنوان ينتزع من الامارية والاصلية معا، ويبقى المجال مفتوحا لافتراض اي لسان يجعل به الاستصحاب شرعا من لسان جعل الحالة السابقة منجزة، او لسان جعلها كاشفة، او جعل الحكم ببقاء المتيقن، لان المرجعية تنتزع من كل هذه الالسنة، كما هو واضح.

التمييز بين الاستصحاب وغيره

هناك قواعد مزعومة تشابه الاستصحاب، ولكنها تختلف عنه في حقيقتها.

منها: قاعدة اليقين، وهي تشترك مع الاستصحاب في افتراض اليقين والشك، غير ان الشك في موارد القاعدة يتعلق بنفس ما تعلق به اليقين، وبلحاظ نفس الفترة الزمنية، واما في موارد الاستصحاب، فالشك يتعلق ببقاء المتيقن، لا بنفس المرحلة الزمنية التي تعلق بها اليقين، واذا اردنا مزيدا

[378]

من التدقيق، امكننا ان نلاحظ ان الاستصحاب لا يتقوم دائما بالشك في البقاء، فقد يجري بدون ذلك.

كما اذا وقعت حادثة، وكان حدوثها مرددا بين الساعة الاولى والساعة الثانية، ويشك في ارتفاعها، فاننا بالاستصحاب نثبت وجودها في الساعة الثانية مع ان وجودها المشكوك في الساعد الثانية ليس بقاء على اي حال، بل هو مردد بين الحدوث والبقاء، ومع هذا يثبت بالاستصحاب.

ولهذا كان الاولى ان يقال: إن الاستصحاب مبني على الفراغ عن ثبوت الحالة المراد اثباتها، وقاعدة اليقين ليست كذلك. ومن نتائج الفرق المذكور بين الاستصحاب وقاعدة اليقين، ان الشك في موارد قاعدة اليقين ناقض تكوينا لليقين السابق، ولهذا يستحيل ان يجتمع معه في زمان واحد، واما الشك في موارد الاستصحاب فهو ليس ناقضا حقيقة.

ومنها: قاعدة المقتضى والمانع، وهي قاعدة التي يبنى فيها عند احراز المقتضى والشك في وجود المانع على انتفاء المانع وثبوت المقتضى - بالفتح - وهذه القاعدة تشترك مع الاستصحاب في وجود اليقين والشك، ولكنهما فيها متعلقان بأمرين متغايرين ذاتا، وهما المقتضى والمانع خلافا لوضعهما في الاستصحاب حيث ان متعلقهما واحد ذاتا فيه. وكما تختلف هذه القواعد في اركانها المقومة لها، كذلك في حيثيات الكشف النوعي المزعومة فيها، فان حيثية الكشف في الاستصحاب تقوم على اساس غلبة ان الحادث يبقى، وحيثية الكشف في قاعدة اليقين تقوم على أساس غلبة ان اليقين لا يخطئ، وحيثية الكشف في قاعدة المقتضى والمانع، تقوم على اساس غلبة ان المقتضيات نافذة ومؤثرة في معلولاتها.

[379]

والبحث في الاستصحاب يقع في عدة مقامات.

الاول: في أدلته.

والثاني: في أركانه التي يتقوم بها.

والثالث: في مقدار ما يثبت بالاستصحاب.

والرابع: في عموم جريانه.

والخامس: في بعض تطبيقاته.

وسنتكلم في هذه المقامات تباعا ان شاء الله تعالى.

1 - ادلة الاستصحاب

وقد استدل على الاستصحاب تارة بانه مفيد للظن بالبقاء، واخرى بجريان السيرة العقلائية عليه، وثالثة بالروايات.

اما الاول: فهو ممنوع صغرى وكبرى، اما صغرويا فلان افادة الحالة السابقة بمجردها للظن بالبقاء، ممنوعة. وانما قد يفيد لخصوصية في الحالة السابقة من حيث كونها مقتضية للبقاء والاستمرار. وقد يستشهد لافادة الحالة السابقة للظن بنحو كلي بجريان السيرة العقلائية على العمل بالاستصحاب، والعقلاء لا يعملون الا بالطرق الظنية والكاشفة. ويرد على هذا الاستشهاد، ان السيرة العقلائية على افتراض وجودها، فالاقرب في تفسيرها انها قائمة بنكتة الالفة والعادة، لا بنكتة الكشف، ولهذا يقال بوجودها حتى في الحيوانات التي تتأثر بالالفة. واما كبرويا فلعدم قيام دليل على حجية مثل هذا الظن.

واما الثاني: ففيه ان الجري والانسياق العملي على طبق الحالة السابقة، وان كان غالبا في سلوك الناس، ولكنه بدافع من الالفة والعادة التي توجب الغفلة عن احتمال الارتفاع او الاطمئنان بالبقاء في كثير من الاحيان، وليس بدافع من البناء على حجية الحالة السابقة في إثبات البقاء تعبدا.

[381]

واما الثالث: اي الاخبار فهو العمدة في مقام الاستدلال: فمن الروايات المستدل بها صحيحة زرارة عن ابي عبدالله عليه السلام، حيث سأله عن المرتبة التي يتحقق بها النوم الناقض للوضوء، فاجابه.

ثم سأله عن الحكم في حالة الشك في وقوع النوم إذ قال له: فان حرك في جنبه شئ ولم يعلم به، فكأن عدم التفاته إلى ما حرك في جنبه جعله يشك في انه نام فعلا أو لا فاستفهم عن حكمه، فقال له الامام (ع)، لا حتى يستيقن انه قد نام حتى يجئ من ذلك امر بين والا فانه على يقين من وضوئه، ولا ينقض اليقين أبدا بالشك، ولكن ينقضه بقين آخر.

والكلام في هذه الرواية يقع في عدة جهات: الجهة الاولى: في فقه الرواية بتحليل مفاد قوله، " والا فانه على يقين من وضوئه، ولا ينقض اليقين بالشك ". وذلك بالكلام في نقطتين: النقطة الاولى: انه كيف اعتبر البناء على الشك نقضا لليقين مع ان اليقين بالطهارة حدوثا لا يتزعزع بالشك في الحدث بقاء، فلو ان المكلف في الحالة المفروضة في السؤال بني على انه محدث لما كان ذلك منافيا بتعينه لان اليقين بالحدوث لا ينافي الارتفاع، فكيف يسند نقض اليقين إلى الشك؟ والتحقيق ان الشك ينقض اليقين تكوينا إذا تعلق بنفس ما تعلق به اليقين، واما اذا تغاير المتعلقان فلا تنافي بين اليقين والشك، فيكون الشك ناقضا وهادما لليقين.

وعلى هذا الاساس نعرف ان الشك في قاعدة اليقين ناقض تكويني لليقين المفترض فيها لوحدة متعلقيهما ذاتا وزمانا، وان الشك في مورد الاستصحاب ليس ناقضا تكوينيا لليقين المفترض فيه لان احدهما متعلق بالحدوث، والآخر متعلق بالبقاء، ولهذا يجتمعان في وقت واحد.

[382]

ولكن مع هذا قد يسند النقض إلى هذا الشك، فيقال انه ناقض لليقين باعمال عناية عرفية وهي ان تغلى ملاحظة الزمان فلا نقطع الشئ إلى حدوث وبقاء، بل نلحظه بما هو امر واحد، ففي هذه الملاحظة يرى الشك واليقين واردين على مصب واحد، ومتعلق فارد، فيصبح بهذا الاعتبار اسناد النقض إلى الشك، فكأن الشك نقض اليقين، وبهذا الاعتبار يرى ايضا ان اليقين والشك غير مجتمعين، كما هو الحال في كل منقوض مع ناقضه، وعلى هذا الاساس جرى التعبير في الرواية فاسند النقض إلى الشك ونهي عن جعله ناقضا.

النقطة الثانية: في تحديد عناصر الجملة المذكورة الواردة في كلام الامام (ع) فانها جملة شرطية، والشرط فيها هو ان لا يستيقن انه قد نام، واما الجزاء ففيه ثلاثة احتمالات: الاول: ان يكون محذوفا ومقدرا وتقديره فلا يجب الوضوء، ويكون قوله فانه على يقين الخ، تعليلا للجزاء المحذوف، وقد يلاحظ على ذلك انه التزام بالتقدير، وهو خلاف الاصل في المحاورة، والتزام بالتكرار لان عدم وجوب الوضوء يكون قد بين مرة قبل الجملة الشرطية، ومرة في جزائها المقدر.

وتندفع الملاحظة الاولى، بان التقدير في مثل المقام ليس على خلاف الاصل لوجود القرينة المتصلة على تعيينه وبيانه، حيث صرح بعدم وجوب الوضوء قبل الجملة الشرطية مباشرة. وتندفع الملاحظة الثانية بان التكرار الملفق من التصريح والتقدير ليس على خلاف الطبع، وليس هذا تكرارا حقيقيا، كما هو واضح، فهذا الاحتمال لا غبار عليه من هذه الناحية.

[383]

الثاني: ان يكون الجزاء قوله فانه على يقين من وضوئه، فيتخلص بذلك من التقدير، ولكن يلاحظ حينئذ انه لا ربط بين الشرط والجزاء، لوضوح ان اليقين بالوضوء غير مترتب على عدم اليقين بالنوم، بل هو ثابت على اي حال، ومن هنا يتعين حينئذ لاجل تصوير الترتب بين الشرط والجزاء ان يحمل قوله، فانه على يقين من وضوئه، على انه جملة انشائية يراد بها الحكم بانه متيقن تعبدا لا خبرية تتحدث عن اليقين الواقعي له بوقوع الوضوء منه فان اليقين التعبدي بالوضوء يمكن ان يكون مترتبا على عدم اليقين بالنوم لانه حكم شرعي خلافا لليقين الواقعي بالوضوء فانه ثابت على اي حال، ولكن حمل الجملة المذكورة على الانشاء خلاف ظاهرها عرفا.

الثالث: ان يكون الجزاء قوله ولا ينقض اليقين بالشك، واما قوله فانه على يقين من وضوئه فهو تمهيد للجزاء اوتتميم للشرط. وهذا الاحتمال اضعف من سابقه، لان الجزاء لا يناسب الواو والشرط، وتتميماته لا تناسب الفاء. وهكذا يتبين ان الاحتمال الاول هو الاقوى، ولكن يبقى أن ظاهر قوله (فانه على يقين من وضوئه) كونه على يقين فعلي بالوضوء، وهذا انما ينسجم مع حمل اليقين على اليقين التعبدي الشرعي كما يفترضه الاحتمال الثاني، لان اليقين إذا حملناه على اليقين التعبدي الشرعي، فهو يقين فعلي بالوضوء، ولا ينسجم مع حمله على اليقين الواقعي، لان اليقين الواقعي بالوضوء ليس فعليا، بل المناسب حينئذ ان يقال فانه كان على يقين من وضوئه، فظهور الجملة المذكورة في فعلية اليقين قد يتخذ قرينة على حملها على الانشائية.

فإن قيل: أو ليس المكلف عند الشك في النوم على يقين واقعي فعلا بانه كان متطهرا، فلماذا تفترضون ان فعلية اليقين لا تنسجم مع حمله على اليقين الواقعي؟.

قلنا: إن اسناد النقض إلى الشك في جملة (ولا ينقض اليقين بالشك) انما يصح إذا الغيت خصوصية الزمان وجرد الشئ المتيقن والمشكوك عن وصف الحدوث والبقاء كما تقدم توضيحه، وبهذا اللحاظ يكون الشك ناقضا لليقين ولا يكون اليقين فعليا حينئذ.

[384]

ولكن الظاهر ان ظهور جملة (فانه على يقين من وضوئه) في انه جملة خبرية لا انشائية اقوى من ظهور اليقين في الفعلية، وهكذا نعرف ان مفاد الرواية انه اذا لم يستيقن بالنوم فلا يجب الوضوء، لانه كان على يقين من وضوئه، ثم شك ولا ينبغي ان ينقض اليقين بالشك.

الجهة الثانية: في ان الرواية هل هي ناظرة إلى الاستصحاب او إلى قاعدة المقتضى والمانع؟ فقد يقال ان الاستصحاب يتعلق فيه الشك في بقاء المتيقن وقد فرض في الرواية اليقين بالوضوء والوضوء ليس له بقاء ليعقل الشك في بقائه، وانما الشك في حدوث النوم وينطبق ذلك على قاعدة المقتضى والمانع، لان الوضوء مقتضى للطهارة والنوم رافع ومانع عنها، فالمقتضى في مورد الرواية معلوم والمانع مشكوك فيبني على اصالة عدم المانع وثبوت المقتضى - بالفتح -.

ويرد على ذلك ان الوضوء قد فرض له في الشريعة بقاء واستمرار، ولهذا عبر عن الحدث بانه ناقض للوضوء، وقيل للمصلي انه على وضوء وليس ذلك الا لافتراضه امرا مستمرا فيتعلق الشك ببقائه وينطبق على الاستصحاب. ونظرا إلى ظهور قوله: ولا ينقض اليقين بالشك في وحدة متعلق اليقين والشك يتعين تنزيل الرواية على الاستصحاب.

الجهة الثالثة: بعد افتراض تكفل الرواية للاستصحاب يقع الكلام في انه هل يستفاد منها جعل الاستصحاب على وجه كلي كقاعدة عامة، او لا تدل على اكثر من جريان الاستصحاب في باب الوضوء عند الشك في الحدث؟.

[385]

قد يقال بعدم الدلالة على الاستصحاب كقاعدة عامة لان اللام في قوله (ولا ينقض اليقين بالشك)، كما يمكن ان يكون للجنس فتكون الجملة المذكورة مطلقة، كذلك يحتمل ان يكون للعهد وللاشارة إلى اليقين المذكور في الجملة السابقة (فانه على يقين من وضوئه) وهو اليقين بالوضوء، فلا يكون للجملة اطلاق لغير مورد الشك في انتقاض الوضوء، واجمال اللام وتردده بين الجنس والعهد كاف في منع الاطلاق.

ويرد على ذلك اولا: ان قوله (فانه على يقين من وضوئه) مسوق مساق التعليل للجزاء المحذوف، كما تقدم، وظهور التعليل في كونه تعليلا بأمر عرفي، وتحكيم مناسبات الحكم الموضوع المركوزة عليه، يقتضي حمل اليقين والشك على طبيعي اليقين والشك، لان التعليل بكبرى الاستصحاب عرفي ومطابق للمناسبات العرفية بخلاف التعليل باستصحاب مجعول في خصوص باب الوضوء.

وثانيا: ان اللام في قوله (ولا ينقض اليقين بالشك) لو سلم انها للعهد والاشارة إلى اليقين الوارد في جملة (فانه على يقين من وضوئه) فلا يقتضي ذلك اختصاص القول المذكور بباب الوضوء، لان قيد من وضوئه ليس قيدا لليقين، حيث ان اليقين لا يتعدى عادة إلى متعلقه ب‍ (من)، وانما هو قيد للظرف ومحصل العبارة انه من ناحية الوضوء على يقين، وهذا يعني ان كلمة اليقين استعملت في معناها الكلي، فإذا اشير اليها لم يقتض ذلك الاختصاص بباب الوضوء خلافا لما اذا كان القيد راجعا إلى نفس اليقين، وكان مفاد الجملة المذكور انه على يقين بالوضوء فان الاشارة إلى هذا اليقين توجب الاختصاص.

وعلى هذا فالاستدلال بالرواية تام، وهناك روايات عديدة اخرى يستدل بها على الاستصحاب، ولا شك في دلالة جملة منها.

2 - أركان الاستصحاب

وبعد الفراغ عن ثبوت الاستصحاب شرعا يقع الكلام في تحديد اركانه على ضوء دليله. والمستفاد من دليل الاستصحاب المتقدم تقومه باربعة اركان:

الاول: اليقين بالحدوث.

والثاني: الشك في البقاء.

والثالث: وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة.

والرابع: كون الحالة السابقة في مرحلة البقاء ذات أثر مصحح للتعبد ببقائها.

ولنأخذ هذه الاركان تباعا.

اما الركن الاول فهو مأخوذ في لسان الدليل في قوله (ولا ينقض اليقين بالشك)، وظاهر ذلك كون اليقين بالحالة السابقة دخيلا في موضوع الاستصحاب، فمجرد حدوث الشئ لا يفكي لجريان استصحابه ما لم يكن هذا الحدوث متيقنا، ومجرد الشك في وجود شئ لا يكفي لاستصحابه ما لم يكن ثبوته في السابق معلوما. وعلى هذا ترتب بحث، وهو ان الحالة السابقة قد تثبت بالامارة لا باليقين، فاذا كان الاستصحاب حكما مترتبا على اليقين، فكيف يجري إذا شك في بقاء شئ لم يكن حدوثه متيقنا بل ثابتا بالامارة؟.

[387]

وقد حاول المحقق النائيني (رحمه الله) أن يخرج ذلك على اساس قيام الامارات مقام القطع الموضوعي، فاليقين هنا جزء الموضوع للاستصحاب فهو قطع موضوعي وتقوم مقامه الامارة. وهناك من انكر ركنية اليقين بالحدوث واستظهر انه مأخوذ في لسان الدليل بما هو معرف ومشير إلى الحدوث، فالاستصحاب مترتب على الحدوث لا على اليقين به، والامارة تثبت الحدوث فتنقح بذلك موضوع الاستصحاب.

واما الركن الثاني وهو الشك فمأخوذ ايضا في لسان الدليل، والمراد به مطلق عدم العلم فيشمل حالة الظن ايضا بقرينة قوله (ولكن انقضه بيقين آخر)، فإن ظاهره حصر ما يسمح بان ينقض به اليقين باليقين. والشك تارة يكون موجودا وجودا فعليا، كما في الشاك الملتفت إلى شكه، واخرى يكون موجودا وجودا تقديريا، كما في الغافل الذي لو التفت إلى الواقعة لشك فيها، ولكنه غير شاك فعلا لغفلته، ومن هنا وقع البحث في ان الشك المأخوذ في موضوع دليل الاستصحاب هل يشمل القسمين معا او يختص بالقسم الاول، فاذا كان المكلف على يقين من الحدث ثم شك في بقائه وقام وصلى ملتفتا إلى شكه، فلا ريب في ان استصحاب الحدث يجري في حقه وهو يصلي، وبذلك تكون الصلاة من حين وقوعها محكومة بالبطلان، وفي مثل هذه الحالة لا يمكن للمكلف اذا فرغ من صلاته هذه ان يتمسك لصحتها بقاعدة الفراغ لانها انما تجري في صلاة لم تثبت الحكم ببطلانها حين إيقاعها.

[388]

واما اذا كان المكلف على يقين من الحدث، ثم غفل وذهل عن حاله، وقام وصلى ذاهلا، وبعد الصلاة التفت وشك في انه هل كان لا يزال محدثا حين صلى أو لا؟ فقد يقال: بان استصحاب الحدث لم يكن جاريا حين الصلاة، لان الشك لم يكن فعليا، بل تقديريا، فالصلاة لم تقترن بقاعدة شرعية تحكم ببطلانها، فبامكان المكلف حينئذ ان يرجع عند التفاته بعد الفراغ من الصلاة إلى قاعدة الفراغ فيحكم بصحة الصلاة.

فان قيل: هب ان الاستصحاب لم يكن جاريا حين الصلاة، ولكن لماذا لا يجري الان مع ان الشك فعلي وباستصحاب الحدث فعلا، يثبت ان صلاته التي فرغ منها باطلة.

قلنا: إن هذا الاستصحاب ظرف جريانه هو نفس ظرف جريان قاعدة الفراغ، وكلما اتحد ظرف جريان الاستصحاب والقاعدة تقدمت قاعدة الفراغ خلافا لما اذا كان ظرف جريان الاستصحاب أثناء الصلاة، فانه حينئذ لا يدع مجالا لرجوع المكلف بعد الفراغ من صلاته إلى قاعدة الفراغ، لان موضوعها صلاة لم يحكم ببطلانها في ظرف الاتيان بها.

ولكن الصحيح ان قاعدة الفراغ لا تجري بالنسبة إلى الصلاة المفروضة في هذا المثال على اي حال حتى لو لم يجر استصحاب الحدث في اثنائها، وذلك لان قاعدة الفراغ لا تجري عند احراز وقوع الفعل المشكوك الصحة مع الغفلة، ففي المثال المذكور لا يمكن تصحيح الصلاة بحال.

اما الركن الثالث وهو وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة، فيستفاد من ظهور الدليل في ان الشك الذي يمثل الركن الثاني يتعلق بعين ما تعلق به اليقين الذي يمثل الركن الاول، إذ لو تغاير متعلق الشك مع متعلق اليقين، فلن يكون العمل بالشك نقضا لليقين، وانما يكون نقضا له في حالة وحدة المتعلق لهما معا، والمقصود بالوحدة، الوحدة الذاتية لا الزمانية، فلا ينافيها ان يكون اليقين متعلقا بحدوث الشئ والشك ببقائه، فان النقض يصدق مع الوحدة الذاتية، وتجريد كل من اليقين، والشك عن خصوصية الزمان كما تقدم، وقد ترتب على هذا الركن عدة امور:

[389]

نذكر منها ما قد لوحظ من أن هذا الركن يمكن تواجده في الشبهات الموضوعية بان تشك في بقاء نفس ما كنت على يقين منه، ولكن من الصعب الالتزام بوجوده في الشبهات الحكمية، وذلك لان الحكم المجعول تابع في وجوده لوجود القيود المأخوذة في موضوعه عند جعله، فاذا كانت هذه القيود كلها متوفرة ومحرزة فلا يمكن الشك في وجود الحكم المجعول، وما دامت باقية ومعلومة فلا يمكن الشك في بقاء الحكم المجعول، وانما يتصور الشك في بقائه بعد اليقين بحدوثه اذا احرز المكلف في البداية ان القيود كلها موجودة، ثم اختلت خصوصية من الخصوصيات في الاثناء، واحتمل المكلف ان تكون هذه الخصوصية من تلك القيود فانه سوف يشك حينئذ في بقاء الحكم المجعول لاحتمال انتفاء قيده.

ومثال ذلك: ان يكون الماء متغيرا بالنجاسة فيعلم بنجاسته ثم يزول التغير الفعلي فيشك في بقاء النجاسة لاحتمال، ان فعلية التغير قيد في النجاسة المجعولة شرعا، وفي هذه الحالة لو لاحظ المكلف بدقة قضيته المتيقنة وقضيته المشكوكة، لرآهما مختلفتين، لان القضية المتيقنة هي نجاسة الماء المتصف بالتغير الفعلي، والقضية المشكوكة هي نجاسة الماء الذي زال عنه التغير الفعلي فكيف يجري الاستصحاب؟ وقد ذكر المحققون ان الوحدة المعتيرة بين المتيقن والمشكوك ليست وحدة حقيقية مبنية على الدقة والاستيعاب بل وحدة عرفية على نحو لو كان المشكوك ثابتا في الواقع لاعتبر العرف هذا الثبوت بقاء لما سبق لا حدوثا لشئ جديد، إذ كلما صدق على المشكوك انه بقاء عرفا للمتيقن انطبق على العمل بالشك انه نقض لليقين بالشك فيشمله دليل الاستصحاب، ولا شك في ان الماء المتغير اذا كان نجسا بعد زوال التغير فليست هذه النجاسة عرفا الا امتدادا للنجاسة المعلومة حدوثا وان كانت النجاستان مختلفتين في بعض الخصوصيات والظروف، فيجري استصحاب النجاسة.

[390]

نعم بعض القيود تعتبر عرفا مقومة للحكم ومنوعة له على نحو يرى العرف ان الحكم المرتبط بها مغايرا للحكم الثابت بدونها، كما في وجوب اكرام الضيف المرتبط بالضيافة فان الضيافة قيد منوع، فلو وجب عليك ان تكرم ضيفك بعد خروجه من ضيافتك ايضا بوصفه فقيرا فلا يعتبر هذا الوجوب استمرارا لوجوب اكرامه من اجل الضيافة، بل وجوبا آخر، لان الضيافة خصوصية مقومة ومنوعة، فاذا كنت على يقين من وجوب اكرام الضيف وشككت في وجوب اكرامه بعد خروجه من ضيافتك باعتبار فقره لم يجر استصحاب الوجوب، لان الوجوب المشكوك هنا مغاير للوجوب المتيقن وليس استمرارا له عرفا.

وهكذا نخرج بنتيجة وهي، ان القيود للحكم على قسمين عرفا: فقسم منها يعتبر مقوما ومنوعا، وقسم ليس كذلك، وكلما نشأ الشك من القسم الاول لم يجر الاستصحاب، وكلما نشأ من القسم الثاني جرى. وقد يسمى القسم الاول بالحيثيات التقييدية، والقسم الثاني بالحيثيات التعليلية.

واما الركن الرابع فقد يبين باحدى صيغتين: الاولى: ان الاستصحاب يتوقف جريانه على ان يكون المستصحب حكما شرعيا او موضوعا، يترتب عليه الحكم الشرعي لانه اذا لم يكن كذلك يعتبر أجنبيا عن الشارع، فلا معنى لصدور التعبد منه بذلك. وهذه الصيغة تسبب عدة مشاكل: منها: كيف يجري استصحاب عدم التكليف مع ان عدم التكليف ليس حكما ولا موضوعا لحكم.

[391]

ومنها: انه كيف يجري استصحاب شرط الواجب وقيده، كالطهارة، كما هو مورد الرواية، فان قيد الواجب ليس حكما ولا موضوعا يترتب عليه الحكم، فان الحكم انما يترتب على قيد الوجوب لا على قيد الواجب، ومن هنا وضعت الصيغة الاخرى كما يلي.

الثانية: ان الاستصحاب يتوقف جريانه على ان يكون لاثبات الحالة السابقة في مرحلة البقاء اثر عملي، اي صلاحية للتنجيز التعذير، وهذا حاصل في موارد استصحاب عدم التكليف، فان إثبات عدم التكليف بقاء معذر، وكذلك في موارد استصحاب قيد الواجب، فان اثباته بقاء معذر في مقام الامتثال.

وهذه الصيغة هي الصحيحة لان برهان هذا الركن لا يثبت اكثر مما تقرره هذه الصيغة، كما سنرى، وبرهان توقف الاستصحاب على هذا الركن امران: احدهما: ان اثبات الحالة السابقة في مرحلة البقاء تعبدا اذا لم يكن مؤثرا في التنجيز والتعذير يعتبر لغوا. والاخر: ان دليل الاستصحاب ينهى عن نقض اليقين بالشك ولا يراد بذلك النهي عن النقض الحقيقي، لان اليقين ينتقض بالشك حقيقة، وانما يراد النهي عن النقض العملي، ومرجع ذلك إلى الامر بالجري على طبق ما يقتضيه اليقين من إقدام او إحجام وتنجيز وتعذير، ومن الواضح ان المستصحب اذا لم يكن له أثر عملي وصلاحية للتنجيز والتعذير، فلا يقتضي اليقين به جريا عمليا محددا ليؤمر المكلف بابقاء هذا الجري وينهى عن النقض العملي.

[392]

وهذا الركن يتواجد فيما اذا كان المستصحب حكما قابلا للتنجيز والتعذير، او عدم حكم قابل لذلك، او موضوعا لحكم كذلك او متعلقا لحكم، والظرف الذي يعتبر فيه تواجد هذا الركن، هو ظرف البقاء لا ظرف الحدوث، فاذا كان للحالة السابقة اثر عملي وصلاحية للتنجيز والتعذير في مرحلة البقاء، جرى الاستصحاب فيها، ولو لم يكن لحدوثها اثر، فمثلا اذا لم يكن لكفر الابن في حياة ابيه اثر عملي، ولكن كان لبقائه كافرا إلى حين موت الاب اثر عملي، وهي نفي الارث عنه، وشككنا في بقائه كافرا، كذلك جرى استصحاب كفره.

3 - مقدار ما يثبت بالاستصحاب

دليل الاستصحاب كما عرفنا مفاده النهي عن النقض العملي لليقين عند الشك. وهذا النهي لا يراد به تحريم النقض العملي، بل يراد به بيان ان الشارع حكم ببقاء المتيقن عند الشك في بقائه والنهي إرشاد إلى هذا الحكم فكأنه قال: لا ينقض اليقين بالشك، لاني احكم بان المتيقن باق والحكم ببقاء المتيقن هنا لا يعني بقاء‌ه حقيقة والا لزال الشك مع ان الاستصحاب حكم الشك، بل يعني بقاء‌ه من الناحية العملية، اي تنزيله منزلة الباقي عمليا، ومرجع ذلك إلى القول بآن الشئ الذي كنت على يقين منه فشككت في بقائه نزل منزلة الباقي، فاذا كان المستصحب حكما فتنزيله منزلة الباقي معناه التعبد ببقائه، واذا كان موضوعا لحكم فتنزيله منزلة الباقي معناه التعبد بحكمه واثره، واذا كان للمستصحب حكم شرعي، وكان هذا الحكم بنفسه موضوعا لحكم شرعي آخر فتنزيله منزلة الباقي معناه التعبد بحكمه والتعبد بحكمه هو بدوره يعني التعبد بما لهذا الحكم من حكم ايضا وهكذا.

وقد لا يكون المستصحب حكما ولا موضوعا لحكم، ولكنه سبب تكويني او ملازم خارجي لشئ آخر، وذلك الشئ هو موضوع الحكم، كما لو فرضنا ان حياة زيد التي كنا على يقين منها، ثم شككنا في بقائها سبب - على تقدير بقائها إلى زمان الشك - لنبات لحيته، وكان نبات اللحية موضوعا

[394]

لحكم شرعي، ففي مثل ذلك هل يجري استصحاب حياة زيد لاثبات ذلك الحكم الشرعي تعبدا او لا؟ والمشهور بين المحققين عدم اقتضاء دليل الاستصحاب لذلك، وهذا هو الصحيح لانه ان اريد اثبات ذلك الحكم الشرعي باستصحاب حياة زيد مباشرة بلا تعبد بنبات اللحية فهو غير ممكن، لان ذلك الحكم موضوعه نبات اللحية لا حياة زيد فما لم يثبت بالتنزيل والتعبد نبات اللحية لا يترتب الحكم، وان اريد إثبات نبات اللحية اولا باستصحاب الحياة، وبالتالي اثبات ذلك الحكم الشرعي فهو خلاف ظاهر دليل الاستصحاب، لان مفاده كما عرفنا تنزيل مشكوك البقاء منزلة الباقي، والتنزيل دائما ينصرف عرفا إلى توسعة دائرة الآثار المجعولة من قبل المنزل لا غيرها، ونبات اللحية اثر للحياة، ولكنه اثر تكويني وليس بجعل من الشارع بما هو شارع، فهو كما لو قال الشارع: نزلت الفقاع منزلة الخمر فكما يترتب على ذلك توسعة دائرة الحرمة لا توسعة الآثار التكوينية للخمر بالتنزيل، كذلك يترتب على استصحاب الحياة توسعة الاحكام الشرعية للحياة عمليا لا توسعة آثارها التكوينية التي منها نبات اللحية.

ومن هنا صح القول بان الاستصحاب يترتب عليه الاحكام الشرعية للمستصحب دون الاثار العقلية التكوينية واحكامها الشرعية. ويسمى الاستصحاب الذي يراد به إثبات حكم شرعي مترتب على أثر تكويني للمستصحب بالاصل المثبت، ويقال عادة بعدم جريان الاصل المثبت، ويراد به ان مثل استصحاب الحياة لا يثبت الحكم الشرعي لنبات اللحية، ويسمى نبات اللحية بالواسطة العقلية.

4 - عموم جريان الاستصحاب

بعد ان تمت دلالة النصوص على جريان الاستصحاب نتمسك باطلاقها لاثبات جريانها في كل الحالات التي تتم فيها اركانه، وهذا معنى عموم جريانه، ولكن هناك اقوال تتجه إلى التفصيل في جريانه بين بعض الموارد وبعض بدعوى قصور اطلاق الدليل عن الشمول لجميع الموارد، ونقتصر على ذكر اهمها وهو: ما ذهب اليه الشيخ الانصاري والمحقق النائيني (رحمهما الله) من جريان الاستصحاب في موارد الشك في الرافع وعدم جريانه في موارد الشك في المقتضى وتوضيح مدعاهما: ان المتيقن الذي يشك في بقائه تارة يكون شيئا قابلا للبقاء والاستمرار بطبعه، وانما يرتفع برافع، والشك في بقائه ينشأ من احتمال طرو الرافع، ففي مثل ذلك يجري استصحابه، ومثاله الطهارة التي تستمر بطبعها متى حدثت ما لم ينقضها حدث. واخرى يكون المتيقن الذي يشك في بقائه محدود القابلية للبقاء في نفسه، كالشمعة التي تنتهي لا محالة بمرور زمن حتى لو لم يهب عليها الريح، فاذا شك في بقاء نورها لاحتمال انتهاء قابليته لم يجر الاستصحاب، ويسمى ذلك بمورد الشك في المقتضى.

وبالنظرة الاولى يبدو ان هذا التفصيل على خلاف اطلاق دليل الاستصحاب لشمول اطلاقه لموارد الشك في المقتضى، فلا بد للقائلين بعدم الشمول من ابراز نكتة في الدليل تمنع عن اطلاقه، وهذه النكتة قد ادعي انها

[396]

كلمة النقض وتقريب استفادة الاختصاص منها بوجهين: الوجه الاول: ان النقض حل لما هو محكم ومبرم، وقد جعل الاستصحاب بلسان النهي عن النقض، فلا بد ان تكون الحالة السابقة التي ينهى عن نقضها محكمة ومبرمة ومستمرة بطبيعتها لكي يصدق النقض على رفع اليد عنها، واما اذا كانت مشكوكة القابلية للبقاء فهي على فرض انتهاء قابليتها لا يصح اسناد النقض اليها لانحلالها بحسب طبعها، فأنت لا تقول عن الخيوط المتفككة اني نقضتها إذا فصلت بعضها عن بعض، وانما تقول عن الحبل المحكم ذلك إذا حللته، فيختص الدليل إذن بموارد احراز قابلية المستصحب للبقاء والاستمرار.

ويرد على هذا الوجه ان النقض لم يسند إلى المتيقن والمستصحب لنفتش عن وجهة احكام فيه حتى نجدها في افتراض قابليته للبقاء، بل اسند إلى نفس اليقين في الرواية واليقين بنفسه حالة مستحكمة وفيها رسوخ مصحح لاسناد النقض اليها بقطع النظر عن حالة المستصحب ومدى قابليته للبقاء.

الوجه الثاني: ان دليل الاستصحاب يفترض كون العمل بالشك نقضا لليقين بالشك، وهذا لا يصدق حقيقة الا اذا كان الشك متعلقا بعين ما تعلق به اليقين حقيقة او عناية، ومثال الاول الشك في قاعدة اليقين مع يقينها، ومثال الثاني الشك في بقاء الطهارة مع اليقين بحدوثها، فان الشك هنا وان كان متعلقا بغير ما تعلق به اليقين حقيقة لانه متعلق بالبقاء، واليقين متعلق بالحدوث، ولكن حيث ان المتيقن له قابلية البقاء والاستمرار، فكأن اليقين بالعناية قد تعلق به بما هو باق ومستمر فيكون الشك متعلقا بعين ما تعلق به اليقين، وبهذا يصدق النقض على العمل بالشك، واما في موارد الشك في المقتضى، فاليقين غير متعلق بالبقاء لا حقيقة ولا عناية، اما الاول فواضح، واما الثاني فلان المتيقن لم تحرز قابليته للبقاء، وعليه فلا يكون العمل بالشك نقضا لليقين ليشمله النهي المجعول في دليل الاستصحاب.

[397]

والجواب على ذلك بان صدق النقض وان كان يتوقف على وحدة متعلق اليقين والشك، ولكن يكفي في هذه الوحدة تجريد اليقين والشك من خصوصية الزمان الحدوثي والبقائي، واضافتهما إلى ذات واحدة كما تقدم توضيحه فيما مضى، وهذه العناية التجريدية تطبق على موارد الشك في المقتضى ايضا.

وعليه فالاستصحاب يجري في موارد الشك في المقتضى ايضا.

5 - تطبيقات

1 - استصحاب الحكم المعلق

في موارد الشبهة الحكمية تار يشك في بقاء الجعل لاحتمال نسخة، فيجري استصحاب بقاء الجعل، واخرى يشك في بقاء المجعول بعد افتراض تحققه وفعليته، كما اذا حرم العصير العنبي بالغليان، وشك في بقاء الحرمة بعد ذهاب الثلثين بغير النار فيجري استصحاب المجعول، وثالثة يكون الشك في حالة وسطى بين الجعل والمجعول، وتوضيح ذلك في المثال الآتي: إذا جعل الشارع حرمة العنب اذا غلي ونفترض عنبا ولكنه بعد لم يغل، فهنا المجعول ليس فعليا، بل فعليته فرع وتحقق الغليان، فلا علم لنا بفعلية المجعول الان، ولكنا نعلم بقضية شرطية وهي: ان هذا العنب لو غلي لحرم، فاذا تيبس العنب بعد ذلك واصبح زبيبا نشك في ان تلك القضية الشرطية هل لا تزال باقية بمعنى ان هذا الزبيب اذا غلي يحرم كالعنب او لا؟ فالشك هنا ليس في بقاء الجعل ونسخه اذ لا نحتمل النسخ، وليس في بقاء المجعول بعد العلم بفعليته اذ لم يوجد علم بفعلية المجعول بعد، وانما الشك في بقاء تلك القضية الشرطية.

فقد يقال إنه يرجي استصحاب تلك القضية الشرطية، لانها متيقنة حدوثا ومشكوكة بقاء ويسمى باستصحاب الحكم المعلق او بالاستصحاب التعليقي.

[399]

ولكن ذهب المحقق النائيني (رحمه الله) إلى عدم جريان الاستصحاب، إذ ليس في الحكم الشرعي إلا الجعل والمجعول، والجعل لا شك في بقائه، فالركن الثاني مختل والمجعول لا يقين بحدوثه، فالركن الاول مختل.

واما القضية الشرطية فليس لها وجود في عالم التشريع بما هي قضية شرطية وراء الجعل والمجعول ليجري استصحابها.

2 - استصحاب التدريجيات

الاشياء، اما قارة توجد وتبقى، واما تدريجية، كالحركة توجد وتنفى باستمرار.

فبالنسبة إلى القسم الاول لا اشكال في جريان الاستصحاب. واما بالنسبة إلى القسم الثاني، فقد يقال بعدم اجتماع الركن الاول والثاني معا، لان الامر التدريجي سلسلة حدوثان، فاذا علم بان شخصا يمشي وشك في بقاء مشيه لم يكن بالامكان استصحاب المشي الترتيب ما له من الاثر، لان الحصة الاولى منه معلومة الحدوث، ولكنها لا شك في تصرمها، والحصة الثانية مشكوكة ولا يقين بها فلم تتم اركان الاستصحاب في شئ.

ومن هنا يستشكل في اجراء الاستصحاب في الزمان كاستصحاب النهار ونحو ذلك لانه من الامور التدريجية.

والجواب على هذا الاشكال: ان الامر التدريجي على الرغم من تدرجه في الوجود وتصرمه قطعة بعد قطعة له وحدة ويعتبر شيئا واحدا مستمرا على نحو يصدق على القطعة الثانية عنوان البقاء فتتم اركان الاستصحاب حينما نلحظ الامر التدريجي بوصفه شيئا واحدا مستمرا فنجد انه متيقن بداية ومشكوك نهاية فيجري استصحابه، وهذه الوحدة مناطها في الامر التدريجي اتصال قطعاته بعضها ببعض اتصالا حقيقيا، كما في حركة الماء من أعلى إلى أسفل او اتصالا عرفيا، كما في حركة المشي عند الانسان، فان المشي يتخلله

[400]

السكون والوقوف ولكنه يعتبر عرفا متواصلا.

3 - استصحاب الكلي

اذا وجد زيد في المسجد مثلا، فقد وجد الانسان فيه ضمنا، لان الطبيعي موجود في ضمن فرده، فهناك وجود واحد يضاف إلى الفرد والى الطبيعي الكلي، ومن حيث تعلق اليقين بالحدوث والشك في البقاء به تارة يتواجد كلا هذين الركنين في الفرد والطبيعي معا واخرى يتواجدان في الطبيعي فقط، وثالثة لا يتواجدان لا في الفرد ولا في الطبيعي، فهناك ثلاث حالات: الحالة الاولى: ان يعلم بدخول زيد إلى المسجد ويشك في خروجه، فهنا الوجود الحادث في المسجد بما هو وجود لزيد، وبما هو وجود لطبيعي الانسان متيقن الحدوث ومشكوك البقاء، فان كان الاثر الشرعي مترتبا على وجود زيد بان قيل سبح ما دام زيد موجودا في المسجد جرى استصحاب الفرد، وان كان الاثر مترتبا على وجود الكلي بان قيل سبح ما دام انسان في المسجد جرى استصحاب الكلي، ويسمى هذا بالقسم الاول من استصحاب الكلي.

الحالة الثانية: ان يعلم بدخول احد شخصين إلى المسجد قبل ساعة، اما زيد، واما خالد، غير ان زيدا فعلا نراه خارج المسجد، فاذا كان هو الداخل فقد خرج، واما خالد فلعله اذا كان هو الداخل لا يزال باقيا، فهنا اذا لوحظ كل من الفردين، فأركان الاستصحاب فيه غير متواجدة، لان زيدا لا شك في عدم وجوده فعلا، وخالد لا يقين بوجوده سابقا ليستصحب، ولكن اذا لوحظ طبيعي الانسان امكن القول بان وجوده متيقن حدوثا ومشكوك بقاء، فيجري استصحابه اذا كان له اثر، ويسمى هذا

[401]

بالقسم الثاني من استصحاب الكلي.

الحالة الثالثة: ان يعلم بدخول زيد وبخروجه ايضا، ولكن يشك في ان خالدا قد دخل في نفس اللحظة التي خرج فيها زيد، او قبل ذلك على نحو لم يخل المسجد من انسان، فهنا لا مجال لاستصحاب الفرد كما تقدم في الحالة السابقة، وقد يقال بجريان استصحاب الكلي، لان جامع الانسان متيقن حدوثا مشكوك بقاء، ويسمى هذا بالقسم الثالث من استصحاب الكلي. والصحيح عدم جريانه لاختلال الركن الثالث، فان وجود الجامع المعلوم حدوثا مغاير لوجوده المشكوك والمحتمل بقاء، فلم يتحد متعلق اليقين ومتعلق الشك، وبكلمة اخرى ان الجامع لو كان موجودا فعلا فهو موجود بوجود آخر غير ما كان حدوثا خلافا للحالة الثانية، فان الجامع لو كان موجودا فيه بقاء فهو موجود بعين الوجود الذي حدث ضمنه.

4 - الاستصحاب في حالات الشك في التقدم والتأخر

تارة يشك في ان الواقعة الفلانية حدثت او لا فيجري استصحاب عدمها، او يشك في انها ارتفعت او لا فيجري استصحاب بقائها، واخرى تعلم بانها حدثت او ارتفعت ولكنا لا نعلم بالضبط تاريخ حدوثها او ارتفاعها، مثلا نعلم ان زيدا الكافر قد أسلم، ولكن لا نعلم هل اسلم صباحا او بعد الظهر؟ فهذا يعني ان فترة ما قبل الظهر هي فترة الشك، فاذا كان لبقاء زيد كافرا في هذه الفترة وعدم اسلامه فيها اثر مصحح للتعبد جرى استصحاب بقائه كافرا وعدم اسلامه إلى الظهر وثبت بهذا الاستصحاب كل أثر شرعي يترتب على بقائه كافرا وعدم اسلامه في هذه الفترة، ولكن اذا كان هناك اثر شرعي مترتب على حدوث الاسلام بعد الظهر، فلا يترتب هذا الاثر على الاستصحاب المذكور، لان الحدوث كذلك لازم تكويني لعدم الاسلام قبل الظهر، فهو بمثابة نبات اللحية بالنسبة إلى حياة زيد.

[402]

ومن ناحية اخرى نلاحظ ان موضوع الحكم الشرعي قد يكون يكامله مجرى للاستصحاب إثباتا او نفيا، وقد يكون مركبا من جزء‌ين او اكثر، ويكون احد الجزء‌ين ثابتا وجدانا، والاخر غير متيقن. ففي هذه الحالة لا معنى لاجراء الاستصحاب بالنسبة إلى الجزء الثابت وجدانا كما هو واضح، ولكن قد تتواجد اركانه وشروطه لاثبات الجزء الاخر المشكوك فيثبت الحكم، او لنفيه فينفي الحكم، ومثال ذلك ان يكون ارث الحفيد من جده مترتبا على موضوع مركب من جزء‌ين: احدهما موت الجد، والاخر عدم اسلام الاب إلى حين موت الجد، وإلا كان مقدما على الحفيد، فاذا افترضنا ان الجد مات يوم الجمعة وان الابن كان كافرا في حياة ابيه ولا ندري هل اسلم على عهده او لا؟ فهنا الجزء الاول من موضوع ارث الحفيد محرز وجدانا، والجزء الثاني وهو عدم اسلام الاب مشكوك فيجري استصحاب الجزء الثاني، وبضم الاستصحاب إلى الوجدان نحرز موضوع الحكم الشرعي لارث الحفيد، ولكن على شرط ان يكون الاثر الشرعي مترتبا على ذات الجزء‌ين واما اذا كان مترتبا على وصف الاقتران والاجتماع بينهما فلا جدوى للاستصحاب المذكور لان الاقتران والاجتماع لازم عقلي، واثر تكويني للمستصحب، وقد عرفنا ان الآثار الشرعية المترتبة على المستصحب بواسطة عقلية لا تثبت.

وقد يفترض ان الجزء الثاني معلوم الارتفاع فعلا بان كنا نعلم فعلا ان الاب قد اسلم، ولكن نشك في تاريخ ذلك وانه هل اسلم قبل وفاة ابيه او بعد ذلك، وفي مثل ذلك يجري استصحاب كفر الاب إلى حين وفاة الجد ولا يضر بذلك اننا نعلم بان الاب لم يعد كافرا فعلا، لان المهم تواجد الشك في الظرف الذي يراد اجراء الاستصحاب بلحاظه، وهو فترة حياة الجد إلى حين وفاته فيستصحب بقاء الجزء الثاني الموضوع، وهو كفر الاب إلى حين حدوث الجزء الاول وهو موت (الجد) فيتم الموضوع.

[403]

وكما قد يجري الاستصحاب على هذا الوجه لاحراز الموضوع بضم الاستصحاب إلى الوجدان، كذلك قد يجري لنفي احد الجزء‌ين، ففي نفس المثال اذا كان الاب معلوم الاسلام في حياة ابيه وشك في كفره عند وفاته، جرى استصحاب اسلامه وعدم كفره إلى حين موت الاب، ونفينا بذلك ارث الحفيد من الجد سواء كنا نعلم بكفر الاب بعد وفاة ابيه أو لا.

وعلى هذا الاساس قد يفترض ان موضوع الحكم الشرعي مركب من جزء‌ين وأحد الجزء‌ين معلوم الثبوت ابتداء ويعلم بارتفاعه، ولكن لا ندري بالضبط متى ارتفع؟ والجزء الآخر معلوم العدم ابتداء ويعلم بحدوثه، ولكن لا ندري بالضبط متى حدث؟ وهذا يعني ان هذا الجزء اذا كان قد حدث قبل ان يرتفع ذلك الجزء فقد تحقق موضوع الحكم الشرعي لوجود الجزء‌ين معا في زمان واحد، واما اذا كان قد حدث بعد ارتفاع الجزء الاخر، فلا يجدي في تكميل موضوع الحكم.

وفي هذه الحالة اذا نظرنا إلى الجزء المعلوم الثبوت ابتداء نجد ان المحتمل بقاء‌ه إلى حين حدوث الثاني، فنستصحب بقاء‌ه إلى ذلك الحين، لان اركان الاستصحاب متواجدة فيه، ويترتب على ذلك ثبوت الحكم، واذا نظرنا إلى الجزء الثاني المعلوم عدمه ابتداء نجد ان من المحتمل بقاء عدمه إلى حين ارتفاع الجزء الاول، فنستصحب عدمه إلى ذلك الحين، لان اركان الاستصحاب متواجدة فيه، ويترتب على ذلك نفي الحكم، والاستصحابان متعارضان لعدم امكان جريانهما معا ولا مرجح لاحدهما على الاخر فيسقطان معا، وتسمى هذه الحالة بحالة مجهولي التاريخ.

[404]

وحالة مجهولي التاريخ لها ثلاث صور: احداها: ان يكون كل من زمان ارتفاع الجزء الاول وزمان حدوث الجزء الثاني مجهولا.

ثانيها: ان يكون زمان ارتفاع الجزء الاول معلوما ولنفرضه الظهر، ولكن زمان حدوث الجزء الثاني مجهولا ولا يعلم هل هو قبل الظهر او بعده؟ ثالثها: ان يكون زمان حدوث الجزء الثاني معلوما ولنفرضه الظهر، ولكن زمان ارتفاع الجزء الاول مجهول ولا يعلم هل هو قبل الظهر او بعده.

وفي الصورة الاولى لا شك في جريان كل من الاستصحابين المشار اليهما بمعنى استحقاقه للجريان ووقوع التعارض بينهما. واما في الصورة الثانية فقد يقال بان استصحاب بقاء الجزء الاول يجري، لان بقاء‌ه ليس مشكوكا، بل هو معلوم قبل الظهر، ومعلوم العدم عند الظهر، فكيف نستصحبه؟ وانما يجري استصحاب عدم حدوث الجزء الثاني فقط. وينعكس الامر في الصورة الثالثة فيجري استصحاب بقاء الجزء الاول دون عدم حدوث الجزء الثاني لنفس السبب، وهذا ما يعبر عنه بان الاستصحاب يجري في مجهول التاريخ دون معلومه.

وقد اعترض على ذلك بان معلوم التاريخ انما يكون معلوما حين ننسبه إلى ساعات اليوم الاعتيادية، واما حين ننسبه إلى الجزء الاخر المجهول التاريخ، فلا ندري هل هو موجود حينه او لا؟ فيمكن جريان استصحابه إلى حين وجود الجزء الاخر، وهذا ما يعبر عنه بان الاستصحاب في كل من مجهول التاريخ ومعلوم التاريخ يجري في نفسه ويسقط الاستصحابان بالمعارضة، لان ما هو معلوم التاريخ انما يعلم تاريخه في نفسه لا بتاريخه النسبي، أي مضافا إلى الاخر، فهما معا مجهولان بلحاظ التاريخ النسبي.

[405]

وقد نتفترض حالتان متضادتان كل منهما بمفردها موضوع لحكم شرعي، كالطهارة من الحدث والحدث او الطهارة من الخبث والخبث، فاذا علم المكلف باحدى الحالتين وشك في طرو الاخرى استصحب الاولى، واذا علم بطرو كلتا الحالتين ولم يعلم المتقدمة والمتأخرة منهما تعارض استصحاب الطهارة، مع استصحاب الحدث او الخبث لان كلا من الحالتين متيقنة سابقا ومشكوكة بقاء‌ا، ويسمى. امثال ذلك بتوارد الحالتين.

5 - الاستصحاب في حالات الشك السببي والمسببي

تقدم ان الاستصحاب اذا جرى وكان المستصحب موضوعا لحكم شرعي ترتب ذلك الحكم الشرعي تعبدا على الاستصحاب المذكور، ومثاله ان يشك في بقاء طهارة الماء فنستصحب بقاء طهارته، وهذه الطهارة موضوع للحكم بجواز شربه فيترتب جواز الشرب على الاستصحاب المذكور، ويسمى بالنسبة إلى جواز الشرب بالاستصحاب الموضوعي، لانه ينقح موضوع هذا الاثر الشرعي. واما اذا لاحظنا جواز الشرب نفسه في المثال فهو ايضا متيقن الحدوث ومشكوك البقاء لان الماء حينما كان طاهرا يقينا كان جائز الشرب يقينا ايضا، وحينما اصبح مشكوك الطهارة فهو مشكوك في جواز شربه ايضا، ولكن استصحاب جواز الشرب وحده لا يكفي لاثبات طهارة الماء، لان الطهارة ليست اثرا شرعيا لجواز الشرب بل العكس هو الصحيح، وتنزيل مشكوك البقاء منزلة الباقي ناظر إلى الآثار الشرعية كما تقدم.

فمن هنا يعرف ان استصحاب الموضوع يحرز به الحكم تعبدا وعمليا، واما استصحاب الحكم فلا يحرز به الموضوع كذلك، وكل استصحابين من هذا القبيل يطلق على الموضوعي منهما اسم الاصل السببي لانه يعالج المشكلة في مرحلة الموضوع الذي هو بمثابة السبب الشرعي للحكم، ويطلق على الاخر منهما اسم الاصل المسببي لانه يعالج المشكلة في مرحلة الحكم الذي هو بمثابة المسبب شرعا للموضوع.

[406]

وفي الحالة التي شرحنا فيها فكرة الاصل السببي والمسببي لا يوجد تعارض بين الاصليين في النتيجة لان طهارة الماء وجواز الشرب متلائمان، ولكن هناك حالات لا يمكن أن تجتمع فيها نتيجة الاصل السببي ونتيجة الاصل المسببي معا فيتعارض الاصلان، ونجد مثال ذلك في نفس الماء المذكور سابقا إذا إستصحبنا طهارته وغسلنا به ثوبا نجسا فإن من احكام طهارة الماء أن يطهر الثوب بغسله به، وهذا معناه ان استصحاب طهارة الماء يحرز تعبدا وعمليا أن الثوب قد طهر لانه اثر شرعي للمستصحب، ولكن اذا لاحظنا الثوب نفسه نجد أنا على يقين من نجاسته وعدم طهارته سابقا، ونشك الآن في انه طهر او لا، لاننا لا نعلم ما اذا كان قد غسل بماء طاهر حقا، وبذلك تتواجد الاركان لجريان إستصحاب النجاسة وعدم الطهارة في الثوب، ونلاحظ بناء على هذا أن الاصل السببي الذي يعالج المشكلة في مرحلة الموضوع والسبب، ويجري في حكم الماء نفسه يتعبدنا بطهارة الثوب، وان الاصل المسببي الذي يعالج المشكلة في مرحلة الحكم والمسبب ويجري في حكم الثوب نفسه يتعبدنا بعدم طهارة الثوب، وهذا معنى التنافي بين نتيجتي الاصلين وتعارضهما وتوجد هنا قاعدة تقتضي تقديم الاصل السببي على الاصل المسببي، وهي انه كلما كان احد الاصلين يعالج مورد الاصل الثاني دون العكس قدم الاصل الاول على الثاني.

وهذه القاعدة تنطبق على المقام، لان الاصل السببي يحرز لنا تعبدا طهارة الثوب لانها أثر شرعي لطهارة الماء، ولكن الاصل المسببي لا يحرز لنا نجاسة الماء، ولا ينفي طهارته لان ثبوت الموضوع ليس أثرا شرعيا لحكمه، وعلى هذا الاساس يقدم الاصل السببي على الاصل المسببي.

[407]

وقد عبر الشيخ الانصاري والمشهور عن ذلك بأن الاستصحاب السببي حاكم على الاستصحاب المسببي، لان الركن الثاني في المسببي هو الشك في نجاسة الثوب وطهارته، والركن الثاني في السببي هو الشك في طهارة الماء ونجاسته، والاصل السببي باحرازه الاثر الشرعي وهو طهارة الثوب، يهدم الركن الثاني للاصل المسببي، ولكن الاصل المسببي باعتبار عجزه عن إحراز نجاسة الماء كما تقدم لا يهدم الركن الثاني للاصل السببي، فالاصل السببي تام الاركان فيجري والاصل المسببي قد انهدم ركنه الثاني فلا يجري.

وقد عممت فكرة الحكومة للاصل السببي على الاصل المسببي لحالات التوافق بين الاصلين أيضا فاعتبر الاصل المسببي طوليا دائما ومترتبا على عدم جريان الاصل السببي سواء كان موافقا له او مخالفا لان الاصل السببي إذا جرى الغى موضوع المسببي على أي حال.

تعارض الادلة

 [413]

عرفنا فيما سبق ان الادلة على قسمين وهما: الادلة المحرزة والادلة العملية او الاصول العملية، ومن هنا يقع البحث تارة في التعارض بين دليلين من الادلة المحرزة، وأخرى في التعارض بين دليلين عمليين، وثالثة في التعارض بين دليل محرز ودليل عملي. فالكلام في ثلاثة فصول نذكرها فيما يلي تباعا ان شاء الله تعالى.

1 - التعارض بين الادلة المحرزة

الدليل المحرز، كما تقدم، أما دليل شرعي لفظي او دليل شرعي غير لفظي او دليل عقلي، والدليل العقلي لا يكون حجة إلا إذا كان قطعيا، وأما الدليل الشرعي بقسميه فقد يكون قطعيا وقد لا يكون قطعيا مع كونه حجة.

فاذا تعارض الدليل العقلي مع دليل ما فان كان الدليل العقلي قطعيا قدم على معارضه على أي حال، لانه يقتضي القطع بخطأ المعارض وكل دليل يقطع بخطأه يسقط عن الحجية، وان كان الدليل العقلي غير قطعي، فهو ليس حجة في نفسه لكي يعارض ما هو حجة من الادلة الاخرى.

وإذا تعارض دليلان شرعيان فتارة يكونان لفظيين معا، واخرى يكون احدهما لفظيا دون الآخر، وثالثة يكونان معا من الادلة الشرعية غير اللفظية، والمهم في المقام الحالة الاولى لانها الحالة التي يدخل ضمنها جل موارد التعارض التي يواجهها الفقيه في الفقه وسنقصر حديثنا عليها فنقول أن التعارض بين دليلين شرعيين لفظيين عبارة عن التنافي بين مدلولي الدليلين على نحو يعلم بان المدلولين لا يمكن أن يكونا ثابتين في الواقع معا ولاجل تحديد مركز هذا التنافي نقدم مقدمتين: الاولى: يجب أن نستذكر فيها ما تقدم من ان الحكم ينحل إلى جعل ومجعول، وان الجعل ثابت بتشريع المولى للحكم وأن المجعول لا يثبت الا عند

[415]

تحقق موضوعه وقيوده خارجا، ومن الواضح ان الدليل الشرعي اللفظي متكفل لبيان الجعل لا لبيان المجعول، لان المجعول يختلف من فرد إلى آخر فهو موجود في حق هذا وغير موجود في حق ذاك لتواجد القيود، فقوله مثلا: " لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا "(1)، مدلوله جعل وجوب الحج على المستطيع لا تحقق الوجوب المجعول، لان هذا تابع لوجود الاستطاعة، ولا نظر للمولى إلى ذلك، فمدلول الدليل دائما هو الجعل لا المجعول.

والثانية: أن التنافي قد يكون بين جعلين وقد يكون بين مجعولين مع عدم التنافي بين الجعلين، ومثال الاول جعل وجوب الحج على المستطيع وجعل حرمة الحج على المستطيع. فان التنافي هنا بين الجعلين، لان الاحكام التكليفية متضادة كما تقدم، ومثال الثاني جعل وجوب الوضوء على الواجد للماء وجعل وجوب التيمم على الفاقد له، فان الجعلين هنا لا تنافي بينهما إذ يمكن صدورهما معا من الشارع، ولكن المجعولين لا يمكن فعليتهما معا لان المكلف ان كان واجدا للماء ثبت المجعول الاول عليه والا ثبت المجعول الثاني ولا يمكن ثبوت المجعولين معا على مكلف واحد في حالة واحدة.

وقد لا يوجد تناف بين الجعلين ولا بين المجعولين، ولكن التنافي في مرحلة امتثال الحكمين المجعولين بمعنى أنه لا يمكن إمتثالهما معا، وذلك كما في حالات الامرين بالضدين على وجه الترتب بنحو يكون الامر بكل من الضدين مثلا مقيد بترك الضد الاخر، فان بالامكان صدور جعلين لهذين الامرين معا، كما ان بالامكان ان يصبح مجعولاهما فعليين معا وذلك فيما اذا ترك المكلف كلا الضدين فيكون كل من المجعولين ثابتا لتحقق قيده، ولكن التنافي واقع بين امتثاليهما إذ لا يمكن للمكلف ان يمتثلهما معا، ويتلخص من ذلك أن التنافي وعدم امكان الاجتماع تارة بين نفس الجعلين، واخرى بين المجعولين، وثالثة بين الامتثالين.

___________________________________

(1) سورة آل عمران الآية 97. حاشية رقم(22) (*)

[416]

وإذا اتضحت هاتان المقدمتان فنقول: اذا ورد دليلان على حكمين وحصل التنافي، فان كان التنافي بين الجعلين لهذين الحكمين فهو تناف بين مدلولي الدليلين لما عرفت في المقدمة الاولى من ان مدلول الدليل هو الجعل ويتحقق التعارض بين الدليلين حينئذ لان كلا منهما ينفي مدلول الدليل الآخر، وان لم يكن هناك تناف بين الجعلين، بل كان بين المجعولين او بين الامتثالين، فلا يرتبط هذا التنافي بمدلول الدليل لما عرفت من أن فعلية المجعول - فضلا عن مقام امتثاله - ليست مدلولة للدليل، فلا يحصل التعارض بين الدليلين لعدم التنافي بين مدلوليهما، وتسمى حالات التنافي بين المجعولين مع عدم التنافي بين الجعلين بالورود ويعبر عن الدليل الذي يكون المجعول فيه نافيا لموضوع المجعول في الدليل الآخر بالدليل الوارد ويعبر عن الدليل الآخر بالمورود.

وينبغي ان يعلم ان مصطلح الورود لا يختص بما اذا كان احد الدليلين نافيا لموضوع الحكم في الآخر، بل ينطبق على ما اذا كان موجدا لفرد من موضوع الحكم في الدليل الآخر. ومثاله: دليل حجية الامارة بالنسبة إلى دليل جواز الافتاء بحجة فان الاول يحقق فردا من موضوع الدليل الثاني.

وتسمى حالات التنافي بين الامتثالين مع عدم التنافي بين الجعلين والمجعولين بالتزاحم، ومن هنا نعرف ان حالات الورود وحالات التزاحم خارجة عن نطاق التعارض بين الادلة، ولا ينطبق عليها احكام هذا التعارض، بل حالات الورود يتقدم فيها الوارد على المورود دائما، وحالات التزاحم يتقدم فيها الاهم على الاقل أهمية كما تقدم في مباحث الدليل العقلي.

[417]

ويتلخص من ذلك كله ان التعارض بين الدليلين هو التنافي بين مدلولي هذين الدليلين الحاصل من اجل