دروس في علم الاصول

 

السيد محمد باقر الصدر

 

الحلقة الاولى

 

كتاب دراسي في علم أصول الفقة اعد للمبتدئين في دراسة هذا العلم.

 

إهداء

بسم الله الرحمن الرحيم

 

يا الهي وربي يا عليما بضري وفاقتي يا موضع أملي ومنتهى رغبتي بعينك أي رب وتقربا اليك بذلت هذا الجهد المتواضع في كتابة الحلقات الثلاث لتكون عونا للسائرين في طريق دراسة شريعتك والمتفقهين في دينك فان وسعته برحمتك وقبولك وأنت الذي وسعت رحمتك كل شئ فاني اتوسل اليك يا خير من دعاه داع وافضل من رجاه راج أن توصل ثواب ذلك هدية مني إلى ولدي البار وابني العزيز السيد عبد الغني الاردبيلي(1) الذي فجعت به وانا على وشك الانتهاء من كتابة هذه الحلقات فلقد كان له قدس الله روحه الطاهرة الدور البليغ في حثي على كتابتها واخراجها في اسرع وقت وكانت نفسه الكبيرة وشبابه الطاهر الذي لم يعرف مللا ولا كللا في خدمة الله والحق الطاقة التي أمدتني وأنا في شبة شيخوخة متهدمة الجوانب بالعزيمة على أن أنجز جل هذه الحلقات في شهرين من الزمن وكان يحثني باستمرار على الاسراع

___________________________________

(1) يقصد المصنف بذلك الفقيد العزيز العلامة الجليل حجة الاسلام السيد عبد الغني نجل سماحة آية الله السيد احمد الاردبيلي احد عيون تلامذته تقوى ونبلا وفضلا وقد تربى على يده قرابة عشرين عاما وهاجر إلى اردبيل واسس هناك حوزة جليلة وكان له دور كبير في حث السيد المصنف على انجاز هذه الحلقات كما كان من اعز ابنائه عليه واحبهم اليه وقد فجع بوفاته اذ توفي في اليوم الثامن والعشرين من رجب 1397 ه‍ فانا لله وانا اليه راجعون. (*)

[6]

لكي يدشن تدريسها في حوزته الفتية الي انشأها بنفسه وغذاها من روحه من مواطن آبائه الكرام وخطط لكي تكون حوزة نموذجية في دراستها وكل جوانبها الخلقية والروحية ولكنك يا رب دعوته فجأة اليك فاستجاب طائعا ووالله ما عرفته خلال العشرين عاما التي تتلمذ فيها علي وترعرع إلى جنبي إلا سريعا إلى اجابتك نشطا في طاعتك لا يتردد ولا يلين لا يتوقف ولا يتلكأ ووالله ما رأيته طيلة هذه المدة غضب لنفسه وما أكثر ما رأيته يغضب لك وينسى ذاته من اجلك.

أي رب إني اذا كنت قد عجزت عن مكافأة هذا الولد البار الذي كان بالنسبة لي وبالنسبة إلى ابيه معا مثالا فريدا للولد المخلص الذي لا يتردد في الطاعة والتضحية والفداء واذا كنت قد فجعت به وأنا في قمة الاعتزاز به وبما تجسدت فيه من عناصر النبل والشهامة والوفاء والايثار وما تكاملت فيه من خصال التقوى والفضل والايمان وإذا كان القدر الذي لا راد له قد أطفأ في لحظة أملي في أن أمتد بعد وفاتي وأعيش في قلوب بارة كقلبة وفي حياة نابضة بالخير كحياته فإني أتوسل اليك يا ربي بعد حمدك في كل يسر وعسر أن تتلقاه بعظيم لطفك وتحشره مع الصديقين من عبادك الصالحين وحسن اولئك رفيقا وأن لا تحرمه من قربي ولا تحرمني من رؤيته بعد وفاته ووفاتي بعد أن حرمت من ذلك في حياته وأرجو أن لا يكون انتظاري طويلا لللاجتماع به في مستقر رحمتك وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

مقدمة

بحث كتبه سماحته مقدمة للحلقة الثلاث جميعا لتوضيح الاسباب التي دعت إلى وضعها وما لوحظ فيها من خصائص وبعض الارشادات في مجال تدريسها.

[9]

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

وبعد فإن الدراسات العلمية لعلم أصول الفقة تمر في مناهج الحوزة عادة بمرحلتين، إحداهما: تمهيدية وهي ما تسمى بمرحلة السطح. والاخرى: المرحلة العالية وهي ما تسمى بمرحلة الخارج.

وتتخذ هذه الدراسة في مرحلتها التمهيدية أسلوب البحث في كتب معينة مؤلفة في ذلك العلم يدرسها الطالب على يد الاساتذة الاكفاء ليتهيأ من خلال ذلك لحضور أبحاث الخارج. وقد جرى العرف العام في حوزاتنا جميعا على اختيار المعالم والقوانين والرسائل والكفاية كتبا دراسية للمرحلة المذكورة، وهذا عرف جرت عليه مناهج الحوزة منذ أكثر من نصف قرن ولم يطرأ تغيير ملحوظ باستثناء تضاؤل دور كتاب القوانين من بين هذه الكتب الاربعة ككتاب دراسي بالتدريج، وانصراف عدد كبير من الطلبة في الفترة الاخيرة عن دراسته، واستبداله بكتاب أصول الفقه كحلقة وسيطة بين المعالم وكتابي الرسائل والكفاية.

والحقيقة أن الكتب الاربعة المتقدمة الذكر لها مقامها العلمي، وهي على العموم تعتبر حسب مراحلها التاريخية كتبا تجديدية ساهمت إلى درجة كبيرة في تطوير الفكر العلمي الاصولي على اختلاف درجاتها في هذه المساهمة، وقد يكون اختيار هذه الكتب الاربعة كتبا دراسية نتيجة عامل مشترك وهو ما أثاره كل واحد منها عند صدوره من شعور عميق لدى العلماء بأهميته

[10]

العلمية وما اشتمل عليه من أفكار ونكات، هذا اضافة إلى ما تميزت به بعض تلك الكتب من ايجاز للمطالب وضغط في العبارة كالكفاية مثلا.

وقد أدت هذه الكتب الاربعة - مشكورة - دورا جليلا في هذا المضمار، وتخرج من حلقاتها الدراسية خلال نصف قرن الآلاف من الطلبة الذين وجدوا فيها سلمهم إلى ابحاث الخارج. ولا يسعنا في هذا المجال إلا أن نستشعر - بعمق - بما لاصحاب هذه الكتب الابرار قدس الله اسرارهم الزكية من فضل عظيم على الحوزة ومسيرتها العلمية، ومن جميل لا يمكن أن ينساه أي شخص عاش على موائد تلك الافكار الحافلة ونهل من نمير علومها ونحن إذ نقول هذا نبتهل إلى المولى سبحانه ان يتغمد مؤلفي هذه الكتب من علمائنا الاعلام بعظيم رحمته، ويثيبهم بأفضل ثواب المحسنين.

غير أن هذا لا يحول دون أن نحاول تطوير الكتب الدراسية وتحسينها اذا وجدت مبررات تدعو إلى ذلك وأمكن وضع كتب دراسية أكثر قدرة على اداء دورها العلمي في تنمية الطالب واعداده للمرحلة العليا. وقد كنا منذ زمن نجد أكثر من سبب يدعو إلى التفكير في استبدال هذه الكتب بكتب أخرى في مجال التدريس، لها مناهج الكتب الدراسية بحق واساليبها في التعبير وشرائطها. ومبررات التفكير في هذا الاستبدال وان كانت عديدة ولكن يمكن اختصارها في مبررات اساسية محددة كما يلي:

المبرر الاول: ان هذه الكتب الاربعة تمثل مراحل مختلفة من الفكر الاصولي، فالمعالم تعبر عن مرحلة قديمة تاريخيا من علم الاصول، والقوانين تمثل مرحلة خطاها علم الاصول واجتازها إلى مرحلة أعلى على يد الشيخ الانصاري وغيره من الاعلام، والرسائل والكفاية نفسهما نتاج اصولي يعود لما قبل مائة سنة تقريبا وقد حصل علم الاصول بعد الرسائل والكفاية على خبرة مائة سنة تقريبا من البحث والتحقيق على يد اجيال متعاقبة من العلماء

[11]

المجددين، وخبرة ما يقارب مائة سنة من البحث العلمي الاصولي جديرة بأن تأتي بأفكار جديدة كثيرة وتطور طريقة البحث في جملة من المسائل وتستحدث مصطلحات لم تكن تبعا لما تتكون من مسالك ومبان، ومن الضروري ان تنال الكتب الدراسية حظا مناسبا لها من هذه الافكار والتطورات والمصطلحات لئلا يفاجأ بها الطالب في بحث الخارج دون سابق إعداد. وهكذا يوجد الآن فاصل معنوي كبير بين محتويات الكتب الدراسية الاربعة وبين ابحاث الخارج، فبينما بحث الخارج يمثل حصيلة المائة عام الاخيرة من التفكير والتحقيق ويعبر بقدر ما يتاح للاستاذ من قدرة عن ذروة تلك الحصيلة، نجد ان كتب السطح تمثل في اقربها عهدا الصورة العامة لعلم الاصول قبل قرابة مائة عام ساكتة عن كل ما استجد خلال هذه الفترة من افكار ومصطلحات.

ونذكر على سبيل المثال لما استجد من مطالب: افكار باب التزاحم، وما اشاده الميرزا من مسلك جعل الطريقية بتعميقاته وتفريعاته في مسائل قيام الامارات مقام القطع الموضوعي وحكومة الامارات على الاصول ورفع قاعدة قبح العقاب بلا بيان بجعل الحجية، وفكرة جعل الحكم بنحو القضية الحقيقية بآثارها الممتدة في كثير من ابحاث علم الاصول كبحث الواجب المشروط والشرط المتأخر والواجب المعلق واخذ العلم بالحكم في موضوع الحكم، والوجه الجديد لبحث المعاني الحرفية الذي يختلف اختلافا اساسيا عن الصورة الغريبة التي تخلقها آراء صاحب الكفاية في ذهن الطالب. فان هذا المطالب وغيرها مما اصبحت تشكل محاور للفكر الاصولي الحديث هي نتاج الفترة المتأخرة الذي يظل طالب السطوح جاهلا به تماما إلى ان يواجه ابحاث الخارج وهو لا يملك تصورات ابتدائية او وسطى عن تلك المطالب.

[12]

فالطالب لكي يتسلل من كتب السطح إلى درس الخارج كأنه يكلف بطفرة وبأن يقطع في لحظة مسافة لم يقطعها علم الاصول خلال تطوره التدريجي إلا في مائة عام.

وكأن اختيار الكتب الدراسية من مراحل مختلفة للفكر الاصولي نشأ من الشعور بلزوم التدرج في الكتب الدراسية من الابسط إلى الاعمق، ولما كان علم الاصول في وضعه على عهد صاحب المعالم أبسط منه في عهد صاحب القوانين. وفي هذا العهد أبسط منه في عهد الرسائل والكفاية، فقد لوحظ ان هذا يحقق التدرج المطلوب اذا جعل الكتاب الدراسي الاول نتاج مرحلة قديمة من علم الاصول وما يتلوه نتاج مرحلة متأخرة وهكذا.

وهذا الشعور يشتمل على حقيقة وعلى خطأ. اما الحقيقة فهي لزوم التدرج في الكتب الدراسية من الابسط إلى الاعمق، واما الخطأ فهو ان هذا التدرج لا ينبغي ان يكون منتزعا من تاريخ علم الاصول ومعبرا عما مر به هذا العلم نفسه من تدرج خلال نموه، لان هذا يكلف الطالب ان يصرف وقتا كثيرا في مطالب وافكار لم يعد لها موضع في العلم بحسب وضعه الفعلي، وانما الوضع الصحيح في الكتب الدراسية الذي يشتمل على التدرج المطلوب هو ان تتجه هذه الكتب جميعا على اختلاف مراحلها الدراسية لعرض آخر ما وصل اليه العلم من افكار وتحقيقات ومصطلحات، ولكن بدرجات من العرض تختلف من ناحية الكم او الكيف او من الناحيتين معا، والاختلاف في الكم يعني التفاوت في المقدار المعطى من الافكار، فبدلا عن استعراض خمسة اعتراضات على الاستدلال بآية النبأ مثلا يبدأ في الحلقة الاولى باعتراض او اعتراضين ثم يستعرض عدد اكبر من الاعتراضات في حلقة تالية، والاختلاف في الكيف يعني التفاوت في درجة عمق ما يطرح من فكرة، فحينما يراد الحديث عن مسلك جعل

[13]

الطريقية مثلا يعرض في حلقة ابتدائية عرضا ساذجا بدون تعميق ثم يعمق في حلقة لاحقة، فيعرض على نحو يميز فيه بين التنزيل والاعتبار، وقد يعرض في حلقة اخرى حينئذ على نحو المقارنة بين هذين النحوين في النتائج والآثار.

المبرر الثاني: ان الكتب الاربعة السالفة الذكر - على الرغم من انها استعملت ككتب دراسية منذ اكثر من خمسين عاما - لم تؤلف من قبل اصحابها لهذا الهدف، وانما ألفت لكي تعبر عن آراء المؤلف وافكاره في المسائل الاصولية المختلفة، وفرق كبير بين كتاب يضعه مؤلفه لكي يكون كتابا دراسيا وكتاب يؤلفه ليعبر فيه عن أعمق وأرسخ ما وصل اليه من افكار وتحقيقات، لان المؤلف في الحالة الاولى يضع نصب عينيه الطالب المبتدئ الذي يسير خطوة فخطوة في طريق التعرف على كنوز هذا العلم واسراره، واما في الحالة الثانية فيضع المؤلف في تصوره شخصا نظيرا له مكتملا من الناحية العلمية ويحاول ان يشرح له وجهة نظره ويقنعه بها بقدر ما يتاح من وسائل الاقناع العلمي.

ومن الواضح ان كتابا يوضع بهذا الاعتبار لا يصلح ان يكون كتابا دراسيا مهما كانت قيمته العلمية وابداعه الفكري، ومن اجل ذلك كانت الكتب الدراسية المتقدمة الذكر غير صالحة للقيام بهذا الدور على جلالة قدرها العلمي لانها ألفت للعلماء والناجزين لا للمبتدئين والسائرين. فمن هنا لم يحرص في هذه الكتب وامثالها من الكتب العلمية المؤلفة للعلماء على ابراز كل خطوات الاستدلال وحلقات التفكير في المسألة الواحدة، فقد تحذف بعض الحلقات في الاثناء او البداية لوضوحها لدى العالم، غير ان الصورة حينئذ تصبح غير واضحة في ذهن الطالب وعلى سبيل المثال لتوضيح الفكرة نذكر انه بحث في التعبدي والتوصلي عن استحالة اخذ قصد الامتثال في متعلق الامر، وفرع عليه ان التعبدي لا يتميز عن التوصلي في مرحلة الامر بل في مرحلة الغرض إذ لا يستوفى غرضه إلا بقصد الامتثال، واستنتج من ذلك عدم امكان التمسك باطلاق الامر لاثبات

[14]

كون الواجب توصليا، وهذا لا يصلح ان يكون بيانا مدرسيا لان البيان المدرسي بحاجة لتكميل الصورة في ذهن الطالب - إلى اضافة عنصرين آخرين تركا لوضوحهما احدهما ان قصد الامتثال اذا كان بالامكان اخذه في متعلق الامر فحاله حال سائر القيود يمكن نفيه باطلاق الامر، والآخر ان الخطاب والدليل مدلوله الامر والحكم لا الملاك والغرض وان استكشاف اطلاق الغرض دائما انما يتم عن طريق استكشاف اطلاق متعلق الامر مع افتراض التطابق بين متعلق الامر ومتعلق الغرض فحيث لا يتبرهن هذا الافتراض لا يمكن الاستكشاف المذكور. ومثال آخر من باب التزاحم فان جل احكام هذا الباب مبنية على اخذ القدرة شرطا في التكليف وعدم كونه دخيلا في الادانة والمنجزية فقط، بينما هذا المطلب لم يبحث بصورة مباشرة، ولم يوضح الربط المذكور بل بقي مستترا.

وايضا ابرزت كيفية دلالة المطلق على الاطلاق بصورة مباشرة، بينما لم تبرز كيفية دلالة المقيد على اخذ القيد في الموضوع كذلك وإنما بحث ذلك ضمنا خلال بحث حمل المطلق على المقيد وكيفية علاج التعارض بينهما.

ومن هنا لم يراع فيها ايضا ما يجب ان يراعى في الكتب الدراسية من التدرج في عرض الافكار من البسيط إلى المعقد ومن الاسبق رتبة إلى المتأخر، بحيث تعرض المسألة المتفرعة ذاتا في تصوراتها على حيثيات مسائل اخرى بعد أن تكون تلك الحيثيات قد طرحت وبحثت.

وعلى سبيل المثال لتوضيح الفكرة لاحظ بحث توقف العموم على اجراء الاطلاق ومقدمات الحكمة في المدخول فان تصور هذا الافتراض يستبطن الفراغ مسبقا عن تصور مقدمات الحكمة ووظيفتها، بينما يذكر ذلك البحث في العام والخاص وتذكر مقدمات الحكمة بعد ذلك في مباحث المطلق والمقيد. ولاحظ ايضا الشرط المتأخر

[15]

للحكم مثلا فان تصور المشكلة فيه وتصور حلولها مرتبط بمجموعة افكار عن الواجب المشروط، وطريقة السير من البسيط إلى المعقد تقتضي تقديم هذه المجموعة من الافكار على عرض مشكلة الشرط المتأخر وبحثها بينما وقع العكس في الكفاية وغيرها. ومثال آخر ان تصور التخيير بين الاقل والاكثر وافتراض استحالته دخيل في استيعاب قاعدة اجزاء الاوامر الاضطرارية عن الواقع فإذا بحثت هذه القاعدة بعد افتراض تصور مسبق عن التخييز المذكور كان فهمها للطالب وتصورها أيسر.

ومن هنا لم يراع فيها ما يجب ان يراعى في الكتب الدراسية من توفير فهم مسبق عند الطالب للمسائل والقواعد التي يستعان بها لاثبات المدعى في مسألة اخرى والبرهنة عليها، او لاقتناص الثمرة الاصولية لها.

فالاطلاق ومقدمات الحكمة تدخل كدليل لاثبات دلالة الامر على الوجوب، ولاثبات دلالته على العينية والتعيينية والنفسية، ولاثبات دلالة الجملة الشرطية وغيرها على المفهوم وهكذا، مع أن الطالب في الكتب القائمة لا يعطى فكرة عن الاطلاق ومقدمات الحكمة إلا بعد الفراغ عن جميع مباحث الاوامر والنواهي والمفاهيم واحكام التعارض بما فيها قواعد الجمع العرفي قد تدخل في علاج كثير من ألوان التعارض بين الادلة اللفظية المستدل بها على حجية امارة أو اصل من الاصول فيقال مثلا (ان دليل وجوب الاحتياط حاكم على دليل البراء‌ة او وارد او ان دليل البراء‌ة مخصص) قبل اعطاء تصورات وافكار محددة عن احكام التعارض وقواعد الجمع بين الادلة التي لا تقع إلا في نهاية ابحاث الاصول..

ومسألة اقتضاء النهي للبطلان تدخل عندهم في اقتناص الثمرة من بحث الضد، إذ جعلوا ثمرة اقتضاء الامر بشئ للنهي عن ضده بطلان العبادة وفي اقتناص الثمرة من بحث امتناع اجتماع الامر والنهي، إذ جعلوا ثمرة هذا البحث بطلان العبادة بناء على القول بالامتناع وتقديم جانب النهي، مع ان الطالب لا يدرس مسألة اقتضاء النهي للبطلان ولا يأخذ عنها تصورا علميا

[16]

إلا بعد الفراغ عن مسألتي الضد والامتناع وهكذا إلى كثير من هذه النظائر.

ومن هنا لم يحرص ايضا على ابراز الثمرة بكثير من المطالب التي يتبين من خلالها الارتباط بين تلك المطالب بعضها ببعض، فأهملت في كثير من الاحيان أوجه العلاقة بين الافكار الاصولية ولم يتعرض لها إلا بقدر ما يحتاج اليه في مقام الاستدلال على مطلب او ابطاله، فبحث مثلا المعنى الحرفي وجزئيته وكليته ولكن لم يربط ذلك بالتمسك بالاطلاق في المعاني الحرفية وظل الطلبة يكررون ان البحث في المعاني الحرفية لا أثر له، وبحث الوجوب التخييري والكفائي بحثا تحليليا ولكن لم يربط ذلك بأثره في التمسك بالاطلاق او الاصل العملي عند الشك في نوعية الواجب وبدا كأنه بحث تحليلي بحت.

ومن هنا لم يحرص ايضا على وضع كثير من النكات والمباحث في موضعها الواقعي وبصيغة تتناسب مع كليتها وأهميتها، وانما دست دسا في مقام علاج مشكلة او دفع توهم او اثيرت من خلال تطبيق من تطبيقاتها ومن الواضح ان الممارس العالم يستطيع من خلال ذلك ان يضع النكتة في موضعها الواقعي ويعطيها حدودها المناسبة، ولكن قلما يتاح ذلك للطالب فيبقى فهمه لتلك النكات والمطالب فهما تجزيئيا وضمن دوائر محدودة.

خذ مثالا على ذلك اركان تنجيز العلم الاجمالي الاربعة التي عرضناها في الحلقة الثانية، فان الكتب التي تتحدث عنها حينما تناولت منجزية العلم الاجمالي لم تضع لها اركانها بصيغها الفنيه العامة، وانما عقدت تنبيهات لحالات جزئية طبقت من خلالها ضمنا تلك الاركان اثباتا ونفيا، وفي حالة من هذا القبيل لن يخرج الطالب غالبا بصورة محددة ورؤية واضحة لهيكل تنجيز العلم الاجمالي بما يشتمل عليه من قواعد واركان.

ومن هنا لم يحرص ايضا على اجتناب استعمال مصطلحات لم يأت بعد

[17]

تفسيرها، لان الحديث في تلك الكتب مع العالم لا مع الطالب، والعالم محيط بتلك المصطلحات منذ البدء، ولهذا نجد في الصفحة الاولى من الكفاية استعمال مصطلح حجية الظن بناء على تقرير دليل الانسداد على الحكومة وهو مصطلح لا يكشف النقاب عنه إلا في اواسط الجزء الثاني من الكتاب.

المبرر الثالث: وهو ايضا ناتج عن الحالة العامة التي لوحظت في المبرر السابق، وهي ان المؤلفين كانوا يكتبون لامثالهم لا للمبتدئين. وحاصل هذا المبرر ان المقدار الذي ينبغي ان يعطى من الفكر العلمي الاصولي في مرحلة السطح يجب ان يحدد وقفا للغرض المفروض لهذه المرحلة، والذي أعرفه غرضا لهذه المرحلة تكوين ثقافة عامة عن علم الاصول لمن يريد ان يقتصر على تلك المرحلة، والاعداد للانتقال إلى مرحلة الخارج لمن يريد مواصلة الدرس وهذا هو أهم الغرضين فلا بد إذن ان يكون المعطى بقدر يكفل ثقافة عامة تحقق هذا الاعداد وتوجد في الطالب فهما مسبقا بدرجة معقولة لما سوف يتلقى درسه من مسائل، ومرتبة من العمق والدقة تتيح له ان يهضم ما يواجهه في ابحاث الخارج من افكار دقيقة موسعة وبناء‌ات فكرية شامخة، ومن الواضح ان هذا يكفي فيه ان توفر الكتب الدراسية على اعطاء علم الاصول بهيكله العام، ولا يلزم ان يمتد البحث في تلك الكتب إلى التفريعات الثانوية ويتلقى وجهات نظر فيها بل الافضل ان تترك هذه التفريعات على العموم إلى ابحاث الخارج ما دامت المفاتيح التي سوف يتسلمها الطالب كافية لمساعدته على الدخول فيها بعد ذلك مع استاذ بحث الخارج.

وعلى هذا الاساس نرى من المهم ان يحصل الطالب على تصورات شبه معمقة عن الاحكام الظاهرية وطريقة الجمع بينها وبين الواقع والفرق بين الامارات والاصول وسنخ المجعول في ادلة الحجية واثر ذلك على ابواب مختلفة كباب حكومة الامارة على الاصل وحكومة الاستصحاب على البراء‌ة وقيام الامارة مقام القطع الموضوعي، لان هذه الافكار تعتبر أساسية بالنسبة إلى الهيكل العام لعلم

[18]

الاصول، واما ان يحاط الطالب علما بأن استصحاب عدم التذكية مثلا حاكم على اصالة البراء‌ة ويستطرق من ذلك إلى بحث طويل ومعمق في نفس جريان استصحاب عدم التذكية وموارد جريانه في الشبهات الموضوعية والحكمية، فهذا مما لا يدخل في نطاق الغرض من مرحلة بحث السطح. هذا فضلا عن الاستطرادات التي وقعت فيها تلك الكتب كاستطرادها للحديث عن قاعدة لا ضرر ولا ضرار ونحو ذلك، او التوسعات التي تزيد عن الحاجة لمرحلة السطح في استعراض الاقوال ونقل الادلة واستيعاب النقض والابرام حتى بلغت الاقوال التي احصاها الشيخ في الرسائل في الاستصحاب وبحث كل واحد منها بحثا مفصلا اربعة عشر قولا.

المبرر الرابع: ان الطريقة المتبعة في تحرير المسائل وتحديد كل مسألة بعنوان من العناوين الموروثة تاريخيا في علم الاصوال لم تعد تعبر عن الواقع تعبيرا صحيحا، وذلك لان البحث الاصولي من خلال اتساعه وتعميقه بالتدريج منذ ايام الوحيد البهبهاني إلى يومنا هذا طرح قضايا كثيرة جديدة ضمن معالجاته للمسائل الاصولية الموروثة تاريخيا، وكثير من هذه القضايا تعتبر من الناحية الفنية ومن الناحية العملية معا اهم من جملة من تلك المسائل الموروثة، بينما ظلت هذه القضايا تحت الشعاع ولا تبرز إلا بوصفها مقدمات او استطرادات في مباحث تلك المسائل.

ويمكنك ان تلاحظ بهذا الصدد المباحث العقلية التي ادرجت في الجزء الاول من الكفاية تحت عناوين البحث عن الملازمة بين وجوب الشئ ووجوب مقدمته والملازمة بين الامر بالشئ والنهي عن ضده وهكذا، فان هذه العناوين باعتبار كونها تاريخية وموروثة في عام الاصول استأثرت بالمسائل المبحوثة مع انه وقع البحث في داخل تلك المسائل عن كثير من القضايا العقلية المهمة التي بقيت بلا عنوان وكأنها مجرد ابحاث تمهيدية او استطرادية، فامكان الشرط المتأخر او استحالته وامكان الواجب المعلق او استحالته وضرورة تقيد التكليف بعدم الاشتغال بالمزاحم وعدم

[19]

جواز تضييع المقدمات المفوتة إلى غير ذلك من القضايا بقيت كأجزاء من ابحاث تلك العناوين التاريخية، بينما كل واحدة منها تشكل بحثا اصوليا مهما من الناحية الفنية ومن ناحية ترتب الثمرة الاصولية ولا تقل اهمية عن تلك المسائل التاريخية الموروثة بل قد تكون اهم منها، فالاصوليون مثلا حاروا في كيفية تصوير الثمرة لبحث الملازمة بين وجوب الشئ ووجوب مقدمته مع انهم لم يتوصلوا إلى افكارهم عن الواجب المعلق او الشرط المتأخر ونحوهما الا لتحقيق ثمرات عملية واضحة، ومع هذا حشروا كل هذه الافكار ضمن تلك المسألة التي لا يعرفون كيف يوضحون ثمرتها العملية وضاعت بذلك على الطالب قيمة تلك الافكار ومغزاها العملي، حتى ان كثيرا من الطلبة يرون ان التوسع في داخل المسألة التي ليس من الواضح ان لها ثمرة عملية مجرد تطويل وتوسيع لعملية لغو لا مبرر له.

بل ان هذا الحشر في كثير من الاحيان يؤدي إلى ايحاء‌ات خاطئة، فمثلا مشكلة المقدمات المفوتة ووجوب تحصيلها حشرت في سياق الوجوب الغيري وفرعت على تبعية الوجوب الغيري للوجوب النفسي في الاطلاق والاشتراط وهذا يوحي بالارتباط، مع ان مشكلة المقدمات المنحوتة مشكلة قائمة تحتاج إلى تفسير واكتشاف قانونها الاصولي سواء قلنا بالوجوب الغيري او لا فهي ترتبط بالمسؤولية المولوية تجاه المقدمة وهي مسؤولية لا شك فيها ولا شك في تبعيتها لفعلية الوجوب النفسي سواء كانت هذه المسؤولية عقلية بحته ومن تبعات محركية الوجوب النفسي او كانت مشتملة على ما يسمى بالوجوب الغيري.

هذه هي اهم المبررات التي تدعو إلى التفكير بصورة جادة في استبدال الكتب الدراسية القائمة والاعتقاد بعدم صلاحيتها في مجال التدريس على الرغم من قدسيتها العلمية والتأريخية. وقد صدرت في العقود الثلاثة الاخيرة عدة محاولات للاستبدال والتطوير

[20]

في الكتب الدراسية وكان من نتاج هذه المحاولات كتاب (مختصر الفصول) كتعويض عن القوانين وكتاب (الرسائل الجديدة) اختصارا للرسائل كتعويض عنها وكتاب (اصول الفقه) كحلقة وسيطة بين المعالم وكتابي الرسائل والكفاية وهي محاولات مشكورة وتمثل جهودا مخلصة في هذا الطريق وقد يكون اكثرها استقلالية واصالة هو المحاولة الثالثة باعتبارها تصنيفا مستقلا وليس مجرد اختصار لكتاب سابق ولكنها لا تفي مع ذلك بالحاجة لعدة اسباب: منها: انها لا يمكن الاقتصار عليها في السطح والاكتفاء بها عن جميع الكتب الدراسية الاصولية وانما هي مرشحة لتكون الحلقة الوسيطة بين المعالم وكتابي الكفاية والرسائل على ما يبدو من ظروف وضعها، ومن الواضح ان هذا أشبه ما يكون بعملية الترقيع فهي وان حرصت على ان تعطى للطالب غالبا الافكار الحديثة في علم الاصول بقدر ما اتيح للمؤلف ادراكه واستيعابه، ولكنها تصبح قلقة حين توضع في مرحلة وسطى فيبدأ الطالب بالمعالم ليقرأ افكارا أصولية ومناهج أصولية في البحث وفقا لما كان عليه العلم قبل مئات السنين، ثم ينتقل من ذلك فجأة وبقدرة قادر ليلتقي في (اصول الفقه) افكارا اصولية حديثة مستقاة من مدرسة المحقق النائيني على الاغلب ومن تحقيقات المحقق الاصفهاني احيانا، وبعد ان يفترض ان الطالب فهم هذه الافكار نرجع به خطوة إلى الوراء ليلتقي في الرسائل والكفاية بافكار أقدم تاريخيا بعد أن نوقش جملة منها في الحلقة السابقة واستبدلت جملة منها بافكار أمتن، وهذا يشوش على الطالب مسيرة العلمي في مرحلة السطح ولا يجعله يتحرك في الاتجاه الصحيح.

ومنها: ان اصول الفقه على الرغم من انه غير من المظهر العام لعلم الاصول إذ قسمه إلى اربعة اقسام بدلا عن قسمين وادرج مباحث الاستلزامات

[21]

والاقتضاء‌ات في نطاق المباحث العقلية بدلا عما درج عليه المؤلفون من ذكرها ضمن مباحث الالفاظ، ولكن هذا لم يتجاوز التصرف في كيفية تقسيم مجموعة المسائل الاصولية المطروحة في الكتب السابقة إلى مجاميع، فقد صنفت في اربعة مجاميع كما اشرنا بدلا عن مجموعتين، ولم يمس هذا التصرف جوهر تلك المسائل ولم يستطع ان يكتشف مثلا في مقدمات مسألة الملازمة بين وجوب الشئ ووجوب مقدمته مسائل اصولية لها استحقاقها الفني لان تعرض كمسائل اصولية في نطاق الادلة العقلية.

وهكذا اقتصر التغيير على المظهر ولم يتجاوزه إلى الجوهر.

ومنها: ان الكتاب لا تعبر بحوثه عن مستوى واحد من العطاء كيفا وكما او عن مستويات متقاربة، بل ان الكتاب في بعض مباحثه يتوسع ويتعمق بينما يختصر ويوجز في مباحث اخرى، فلاحظ مثلا ما يشتمل عليه من تحقيق موسع فيما يتصل باعتبارات الماهية في بحث المطلق والمقيد، وما يشتمل عليه من توسع واطناب في مباحث الحسن والقبح العقليين، وما يشتمل عليه من توسع كذلك في اثبات جريان الاستصحاب في موارد الشك في المقتضي، بل الملحوظ في كثير من بحوث الكتاب انه لا تنسيق بينها وبين بحوث الكفاية التي فرض منهجيا ان تكون بعده في الخط الدراسي، فجملة من المسائل تعرض بنحو أوسع مما في الكفاية وأعمق لا يبقى مبررا لدراسة المسألة نفسها من جديد في الكفاية، وجملة اخرى من المسائل تعرض موجزة او ساذجة على نحو يبقى للكفاية قدرتها على اعطاء المزيد او التعميق.

وقد رأينا ان الاستبدال يجب ان يتم بصورة كاملة فيعوض عن مجموعة الكتب الدراسية الاصولية القائمة فعلا بمجموعة أخرى مصممة بروح واحدة وعلى اسس مشتركة وعلى ثلاث مراحل، وهذا ما قمنا به بعون الله وتوفيقه آخذين بعين الاعتبار النقاط التالية:

[22]

اولا: ان الهدف الذي جعلنا على عهدة الحلقات الثلاث تحقيقه وصممناها وفقا لذلك هو ما اشرنا اليه سابقا من ايصال الطالب إلى مرحلة الاعداد لبحث الخارج وجعله على درجة من الاستيعاب للهيكل العام لعلم الاصول ومن الدقة في فهم معالمه وقواعده تمكنه من هضم ما يعطى له في ابحاث الخارج هضما جيدا.

ولهذا حرصنا على ان نطرح في الحلقات الثلاث أحدث ما وصل اليه علم الاصول من افكار ومطالب من دون تقيد بما هو الصحيح من تلك الافكار والمطالب، لان الاعداد المذكور لا يتوقف على تلقي الصحيح بل على الممارسة الفنية لتلك الافكار، وان كنا آثرنا اختيار الصحيح كلما لم نجد محذورا منهجيا وتدريسيا في ذلك، ولكنا احيانا طرحنا وجهات نظر غير صحيحة وان كانت حديثة لان طرح وجهة النظر الصحيحة لم يكن بالامكان ان يتم إلا من خلال طرح وجهة النظر غير الصحيحة ومناقشتها ومستوى الحلقة لا يتحمل استيعاب كل ذلك فاقتصرنا على اعطاء وجهة النظر غير الصحيحة مؤجلين اعطاء وجهة النظر النهائية إلى حلقة تالية او إلى ابحاث الخارج ومن هنا لا يمكن التعرف على آرائنا النهائية من خلال هذه الحلقات حتى ولو صيغ بيان الرأي فيها صياغة تدل على التبني والارتضاء.

ثانيا: ان الحلقات الثلاث تحمل جميعا منهجا واحدا تستوعب كل واحدة منها علم الاصول بكامله ولكنها تختلف في مستوى العرض كما وكيفا وتتدرج في ذلك فيعطى لطالب الحلقة الاولى او الثانية قدر محدد من البحث في كل مسألة ويؤجل قدر آخر إلى المسألة من الحلقة التالية، وهذا التأجيل يقوم، اما على اساس تقدير قابلية استيعاب الطالب وتفادي تحميله ما يفوق هذه القابلية، او على اساس ان القدر الآخر مبني على مطالب ونكات متواجدة في مباحث اخرى من المسائل الاصولية ولم تعط فعلا للطالب فيؤجل ذلك القدر

[23]

من المسألة إلى أن يعطى للطالب هذه النكات التي يرتبط ذلك القدر بها..

ولم يتمثل التدرج في العرض في كل حلقة بالنسبة إلى سابقتها بل تمثل ايضا في نفس الحلقة الواحدة وفقا لنفس الاسباب من الناحية الفنية، فالحلقة الثانية تتصاعد بالتدريج والحلقة الثالثة يعتبر الجزء الثاني منها اعلى درجة من الجزء الاول، لان الطالب كلما قطع شوطا اكبر في الدراسة تعمق ذهنيا من ناحية وازداد استيعابا للمطالب الاصولية من ناحية اخرى، وذلك يرشحه لتقبل المزيد من التحقيق فيما يرتبط بتلك المطالب، ويتوقف عليها من نكات المسائل الاخرى وحيثياتها.

ثالثا: انا لم نجد من الضروري حتى على مستوى الحلقة الثالثة استيعاب كل الادلة التي يستدل بها على هذا القول او ذاك فبالنسبة إلى أصل البراء‌ة والاحتياط مثلا لم نحط بكل الآيات والروايات التي استدل بها على هذا او ذلك، لان هذه الاحاطة انما تلزم في بحث الخارج او في تأليف يخاطب به العلماء من اجل تكوين رأي نهائي فلا بد حينئذ من فحص كامل، واما في الكتب الدراسية لمرحلة السطح فليس الغرض منها كما تقدم إلا الثقافة العامة والاعداد، وعلى هذا الاساس كنا نؤثر في كل مسألة الادلة ذات المغزى الفني ونهمل ما لا يكون له محصل من الناحية الفنية.

رابعا: انا تجاوزنا التحديد الموروث تاريخيا للمسائل الاصولية وابرزنا ما استجد من مسائل واعطيناها عناوينها المناسبة. واما بالنسبة إلى التصنيف الموروث للمسائل الاصولية إلى مجموعتين وهما مباحث الالفاظ والادلة العقلية فلم نجد مبررا للعدول عن التصنيف الثنائي إلى مجموعتين إلى تصنيف آخر ولكن ادخلنا تعديلا عليه بجعل المجموعتين هما مباحث الادلة ومباحث الاصول العملية، ثم صنفنا المجموعة الاولى إلى الدليل الشرعي والدليل العقلي، وقسمنا الكلام في الدليل الشرعي إلى البحث في الدلالة والبحث في

[24]

السند والبحث في حجية الظهور، كل ذلك من اجل تقريب التصنيف الاصولي للمسائل إلى واقع عملية الاستنباط وما يقع فيها من تصنيف للمواقف، فكما ان عملية الاستنباط تشتمل على مرحلتين مترتبتين وهما الادلة والاصول كذلك البحث في علم الاصول يصنف إلى هذين الصنفين، وكما ان الفقيه في مجال الادلة تارة يستدل بالدليل الشرعي واخرى بالدليل العقلي كذلك علم الاصول يبحث الادلة الشرعية تارة والادلة العقلية اخرى، وكما ان الفقيه حين يواجه دليلا شرعيا يتكلم عنه دلالة وسندا وجهة كذلك علم الاصول يبحث الجهات الثلاث في الدليل الشرعي.

وهذا الحرص على تطبيق التصنيف الاصولي للقواعد على عملية الاستنباط قد لا يكون له مغزى من الناحية الفنيه البحتة ولكنه مهم من الناحية التربوية وجعل الطالب مأنوس الذهن بالقواعد الاصولية بمواقعها المحددة في عملية الاستنباط، وهذا يمتاز على التصنيف الثنائي المشهور ويمتاز على التصنيف الرباعي الذي اقترحه المحقق الاصفهاني وسار عليه كتاب (اصول الفقه) اذ في كلا التصنيفين تفصل حجية الظهور وحجية السند عن ابحاث الدلالة بينما الجهات الثلاث متلاحمة مترابطة في عملية الاستنباط، فلكي يوحي التصنيف بصورة للقواعد الاصولية تتفق مع مواقعها في عملية الاستنباط لا بد من اتباع ما ذكرناه.

خامسا: انا لاحظنا في استعراضنا لآحاد المسائل ضمن التصنيف المذكور الابتداء بالبسيط والانتهاء إلى المعقد والتدرج في عرضها حسب درجات تعقيداتها وترابطاتها، وحرصنا على ان لا نعرض مسألة إلا بعد ان نكون قد استوفينا مسبقا كل ما له دخل في تحديد التصورات العام فيها، وان لا نعطى في كل مسألة من الاستدلال والبحث إلا بالقدر الذي تكون اصوله الموضوعية مفهومة بلا حاجة إلى الرجوع إلى مسألة لاحقة.

وقد كلفنا هذا في جملة من الاحيان ان نغير ترتيب المسائل من حلقة إلى اخرى، فمثلا قدمنا الكلام عن امتناع اجتماع الامر والنهي على الكلام عن بحث الملازمة بين

[25]

وجوب الشئ ووجوب مقدمته في الحلقة الثانية بينما عكسنا المطلب في الحلقة الثالثة، والنكتة في ذلك ان ابراز بعض النكات في مسألة الوجوب الغيري للمقدمة، يتوقف على فهم مسبق لمسألة الامتناع من قبيل اقتناص الثمرة بلحاظ اداء القول بالوجوب الغيري لمطلق المقدمة إلى سقوط الحرمة حتى عن المقدمة غير الموصلة لامتناع اجتماع الامر والنهي، كما ان إبراز بعض النكات في مسألة الامتناع ينبغي ان يكون بعد الاحاطة بحال الوجوب الغيري من قبيل ان امتناع الاجتماع كما يكون في الامر النفسي مع النهي كذلك في الامر الغيري مع النهي ايضا، ففي الحلقة الثانية ابرزنا الثمرة في بحث الوجوب الغيري فناسب تأخيره عن بحث الامتناع، وفي الحلقة الثالثة ابرزنا تعميم الامتناع للاوامر الغيرية فناسب تأخيره عن بحث الوجوب الغيري وهكذا جاء الترتيب بين المسائل مختلفا في الحلقتين لنكتة من هذا القبيل او لنكات اخرى مقاربة.

سادسا: وجدنا ان تعدد الحلقات شئ ضروري لتحقيق المنهج الذي رسمناه لان إعطاء مجموع الكمية الموزعة للمسألة الواحدة في الحلقات الثلاث ضمن حلقة واحدة تحميل فجائي للطالب فوق ما يطيقه ويكون جزء من تلك الكمية عادة مبنيا على مسأل اخرى بعد لم يتضح للطالب حالها، بل انا وجدنا ان تثليث الحلقات شئ ضروري ايضا على الرغم من ان الحلقة الاولى يبدو انها ضئيلة الاهمية وقد يتصور الملاحظ في بادئ الامر امكان الاستغناء عنها نهائيا، ولكن الصحيح عدم امكان ذلك لاننا بحاجة - قيل أن نبدأ بحلقة استدلالية تشمل على نقض وابرام - إلى تزويد الطالب بتصورات عن المطالب والقواعد الاصولية حتى يكون بالامكان في تلك الحلقة الاستدلالية ان نضمن استدلالنا ونقضنا وابرامنا لهذه المسألة او تلك هذا المطلب الاصولي او ذاك، ولهذا رأينا ان نضع الحلقة الاولى لاعطاء هذه التصورات العلمية فيخرج منها الطالب وهو يعرف معنى

[26]

الظهور التصوري والتصديقي والامارة والاصل والمنجزية والمعذرية والجعل والمجعول والمعنى الاسمي والحرفي والحاكم والوارد والمخصص والقرينة المتصلة والمنفصلة والاطلاق والعموم والفرق بينهما إلى كثير من هذه المصطلحات والمقولات الاصولية التي تحتاج الحلقة الاستدلالية إلى استخدامها باستمرار. ونضع الحلقة الثانية بوصفها حلقة استدلالية بحق ولكن بدرجة تتناسب معها. وتمثل الحلقة الثالثة المستوى الاعلى من الاستدلال الذي يكفي لتحقيق الهدف المطلوب من دراسة السطح.

سابعا: ان كل حلقة وان كانت تستعرض علم الاصول ومباحثه على العموم ولكن مع هذا قد نذكر بعض المسائل الاصولية او النكات في حلقة ثم لا نعيد بحثها في الحلقة التالية اكتفاء‌ا بما تقدم لاستيفاء حاجة المرحلة - اي مرحلة السطح - بذلك المقدار، وهذا ما وقع مثلا في بحث الطرق التي يمكن استعمالها لاثبات السيرة المعاصرة للمعصومين عليهم السلام فاننا استعرضنا اربع طرق في الحلقة الثانية ولم نجد موجبا لاعادة البحث عن ذلك في الحلقة الثالثة.

وانما نجمع كل الكمية التي تحتاجها مرحلة السطح في حلقة متقدمة احيانا لاحد اسباب، اما لسهولة مفردات الكمية وامكان تفهمها من قبل طلبة تلك الحلقة، واما لوجود حاجة ماسة إلى تفهم تلك الكمية بكاملها في تلك الحلقة بالذات لارتباط فهم جملة من مسائلها الاخرى بذلك، واما للامرين معا كما هو الحال في البحث المشار اليه - أي بحث الطرق لاثبات السيرة المعاصرة - فانه بحث عرفي قريب من الفهم وليس طالب الحلقة الثانية بحاجة إلى مران علمي اكبر لاستيعابه وهو في نفس الوقت يشكل الاساس لفهم طريقة استدلال الحلقة نفسها بالسيرة على حجية خبر الثقة وعلى حجية الظهور وعلى حجية الاطمئنان.

[27]

ثامنا: انا لم ندخل على العبارة الاصولية تطويرا مهما ولم نتوخ ان تكون العبارة في الحلقات الثلاث وفقا لاساليب التعبير الحديث وانما حاولنا ذلك إلى حد ما في الحلقة الاولى فقط، واما في الحلقتين الثانية والثالثة فقد حرصنا ان تكون العبارة سليمة ووافية بالمعنى ولكن لم نحاول جعلها حديثة، ولهذا جاء التعبير في الحلقتين العاليتين مقاربا في روحه العامة للتعبير المألوف في الكتب العلمية الاصولية وان تميز عنه بالسلامة والوضوح ووفاء العبارة بالمعنى وليس ذلك لعدم ايماننا بأهمية تنشئة الطالب الحوزوي على اساليب التعبير الحديث بل لاعتبارين آخرين قدمناهما على ذلك.

أحدهما: اننا نريد ان نمكن الطالب تدريجا من الرجوع إلى الكتب العلمية الاصولية القائمة فعلا وفهمها، وهذا لا يتأتى إلا اذا خاطبناه بعبارة قريبة من مفردات تلك الكتب ولقناه من خلال الحلقات الثلاث المطالب الاصولية بنفس المصطلحات التي تستعملها تلك الكتب حتى ولو كانت هذه المصطلحات تشتمل على خطأ في تركيبها اللفظي، واما اذا كتبنا الحلقات الثلاث بأساليب التعبير الحديث ووضعنا بديلا مناسبا عن المصطلحات القديمة فسوف تنقطع صلة الطالب بمراجع هذا العلم وكتبه ويتعسر عليه الرجوع اليها، وهذا يشكل عقبة كبيرة تواجه نموه العلمي. وعلى هذا الاساس اكتفينا من التجديد في اساليب التعبير الاصولي بما أنجز في الحلقة الاولى وانتقلنا بالطالب في الحلقتين العاليتين إلى ارضية لغوية قريبة مما هو مألوف في كتب الاصول.

والاعتبار الآخر: ان الكتب الدراسية الاصولية والفقهية المكتوبة باللغة العربية تتميز عن أي كتاب دراسي عربي في العلوم المدنية بأنها كتب لا تختص بأبناء لغة دون لغة، وكما يدرسها العربي كذلك يدرسها العربي كذلك يدرسها الفارسي والهندي والافغاني وغيرهم من أبناء الشعوب المختلفة في

[28]

العالم الاسلامي على الرغم من كونها كتبا عربية، وهؤلاء يتلقون ثقافتهم العربية من المصادر القديمة التي لا تهيئ لهم قدرة كافية لفهم اللغة العربية بأساليبها الحديثة، فما لم يحصل بصورة مسبقة تطوير وتعديل في اساليب تثقيف هؤلاء وتعليمهم اللغة العربية يصعب اتخاذ اساليب التعبير الحديث اساسا للتعبير في الكتب الدراسية الاصولية.

تاسعا: اشرنا آنفا إلى انا حرصنا على سلامة العبارة وان تكون واضحة وافية بالمعنى ولكن هذا لا يعني ان تفهم المطالب من العبارة رأسا، وانما توخينا الوضوح والسلامة بالدرجة التي تضمن ان تفهم المطالب من العبارة في حالة دراستها على الاستاذ المختص بالمادة، لان الكتاب الدراسي لا يطلب منه التبسيط اكثر من ذلك كما هو واضح.

نعم يمكن للطالب الالمعي في بعض الحالات ان يمر على الحلقة الاولى مرورا سريعا مع الاستاذ او يقرأها بصورة منفردة ويراجع الاستاذ في بعض النقاط منها، الا ان هذا استثناء والمفروض على العموم ان تدرس الحلقات الثلاث جميعا. وبهذا تختلف الحلقات الثلاث عن الكتب الدراسية الاصولية القائمة فعلا وتتفق مع مناهج الكتب الدراسية الحديثة، فان الكتب الدراسية الاصولية القائمة فعلا لا تحتوي على الصعوبة والتعقيد في الجانب المعنوي والفكري منها فقط، بل انها تشتمل على الصعوبة والتعقيد في الجانب اللفظي والتعبيري أيضا ولهذا تجد عادة ان المدرس حتى بعد ان يشرح الفكرة للطالب تظل العبارة مستعصية على الفهم ويحس الطالب بالحاجة إلى عون الاستاذ في سبيل تطبيق تلك الفكرة على العبارة جملة جملة، وليس ذلك إلا لان العبارة قد طعمت بشئ من الالغاز اما لا يجازها او للالتواء في صياغتها او لكلا الامرين، بينما الكتب الدراسية التي تسير عليها مناهج الدراسة في العالم اليوم لا تحتوي على هذه الصعوبة لان العبارة فيها وافية وهذا ما جرينا عليه في هذه الحلقات،

[29]

فقد جاء‌ت العبارة فيها وافية بالمراد لا بمعنى ان الطالب يقتنص المراد من العبارة فقط بل بمعنى انه حين يشرح له استاذه المعنى يجده منطبقا على العبارة ولا يحس في التعبير بالتواء وتعقيد.

عاشرا: أجدني راغبا في التأكيد من جديد على ان تبني وجهة نظر او طريقة استدلال او مناقشة برهان في هذه الحلقات لا بدل على اختيار ذلك حقا، كما ان المضمون الكامل للحلقات الثلاث لا يمثل الوضع التفصيلي لمباحثنا الاصولية ولا يصل إلى مداها كما أو كيفا. ومن هنا كان على الراغبين في الاطلاع على متبنياتنا الحقيقية في الاصول وعلى نظرياتنا واساليب استدلالنا بكامل ابعادها ان يرجعوا إلى (بحوث في علم الاصول).

بقي أخيرا ان نوجه بعض الارشادات إلى الطلبة الكرام الذين اعدت هذه الحلقات الثلاث لهم وإلى أساتذتهم الاعلام وذلك ضمن ما يلي: إولا: ان الجدير بتدريس (الكفاية) قادر على تدريس الحلقات الثلاث جميعا، كما ان القادر على تدريس (المعالم) قادر على تدريس الحلقة الاولى، والقادر على تدريس (أصول الفقه) يقدر على تدريس الحلقة الثانية بدون شك فضلا عن الاولى.

ثانيا: ان المرجع لطلبة الحلقة الثالثة ان يطالعوا قبل درس كل مسألة فيها المسألة نفسها من الحلقة السابقة لان ذلك يساعدهم على سرعة تفهم الدرس الجديد الذي كثيرا ما يشتمل جزء منه على نفس المطالب المتقدمة في الحلقة السابقة ولكن بشكل مضغوط وموجز. كما انا نرجح لمن يقوم بتدريس الحلقة الثانية ان يطالع عند التحضير نفس المبحث من الحلقة الثالثة لان ذلك يعطيه رؤية أوضح لما يريد أن يتولى تدريسه.

[30]

ثالثا: ان طلبة الحلقة الاولى يناسبهم ان يطالعوا المعالم الجديدة في الاصول لان هذه الحلقة هي اختصار مع شئ من التعديل والتطوير لكتاب المعالم الجديدة في الاصول، والفارق بينهما ان كتاب المعالم الجديدة حينما وضعناه أدخلنا في حسابنا الهواة ايضا وحاولنا ان نشرح الافكار فيه بطريقة تتيح لهم ان يفهموها من الكتاب نفسه بدون حاجة إلى مدرس، واما الحلقة الاولى من هذه الحلقات الثلاث فقد وضعناها لطلبة العلم خاصة وافترضنا انها تتلقى من خلال الدرس.

رابعا: ان من المفيد ان يتخذ الطالب من بعض الكتب الدراسية القديمة مراجع له ككتابي (اصول الفقه) و (الكفاية) خلال البحث، وحيث ان المنهجة مختلفة فالمأمول في مدرسي الحلقة الثالثة ان يرشدوا تلاميذهم إلى موضع المسألة التي يدرسونها ومحل التعرض لها في كتابي اصول الفقه والكفاية لان ذلك يوسع من مدارك الطالب ويسرع به نحو النضج العلمي المطلوب.

خامسا: ينبغي للطالب ان يحاول استيعاب شرح الاستاذ وكتابته لكي تنمو لديه ملكة الكتابة العلمية وتترسخ في ذهنه مصطلحات العلم ولغته وافكاره ويكون اكثر استعدادا لكتابة ابحاث الخارج فيما بعد.

هذا ونسأل المولى سبحانه وتعالى ان يتقبل هذا بلطفه وينفع به طلبتنا وابناء‌نا الاعزاء في الحوزات العلمية وان ينفعنا به يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم والحمد لله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

النجف الاشرف

 محمد باقر الصدر

 18 رجب 1397 ه‍.

الحلقة الاولى

التمهيد

[33]

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

وبعد فإن هذه هي الحلقة الاولى من دروس في علم الاصول وضعناها للمبتدئين بدراسة هذا العلم وتتبعها حلقتان أخريان إن شاء الله تعالى ويتكامل من خلال الحلقات الثلاث إعداد الطالب للدراسة العليا وحضور أبحاث الخارج وقد شرحنا في مقدمة هذه الحلقة ما يتعلق بهذه الحلقات الثلاث ومنهجها وطريقة تدريسها إن شاء الله تعالى ومن الله سبحانه نستمد العون والتوفيق.

النجف الاشرف

 محمد باقر الصدر

 جمادي الاولى 1397 ه‍.

التعريف بعلم الاصول

كلمة تمهيدية

بسم الله الرحمن الرحيم

بعد أن آمن الانسان بالله والاسلام والشريعة، وعرف أنه مسؤول بحكم كونه عبد لله تعالى عن إمتثال أحكامه، يصبح ملزما بالتوفيق بين سلوكه في مختلف مجالات الحياة والشريعة الاسلامية، وبإتخاذ الموقف العملي الذي تفرضه عليه تبعيته للشريعه، ولاجل هذا كان لزاما على الانسان أن يعين هذا الموقف العملي، ويعرف كيف يتصرف في كل واقعة. ولو كانت أحكام الشريعة في كل الوقائع واضحة وضوحا بديهيا للجميع لكان تحديد الموقف العملي المطلوب تجاه الشريعة في كل واقعة أمرا ميسورا لكل أحد، ولما إحتاج إلى بحث علمي ودراسة واسعة، ولكن عوامل عديدة منها بعدنا الزمني عن عصر التشريع أدت إلى عدم وضوح عدد كبير من أحكام الشريعة وإكتنافها بالغموض.

وعلى هذا الاساس كان من الضروري أن يوضع علم يتولى دفع الغموض عن الموقف العملي تجاه الشريعة في كل واقعة بإقامة الدليل على تعيينه. وهكذا كان فقد أنشى علم الفقه للقيام بهذه المهمة، فهو يشتمل على تحديد الموقف العملي تجاه الشريعة تحديدا إستدلاليا والفقيه في علم الفقه يمارس إقامة الدليل على تعيين الموقف العملي في كل حدث من أحداث

[36]

الحياة، وهذا ما نطلق عليه إسم عملية إستنابط الحكم الشرعي.

ولاجل هذا يمكن القول بأن علم الفقه هو: علم إستنابط الاحكام الشرعية أو علم عملية الاستنباط بتعبير آخر.

وتحديد الموقف العملي بدليل يتم في علم الفقه بأسلوبين: أحدهما: تحديده بتعيين الحكم الشرعي.

والآخر: تحديد الوظيفة العملية تجاه الحكم المشكوك بعد إستحكام الشك وتعذر تعيينه. والادلة التي تستعمل في الاسلوب الاول نسميها بالادلة أو الادلة المحرزة إذ يحرز بها الحكم الشرعي والادلة التي تستعمل في الاسلوب الثاني تسمى بالادلة العمليه أو الاصول العملية. وفي كلا الاسلوبين يمارس الفقيه في علم الفقه إستنباط الحكم الشرعي أي يحدد الموقف العملي تجاهه بالدليل. وعمليات الاستنابط التي يشتمل عليها علم الفقه بالرغم من تعددها وتنوعها تشترك في عناصر موحدة وقواعد عامة تدخل فيها على تعددها وتنوعها، وقد تطلبت هذه العناصر المشتركه في عملية الاستنباط وضع علم خاص بها لدراستها وتحديدها وتهيئتها لعلم الفقه فكان علم الاصول.

تعريف علم الاصول

وعلى هذا الاساس نرى أن يعرف علم الاصول بأنه " العلم بالعناصر المشتركة في عملية إستنباط الحكم الشرعي ".

ولكي نستوعب هذا التعريف يجب أن نعرف ما هي العناصر المشتركة في عملية الاستنباط. ولنذكر - لاجل ذلك - نماذج بدائية من هذه العمليه في صيغ مختصرة

[37]

لكي نصل عن طريق دراسة هذه النماذج والمقارنة بينها إلى فكرة العناصر المشتركة في عملية الاستنباط.

إفرضوا أن فقيها واجه هذه الاسئلة: 1 - هل يحرم على الصائم أن يرتمس في الماء؟ 2 - هل يجب على الشخص إذا ورث مالا من أبيه أن يؤدي خمسه؟ 3 - هل تبطل الصلاة بالقهقهة في أثنائها؟ فإذا أراد الفقيه أن يجيب على هذه الاسئلة فإنه سوف يجيب على السؤال الاول مثلا بالايجاب وانه يحرم الارتماس على الصائم ويستنبط ذلك بالطريقة التالية: قد دلت رواية يعقوب بن شعيب عن الامام الصادق (عليه السلام) على حرمة الارتماس على الصائم فقد جاء فيها أنه قال: لا يرتمس المحرم في الماء ولا الصائم.

والجملة بهذا التركيب تدل في العرف العام على الحرمة وراوي النص يعقوب ين شعيب ثقة والثقة وإن كان قد يخطى أو يشذ أحيانا ولكن الشارع أمرنا بعدم إتهام الثقة بالخطإ أو الكذب وإعتبره حجة، والنتيجة هي أن الارتماس حرام.

ويجيب الفقيه على السؤال الثاني بالنفي لان رواية علي بن مهزيار جاء‌ت في مقام تحديد الاموال التي يجب فيها الخمس وورد فيها أن الخمس ثابت في الميراث الذي لا يحتسب من غير أب ولا ابن، والعرف العام يفهم من هذه الجملة أن الشارع لم يجعل خمسا على الميراث الذي ينتقل من الاب إلى ابنه، والراوي ثقة وخبر الثقة حجه، والنتيجه هي أن الخمس في تركة الاب غير واجب.

ويجيب الفقيه على السؤال الثالث بالايجاب بدليل رواية زرارة عن الامام الصادق أنه قال: " القهقهة لا تنقض الوضوء وتنقض الصلاة " والعرف العام

[38]

يفهم من النقض أن الصلاة تبطل بها وزرارة ثقة وخبر الثقة حجة، فالصلاة مع القهقهة باطلة إذن.

وبملاحظة هذه المواقف الفقهية الثلاثة نجد أن الاحكام التي إستنبطها الفقيه كانت من أبواب شتى من الفقه، وأن الادلة التي إستند إليها الفقيه مختلفة، فبالنسبة إلى الحكم الاول إستند إلى رواية يعقوب بن شعيب، وبالنسبة إلى الحكم الثاني إستند إلى رواية علي إبن مهزيار، وبالنسبة إلى الحكم الثالث استند إلى رواية زرارة ولكل من الروايات الثلاث متنها وتركيبها اللفظي الخاص الذي يجب أن يدرس بدقة ويحدد معناه، ولكن توجد في مقابل هذا التنوع وهذه والاختلافات بين المواقف الثلاثة عناصر مشتركة أدخلها الفقيه في عمليه الاستنباط في المواقف الثلاثة جميعا.

فمن تلك العناصر المشتركة الرجوع إلى العرف العام في فهم الكلام الصادر عن المعصوم، وهو ما يعبر عنه بحجية الظهور العرفي فحجية الظهور إذن عنصر مشترك في عمليات الاستنباط الثلاث، وكذلك يوجد عنصر مشترك آخر وهو حجية خبر الثقة. وهكذا نستنتج أن عمليات الاستنابط تشتمل على عناصر مشتركة كما تشتمل على عناصر خاصة، ونعني بالعناصر الخاصة تلك العناصر التي تتغير من مسألة إلى أخرى فرواية يعقوب إبن شعيب عنصر خاص في عملية إستنباط حرمة الارتماس لانها لم تدخل في عمليات الاستنابط الاخرى بل دخلت بدلا عنها عناصر خاصة أخرى كرواية علي بن مهزيار ورواية زرارة.

ونعني بالعناصر المشتركة القواعد العامة التي تدخل في عمليات إستنابط أحكام عديدة في أبواب مختلفة. وفي علم الاصول تدرس العناصر المشتركة وفي علم الفقه تدرس العناصر الخاصة في كل مسألة. وهكذا يترك للفقيه في كل مسألة أن يفحص بدقة الروايات والمدارك

[39]

الخاصة التي ترتبط بتلك المسألة ويدرس قيمة تلك الروايات ويحاول فهم ألفاظها وظهورها العرفي وأسانيدها بينما يتناول الاصولي البحث عن حجية الظهور وحجية الخبر وهكذا.

وعلم الاصول لا يحدد العناصر المشتركة فحسب بل يحدد أيضا درجات إستعمالها والعلاقة بينها كما سنرى في البحوث المقبلة إن شاء الله تعالى.

موضوع علم الاصول

لكل علم - عادة - موضوع أساسي ترتكز جميع بحوثه عليه وتدور حوله وتستهدف الكشف عما يرتبط بذلك الموضوع من خصائص وحالات وقوانين، فالفيزياء مثلا موضوعها الطبيعة وبحوث الفيرياء ترتبط كلها بالطبيعة وتحاول الكشف عن حالاتها وقوانينها العامة. والنحو موضوعه الكلمة لانه يبحث عن حالات إعرابها وبنائها رفعها ونصبها.

فما هو موضوع علم الاصول الذي تدور حوله بحوثه؟.

ونحن إذا لاحظنا التعريف الذي قدمناه لعلم الاصول إستطعنا أن نعرف أن علم الاصول يدرس في الحقيقة الادلة المشتركة في علم الفقه لاثبات دليلتها، وبهذا صح القول بأن موضوع علم الاصول هو الادلة المشتركة في عملية الاستنباط.

علم الاصول منطق الفقه

 ولا بد أن معلوماتكم عن علم المنطق تسمح لنا أن نستخدمه كمثال لعلم الاصول، فإن علم المنطق كما تعلمون يدرس في الحقيقة عملية التفكير مهما كان مجالها وحقلها العلمي، ويحدد النظام الذي يجب أن تتعبه لكي يكون التفكير سليما، مثلا يعلمنا علم المنطق كيف يجب أن ننهج في الاستدلال

[40]

بوصفه عملية تفكير لكي يكون الاستدلال صحيحا، كيف نستدل على أن سقراط فان؟ وكيف نستدل على أن نار الموقد الموضوع أمامي محرقة؟ وكيف نستدل على أن مجموع زوايا المثلث تساوي قائمتين؟ وكيف نستدل على أن الخط الممتد بدون نهاية مستحيل؟ كل هذا يجيب عليه علم المنطق بوضع المناهج العامة للاستدلال كالقياس والاستقراء، فهو إذن علم لعملية التفكير إطلاقا.

وعلم الاصول يشابه علم المنطق من هذه الناحية غير أنه يبحث عن نوع خاص من عملية التفكير أي عن عملية التفكير الفقهي في إستنباط الاحكام، ويدرس العناصر المشتركة التي يجب أن تدخل فيها لكي يكون الاستنباط سليما، فهو يعلمنا كيف نستنبط الحكم بحرمة الارتماس على الصائم؟ وكيف نستنبط إعتصام ماء الكر؟ وكيف نستنبط الحكم بإستحباب صلاة العيد أو وجوبها؟ وذلك بوضع المناهج العامة وتحديد العناصر المشتركة لعملية الاستنباط. وعلى هذا الاساس يصح أن يطلق على علم الاصول إسم منطق علم الفقه لانه بالنسبة إليه بمثابة المنطق بالنسبة إلى الفكر البشري بصورة عامة.

 أهمية علم الاصول في عملية الاستنباط

 ولسنا بعد ذلك بحاجة إلى التأكيد على أهمية علم الاصول وخطورة دوره في عالم الاستنباط لانه ما دام يقدم لعملية الاستنباط عناصرها المشتركة ويضع لها نظامها العام فهو عصب الحياة فيها، وبدون علم الاصول يواجه الشخص في الفقه ركاما متناثرا من النصوص والادلة دون أن يستطيع إستخدامها والاستفادة منها في الاستنباط، كإنسان يواجه أدوات النجارة ويعطى منشارا وفأسا وما إليها من أدوات دون أن يملك أفكارا عامة عن

[41]

عملية النجارة وطريقة إستخدام تلك الادوات.

وكما أن العناصر المشتركة ضرورية لعملية الاستنباط فكذلك العناصر الخاصة التي تختلف من مسألة إلى أخرى كمفردات الآيات والروايات المتناثرة فإنها الجزء الضروري الآخر فيها، فلا يكفي مجرد الاطلاع على العناصر المشتركة التي يمثلها علم الاصول ومن يحاول الاستنباط على أساس الاطلاع الاصولي فحسب نظير من يملك معلومات نظرية عامة عن عملية النجارة ولا يوجد لديه فأس ولا منشار وما إليهما من أدوات النجارة فكما يعجز هذا عن صنع سرير خشبي مثلا كذلك يعجز الاصولي عن الاستنباط إذ لم يفحص بدقة العناصر الخاصة المتغيرة من مسألة إلى أخرى.

فالعناصر المشتركة والعناصر الخاصة قطبان مندمجان في عملية الاستنباط ولا غنى للعملية عنهما معا.

الاصول والفقه يمثلان النظرية والتطبيق

 ونخشى أن نكون قد أوحينا اليكم بتصور خاطى حين أو ضحنا أن المستنبط يدرس في علم الاصول العناصر المشتركة ويحددها ويتناول في بحوث علم الفقه العناصر الخاصة ليكمل بذلك عملية الاستنباط، إذ قد يتصور البعض أنا إذا درسنا في علم الاصول العناصر المشتركة في عملية الاستنباط وعرفنا مثلا حجية الخبر وحجية الظهور وما إليهما من العناصر الاصولية فلا يبقى علينا بعد ذلك أي جهد علمي، إذ لا نحتاج ما دمنا نملك تلك العناصر إلا إلى مجرد إستخراج الروايات والنصوص من مواضعها لكي تضاف إلى العناصر المشتركة ويستنبط منها الحكم الشرعي، وهو عمل سهل بطبيعته لا يشتمل على جهد علمي.

ولكن هذا التصور خاطى إلى درجة كبيرة لان المجتهد إذا مارس

[42]

العناصر المشتركة لعملية الاستنباط وحددها في علم الاصول لا يكتفي بعد ذلك بتجميع أعمى للعناصر الخاصة من كتب الاحاديث والروايات مثلا بل يبقى عليه أن يمارس في علم الفقه تطبيق تلك العناصر المشتركة ونظرياتها العامة على العناصر الخاصة، والتطبيق مهمة فكرية بطبيعتها تحتاج إلى درس وتمحيض، ولا يغني الجهد العلمي المبذول أصوليا عن بذل جهد جديد في التطبيق، فلنفرض مثلا أن المجتهد آمن في علم الاصول بحجية الظهور العرفي فهل يكفيه أن يضع إصبعه على رواية علي بن مهزيار التي حددت مجالات الخمس مثلا يضيفها إلى العنصر المشترك ويستنبط من ذلك عدم وجوب الخمس في ميراث الاب؟ أو ليس المجتهد بحاجة إلى تدقيق مدلول النص في الرواية لمعرفة نوع مدلوله في العرف العام ودراسة كل ما يرتبط بتحديد ظهوره العرفي من قرائن وإمارات داخل إطار النص أو خارجه لكي يتمكن بأمانة من تطبيق العنصر المشترك القائل بحجية الظهور العرفي؟ وفي هذا الضوء نعرف أن البحث الفقهي عن العناصر الخاصة في عملية الاستنباط ليس مجرد عملية تجميع، بل هو مجال التطبيق للنظريات الاصولية، وتطبيق النظريات العامة له دائما موهبته الخاصة ودقته ومجرد الدقة في النظريات العامة لا يغني عن الدقة في تطبيقها، ألا ترون أن من يدرس بعمق النظريات العامة في الطب يحتاج في مجال تطبيقها على حالة مرضية إلى دقة وإنتباه كامل وتفكير في تطبيق تلك النظريات على المريض الذي بين يديه.

التفاعل بين الفكر الاصولي والفكر الفقهي

عرفنا أن علم الاصول يقوم بدور المنطق بالنسبة إلى علم الفقه والعلاقة بينهما علاقة النظرية والتطبيق، وهذا الترابط الوثيق بينهما يفسر لنا التفاعل المتبادل بين الذهنية الاصولية على صعيد النظريات من ناحية وبين الذهنية الفقهية على صعيد التطبيق من ناحية أخرى، لان توسع بحوث التطبيق يدفع

[43]

بحوث النظرية خطوة إلى الامام لانه يثير أمامها مشاكل ويضطرها إلى وضع النظريات العامة لحولها، كما أن دقة البحث في النظريات الاصولية تنعكس على صعيد التطبيق إذ كلما كانت النظريات أوفر وأدق تطلبت طريقة تطبيقها دقة وعمقا أكبر.

وهذا التفاعل بين الذهنيتين الاصولية والفقهية يؤكده تاريخ العلمين على طول الخط، وتكشف عنه بوضوح دراسة المراحل التي مر بها البحث الفقهي والبحث الاصولي في تاريخ العلم، فقد نشأ علم الاصول في أحضان علم الفقه كما نشأ علم الفقه في أحضان علم الحديث.

ولم يكن علم الاصول مستقلا عن علم الفقه في البداية ومن خلال نمو علم الفقه وإتساع أفق التفكير الفقهي أخذت الخيوط العامة، والعناصر المشتركة في عملية الاستنباط تبدو وتتكشف وأخذ الممارسون للعمل الفقهي يلاحظون إشتراك عمليات الاستنباط في عناصر عامة لا يمكن إستخراج الحكم الشرعي بدونها، وكان ذلك إيذانا بمولد علم الاصول وإتجاه الذهنية الفقهية إتجاها أصوليا، فانفصل علم الاصول عن علم الفقه في البحث والتصنيف وأخذ يتسع ويشرى تدريجا من خلال نمو الفكر الاصولي من ناحية وتبعا لتوسع البحث الفقهي من ناحية أخرى، لان إتساع نطاق التطبيق الفقهي كان يلفت أنظار الممارسين إلى مشاكل جديدة فتوضع للمشاكل حلولها المناسبة وتتخذ الحلول صورة العناصر المشتركة في علم الاصول.

وكلما بعد الفقيه عن عصر النص تعدد جوانب الغموض في فهم الحكم من مداركه الشرعية وتنوعت الفجوات في عملية الاستنباط نتيجة للبعد الزمني، فيحس أكثر فاكثر بالحاجة إلى تحديد قواعد عامة يعالج بها جوانب الغموض ويملا بها تلك الفجوات، وبهذا كانت الحاجة إلى علم الاصول تاريخية بمعنى أنها تشتد وتتأكد كلما إبتعد الفقيه تاريخيا عن عصر النص وتراكمت الشكوك على عملية الاستنباط التي يمارسها.

[44]

وعلى هذا الاساس يمكن أن نفسر الفارق الزمني بين إزدهار علم الاصول في نطاق التفكير الفقهي السني وإزدهاره في نطاق تكفيرنا الفقهي الامامي، فإن التاريخ يشير إلى أن علم الاصول ترعرع وإزدهر نسبيا في نطاق الفقه السني قبل ترعرعه وإزدهاره في نطاقنا الفقهي الامامي، وذلك لان المذهب السني كان يزعم إنتهاء عصر النصوص بوفاة النبي صلى الله عليه وآله فحين إجتاز الفكر الفقهي السني القرن الثاني كان قد إبتعد عن عصر النصوص بمسافة زمنية كبيرة تخلق بطبيعتها الثغرات والفجوات.

وأما الامامية فقد كانوا وقتئذ يعيشون عصر النص الشرعي لان الامام إمتداد لوجود النبي فكانت المشاكل التي يعانيها فقهاء الاماية في الاستنباط أقل بكير إلى الدرجة التي لا تفسح المجال للاحساس بالحاجة الشديدة إلى وضع علم الاصول ولهذا نجد أن الامامية بمجر ان انتهى عصر النصوص بالنسبة إليهم ببدء الغيبة أو بإنتهاء الغيبة الصغرى بوجه خاص تفتحت ذهنيتهم الاصولية وإقبلوا على درس العناصر المشتركة.

وهذا لا يعني طبعا أن بذور التفكير الاصولي لم توجدل لدى فقهاء أصحال الائمة بل قد وجدت هذه البذور منذ أيام الصادقين عليهما السلام على المستورى المناسب لتلك المرحلة، ومن الشواهد التاريخية على ذلك ما ترويه كتب الحديث من أسئلة ترتبط بجملة من العناصر المشتركة في عملية الاستنباط وجهها عدد من الرواه إلى الامام الصادق وغيره من الائمة عليهم السلام وتلقوا جوابا منهم، فإن تلك الاسئلة تكشف عن وجود بذرة التفكير الاصولي عندهم. ويعزز ذلك أن بعض أصحاب الائمة ألفوا رسائل في بعض المسائل الاصولية كهشام بن الحكم من أصحاب الامام الصادق الذي روي أنه ألف رسالة في الالفاظ.

جواز عملية الاستنباط

ما دام علم الاصول يرتبط بعملية الاستنباط ويحدد عناصرها المشتركة فيجب أن نعرف قبل كل شئ موقف الشريعة من هذه العملية، فهل سمح الشارع لاحد بممارستها لكي يوجد مجال لوضع علم لدراسة عناصرها المشتركة؟ والحقيقة أن مسألة جواز الاستنباط حين تطرح للبحث بالصيغة التي طرحناها لا يبدو أنها جديرة بالنقاش، لاننا حين نتسأل هل يجوز لنا ممارسة عملية الاستنباط أو لا؟ يجي الجواب على البداهة بالايجاب، لان عملية الاستنباط كما تقدم عبارة عن تحديد الموقف العملي تجاه الشريعة تحديدا إستدلاليا، ومن البديهي أن الانسان بحكم تبعيته للشريعة ملزم بتحديد موقفه العملي منها، ولما لم تكن أحكام الشريعة غالبا في البداهة والوضوح بدرجة تغني عن إقامة الدليل، فليس من المعقول أن يحرم على الناس جميعا تحديد الموقف العملي تحديدا إستدلاليا. ولكن لسوء الحظ اتفق لهذه المسألة أن اكتسبت صيغة أخرى لا تخلو عن غموض وتشويش، فأصبحت مثارا للاختلاف نتيجة لذلك الغموض والتشويش، فقد إستخدمت كلمة الاجتهاد للتعبير عن عملية الاستنباط.

وطرح السؤال هكذا هل يجوز الاجتهاد في الشريعة؟ وحينما دخلت كلمة الاجتهاد في السؤال وهي كلمة مرت بمصطلحات عديدة في تاريخها - أدت

[46]

إلى إلقاء ظلال تلك المصطلحات السابقة على البحث، ونتج عن ذلك أن أجاب البعض على السؤال بالنفي، وأدى ذلك إلى شجب علم الاصول كله لانه إنما يراد لاجل الاجتهاد، فإذا ألغي الاجتهاد لم تعد حاجة إلى علم الاصول. وفي سبيل توضيح ذلك يجب أن نذكر التطور الذي مرت به كلمة الاجتهاد، لكي نتبين كيف أن النزاع الذي وقع حول جواز عملية الاستنباط والضجة التي أثيرت ضدها لم يكن إلا نتيجة فهم غير دقيق للاصطلاح العلمي، وغفلة عن التطورات التي مرت بها كلمة الاجتهاد في تاريخ العلم.

الاجتهاد في اللغة مأخوذ من الجهد وهو " بذل الوسع للقيام بعمل ما " وقد إستعملت هذه الكلمة - لاول مرة - على الصعيد الفقهي للتعبير بها عن قاعدة من القواعد التي قررتها بعض مدارس الفقه السني وسارت على أساسها وهي القاعدة القائلة: " إن الفقيه إذا أراد أن يستنبط حكما شرعيا ولم يجد نصا يدل عليه في الكتاب أو السنة رجع إلى الاجتهاد بدلا عن النص ".

والاجتهاد هنا يعني التفكير الشخصي، فالقيه حيث لا يجد النص يرجع إلى تفكيره الخاص ويستلهمه ويبني على ما يرجع في فكره الشخصي من تشريع، وقد يعبر عنه بالرأي أيضا. والاجتهاد بهذا المعنى يعتبر دليلا من أدلة الفقيه ومصدرا من مصادره، فكما أن الفقيه قد يستند إلى الكتاب أو السنة ويستدل بهما معا كذلك يستند في حالات عدم توفر النص إلى الاجتهاد الشخصي ويستدل به.

وقد نادت بهذا المعنى للاجتهاد مدارس كبيرة في الفقه السني، وعلى رأسها مدرسة أبي حنيفة. ولقي في نفس الوقت معارضة شديدة من أئمة أهل البيت (ع) والفقهاء الذين ينتسبون إلى مدرستهم.

[47]

وتتبع كلمة الاجتهاد يدل على أن الكلمة حملة هذا المعنى وكانت تستخدم للتعبير عنه منذ عصر الائمة إلى القرن السابع فالروايات المأثورة عن أئمة أهل البيت (ع) تذم الاجتهاد وتريد به ذلك المبدأ الفقهي الذي يتخذ من التفكير الشخصي مصدرا من مصارد الحكم، وقد دخلت الحملة ضد هذا المبدأ الفقهي دور التصنيف في عصر الائمة أيضا والرواة الذين حملوا آثارهم، وكانت الحملة تستعمل كلمة الاجتهاد غالبا للتعبير عن ذلك المبدأ وفقا للمصطلح الذي جاء في الروايات، فقد صنف عبدالله بن عبدالرحمن الزبيري كتبا أسماه " الاستفادة في الطعون على الاوائل والرد على أصحاب الاجتهاد والقياس ".

وصنف هلال بن إبراهيم بن ابي الفتح المدني كتابا في الموضوع بإسم كتاب " الرد على من رد آثار الرسول وإعتمد على نتائج العقول "، وصنف في عصر الغيبة الصغرى أو قريبا منه إسماعيل بن علي ابن اسحاق بن أبي سهل النوبختي كتابا في الرد على عيسى بن أبان في الاجتهاد، كما نص على ذلك كله النجاشي صاحب الرجال في ترجمة كل واحد من هؤلاء.

وفي أعقاب الغيبة الصغرى نجد الصدوق في أواسط القرن الرابع يواصل تلك الحملة، ونذكر له على سبيل المثال تعقيبه على قصة موسى والخضر، إذ كتب يقول: " أن موسى مع كمال عقله وفضله ومحله من الله تعالى لم يدرك بإستنباطه وإستدلاله معنى أفعال الخضر حتى إشتبه عليه وجه الامر به، فإذات لم يجز لانبياء الله ورسله القياس والاستدلال والاستخراج كان من دونهم من الامم أولى بأن لايجوز لهم ذلك... فإذا لم يصلح موسى للاختيار - مع فضله ومحله - فكيف تصلح الامة لاختيار الامام، وكيف يصلحون لاستنباط الاحكام الشرعية وإستخراجها بعقولهم الناقصة وآرائهم المتفاوتة ".

وفي أواخر القرن الرابع يجى الشيخ المفيد فيسير على نفس الخط ويهجم

[48]

على الاجتهاد، وهو يعبر بهذه الكلمة عن ذلك المبدأ الفقهي الآنف الذكر ويكتب كتابا في ذلك بإسم " النقض على ابن الجنيد في أجتهاد الرأي ". ونجد المصطلح نفسه لدى السيد المرتضى في أوائل القرن الخامس، إذ كتب في الذريعة يذم الاجتهاد ويقول: " إن الاجتهاد باطل، وإن الامامية لا يجوز عندهم العمل بالظن ولا الرأي ولا الاجتهاد ". وكتب في كتابه الفقهي " الانتصار " معرضا بابن الجنيد - قائلا: " إنما عول ابن الجنيد في هذه المسألة على ضرب من الرأي والاجتهاد وخطأه ظاهر " وقال في مسألة مسح الرجلين في فصل الطهارة من كتاب الانتصار: " إنا لا نرى الاجتهاد ولا نقول به ".

وإستمر هذا الاصطلاح في كلمة الاجتهاد بعد ذلك أيضا فالشيخ الطوسي الذي توفي في أواسط القرن الخامس يكتب في كتاب العدة قائلا: " إما القياس والاجتهاد فعندنا إنهما ليسا بدليلين، بل محظور في الشريعة إستعمالها".

وفي أواخر القرن السادس يستعرض إبن إدريس في مسألة تعارض البينتين من كتابه السرائر عددا من المرجحات لاحدى البينتين على الاخرى ثم يعقب ذلك قائلا: " ولا ترجيح بغير ذلك عند أصحابنا، والقياس والاستحسان والاجتهاد باطل عندنا ".

وهكذا تدل هذه النصوص بتعاقبها التاريخي المتتابع على أن كلمة الاجتهاد كانت تعبيرا عن ذلك المبدأ الفقهي المتقدم إلى أوائل القرن السابع، وعلى هذا الاساس إكتسبت الكلمة لونا مقيتا وطابعا من الكراهية والاشمئزاز في الذهنية الفقهية الامامية نتيجة لمعارضة ذلك المبدأ والايمان ببطلانه.

[49]

ولكن كلمة الاجتهاد تطورت بعد ذلك في مصطلح فقهائنا ولا يوجد لدينا الآن نص شيعي يعكس هذا التطور أقدم تاريخا من كتاب المعارج للمحقق الحلي المتوفي سنة(676 ه‍)، إذ كتب المحقق تحت عنوان حقيقة الاجتهاد يقول: " وهو في عرف الفقهاء بذل الجهد في إستخراج الاحكام الشرعية، وبهذا الاعتبار يكون إستخراج الاحكام من أدلة الشرع إجتهادا، لانها تبتني على إعتبارات نظرية ليست مستفادة من ظواهر النصوص في الاكثر، سواء كان ذلك الدليل قياسا أو غيره، فيكون القياس على هذا التقرير أحد أقسام الاجتهاد.

فإن قيل: يلزم - على هذا - أن يكون الامامية من أهل الاجتهاد.

قلنا: الامر كذلك لكن فيه إيهام من حيث أن القياس من جملة الاجتهاد، فإذا إستثني القياس كنا من أهل الاجتهاد في تحصيل الاحكام بالطرق النظرية التي ليس أحدها القياس ".

ويلاحظ على هذا النص بوضوح أن كلمة الاجتهاد كانت لا تزال في الذهنية الاساسية مثقلة بتبعة المصطلح الاول، ولهذا يلمح النص إلى أن هناك من يتحرج من هذا الوصف ويثقل عليه أن يسمي فقهاء الامامية مجتهدين. ولكن المحقق الحلي لم يتحرج عن إسم الاجتهاد بعد أن طوره أو تطور في عرف الفقهاء تطويرا يتفق مع مناهج الاستنباط في الفقه الامامي، إذ بينما كان الاجتهاد مصدرا للفقيه يصدر عنه ودليلا يستدل به كما يصدر عن آية أو رواية، أصبح في المصطلح الجديد يعبر عن الجهد الذي يبذله الفقيه في إستخراج الحكم الشرعي من أدلته ومصادره، فلم يعد مصدرا من مصادر الاستنباط، بل هو عملية إستنباط الحكم من مصادره التي يمارسها الفقيه. والفرق بين المعنيين جوهري للغاية، إذ كان على الفقيه - على أساس

[50]

المصطلح الاول للاجتهاد - أن يستنبط من تفكيره الشخصي وذوقه الخاص في حالة عدم توفر النص، فإذا قيل له: ما هو دليلك ومصدر حكمك هذا؟ إستدل بالاجتهاد وقال: الدليل هو إجتهادي وتفكيري الخاص.

واما المصطلح الجديد فهو لا يسمح للفقيه أن يبرر أي حكم من الاحكام بالاجتهاد لان الاجتهاد بالمعنى الثاني ليس مصدرا للحكم بل هو عملية إستنباط الاحكام من مصادرها، فإذا قال الفقيه " هذا إجتهادي " كان معناه أن هذا هو ما إستنبطه من المصادر والادلة، فمن حقنا أن نسأله ونطلب منه أن يدلنا على تلك المصادر والادلة التي إستنبط الحكم منها.

وقد مر هذا المعنى الجديد لكلمة الاجتهاد بتطور أيضا، فقد حدده المحقق الحلي في نطاق عمليات الاستنباط التي لا تستند إلى ظواهر النصوص، فكل عملية استنباط لا تستند إلى ظواهر النصوص تسمى إجتهادا دون ما يستند إلى تلك الظواهر. ولعل الدافع إلى هذا التحديد أن إستنباط الحكم من ظاهر النص ليس فيه كثير جهد أو عناء علمي ليسمى إجتهادا.

ثم إتسع نطاق الاجتهاد بعد ذلك فأصبح يشمل عملية إستنباط الحكم من ظاهر النص أيضا، لان الاصوليين بعد هذا لاحظوا بحق أن عملية إستنباط الحكم من ظاهر النص تستبطن كثيرا من الجهد العلمي في سبيل معرفة الظهور وتحديده وإثبات حجية الظهور العرفي. ولم يقف توسع الاجتهاد كمصطلح عند هذا الحد، بل شمل في تطور حديث عملية الاستنباط بكل ألوانها، فدخلت في الاجتهاد كل عملية يمارسها الفقيه لتحديد الموقف العملي تجاه الشريعة عن طريق إقامة الدليل على الحكم الشرعي أو على تعيين الموقف العملي مباشرة.

وهكذا أصبح الاجتهاد يرادف عملية الاستنباط، وبالتالي أصبح علم

[51]

الاصول العلم الضروري للاجتهاد لانه العلم بالعناصر المشتركة في عملية الاستنباط.

وعلى هذا الضوء يمكننا أن نفسر موقف جماعة من علمائنا الاخيار ممن عارضوا كلمة الاجتهاد بما تحمل من تراث المصطلح الاول الذي شن أهل البيت حملة شدية عليه وهو يختلف عن الاجتهاد بالمعنى الثاني، وما دمنا قد ميزنا بين معنيي الاجتهاد فنستطيع أن نيعد إلى المسألة بداهتها ونتبين بوضوح جواز الاجتهاد بالمعنى المرادف لعملية الاستنباط، وتترتب على ذلك ضرورة الاحتفاظ بعلم الاصول، لدراسة العناصر المشتركة في عملية الاستنباط.

الحكم الشرعي وتقسيمه

عرفنا ان علم الاصول يدرس العناصر المشتركة في عملية استنباط الحكم الشرعي، ولاجل ذلك يجب ان نكون فكرة عامة منذ البدء عن الحكم الشرعي الذي يقوم علم الاصول بتحديد العناصر المشتركة في عملية استنباطه.

الحكم الشرعي هو: التشريع الصادر من الله تعالى لتنظيم حياة الانسان. والخطابات الشرعية في الكتاب والسنة مبرزة للحكم وكاشفة عنه، وليست هي الحكم الشرعي نفسه.

وعلى هذا الضوء يكون من الخطأ تعريف الحكم الشرعي بالصيغة المشهورة بين قدماء الاصوليين، إذ يعرفونه بانه الخطاب الشرعي المتعلق بافعال المكلفين، فان الخطاب كاشف عن الحكم والحكم هو مدلول الخطاب.

أضف إلى ذلك ان الحكم الشرعي لا يتعلق بافعال المكلفين دائما، بل قد يتعلق بذواتهم أو بأشياء اخرى ترتبط بهم، لان الهدف من الحكم الشرعي تنظيم حياة الانسان، وهذا الهدف كما يحصل بخطاب متعلق بافعال المكلفين كخطاب " صل " و " صم " و " لا تشرب الخمر " كذلك يحصل بخطاب متعلق بذواتهم أو بأشياء أخرى تدخل في حياتهم من قبيل الاحكام والخطابات التي تنظم علاقة الزوجية وتعتبر المرأة زوجة للرجل في ظل شروط معينة، او تنظيم علاقة الملكية وتعتبر الشخص مالكا للمال في ظل شروط معينه، فان هذه الاحكام ليست متعلقة بافعال المكلفين بل الزوجية حكم

[53]

شرعي متعلق بذواتهم والملكية حكم شرعي متعلق بالمال. فالافضل إذن استبدال الصيغة المشهور بما قلناه من ان الحكم الشرعي هو التشريع الصادر من الله لتنظيم حياة الانسان سواء كان متعلقا بأفعال أو بذاته او بأشياء أخرى داخلة في حياته.

تقسيم الحكم إلى تكليفي ووضعي

 وعلى ضوء ما سبق يمكننا تقسيم الحكم إلى قسمين: احدهما: الحكم الشرعي المتعلق بافعال الانسان والموجه لسلوكه مباشرة في مختلف جوانب حياته الشخصية والعبادية والعائلية والاجتماعية التي عالجتها الشريعة ونظمتها جميعا، كحرمة شرب الخمر ووجوب الصلاة ووجوب الانفاق على بعض الاقارب، واباحة إحياء الارض، ووجوب العدل على الحاكم. والاخر الحكم الشرعي الذي لا يكون موجها مباشرا للانسان في افعاله وسلوكه، وهو كل حكم يشرع وضعا معينا يكون له تأثير غير مباشر في سلوك الانسان، من قبيل الاحكام التي تنظم علاقات الزوجية، فانها تشرع بصورة مباشرة علاقة معينة بين الرجل والمرأة وتؤثر بصورة غير مباشرة في السلوك وتوجهه لان المرأة بعد أن تصبح زوجة مثلا تلزم بسلوك معين تجاه زوجها، ويسمى هذا النوع من الاحكام بالاحكام الوضعية.

والارتباط بين الاحكام الوضعية والاحكام التكليفية وثيق، إذ لا يوجد حكم وضعي إلا ويوجد إلى جانبه حكم تكليفي، فالزوجية حكم شرعي وضعي توجد إلى جانبه احكام تكليفية وهي وجوب إنفاق الزوج على زوجته ووجوب التمكين على الزوجة، والملكية حكم شرعي وضعي توجد إلى جانبه احكام تكليفية من قبيل حرمة تصرف غير المالك في المال إلا باذنه، وهكذا.

اقسام الحكم التكليفي

ينقسم الحكم التكليفي - وهو الحكم المتعلق بافعال الانسان والموجه لها مباشرة - إلى خمسة أقسام، وهي كما يلي:

1 - " الوجوب " وهو حكم شرعي يبعث نحو الشئ الذي تعلق به بدرجة الالزام، نحو وجوب الصلاة ووجوب إعادة المعوزين على ولي الامر.

2 - " الاستحباب " وهو حكم شرعي، يبعث نحو الشئ الذي تعلق به بدرجة دون الالزام، ولهذا توجد إلى جانبه دائما رخصة من الشارع في مخالفته، كاستحباب صلاة الليل.

3 - " الحرمة " وهي حكم شرعي يزجر عن الشئ الذي تعلق به بدرجة الالزام، نحو حرمة الربا وحرمة الزنا وبيع الاسلحة من أعداء الاسلام.

4 - " الكراهة " وهي حكم شرعي يزجر عن الشئ الذي تعلق به بدرجة دون الالزام، فالكراهة في مجال الزجر كالاستحباب في مجال البعث، كما ان الحرمة في مجال الزجر كالوجوب في مجال البعث، ومثال المكروه خلف الوعد.

5 - " الاباحة " وهي ان يفسح الشارع المجال للمكلف لكي يختار الموقف الذي يريده، ونتيجة ذلك ان يتمتع المكلف بالحرية فله ان يفعل وله ان يترك.

القسم الثانى: بحوث علم الاصول

تنويع البحث

حينما يتناول الفقيه مسألة كمسألة الاقامة للصلاة، ويحاول استنباط حكمها يتسأل في البداية: ما هو نوع الحكم الشرعي المتعلق بالاقامة؟ فان حصل على دليل يكشف عن نوع الحكم الشرعي للاقامة كان عليه ان يحدد موقفه العملي واستنباطه على اساسه، فيكون استنباطا قائما على اساس الدليل. وان لم يحصل الفقيه على دليل يعين نوع الحكم الشرعي المتعلق بالاقامة فسوف يظل الحكم الشرعي مجهولا للفقيه وفي هذه الحالة يستبدل الفقيه سؤاله الاول الذي طرحه في البداية سؤال جديد كما يلي: ما هي القواعد التي تحدد الموقف العملي تجاه الحكم الشرعي المجهول؟ وهذه القواعد تسمى بالاصول العملية، ومثالها أصالة البراء‌ة، وهي القاعدة القائلة ان كل إيجاب أو تحريم مجهول لم يقم عليه دليل فلا أثر له على سلوك الانسان وليس الانسان ملزما بالاحتياط من ناحيته والتقيد به، ويقوم الاستنباط في هذه الحالة على أساس الاصل العملي بدلا عن الدليل والفرق بين الاصل والدليل ان الاصل لا يحرز الواقع وانما يحدد الوظيفة العملية تجاهه وهو نحو من الاستنباط ولاجل هذا يمكننا تنويع عملية الاستنباط إلى نوعين: احدهما الاستنباط القائم على أساس الدليل، كالاستنباط المستمد من نص دال على الحكم الشرعي، والاخر الاستنباط القائم على أساس الاصل العملي كالاستنباط المستمد من إصالة البراء‌ة.

[58]

ولما كان علم الاصول هو العلم بالعناصر المشتركة في عملية الاستنباط فهو يزود كلا النوعين بعناصره المشتركة، وعلى هذا الاساس ننوع البحوث الاصولية إلى نوعين نتكلم في النوع الاول عن العناصر المشتركة في عملية الاستنباط التي تتمثل في أدلة محرزة للحكم، ونتكلم في النوع الثاني عن العناصر المشتركة في عملية الاستنباط التي تتمثل في أصول عملية.

العنصر المشترك بين النوعين

ويوجد بين العناصر المشتركة في عملية الاستنباط عنصر مشترك يدخل في جميع عمليات استنباط الحكم الشرعي بكلا نوعيها: ما كان منها قائما على أساس الدليل وما كان قائما على أساس الاصل العملي. وهذا العنصر هو حجية القطع ونريد بالقطع انكشاف قضية من القضايا بدرة لا يشوبها شك.

ومعنى حجية القطع يتلخص في أمرين: أحدهما: أن العبد اذا تورط في مخالفة المولى نتيجة لعمله بقطعه واعتقاده، فليس للمولى معاقبته، وللعبد أن يعتذر عن مخالفته للمولى بانه عمل على وفق قطعه، كما اذا قطع العبد خطأ بان الشراب الذي أمامه ليس خمرا فشربه اعتمادا على قطعه وكان الشراب خمرا في الواقع، ليس للمولى أن يعاقبه على شربه للخمر ما دام قد استند إلى قطعه، وهذا أحد الجانبين من حجية العلم ويسمى بجانب المعذرية.

والآخر: أن العبد اذا تورط في مخالفة المولى نتيجة لتركه العمل بقطعه فللمولى ان يعاقبه ويحتج عليه بقطعه، كما اذا قطع العبد بان الشراب الذي أمامه خمر فشربه وكان خمرا في الواقع، فإن من حق المولى ان يعاقبه على مخالفته، لان العبد كان على علم بحرمة الخمر وشربه فلا يعذر في ذلك، وهذا هو الجانب الثاني من حجية القطع ويسمى بجانب المنجزية.

[59]

وبديهي أن حجية القطع بهذا المعنى الذي شرحناه لا يمكن ان تستغني عنه أي عملية من عمليات استنباط الحكم الشرعي، لان الفقيه يخرج من عملية الاستنباط دائما بنتيجة، وهي العلم بالموقف العملي تجاه الشريعة وتحديده على أساس الدليل أو على أساس الاصل العملي، ولكي تكون هذه النتيجة ذات أثر لا بد من الاعتراف مسبقا بحجية القطع، إذ لو لم يكن القطع حجة ولم يكن صالحا للاحتجاج به من المولى على عبده ومن العبد على مولاه لكانت النتيجة التي خرج بها الفقيه من عملية الاستنباط لغوا، لان عمله ليس حجة، ففي كل عملية استنباط لا بد إذن أن يدخل عنصر حجية القطع لكي تعطي العملية ثمارها ويخرج منها الفقيه بنتيجة إيجابية.

وبهذا أصبحت حجية القطع أعم العناصر الاصولية المشتركة وأوسعها نطاقا. وليست حجية القطع عنصرا مشتركا في عمليات استنباط الفقيه للحكم الشرعي فحسب، بل هي في الواقع شرط أساسي في دراسة الاصولي للعناصر المشتركة نفسها أيضا، فنحن حينما ندرس مثلا مسألة حجية الخبر أو حجية الظهور العرفي إنما نحاول بذلك تحصيل العلم بواقع الحال في تلك المسألة، فاذا لم يكن العلم والقطع حجة فاي جدوى في دراسة حجية الخبر والظهور العرفي.

فالفقيه والاصولي يستهدفان معا من بحوثهما تحصيل العلم بالنتيجة الفقهية " تحديد الموقف العملي تجاه الشريعة " أو الاصولية " العنصر المشترك "، فبدون الاعتراف المسبق بحجية العلم والقطع تصبح بحوثهما عبثا لا طائل تحته، وحجية القطع ثابتة بحكم العقل، فإن العقل يحكم بان للمولى سبحانه حق الطاعة على الانسان في كل ما يعمله من تكاليف المولى وأوامره ونواهيه فإذا علم الانسان بحكم إلزامي من المولى " وجوب أو حرمة " دخل ذلك الحكم الالزامي ضمن نطاق حق الطاعة، وأصبح من حق المولى على الانسان ان

[60]

يمتثل ذلك الالزام الذي علم به، فاذا قصر في ذلك أو لم يؤد حق الطاعة كان جديرا بالعقاب، وهذا هو جانب المنجزية في حجية القطع، ومن ناحية أخرى يحكم العقل ايضا بان الانسان القاطع بعدم الالزام من حقه أن يتصرف كما يحلو له، وإذا كان الالزام ثابتا في الواقع والحالة هذه فليس من حق المولى على الانسان أن يمتثله ولا يمكن للمولى أن يعاقبه على مخالفته ما دام الانسان قاطعا بعدم الالزام، وهذا هو جانب المعذرية في حجية القطع.

والعقل كما يدرك حجية القطع كذلك يدرك أن الحجية لا يمكن أن تزول عن القعط بل هي لازمه له، ولا يمكن حتى للمولى أن يجرد القطع من حجيته ويقول: اذا قطعت بعدم الالزام فأنت لست معذورا، أو يقول: إذا قطعت بالالزام فلك أن تهمله، فإن كل هذا مستحيل بحكم العقل، لان القطع لاتنفك عنه المعذرية والمنجزية بحال من الاحوال، وهذا معنى القاعدة الاصولية القائلة باستحالة صدور الردع من الشارع عن القطع.

وقد تقول: هذا المبدأ الاصولي يعني أن العبد اذا تورط في عقيدة خاطئة فقطع مثلا بان شرب الخمر حلال فليس للمولى ان ينبه على الخطإ.

والجواب: أن المولى بإمكانه التنبيه على الخطإ وإخبار العبد بان الخمر ليس مباحا، لان ذلك يزيل القطع من نفس العبد ويرده إلى الصواب، والمبدأ الاصولي الآنف الذكر إنما يقرر استحالة صدور الردع من المولى عن العمل بالقطع مع بقاء القطع ثابتا، فالقطع بحلية شرب الخمر يمكن للمولى أن يزيل قطعه ولكن من المستحيل أن يردعه عن العمل بقطعه ويعاقبه على ذلك ما دام قطعه ثابتا ويقينه بالحلية قائما.

النوع الاول: الادلة المحرزة

مبادئ عامة

الدليل الذي يستند اليه الفقيه في استنباط الحكم الشرعي، إما أن يؤدي إلى العلم بالحكم الشرعي أو لا: ففي الحالة الاولى يكون الدليل قطعيا ويستمد شرعيته وحجيته من حجية القطع، لانه يؤدي إلى القطع بالحكم، والقطع حجة بحكم العقل فيتحتم على الفقيه أن يقيم على أساسه استنباطه للحكم الشرعي. ومن نماذجه القانون القائل " كلما وجب الشئ وجبت مقدمته " فان هذا القانون يعتبر دليلا قطعيا على وجوب الوضوء بوصفه مقدمة للصلاة.

وأما في الحالة الثانية فالدليل ناقص لانه ليس قطعيا، والدليل الناقص اذا حكم الشارع بحجيته وأمر بالاستناد اليه في عملية الاستنباط على الرغم من نقصانه، أصبح كالدليل القطعي وتحتم على الفقيه الاعتماد عليه. ومن نماذج الدليل الناقص الذي جعله الشارع حجة خبر الثقة، فان خبر الثقة لايؤدي إلى العلم لاحتمال الخطإ فيه أو الشذوذ، فهو دليل ظني ناقص وقد جعله الشارع حجة وأمر باتباعه وتصديقه، فارتفع بذلك في عملية الاستنباط إلى مستوى الدليل القطعي.

[62]

واذا لم يحكم الشارع بحجية الدليل الناقص فلا يكون حجة ولا يجوز الاعتماد عليه في الاستنباط، لانه ناقص يحتمل فيه الخطأ. وقد نشك ولا نعلم هل جعل الشارع الدليل الناقص حجة أو لا يتوفر لدينا الدليل الذي يثبت الحجية شرعا أو ينفيها، وعندئذ يجب أن نرجع إلى قاعدة عامة يقررها الاصوليون بهذا الصدد، وهي القاعدة القائلة: " ان كل دليل ناقص، ليس حجة ما لم يثبت بالدليل الشرعي العكس "، وهذا هو معنى ما يقال في علم الاصول من ان " الاصل في الظن هو عدم الحجية إلا ما خرج بدليل قطعي " ونستخلص من ذلك أن الدليل الجدير بالاعتماد عليه فقهيا هو الدليل القطعي أو الدليل الناقص الذي ثبت حجيته شرعا بدليل قطعي.

تقسيم البحث

والدليل المحرز في المسألة الفقهية سواء كان قطعيا أو لا ينقسم إلى قسمين:

الاول: الدليل الشرعي، ونعني به كل ما يصدر من الشارع مما له دلالة على الحكم الشرعي ويشتمل ذلك على الكتاب الكريم وعلى السنة وهي قول المعصوم وفعله وتقريره.

الثاني: الدليل العقلي، ونعني به القضايا التي يدركها العقل ويمكن أن يستنبط منها حكم شرعي، كالقضية العقلية القائلة بان إيجاب شئ يستلزم إيجاب مقدمته.

والقسم الاول بدوره إلى نوعين: أحدهما: الدليل الشرعي اللفظي وهو كلام الشارع كتابا وسنة.

والآخر الدليل الشرعي غير اللفظي كفعل المعصوم وتقريره أي سكوته عن فعل غيره بنحو يدل على قبوله.

[63]

وفي القسم الاول بكلا نوعيه نحتاج إلى أن نعرف:

أولا: دلالة الدليل الشرعي وأنه على ماذا يدل بظهوره العرفي.

والثاني: حجية تلك الدلالة وذلك الظهور ووجوب التعويل عليه.

وثالثا: صدور الدليل من الشارع حقا.

ومن هنا كان البحث في القسم الاول موزعا إلى ثلاثة أبحاث وفقا لهذا التفصيل، فالبحث الاول في تحديد الدلالة. والبحث الثاني في إثبات حجية ما له من دلالة وظهور. والبحث الثالث في إثبات صدور الدليل من الشارع.

1 - الدليل الشرعي: أ - الدليل الشرعي اللفظي (الدلالة)

تمهيد

لما كانت دلالة الدليل اللفظي ترتبط بالنظام اللغوي العام للدلالة نجد من الراجح أن نمهد للبحث في دلالات الادلة اللفظية بدراسة إجمالية لطبيعة الدلالة اللغوية وكيفية تكونها ونظرة عامة فيها.

ما هو الوضع والعلاقة اللغوية

في كل لغة تقوم علاقات بين مجموعة من الالفاظ ومجموعة من المعاني، ويرتبط كل لفظ بمعنى خاص إرتباطا يجعلنا كلما تصورنا اللفظ إنتقل ذهننا فورا إلى تصور المعنى وهذا الاقتران بين تصور اللفظ وتصور المعنى وإنتقال الذهن من أحدهما إلى الآخر هو ما نطلق عليه إسم " الدلالة " فحين نقول: " كلمة الماء تدل على السائل الخاص " نريد بذلك أن تصور كلمة الماء يؤدي إلى تصور ذلك السائل الخاص، ويسمى اللفظ " دالا " والمعنى " مدلولا " وعلى هذا الاساس نعرف أن العقلاقة بين تصور اللفظ وتصور المعنى تشابه إلى درجة ما العلاقة التي نشاهدها في حياتنا الاعتيادية بين النار والحرارة أو بين طلوع الشمس والضوء، فكما أن النار تؤدي إلى الحرارة وطلوع الشمس يؤدي إلى الضوء، كذلك تصور اللفظ يؤدي إلى تصور المعنى ولاجل هذا يمكن القول بأن تصور اللفظ سبب لتصور المعنى كما تكون النار سببا للحرارة

[65]

وطلوع الشمس سببا للضوء، غير أن علاقة السببية بين تصور اللفظ وتصور والسؤال الاساسي بشأن هذه العلاقة التي توجد في اللغة بين اللفظ والمعنى هو السؤال عن مصدر هذه العلاقة وكيفية تكونها، فكيف تكونت علاقة السببية بين اللفظ والمعنى؟ وكيف أصبح تصور اللفظ سببا لتصور المعنى مع أن اللفظ والمعنى شيئان مختلفان كل الاختلاف؟ ويذكر في علم الاصول عادة إتجاهان في الجواب على هذ السؤال الاساسي، يقوم الاتجاه الاول على أساس الاعتقاد بأن علاقة اللفظ بالمعنى نابعة من طبيعة اللفظ ذاته كما نبعث علاقة النار بالحراة من طبيعة النار ذاتها، فلفظ " الماء " مثلا له بحكم طبيعته علاقة بالمعنى الخاص الذي نفهمه منه، ولاجل هذا يؤكد هذا الاتجاه أن دلالة اللفظ على المعنى ذاتية وليست مكتسبة من أي سبب خارجي.

ويعجز هذا الاتجاه عن تفسير الموقف تفسيرا شاملا، لان دلالة اللفظ على المعنى وعلقاته به إذا كانت ذاتية وغير نابعة من أي سبب خارجي وكان اللفظ بطبيعته يدفع الذهن البشري إلى تصور معناه فلماذا يعجز غير العربي عن الانتقال إلى تصور معنى كلمة " الماء " عند تصوره للكلمة؟ ولماذا يحتاج إلى تعلم اللغة العربية لكي ينتقل ذهنه إلى المعنى عند سماع الكلمة العربية وتصورها؟ إن هذا دليل على أن العلاقة التي تقوم في ذهننا بين تصور اللفظ وتصور المعنى ليست نابعة من طبيعة اللفظ بل من سبب آخر يتطلب الحصول عليه إلى تعلم اللغة، فالدلالة إذن ليست ذاتية.

وأما الاتجاه الآخر فينكر بحق الدلالة الذاتية، ويفترض أن العلاقات اللغوية بين اللفظ والمعنى نشأت في كل لغة على يد الشخص الاول أو الاشخاص الاوائل الذين إستحدثوا تلك اللغة وتكلموا بها، فإن هؤلاء خصصوا ألفاظا معينة لمعان خاصة، فإكتسبت الالفاظ نتيجة لذلك التخصيص علاقة بتلك المعاني وأصبح كل لفظ يدل على معناه الخاص، وذلك التخصيص الذي مارسه أولئك الاوائل ونتجت عنه الدلالة يسمى ب‍ (الوضع)، ويسمى الممارس له (واضعا)، واللفظ (موضوعا)، والمعنى (موضوعا له).

[66]

والحقيقة أن هذا الاتجاه وإن كان على حق في إنكاره للدلالة الذاتية ولكنه لم يتقدم إلا خطوة قصيرة في حل المشكله الاساسية التي لاتزال قائمة حتى بعد الفرضية التي يفترضها أصحاب هذا الاتجاه فنحن إذا إفترضنا معهم أن علاقة السببية نشأت نتيجة لعمل قام به مؤسسو اللغة إذ خصصوا كل لفظ لمعنى خاص فلنا أن نتسأل منا هو نوع هذا العمل الذي قام به هؤلاء المؤسسون؟ وسوف نجد أن المشكة لا تزال قائمة لان اللفظ والمعنى ما دام لا يوجد بينهما علاقة ذاتية ولا أي إرتباط مسبق فكيف إستطاع مؤسس اللغة أن يوجد علاقة السببية بين شيئين لا علاقة بينهما؟ وهل يكفي مجرد تخصيص المؤسس للفظ وتعيينه له سببا لتصور المعنى لكي يصبح سببا لتصور المعنى حقيقة؟ وكلنا نعلم أن المؤسس وأي شخص آخر يعجز أن يعجل من حمرة الحبر الذي يكتب به سببا لحرارة الماء، ولو كرر المحاولة مائة مرة قائلا خصصت حمرة الحبر الذي أكتب به لكي تكون سببا لحرارة الماء، فكيف استطاع أن ينجح في جعل اللفظ سببا لتصور المعنى بمجرد تخصيصه لذلك دون أي علاقة سابقة بين اللفظ والمعنى؟.

وهكذا نواجه المشكلة كما كنا نواجهها، فليس يكفي لحلها أن نفسر علاقة اللفظ بالمعنى على أساس عملية يقوم بها مؤسس اللغة، بل يجب أن نفهم محتوى هذه العملية لكي نعرف كيف قامت علاقة السببية بين شيئين لم تكن بينهما علاقة. والصحيح في حل المشكلة أن علاقة السببية التي تقوم في اللغة بين اللفظ والمعنى توجد وفقا لقانون عام من قوانين الذهن البشري.

[67]

والقانون العام هو أن كل شيئين إذا إقترن تصور أحدهما مع تصور الآخر في ذهن الانسان مرارا عديدة ولو على سبيل الصدفة قامت بينهما علاقة وأصبح أحد التصورين سببا لانتقال الذهن إلى تصور الآخر.

ومثال ذلك في حياتنا الاعتيادية أن نعيش مع صديقين لا يفترقان في مختلف شؤون حياتهما نجدهما دائما معا، فإذا رأينا بعد ذلك أحد هذين الصديقين منفردا أو سمعنا بإسمه أسرع ذهننا إلى تصور الصديق الآخر، لان رؤيتهما معا مرارا كثيرا أوجد علاقة في تصورنا وهذه العلاقة تجعل تصورنا لاحدهما سببا لتصور الآخر.

وقد يكفي أن تقترن فكرة أحد الشيئين بفكرة الآخر مرة واحدة لكي تقوم بينهما علاقة، وذلك إذا إقرنت الفكرتان في ظرف مؤثر، ومثاله إذا سافر شخص إلى بلد ومني هناك بالملاريا الشديدة ثم شفي منها ورجع فقد ينتج ذلك الاقتران بين الملاريا والسفر إلى ذلك البلد علاقة بينهما، فمتى تصور ذلك البلد إنتقل ذهنه إلى تصور الملاريا.

وإذا درسنا على هذا الاساس علاقة السببية بين اللفظ والمعنى زالت المشكلة، إذا نستطيع أن نفسر هذه العلاقة بوصفها نتيجة لاقتران تصور المعنى بتصور اللفظ بصورة متكررة أو في ظرف مؤثر، الامر الذي أدى إلى قيام علاقة بينهما كما وقع في الحالات المشار إليها.

ويبقى علينا بعد هذا أن نتسأل: كيف إقترن تصور اللفظ بمعنى خاص مرارد كثيرة أو في ظرف مؤثر فأنتج قيام العلاقة اللغوية بينهما؟.

والجواب على هذا السؤال: أن بعض الالفاظ إقترنت بمعان معينة مرارا عديدة بصورة تلقائية فنشأت بينهما العلاقة اللغوية. وقد يكون من هذا القبيل كلمة (آه) إذا كانت تخرج من فم الانسان بطبيعته كلما أحس بالالم، فإرتبطت كلمة (آه) في ذهنه بفكرة الالم، فأصبح كلما سمع كلمة (آه) إنتقل ذهنه إلى فكرة الالم.

[68]

ومن المحتمل أن الانسان قبل أن توجد لديه أي لغة قد إسترعي إنتباهه هذه العلاقات التي قامت بين الالفاظ من قبيل (آه) ومعانيها نتيجة لاقتران تلقائي بينهما، وأخذ ينشئ على منوالها علاقات جديدة بين الالفاظ والمعاني.

وبعض الالفاظ قرنت بالمعنى في عملية واعية مقصودة لكي تقوم بينهما علاقة سببية. وأحسن نموذج لذلك الاعلام الشخصية فأنت حين تريد أن تسمي إبنك عليا تقرن إسم على بالوليد الجديد لكي تنشئ بينها علاقة لغوية ويصبح إسم علي دالا على وليدك. ويسمى عملك هذا " وضعا " فالوضع هو عملية تقرن بها لفظا بمعنى نتيجتها أن يقفز الذهن إلى المعنى عند تصور اللفظ دائما. ونستطيع أن نشبه الوضع على هذا الاساس بما تصنه حين تسأل عن طبيب العيون فيقال لك: هو (جابر) فتريد أن تركز إسمه في ذاكرتك وتجعل نفسك تستحضره متى أردت فتحاول أن تقرن بينه وبين شئ قريب من ذهنك فتقول مثلا: أنا بالامس قرأت كتابا أخذ من نفسي مأخذا كبيرا إسم مؤلفه جابر فلا تذكر دائما أن إسم طبيب العيون هو إسم صاحب ذلك الكتاب.

وهكذا توجد عن هذا الطريق إرتباطا خاصا بين صاحب الكتاب والطبيب جابر، وبعد ذلك تصبح قادرا على إستذكار إسم الطبيب متى تصورت ذلك الكتاب. وهذه الطريقة في إيجاد الارتباط لاتختلف جوهريا عن إتخاذ الوضع كوسيلة لايجاد العلاقة اللغوية. وعلى هذا الاساس نعرف أن من نتائج الوضع إنسباق المعنى الموضوع له وتبادره إلى الذهن بمجرد سماع اللفظ بسبب تلك العلاقة التي يحققها الوضع ومن هنا يمكن الاستدلال على الوضع بالتبادر وجعله علامة على أن المعنى المتبادر هو المعنى الموضوع له لان المعلول يكشف عن العلة كشفا انيا ولهذا عد التبادر من علامات الحقيقة.

ما هو الاستعمال؟

بعد أن يوضع اللفظ لمعنى يصبح تصور اللفظ سببا لتصور المعنى، ويأتي عندئذ دور الاستفادة من هذه العلاقة اللغوية التي قامت بينهما فإذا كنت تريد أن تعبر عن ذلك لشخص آخر وتجعله يتصوره في ذهنه فبإمكانك أن تنطق بذلك اللفظ الذي أصبح سببا لتصور المعنى، ويحن يسمعه صاحبك ينتقل ذهنه إلى معناه بحكم علاقة السببية بينهما ويسمى إستخدامك اللفظ بقصد إخطار معناه في ذهن السامع (إستعمالا). فاستعمال اللفظ في معناه يعني إيجاد الشخص لفظا لكن يعد ذهن غيره للانتقال إلى معناه، ويسمى اللفظ (مستعملا) والمعنى (مستعملا فيه) وإرادة المستعمل إخطار المعنى في ذهن السامع عن طريق اللفظ (إرادة إستعمالية).

ويحتاج كل إستعمال إلى تصور المستعمل للفظ وللمعنى غير أن تصوره للفظ يكون عادة على نحو اللحاظ الآلي المرآتي وتصوره للمعنى على نحو اللحاظ الاستقلالي فهما كالمرآة والصورة، فكما تلحظ المرآة وأنت غافل عنها وكل نظرك إلى الصورة كذلك تلحظ اللفظ بنفس الطريقة بما هو مرآة للمعنى وانت غافل عنه وكل نظرك إلى المعنى.

فإن قلت كيف ألحظ اللفظ وأنا غافل عنه هل هذا الا تناقض؟ أجابوك بأن لحاظ اللفظ المرآتي إفناء للفظ في المعنى أي أنك تلحظه مندكا في المعنى وبنفس لحاظ المعنى وهذا النحو من لحاظ شئ فانيا في شئ آخر يجتمع مع الغفلة عنه. وعلى هذا الاساس ذهب جماعة كصاحب الكفاية رحمه الله إلى إستحالة إستعمال اللفظ في معنيين وذلك لان هذا يتطلب إفناء اللفظ في هذا المعنى

[70]

وفي ذاك ولا يعقل إفناء الشى الواحد مرتين في عرض واحد.

فإن قلت بإمكاني أن أوحد بين المعنيين بأن أكون منهما مركبا مشتملا عليهما معا وانفي اللفظ لحاظ في ذلك المركب، كان الجواب أن هذا ممكن ولكنه إستعمال للفظ في معنى واحد لا في معنيين.

الحقيقة والمجاز

ويقسم الاستعمال إلى حقيقي ومجازي، فالاستعمال الحقيقي هو إستعمال اللفظ في المعنى الموضوع له الذي قامت بينه وبين اللفظ علاقة لغوية بسبب الوضع، ولهذا يطلق على المعنى الموضوع له إسم " المعنى الحقيقي".

والاستعمال المجازي هو إستعمال اللفظ في معنى آخر لم يوضع له ولكنه يشابه ببعض الاعتبارات المعنى الذي وضع اللفظ له، ومثاله أن تستعمل كلمة " البحر " في العالم العزير علمه لانه يشابه البحر من الماء في الغزارة والسعة، ويطلق على المعنى المشابه للمعنى الموضوع له إسم " المعني المجازي " وتعتبر علاقة اللفظ بالمعنى المجازى علاقة ثانوية ناتجة عن علاقاته اللغوية الاولية بالمعنى الموضو له، لانها تنبع عن الشبه القائم بين المعنى الموضوع له والمعنى المجازي.

والاستعمال الحقيقي يؤدي غرضه، وهو إنتقال ذهن السامع إلى تصور المعنى بدون أي شرط، لان علاقة السببية القائمة في اللغة بين اللفظ والمعنى الموضوع له كفيلة بتحقيق هذا الغرض.

وأما الاستعمال المجازي فهو لا ينقل ذهن السامع إلى المعنى، إذ لا توجد علاقة لغوية وسببية بين لفظ البحر والعالم، فيحتاج المستعمل لكي يتحقق غرضه في الاستعمال المجازي إلى قرينة تشرح مقصوده فإذا قال مثلا: " بحر في العلم " كانت كلمة " في العلم " قرينة على المعنى المجازي، ولهذا يقال عادة

[71]

أن الاستعمال المجازي يحتاج إلى قرينة دون الاستعمال الحقيقي. ونميز المعنى الحقيقي عن المعنى المجازي بالتبادر من حاق اللفظ لان التبادر كذلك يكشف عن الوضع كما تقدم.

قد ينقلب المجاز حقيقة

وقد لاحظ الاصوليون بحق أن الاستعمال المجازي - وإن كان يحتاج إلى قرينة في بداية الامر - ولكن إذا كثر إستعمال اللفظ في المعنى المجازي بقرينة وتكرر ذلك بكثرة قامت بين اللفظ والمعنى المجازي علاقة جديدة، وأصبح اللفظ نتيجة لذلك موضوعا لذلك المعنى وخرج عن المجاز إلى الحقيقة ولا تبقى بعد ذلك حاجة إلى قرينة وتسمى هذه الحالة بالوضع التعييني بينما تسمى عملية الوضع المتصور من الواضع بالوضع التعييني.

وهذه الظاهرة يمكننا تفسيرها بسهولة على ضوء طريقتنا في شرح حقيقة الوضع والعلاقة اللغوية لاننا عرفنا أن العلاقة اللغوية تنشأ في شرح حقيقة الوضع والعلاقة اللغوية لاننا عرفنا أن العلاقة اللغوية تنشأ من إقتران اللفظ بالمعنى مرارا عديدة أو في ظرف مؤثر، فإذا إستعمل اللفظ في معنى مجازي مرارا كثيرة إقترن تصور اللفظ الاقتران بتصور ذلك المعنى المجازي في ذهن السامع إقترنا متكررا، وأدى هذا الاقتران المتكرر إلى قيام العلاقة اللغوية بينهما.

تصنيف اللغة إلى معان إسمية وحرفية

تنقسم كلمات اللغة كما قرأتم في النحو إلى اسم وفعل وحرف. فالاسماء تدل على معان نفهمها من تلك الاسماء سواء سمعنا الاسم مجردا أو في ضمن كلام. وأما الحرف لا يتحصل له معنى إلا إذا سمعناه ضمن كلام.

[72]

ومدلول الحرف دائما هو الربط بين المعاني الاسمية على إختلاف انحائه ففي قولنا (النار في الموقد تشتعل) تدل (في) على ربط مخصوص بين مفهومين إسميين وهما النار والموقد.

والدليل على أن مفاد الحروف هو الربط امران: أحدهما أن معنى الحرف لا يظهر اذا فصل الحرف عن الكلام وليس ذلك إلا لان مدلوله هو الربط بين معنيين فحيث لا توجد معان أخرى في الكلام لا مجال لافتراض الربط.

والآخر أن الكلام لا شك في أن مدلوله مترابط الاجراء ولا شك في أن هذا المدلول المترابط يشتمل على ربط ومعان مرتبطة ولا يمكن أن يحصل هذا الربط ما لم يكن هناك دال عليه وإلا أتت المعاني إلى الذهن وهي متناثرة غير مترابطة وليس الاسم هو الدال على هذا الربط وإلا لما فهمنا معناه إلا ضمن الكلام لان الربط لا يفهم إلا في إطار المعاني المترابطة فيتعين أن يكون الدال على الربط هو الحرف.

وتختلف الحروف بإختلاف أنحاء الربط التي تدل عليها ولما كان كل ربط يعني نسبة بين طرفين صح أن يقال إن المعاني الحرفية معان ربطية نسبية وإن المعاني الاسمية معان إستقلالية وكل ما يدل على معنى ربطى نسبي نعبر عنه أصوليا بالحرف وكل ما يدل على معنى إستقلالي نعبر عنه أصوليا بالاسم.

واما الفعل فهو مكون من مادة وهيئة ونريد بالمادة الاصل الذي إشتق الفعل منه ونريد بالهيئة الصيغة الخاصة التي صيغت بها المادة. أما المادة في الفعل فهي لا تختلف عن أي إسم من الاسماء فكلمه (تشتعل) مادتها الاشتعال وهذا له مدلول إسمي ولكن الفعل لا يساوي مدلول مادته بل يزيد عليها بدليل عدم جواز وضع كلمة إشتعال موضع كلمة (تشتعل) وهذا يكشف عن أن الفعل يزيده بمدلوله على مدلول المادة وهذه الزيادة تنشأ من الهيئة وبذلك نعرف أن هيئة الفعل موضوعة لمعنى وهذا المعنى ليس معنى

[73]

أسميا إستقلاليا بدليل أنه لو كان كذلك لامكن التعويض عن الفعل بالاسم الدال على ذلك المعنى والاسم الدال على المدول مادته مع أنا نلاحظ أن الفعل لا يمكن التعويض عنه في سياق الكلام بمجموع إسمين وبذلك يثبت أن مدلول الهيئة معنى نسبي ربطي ولهذا إستحال التعويض المذكور وهذا الربط الذي تدل عليه هيئة الفعل ربط قائم بين مدلول المادة ومدلول آخر في الكلام كالفاعل في قولنا تشتعل النار فإن هيئة الفعل مفادها الربط بين الاشتغال والنار. ونستخلص من ذلك أن الفعل مركب من اسم وحرف فمادته إسم وهيئته حرف ومن هنا صح القول بأن اللغة تنقسم إلى قسمين: الاسماء والحروف.

هيئة الجملة

عرفنا أن الفعل له هيئة تدل على معنى حرفي - أي على الربط - وكذلك الحال في الجملة أيضا، ونريد بالجملة كل كلمتين أو أكثر بينهما ترابط ففي قولنا: (علي إمام) نفهم من كلمة (" علي " معناه الاسمي، ومن كلمة " الامام " معناها الاسمي، ونفهم إضافة إلى ذلك إرتباطا خاصا بين هذين المعنيين الاسميين، وهذا الارتباط الخاص لا تدل عليه كلمة " علي " بمفردها ولا كلمة " إمام " بمفردها، وإنما تدل عليه الجملة بتركيبها الخاص، وهذا يعني أن هيئة الجملة تدل على نوع من الربط - أي على معنى حرفي -.

نستخلص مما تقدم أن اللغة يمكن تصنيفها من وجهة نظر تحليلية إلى فئتين: أحداهما فئة المعاني الاسمية وتدخل هذه الفئة الاسماء ومواد الافعال، والاخرى فئة المعاني الحرفيه - أي الروابط - وتدخل فيها الحروف وهيئات الافعال وهيئات الجمل.

الجملة التامة والجملة الناقصة

وإذا لاحظنا الجمل وجدنا أن بعض الجمل تدل على معنى مكتمل يمكن للمتكلم الاخبار عنه ويمكن للسامع تصديقه أو تكذيبه وبعض الجمل ناقصة لا يتأتى فيها ذلك وكأنها في قوة الكلمة الواحدة فحينما تقول (المفيد العالم) نبقى ننتظر كما لو قلت (المفيد) وسكت على ذلك بخلاف ما إذا قلت المفيد عالم فإن الجملة حينئذ مكتملة وتامة.

ومرد الفرق بين الجملة التامة والجملة الناقصة إلى نوع الربط الذي تدل عليه هيئة الجملة وسنخ النسبة فهيئة الجملة الناقصة تدل على نسبة إندماجية أي يندمج فيها الوصف بالموصوف على نحو يصبح المجموع مفهوما واحدا خاصا وحصة خاصة ومن أجل ذلك تكون الجملة الناقصة في قوة الكلمة المفردة وأما الجملة التامة فهي تدل على نسبة غير إندماجية يبقى فيها الطرفان متميزين أحدهما عن الآخر ويكون أمام الذهن شيئان بينهما كالمبتدأ والخبر. وقد تشتمل الجملة الواحدة على نسب اندماجية وغير اندماجية كما في قولنا المفيد العالم مدرس فإن النسبة بين الوصف والموصوف المبتدأ إندماجية والنسبة بين المبتدأ والخبر غير اندماجية وتمامية الجملة نشأت من إشتمالها على النسبة الثانية.

ونحن إذا دققنا في الجملة الناقصة وفي الحروف من قبيل من وإلى نجد انها جميعا تدل على نسب ناقصة لا يصح السكوت عليها فكما لا يجوز ان تقول المفيد العالم وتسكت، كذلك لا يجوز ان تقول السير من البصرة وتسكت وهذا يعني ان مفردات الحروف وهيئات الجمل الناقصة كلها تدل على نسب اندماجية خلافا لهيئة الجملة التامة فان مدلولها نسبة غير اندماجية سواء كانت جملة فعلية أو اسمية.

المدلول اللغوي والمدلول التصديقي

قلنا سابقا: إن دلالة اللفظ على المعنى هي أن يؤدي تصور اللفظ إلى تصور المعنى، ويسمى اللفظ " دالا " والمعنى الذي نتصوره عند سماع اللفظ " مدلولا ". وهذه الدلالة لغوية، ونقصد بذلك أنها تنشأ عن طريق وضع اللفظ للمعنى، لان الوضع يوجد علاقة السببية بين تصور اللفظ وتصور المعنى، وعلى أساس هذه العلاقة تنشأ تلك الدلالة اللغوية ومدلولها هو المعنى اللغوي للفظ.

ولا تنفك هذه الدلالة عن اللفظ مهما سمعناه ومن أي مصدر كان، فجملة " الحق منتصر " اذا سمعناها انتقل ذهننا فورا إلى مدلولها اللغوي سواء سمعناها من متحدث واع أو من نائم في حالة عدم وعيه، وحتى لو سمعناها نتيجة لاحتكاك حجرين، فنتصور معنى كلمة " الحق " ونتصور معنى كلمة " منتصر "، ونتصور النسبة التامة التي وضعت هيئة الجملة لها، وتسمى هذه الدلالة لاجل ذلك " دلالة تصورية ".

ولكنا اذا قارنا بين تلك الحالات وجدنا أن الجملة حين تصدر من النائم أو تتولد نتيجة لاحتكاك بين حجرين لا يوجد لها إلا مدلولها اللغوي ذاك، ويقتصر مفعولها على إيجاد تصورات للحق والانتصار والنسبة التامة في ذهننا، وأما حين نسمع الجملة من متحدث واع فلا تقف الدلالة عند مستوى التصور بل تتعداه إلى مستوى التصديق، إذ تكشف الجملة عندئذ عن أشياء نفسية في نفس المتكلم فنحن نستدل عن طريق صدور الجملة منه على وجود إرادة استعمالية في نفسه، أي إنه يريد أن يخطر المعنى اللغوي لكلمة " الحق " وكلمة " المنتصر " وهيئة الجملة في أذهاننا وأن نتصور هذه المعاني، كما نعرف أيضا أن المتكلم إنما يريد منا أن نتصور تلك المعاني لا لكي يخلق

[76]

تصورات مجردة في ذهننا فحسب بل لغرض في نفسه، وهذا الغرض الاساسي هو في المثال المتقدم - أي في جملة " الحق منتصر " - الاخبار عن ثبوت الخبر للمبتدإ، فإن المتكلم إنما يريد منا أن نتصور معاني الجملة لاجل أن يخبرنا عن ثبوتها في الواقع، ويطلق على الغرض الاساسى في نفس المتكلم اسم " الاراة الجدية " وتسمى الدلالة على هذين الامرين - الارادة الاستعمالية والارادة الجدية - " دلالة تصديقية "، لانها دلالة تكشف عن إرادة المتكلم وتدعو إلى تصديقنا بها لا إلى مجرد التصور الساذج.

وهكذا نعرف أن الجملة التامة لها إضافة إلى مدلولها التصوري اللغوي مدلولان تصديقيان: أحدهما: الارادة الاستعمالية، إذ نعرف عن طريق صدور الجملة من المتكلم أنه يريد منا أن نتصور معاني كلماتها.

والآخر الارادة الجدية، وهي الغرض الاساسي الذي من أجله أراد المتكلم أن نتصور تلك المعاني. وأحيانا تتجرد الجملة عن المدلول التصديقي الثاني، وذلك اذا صدرت من المتكلم في حالة الهزل لا في حالة الجد، واذا لم يكن يستهدف منها إلا مجرد إيجاد تصورات في ذهن السامع لمعاني كلماتها. فلا توجد في هذه الحالة إرادة جدية بل إرادة استعمالية فقط.

والدلالة التصديقية ليست لغوية، أي انها لا تعبر عن علاقة ناشئة عن الوضع بين اللفظ والمدلول التصديقي، لان الوضع انما يوجد علاقة بين تصور اللفظ وتصور المعنى لا بين اللفظ والمدلول التصديقي، وانما تنشأ الدلالة التصديقية من حال المتكلم، فان الانسان اذا كان في حالة وعي وانتباه وجدية وقال: " الحق منتصر " يدل حاله على أنه لم يقل هذه الجملة ساهيا ولا هازلا وانما قالها بإرادة معينة واعية.

[77]

وهكذا نعرف أنا حين نسمع جملة كجملة " الحق منتصر " نتصور المعاني اللغوية للمبتدإ والخبر بسبب الوضع الذي أوجد علاقة السببية بين تصور اللفظ وتصور المعنى، ونكشف الارادة الواعية للمتكلم بسبب حال المتكلم، وتصورنا ذلك يمثل الدلالة التصورية واكتشافنا هذا يمثل الدلالة التصديقية والمعنى الذي نتصوره هو المدلول التصوري واللغوي للفظ والارادة التي نكتشفها في نفس المتكلم هي المدلول التصديقي والنفسي الذي يدل عليه حال المتكلم.

وعلى هذا الاساس نكتشف مصدرين للدلالة: أحدهما اللغة بما تشتمل عليها من أوضاع، وهي مصدر الدلالة التصورية. والآخر حال المتكلم، وهو مصدر الدلالة التصديقية، أي دلالة اللفظ على مدلوله النفسي التصديقي، فإن اللفظ إنما يكشف عن إرادة المتكلم اذا صدر في حال يقظة وانتباه وجدية، فهذه الحالة هي مصدر الدلالة التصديقية ولهذا نجد أن اللفظ اذا صدر من المتكلم في حالة نوم أو ذهول لا توجد له دلالة تصديقية ومدلول نفسي.

الجملة الخبرية والجملة الانشائية

تقسم الجملة عادة إلى خبرية وإنشائية، ونحن في حياتنا الاعتيادية نحس بالفرق بينهما، فأنت حين تتحدث عن بيعك للكتاب بالامس وتقول: " بعت الكتاب بدينار " ترى أن الجملة تختلف بصورة أساسية عنها حين تريد أن تعقد الصفقة مع المشتري فعلا فتقول له: " بعتك الكتاب بدينار ".

وبالرغم من أن الجملة في كلتا الحالتين تدل على نسبة تامة بين البيع والبائع - أي بينك وبين البيع -، يختلف فهمنا للجملة وتصورنا للنسبة في الحالة الاولى عن فهمنا للجملة وتصورنا للنسبة في الحالة الثانية،

[78]

فالمتكلم حين يقول في الحالة الاولى: " بعت الكتاب بدينار " يتصور النسبة بما هي حقيقة واقعة لا يملك من أمرها فعلا شيئا إلا أن يخبر عنها اذا أراد، وأما حين يقول في الحالة الثانية " بعتك الكتاب بدينار " فهو يتصور النسبة لا بما هي حقيقة واقعة مفروغ عنها بل يتصورها بوصفها نسبة يراد تحقيقها.

ونستخلص من ذلك: أن الجملة الخبرية موضوعة للنسبة التامة منظورا اليها بما هي حقيقة واقعة وشئ مفروغ عنه، والجملة الانشائيه موضوعة للنسبة التامة منظورا إليها بما هي نسبة يراد تحقيقها.

وهناك من يذهب من العلماء كصاحب الكفاية رحمه الله إلى ان النسبة التي تدل عليها (بعت) في حال الاخبار و (بعت) في حال الانشاء واحدة ولا يوجد أي فرق في مرحلة المدلول التصوري بين الجملتين وانما الفرق في مرحلة المدلول التصديقي لان البائع يقصد بالجملة ابراز اعتبار التمليك بها وانشاء المعارضة عن هذا الطريق وغير البائع يقصد بالجملة الحكاية عن مضمونها فالمدلول التصديقي مختلف دون المدلول التصوري.

ومن الواضح ان هذا الكلام إذا تعقلناه فإنما يتم في الجملة المشتركة بلفظ واحد بين الانشاء والاخبار كما في (بعت) ولا يمكن ان ينطبق على ما يختص به الانشاء والاخبار من جمل فصيغة الامر مثلا جملة انشائية ولا تستعمل للحكاية عن وقوع الحدث وإنما تدل على طلب وقوعه ولا يمكن القول هنا بأن المدلول التصوري لا يفعل نفس المدلول التصوري للجملة الخيرية وان الفرق بينهما في المدلول التصديقي فقط والدليل على عدم امكان هذا القول انا نحس بالفرق بين الجملتين حتى في حالة تجردهما عن المدلول التصديقي وسماعهما من لافظ لا شعور له.

الدلالات التي يبحث عنها علم الاصول

نستطيع أن نقسم العناصر اللغوية من وجهة نظر أصولية إلى عناصر مشتركة في عملية الاستنباط وعناصر خاصة في تلك العملية.

فالعناصر المشتركة هي كل أداة لغوية تصلح للدخول في أي دليل مهما كان نوع الموضوع الذي يعالجه الدليل، ومثاله صيغة فعل الامر، فان بالامكان استخدامها بالنسبة إلى أي موضوع.

والعناصر الخاصة في عملية الاستنباط هي كل أداة لغوية لا تصلح للدخول إلا في الدليل الذي يعالج موضوعا معينا، ولا أثر لها في استنباط حكم موضوع آخر، ككلمة " الاحسان " فإنها لا يمكن أن تدخل في دليل سوى الدليل الذي يشتمل على حكم مرتبط بالاحسان، ولا علاقة للادلة التي تشتمل على حكم الصلاة مثلا بكلمة " الاحسان "، فلهذا كانت كلمة " الاحسان " عنصرا خاصا في عملية استنباط.

وعلى هذا الاساس يدرس علم الاصول من اللغة القسم الاول من الادوات اللغوية التي تعتبر عناصر مشتركة في عملية الاستنباط، فيبحث عن مدلول صيغة فعل الامر وأنها هل تدل على الوجوب أو الاستحباب؟ ولا يبحث عن مدلول كلمة " الاحسان ". ويدخل في القسم الاول من الادوات اللغوية أداة الشرط أيضا، لانها تصلح للدخول في استنباط الحكم من أى دليل لفظى مهما كان نوع الموضوع الذى يتعلق به، فنحن نستنبط من النص القائل: " اذا زالت الشمس وجبت الصلاة "، أن وجوب الصلاة مرتبط بالزوال بدليل أداة الشرط ونستنبط من النص القائل: " اذا هل هلال شهر رمضان وجب الصوم "، ان وجوب الصوم مرتبط بالهلا، ولاجل هذا يدرس علم الاصول أداة الشرط بوصفها عنصرا مشتركا، ويبحث عن نوع الربط الذي تدل عليه ونتائجه في استنباط الحكم الشرعي.

[80]

وكذلك الحال في صيغة الجمع المعرف باللام، لانها أداة لغوية صالحة للدخول في الدليل اللفظي مهما كان نوع الموضوع الذي يتعلق به. وفيما يلي نذكر بعض النماذج من هذه الادوات المشتركة التي يدرسها الاصوليون:

1 - صيغة الامر

صيغة فعل الامر نحو " إذهب " و " صل " و " صم " و " جاهد " إلى غير ذلك من الاوامر. والمقرر بين الاصوليين عادة هو القول بأن هذه الصيغة تدل لغة على الوجوب.

وهذا القول يدعونا أن نتسأل هل يريد هؤلاء الاعلام من القول بأن صيغة فعل الامر تدل على الوجوب وأن صيغة فعل الامر تدل على نفسه ما تدل عليه كلمة الوجوب؟ فيكونان مترادفين وكيف يمكن افتراض ذلك؟ مع أننا نحس بالوجدان أن كلمة الوجوب وصيغة فعل الامر ليستا مترادفتين، والا لجاز أن نستبدل إجداهما بالاخرى وما دام هذا الاستبدال غير جائز فنعرف أن صيغة فعل الامر تدل على معنى يختلف عن المعنى الذي تدل عليه كلمة الوجوب، ويصبح من الصعب عندئذ فهم القول السائد بين الاصوليين بأن صيغة فعل الامر تدل على الوجوب.

والحقيقة أن هذا القول يحتاج إلى تحليل مدلول صيغة فعل الامر لكي نعرف كيف تدل على الوجوب، فنحن حين ندقق في فعل الامر نجد أنه يدل على نسبة بين مادة الفعل والفاعل منظورا إليها بما هي نسبة يراد تحقيقها وإرسال المكلف نحو إيجادها. أرأيت الصياد حين يرسل كلب الصيد إلى فريسه؟ إن تلك الصورة التى يتصورها الصياد عن ذهاب الكلب إلى فريسة

[81]

وهو يرسله إليها، هي نفس الصورة التي يدل عليها فعل الامر، ولهذا يقال في علم الاصول إن مدلول صيغة الامر هو النسبة الارسالية. وكما أن الصياد حين يرسل الكلب إلى فريسته قد يكون إرساله هذا ناتجا عن شوق شديد إلى الحصول على تلك الفريسة ورغبة أكيدة في ذلك وقد يكون ناتجا عن رغبة غير أكيدة وشوق غير شديد، كذلك النسبة الارسالية التي تدل عليها الصيغة في فعل الامر قد نتصورها ناتجة عن شوق شديد وإلزام أكيد وقد نتصورها ناتجة عن شوق أضعف ورغبة أقل درجة.

وعلى هذا الضوء نستطيع الآن أن نفهم معنى ذلك القول الاصولي القائل: إن صيغة فعل الامر تدل على الوجوب، فإن معناه أن الصيغة قد وضعت للنسبة الارسالية بوصفها ناتجة عن شوق شديد وإلزام أكيد، ولهذا يدخل معنى الالزام والوجوب ضمن الصورة التي نتصور بها المعنى اللغوي للصيغة عند سماعها دون أن يصبح فعل الامر مرادفا لكلمة الوجوب.

وليس معنى دخول الالزام والوجوب في معنى الصيغة أن صيغة الامر لا يجوز إستعمالها في مجال المستبحات، بل قد استعملت كثيرا في موارد الاستحباب كما استعملت في موارد الوجوب، ولكن إستعمالهما في موارد الوجوب إستعمال حقيقي، لانه إستعمال للصيغة في المعنى الذى وضعت له، وإستعمالها في موارد الاستحباب إستعمال مجازي يبرره الشبه القائم بين الاستحباب والوجوب.

والدليل على أن صيغة الامر موضوعة للوجوب بالمعنى الذي قلنا هو التبادر فإن المنسبق إلى ذهن العرف ذلك بشهادة أن الآمر العرفي إذا أمر المكلف بصيغة الامر ولم يأت المكلف بالمأمور به معتذرا بأني لم أكن أعرف أن هذا واجب أو مستحب لا يقبل منه العذر ويلام على تخلفه عن الامتثال وليس ذلك إلا لانسباق الوجوب عرفا من اللفظ وتبادره والتبادر علامة الحقيقة.

2 - صيغة النهي

صيغة النهي نحو (لا تذهب) والمقرر بين الاصوليين هو القول بأن صيغة النهي تدل على الحرمة، ويجب أن نفهم هذا القول بصورة مماثلة لفهمنا القول بأن صيغة الامر تدل على الوجوب مع فارق وهو أن النهي إمساك ومنع والامر إرسال وطلب فصيغة النهي إذن تدل على نسبه إمساكية.

أي إنا حين نسمع جملة " اذهب " نتصور نسبة بين الذهاب والمخاطب ونتصور أن المتكلم يرسل المخاطب نحوها ويبعثه إلى تحقيقها كما يرسل الصياد كلبه نحو الفريسة، وأما حين نسمع جملة " لا تذهب " فنتصور نسبة بين الذهاب والمخاطب ونتصور أن المتكلم يمسك مخاطبه عن تلك النسبة ويزجره عنها، كما لو حاول كلب الصيد أن يطادر الفريسة فأمسك به الصياد، ولهذا نطلق عليها إسم " النسبة الامساكية " وتدخل الحرمة في مدلول النهي بالطريقة التي دخل بها الوجوب إلى مدلول الامر، ولنرجع بهذا الصدد إلى مثال الصياد، فإنا نجد أن الصياد حين يمسك كلبه عن تتبع الفريسة قد يكون إمساكه هذا ناتجا عن كراهة تتبع الكلب للفريسة بدرجة شديدة، وقد ينتج عن كراهة ذلك بدرجة ضعيفة ونظير هذا تماما نتصور في النسبة الامساكية التي نتحدث عنها، فإنا قد نتصورها ناتجة عن كراهة شديدة للمنهي عنه، وقد نتصورها ناتجة عن كراهة ضعيفة.

ومعنى القول بأن صيغة النهي تدل على الحرمة في هذا الضوء أن الصيغة موضوعة للنسبة الامساكية بوصفها ناتجة عن كراهة شديدة وهي الحرمة، فتدخل الحرمة ضمن الصورة التي نتصور بها المعنى اللغوي لصيغة النهي عند سماعها.

والدليل على إنها موضوعة كذلك هو التبادر كما تقدم في صيغة الامر. وفي نفس الوقت قد نستعمل صيغة النهي في موارد الكراهة، فينهي عن المكروه أيضا بسب الشبه القائم بين الكراهة والحرمة، ويعتبر إستعمالها في موارد المكروهات إستعمالا مجازيا.

3 - الاطلاق

وتوضيحه أن الشخص إذ أراد أن يأمر ولده بإكرام جاره المسلم فلا يكتفي عادة بقوله: " اكرم الجار " بل يقول: " أكرم الجار المسلم "، وأما إذا كان يريد من ولده أن يكرم جاره مهما كان دينه فيقول: " أكرم الجار " ويطلق كلمة الجار - أي لا يقيدها بوصف خاص - ويفهم من قوله عندئذ أن الامر لا يختص بالجار المسلم بل يشمل الجار الكافر أيضا، وهذا الشمول نفهمه نتيجة لذكر كلمة الجار مجردة عن القيد، ويسمى هذا ب (الاطلاق) ويسمى اللفظ في هذه الحالة " مطلقا ".

وعلى هذا الاساس يعتبر تجرد الكلمة من القيد اللفظي في الكلام دليلا على شمول الحكم، ومثال ذلك من النص الشرعي قوله تعالى: " أحل الله البيع "، فقد جاء‌ت كلمة البيع هنا مجردة عن أي قيد في الكلام، فيدل هذا الاطلاق على شمول الحكم بالحلية لجميع أنواع البيع.

وأما كيف أصبح ذكر الكلمة بدون قيد في الكلام دليلا على الشمول وما مصدر هذه الدلالة فهذا ما لا يمكن تفصيل الكلام فيه على مستوى هذه الحلقة. ولكن نقول على نحو الايجاز أن ظاهر حال المتكلم حينما يكون له مرام في نفسه يدفعه إلى الكلام أن يكون في مقام بيان تمام ذلك المرام فإن قال أكرم الجار وكان مرامه الجار المسلم خاصة لم يكتف بما قال بل يردفه عادة بما يدل على قيد الاسلام وفي كل حالة لا يأتي بما يدل على القيد نعرف أن هذا القيد غير داخل في مرامه إذ لو كان داخلا في مرامه ومع هذا سكت عنه لكان ذلك على خلاف ظاهر حاله القاضي بأنه في مقام بيان تمام المراد بالكلام،

[84]

فبهذا الاستدلال نستكشف الاطلاق من السكوت وعدم ذكر القيد ويعبر عن ذلك بقرينة الحكمة.

4 - أدوات العموم

أدوات العموم مثالها " كل " في قولنا: " إحترم كل عادل " وذلك أن الآمر حين يريد أن يدلل على شمول حكمه وعمومه قد يكتفي بالاطلاق وذكر الكلمة بدون قيد كما شرحناه آنفا فيقول: " أكرم الجار " وقد يريد مزيدا من التأكيد على العموم والشمول فيأتي بأداة خاصة.

للدلالة على ذلك فيقول: في المثال المتقدم مثلا " أكرم كل جار "، فيفهم السامع من ذلك مزيدا من التأكيد على العموم والشمول، ولهذا تعتبر كلمة " كل " من أدوات العموم لانها موضوعة في اللغة لذلك، ويسمى اللفظ الذي دلت الاداة على عمومه " عاما " ويعبر عنه ب‍ " مدخول الاداة "، لان أداة العموم دخلت عليه وعممته.

ونستخلص من ذلك أن التدليل على العموم يتم بإحدى طريقتين: الاولى سلبية وهي الاطلاق، أي ذكر الكلمة بدون قيد. والثانية إيجابية وهي إستعمال أداة للعموم نحو " كل " و " جميع " و " كافة " وما إليها من ألفاظ.

وقد إختلف الاصوليون في صيغة الجمع المعرف باللام من قبيل " الفقهاء "، " العقود ": فقال بعضهم: إن هذه الصيغة نفسها من أدوات العموم أيضا مثل كلمة " كل " فأي جمع من قبيل " فقهاء " إذا أراد المتكلم إثبات الحكم لجميع أفراده والتدليل على عمومه بطريقة إيجابية أدخل عليه اللام فيجعله جمعا معرفا باللام ويقول: " إحترم الفقهاء " أو " أوفوا بالعقود ".

[85]

وبعض الاصوليين يذهب إلى أن صيغة الجمع المعرف باللام ليست من أدوات العموم، ونحن إنما نفهم الشمول في الحكم عندما نسمع المتكلم يقول " إحترام الفقهاء " مثلا بسبب الاطلاق وتجرد الكلمة عن القيود لا بسبب دخول اللام على الجمع، أي بطريقة سلبية لا إيجابية، فلا فرق بين أن يقال: " أكرم الفقهاء " أو " أكرم الفقيه " فكما يستند فهمنا للشمول في الجملة الثانية إلى الاطلاق كذلك الحال في الجملة الاولى، فالمفرد والجمع المعرفان لا يدلان على الشمول إلا بالطريقة السلبية.

5 - أداة الشرط

أداة الشرط مثالها " إذا " في قولنا: " إذا زالت الشمس فصل " و " إذا أجرمت للحج فلا تتطيب "، وتسمى الجملة التي تدخل عليها اداة الشرط جملة شرطية، وهي تختلف في وظيفتها اللغوية عن غيرها من الجمل التي لا توجد فيها أداة شرط، فإن سائر الجمل تقوم بربط كلمة بأخرى، نظير ربط الخبر بالمبتدأ في القضية الحملية.

وأما الجملة الشرطية فهي تربط بين جملتين وهما جملة الشرط وجملة الجزاء وكل من هاتين الجملتين تتحول بسبب هذا الربط الشرطي من جملة تامة إلى جملة ناقصة وتكون الجملة التامة هي الجملة الشرطية بكاملها.

وإذا لاحظنا المثالين المتقدمين للجملة الشرطية وجدنا أن الشرط في المثال الاول زوال الشمس، وفي المثال الثاني هو الاحرام للحج، وأما المشروط فهو مدلول جملة " صل " و " لا تتطيب ". ولما كان مدلول " صل " بوصفه صيغة أمر هو الوجوب ومدلول " لا تتطيب " بوصفه صيغة نهي هو الحرمة كما تقدم، فنعرف أن المشروط هو الوجوب أو الحرمة أي الحكم الشرعي،

[86]

ومعنى أن الحكم الشرعي مشروط بزوال الشمس أو بالاحرام للحج أنه مرتبط بالزوال أو الاحرام ومقيد بذلك، والمقيد ينتفي إذا إنتفى قيده.

وينتج عن ذلك أن أداة الشرط تدل على إنتفاء الحكم الشرعي في حالة إنتفاء الشرط، لان ذلك نتيجة لدلالتها على تقييد الحكم الشرعي وجعله مشروطا، فيدل قولنا: " إذا زالت الشمس فصل " على عدم وجوب الصلاة قبل الزوال، ويدل قولنا: " إذا أحرمت للحج فلا تتطيب " على عدم حرمة الطيب في حالة عدم الاحرام للحج، وبذلك تصبح الجملة ذات مدلولين: أحدهما إيجابي والآخر سلبي. فالايجابي هو ثبوت الجزاء عند ثبوت الشرط ومدلولها السلبي هو إنتفاء الجزاء عند إنتفاء الشرط. ويسمى المدلول الايجابي " منطوقا " للجملة، والمدلول السلبي " مفهوما " وكل جملة لها مثل هذا المدلول السلبي يقال في العرف الاصولي: إن هذه الجملة أو القضية ذات مفهوم.

وقد وضع بعض الاصوليين قاعدة عامة لهذا المدلول السلبي في اللغة فقال: إن كل أداة لغوية تدل على تقييد الحكم وتحديده لها، مدلولها سلبي، إذ تدل على إنتفاء الحكم خارج نطاق الحدود التي تضعها للحكم، وأداة الشرط تعتبر مصداقا لهذه القاعدة العامة، لانها تدل على تحديد الحكم بالشرط. ومن مصاديق القاعدة أيضا أداة الغاية حين تقول مثلا: " صم حتى تغيب الشمس " فإن " صم " هنا فعل أمر يدل على الوجوب، وقد دلت حتى بوصفها أداة غاية على وضع حد وغاية لهذا الوجوب الذي تدل عليه صيغة الامر، ومعنى كونه غاية له، تقييده فيدل عليه إنتفاء وجوب الصوم بعد مغيب الشمس، وهذا هو المدلول السلبي الذي نطلق عليه إسم المفهوم.

ويسمى

[87]

المدلول السلبي الشرطية ب‍ " مفهوم الشرط " كما يسمى المدلول السلبي لاداة الغاية - من قبيل حتى في المثال المتقدم ب‍ " مفهوم الغاية ".

وإما إذا قيل " أكرم الفقير العادل " فلا يدل القيد هنا على أن غيرالعادل لا يجيب إكرامه لان هذا القيد ليس قيدا للحكم بل هو وصف للفقير وقيد له والفقير هو موضوع الحكم لا نفسه وما دام التقييد لا يعود إلى الحكم مباشرة فلا دلالة على المفهوم ومن هنا أنه لا مفهوم للوصف ويراد به ما كان من قبيل كلمة العادل في هذا المثال.

1 - الدليل الشرعي: أ - الدليل الشرعي اللفظي (حجية الظهور)

إذا واجهنا دليلا شرعيا فليس المهم أن نفسره بالنسبة إلى مدلوله التصوري اللغوي فحسب، بل أن نفسره بالنسبة إلى مدلوله التصديقي لنعرف ماذا أراد الشارع به وكثيرا ما نلاحظ أن اللفظ صالح لدلالات لغوية وعرفية متعددة فكيف نستطيع أن نعين مراد المتكلم منه.

وهنا نستعين بظهورين: أحدهما ظهور اللفظ في مرحلة الدلالة التصورية في معنى معين، ومعنى الظهور في هذه المرحلة أن هذا المعنى أسرع إنسباقا إلى تصور الانسان عند سماع اللفظ من غيره من المعاني فهو أقرب المعاني إلى اللفظ لغة. والآخر ظهور حال المتكلم في أن ما يريده مطابق لظهور اللفظ في مرحلة الدلالة التصويرية أي أنه يريد أقرب المعاني ألى اللفظ لغة وهذا ما يسمى بظهور التطابق بين مقام الاثبات ومقام الثبوت، ومن المقرر في علم الاصول أن ظهور حال المتكلم في ارادة أقرب المعاني إلى اللفظ، حجة.

ومعنى حجية الظهور إتخاذه أساسا لتفسير الدليل اللفظي على ضوئه، فنفترض دائما أن المتكلم قد أراد المعنى الاقرب إلى اللفظ في النظام اللغوي العام(1) أخذا بظهور حاله. ولاجل ذلك يطلق على حجية الظهور إسم

___________________________________

(1) لا نريد باللغة والنظام اللغوي العام هنا اللغة في مقابل العرف، بل النظام القائم بالفعل لدلالة الالفاظ سواء كان لغويا أوليا أو ثانويا (*).

[89]

" أصالة الظهور " لانها تجعل الظهور هو الاصل لتفسير الدليل اللفظي.

وفي ضوء هذا نستطيع أن نعرف لماذا كنا نهتم في البحث السابق بتحديد المدلول اللغوي الاقرب للكلمة والمعنى الظاهر لها بموجب النظام اللغوي العام. مع أن المهم عند تفسير الدليل اللفظي هو إكتشاف ماذا أراد المتكلم باللفظ من معنى؟ لا ما هو المعنى الاقرب إليه في اللغة؟ فإنا ندرك في ضوء إصالة الظهور أن الصلة وثيقة جدا بين إكتشاف مراد المتكلم وتحديد المدلول اللغوي الاقرب للكلمة، لان أصالة الظهور تحكم بأن مراد المتكلم من اللفظ هو نفس المدلول اللغوي الاقرب، أي المعني الظاهر من اللفظ لغة، فلكي نعرف مراد المتكلم يجب أن نعرف المعنى الاقرب إلى اللفظ لغة لنحكم بأنه هو المعنى المراد للمتكلم.

والدليل على حجية الظهور يتكون من مقدمتين: الاولى: إن الصحابة وأصحاب الائمة كانت سيرتهم قائمة على العمل بظواهر الكتاب والسنة وإتخاذ الظهور أساسا لفهمها كما هو واضح تاريخيا من عملهم وديدنهم.

الثانية: أن هذه السيرة على مرأى ومسمع من المعصومين عليهم السلام ولم يعترضوا عليها بشئ وهذا يدل على صحتها شرعا وإلا لردعوا عنها، وبذلك يثبت إمضاء الشارع للسيرة القائمة على العمل بالظهور وهو معنى حجية الظهور شرعا.

تطبيقات حجية الظهور على الادلة اللفظية

ونستعرض فيما يلي ثلاث حالات لتطبيق قاعدة حجية الظهور: الاولى: أن يكون للفظ في الدليل معنى وحيد في اللغة ولا يصلح للدلالة على معنى آخر في النظام اللغوي والعرفي العام.

[90]

والقاعدة العامة تحتم في هذه الحالة أن يحمل اللفظ على معناه الوحيد ويقال: " إن المتكلم أراد ذلك المعنى "، لان المتكلم يريد باللفظ دائما المعنى المحدد له في النظام اللغوي العام، ويعتبر الدليل في مثل هذه الحالة صريحا في معناه ونصا.

الثانية: أن يكون للفظ معان متعددة متكافئة في علاقتها باللفظ بموجب النظام اللغوي العام من قبيل المشترك، وفي هذه الحالة لا يمكن تعيين المراد من اللفظ على أساس تلك القاعدة: إذ لا يوجد معنى أقرب إلى اللفظ من ناحية لغوية لتطبيق القاعدة عليه، ويكون الدليل في هذه الحالة مجملا.

الثالثة: أن يكون للفظ معان متعددة في اللغة وأحدها أقرب إلى اللفظ لغويا من سائر معانيه، ومثاله كلمة " البحر" التي لها معنى حقيقي قريب وهو " البحر من الماء " ومعنى مجازي بعيد وهو " البحر من العلم "، فإذا قال الآمر: " إذهب إلى البحر في كل يوم " وأردنا أن نعرف ماذا أراد المتكلم بكلمة البحر من هذين المعنيين؟ يجب علينا أن ندرس السياق الذي جاء‌ت فيه كلمة البحر ونريد ب‍ " السياق " كل ما يكشف اللفط الذي نريد فهمه من دوال أخرى، سواء كانت لفظية كالكلمات التي تشكل مع اللفظ الذي نريد فهمه كلاما وتحدا مترابطا، أو حالية كالظروف والملابسات التي تحيط بالكلام وتكون ذات دلالة في الموضوع.

فإن لم نجد في سائر الكلمات التي وردت في السياق ما يدل على خلاف المعنى الظاهر من كلمة البحر كان لزاما علينا أن نفسر كلمة البحر على أساس المعنى اللغوي الاقرب تطبيقا للقاعدة العامة القائلة بحجية الظهور. وقد نجد في سائر أجزاء الكلام ما لا يتفق مع ظهور كلمة البحر، ومثاله أن يقول الآمر: " اذهب إلى البحر في كل يوم وإستمع إلى حديثه بإهتمام ".

فإن الاستماع إلى حديث البحر لا يتفق مع المعنى اللغوي الاقرب إلى كلمة

[91]

البحر وإنما يناسب العالم الذي يشابه البحر لغزارة علمه - وفي هذه الحالة - نجد أنفسنا تتسأل ماذا أراد المتكلم بكلمة البحر، هل أراد بها البحر من العلم بدليل أنه أمرنا بالاستماع إلى حديثه، أو أراد بها البحر من الماء ولم يقصد بالحديث هنا المعنى الحقيقي بل أراد به الاصغاء إلى صوت أمواج البحر؟ وهكذا نظل مترددين بين كلمة البحر وظهورها اللغوي من ناحية، وكلمة الحديث وظهورها اللغوي من ناحية أخرى، ومعنى هذا أنا نتردد بين صورتين: إحديهما صورة الذهاب إلى بحر من الماء المتموج والاستماع إلى صوت موجه، وهذه الصورة هي التي توحي بها كلمة البحر والاخر صورة الذهاب إلى عالم غزير العلم والاستماع إلى كلامه، وهذه الصورة هي التي توحي بها كلمة الحديث.

وفي هذا المجال يجب أن نلاحظ السياق جميعا كلكل ونرى أي هاتين الصورتين أقرب إليه في النظام اللغوي العام؟ أي إن هذا السياق إذا ألقي على ذهن شخص يعيش اللغة ونظامها بصورة صحيحة هل سوف تسبق إلى ذهنه الصورة الاولى أو الصورة الثانية؟ فإن عرفنا أن إحدى الصورتين أقرب إلى السياق بموجب النظام اللغوي العام - ولنفرضها الصورة الثانية - تكون للسياق - ككل - ظهور في الصورة الثانية ووجب أن نفسر الكلام على أساس تلك الصورة الظاهرة.

ويطلق على كلمة الحديث في هذا المثال إسم " القرينة " لانها هي التي دلت على الصورة الكاملة للسياق وأبطلت مفعول كلمة البحر وظهورها. وأما إذا كانت الصورتان متكافئتين في علاقتهما بالسياق فهذا يعني أن الكلام أصبح مجملا ولا ظهور له، فلا يبقى مجال لتطبيق القاعدة العامة.

القرينة المتصلة والمنفصلة

عرفنا أن كلمة " الحديث " في المثال السابق قد تكون قرينة في ذلك السياق، وتسمى " قرينة متصلة " لانها متصلة بكلمة البحر التي أبطلت مفعولها وداخلة معها في سياق واحد، والكلمة التي يبطل مفعولها بسبب القرينة تسمى ب‍ " ذي القرينة ".

ومن أمثلة القرينة المتصلة الاستثناء من العام، كما إذا قال الآمر: " أكرم كل فقير إلا الفساق "، فإن كلمة " كل " ظاهرة في العموم لغة، وكلمة " الفساق " تتنافى مع العموم، وحين ندرس السياق ككل نرى أن الصورة التي تقتضيها هذه الكلمة أقرب إليه من صورة العموم التي تقتضيها كلمة " كل "، بل لا مجال للموازنة بينهما، وبهذا تعتبر أداة الاستثناء قرينة على المعنى العام للسياق.

فالقرينة المتصلة هي كل ما يتصل بكلمة، فيبطل ظهورها ويوجه المعنى العام للسياق الوجهة التي تنجسم معه. وقد يتفق أن القرينة بهذا المعنى لا تجئ متصلة بالكلام بل منفصلة عنه فتسمى " قرينة منفصلة ". ومثاله أن يقول الآمر: " أكرم كل فقير " ثم يقول في حديث آخر بعد ساعة: " لا تكرم فساق الفقراء "، فهذا النهي لو كان متصلا بالكلام الاول لاعتبر قرينة متصلة ولكنه إنفصل عنه في هذا المثال.

وفي هذا الضوء نفهم معنى القاعدة الاصولية القائلة: إن ظهور القرينة مقدم على ظهور ذي القرينة سواء كانت القرينة متصلة أو منفصلة.

1 - الدليل الشرعي: أ - الدليل الشرعي اللفظي (إثبات الصدور)

لكي نعمل بكلام بوصفه دليلا شرعيا لا بد من إثبات صدوره من المعصوم وذلك بأحد الطرق التالية:

(الاول) التواتر وذلك بأن ينقله عدد كبير من الرواة وكل خبر من هذا العدد الكبير يشكل إحتمالا للقضية وقرينة لاثباتها وبتراكم الاحتمالات والقرائن يحصل اليقين بصدور الكلام، وحجية التواتر قائمة على أساس إفادته للعلم ولا تحتاج حجيته إلى جعل وتعبد شرعي.

(الثاني) الاجماع والشهرة وتوضيح ذلك أنا إذا لاحظنا فتوى الفقيه الواحد بوجوب الخمس في المعادن مثلا.

نجد أنها تشكل قرينة إثبات ناقصة على وجود دليل لفظي مسبق يدل على هذا الوجوب لان فتوى الفقيه تجعلنا نحتمل تفسيرين لها: أحدهما أن يكون قد إستند في فتواه إلى دليل لفظي مثلا بصورة صحيحة، والآخر أن يكون مخطئا في فتواه. وما دمنا نحتمل فيها هذين التفسيرين معا فهي قرينة إثبات ناقص، فإذا أضفنا إليها فتوى فقيه آخر بوجوب الخمس في المعان أيضا، كبر إحتمال وجود دليل لفظي يدل على الحكم نتيجة لاجتماع قرينتين ناقصتين، وحين

[94]

ينضم إلى الفقيهين فقيه ثالث نزداد ميلا إلى الاعتقاد بوجود الدليل اللفظي وهكذا نزداد ميلا إلى الاعتقاد بذلك كلما إزداد عدد الفقهاء بوجوب الخمس في المعادن، فإذا كان الفقهاء قد إتفقوا جميعا على هذه الفتوى سمي ذلك " إجماعا "، وإذا يشكلون الاكثرية فقط سمي ذلك " شهرة ".

فالاجماع والشهرة طريقان لاكتشاف وجود الدليل اللفظي في جملة من الاحيان. وحكم الاجماع والشهرة من ناحية أصولية أنه متى حصل العلم بالدليل الشرعي بسبب الاجماع أو الشهرة وجب الاخذ بذلك في عملية الاستنباط، وأصبح الاجماع والشهرة حجة، وإذا لم يحصل العلم بسبب الاجماع أو الشهرة، فلا إعتبار بهما، إذ لا يفيدان حينئذ إلا الظن ولا دليل على حجية هذا الظن شرعا فالاصل عدم حجيته، لان هذا هو الاصل في كل ظن كما تقدم.

(الثالث) سيرة المتشرعة، وهي السلوك العام للمتدينين في عصر المعصومين من قبيل إتفاقهم على إقامة صلاة الظهر في يوم الجمعة بدلا عن صلاة الجمعة، أو على عدم دفع الخمس من الميراث. وهذا السلوك العام إذا حللناه إلى مفرداته، ولاحظنا سلوك كل واحد بصورة مستقلة، نجد أن سلوك الفرد المتدين الواحد في عصر التشريع، يعتبر قرينة إثبات ناقصة على صدور بيان شرعي يقرر ذلك السلوك، ونحتمل في نفس الوقت أيضا الخطأ والغفلة وحتى التسامح. فإذا عرفنا أن فردين في عصر التشريع كانا يسلكان نفس السلوك ويصليان الظهر مثلا في يوم الجمعة إزدادت قوة الاثبات.

وهكذا تكبر قوة الاثبات حتى تصل إلى درجة كبيرة، عندما نعرف أن ذلك السلوك كان سلوكا عاما يتبعه جمهرة المتدينين في عصر التشريع، إذ يبدو من المؤكد حينئذ أن سلوك هؤلاء جميعا لم ينشأ عن خطأ أو غفلة أو تسامح لان

[95]

الخطأ، والغفلة أو التسامح قد يقع فيه هذا أو ذاك، وليس من المحتمل أن يقع في جمهرة المتدينين في عصر التشريع جميعا. وهكذا نعرف أن السلوك العام مستند إلى بيان شرعي يدل على إمكان إقامة الظهر في يوم الجمعة، وعدم وجوب الخمس في الميراث. وهي في الغالب تؤدي إلى الجزم بالبيان الشرعي ضمن شروط لا مجال لتفصيلها الآن. ومتى كانت كذلك فهي حجة، وأما إذا لم يحصل منها الجزم فلا إعتبار بها لعدم الدليل على الحجية حينئذ. وهذه الطرق الثلاث كلها مبينة على تراكم الاحتمالات وتجمع القرائن.

(الرابع) خبر الواحد الثقة ونعبر بخبر الواحد عن كل خبر لا يفيد العلم، وحكمه أنه إذا كان المخبر ثقة أخذ به وكان حجة وإلا فلا، وهذه الحجية ثابتة شرعا لا عقلا لانها لا تقوم على أساس حصول القطع، بل على أساس أمر الشارع بإتباع خبر الثقة، فقد دلت أدلة شرعية عديدة على ذلك، ويأتي بيانها في حلقة مقبلة إن شاء الله تعالى. ومن تلك الادلة آية النبأ وهي قوله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا إن جاء‌كم فاسق بنبأ فتبينوا..) الآيه،(1) فإنه يشتمل على جملة شرطية وهي تدل منطوقا على إناطة وجوب التبين بمجئ الفاسبق بالنبأ وتدل مفهوما على نفي وجوب التبين في حالة مجى النبأ من قبل غير الفاسق، وليس ذلك إلا لحجيته فيستفاد من الآية الكريمة حجية خبر العادل الثقة.

___________________________________

(1) الحجرات 6. (*)

[96]

ويدل على حجية خبره أيضا أن سيرة المشترعة والعقلاء عموما على الاتكال عليه، ونستكشف من إنعاقد سيرة المتشرعة على ذلك وإستقرار عمل أصحاب الائمة والرواة عليه أن حجيته متلقاة لهم من قبل الشار ع وفقا لما تقدم من حديث عن سيرة المتشرعة، وكيفية الاستدلال بها.

1 - الدليل الشرعي:

ب - الدليل الشرعي غير اللفظي

الدليل الشرعي غير اللفظي كل ما يصدر من المعصوم مما له دلالة على الحكم الشرعي وليس من نوع الكلام. ويدخل ضمن ذلك فعل المعصوم، فإن أتى المعصوم بفعل دل على جوازه، وأن تركه، دل على عدم وجوبه، وأن أوقعه بعنوان كونه طاعة لله تعالى دل على المطلوبية، ويثبت لدينا صدور هذه الانحاء من التصرف عن المعصوم بنفس الطرق المتقدمة التي يثبت بها صدور الدليل الشرعي اللفظي. ويدخل ضمن ذلك تقرير المعصوم، وهو السكوت منه عن تصرف يواجهه، فإنه يدل على الامضاء وإلا لكان على المعصوم أن يردع عنه فيستكشف من عدم الردع الامضاء والارتضاء.

والتصرف تارة يكون شخصيا في واقعة معينة كما إذا توضأ إنسان أمام الامام فمسح منكوسا وسكت الامام عنه، وأخرى يكون نوعيا كالسيرة العقلائية، وهي عبارة عن ميل عام عند العقلاء نحو سلوك معين دون أن يكون للشرع دور إيجابي في تكوين هذا الميل، ومثال ذلك الميل العام لدى العقلاء نحو الاخذ بظهور كلام المتكلم أو خبر الثقة أو باعتبار الحيازة سببا لتملك المباحات الاولية، والسيرة العقلائية بهذا المعنى تختلف عن سيرة المشترعة التي تقدم أنها إحدى الطرق لكشف صدور الدليل الشرعي، فإن سيرة المشترعة بما هم كذلك تكون عادة وليدة البيان الشرعي، ولهذا تعتبر

[98]

كاشفة عنه كشف المعلول عن العلة.

وأما السيرة العقلائية فمردها كما عرفنا إلى ميل عام يوجد عند العقلاء نحو سلوك معين، لا كنتيجة لبيان شرعي بل نتيجة العوامل والمؤثرات الاخرى التي تتكيف وفقا، لها، ميول العقلاء وتصرفاتهم، ولاجل هذا لا يقتصر الميل العام الذي تعبر عنه السيرة العقلائية على نطاق المتدينين خاصة، لان الدين لم يكن من عوامل تكوين هذا الميل.

وبهذا يتضح أن السيرة العقلائية لا تكشف عن البيان الشرعي كشف المعلول عن العلة، وإنما تدل على الحكم الشرعي عن طريق دلالة التقرير بالتقريب التالي: وهو أن الميل الموجود عند العقلاء نحو سلوك معين يعتبر قوة دافعة لهم نحو ممارسة ذلك السلوك، فإذا سكتت الشريعة عن ذلك الميل ولم يردع المعصوم عن السيرة مع معاصرته لها كشف ذلك عن الرضا بذلك السلوك وإمضائه شرعا.

ومثال ذلك: سكوت الشريعة عن الميل العام عند العقلاء نحو الاخذ بظهور كلام المتكلم، وعدم ردع المعصومين عن ذلك، فإنه يدل على أن الشريعة تقر هذه الطريقة في فهم الكلام، وتوافق على إعتبار الظهور حجة، وإلا لمنعت الشريعة عن الانسياق مع ذلك الميل العام، وردعت عنه في نطاقها الشرعي. وبهذا يمكن أن نستدل على حجية الظهور بالسيرة العقلائية، إضافة إلى إستدلالنا سابقا عليها بسيرة المتشرعة المعاصرين للرسول والائمة عليهم السلام.

2 - الدليل العقلي: دراسة العلاقات العقلية

حينما يدرس العقل العلقات بين الاشياء يتوصل إلى معرفة إنواع عديدة من العلاقة، فهو يدرك مثلا علاقة التضاد بين السواد والبياض، وهي تعني إستحالة إجتماعهما في جسم واحد، ويدرك علاقة التلازم بين السبب والمسبب، فإن كل مسبب في نظر العقل ملازم لسببه ويستحيل إنفكاكه عنه، نظير الحرارة بالنسبة إلى النار، ويدرك علاقة التقدم والتأخر في الدرجة بين السبب والمسبب.

ومثاله: إذا أمسكت مفتاحا بيدك وحركت يدك فيتحرك المفتاح بسبب ذلك، وبالرغم من أن المفتاح في هذا المثال يتحرك في نفس اللحظة التي تتحرك فيها يدك، فإن العقل يدرك أن حركة اليد متقدمة على حركة المفتاح، وحركة المفتاح متأخرة عن حركة اليد لا من ناحية زمنية؟ من ناحية تسلسل الوجود، ولهذا نقول حين نريد أن نتحدث عن ذلك: " حركت يدي فتحرك المفتاح " فالفاء هنا تدل على تأخر حركة المفتاح عن حركة اليد، مع إنهما وقعا في زمان واحد. فهناك إذن تأخر لا يمت إلى الزمان بصلة، وإنما ينشأ عن تسلسل الوجود في نظر العقل، بمعنى أن العقل حين يلحظ حركة اليد وحركة المفتاح، ويدرك أن هذه نابعة من تلك، يرى أن حركة المفتاح متأخرة عن حركة اليد بوصفها نابغة منها، ويرمز إلى هذا التأخر بالفاء فيقول: " تحركت يدي فتحرك المفتاح "، ويطلق على هذا التأخر إسم " التأخر الرتبي ".

وبعد أن يدرك العقل تلك العلاقات يستطيع أن يستفيد منها في إكتشاف وجود الشئ أو عدمه، فهو عن طريق علاقة التضاد بين السواد والبياض، يستطيع أن يثبت عدم السواد في جسم إذا عرف أنه أبيض نظرا إلى إستحالة

[100]

إجتماع البياض والسواد في جسم واحد، وعن طريق علاقة التلازم بين المسبب وسببه، يستطيع العقل أن يثبت وجود المسبب إذا عرف وجود السبب نظرا إلى إستحالة الانفكاك بينهما. وعن طريق علاقة التقدم والتأخر يستطيع العقل أن يكتشف عدم وجود المتأخر قبل الشئ المتقدم، لان ذلك يناقض كونه متأخرا، فإذا كانت حركة المفتاح متأخرة عن حركة اليد في تسلسل الوجود، فمن المستحيل أن تكون حركة المفتاح - والحالة هذه - موجودة بصورة متقدمة على حركة اليد في تسلسل الوجود.

وكما يدرك العقل هذه العلاقات بين الاشياء ويستفيد منها في الكشف عن وجود شئ أو عدمه، كذلك يردك العلاقات القائمة بين الاحكام، ويستفيد من تلك العلاقات في الكشف عن وجود حكم أو عدمه، فهو يدرك مثلا التضاد بين الوجوب والحرمة، كما كان يدرك التضاد بين السواد والبياض، وكما كان يستخدم هذه العلاقة في نفي السواد إذا عرف وجود البياض كذلك يستخدم علاقة التضاد بين الوجوب والحرمة لنفي الوجوب عن الفعل إذا عرف أنه حرام. فهناك إذن أشياء تقوم بينها علاقات في نظر العقل، وهناك أحكام تقوم بينها علاقات في نظر العقل أيضا. ونطلق على الاشياء إسم " العالم التكويني " وعلى الاحكام إسم " العالم التشريعي ". وكما يمكن للعقل أن يشكف وجود الشى أو عدمه في العالم التكويني عن طريق تلك العلاقات كذلك يمكن للعقل أن يكشف وجود الحكم أو عدمه في العالم التشريعي عن طريق تلك العلاقات.

ومن أجل ذلك كان من وظيفة علم الاصول أن يدرس تلك العلاقات في

[101]

في عالم الاحكام بوصفها قضايا عقلية صالحة لان تكون عناصر مشتركة في عملية الاستنباط، وفيما يلي نماذج من هذه العلاقات:

تقسيم المبحث

توجد في العالم التشريعي أقسام من العلاقات: فهناك قسم من العلاقات قائم بين نفس الاحكام - أي بين حكم شرعي، وحكم شرعي آخر -، وقسم ثان من العلاقات قائم بين الحكم وموضوعه، وقسم ثالث بين الحكم ومتعلقه، وقسم رابع بين الحكم ومقدماته، وقسم خامس وهو العلاقات القائمة في داخل الحكم الواحد، وقسم سادس وهو العلاقات القائمة بين الحكم وأشياء أخرى خارجة عن نطاق العالم التشريعي.

وسوف نتحدث عن نماذج لاكثر هذه الاقسام(1) فيما يلي:

___________________________________

(1) أي لغير القسم السادس، وأما القسم السادس فنريد به ما كان من قبيل علاقة التلازم بين الحكم العقلي والحكم الشرعي المقرر في المبدأ القائل: " كل ما حكم به العقل حكم به الشرع " فإن هذه العلاقة تقوم بين الحكم الشرعي وشى خارج عن نطاق العالم التشريعي وهو حكم العقل. وقد أجلنا دراسة ذلك إلى الحلقات المقبلة. (*)

العلاقات القائمة بين نفس الاحكام: علاقة بين الوجوب والحرمة

من المعترف به في علم الاصول أنه ليس من المستحيل أن يأتي المكلف بفعلين في وقت واحد أحدهما واجب والآخر حرام، فيعتبر مطيعا من ناحية إتيانه بالواجب وجديرا بالثواب، ويعتبر عاصيا من ناحية إتيانه للحرام ومستحقا للعقاب.

ومثاله أن يشرب الماء النجس ويدفع الزكاة إلى الفقير في وقت واحد. وأما الفعل الواحد فلا يمكن أن يتصف بالوجوب والحرمة معا، لان العلاقة بين الوجوب. والحرمة هي علاقة تضاد ولا يمكن إجتماعهما في فعل واحد كما لا يكن أن يجتمع السواد والبياض في جسم واحد، فدفع الزكاة إلى الفقير لا يمكن أن يكون - وهو واجب - حراما في نفس الوقت، وشرب النجس لا يمكن أن يكون - وهو حرام - واجبا في نفس الوقت.

وهكذا يتضح: (أولا) أن الفعلين المتعددين - كدفع الزكاة وشرب النجس - يمكن أن يتصف أحدهما بالوجوب والآخر بالحرمة ولو أوجدهما المكلف في زمان واحد. (وثانيا) أن الفعل الواحد لا يمكن أن يتصف بالوجوب والحرمة معا. والنقطة الرئيسية في هذا البحث عند الاصوليين هي أن الفعل قد يكون واحدا بالذات والوجود، ومتعدا بالوصف والعنوان، وعندئذ فهل يلحق بالفعل الواحد لانه واحد وجودا وذاتا؟ أو يلحق بالفعلين لانه متعدد

[103]

بالوصف والعنوان؟ ومثاله أن يتوضأ المكلف بماء مغصوب، فأن هذه العملية التي يؤديها إذا لوحظت من ناحية وجودها فهي شئ واحد، وإذا لوحظت من ناحية أوصافها فهي توصف بوصفين إذ يقال عن العملية: إنها وضوء، ويقال عنها في نفس الوقت: إنها غضب وتصرف في مال الغير بدون إذنه، وكل من الوصفين يسمى " عنوانا ". ولاجل ذلك تعتبر العملية في هذا المثال واحدة ذاتا ووجودا ومتعدة وصفا وعنوانا.

وفي هذه النقطة قولان للاصوليين " أحدهما " أن هذه العملية ما دامت متعددة بالوصف والعنوان تلحق بالفعلين المتعددين، فكما يمكن أن يتصف دفع الزكاة للفقير بالوجوب وشرب الماء النجس بالحرمة، كذلك يمكن أن يكون أحد وصفي العملية وعنوانيها واجبا وهو عنوان الوضوء والوصف الآخر حراما وهو عنوان الغصب. وهذا القول يطلق عليه إسم " القول بجواز إجتماع الامر والنهي ". و " القول الآخر " يؤكد على إلحاق العملية بالفعل الواحد على أساس وحدتها الوجودية، ولا يبرر مجرد تعدد الوصف والعنوان عنده تعلق الوجوب والحرمة معا بالعملية. وهذا القول يطلق عليه إسم " القول بامتناع إجتماع الامر والنهي ".

وهكذا إتجه البحث الاصولي إلى دراسة تعدد الوصف والعنوان من ناحية أنه هل يبرر إجتماع الوجوب والحرمة معا في عملية الوضوء بالماء المغصوب؟ أو أن العملية ما دامت واحدة وجودا وذاتا فلا يمكن أن توصف بالوجوب والحرمة في وقت واحد. فقد يقال إن الاحكام بإعتبارها أشياء تقوم في نفس الحاكم إنما تتعلق بالعناوين والصور الذهنية لا بالواقع الخارجي مباشرة، فيكفي التعدد في العناوين والصور لارتفاع المحذور، وهذا معناه جواز إجتماع الامر والنهي.

[104]

وقد يقال إن الاحكام وإن كانت تتعلق بالعناوين والصور الذهنية ولكنها لا تتعلق بها بما هي صور ذهنية.

إذ من الواضح أن المولى لا يريد الصورة، وإنما تتعلق الاحكام بالصور بما هي معبرة عن الواقع الخارجي ومرآة له، وحيث أن الواقع الخارجي واحد، فيستحيل أن يجتمع عليه الوجوب والحرمة ولو بتوسط عنوانين وصورتين، وعلى هذا الاساس يقال إن تعدد العناوين إن كان ناتجا عن تعدد الواقع الخارجي وكاشفا عن تكثر الوجود جاز أن يتعلق الامر بأحدهما والنهي بالآخر وأن كان مجرد تعدد في عالم العناوين والصور الذي هو الذهن فلا يسوغ ذلك.

هل تستلزم الحرمة البطلان

إن صحة العقد معناها أن يترتب عليه أثره الذي إتفق عليه المتعاقدان، ففي عقد البيع يعتبر البيع صحيحا ونافذا إذا ترتب عليه نقل ملكية السلعة من البائع إلى المشتري، ونقل ملكية الثمن من المشتري إلى البائع، ويعتبر فاسدا وباطلا إذا لم يترتب عليه ذلك. وبديهي أن العقد لا يمكن أن يكون صحيحا وباطلا في وقت واحد، فإن الصحة والبطلان متضادان كالتضاد بين الوجوب والحرمة.

والسؤال هو هل يمكن أن يكون العقد صحيحا وحراما؟ ونجيب على ذلك بالايجاب، إذ لا تضاد بين الصحة والحرمة، ولا تلازم بين الحرمة والفساد، لان معنى تحريم العقد منع المكلف من إيجاد البيع، ومعنى صحته أن المكلف إذا خالف هذا المنع والتحريم وباع ترتب الاثر على بيعه وإنتقلت الملكية من البائع إلى المشتري، ولا تنافي بين أن يكون إيجاد المكلف للبيع مبغوضا للشارع وممنوعا عنه، وأن يترتب عليه الاثر في حالة صدوره من المكلف، كالظهار فإنه ممنوع شرعا ولكن لو وقع لترتب عليه أثره.

[105]

ومثال ذلك في حياتنا الاعتيادية: أنك قد لا تريد أن يزورك فلان وتبغض ذلك أشد البغض، ولكن إذا إتفق وزارك ترى لزاما عليك أن ترتب الاثر على زيارته وتقوم بضيافته.

وهكذا نعرف أن النهي عن المعاملة - أي عقد البيع ونحوه - لا يستلزم فسادها بل يتفق مع الحكم بصحة العقد في نفس الوقت، خلافا لعدد من الاصوليين القائلين بأن النهي عن المعاملة يقتضي بطلانها. وكما يتعلق التحريم بالعقد والمعاملة كذلك قد يتعلق بالعبادة، كتحريم صوم يوم العيد أو صلاة الحائض مثلا، وهذا التحريم يقتضي بطلان العبادة خلافا للتحريم في المعاملة، وذلك لان العبادة لا تقع صحيحة إلا إذا أتى بها المكلف على وجه قربي وبعد أن تصبح محرمة لا يمكن قصد التقرب بها، لان التقريب بالمبغوض وبالمعصية غير ممكن فتقع باطلة.

العلاقات القائمة بين الحكم وموضوعه: الجعل والفعلية

حين حكمت الشريعة بوجوب الحج على المستطيع وجاء قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا)(1) أصبح الحج من الواجبات في الاسلام وأصبح وجوبه حكما ثابتا في الشريعة.

ولكن إذا إفترضنا أن المسلمين وقتئذ لم يكن شخص مستطيع تتوفر فيه خصائص الاستطاعة شرعا فلا يتوجه وجوب الحج إلى أي فرد من إفرد المسلمين لانهم ليسوا مستطيعين، والحج إنما يجب على المستطيع، أي إن وجوب الحج لا يثبت في هذه الحالة لاي فرد بالرغم من كونه حكما ثابتا في الشريعة، فإذا أصبح الافراد مستطيعا إتجه الوجوب نحوه، وأصبح ثابتا بالنسبة إليه.

وعلى هذا الضوء نلاحظ أن للحكم ثبوتين: أحدهما ثبوت الحكم في الشريعة. والآخر ثبوته بالنسبة إلى هذا الفرد أو ذاك. فحين حكم الاسلام بوجوب الحج على المستطيع في الآية الكريمة ثبت هذا الحكم في الشريعة ولو لم يكن يوجد مستطيع وقتئذ إطلاقا بمعنى أن شخصا لو سأل في ذلك الوقت ما هي أحكام الشريعة؟ لذكرنا من بينها وجوب الحج على المستطيع، سواء كان في المسلمين مستطيع فعلا أو لا، وبعد أن يصبح هذا الفرد أو ذاك مستطيعا يثبت الوجوب عليه.

ونعرف على هذا الاساس أن الحكم بوجوب الحج على المستطيع لا يتوقف ثبوته في الشريعة بوصفه حكما شرعيا إلا على تشريعه، وجعله من قبل الله تعالى سواء كانت متوفرة في المسلمين فعلا أو لا.

___________________________________

(1) سورة آل عمران / 97. (*)

[107]

وأما ثبوت وجوب الحج على هذا المكلف أو ذاك، فيتوقف إضافة إلى تشريع الله للحكم وجعله له، على توفر خصائص الاستطاعة في المكلف. والثبوت الاول للحكم - أي ثبوته في الشريعة - يسمى بالجعل " جعل الحكم". والثبوت الثاني للحكم - أي ثبوته على هذا المكلف بالذات أو ذاك - يسمى بالفعلية " فعلية الحكم " أو المجعول، فجعل الحكم معناه تشريعه من قبل الله، وفعليه الحكم معناها ثبوته فعلا لهذا المكلف أو ذاك.

موضوع الحكم

وموضوع الحكم مصطلح أصولي نريد به مجموع الاشياء التي تتوقف عليها فعلية الحكم المجعول بمعناها الذي شرحناه، ففي مثال وجوب الحج يكون وجود المكلف المستطيع موضوعا لهذا الوجوب، لان فعلية هذا الوجوب تتوقف على وجود مكلف مستطيع.

ومثال آخر: حكمت الشريعة بوجوب الصوم على كل مكلف غير مسافر ولا مريض إذا هل عليه هلال شهر رمضان، وهذا الحكم يتوقف ثبوته الاول على جعله شرعا، ويتوقف ثبوته الثاني - أي فعليته - على وجود موضوعه، أي وجود مكلف غير مسافر ولا مريض وهل عليه هلال شهر رمضان، فالمكلف وعدم السفر وعدم المرض وهلال شهر رمضان هي العناصر التي تكون الموضوع الكامل للحكم بوجوب الصوم.

وإذا عرفنا معنى موضوع الحكم، إستطعنا أن ندرك أن العلاقة بين الحكم والموضوع تشابه ببعض الاعتبارات العلاقة بين المسبب وسببه كالحرارة والنار، فكلما أن المسبب يتوقف على سببه كذلك الحكم يتوقف على موضوعه، لانه يستمد فعليته من وجود الموضوع، وهذا معنى العبارة الاصولية القائلة: " إن فعلية الحكم تتوقف على فعلية موضوعه " أي إن وجود الحكم فعلا يتوقف على وجود موضوعه فعلا.

[108]

وبحكم هذه العلاقة بين الحكم والموضوع يكون الحكم متأخرا رتبة عن الموضوع كما يتأخر كل مسبب عن سببه في الرتبة.

وتوجد في علم الاصول قضايا تستنتج من هذه العلاقة وتصلح للاشتراك في عمليات الاستنباط. فمن ذلك أنه لا يمكن أن يكون موضوع الحكم أمرا مسببا عن الحكم نفسه ومثاله العلم بالحكم فإنه مسبب عن الحكم، لان العلم بالشئ فرع الشئ المعلوم ولهذا يمتنع أن يكون العلم بالحكم موضوعا لنفسه بأن يقول الشارع احكم بهذا الحكم على من يعلم بثبوته له لان ذلك يؤدي إلى الدور.

العلاقات القائمة بين الحكم ومتعلقه

عرفنا أن وجوب الصوم - مثلا - موضوعه مؤلف من عدة عناصر تتوقف عليها فعلية الوجوب، فلا يكون الوجوب فعليا وثابتا إلا إذا وجد مكلف غير مسافر ولا مريض وهل هلال شهر رمضان، وأما متعلق هذا الوجوب فهو الفعل الذي يؤديه المكلف نتيجة لتوجه الوجوب إليه، وهو الصوم في هذا المثال.

وعلى هذا الضوء نستطيع أن نميز بين متعلق الوجوب وموضوعه، فإن المتعلق يوجد بسبب الوجوب، فالمكلف انما يصوم لاجل وجوب الصوم عليه، بينما يوجد الحكم نفسه بسبب الموضوع، فوجوب الصوم لا يصبح فعليا إلا إذا وجد مكلف غير مريض ولا مسافر وهل عليه الهلال. وهكذا نجد أن وجود الحكم يتوقف على وجود الموضوع، بينما يكون سببا لايجاد المتعلق وداعيا للمكلف نحوه.

وعلى هذا الاساس نعرف أن من المستحيل أن يكون الوجوب داعيا إلى إيجاد موضوعه ومحركا للمكلف نحوه كما يدعو إلى إيجاد متعلقه، فوجوب الصوم على كل مكلف غير مسافر ولا مريض لا يمكن أن يفرض على المكلف أن لا يسافر، وإنما يفرض عليه أن يصوم إذا لم يكن مسافرا، ووجوب الحج على المستطيع لا يمكن أن يفرض على المكلف أن يكتسب، ليحصل على الاستطاعة او إنما يفرض الحج على المستطيع، لان الحكم لا يوجد إلا بعد وجود موضوعه، فقبل وجود الموضوع لا وجود للحكم لكي يكون داعيا إلى إيجاد موضوعه، ولاجل ذلك وضعت في علم الاصول القاعدة القائلة: " إن كل حكم يستحيل أن يكون محركا نحو أي عنصر من العناصر الدخيلة في تكوين موضوعه، بل يقتصر تأثيره وتحريكه على نطاق المتعلق ".

العلاقات القائمة بين الحكم والمقدمات

المقدمات التي يتوقف عليها وجود الواجب على قسمين: أحدهما المقدمات التي يتوقف عليها وجود المتعلق، من قبيل السفر الذي يتوقف أداء الحج عليه، أو الوضوء الذي تتوقف الصلاة عليه، أو التسلح الذي يتوقف الجهاد عليه. والآخر المقدمات التي تدخل في تكوين موضوع الوجوب، من قبيل نية الاقامة التي يتوقف عليها صوم شهر رمضان، والاستطاعة التي تتوقف عليها حجة الاسلام.

والفارق بين هذين القسمين أن المقدمة التي تدخل في تكوين موضوع الوجوب يتوقف على وجودها الوجوب نفسه، لما شرحناه سابقا من أن الحكم الشرعي يتوقف وجوده على وجود موضوعه، فكل مقدمة دخيلة في تحقق موضوع الحكم يتوقف عليها الحكم ولا يوجد بدونها، خلافا للمقدمات التي لا تدخل في تكوين الموضوع وإنما يتوقف عليها وجود المتعلق فحسب، فإن الحكم يوجد قبل وجودها، لانها لا تدخل في موضوعه.

ولنوضح ذلك في مثال الاستطاعة والوضوء: فالاستطاعة مقدمة تتوقف عليها حجة الاسلام، والتكسب مقدمة للاستطاعة، وذهاب الشخص إلى محله في السوق مقدمة للتكسب، وحيث أن الاستطاعة تدخل في تكوين موضوع وجوب الحج، فلا وجوب للحج قبل الاستطاعة، وقبل تلك الامور التي تتوقف عليها الاستطاعة.

وأما الوضوء فلا يدخل في تكوين موضوع وجوب الصلاة، لان وجوب الصلاة لا ينتظر أن يتوضأ الانسان لكي يتجه إليه، بل يتجه إليه قبل ذلك،

[111]

وإنما يتوقف متعلق الوجوب - أي الصلاة - على الوضوء، ويتوقف الوضوء على تحضير الماء الكافي، ويتوقف تحضير هذا الماء على فتح خزان الماء مثلا.

فهناك إذن سلسلتان من المقدمات: الاولى سلسلة مقدمات المتعلق أي الوضوء الذي تتوقف عليه الصلاة وتحضير الماء الذي يتوقف عليه الوضوء وفتح الخزان الذي يتوقف عليه تحضير الماء. والثاني سلسلة مقدمات الوجوب، وهي الاستطاعة التي تدخل في تكوين موضوع وجوب الحج، والتكسب الذي تتوقف عليه الاستطاعة، وذهاب الشخص إلى محله في السوق الذي يتوقف عليه التكسب. وموقف الوجوب من هذه السلسلة الثانية وكل ما يندرج في القسم الثاني من المقدمات سلبي دائما، لان هذا القسم يتوقف عليه وجود موضوع الحكم، وقد عرفنا سابقا أن الوجوب لا يمكن أن يدعو إلى موضوعه. وتسمى كل مقدمة من هذا القسم " مقدمة وجوب " أو " مقدمة وجوبية ".

وأما السلسلة الاولى والمقدمات التي تندرج في القسم الاول، فالمكلف مسؤول عن إيجادها، أي إن المكلف بالصلاة مثلا مسؤول عن الوضوء لكي يصلي، والمكلف بالحج مسؤول عن السفر لكي يحج، والمكلف بالجهاد مسؤول عن التسلح لكي يجاهد. والنقطة التي درسها الاصوليون هي نوع هذه المسؤولية، فقد قدموا لها تفسيرين: أحدهما أن الواجب شرعا على المكلف هو الصلاة فحسب دون مقدماتها من الوضوء ومقدماته، وإنما يجد المكلف نفسه مسؤولا عن إيجاد الوضوء وغيره من المقدمات عقلا، لانه يرى أن إمتثال الواجب الشرعي لا يتأتى له إلا بإيجاد تلك المقدمات.

[112]

والآخر أن الوضوء واجب شرعا لانه مقدمة للواجب، ومقدمة الواجب واجبة شرعا، فهناك إذن واجبان شرعيان على المكلف: أحدهما الصلاة، والآخر الوضوء بوصفه مقدمة الصلاة.

ويسمى الاول ب‍ " الواجب النفسي "، لانه واجب لاجل نفسه.

ويسمى الثاني ب‍ " الواجب الغيري "، لانه واجب لاجل غيره، أي لاجل ذي المقدمة وهو الصلاة.

وهذا التفسير أخذ به جماعة من الاصوليين إيمانا منهم بقيام علاقة تلازم بين وجوب الشئ، ووجوب مقدمته فكلما حكم الشارع بوجوب فعل حكم عقيب ذلك مباشرة بوجوب مقدماته.

ويمكن الاعتراض على ذلك بأن حكم الشارع بوجوب المقدمة في هذه الحالة لا فائدة فيه ولا موجب له، لانه أراد به إلزام المكلف بالمقدمة فهذا حاصل بدون حاجة إلى حكمه بوجوبها، إذا بعد أن وجب الفعل المتوقف عليها يدرك العقل مسؤولية المكلف من هذه الناحية، وأن اراد الشارع بذلك مطلبا آخر دعاه إلى الحكم بوجوب المقدمة فلا نتعقله، وعلى هذا الاساس يعتبر حكم الشارع بوجوب المقدمة لغوا فيستحيل ثبوته، فضلا عن أن يكون ضروري الثبوت كما يدعيه القائل بالتلازم بين وجوب الشئ، ووجوب مقدمته.

العلاقات القائمة في داخل الحكم الواحد

قد يتعلق الوجوب بشئ واحد، كوجوب السجود على كل من سمع آية السجدة، وقد يتعلق بعملية تتألف من أجزاء وتشتمل على افعال متعددة، من قبيل وجوب الصلاة، فإن الصلاة عملية تتألف من أجزاء وتشتمل على أفعال عديدة، كالقراء‌ة والسجود والركوع والقيام والتشهد وما إلى ذلك. وفي هذه الحالة تصبح العملية بوصفها مركبة من تلك الاجزاء، واجبة، ويصبح كل جزء واجبا أيضا، ويطلق على وجوب المركب إسم " الوجوب الاستقلالي " ويطلق على وجوب كل جزء فيه إسم " الوجوب الضمني "، لان الوجوب إنما يتعلق بالجزء بوصفه جزء‌ا في ضمن المركب لا بصورة مستقلة عن سائر الاجزاء، فوجوب الجزء ليس حكما مستقلا، بل هو جزء من الوجوب المتعلق بالعملية المركبة.

ولاجل ذلك كان وجوب كل جزء من الصلاة مثلا مرتبطا بوجوب الاجزاء الاخرى، لان الوجوبات الضمنية لاجزاء الصلاة تشكل بمجموعها وجوبا واحدا إستقلاليا. ونتيجة ذلك قيام علاقة التلازم في داخل إطار الحكم الواحد بين الوجوبات الضمنية فيه. وتعني علاقة التلازم هذه أنه لا تمكن التجزئة في تلك الوجوبات أو التفكيك بينها، بل إذا سقط أي واحد منهما تحتم سقوط الباقي نتيجة لذلك التلازم القائم بينها.

ومثال ذلك: إذا وجب على الانسان الوضوء وهو مركب من أجزاء عديدة كغسل الوجه وغسل اليمنى وغسل اليسرى ومسح الرأس ومسح القدمين،

[114]

فيتعلق بكل جزء من تلك الاجزاء وجوب ضمني بوصفه جزء‌ا من الوضوء الواجب، وفي هذه الحالة إذا تعذر على الانسان أن يغسل وجهه لآفة فيه وسقط لاجل ذلك وجوب الضمني المتعلق بغسل الوجه، كان من المحتم أن يسقط وجوب سائر الاجزاء أيضا، فلا يبقى على الانسان وجوب غسل يديه فقط ما دام قد عجز عن غسل وجهه، لان تلك الوجوبات لا بد أن ينظر إليها بوصفها وجوبا واحدا متعلقا بالعملية كلها أي بالوضوء، وهذا الوجوب إما أن يسقط كله أو يثبت كله ولا مجال للتفكيك.

وعلى هذا الضوء نعرف الفرق بين ما إذا وجب الوضوء بوجوب إستقلالي، ووجوب الدعاء بوجوب إستقلالي آخر فتعذر الوضوء، وبين ما إذا وجب الوضوء فتعذر جزء منه كغسل الوجه مثلا، ففي الحالة الاولى لا يؤدي تعذر الوضوء إلا إلى سقوط الوجوب الذي كان متعلقا به. وأما وجوب الدعاء فيبقى ثابتا، لانه وجوب مستقل غير مرتبط بوجوب الوضوء، وفي الحالة الثانية حين يتعذر غسل الوجه ويسقط وجوبه الضمني يؤدي ذلك إلى سقوط وجوب الوضوء، وإرتفاع سائر الوجوبات الضمنية.

قد تقول: نحن نرى أن الانسان يكلف بالصلاة، فإذا أصبح أخرس وعجز عن القراء‌ة فيها، كلف بالصلاة بدون قراء‌ة، فهل هذا إلا تفكيك بين الوجوبات الضمنية، ونقض لعلاقة التلازم بينها. والجواب أن وجوب الصلاة بدون قراء‌ة على الاخرس ليس تجزئه لوجوب الصلاة الكاملة، وإنما هو وجوب آخر وخطاب جديد تعلق منذ البدء بالصلاة الصامتة، فوجوب الصلاة الكاملة والخطاب بها قد سقط كله نتيجة لتعذر القراء‌ة وخلفه وجوب آخر وخطاب جديد.

النوع الثاني: الاصول العملية (تمهيد)

إستعرضنا في النوع الاول الاصولية المشتركة في الاستنباط التي تتمثل في أدلة محرزة، فدرسنا أقسام الادلة وخصائصها وميزنا بين الحجة منها وغيرها. ونريد الآن أن ندرس العناصر المشتركة في حالة أخرى من الاستنباط، وهي حالة عدم حصول الفقيه على دليل يدل على الحكم الشرعي وبقاء الحكم مجهولا لديه، فيتجه البحث في هذه الحالة إلى محاولة تحديد الموقف العملي تجاه ذلك الحكم المجهول بدلا عن إكتشاف نفس الحكم.

ومثال ذلك: حالة الفقيه تجاه التدخين، فإن التدخين نحتمل حرمته شرعا منذ البدء، ونتجه أولا إلى محاولة الحصول على دليل يعين حكمه الشرعي، فحيث لا نجد نتسأل ما هو الموقف العملي الذي يتحتم علينا أن نسلكه تجاه ذلك الحكم المجهول، وهل يتحتم علينا أن نحتاط أولا؟ وهذا هو السؤال الاساسي الذي يعالجه الفقيه في هذه الحالة، ويجيب عليه في ضوء الاصول العملية بوصفها عناصر مشتركة في عملية الاستنباط، وهذه الاصول هي موضع درسنا الآن:

1 - القاعدة العملية الاساسية

ولكي نعرف القاعدة العملية الاساسية التي نجيب في ضوئها على سؤال " هل يجب الاحتياط تجاه الحكم المجهول؟ " لا بد لنا أن نرجع إلى المصدر الذي يفرض علينا إطاعة الشارع، ونلاحظ أن هذا المصدر هل يفرض علينا الاحتياط في حالة الشك وعدم وجود دليل على الحرمة أو لا؟ ولكي نرجع إلى المصدر الذي يفرض علينا إطاعة المولى سبحانه لا بد لنا أن نحدده، فما هو المصدر الذي يفرض علينا إطاعة الشارع، ويجب أن نستفتيه في موقفنا هذا؟ والجواب أن هذا المصدر هو العقل، لان الانسان يدرك بعقله أن لله سبحانه حق الطاعة على عبيده، وعلى أساس حق الطاعة هذا يحكم العقل على الانسان بوجوب إطاعة الشارع لكي يؤدي إليه حقه، فنحن إذن نطيع الله تعالى ونمتثل أحكام الشريعة، لان العقل يفرض علينا ذلك لا لان الشارع أمرنا بإطاعته، وإلا لاعدنا السؤال مرة أخرى ولماذا نمتثل أمر الشارع لنا بإطاعة أوامره؟ وما هو المصدر الذي يفرض علينا إمتثاله؟ وهكذا حتى نصل إلى حكم العقل بوجوب الاطاعة القائم على أساس ما يدركه من حق الطاعة لله سبحانه على الانسان.

وإذا كان العقل هو الذي يفرض إطاعة الشارع على أساس إدراكه لحق الطاعة، فيجب الرجوع إلى العقل في تحديد الجواب على السؤال المطروح. ويتحتم علينا عندئذ أن ندرس حق الطاعة الذي يدركه العقل وحدوده، فهل هو حق لله سبحانه في نطاق التكاليف المعلومة فقط - بمعنى أن الله سبحانه ليس له حق الطاعة على الانسان إلا في التكاليف التي يعلم بها، وأما التكاليف التي يشك فيها ولا علم بها، فلا يمتد إليها حق الطاعة - أو أن حق الطاعة كما

[117]

يدركه العقل في نطاق التكاليف المعلومة يدركه أيضا في نطاق التكاليف المحتملة بمعنى أن من حق الله على الانسان أن يطيعه في التكاليف المعلومة والمحتملة، فإذا علم بتكليف كان من حق الله عليه أن يمتثله وإذا احتمل تكليفا كان من حق الله أن يحتاط، فيترك ما يحتمل حرمته أو يفعل ما يحتمل وجوبه؟ والصحيح في رأينا هو أن الاصل في كل تكليف محتمل هو الاحتياط نتيجة لشمول حق الطاعة للتكاليف المحتملة، فإن العقل يدرك أن للمولى على الانسان حق الطاعة لا في التكاليف المعلومة فحسب، بل في التكاليف المحتملة أيضا، ما لم يثبت بدليل أن المولى لا يهتم بالتكليف المحتمل إلى الدرجة التي تدعو إلى إلزام المكلف بالاحتياط.

وهذا يعني أن الاصل بصورة مبدئية كلما إحتملنا حرمة أو وجوبا هو أن نحتاط، فنترك ما نحتمل حرمته ونفعل ما نحتمل وجوبه، ولا نخرج عن هذا الاصل إلا إذا ثبت بالدليل أن الشارع لا يهتم بالتكليف المحتمل إلى الدرجة التي تفرض الاحتياط ويرضى بترك الاحتياط، فإن المكلف يصبح حينئذ غيره مسؤول عن التكليف المحتمل.

فالاحتياط إذن واجب عقلا في موارد الشك، ويسمى هذا الوجوب أصالة الاحتياط أو أصالة الاشتغال - أي إشتغال ذمة الانسان بالتكليف المحتمل - ونخرج عن هذا الاصل حين نعرف أن الشارع يرضى بترك الاحتياط.

وهكذا تكون أصالة الاحتياط هي القاعدة العملية الاساسية. ويخالف في ذلك كثير من الاصوليين إيمانا منهم بأن الاصل في المكلف أن لا يكون مسؤولا عن التكاليف المشكوكة، ولو إحتمل أهميتها بدرجة

[118]

كبيرة، ويرى هؤلاء الاعلام أن العقل هو الذي يحكم بنفي المسؤولية، لانه يدرك قبح العقاب من المولى على مخالفة المكلف للتكليف الذي لم يصل إليه، ولاجل هذا يطلقون على الاصل من وجهة نظرهم إسم " قاعدة قبح العقاب بلا بيان " أو " البراء‌ة العقلية " أي إن العقل يحكم بأن عقاب المولى للمكلف على مخالفة التكليف المشكوك قبيح، وما دام المكلف مأمونا من العقاب فهو غير مسؤول ولا يجب عليه الاحتياط.

ويستشهد لذلك بما إستقرت عليه سيرة العقلاء من عدم إدانة الموالي للمكلفين في حالات الشك وعدم قيام الدليل، فإن هذا يدل على قبح العقاب بلا بيان في نظر العقلاء.

ولكي ندرك أن العقل هل يحكم بقبح معاقبة الله تعالى للمكلف على مخالفة التكليف المشكوك أو لا؟ يجب أن نعرف حدود حق الطاعة الثابت لله تعالى، فإذا كان هذا الحق يشمل التكاليف المشكوكة التي يحتمل المكلف أهميتها بدرجة كبيرة - كما عرفنا - فلا يكون عقاب الله للمكلف إذا خالفها قبيحا لانه بمخالفتها يفرط في حق مولاه فيستحق العقاب، وأما ما استشهد به من سيرة العقلاء فلا دلالة له في المقام لانه إنما يثبت أن حق الطاعة في الموالي العرفيين يختص بالتكاليف المعلومة، وهذا لا يستلزم أن يكون حق الطاعة لله تعالى كذلك أيضا إذ أي محذور في التفكيك بين الحقين والالتزام بأن أحدهما أوسع من الآخر. فالقاعدة الاولية إذن هي أصالة الاحتياط.

2 - القاعدة العملية الثانوية

وقد إنقلبت بحكم الشارع تلك القاعدة العملية الاساسية إلى قاعدة عملية ثانوية، وهي أصالة البراء‌ة القائلة بعدم وجوب الاحتياط. والسبب في هذا الانقلاب أنا علمنا عن طريق البيان الشرعي، أن الشارع، لا يهتم بالتكاليف المحتملة إلى الدرجة التي تحتم الاحتياط على المكلف، بل يرضى بترك الاحتياط.

والدليل على ذلك نصوص شرعية متعددة، من أشهرها النص النبوي القائل: " رفع عن أمتي ما لا يعلمون "، بل إستدل ببعض الآيات على ذلك كقوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)(1). فإن الرسول يفهم كمثال على البيان والدليل فتدل الآية على أنه لا عقاب بدون دليل، وهكذا أصبحت القاعدة العملية هي عدم وجوب الاحتياط بدلا عن وجوبه، وأصالة البراء‌ة شرعا بدلا عن أصالة الاشتغال عقلا.

وتشمل هذه القاعدة العملية الثانوية موارد الشك في الوجوب، وموارد الشك في الحرمة على السواء، لان النص النبوي مطلق، ويسمى الشك في الوجوب ب‍ " الشبهة الوجوبية " والشك في الحرمة ب‍ " الشبهة التحريمية " كما تشمل القاعدة أيضا الشك مهما كان سببه. ولاجل هذا نتمسك بالبراء‌ة إذا شككنا في التكليف، سواء نشأ شكنا في ذلك من عدم وضوح أصل جعل الشارع للتكليف أو من عدم العلم بتحقيق موضوعه، ومثال الاول شكنا في وجوب صلاة العيد أو في حرمة التدخين، ويسمى بالشبهة الحكمية.

ومثال الثاني: شكنا في وجوب الحج لعدم العلم بتوفر الاستطاعة، ومع

___________________________________

(1) الاسراء / 15. (*)

[120]

علمنا بأن الشارع جعل وجوب الحج على المستطيع. وإن شئت قلت إن المكلف في الشبهة الحكمية يشك في الجعل وفي الشبهه الموضوعية يشك في المجعول وكل منهما مجرى للبراء‌ة شرعا.

3 - قاعدة منجزيه العلم الاجمالي

تمهيد

قد تعلم أن أخاك الاكبر قد سافر إلى مكة، وقد تشك في سفره، لكنك تعلم على أي حال أن أحد أخويك " الاكبر أو الاصغر " قد سافر فعلا إلى مكة، وقد تشك في سفرهما معا ولا تدري هل سافر واحد منهما إلى مكة أو لا؟.

فهذه حالات ثلاث، ويطلق على الحالة الاولى إسم " العلم التفصيلي " لانك في الحالة الاولى تعلم أن أخاك الاكبر قد سافر إلى مكة، وليس لديك في هذه الحقيقة أي تردد أو غموض، فلهذا كان العلم تفصيليا.

ويطلق على الحالة الثانية إسم " العلم الاجمالي "، لانك في هذه الحالة تجد في نفس عنصرين مزدوجين: أحدهما عنصر الوضوح، والآخر عنصر الخلفاء، فعنصر الوضوح يتمثل في علمك بأن أحد أخويك قد سافر فعلا، فأنت لا تشك في هذه الحقيقة، وعنصر الخلفاء والغموض يتمثل في شك وترددك في تعيين هذا الاخ، ولهذا تسمى هذه الحالة ب‍ " العلم الاجمالي " فهي علم لانك لا تشك في سفر أحد أخويك، وهي إجمال وشك لانك لا تدري أي أخويك قد سافر. ويسمى كل من سفر الاخ الاكبر وسفر الاصغر طرفا للعلم الاجمالي، لانك تعلم أن أحدهما لا على سبيل التعيين قد سافر بالفعل. وأفضل صيغة لغوية تمثل هيكل العلم الاجمالي ومحتواه النفسي بكلا

[121]

عنصريه هي " إما وإما " إذ تقول في المثال المتقدم: " سافر اما أخي الاكبر واما أخي الاصغر " فإن جانب الاثبات في هذه الصيغة يمثل عنصر الوضوح والعلم، وجانب التردد الذي تصوره كلمة " إما " يمثل عنصر الخفاء والشك وكلما أمكن إستخدام صيغة من هذا القبيل دل على وجود علم إجمالي في نفوسنا.

ويطلق على الحالة الثالثة إسم " الشك الابتدائي " أو " البدوي " أو " الساذج " وهو شك محض غير متمزج بأي لون من العلم، ويسمى بالشك الابتدائي أو البدوي تمييزا له عن الشك في طرف العلم الاجمالي، لان الشك في طرف العلم الاجمالي يوجد نتيجة للعلم نفسه، فأنت تشك في أن المسافر هل هو أخوك الاكبر أو الاصغر نتيجة لعلمك بأن أحدهما لا على التعيين قد سافر حتما، وأما الشك في الحالة الثالثة فيوجد بصورة إبتدائية دون علم مسبق.

وهذه الحالات الثلاث توجد في نفوسنا تجاه الحكم الشرعي، فوجوب صلاة اصبح معلوم تفصيلا، ووجوب صلاة الظهر في يوم الجمعة مشكوك شكا ناتجا عن العلم الاجمالي بوجوب الظهر أو الجمعة في ذلك اليوم، ووجوب صلاة العيد مشكوك إبتدائي غير مقترن بالعلم الاجمالي. وهذه الامثلة كلها من الشبهة الحكمية، ونفس الامثلة يمكن تحصيلها من الشبهة الموضوعية فتكون تارة عالما تفصيلا بوقوع قطرة دم في هذا الاناء، وأخرى عالما إجمالا بوقوعها في أحد إناء‌ين وثالثة شاكا في أصل وقوعها شكا يدويا. ونحن في حديثنا عن القاعدة العملية الثانوية التي قلبت القاعدة العملية الاساسية كنا نتحدث عن الحالاة الثالثة، أي حالة الشك البدوي الذي لم يقترن بالعلم الاجمالي.

والآن ندرس حالة الشك الناتج عن العلم الاجمالي، أي الشك في الحالة الثانية من الحالات الثلاث السابقة، وهذا يعني أننا درسنا الشك بصورته

[122]

الساذجة وندرسه الآن بعد أن نضيف إليه عنصرا جديدا وهو العلم الاجمالي، فهل تجري فيه القاعدة العلمية الثانوية كما كانت تجري في موارد الشك البدوي أو لا؟.

منجزية العلم الاجمالي

وعلى ضوء ما سبق يمكننا تحليل العلم الاجمالي إلى علم بأحد الامرين وشك في هذا وشك في ذاك.

ففي يوم الجمعة نعلم بوجوب أحد الامرين " صلاة الظهر أو صلاة الجمعة " ونشك في وجوب الظهر كما نشك في وجوب الجمعة، والعلم بوجوب أحد الامرين - بوصفه علما - تشمله قاعدة حجية القطع التي درسناها في بحث سابق، فلا يسمح لنا العقل لاجل ذلك بترك الامرين معا الظهر والجمعة -، لاننا لو تركناهما معا لخالفنا علمنا بوجوب أحد الامرين، والعلم حجة عقلا في جميع الاحوال سواء كان إجماليا أو تفصيليا.

ويؤمن الرأي الاصولي السائد في مورد العلم الاجمالي - لا بثبوت الحجية للعلم بأحد الامرين فحسب - بل بعدم إمكان إنتزاع هذه الحجية منه أيضا وإستحالة ترخيص الشارع في مخالفته بترك الامرين معا، كما لا يمكن للشارع أن ينتزع الحجية من العلم التفصيلي ويرخص في مخالفته وفقا لما تقدم في بحث القطع من إستحالة صدور الردع من الشارع عن القطع. وأما كل واحد من طرفي العلم الاجمالي - أي وجوب الظهر بمفرده ووجوب الجمعة بمفرده - فهو تكليف مشكوك وليس معلوما. وقد يبدو لاول وهلة أن بالامكان أن تشمله القاعدة العملية الثانوية أي أصالة البراء‌ة النافية للاحتياط في التكاليف المشكوكة، لان كلا من الطرفين تكليف مشكوك.

[123]

ولكن الرأي السائد في علم الاصول يقوم بعدم إمكان شمول القاعدة العملية الثانوية لطرف العلم الاجمالي، بدليل أن شمولها لكلا الطرفين معا يؤدي إلى براء‌ة الذمة من الظهر والجمعة وجواز تركهما معا، وهذا يتعارض مع حجية القطع بوجوب أحد الامرين، لان حجية هذا القطع تفرض علينا أن نأتي بأحد الامرين على أقل تقدير.

فلو حكم الشارع بالبراء‌ة في كل من الطرفين لكان معنى ذلك الترخيص منه في مخالفة العلم، وهو مستحيل كما تقدم. وشمول القاعدة لاحد الطرفين دون الآخر - وإن لم يؤد إلى الترخيص في ترك الامرين معا - لكنه غير ممكن أيضا، لاننا نتسأل حينئذ أي الطرفين نفترض شمول القاعدة له ونرجحه على الآخر، وسوف نجد أنا لانملك مبررا لترجيع أي من الطرفين على الآخر، لان صلة القاعدة بهما واحدة.

وهكذا ينتج عن هذا الاستدلال القول بعدم شمول القاعدة العملية الثانوية " أصالة البراء‌ة " لاي واحد من الطرفين، ويعني هذا أن كل طرف من أطراف العلم الاجمالي يظل مندرجا ضمن نطاق القاعدة العملية الاساسية القائلة بالاحتياط ما دامت القاعدد الثانوية عاجزة عن شموله. وعلى هذا الاساس ندرك الفرق بين الشك البدوي والشك الناتج عن العلم الاجمالي، فالاول يدخل في نطاق القاعدة الثانوية وهي أصالة البراء‌ة، والثاني يدخل في نطاق القاعدة الاولية وهي أصالة الاحتياط. وفي ضوء ذلك نعرف أن الواجب علينا عقلا في موارد العلم الاجمالي هو الاتيان بكلا الطرفين - أي الظهر والجمعة في المثال السابق -، لان كلام منهما داخل في نطاق أصالة الاحتياط. ويطلق في علم الاصول على الاتيان بالطرفين معا إسم " الموافقة القطعية "

[124]

لان المكلف عند إتيانه بهما معا يقطع بأنه وافق تكليف المولى، كما يطلق على ترك الطرفين معا إسم " المخالفة القطعية ". وأما الاتيان بأحدهما وترك الآخر فيطلق عليهما إسم " الموافقة الاحتمالية " و " المخالفة الاحتمالية " لان المكلف في هذه الحالة يحتمل أنه وافق تكليف المولى ويحتمل أنه خالفه.

إنحلال العلم الاجمالي

إذا وجدت كأسين من ماء قد يكون كلاهما نجسا وقد يكون أحدهما نجسا فقط، ولكنك تعلم على أي حال بأنهما ليسا طاهرين معا، فينشأ في نفسك علم إجمالي بنجاسة أحد الكأسين لا على سبيل التعيين، فإذا إتفق لك بعد ذلك أن إكتشفت نجاسة في أحد الكأسين وعلمت أن هذا الكأس المعين نجس، فسوف يزول علمك الاجمالي بسبب هذا العلم التفصيلي، لانك الآن بعد إكتشافك نجاسة ذلك الكأس المعين لا تعلم إجمالا بنجاسة أحد الكأسين لا على سبيل التعيين، بل تعلم بنجاسة ذلك الكأس المعين علما تفصيليا وتشك في نجاسة الآخر.لاجل هذا لا تستطيع أن تستعمل الصيغة اللغوية التي تعبر عن العلم الاجمالي " إما وإما "، فلا يمكنك أن تقول: " إما هذا نجس أو ذاك " بل هذا نجس جزما وذاك لا تدري بنجاسته.ويعبر عن ذلك في العرف ب‍ " إنحلال العلم الاجمالي إلى العلم التفصيلي بأحد الطرفين والشك البدوي في الآخر " لان نجاسة ذلك الكأس المعين أصبحت معلومة بالتفصيل ونجاسة الآخر أصبحت مشكوكة شكا إبتدائيا بعد أن زال العلم الاجمالي، فيأخذ العلم التفصيلي مفعوله من الحجية وتجري بالنسبة إلى الشك الابتدائي أصالة البراء‌ة أي القاعدة العلمية الثانوية التي تجري في جميع موارد الشك الابتدائي.

موارد التردد

عرفنا أن الشك إذا كان بدويا حكمت فيه القاعدة العملية الثانوية القائلة بأصالة البراء‌ة، وإذا كان مقترنا بالعلم الاجمالي حكمت فيه القاعدة العلمية الاولية. وقد يخفى أحيانا نوع الشك فلا يعلم أهو من الشك الابتدائي أو من الشك المقترن بالعلم الاجمالي - أو الناتج عنه بتعبير آخر -؟

ومن هذا القبيل مسألة دوران الامر بين الاقل والاكثر كما يسميها الاصوليون، وهي أن يتعلق وجوب شرعي بعملية مركبة من أجزاء كالصلاة ونعلم بإشتمال العملية على تسعة أجزاء معينة ونشك في إشتمالها على جزء عاشر ولا يوجد دليل يثبت أو ينفي، ففي هذه الحالة يحاول الفقيه أن يحدد الموقف العملي فيتسأل هل يجب الاحتياط على المكلف فيأتي بالتسعة ويضيف إليها هذا العاشر الذي يحتمل دخوله نطاق الواجب لكي يكون مؤديا للواجب على كل تقدير أو يكفيه الاتيان بالتسعة التي يعلم بوجوبها ولا يطالب بالعاشر المجهول وجوبه؟ وللاصوليين جوابان مختلفان على هذا السؤال يمثل كل منهما إتجاها في تفسير الموقف، فأحد الاتجاهين يقول بوجوب الاحتياط تطبيقا للقاعدة العمليد الاولية، لان الشك في العاشر مقترن بالعلم الاجمالي، وهذا العلم الاجمالي هو علم المكلف بأن الشارع أوجب مركبا ما ولا يدري أهو المركب من تسعة أو المركب من عشرة - أي من تلك التسعة بإضافة واحد -؟ والاتجاه الآخر يطبق على الشك في وجوب العاشر القاعدة العملية الثانوية بوصفه شكا إبتدائيا غير مقترن بالعلم الاجمالي، لان ذلك العلم الاجمالي الذي يزعمه أصحاب الاتجاه الاول منحل بعلم تفصيلي، وهو علم المكلف بوجوب التسعة على أي حال لانها واجبة سواء كان معها جزء عاشر أو لا، فهذا العلم التفصيلي يؤدي إلى إنحلال ذلك العلم الاجمالي، ولهذا لا يمكن أن نستعمل

[126]

الصيغة اللغوية التي تعبر عن العلم الاجمالي، فلا يمكن القول بأننا نعلم إما بوجوب التسعة أو بوجوب العشرة، بل نحن نعلم بوجوب التسعة على أي حال ونشك في وجوب العاشر.

وهكذا يصبح الشك في وجوب العاشر شكا إبتدائيا بعد إنحلال العلم الاجمالي فتجري البراء‌ة. والصحيح هو القول بالبراء‌ة عن غير الاجزاء المعلومة من الاشياء التي يشك في دخولها ضمن نطاق الواجب كما ذكرناه.

4 - الاستصحاب

على ضوء ما سبق نعرف أن أصل البراء‌ة يجري في موارد الشبهة البدوية دون الشبهات المقرونة بالعلم الاجمالي. ويوجد في الشريعة أصل آخر نظير أصل البراء‌ة وهو ما يطلق عليه الاصوليون إسم " الاستصحاب ". ومعنى الاستصحاب حكم الشارع على المكلف بالالتزام عمليا بكل شئ كان على يقين منه ثم شك في بقائه.

ومثاله: أنا على يقين من أن الماء بطبيعته طاهر، فإذا أصابه شئ متنجس نشك في بقاء طهارته، لاننا لا نعلم أن الماء هل يتنجس بإصابة المتنجس له أو لا؟ والاستصحاب يحكم على المكلف بالالتزام عمليا بنفس الحالة السابقة التي كان على يقين بها، وهي طهارة الماء في المثال المتقدم.

ومعنى الالتزام عمليا بالحالة السابقة ترتيب آثار الحالة السابقة من الناحية العملية، فإذا كانت الحالة

[127]

السابقة هي الطهارة نتصرف فعلا كما إذا كانت الطهارة باقية، وإذا كانت الحالة السابقة هي الوجوب نتصرف فعلا كما إذا كان الوجوب باقيا وهكذا والدليل على الاستصحاب هو قول الامام الصادق عليه السلام: في صحيحة زرارة " ولا ينقض اليقين بالشك ".

ونستخلص من ذلك أن كل حالة من الشك البدوي يتوفر فيها القطع بشئ أو لا والشك في بقائه ثانيا يجري فيها الاستصحاب.

الحالة السابقة المتيقنة

عرفنا أن وجود حالة سابقة متيقنة شرط أساسي لجريان الاستصحاب، والحالة السابقة قد تكون حكما عاما نعلم بجعل الشارع له وثبوته في العالم التشريعي ولا ندري حدود هذا الحكم المفروضة له في جعله ومدى إمتداده في عالمه التشريعي، فتكون الشبهة حكمية، ويجري الاستصحاب في نفس الحكم كاستصحاب بقاء طهارة الماء بعد اصابة المتنجس له ويسمى بالاستصحاب الحكمي.

وقد تكون الحالة السابقة شيئا من أشياء العالم التكويني، نلعم بوجوده سابقا ولا ندري بإستمراره وهو موضوع للحكم الشرعي، فتكون الشبهة موضوعية ويجري الاستصحاب في موضوع الحكم ومثاله إستصحاب عدالة الامام الذي يشك في طرو فسقه وإستصحاب نجاسة الثوب الذي يشك في طرو المطهر عليه ويسمى بالاستصحاب الموضوعي، لانه إستصحاب موضوع، لحكم شرعي وهو جواز الائتمام في الاول وعدم جواز الصلاة في الثاني.

ويوجد في عالم الاصول إتجاه ينكر جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية ويخصه بالشبهة الموضوعية، ولا شك في أن الاستصحاب في الشبهة الموضوعية هو المتيقن من دليله لان صحيحة زرارة التي ورد فيها أعطاء

[128]

الامام للاستصحاب تتضمن شبهة موضوعية وهي الشك في طرو النوم الناقض، ولكن هذا لا يمنع عن التمسك بإطلاق كلام الامام في قوله، ولا ينقض اليقين بالشك لاثبات عموم القاعدة لجميع الحالات، فعلى مدعي الاختصاص أن يبرز قرينة على تقييد هذا اللاطلاق.

الشك في البقاء

والشك في البقاء هو الشرط الاساسي الآخر لجريان الاستصحاب. ويقسم الاصوليون الشك في البقاء إلى قسمين تبعا لطبيعة الحالة السابقة التي نشك في بقائها لان الحالة السابقة قد تكون قابلة بطبيعتها للامتداد زمانيا، وإنما نشك في بقائها نتيجة لاحتمال وجود عامل خارجي أدى إلى إرتفاعها.

ومثال ذلك: طهارة الماء، فإن طهارة الماء تستمر بطبيعتها وتمتد إذا لم يتدخل عامل خارجي، وإنما نشك في بقائها لدخول عامل خارجي في الموقف، وهو إصابة المتنجس للماء. وكذلك نجاسة الثوب، فإن الثوب إذا تنجس تبقى نجاسته وتمتد ما لم يوجد عامل خارجى وهو الغسل، ويسمى الشك في بقاء الحالة السابقة التي من هذا القبيل ب‍ " الشك في الرافع ".

وقد تكون الحالة السابقة غير قادرة على الامتداد زمانيا، بل تنتهي بطبيعتها في وقت معين ونشك في بقائها نتيجة لاحتمال إنتهائها بطبيعتها دون تدخل عامل خارجي في الموقف.

ومثاله: نهار شهر رمضان الذي يجب فيه الصوم إذا شك الصائم في بقاء النهار، فإن النهار ينتهي بطبيعته ولا يمكن أن يمتد زمانيا، فالشك في بقائه لا ينتج عن إحتمال وجود عامل خارجي وإنما هو نتيجة لاحتمال إنتهاء النهار بطبيعته واستنفاده لطاقته وقدرته على البقاء.

[129]

ويسمى الشك في بقاء الحالة السابقة التي من هذا القبيل ب‍ " الشك في المقتضي "، لان الشك في مدى إقتضاء النهار وإستعداده للبقاء.

ويوجد في علم الاصول إتجاه ينكر جريان الاستصحاب إذا كان الشك في بقاء الحالة السابقة من نوع الشك في المقتضي ويخصه بحالات الشك في الرافع. والصحيح عدم الاختصاص تمسكا باطلاق دليل الاستصحاب.

وحدة الموضوع في الاستصحاب

ويتفق الاصوليون على أن من شروط الاستصحاب وحدة الموضوع، ويعنون بذلك أن يكون الشك منصبا على نفس الحالة التي كنا على يقين بها فلا يجري الاستصحاب إذا كان المشكوك والمتيقن متغايرين مثلا: إذا كنا على يقين بنجاسة الماء ثم صار بخارا وشككنا في نجاسة هذا البخار لم يجر هذا الاستحاب: لان ما كنا على يقين بنجاسته هو الماء وما نشك فعلا في نجاسته هو البخار والبخار غير الماء، فلم يكن مصب اليقين والشك واحدا.

تعارض الادلة

عرفنا فيما سبق أن الادلة على قسمين: وهما الادلة المحرزة والاصول العملية، ومن هنا يقع البحث تارة في التعارض بين دليلين من الادلة المحرزة، وأخرى في التعارض بين أصلين عمليين، وثالثة في التعارض بين دليل محرز وأصل عملي، فالكلام في ثلاث نقاط نذكرها فيما يلي تباعا إن شاء الله تعالى.

1 - التعارض بين الادلة المحرزة

والتعارض بين دليلين محرزين معناه التنافي بين مدلوليهما، وهو على أقسام منها أن يحصل في نطاق الدليل الشرعي اللفظي بين كلامين صادرين من المعصوم، ومنها أن يحصل بين دليل شرعي لفظي ودليل عقلي، ومنها أن يحصل بين دليلين عقليين.

حالة التعارض بين دليلين لفظيين:

في حالة التعارض بين دليلين لفظيين توجد قواعد نستعرض فيما يلي عددا منها:

1 - من المستحيل أن يوجد كلامان للمعصوم يكشف كل منهما بصورة قطعية عن نوع من الحكم يختلف عن الحكم الذي يكشف عنه الكلام الآخر، لان التعارض بين كلامين صريحين من هذا القبيل يؤدي إلى وقوع المعصوم في التناقض، وهو مستحيل.

[131]

2 - قد يكون أحد الكلامين الصادرين من المعصوم نصا صريحا وقطعيا، ويدل الآخر بظهوره على ما ينافي المعنى الصريح لذلك الكلام.

ومثاله: أن يقول الشارع في حديث مثلا: " يجوز للصائم أن يرتمس في الماء حال صومه " ويقول في حديث آخر: " لا ترتمس في الماء وأنت صائم "، فالكلام الاول دال بصراحة على إباحة الارتماس للصائم، والكلام الثاني يشتمل على صيغة نهي، وهي تدل بظهورها على الحرمة لان الحرمة هي أقرب المعاني إلى صيغة النهي وأن أمكن إستعمالها في الكراهة مجازا، فينشأ التعارض بين صراحة النص الاول في الاباحة وظهور النص الثاني في الحرمة، لان الاباحة والحرمة لا يجتمعان. وفي الحالة يجب الاخذ بالكلام الصريح القطعي لانه يؤدي إلى العلم بالحكم الشرعي فنفسر الكلام الآخر على ضوئه ونحمل صيغة النهي فيه على الكراهة لكي ينسجم مع النص الصريح القطعي الدال على الاباحة. وعلى هذا الاساس يتبع الفقيه في إستنباطه قاعدة عامة، وهي الاخذ بدليل الاباحة والرخصة إذا عارضه دليل آخر يدل على الحرمة أو الوجوب بصيغة نهي أو أمر، لان الصيغة ليست صريحة ودليل الاباحة والرخصة صريح غالبا.

3 - قد يكون موضوع الحكم الذي يدل عليه أحد الكلامين أضيق نطاقا وأخص دائرة من موضوع الحكم الذي يدل عليه الكلام الآخر.

ومثاله أن يقال في نص: " الربا حرام " ويقال في نص آخر: " الربا بين الوالد وولده مباح " فالحرمة التي يدل عليها النص الاول موضوعها عام، لانها تمنع بإطلاقها عن التعامل الربوي مع أي شخص، والاباحة في النص الثاني موضوعها خاص، لانها تسمح بالربا بين الوالد وولده خاصة، وفي هذه الحالة تقدم النص الثاني على الاول، لانه يعتبر بوصفه أخص موضوعا من الاول

[132]

قرينة عليه، بدليل أن المتكلم لو أوصل كلامه الثاني بكلامه الاول فقال: " الربا في التعامل مع أي شخص حرام، ولا بأس به بين الوالد وولده " لابطل الخاص مفعول العام وظهوره في العموم.

وقد عرفنا سابقا أن القرينة تقدم على ذي القرينة، سواء كانت متصلة أو منفصلة. ويسمى تقديم الخاص على العام تخصيصا للعام إذا كان عمومه ثابتا بأداة من أدوات العموم، وتقيدا له إذا كان عمومه ثابتا بالاطلاق وعدم ذكر القيد. ويسمى الخاص في الحالة الاولى " مخصصا " وفي الحالة الثانية " مقيدا ". وعلى هذا الاساس يتبع الفقيه في الاستنباط قاعدة عامة، وهي الاخذ بالمخصص والمقيد وتقديمهما على العام والمطلق. إلا أن العام والمطلق يظل حجة في غير ما خرج بالتخصيص والتقييد، إذ لا يجوز رفع اليد عن الحجة إلا بمقدار ما تقوم الحجة على الاقوى على الخلاف لا أكثر.

4 - وقد يكون أحد الكلامين دالا على ثبوت حكم لموضوع، والكلام الآخر ينفي ذلك في حالة معينة بنفي ذلك الموضوع.

ومثاله أن يقال في كلام ". يجب الحج على المستطيع " ويقال في كلام آخر: " المدين ليس مستطيعا " فالكلام الاول يوجب الحج على موضوع محدد وهو المستطيع والكلام الثاني ينفي صفة المستطيع عن المدين، فيؤخذ بالثاني ويسمى " حاكما " ويسمى الدليل الاول " محكوما ". وتسمى القواعد التي إقتضت تقديم أحد الدليلين على الآخر في هذه الفقرة والفقرتين السابقتين بقواعد الجمع العرفي.

5 - إذا لم يوجد في النصين المتعارضين كلام صريح قطعي، ولا ما يصلح أن يكون قرينة على تفسير الآخر ومخصصا له أو مقيدا أو حاكما عليه فلا يجوز العمل بأي واحد من الدليلين المتعارضين لانهما على مستوى واحد ولا ترجيح لاحدهما على الآخر.

[133]

حالات التعارض الاخرى

 وحالات التعارض بين دليل لفظي ودليل من نوع آخر أو دليلين من غير الادلة اللفظية لها قواعد أيضا نشير إليها ضمن النقاط التالية:

1 - الدليل اللفظي القطعي لا يمكن أن يعارضه دليل عقلي قطعي، لان دليلا من هذا القبيل إذا عارض نصا صريحا من المعصوم عليه السلام أدى ذلك إلى تكذيب المعصوم (ع) وتخطئته وهو مستحيل.

ولهذا يقول علماء الشريعة: إن من المستحيل أن يوجد أي تعارض بين النصوص الشريعة الصريحة وأدلة العقل القطعية. وهذه الحقيقة لا تفرضها العقيدة فحسب، بل يبرهن عليها الاستقراء في النصوص الشرعية ودراسة المعطيات القطعية للكتاب والسنة، فإنها جميعا تتفق مع العقل ولا يوجد فيها ما يتعارض مع أحكام العقل القطعية إطلاقا.

2 - إذا وجد تعارض بين دليل لفظي ودليل آخر ليس لفظيا ولا قطعيا قدمنا الدليل اللفظي لانه حجة، وأما الدليل غير اللفظي فهو ليس حجة ما دام لا يؤدي إلى القطع.

3 - إذا عارض الدليل اللفظي غير الصريح دليلا عقليا قطعيا قدم العقلي على اللفظي، لان العقلي يؤدي إلى العلم بالحكم الشرعي، وأما الدليل اللفظي يؤدي إلى العلم بالحكم الشرعي، وأما الدليل اللفظي غير الصريح فهو إنما يدل بالظهور، والظهور إنما يكون حجة بحكم الشارع إذا لم نعلم ببطلانه، ونحن هنا على ضوء الدليل العقلي القطعي نعلم بأن الدليل اللفظي لم يرد المعصوم (ع) منه معناه الظاهر الذي يتعارض مع دليل العقل، فلا مجال للاخذ بالظهور.

[134]

4 - إذا تعارض دليلان من غير الادلة اللفظية فمن المستحيل أن يكون كلاهما قطعيا، لان ذلك يؤدي إلى التناقض، وإنما قد يكون أحدهما قطعيا دون الآخر، فيؤخذ بالدليل القطعي.

2 - التعارض بين الاصول

وأما التعارض بين الاصول فالحالة البارزة له هي التعارض بين البراء‌ة والاستصحاب، ومثالها أنا نعلم بوجوب الصوم عند طلوع الفجر من نهار شهر رمضان حتى غروب الشمس ونشك في بقاء الوجوب بعد الغروب إلى غياب الحمرة، ففي هذه الحالة تتوفر أركان الاستصحاب من اليقين بالوجوب أو لا والشك في بقائه ثانيا، وبحكم الاستصحاب يتعين الالتزام عمليا ببقاء الوجوب.

ومن ناحية أخرى نلاحظ أن الحالة تندرج ضمن نطاق أصل البراء‌ة لانها شبهة بدوية في التكليف غير مقترنة بالعلم الاجمالي، وأصل البراء‌ة ينفي وجوب الاحتياط ويرفع عنا الوجوب عمليا، فبأي الاصلين نأخذ؟ والجواب أنا نأخذ بالاستصحاب ونقدمه على أصل البراء‌ة، وهذا متفق عليه بين الاصوليين، والرأي السائد بينهم لتبرير ذلك أن دليل الاستصحاب حاكم على دليل أصل البراء‌ة، لان دليل أصل البراء‌ة هو النص النبوي القائل " رفع ما لا يعلمون " وموضوعه كل ما لا يعلم، ودليل الاستصحاب هو النصل القائل " لا ينقض اليقين أبدا بالشك " وبالتدقيق في النصين نلاحظ أن دليل الاستصحاب يلغي الشك ويفترض كأن اليقين باق على حاله، فيرفع بذلك موضوع أصل البراء‌ة.

ففي مثال وجوب الصوم، لا يمكن أن نستند إلى أصل البراء‌ة عن وجوب الصوم بعد غروب الشمس بوصفه وجوبا مشكوكا، لان الاستصحاب

[135]

يفترض هذا الوجوب معلوما، فيكون دليل الاستصحاب حاكما على دليل البراء‌ة، لانه ينفي موضوع البراء‌ة.

3 - التعارض بين النوعين

ونصل الآن إلى فرضية التعارض بين دليل محرز وأصل عملي كأصل البراء‌ة أو الاستصحاب.

والحقيقة أن الدليل إذا كان قطعيا فالتعارض غير متصور عقلا بينه وبين الاصل، لان الدليل القطعي على الوجوب مثلا يؤدي إلى العلم بالحكم الشرعي ومع العلم بالحكم الشرعي لا مجال للاستناد إلى أي قاعدة عملية، لان القواعد العملية إنما تجري في ظرف الشك، إذ قد عرفنا سابقا أن أصل البراء‌ة موضوعه كل ما لا يعلم، والاستصحاب موضوعه أن نشك في بقاء ما كنا على يقين منه، فإذا كان الدليل قطعيا لم يبق موضوع هذه الاصول والقواعد العملية.

وإنما يمكن إفتراض لون من التعارض من الدليل والاصل إذا لم يكن الدليل قطعيا، كما إذا دل خبر الثقة على الوجوب أو الحرمة - وخبر الثقة كما مر بنا دليل ظني حكم الشارع بوجوب إتباعه وإتخاذه دليلا - وكان أصل البراء‌ة من ناحية أخرى يوسع ويرخص.

ومثاله: خبر الثقة الدال على حرمة الارتماس على الصائم، فإن هذه الحرمة إذا لاحظناها من ناحية الخبر فهي حكم شرعي قد قام عليه الدليل الظني، وإذا لاحظناها بوصفها تكليفا غير معلوم نجد أن دليل البراء‌ة - رفع ما لا يعلمون - يشملها فهل يحدد الفقيه في هذه الحالة موقفه على أساس الدليل الظني المعتبر أو على أساس الاصل العملي؟.

[136]

ويسمى الاصوليون الدليل الظني بالامارة، ويطلقون على هذه الحالة إسم التعارض بين الامارات والاصول.

ولا شك في هذه الحالة لدى علماء الاصول في تقديم خبر الثقة وما إليه من الادلة الظنية المعتبرة على أصل البراء‌ة ونحوه من الاصول العملية، لان الدليل الظني الذي حكم الشارع بحجيته يؤدي بحكم الشارع هذا دور الدليل القطعي، فكما أن الدليل القطعي بنفي موضوع الاصل ولا يبقي مجالا لاي قاعدة عملية، فكذلك الدليل الظني الذي أسند إليه الشارع نفس الدور وأمرنا بإتخاذه دليلا، ولهذا يقال عادة: إن الامارة حاكمة على الاصول العملية.