الوافية في اصول الفقه

 

للفاضل التوني المولى عبد الله بن محمد البشروي الخراساني

 

المتوفى سنة 1071 ه‍.

 

تحقيق: السيد محمد حسين الرضوي الكشميري

 

[5]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الخلق محمد وآله الطاهرين.

يقدم مجمع الفكر الاسلامي للمكتبة الاسلامية عامة وللمكتبة الاصولية خاصة كتاب " الوافية " في علم اصول الفقه لاحد فحول الامامية، وهو المولى عبد الله بن محمد البشروي الخراساني المعروف بالفاضل التوني من أعلام القرن الحادي عشر الهجري.

وهو من خيرة المتون الاصولية من حيث المنهجية وصياغة المطالب والاعتماد على مبان جديدة.

يمثل كتاب " الوافية " قمة التطور لعلم اصول الفقه في القرن الحادي عشر لدى علماء الامامية ويمتاز بالابداع والابتكار، كما يمتاز بالالتفات إلى كتب الاصول للمذاهب الاخرى.

وقد تصدى فيه مؤلفه للحركة المناهضة لعلم الاصول في عصره فكان سدا منيعا أمام هذا التيار الذي كاد أن يوقف حركة الاجتهاد في ذلك العصر.

ويمتاز " الوافية " بكونه كتابا أعده مؤلفه للتدريس وتربية الطلاب وتيسير وصولهم إلى مرتبة الاستنباط.

وقد تصدى العلامة السيد محمد حسين الرضوي الكشميري لتحقيقه واخراجه بأحسن وجه ممكن احياء‌ا للتراث الاسلامي المعطاء وخدمة لشريعة سيد المرسلين.

فشكر الله سعيه وتقبل منه جهده انه ولي التوفيق وهو المسدد للصواب وهو حسبنا ونعم النصير.

غرة رجب المرجب 1412 ه‍.

مجمع الفكر الاسلامي

[6]

الاهداء إليك يا حجة الله أهدي هذا المجهود المتواضع.

سيدي: ولما رأيت الناس شدوا رحالهم إلى بحرك الطامي أتيت بجرتي المحقق

[7]

مقدمة التحقيق: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا، حبيب إله العالمين، أبي القاسم محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين.

وبعد، فإن الله تعالى لما اختار لوليه الغيبة، من على الامة بطائفة نفرت للتفقه في الدين، لتنوب منابه، ولتكون نجوما يهتدى بها.

فقد حفظ هؤلاء شرع سيد المرسلين، وحملوا أعباء الرسالة، وشيدوا علوم الدين، فهم حقا حصون الاسلام وجنوده.

ولقد وفقهم الله تعالى - لما لهم من الاخلاص في النية - غاية التوفيق، فقاموا بهذه المهمة خير قيام.

وقد تمخضت جهودهم العلمية والعملية عن مصنفات قيمة، لا يدرك غورها، ولا تبلغ أطرافها.

فقد خلفوا لنا تراثا ضخما واسعا رغم قساوة الظروف المحيطة بهم وقلة الامكانات المتاحة لهم.

وشمل نشاطهم مختلف العلوم الدينية، ولم يقتصر على معرفة الحلال والحرام، بل أعطوا كل علم من علوم الشريعة حقه بما تركوه من آثار خالدة فصنفوا في الكلام

[8]

والتفسير والحديث ورجاله والفقه إلى غير ذلك، فكانوا حقا فقهاء في (الدين) لا في بعضه.

ثم لما كانت مسائل الفقه - من الطهارة إلى الديات - بحاجة إلى مبان موحدة تقع كبرى في قياس استنباط الحكم الشرعى، عكفوا على هذه المباني فأسدوها عناية فائقة، واهتماما كبيرا، فبذلوا فيها ما يناسبها من التدقيق والتأمل، وما تستحقها من التوسع والتعمق، فعقدوا لكل منها مبحثا خاصا.

ولعمري فإنها جديرة بذلك، إذ أن التنائج المأخوذة من هذه المباحث لهي قانون كلي تبنى عليه فروع فقهية متكثرة، فقد تترتب على المبنى الواحد مئآت المسائل الفقهية بأقسامها المتباينة وأبوابها المختلفة.

فكون الامر حقيقة في الوجوب مثلا، قانون ينطبق على كل أبواب الفقه من الطهارة إلى الديات، ومن قال بدلالة النهي على الفساد فإنه يبني عليه في شتى مسائل الفقه.

ونظرا لهذه الاهمية: جمعوا هذه المباحث في علم مستقل، أسموه (اصول الفقه) وأفردوا له مصنفات على حدة.

ولقد كان جهدهم في هذا المجال جبارا وموفقا، حيث قد تمخض عن مصنفات رائعة ومؤلفات فائقة، فكانت (الذريعة) للسيد الاجل المرتضى، و (العدة) لشيخ الطائفة الطوسي، و (المعارج) للمحقق، و (النهاية) و (التهذيب) و (المبادئ) للعلامة، ومقدمة (المعالم) للشيخ أبى منصور، علاوة على ما فقد منها وأتلف فيما أتلف من التراث الاسلامي نتيجة تسلط الجهلاء والطائفيين، وحكومتهم على رقاب المسلمين.

وفي طليعة المصنفات الاصولية يأتي كتابنا هذا فهو من خيرة التراث الامامي الزاهر، الباعث على الفخر والاعتزاز.

وسنأتي فيما بعد على بيان ميزاته وخصائصه وقيمته العلمية، بما يجعله حريا بالتحقيق والبحث، جديرا بالدراسة والتحليل.

[11]

مع المصنف

لسنا بصدد وضع ترجمة مطولة للمصنف، فإن لهذا الفن أهله ورجاله، وإنما نعرض بايجاز إلى ملامح من حياته ومكانته العملية، مع حصر مؤلفاته، لنفرغ للكلام عن (الوافية) نفسها.

وقد ترجم للمصنف كل من عني بتراجم علماء الشيعة الامامية وفقهائهم، وفي طليعتهم:

1 - معاصره، المحدث، صاحب الوسائل، الشيخ محمد بن الحسر الحر العاملي (ت 1104 ه‍) في كتابه: أمل الآمل / القسم الثاني / برقم 477 / ص 163.

2 - ومعاصره الآخر، الميرزا عبدالله الافندي الاصبهانى (من أعلام القرن الثاني عشر ه‍) في كتابه: رياض العلماء وحياض الفضلاء: 3 / 237 - 238.

3 - والميرزا محمد التنكابني (ت 1302 ه‍) في كتابه: قصص العلماء / ص 269 - 270 (فارسي).

4 - والمولوي الميرزا محمد علي الكشميري (ت 1309 ه‍) في كتابه: نجوم السماء في تراجم العلماء / ص193.

5 - والميرزا السيد محمد باقر الموسوي الخونساري الاصبهاني (ت 1313 ه‍) في كتابه: روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات: 4 / 244 - 246.

6 - والمحدث الشيخ عباس القمي (ت 1359 ه‍) في كتابيه: الكنى والالقاب: 2 / 113 و: الفوائد الرضوية في أحوال علماء مذهب الجعفرية / ص 255.

7 - والسيد محسن الامين العاملي (ت 1371 ه‍) في كتابه: أعيان الشيعة: 8 / 70.

8 - والميرزا محمد علي المدرس (ت 1373 ه‍) في كتابه: ريحانة الادب في تراجم المعروفين بالكنية أو اللقب: 1 / 356 (فارسي).

[12]

9 - والشيخ آقا بزرك الطهراني (ت 1389 ه‍) في كتابه: طبقات أعلام الشيعة /القرن الحادي عشر/ص342.

10 - وعمر رضا كحالة (ت 1408 ه‍) في كتابه: معجم المؤلفين: 6 / 113.

ونجمل ما جاء عنه، تحت العناوين التالية: عنوانه في كتب التراجم والاصول: عنونه الشيخ الحر العاملي ب‍: "مولانا عبدالله بن محمد التوني البشروي ".

وذكره بهذا العنوان أيضا: الميرزا عبدالله الافندي، والسيد الخونساري، وزاد الافندى: "المعروف بملا عبدالله التونى ".

وذكره السيد الامين بعنوان: "المولى عبدالله بن الحاج محمد التوني البشروي الخراساني".

وعرفه التنكابني - بالفارسية - ب‍: "آخوند ملا عبدالله توني".

وسماه الشيخ الطهراني ب‍: "عبدالله البشروئي بن محمد التوني الخراساني، صاحب الوافية".

وقال المحدث القمي في كتابه الكنى والالقاب: "التوني: إذا وصف به الفاضل، فهو: المولى عبدالله بن محمد التوني البشروي".

وبهذا العنوان - أي: الفاضل التوني - ينعت في كتب الاصول، كما سيمر عليك.

عصره: لم يسجل مترجموه تاريخ ولادته.

أما وفاته: فقد قال السيد الخونساري: "نقل عن خط الشيخ أحمد - أخي المصنف - أنه كتب على ظهر بعض نسخ (الوافية) ما هذا صورته: قد وقع فراغ المصنف، قدس الله روحه وأسكنه حضيرة القدس مع أوليائه وأحبائه، من تسويد الرسالة - التي جمعت بدائع التحقيق وودائع التدقيق - ثاني عشر أول الربيعين من شهور سنة تسع وخمسين وألف من الهجرة، وروح الله

[13]

روحه في سادس عشر ذلك الشهر بعينه من شهور سنة إحدى وسبعين وألف....".

وقال العلامة الطهراني: " توفي في سنة 1071 ه‍ كما يظهر ذلك من النسخة التي كتبها علي أصغر بن محمد حسين السبزواري 1111 ه‍ الموجودة في (مكتبة الامام أمير المؤمنين عليه السلام العامة) - في النجف الاشرف - وهي منقولة عن خط أخيه أحمد بن محمد ".

وسيأتي أنه فرغ من تصنيف هذا الكتاب سنة (1059 ه‍).

وقد نص الشيخ الحر العاملي (ت 1104 ه‍) على معاصرته له.

موطنه ومدفنه: قال الميرزا الافندي: " كان قدس سره أولا بأصبهان مدة، في المدرسة المشهورة بمدرسة المولى عبدالله التستري المرحوم، ثم سافر إلى مشهد الرضا عليه السلام، وتوطن فيه مدة، ثم أراد التوجه إلى العراق لزيارة الائمة عليهم السلام بها من طريق قزوين، وأقام مدة في قزوين مع أخيه المولى أحمد، في أيام حياة المولى الفاضل مولانا خليل القزويني بالتماسه، وكان بينهما صحبة ومودة، ثم توجه إلى الزيارة فأدركه الموت في الطريق بكرمانشاه، ودفن بها، ولعل وفاته بعد المراجعة فلاحظ.

والتوني: - بضم التاء المثناة، ثم الواو الساكنة، وآخرها نون - نسبة إلى تون، وهي بلدة من بلاد قهستان بخراسان (1)، وبها قلعة الملاحدة الاسماعيلية، وأنا دخلت تلك البلدة، وكان أهلها يقولون إن هذه القلعة هي القلعة التي حبس بها الخواجه نصير الطوسي بأمر سلطان الملاحدة فلاحظ قصته.

والبشروي: - بضم الباء الموحدة، والشين المعجمة الساكنة، ثم الراء المهملة المفتوحة وآخرها الواو ثم الياء - نسبة إلى (بشرويه) - بضم الباء الموحدة، ثم الشين المعجمة الساكنه، ثم الراء المهملة المضمومة ثم الياء المثناه المفتوحة، ثم الهاء أخيرا - وهي قرية كبيره من أعمال بلدة (تون)...".

___________________________________

(1) وتعرف اليوم بفردوس على ما في بعض معاجم اللغة الفارسية.

(*)

[14]

قال الشيخ الطهراني [ الذريعة: 6 / 230]: " وعقبه في بشرويه - من محال خراسان - معروفون إلى اليوم".

وقال السيد الخونساري: " ونقل عن خط الشيخ أحمد - أخي المصنف - انه كتب على ظهر بعض نسخ الوافية ما هذه صورته: قد وقع فراغ المصنف..... وروح الله روحه في سادس عشر ذلك الشهر بعينه من شهور سنة إحدى وسبعين وألف في بلدة كرمانشاهان حين توجهه إلى زيارة ساداته سلام الله عليهم أجمعين.

ودفن عند القنطرة المشهورة ب‍ (بل شاه) عند منتهى القبور، عن يمين الطريق، وبني على قبره قبة ليعرف بذلك.

وقد أمر بتلك القبة الحاكم العامل العادل قدوة أمراء الزمان وأسوة خوانين الدوران الشيخ علي خان أيده الله سبحانه.

وكتب أخوه الوحيد المنتظر لامر الله أحمد بن حاجي محمد البشروي الخراساني حامدا مصليا مسلما.

انتهى ".

ووصفه الشيخ الحر العاملي بأنه " ساكن المشهد " والمراد بها مدينة مشهد الامام الرضا عليه السلام المعروفة باسم (خراسان) التي ينسب اليها المصنف أيضا.

زهده وتقواه، ودوره في تهذيب المجتمع: قال عنه الشيخ الحر العاملي: " صالح زاهد عابد ".

وأكد ذلك سائر من ترجم له.

وأضاف الميرزا الافندى: " وهذا المولى - على ما سمعناه ممن رآه - كان من أورع أهل زمانه وأتقاهم، بل كان ثاني المولى أحمد الاردبيلي رضوان الله عليه.

وكذلك كان أخوه المولى أحمد التوني ".

ثم قال في معرض حديثه عن بلدة بشروية: " وقد دخلتها وكان أهلها ببركة هذا المولى وأخيه المولى أحمد كلهم صلحاء أتقياء عباد على أحسن ما يكون ".

مع الشاه عباس الصفوي: يحكي لنا التنكابني قصة للمصنف مع سطان عصره الشاه عباس الصفوي،

[15]

يبدو لنا من خلالها عدة أمور هامة: أولا: المكانة العلمية والاجتماعية للمصنف، وألتي أهلته لان يقصده بالزيارة سلطان الوقت بنفسه.

وهذا مؤشر واضح على سمو مرتبته العلمية والاجتماعية، فان من المعلوم ان سلاطين العصر يزارون ولا يزورون.

ولكن تنتقض هذه القاعدة وتخصص بالعلماء الكبار الذين يحتلون المرتبة الدينية العليا ويختصون بلقب المرجع والمقلد والمفتي، فهؤلاء يركع السلاطين على أبوابهم كرامة من الله تعالى لمن يبلغ رسالته ويقوم بأعباء حمل شريعة سيد المرسلين.

وثانيا: تعفف المصنف عن طلب أي أمر دنيوي، مما يعكس لنا اخلاصه التام لله تعالى، والصفاء في النية إليه، وهذا هو شأن علماء الامامية والطابع العام لهم قاطبة، فقد سجل التأريخ لهم سيرة منزهة عن كل أنواع التقرب والتودد إلى ملوك العصر إلا ما كان من ذلك لمصلحة الدين وحفظ بيضة الاسلام والمسلمين.

وثالثا: اهتمام المصنف بحث المجتمع على تعلم العلوم الالهية والتفقه في الدين الموصل إلى معرفة الله وطاعته.

يقول التنكابني (1): " ذكر أن الشاه عباس جاء يوما إلى زيارة الآخوند الملا عبدالله التوني، وكان الآخوند التوني قد شيد مدرسة دينية ولكن لم يكن قد التحق بها أحد من الطلاب بعد.

وبعد أن اطلع السلطان على تلك المدرسة وتجول فيها، سأل الملا عبد الله عن السبب في عدم التحاق الطلاب بها وعدم توجه الناس إلى التلمذ فيها، فقال له الملا عبدالله سأجيبك على هذا السؤال فيما بعد.

ثم قام الآخوند بعد ذلك بمدة بزيارة الشاه عباس - ردا له على زيارته - وبعد انتهاء التشريفات والمحادثات، طلب الشاه عباس إلى الآخوند الملا عبدالله بأن يأمره بما يشاء.

فرد عليه الآخوند بان ليس له من حاجة.

فألح الشاه عباس عليه بذلك.

فقال الآخوند اذا كان ولا بد فحاجتي أن أركب وأن تسير ماشيا بين يدي في الملا العام بقلب المدينة.

___________________________________

(1) النص مترجم عن الفارسية.

(*)

[16]

فسأله الشاه عباس عن الغرض من ذلك.

فقال الآخوند: سأجيبك على هذا بعد مضي مدة من الزمان.

لذا فان الشاه عباس امتثل هذا الامر ولبى له هذا الطلب.

فركب الآخوند التوني ومشى الشاه عباس بين يديه مسافة في وسط المدينة بمرآى من الملا العام، ثم ودعه الآخوند وانصرف.

وبعد مرور مدة من الزمان قام السلطان الشاه عباس ثانية بزيارة الآخوند الملا عبدالله في مدرسته المذكورة فرآها حاشدة بالتلاميذ.

فاستفسر عن امتلائها بذلك العدد الكبير وعن خلوها قبل ذلك فأجابه الآخوند بان السبب في خلوها من الطلاب فيما سبق بعود إلى ما كانوا عليه من الجهل بفضيلة العلم ومنزلة العالم، لذا لم يتوجه أحد إلى مدرستي لطلب العلم، وبعد أن رأوا منك ذلك الاحترام والتقدير للعلماء حين مشيت بين يدي وأنا راكب في الملا العام عرفوا ذلك فانثالوا على المدرسة لنيل شرف العلم، وهذا هو الذي دعاني أن اطلبك منك ذلك، وهذه هي غايتي منه، فلما أن فعلت ذلك علموا أن للعلم منزلة كبيرة في الدنيا حتى أن السلطان يترجل بين يدي العالم.

لذا فانهم جاؤوا طلبا للعزة الدنيوية والمكانة الاجتماعية، ولكنهم بعد أن سيطوون بعض مراحل العلم وسيتضيئون بنوره، ستخلص نواياهم لله تعالى، وتحصل لهم نية القربة له، التي هي الغاية الاخيرة للعلم ولجيمع العبادات، كما ورد في الخبر: " اطلبوا العلم ولو لغير الله فإنه يجر إلى لله "، ويكونون مصداقا لمقولة: " المجاز قنطرة الحقيقة ".

مكانته العلمية واطراء العلماء إياه: نعته الشيخ الحر العاملي بقوله: " عالم، فاضل، ماهر، فقيه ".

ووصفه الفقيه المتبحر، المحدث الشيخ يوسف البحراني (صاحب الحدائق) عند التعرض لبعض آرائه في كتابه (الدرر النجفية) في درة الاستصحاب ص 34 بعنوان " بعض أصحابنا المحققين من متأخري المتأخرين ".

[17]

ويذكره مجدد علم الاصول الشيخ الانصاري - الذي لم نعهد منه السخاء في الاطراء واطلاق السمات العلمية إلا على آحاد العلماء - بعنوان (الفاضل التوني) عند نقل آرائه في موارد مختلفة من فرائده، كما سيأتي.

وبهذا اللقلب يذكره أساتذة الحوزات العلمية في مجالس تدريسهم وفي تقريرات أبحاثهم.

وسيأتي مزيد من الحديث عن مكانته العلمية.

مصنفاته:

1 - شرح الارشاد، في الفقه.

ذكره له الشيخ الحر العاملي.

قال السيد الخونساري: " ولم يتيسر لنا إلى الآن الوقوف على شرح ارشاده ".

وأصل الكتاب: (ارشاد الاذهان) للعلامة الحلي.

2 - رسالة في الاصول.

ذكرها له أيضا، الشيخ الحر العاملي.

قال السيد الخونساري: " وأما رسالته الاصولية فهي كتابه الموسوم بالوافية في اصول الفقه، ونسخه متداولة بين الطلاب ".

ولكن السيد الامين عد الرسالة كتابا آخر غير الوافية.

وهو كتابنا هذا وهو الاثر الوحيد الباقي له، وسيأتي الكلام عنه.

3 - رسالة في الجمعة.

ذكرها له الشيخ الحر العاملي أيضا.

قال الميرزا الافندى: " هذا المولى أحد القائلين بالمنع من صلاة الجمعة في زمن الغيبة، ورسالته المذكورة مؤلفة في هذا المعنى ".

ومثله ذكر السيد الخونساري.

4 - حاشية على معالم الاصول.

[18]

ذكرها له الميرزا الافندى، ووصفها بأنها: " حسنة ". وقال السيد الخونساري عنها بأنها: " جيدة جدا ".

والاصل: معالم الدين وملاذ المجتهدين.

المحتوي في مقدمته على أبحاث علم الاصول، وتعرف ب‍ (اصول المعالم) وب‍: (معالم الاصول)، للمحقق الشيخ حسن الجبعي العاملي نجل الشهيد الثاني.

5 - تعليقات على المدارك.

ذكرها له الميرزا الافندي، والسيد الخونساري، ووصفها الاخير بأنها كحاشيته على المعالم في الجودة.

والاصل: مدارك الاحكام.

للسيد محمد بن علي الموسوي العاملي، في شرح شرائع الاسلام للمحقق الحلي.

6 - حاشية علي إرشاد العلامة.

ذكرها له الميرزا الافندي، ثم قال: " والظاهر أنها بعينها شرحه المذكور " المتقدم برقم (1).

وتابعه في ذلك السيد الخونساري.

7 - فهرست لتهذيب الاحكام لشيخ الطائفة الطوسي.

ذكره هو لنفسه في الوافية - كتابنا هذا - في آخر البحث الثاني من المقصد الثاني من الباب الثاني، وهو مبحث جواز التمسك بالعام قبل الفحص عن مخصصه، حيث قال: " وينبغي في فحص مخصص العام المتعلق بشئ من مسائل الطهارة ملاحظة كل واحد من أبوابها في التهذيب، وكذا الصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها، سيما باب الزيادات والنوادر في كل منها، والاحسن ملاحظة الابواب المناسبة في الكتب الاخر أيضا - إلى أن قال: - وقد تكفل بجميع ذلك وغيره، الفهرست الذي جعلته على التهذيب، وهو من أهم الاشياء لمن يريد الفقه والترجيح، ولم يسبقني إليه أحد، والحمد لله " فلاحظ كل كلامه.

وعلق على هذا السيد الخونساري بقوله: " وهو كما قال، وفوق ما نقول ".

[19]

ابتكاراته العلمية: الملفت للنظر في شخصية المؤلف هو روح الابتكار لديه، وهي صفة حرية بالتقدير والدراسة، فإن الكثير من اهل العلم والمعرفة يخوض غمار المسائل التي طرحت قبله من دون أن يستطيع الخروج من الدائرة التي رسمها من تقدم عليه ويبقى نطاق تفكيره وأفق ابحاثه محصورا في نفس تلك الخطوط العريضة المقررة عليه. ويبقى عدد المبتكرين والنوابغ نزرا.

ونعتقد أن المصنف رحمه الله من اولئك الآحاد، وإنما خفي ذكره ولم يشتهر أمره لعدة عوامل أحدها ضياع جل مؤلفاته، لاسباب لا نعرفها، وقد تكون عامة، وهي التي أودت بالكثير من تراث المذهب الامامي الضخم على ما نقرأه في تراجم اعلامنا، فما من علم من الاعلام إلا وقد ضاع له أكثر من كتاب.

هذا أحد العوامل، ونطوي كشحا عن سائرها.

ومما يحدو بنا إلى هذا الاعتقاد هو صنعته الفهرس على التهذيب، فهو عمل جديد من نوعه بالقياس إلى المرحلة الزمنية، والثقافية التي عاشها، فقد وجدنا الكثير من المصنفين والمؤلفين على مرور أدوار علوم الفقه والاصول والحديث وغيرها، ولكن يأتي هذا المصنف أو ذاك ويصنف على غرار من قبله حتى ليضع عناوين الابواب والفصول، بل حتى نص المسألة، وكأنه ينسخها ممن تقدم عليه نسخا.

في هذا الجو، وفي هذه الروح التقليدية نطالع اسم الفاضل التوني وهو يقوم بوضع (الفهرس) على التهذيب ويجمع شوارده، ليرجعها إلى مقرها المناسب، وهو بذلك يقوم بعمل جديد من نوعه، فهو عمل تكميلي واصلاحي للموسوعة الحديثية البارعة لشيخ الطائفة وعمادها الشيخ الطوسي قدس سره.

ولهذا الفهرس دلالة اخرى، فهو يعكس سعة باعه في كل من الفقه والحديث، إذ من الواضح لاهل هذا الفن ما يتطلبه هذا العمل من مؤهلات.

والمؤشر الآخر على عقليته الابتكارية هي المنهجية الجديدة التي مشى عليها

[20]

في كتابه (الوافية) حيث وضع للمباحث الاصولية تبويبا لم نعهده عند المتقدمين عليه، كما سيمر عليك.

وانفرد بعدة آراء لم يسبقه اليها أحد.

وقد اشار السيد الخونساري إلى ذلك حيث قال: " وله في الاستصحاب ومباحث التعادل والتراجيح تفريعات وفوائد نادرة وتصرفات كثيرة لم يسبقه اليها أحد من الاصوليين ".

وسنذكر طرفا آخر من ابداعاته في الكفر الاصولي عند حديثنا عن كتابه (الوافية).

اهتمام المتأخرين بآرائه: ليس لدي الآن الفرصة الكافية لاعطاء هذا البحث حقه، وإنما ادون ههنا ما استحضره، وما سبق لي أن اعددته: ينحصر طريق تقييم الفاضل التوني بكتابه الوافية بعد أن كانت بقية مصنفاته في قائمة الكتب المفقودة. مع أنه ليس بالاثر القليل رغم حجمه القليل.

فلقد افرغ في كتابه هذا ثقلا علميا كبيرا، وخصه بامتيازات هامة.

حتى أصبحت آراؤه المطروحة فيه مدارا للبحث والمناقشة لدى الرعيل الاول من علماء الاصول إلى وقتنا الحاضر.

فقد اهتم الشيخ الانصاري بافكاره وتحقيقاته متعرضا لآرائه بالمناقشة والبحث، ناقلا نص عبارته في بعض الموارد، وإليك التفصيل: 1 - تعرض إلى ما استظهره من مذهب المتقدمين في حجية خبر الواحد، فقد نقل عبارته في الوافية، ثم علق عليها بالتعجب.

قال قدس سره في الفرائد: 109: " بل في الوافية أنه: لم يجد القول بالحجية صريحا ممن تقدم على العلامة، وهو عجيب ".

2 - حكى استدلاله بالدليل العقلي على حجية خبر الواحد، وجعله الوجه الثاني من الوجوه العقلية المقررة لاثبات حجية الخبر الموجود في الكتب المعتمدة للشيعة، ونقل عبارته في ذلك، ثم تناول هذا الدليل بالبحث والمناقشة.

انظر فرائد الاصول: 171 - 172.

[21]

3 - تعرض رحمه الله إلى ما أفاده من اشتراطه لجريان اصالة البراء‌ة شرطين آخرين - علاوة على الشروط التي ذكرها الاصوليون - الاول: أن لا يكون إعمال الاصل موجبا لثبوت حكم شرعي من جهة اخرى مثل أن يقال في أحد الانائين المشتبهين: الاصل عدم وجوب الاجتناب عنه، فانه يوجب الحكم بوجوب الاجتناب عن الآخر، أو عدم بلوغ الملاقي للنجاسة كرا، أو عدم تقدم الكرية حيث يعلم بحدوثها على ملاقاة النجاسة، فان اعمال الاصول يوجب الاجتناب عن الاناء الآخر أو الملاقي أو الماء.

الثاني: أن لا يتضرر باعمالها مسلم، كما لو فتح انسان قفص طائر فطار، أو حبس شاة فمات ولدها، أو امسك رجلا فهربت دابته، فإن اعمال البراء‌ة فيها يوجب تضرر المالك، فيحتمل اندراجه في قاعدة الاتلاف، وعموم قوله: " لا ضرر ولا ضرار " إلى آخر كلامه.

فقد حكى الشيخ الانصاري نص كلامه وأشبعه تدقيقا وتحليلا ومناقشة إذ قد عقد تذنيبا خاصا بهذا الرأي.

انظر فرائد الاصول: 529 - 532.

وبمناسبة استدلال الفاضل التوني بقاعدة نفي الضرر، دخل الشيخ في هذه المسألة ليخوض غمارها ويحقق القول فيها، فجاء هذا البحث وكأنه رسالة مستقلة قاده إلى وضعها ما ذكره التوني في الشرط الثاني بل أخذ جميع الاصوليين بالبحث عنها في هذا المورد.

ونشير إلى ان للفاضل التوني رأيه الخاص بمفاد هذه القاعدة، كما سنذكر ذلك بعد قليل.

4 - ناقش رحمه الله مذهبه بتخصيص مجرى أصل البراء‌ة بما اذا لم يكن جزء عبادة.

انظر فرائد الاصول: 532.

5 - تعرض لما استظهره صاحب الوافية من عبارة شارح المختصر (العضدي)

[22]

في تعريف الاستصحاب وموافقته له.

فرائد الاصول: 542.

6 - تعرض لاستدلاله بصحيحة زرارة الواردة في باب الشك في عدد ركعات الصلاة والمصطلح عليها بصحيحة زرارة الثالثة - على حجية الاستصحاب.

ثم تأمل في ذلك وناقش فيه.

فرائد الاصول: 567.

7 - تعرض رحمه الله للتفصيل الذي ابتكره وانفرد به في باب حجية الاستصحاب، وهو رأي نال إهتمام كل الاصوليين إلى يومنا الحاضر، فقد ذهب إلى التفصيل بين الاحكام الوضعية يعني نفس الاسباب والشروط والموانع، والاحكام التكليفية التابعة لها، وبين غيرها من الاحكام الشرعية، فيجري في الاول دون الثاني (1).

فقد فصل الشيخ الانصاري القول في هذا الرأي واستعرض استدلال الفاضل التوني عليه، ناقلا نص عبارته بطولها، ثم انهال عليه بالمناقشة فقرة فقرة مما اضطره إلى عقد بحث عن الحكم الوضعي وبسط الكلام فيه وتحقيق ما اذا كان مستقلا بالجعل، او انه تابع بالجعل للحكم التكليفي.

فرائد الاصول: 598 - 612.

وبهذا ألجأ الفاضل التوني الاصوليين إلى بسط الكلام عن الحكم الوضعي، وتفصيل القول فيه من بيان حقيقته وكيفية تعلق الجعل به وتحديد مصاديقه

___________________________________

(1) أفاد بعض اساتذة العصر في مجلس درسه عند استعراض هذا الرأي للفاضل التوني وتوضيحه: أن اطلاقه (الاحكام الوضعية) على الاسباب والشروط والموانع، مسامحة منه، فان (الاحكام الوضعية) باصطلاح القوم هي الشرطية والسببية والمانعية.

وحاصل مسلكه هو: أن الاستصحاب حجة في موضوعات الاحكام الوضعية، والاحكام التكليفية المسببة عنها.

وبعبارة أخرى: ان الاستصحاب يجرى في الاسباب والشروط والموانع، وفي الحكم الشرعي المترتب عليها، دون السببية والشرطية والمانعية.

أما غير هذه الموارد من الاحكام التكليفية ومطلق الاحكام الوضعية فالاستصحاب غير جار فيها.

(*)

[23]

وصغرياته، بما لم نعهده منهم قبل إحداث هذا التفصيل في الاستصحاب.

ولذا ترى الاصوليين يخوضون هذا البحث في فصل الاستصحاب.

8 - أيد الشيخ الانصاري رحمه الله دعواه اشتراط بقاء الموضوع في جريان الاستصحاب، بكلام الفاضل التوني الذي اورده لرد تمسك المشهور في نجاسة الجلد المطروح باستصحاب عدم التذكية.

فرائد الاصول: 641.

9 - دعم رحمه الله دعواه عدم جواز اثبات عمرو باستصحاب الضاحك المحقق في ضمن زيد.

ثم ناقشه في قياسه (عدم المذبوحية) على المثال المذكور.

فرائد الاصول: 643.

10 - استشهد رحمه الله على دعواه عدم جريان الاصل في المسبب وتقدم الاصل في السبب عليه وعدم امكان جريانهما معا.

بكلام الفاضل التوني ونقل نص عبارته الصريحة في ذلك.

فرائد الاصول: 742.

وكذا وقعت آراؤه موقع الاهتمام والمناقشة لدى الآخوند الخراساني، فقد تطرق في الكفاية إلى مناقشة آرائه التالية: 1 - اضافته الشرطين المتقدمين لجريان أصل البراء‌ة.

وفعل الآخوند ما فعله الشيخ الانصاري قبله.

كفاية الاصول: 379 2 - تفسيره الضرر المنفي بقوله صلى الله عليه وآله " لا ضرر ولا ضرار " ب‍: الضرر غير المتدارك.

كفاية الاصول: 381.

3 - الدليل العقلي الذي أفاده لاثبات حجية خبر الواحد الموجود في الكتب المعتمدة للشيعة.

كفاية الاصول: 305.

4 - بسط الآخوند الكلام في تحقيق حال الاحكام الوضعية تبعا للشيخ

[24]

الانصاري، توطئة للقول بجريان الاستصحاب فيها ردا على التفصيل المتقدم الذي أفاده الفاضل التوني في ذلك.

كفاية الاصول: 399 - 404 وما زالت آراؤه محل اعتناء الاصوليين في تصنيفاتهم، واساتذة الدروس العالية في مجالس تدريسهم.

وإن دل ذلك على شئ فانما يدل على أنه أحد اعلام هذا العلم، وأحد المبتكرين للنظريات الاصولية.

* * *

[27]

أهميته وامتيازاته: الوافية: من خيرة المتون الاصولية التي خلفها لنا فطاحل علماء الامامية فلقد ترك لنا أولئك مصنفات في مختلف علوم الشريعة، من الكلام والتفسير والفقه والاصول والحديث والرجال، يمثل كل منها المرحلة التي وصل اليها ذلك العلم في تلك البرهة.

وفيما يخص علم الاصول: ان كانت (الذريعة) معبرة عن قمة ما وصل اليه هذا العلم في عصر السيد المرتضى، و (العدة) في عصر شيخ الطائفة الطوسي، و (المعارج) في عصر المحقق الحلي، و (النهاية) و (التهذيب) و (المبادئ) في عصر العلامة الحلي، ومقدمة (المعالم) في عصر المحقق الشيخ حسن، فإن (الوافية) تمثل القمة في التطور الاصولي الذي ارتقى اليه في القرن الحادي عشر الهجري لدى الاصوليين من الامامية.

فقد حباها مؤلفها الذي يصفه الشيخ الحر العاملي بالفقيه العالم الفاضل (الماهر)، حباها بمزايا افردتها عما صنف قبلها.

فإن مقارنة شريعة بينها وبين ما تقدمها ليكشف عن ذلك بوضوح.

فمن ينتقل من مراجعة (المعالم) إلى (الوافية) يشعر بتحول وتطور، ويلاحظ نقلة في المستوى والافق الذي يدفع بالقلم لرسم تلك السطور، وليس مجرد تبدل في الرأي، أو تغيير في المبنى، وبكلمة مختصرة: يلاحظ المقارن بين الكتابين اختلافا في المنهجية، وفي نمط التفكير، وصياغة المطالب، والدخول إلى البحث من مسلك لم يعهد من قبل، واعتمادا على معايير لم يلتفت إليها من سالف.

وترى المصنف في (الوافية) قوي الحجة، بعيد النظر، يختار الرأي الصائب في المسألة، دون ان يتقيد بما ذكروه دليلا عليه بل قد لا يكتفي بما اورده الاصوليون على

[28]

المدعى من الادلة إن رآها سليمة بل يبتكر دليلا خاصا، كما فعل في حجية خبر الواحد، وقد يوافق الآخرين في الرأي ولكن لا يرتضي ما اقاموه حجة عليه، فيردها، ويسوق لذلك الرأي برهانا آخر.

وبهذا يخرج عن طور التبعية والتقليد، ويسلك مسلك التحقيق والتأسيس.

ونراه الحاذق في المناقشة، فهو يجيد تشخيص نقاط الضعف في ادلة خصمه، فيسدد اليها الرمية، وينقض عليها بالنقض والحل لتعود واهية سقيمة.

وتراه يحسن الاخذ بزمام المسائل الاصولية بعد ان ينتزعه من يد خصمه انتزاعا فنيا ويردها إلى بابها كما فعل مع المحقق والعلامة وصاحب المعالم، في مسألة دلالة النهي على الفساد في المعاملات، فقد عرض بهم في استدلالهم على عدم الدلالة بالدليل اللفظي، منبها على محور النزاع، وان المتنازع فيه هو حكم العقل بالفساد أو عدمه، لااستفادة الفساد وعدمها من الدليل النقلي بإحدى الدلالات اللفظية الثلاث.

ونجده يعرض الافكار المستحدثة، والتحقيقات المبتكرة، فتراه يعترض على حصر سقوط التكليف بالاطاعة والعصيان، ويقول بوجود مسقط ثالث وهو حصول غرض المولى، موضحا فكرته هذه بالمثال المقنع وها هو يستعرض فكرة الترتب عرضا واضحا على دقتها واستعصائها.

ومن التفاتاته وتدقيقاته القيمة توضيحه وابانته لمعنى بعض المصطلحات التي ادى الخلط فيها إلى وقوع المخاصمات والمشاجرات الفارغة لدى كثير من السطحيين، وهو بهذا يفرق بدقة ويميز بجدارة بين النزاعات اللفظية والمشاحات الاصطلاحية وبين المناقشات العلمية، فلاحظ ذلك في توضيحه لمصطلح (الاجتهاد) وازالة الملابسات التي احيطت به، وتحديد المعنى المقصود به لدى القدماء والمأخرين.

ليجلي بذلك عن وجه الحقيقة وينفض الغبار عنها.

لتصبح المسألة مسلمة واضحة لدى الطرفين.

وتراه يؤسس الرأي وينفرد به كما فعل ذلك في تفصيله في حجية الاستصحاب.

واشتراطه جريان البراء‌ة بشروط مبتكرة ومن خلال استعراض الكتاب يبدو للقارئ تسلط المصنف وإلمامه بالمعقول وهو ما يتطلبه الخوض في غمار

[29]

المسائل الاصولية وكشف المغالطات عنها، وابداء الرأي الصائب فيها.

فلاحظ ما سبرته يراعته في بحث اجتماع الامر والنهي من هذا الكتاب.

ومع كل هذا الثقل العلمي الذي افرغه في كتابه هذا، جاء هذا الكتاب حسن الاسلوب سلس العبارة، تقرؤه ويراودك الشعور بالارتياح لحسن العبارة وجزالة الالفاظ، وطراوة البيان.

مما يجذب القارئ اليه ويملكه بما لا يدع له خيار مباعدة الكتاب.

وقد اتصف هذا الكتاب - علاوة على هذا كله - بالمزايا والخصائص التالية:

1 - قسمة العلم.

أولى المصنف إهتماما كبيرا بالقسمة، وهي أحد الرؤوس الثمانية، المذكورة في علم المنطق، التي يستعملها المؤلفون، ليكون الداخل إلى العلم على بصيرة من أمره.

فقد قسم المصنف - عمليا - مسائل الاصول إلى: لفظية، وعقلية، واستعمل هذا التعبير بكثرة، خاصة فيما يرتبط بالاصول العملية، وهذا هو المتداول فيما انتهت اليه تحقيقات هذا العلم.

واظهر المصنف ذلك بصراحة عندما تعرض لبحث (مقدمة الواجب) و (مسألة الضد) موضحا ضرورة إيرادهما في البحوث العقلية، إذ أنهما ليسا من باب دلالة اللفظ، مشيرا إلى عدم استقامة ما هو المألوف عند الاصوليين من ايرادهما في مباحث الالفاظ، بعد أن كان واقع البحث فيهما إنما هو عن (الملازمة) وهي عقلية، وقد اشرنا إلى هذا فيما تقدم.

وكذلك فعل المصنف في مباحث المفاهيم حيث أوردها في فصل التلازم بين الحكمين.

واستعمل المصنف مصطلح الحكم الواقعي وما يقابله، وهو مبتن على هذه القسمة كما لا يخفى.

اضف إلى كل هذا، استناده إلى الادلة العقلية في مناقشاته واستدلالاته بما يدل على قدرة فائقة وتسلط على فن المعقول.

[30]

2 - الموضوعية في البحث.

لقد اتسم كتاب (الوافية) بالموضوعية التامة في علم الاصول، إذ قلما يلاحظ فيه الشرود إلى مسائل وأبحاث من علوم اخرى.

وقد أدى حق التمييز بين المسائل الاصولية وما يقع في دائرة البحث في الكتاب منها، وبين غيرها، بدقة فائقة في بداية الكتاب، بنحو يحدد مسار البحث فيه، فلاحظ ما ذكره في نهاية المقصد الاول من الباب الاول، وما ذكره في آخر البحث الثالث من المقصد الثاني من الباب الاول.

ومن حيث المصادر التي اعتمدها: فإنا نفاجأ في هذا الكتاب بسعة مراجعته لكل مصنفات الاصول حتى شملت كتب الاصول للمذاهب المختلفة، فهو ينقل أحيانا عنها جملا ونصوصا مما يدل على مراجعته لها مباشرة، فقد حكى عن (التمهيد) و (الكوكب الدري) للاسنوي، و (المحصول) للفخر الرازي، و (شرح مختصر ابن الحاجب) لعضد الدين، و (الاحكام) للآمدي، و (شرح جمع الجوامع) للفاضل الزركشي، وغيرها.

وهذا إنما يدل على سعة افق تفكيره، وحرية الرأي عنده، وحسن اختياره، فإن تأليفا مثل الوافية - جامعا مانعا - لا يتكون إلا بمثل هذا الاقدام الجرئ.

مضافا إلى دلالته على الموضوعية العلمية في البحث، حيث ان هذا العلم يقع في عداد العلوم الآلية، فهو منطق الفقه، فكما ان المنطق يعتبر ميزانا لاصل التفكير، يحدد مسار الاستدلال ويقومه، فكذلك علم الاصول بالنسبة إلى الفقه، لانه يحدد العناصر المؤثرة في صحة الاستدلال الفقهي.

ولذا فإن التصنيفات الاصولية لا تتفاوت في العرض والاستدلال والمنهج من مذهب لآخر، إلا بمقدار الاختلاف بين اللغات من حضارة إلى اخرى، وهذا لا يؤثر في اصل الهدف المرسوم لعلم الاصول.

* * *

[31]

3 - المنهج التربوي.

اهتم المصنف في هذا الكتاب بجانب تربية المتعلمين بنحو لم يسبق له مثيل في الكتب الاصولية، فإن اكثر المؤلفين لتلك الكتب إنما يهدفون لايداع ارائهم فيها وتسجيلها حرصا عليها.

واما هذا الكتاب، فان سيرة مؤلفه فيه، تدل على أنه ألفه قاصدا به - إضافة إلى ذلك - استفادة الطلاب منه، ليكون كتابا دراسيا ومنهجا تعليميا لمادة علم الاصول.

فتراه يقول في آخر مبحث اصالة النفي (القسم الثالث من الباب الرابع).

" والغرض من نقل جملة من مواضع استعمال (الاصل) أن تمتحن نفسك في المعرفة، لتشحذ ذهنك.

وتحقيق (الاصل) على هذا الوجه مما لا تجده في غير هذه الرسالة ".

ونراه في كل مسألة يوضع البحث بأمثلة موجهة إلى الطالب، ليعطيه قدرة المقارنة والتطبيق بسهولة تامة.

حتى أنه يواكب مستوى الطالب فيحاول معه امورا أولية، كما فعله في ارشاد الطالب إلى كيفة الاستفادة من كتب الحديث فلاحظ ما ذكره في نهاية مبحث التمسك بالعام قبل الفحص عن المخصص (البحث الثاني من المقصد الثاني من الباب الثاني).

وكل هذا إنما يدل على مدى اهتمام المصنف بهذا العلم، وبالجانب التربوي فيه، وعلى شفقته على الطلاب والمحصلين (1).

ولعل هذا الجانب التربوي والتعليمي في هذا الكتاب هو السبب في اهتمام

___________________________________

(1) لاحظ في هذا المجال ما تقدم في هذه المقدمة تحت عنوان (مع الشاه عباس الصفوي) (*)

[32]

العلماء به، وكثرة تداوله بين المحصلين، وصيرورته متنا دراسيا لطلاب الحوزات العلمية لفترة طويلة، واعتناء العلماء به حتى اكثروا من الشروح والتعليقات عليه، كما سيمر عليك ذكرها.

4 - تأثيره في حيوية العلم.

تم تأليف هذا الكتاب في سنة (1059 ه‍.) وهي الفترة التي مني فيها علم الاصول بحركة مضادة، فكان للمصنف بكتابه هذا دور عظيم في الابقاء على حيوية هذا العلم، وبصورة أدق وأسلم مما سبقه من المصنفات الاصولية بحيث تنقشع - باسلوبه ومتانته - السحب التي أثارها معارضو علم الاصول، والنقود التي اوردوها على المصنفات الاصولية السابقة.

فقد أجاد المصنف في هذا الكتاب الرد على أهم الاراء المضادة للاصول، واكثرها تطرفا، كالقول بقطعية أخبار الكتب الاربعة، والقول بعدم الحاجة إلى علم الاصول، فكان سدا منيعا أمام استفحال تلك الآراء في منطقة خراسان وحوزتها العلمية.

وتصدى للمحدث الامين الاسترابادي، الذي أثار تلك الاراء، وناقشه في هذا الكتاب بمتانة ودقة وموضوعية تامة.

وبالتالي فهو يشكك في حجية مطلق الخبر الواحد، ويلتزم بتقسيم الحديث إلى الاقسام المعروفة من الصحيح والحسن والموثق والضعيف، إلا أنه ينتهي بالرأي إلى جواز العمل بأخبار الكتب الاربعة والقول بحجيتها مشترطا ذلك بشرطين دون أن يلتزم بقطعية صدورها.

ويتمسك بأصالة البراء‌ة، ويستشهد بها في عدة مواضع.

وقد ادى حق كل ذلك بعيدا عن التطرف إلى فئة معينة، ولذلك نراه يذهب إلى جواز تقليد الميت ولا يقول بجواز التقليد مطلقا، كما لا يبت بالذهاب إلى حجية مطلق ظواهر الكتاب، مما يدل على حرية في التفكير، واتباع مطلق للدليل، فهو حقا (من أبناء الدليل، حيثما مال يميل).

[33]

وكتابه هذا لوحده، دليل على أثره البارز في إرساء قواعد علم الاصول في الحواضر العلمية، سيما حاضرة خراسان، على مدى بعيد، ومنذ تأليفه حتى عصرنا الحاضر.

تأريخ تصنيفه: لم يعلم بالتحديد التاريخ الذي بدأ فيه الفاضل التوني تدوين هذا الكتاب.

أما انتهاؤه منه: فقد جاء في آخره - على ما في نسخة الاصل وأوط -: " وقد وقع الفراغ منه يوم الاثنين، ثاني عشر أول الربيعين في تاريخ سنة 1059 ه‍.

" ويعضده ما ذكره السيد الخونساري، حيث قال: " نقل عن خط الشيخ أحمد - أخي المصنف - أنه كتب على ظهر بعض نسخ الوافية ما هذه صورته: قد وقع الفراغ المصنف قدس الله روحه واسكنه حضيرة القدس مع أوليائه وأحبائه من تسويد الرسالة التي جمعت بدائع التحقيق وودائع التدقيق، ثاني عشر أول الربيعين، من شهور سنة تسع وخمسين وألف من الهجرة..... " وذكر الطهراني كما تقدم: أن تلك النسخة موجودة في مكتبة الامام أمير المؤمنين (ع) العامة بالنجف الاشرف، وهي بخط علي أصغر بن محمد حسين السبزواري، وتأريخها 1111 ه‍.

تبويبه: مهارة المصنف - كما نص عليها الشيخ الحر العاملي - وكونه من المحققين - كما شهد له بذلك الشيخ يوسف البحراني - أمليا على المصنف أن يضع لكتابه هذا تبويبا فنيا دقيقا، وهو أول سمات هذا الكتاب وامتيازاته.

فقد وضع خارطة لمباحث الاصول، تنبئ عن تضلعه فيه، فلم يعد يستعرض مسائل الاصول دون الالفات إلى ترابطها، بل جعل كل طائفة منها تحت عنوان يجمعها ويميزها عن المجموعة الاخرى.

[34]

وكذا نراه يضع كل مسألة في الموضع المناسب لها، ويخرجها عن الموضع الذي كانت عليه في التأليفات الاصولية التي تقدمته، وإن دل ذلك على شئ فانما يدل على عقليته الرافضة للتقليد وعلى عمق نظره والتفاته إلى اطراف المسألة ومرد النزاع فيها.

فقد صنف مسائل الاصول تصنيفا رائدا، ووزعها توزيعا دقيقا لم نعهده عند من قبله، جاعلا كل صنف تحت عنوانه اللائق له.

فجاء كتابه هذا محتويا على: المقدمة، وتشمل أربعة مباحث، أولها: في تعريف اصول الفقه، ثانيها: في الحقيقة والمجاز، ثالثها: في دوران اللفظ بين الحقيقة والمجاز والنقل والتخصيص والاشتراك والاضمار.

رابعها: في الاسم المشتق.

الباب الاول: في الامر والنهي: وجعله في مقصدين، يتضمن الاول مباحث الامر، والثاني مباحث النهي.

الباب الثاني: في العام والخاص. وجعله في مقصدين أيضا، اشتمل الاول على مباحث العام، والثاني على مباحث الخاص.

الباب الثالث: في الادلة الشرعية. وجعله في فصول:

الفصل الاول: في الكتاب.

الفصل الثاني: في الاجماع.

الفصل الثالث: في السنة.

[35]

الباب الرابع: في الادلة العقلية.

وجعلها أقساما: القسم الاول: فيما يستقل بحكمه العقل.

القسم الثاني: استصحاب حال العقل.

القسم الثالث: أصالة النفي أو البراء‌ة الاصلية.

القسم الرابع: الاخذ بالقدر المتيقن.

القسم الخامس: التمسك بعدم الدليل.

القسم السادس: استصحاب حال الشرع.

القسم السابع: التلازم بين الحكمين، وادرج فيه خمسة أمور: أ - مقدمة الواجب.

ب - اقتضاء الامر بالشئ النهي عند ضده.

ج - المنطوق غير الصريح.

د - المفاهيم.

ه‍ - القياس.

الباب الخامس: في الاجتهاد والتقليد.

وجعله في مباحث: المبحث الاول: في تعريف الاجتهاد.

المبحث الثاني: في تجزئة الاجتهاد.

المبحث الثالث: في العلوم التي يتوقف عليها الاجتهاد.

المبحث الرابع: في التقليد.

[36]

الباب السادس: في التعادل والتراجيح.

وهو آخر الكتاب.

وإن مقارنة سريعة بين هذا التبويب والتوزيع للمسائل، وبين ما نجده في المصنفات الاصولية المتقدمة عليه، لتدل على ما أسلفناه، وكمثال على ذلك: مسألة مقدمة الواجب، فلاحظ موقعها عنده ثم موضعها عندهم.

وأهم من ذلك فرزه بين الادلة والحجج مقسما لها إلى الشرعية والعقلية مدرجا كل حجة ودليل في قائمته الخاصة به.

نسخه: لما كان هذا الكتاب أحد المتون الاصولية البارزة والهامة كما أسلفنا كان من الطبيعي أن يتتابع طلاب هذا العلم ورجاله على نسخه واقتنائه، لذا كثرت نسخه وانتشرت بينهم.

قال السيد الخونساري وهو يتحدث عنه: " ونسخه متداولة بين الطلاب ".

وقد حفظت المكتبات العامة والخاصة في كل من العراق وايران الكثير من تلك النسخ.

وقد نال الكتاب حظ الطبع والنشر في بومباي من حاضرة الهند عام 1309 ه‍ ولم تعد طباعته بعد ذلك.

فعاد نادر الوجود، بعيد المتناول.

شروحه والتعاليق عليه: عاجل المصنف الاجل.

فتوفي بكرمانشاه ولما يصل إلى المراقد المقدسة ومراكز العلم والعلماء، وهو في طريقه إليها.

[37]

ولكن ! سارت الركبان بسفره القيم هذا فأوصلته إليها، ليكون خير نائب عنه.

فاستقبله عطاشي التبحر والتحقيق، وعكفوا عليه مطالعة ومدارسة ومناقشة.

ثم رسموا ما خلصوا إليه من افكار على صحائف من نور، فكانت الشروح والحواشي التالية:

1 - شرح الوافية.

للسيد جواد العاملي، صاحب مفتاح الكرامة، المتوفى سنة 1226 ه‍.

قال العلامة الشيخ الطهراني: " وهو مبسوط في مجلدين، ما ذكره سيدنا - السيد حسن الصدر - في التكملة.

وذكر السيد الامين العاملي في ترجمة الشارح المطبوعة في آخر متاجر مفتاح الكرامة: انه تعرض فيه لاغلب كلمات الاساطين وشراح الوافية، وجميع المباحثات التي وقعت بين الشيخ الاكبر (صاحب كشف الغطاء) والسيد محسن الكاظمي في إجراء أصل البراء‌ة في أجزاء العبادات ".

2 - شرح الوافية.

للسيد حسن الحسيني.

قال العلامة الطهراني: " كذا ذكرته قبل خمسين عاما في مسودة (الذريعة) الاولية، وفاتني ذكر خصوصياته ".

3 - شرح الوافية.

للسيد الاجل صدر الدين محمد بن مير محمد باقر، الرضوي القمي الهمداني الغروي المتوفى في عشر الستين بعد الماء‌ة والالف - كما أرخه السيد عبدالله الجزائري في اجازته الكبيرة - وكان من أعلام عهد الفترة بين الباقرين: المجلسي، والبهبهاني.

قال العلامة الطهراني: " وهو شرح بالقول - يعني قوله... أقول.... - في خمسة عشر الف بيت تقريبا.

[38]

أوله (الحمد لله الذي أوضح لنا منهاج الدين بمصباح الحق من مشكاة اليقين...) رأيته في مكتبة الخونساري بالنجف الاشرف، ومكتبة السيد المجدد الشيرازي بسامراء، وسيدنا الحسن الصدر في الكاظمية، ونسخة السيد محمد باقر الحجة بكربلاء كانت بقلم أقل الطلاب حسين المحلاتي المشتهر باسم أبيه أيام تحصيله بالحائر في سنة 1227 ه‍.

وأول الشرح (قوله: إن كان التبادر.... أقول: معنى كون التبادر....). وللشارح نفسه عليه حواش كثيرة، والخطبة من إنشاء بعض تلاميذه.

ويوجد أيضا في المكتبة الرضوية، ومكتبة الشيخ مشكور، والشيخ هادي كاشف الغطاء، وكانت عند السيد أبي القاسم الخونساري نسخة بخط حيدر بن محمد الخونساري في سنة 1196 ه‍.

ويوجد أيضا في مكتبة الامام علي عليه السلام العامة بالنجف الاشرف ".

وقد يسمى هذا الشرح بالحاشية. وقد صرح في موضع منه أنه كان مشغولا بتأليفه سنة 1141 ه‍.

4 - شرح الوافية.

قال الشيخ الطهراني: " كتب عليه هذا العنوان، وأوله (قوله: الاصل ما يبتني عليه الشئ إلخ قد جرت عادة الاصوليين بتعريف الفقه بكلا معنييه: الاضافي والعلمي) رأيته كذلك عند السيد عبدالحسين الحجة بكربلاء.

وقد كتب عليه انه للسيد مهدي، وتاريخ كتابته سنة 1243 ه‍.

لكنه ليس هو شرح الوافية للسيد مهدي بحر العلوم لان شرحه على الوافية مقصور على بحث الحقيقة والمجاز " كما سيأتي.

5 - شرح الوافية.

للسيد بحر العلوم، محمد مهدي بن السيد مرتضى بن السيد محمد الطباطبائي البروجردي الغروي المتوفى سنة 1212 ه‍.

قال العلامة الطهراني عن هذا الشرح أنه " غير تام، يقرب من نصف المعالم.

[39]

خرج منه مبحث الوضع إلى أواخر مبحث الحقيقة والمجاز.

أوله - بعد خطبة مختصرة -: (قوله اللفظ إن استعمل فيما وضع له فحقيقة.

جعل المقسم مطلق اللفظ المتناول للمفرد والمركب، لان كلا منهما ينقسم إلى الحقيقة والمجاز.

ولا يختص الانقسام اليهما باللفظ المفرد على ما توهمه بعض الاعلام - إلى قوله: وإلا فمجاز.

أقول: لا يخفى أن تعريف المجاز على هذا يدخل فيه الالفاظ المستعملة في غير معانيها غلطا) وأورد فيه بحث الحقيقة الشرعية، والصحيح والاعم، وتعارض الاحوال.

رأيت نسخة منه في كتب الشيخ عبدالحسين الطهراني، ونسخة منه بخط الشيخ نعمة الطريحي كتبها لنفسه سنة 1236 ه‍.

كانت عند الشيخ هادي كاشف الغطاء، ونسخة خط المولى محمد كاظم الشاهرودي كتبها في سنة 1238 ه‍ كانت في مكتبة الخونساري.

ورأيت نسخة منه في مكتبة الحسينية في النجف.

ونسخة عند السيد محمد علي بحر العلوم، ونسخة السيد محمد صادق بحر العلوم، ونسخة عند العلامة السماوي كتابتها 28 جمادي الثاني سنة 1222 ه‍ وهي بقلم الشيخ علي بن الشيخ أحمد بن الشيخ عيسى بن الشيخ علي بن نصر الله الجزائري.

ونسخة عند الشيخ نعمة الله بن عبدالله خواجه الحويزي في كتب الشيخ مشكور تاريخها سنة 1233 ه‍.

ونسخة تاريخها سنة 1236 ه‍ وهي بقلم السيد محمد السيد حسين الموسوي عند السيد ضياء الدين العلامة الاصفهاني.

والمشهور أن السيد بحر العلوم لما عزم لزيارة المشهد الرضوي في الطاعون سنة 1186 ه‍ أمر تلميذه المقدس الكاظمي السيد محسن، بتتميم هذا الشرح لكنه تأدب عن التتميم، وشرحها - أي الوافية - مستقلا وسمى شرحه بالوافي كما سيأتي ".

وقد يسمى هذا الشرح أيضا - أعني شرح السيد بحر العلوم - بالحاشية على الوافية.

6 - الوافي: شرح الوافية.

للمحقق المقدس الكاظمي، السيد محسن بن الحسن الاعرجي المتوفي 1227 ه‍.

[40]

قال العلامة الطهراني: " وهو شرحه الكبير في خمسين ألف بيت.

شرع فيه سنة الطاعون 1186 ه‍. وفرغ منه 1 - رجب - 1196.

أوله (الحمد لله الواهب المنان المتبع الاحسان بالاحسان) عناوينه: (قوله قوله).

توجد نسخته في مكتبة الخونساري والشيخ هادي كاشف الغطاء من وقف عبدالهادي بن عيسى كبة في مجلدين ضخمين يقرب من خمسين الف بيت.

ونسخة الشيخ جواد الجزائري كتابتها 1240 ه‍ ونسخة مكتبة السيد خليفة نقلت عن الاصل المسودة في الخميس 14 ذي الحجة 1196 ه‍ بقلم بهاء الدين محمد بن أحمد ".

7 - المحصول في شرح وافية الاصول.

له أيضا.

قال العلامة الطهراني: " أوله (بعد الحمد لله رب العالمين. قوله... فيقول العبد الفقير إلى الله المغني، محسن بن الحسن....)...." وهو ملخص شرحه الكبير السابق - الوافي - وسماه بالمحصول لذلك.

واضاف الطهراني: " وهو مرتب على مقدمة ذات مطالب وفنين أولهما مباحث الالفاظ، والفن الثاني في مدارك الاحكام.

وهو خمسة أبواب:

1 - الكتاب المجيد.

2 - السنة الغراء.

3 - إجماع الامة.

4 - العقل الراجع إليهما.

5 - الاجتهاد والتقليد.

وهو آخر الكتاب.

رأيته في خزانة الشيخ علي بن الشيخ محمد رضا آل كاشف الغطاء بالنجف، وفي خزانة سيدنا الصدر نسخة ناقصة الآخر، وفي كتب الشيخ عبدالحسين الطهراني، ورأيت عند السيد محمد الحجة نزيل قم أوان كونه في النجف نسخة في مجلدين تمام الاصول إلى آخر الاجتهاد والتقليد.

وعند الشيخ هادي كاشف الغطاء نسخة خط المولى محمد سليم بن الحاج مهدي.

فرغ من الكتابة في الجمعة 21 / صفر / 1224 ه‍ في حياة المؤلف ".

8 - الحاشية على الوافية.

له أيضا.

[41]

قال العلامة الطهراني: " وهي غير شرحيه للوافية - الموسوم أحدهما بالوافي والآخر بالمحصول - بل هذه تعليقات بخطه على نسخة الوافية التي كتب بخطه في آخرها ما صورته: بلغ قبالا وتصحيحا بحسب الجهد والطاقة في مجالس عديدة آخرها يوم الاحد سلخ جمادي الاولى سنة ثمان وثمانين بعد الماء‌ة والالف وكتب الاقل محسن الحسيني الاعرجي ".

راجع كل ما نقلناه عن العلامة البحاثة الشيخ الطهراني، في هذا المقام، كتابه: الذريعة إلى تصانيف الشيعة (6 / 230) و (14 / 166 - 168) و (20 / 151) و (25 / 14 - 15).

9 - وهناك تعليقات على الوافية في هامش نسخة الاصل، وأخرى في هامش النسخة المطبوعة لا نعرف أصحابها.

[42]

تحقيق الكتاب

عندما أقدمت على تحقيق هذا الكتاب، كنت أعلم أن التصدي لمثله عمل مجهد، ولكن فاتني تقدير مبلغ الصعوبة، وأخطأت في تحديد الوقت الذي يستغرقه.

وكانت نيتي في البدء مقتصرة على مقابلة النسخ المتوفرة منه وضبط نصه وإخراجه إلى المكتبة الاسلامية بحلة تواكب الثقافة المعاصرة.

وعندما اشتغلت بذلك، ألزمني الهدف مراجعة مصادر الاحاديث والنصوص والآراء المنقولة فيه.

فإن تقويم النص يتعذر بدونها.

وهكذا اقحمت بمراجعة مجاميع الحديث، وكتب الاصول واللغة، بل كتب الفقه والتفسير وغيرها أحيانا.

وبعد أن وقفت على شاطئ هذه الكتب، رأيت إسباغ العمل، فهامت بي الهمة إلى قطع اشواط اخرى في تحقيقه تمثلت في تخريج الآيات القرآنية والاحاديث، والنصوص، والآراء المنقولة عن علماء الاصول، ونسبة الاقوال إلى قائليها، فأبطأ ذلك بي عدة أعوام، تخللتها فترات التنقيب عن بعض المصادر البعيدة المأخذ، فبذلت في تحقيق هذا الكتاب من الجهد والوقت ما لم اكن اتوقعه.

فكان عملي في الكتاب:

1 - ضبط النص، ومقابلة النسخ.

ذكرت فيما سلف أن لهذا السفر القيم نسخا كثيرة، ولكن قصرت يدي عن العثور على ما كان منها بخط المؤلف أو تلامذته، أو ما قرئ عليه أو على أحد من تلامذته، أو على أحد شراح هذا الكتاب، نظر إلى أن مقر مثل هذه النسخ ومكمنها هو البقاع المقدسة من أرض الرافدين - التي تضم المئات من المكتبات الخاصة والعامة

[43]

التي تتواجد فيها أمثال هذه النفائس، كما ضمت تلك البقاع من قبل فطاحل العلم واساطين المعرفة - فأنى لنا الوصول إليها؟ ! ورحم الله أبا العلاء، إذ يقول: ويا دارها بالخيف إن مزارها * قريب ولكن دون ذلك أهوال ومع ذلك، فقد حصلت من النسخ ما يمنحني الثقة والاطمئنان بإصابتي الهدف، بتقديم النص الصحيح إلى القارئ العزيز.

فقد اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على النسخ التالية: أولا: نسخة مكتبة (آستان قدس رضوي) المحفوظة فيها برقم (7409).

وهي بخط بهاء الدين، محمد بن ميرك موسى، الحسيني التوني، فرغ من كتابتها بتاريخ 27 / ذي القعدة / عام 1121 ه‍.

تقع في ماء‌ة ورقة.

وهي نسخة جيدة، حسنة الخط، قليلة الخطأ، نادرة السقط، أقدم النسخ المتوفرة، وعليها حواش وتعليقات، ذيل اكثرها بعبارة " منه قدس سره " - وقد اثبت هذه التعليقات في الهامش - بينما ذيل بعضها الآخر باشارات غير مفهمة. أو باسم (أحمد).

وتبدو الصفحة الاولى منها وكأنها بخط ناسخ آخر، مما يبعث على الظن بانها مرممة.

وعليها تصويبات.

ولما لهذه النسخة من الخصائص، اسميتها ب‍ (الاصل).

ثانيا: نسخة مكتبة (المدرسة الفضيضية) بقم، المحفوظة فيها برقم (1095).

وهي بخط محمد باقر الحسيني، ابن محمد صادق، وفي تأريخها اضطراب، للتهافت بين ما ارخ به الناسخ رقما وكتابة.

فيتردد تأريخها بين سنة 1134 ه‍ وسنة 1104 ه‍.

والترجيح مع الاول.

فلاحظ ما جاء في آخرها.

وتقع في (95) ورقة.

وهي جيدة الخط، إلا أنها كثيرة السقط والغلط.

ورمزت لها في الهامش بالحرف (أ).

ثالثا: نسخة مكتبة (المدرسة الفيضية) بقم، أيضا، المحفوظة فيها برقم (1094).

كتبها محمد علي بن زين العابدين الطباطبائي الخراساني.

[44]

فرغ منها في: 5 / شوال / سنة 1256 ه‍. وتقع في (135) ورقة من القطع الصغير.

وهي حسنة الخط، غير خالية من الخطأ والسقط.

وقد ترك موضع العناوين وارقام الابحاث والمسائل فارغا مما يدل على ان الناسخ أراد كتابتها فيما بعد بمداد من لون آخر، إلا انه لم يوفق لذلك. ورمزت لهذه في الهامش بالحرف (ب).

رابعا: النسخة المطبوعة على الحجر في بومباي من بلاد الهند في سنة 1309 ه‍ في 189 صفحة.

وتتصف هذه الطبعة بكثرة الاخطاء والسقط. واشير اليها في الهامش بالحرف (ط).

على أني استعنت بنسخ أخرى أحيانا ولكني وجدتها لا تخرج عن أحدى هذه النسخ، ففي عدة موارد من هذا الكتاب بقي في نفسي شئ من صحة النص واستقامته، ولكن بعد مراجعتي نسخا أخرى عاد لي الاطمئنان والثقة بهذه النسخ المعتمدة، فعلمت أن لا حاجة إلى اعتماد مزيد من النسخ.

سيما وانها تفقد المواصفات المطلوبة.

وبعد مراجعة هذه النسخ ومقابلتها، قمت بما يلي:

أ - نظرا لان النسخة الاولى تمتاز على بقية النسخ بالقدم، وقلة الاخطاء والسقط، فقد اتخذت منها أصلا أعتمد عليه في عملي، ووضعت القراء‌آت المختلفة التي تضمنتها بقية النسخ في الهامش، إلا اذا كان الموجود في الاصل أقل ملاء‌مة مع تقويم النص والقراء‌ة الاخرى أقرب إلى الصحة، ففي هذه الحالة أدخل القراء‌ة الصحيحة في المتن مع الاشارة في الهامش إلى ما كان موجودا في الاصل.

كما اني ملات موارد السقط من هذه النسخة - على قلتها - بما جاء في بقية النسخ أو بعضها مع الاشارة إلى ذلك في الهامش. فجاء‌ت بقية النسخ مرممة للنسخة الاولى.

وأما ما حدث من سقط في بقية النسخ - وهو كثير - فلم اشر في الهامش إلا إلى ما ينبغي الاشارة إليه كي لا اثقل الهوامش بما لا ضرورة إليه متوخيا بذلك كله أن أقدم للقارئ نصا هو أقرب للصحة.

[45]

ب - اعتمدت على المصادر الحديثية المعتمدة في إيراد الاحاديث المنقولة عنها، وهي المعروفة عند الطائفة ك‍: الكافي، والفقيه، والتهذيب، والاستبصار، فاوردت الاحاديث كما وردت فيها، لا كما جاء‌ت في نسخ الكتاب نظرا إلى أن هذه الكتب قد طبعت بتحقيق العلماء والفضلاء فهي أقرب إلى الصواب، مع الاشارة إلى ما في النسخ من الاختلاف مع المصادر المذكورة إن وجد.

ج‍ - أهملت ما اختلفت فيه النسخ تنكيرا وتعريفا، وتذكيرا وتأنيثا، وما احتوته من الاخطاء اللغوية والاعرابية والاملائية، فأوردت النص مطابقا لما تقتضيه القواعد الادبية.

2 - تقطيع النص.

قمت بتقطيع النص ووضع علامات الترقيم وفقا لما تمليه مواد البحث، تسهيلا لتناول المطالب، بحيث لا يجد القارئ أية مشقة في المطالعة فقد وضعت العناوين على حدة بحروف متميزة، ووضعت في بداية السطر العبارات التي يبدأ بها مطلب جديد، أو يبدأ بها الاستدلال، وما أشبه ذلك، ثم افرزت العبارات عن بعضها بعلامات الترقيم التي يقتضيها المورد ويستوجبها المعنى.

3 - تخريج الآيات القرآنية واثبات رقمها واسم السورة التي وردت فيها في الهامش.

4 - تخريج الاحاديث الشريفة من مصادرها، والاشارة في الهامش إلى موضع وجودها في تلك المصادر.

5 - تخريج النصوص والعبارات المنقولة عن الكتب الاصولية وغيرها ومقابلتها مع ما جاء في تلك الكتب، وضبط موارد الاختلاف بينها، مع الاشارة إلى محل تواجدها في تلك الكتب.

وقد كلفنا هذا العمل بالخصوص الوقت الكثير، حيث أن منها ما لا يزال مخطوطا لم ينل حظ الطبع، فتتبعتها من مكتبة إلى أخرى فعثرت على اكثرها في

[46]

المكتبات العامة في قم ومشهد كما ستأتي الاشارة إليه في الهوامش عند ايراد اسمائها.

وبعضها الآخر نادر الوجود، فجبت في طلبه البلدان، واستعصى علي أحدها حتى اسعفني أحد رجال العلم فبعث إلي بنسخة مصورة منه من القاهرة، فشكر الله سعيه.

6 - تخريج الآراء والادلة المنسوبة إلى العلماء.

فقد قمت بالبحث عن هذه الآراء والاستدلالات في كتب أصحابها، وإلا ففي المصادر المعتمدة التي تضمنت حكاية هذه الاقوال عنهم مراعيا في ذلك أقدم المصادر زمنا، وأقربها تاريخا إلى القائل.

وقد لاحظت أحيانا اختلافا بين المنقول في هذا الكتاب وبين ما هو مثبت في كتبهم، فبحثت عن سبب هذا الالتباس، حتى عثرت على من أوقع المصنف في ذلك، ودونت كل هذه الملاحظات في الهامش.

7 - نسبة الاقوال والادلة إلى أصحابها.

فانك تجد أن المصنف كثيرا ما يحكي أقوالا دون أن يسمي قائلها، فعندئذ أشير في الهامش إلى القائل معتمدا على كتابه إن كان من المصنفين، وإلا فعلى المصنفات التي نصت على نسبة ذلك القول إليه مرتبا لها عند ذكرها ترتيبا تأريخيا.

8 - تتبعت مسائل هذا الكتاب في اغلب المصادر الاصولية المتقدمة عليه، فاشرت في الهامش إلى موضع وجودها في تلك المصادر.

وفي هذا تسهيل ومساعدة للمراجع إن شاء أن يتابع البحث في تلكم المسائل عند من تقدم على المصنف.

كما أن هذا العمل يوضح للقارئ السير التاريخي للمسائل والنظريات الاصولية.

فعندما يذكر المصنف دليلا على رأي من الآراء، فاني اشير في الهامش إلى من وجدته ينص على ذلك الدليل ويستدل به، مرتبا المصادر ترتيبا تأريخيا يتضح من خلاله أقدم المستدلين به، ويعلم من أخذ بذلك الدليل من بعد فرضي به، أو ناقشه ورده.

وقد شمل هذا العمل المصادر الاصولية لمختلف المذاهب، وفي هذا تعريف

[47]

وارشاد لكل اهل طائفة إلى مصنفات الطائفة الاخرى، فالكل يشتركون في البحث في مسائل علم الاصول.

9 - وضعت الفهارس العامة للكتاب تسهيلا لمهمة الباحثين والمراجعين.

10 - اثبت في آخر الكتاب قائمة المصادر التي اعتمدتها في تحقيق الكتاب ومقدمته، مع ذكر تفاصيل الطبعات، وتعيين النسخ المخطوطة فيما يخص غير المطبوع منها.

هذا، واني قد بذلت الجهد الكبير، والوقت الكثير، في تحقيق هذا الكتاب رغبة في اخراجه على أحسن هيأة، ولكن العصمة لاهلها، لذا فإني استميح العذر من المصنف أولا، ومن القارئ ثانيا، إن اشتمل على بعض وجوه النقص، وقد أجاد الدكتور عمر فروخ حيث قال - في مقدمة كتابه: تاريخ الفكر العربي -: " ولو أن مؤلفا أراد أن لا يخرج كتابه إلى الناس إلا بعد أن يخلو من كل نقص وخطأ وهفوة وهنة، لما خرج إلى الناس كتاب قط ".

وبعد فاني اسجل شكري لكل من أعانني على انجاز هذا التحقيق، ولا سيما استاذي الجليل سماحة العلامة السيد محمد رضا الحسيني الجلالي، الذي راجع الكتاب بعد تحقيقه، وابدى عليه ملاحظات مفيدة، واعانني على حل ما استغلق واشكل.

واشكر لكل من: العلامة الجليل الاستاذ المحقق، سماحة السيد عبدالعزيز الطباطبائي على ارشاداته وتوجيهاته.

وأخينا سماحة العلامة السيد جواد الشهرستاني، وسائر اعضاء مؤسسة آل البيت عليهم السلام، لتلطفهم علي في الحصول على النسخة الخطية الاولى (نسخة استان قدس رضوي)، واتاحتهم لي فرصة الاستفادة من مكتبة المؤسسة الخاصة والتي ضمت كثيرا من المصادر والمراجع التي اعتمدتها. وحجة الاسلام والمسلمين الشيخ مجتبى العراقي، وحجة الاسلام الشيخ محمد مهدي نجف، على تفضلهم في الحصول على نسختي مكتبة المدرسة الفيضية.

والحمد لله أولا وآخرا.

[55]

الوافية في اصول الفقه

للفاضل التوني المولى عبدالله بن محمد البشروي الخراساني

المتوفى سنة 1071 ه‍

تحقيق السيد محمد حسين الرضوي الكشميري

[57]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله على جزيل آلائه، والشكر له على جميل نعمائه، والصلاة والسلام على أشرف(1) أصفيائه، وأكرم أنبيائه، محمد وآله.

أما بعد (2)، فهذه رسالة وافية، وجملة شافية، محتوية على تحقيق المهم من المسائل الاصولية، سيما (3) مباحث الادلة العقلية، ومباحث الاجتهاد والتقليد، وباب التراجيح.

وهي مشتملة على مقدمة وأبواب:

___________________________________

(1) زاد في الاصل ههنا كلمة: الانبياء.

(2) في أ وط: وبعد. وهي ساقطة من ب.

(3) في ط: لا سيما.

(*)

[59]

المقدمة: في تحقيق ما ينبغي العلم به قبل الشروع في المقصود.

وفيها أبحاث:

الاول: الاصول - لغة -: ما يبنى عليه (1) الشئ.

ومضافا إلى الفقه: هو العلم بجملة طرق الفقه إجمالا، وبأحوالها، وكيفية الاستدلال بها، وحال المفتي والمستفتي(2).

الثاني: اللفظ إن استعمل فيما وضع له، فهو حقيقة، وإلا فمجاز.

والاول: إن كان استفادة المعنى منه (3) بوضع الشارع، فحقيقة شرعية.

وإن كان بوضع أهل اللغة، فلغوية.

وإن كان بوضع طار غير الشرع، فحقيقة عرفية: عامة أو خاصة. ولا ريب في وجود الاخيرتين.

___________________________________

(1) في أ وب وط: يبتني. بدل يبنى. وفي الاصل: عليها. بدل: عليه.

(2) قارن هذا التعريف بما جاء في الذريعة: 1 / 7، والمستصفى: 1 / 5، والمحصول: 1 / 12، والمعارج: 47، وتهذيب الوصول: 3. لترى إنفراده به وعدم متابعتهم فيما ذكروه من التعاريف.

(3) كذا في ب وط، وفي الاصل وأ: عنه.

(*)

[60]

وأما الشرعية: ففي وجودها خلاف (1)، والحق: وجودها.

لنا: تبادر الاركان المخصوصة من لفظ الصلاة، والقدر المخرج من المال من لفظ الزكاة، والقصد الخاص من لفظ الحج (2)، ونحو ذلك، مع أن هذه الالفاظ موضوعة في اللغة لمعان اخر.

والتبادر من أمارات الحقيقة.

فإن قلت: أردت التبادر في كلام الشارع، أو المتشرعة - أعني الفقهاء -؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم، ولا يثبت به إلا الحقيقة العرفية.

قلت: إنكار التبادر في كلام الشارع، مكابرة باللسان لما يحكم به الوجدان، فإنه لا شك في حصول هذه المعاني في الاذهان من مجرد (3) سماع هذه الالفاظ في أي كلام كان.

غايته أنك تقول: إن هذا التبادر لاجل المؤانسة بكلام المتفقهة.

فنقول: هذا غير معلوم، بل الظاهر أنه لكثرة استعمال الشارع هذه الالفاظ في هذه المعاني.

والحاصل: أنا نقول إن التبادر معلوم، وكونه لاجل أمر غير الوضع، غير معلوم، فنحكم بالحقيقة، وإلا لم تثبت أكثر الحقائق اللغوية والعرفية، إذ احتمال كون التبادر بواسطة أمر خارج (4)، جار في الاكثر.

واعلم: أن هذه المسألة قليلة الفائدة، إذ صيرورة هذه الالفاظ حقائق

___________________________________

(1) الذريعة: 1 / 10، المحصول: 1 / 119، المنتهى: 19، معارج الاصول: 52، تهذيب الوصول: 13، معالم الدين: 34.

(2) في أ: من لفظ الصوم والحج.

(3) في ب: بمجرد.

(4) في ب: بواسطة امر آخر، وفي ط: بواسطة آخر.

(*)

[61]

في معانيها الشرعية في كلام الائمة الاطهار صلوات الله عليهم أجمعين مما يبعد النزاع فيه غاية البعد.

واستقلال القرآن والاخبار النبوية - المنقولة من غير جهة الائمة عليهم السلام، بحكم - مما لا يكاد يتحقق بدون نص من الائمة عليهم السلام على ذلك الحكم.

الثالث: الاصل في اللفظ أن يكون مستعملا فيما وضع له حتى يثبت المخرج، فإذا دار اللفظ بين الحقيقة والمجاز، رجحت الحقيقة.

وكذا إذا دار بينها (1) وبين النقل، أو التخصيص، أو الاشتراك، أو الاضمار.

ولكن إن وقع التعارض بين واحد من هذه الخمسة مع آخر منها - كما قيل (2) في آية * (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) * (3) حيث إن الحكم بتحريم معقودة الاب على الابن من الآية موقوف على مجازية النكاح في الوطئ، إذ على تقدير الاشتراك يجب التوقف، كما يتوقف في حمل كل مشترك على واحد من معانيه بدون القرينة - فقد قيل: بتقديم (4) المجاز على الاشتراك وغيره عدا التخصيص، و: بتقديم (5) الاشتراك على النقل، وقيل: بالعكس، و: بتقديم (6) التخصيص على غيره، و: بتساوي الاضمار والمجاز (7).

والاولى: التوقف في صورة التعارض، إلا مع أمارة خارجية أو داخلية توجب صرف اللفظ إلى أمر معين، إذ مما ذكروا في ترجيح البعض على البعض، من كثرة المؤنة وقلتها، وكثرة الوقوع وقلته، ونحو ذلك، لا يحصل الظن بأن المعنى الفلاني هو المراد من اللفظ في هذا الموضع.

___________________________________

(1) في ب: بينهما.

(2) التمهيد: 190، الابهاج: 1 / 329، شرح البدخشي: 1 / 386.

(3) النساء / 22.

(4) (5) (6) كذا في ب، وفي سائر النسخ: بتقدم.

(7) شرح العضد: 1 / 50، شرح البدخشي: 1 / 388، تهذيب الوصول: 16.

(8) في ط: المؤن.

(*)

[62]

وبعد تسليم الحصول - أحيانا - لا دليل على جواز الاعتماد على مثل هذه الظنون في الاحكام الشرعية، فإنها ليست من الظنون المسببة (1) عن الوضع.

الرابع: إطلاق المشتق - كاسم الفاعل والمفعول ونحوهما - على المتصف بمبدئه بالفعل حقيقة، إتفاقا، كالضارب لمباشر الضرب.

وقبل الاتصاف بالمبدأ؟ المشهور: أنه مجاز، وادعى جماعة الاتفاق عليه، وقال صاحب الكوكب الدري: " إطلاق النحاة يقتضي أنه إطلاق حقيقي " (2).

وأما بعد زوال المبدأ، كالضارب لمن انقضى عنه الضرب؟ ففيه أقوال:

أولها: مجاز مطلقا.

ثانيها: حقيقة مطلقا (3).

ثالثها: إن كان مما يمكن (4) بقاؤه فمجاز، وإلا فحقيقة (5).

وتوقف جماعة كابن الحاجب (6) والآمدي (7).

وذكر الرازي (8) والآمدي (9) والتبريزي - في اختصار المحصول (10) - وجماعة اخرى (11): أن محل الخلاف ما إذا لم يطرأ على المحل وصف وجودي

___________________________________

(1) في أ: المسببية، وفي ط: المستثناة.

(2) الكوكب الدري: 233.

(3) يشعر به كلام العلامة: تهذيب الوصول: 10، وكلام المحقق الكركي: رسائل المحقق الكركي: 2 / 82.

(4) في أ: لا يمكن.

(5) حكاه ابن الحاجب: المنتهى: 25.

(6) المنتهى: 25.

(7) الاحكام: 1 / 48 - 50.

(8) المحصول: 1 / 91، ويفهم هذا من جوابه على (قوله رابعا).

(9) الاحكام: 1 / 50.

(10) حكاه عنه الاسنوي: التمهيد: 154.

(11) الابهاج: 1 / 229.

(*)

[63]

يناقض المعنى الاول أو يضاده، كالسواد مع البياض، والقيام مع القعود، ومع الطريان مجاز إتفاقا (1).

وفي تمهيد الاصول: " إن النزاع إنما هو فيما اذا كان المشتق محكوما به، كقولك: زيد مشرك (2)، أو قاتل، أو متكلم، فإن كان محكوما عليه - كقوله تعالى * (الزانية والزاني فاجلدوا...) * (3)، * (والسارق والسارقة فاقطعوا...) * (4) و * (فاقتلوا المشركين...) * (5) ونحوه - فإنه حقيقة مطلقا: سواء كان للحال أو لم يكن"(6).

والحق: أن إطلاق المشتق باعتبار الماضي حقيقة، إذا (7) كان إتصاف الذات بالمبدأ أكثريا، بحيث يكون عدم الاتصاف بالمبدأ مضمحلا في جنب الاتصاف، ولم تكن الذات (8) معرضة عن المبدأ، أو راغبة عنه، سواء كان المشتق محكوما عليه أو محكوما به، وسواء طرأ الضد أم لا (9)، لانهم يطلقون المشتقات على المعنى المذكور من دون نصب القرينة، كالكاتب والخياط والقارئ والمتعلم والمعلم ونحوها، ولو كان المحل متصفا بالضد الوجودي كالنوم ونحوه.

___________________________________

(1) يلاحظ ان المصنف قد اعتمد في حكاية هذه الاقوال المذكورة على الاسنوي: التهميد: 154.

(2) زاد في أ: أو قائم.

(3) النور / 2.

(4) المائدة / 38.

(5) التوبة / 5.

(6) التمهيد: 154.

(7) في ط: إن.

(8) في ب: بالذات.

(9) كذا في ط، وفي سائر النسخ: أولا.

(*)

[64]

والقول: بأن الالفاظ المذكورة ونحوها كلها موضوعة لملكات هذه الافعال (1).

مما يأبى عنه الطبع السليم في أكثر الامثلة، وغير موافق لمعنى مبادئها على ما في كتب اللغة.

وقال الشارح الرضي (2)، نقلا عن أبي علي والرماني (3): " إن اسم الفاعل مع اللام فعل في صورة الاسم " قال: " ونقل ابن الدهان ذلك أيضا عن سيبويه، ولم يصرح سيبويه بذلك، بل قال: الضارب زيدا بمعنى ضرب " انتهى (4).

والحاصل: أن استعمال اسم الفاعل بمعنى الماضي في كلامهم أكثر من أن يحصى، والاصل في الاستعمال الحقيقة، وكذا غيره من المشتقات.

ومن فروع المسألة ما لو قال أحد: " وقفت الشئ الفلاني على سكان موضع كذا " فهل (5) يبطل حق الساكن بالخروج عن الموضع مدة قليلة أو كثيرة، على وجه الاعراض أو غير وجه الاعراض؟ وقد عرفت التحقيق.

___________________________________

(1) في ب: الالفاظ.

(2) في أ: الشيخ الرضي.

(3) في ب: المازني، وهو خطأ.

(4) شرح الكافية: 2 / 201.

(5) في أ: قيل.

(*)

الباب الاول في الامر والنهى (المقصد الاول)

وفيه مقصدان:

الاول في الامر

وفيه مباحث:

الاول: في أن صيغة الامر هل تقتضي الوجوب أو لا؟.

اختلف الناس في ذلك، فقيل: إنها للوجوب (1)، وقيل: للندب (2)، وقيل: للقدر المشترك بينهما وهو الطلب (3)، وقيل: باشتراكها بينهما لفظيا (4)، وقد تدرج الاباحة فيها (5) لفظيا أو معنويا (6) باعتبار الاذن في الفعل، وقد

___________________________________

(1) ذهب اليه الغزالي: المنخول: 107، والفخر الرازي: المحصول 1 / 204، والمحقق الحلي: معارج الاصول: 64، والعلامة الحلي: تهذيب الاصول: 21، والبيضاوي، كما في الابهاج: 2 / 22، وابن الحاجب: المنتهى: 91، وشرح العضد: 1 / 191 (المتن)، والمحقق الشيخ حسن: معالم الدين: 46.

(2) ذهب اليه ابوهاشم، كما في: شرح العضد 1 / 191.

(3) ذهب اليه الجبائي. حكاه عنه في: المنخول: 104.

(4) ذهب اليه الشافعي.حكاه عنه في: المستصفى: 1 / 426، وقال به السيد المرتضى أيضا: الذريعة: 1 / 53.

(5) كذا في ط، وفي النسخ: فيهما. حكاه الاسنوي دون أن يسمي قائله: التمهيد: 268.

(6) كذا في ب، وفي سائر النسخ: ومعنويا.

(*)

[68]

يدرج التهديد فيها لفظيا (1)، وقيل: بالوقف (2) في الاولين (3)، وقيل للوجوب شرعا لا لغة (4).

والحق: أنها للقدر المشترك بين الوجوب والندب، وهو الطلب، ولكن دل الشرع على وجوب امتثال الاوامر الشرعية فيحكم بالوجوب عند التجرد عن قرائن الندب (5)، فههنا مقامان: الاول: أنها حقيقة في الطلب.

والدليل عليه من وجوه: الاول: أن المفهوم من الصيغة ليس إلا طلب الفعل، وربما لا يخطر بالبال الترك، فضلا عن المنع عنه (6)، ولهذا عرف النحاة (7) وأهل الاصول (8) الامر بأنه: طلب الفعل على سبيل الاستعلاء أو العلو (9).

الثاني: ضعف دليل مثبتي الفصول المميزة - من الوجوب والندب - في

___________________________________

(1) قال الاسنوي في التمهيد: 268: حكاه الغزالي في المستصفى.

ولكن في المستصفى: " وقال قوم هو مشترك بين هذه الوجوه الخمسة عشر كلفظ العين والقرء ": المستصفى: 1/419.

(2) في ط: بالتوقف.

(3) ذهب اليه الآمدي، حيث قال " وهو الاصح ": الاحكام: 2 / 369، وابوالحسن الاشعري، والقاضي الباقلاني، كما في المنخول: 105، و: شرح العضد: 1 / 192.

(4) اختلف في القائل بذلك، للاختلاف في فهم كلمات الاصوليين، ولعل المصنف أراد به قول الشافعي.

انظر: الابهاج: 2 / 25. وقد ذهب الشيخ الطوسي إلى انها تقتضي الايجاب إن صدرت عن الحكيم: العدة 1/63. وقد يكون هذا القول هو مراد من ذكر هذا الاحتمال والله العالم.

(5) الذريعة: 1 / 53، المنخول: 108، المنتهى: 91.

(6) في ب: المنع من الترك.

(7) شرح المفصل: 7 / 58.

(8) التمهيد: 265، معارج الاصول: 62، تهذيب الاصول: 20.

(9) عبارة (أو العلو) ساقطة من أ، ومع فرض وجودها تكون اشارة إلى الخلاف بين الاصوليين في اشتراط العلو، أو اشتراط الاستعلاء، أو عدم اشتراط شئ منهما.

انظر تفصيل هذه الاقوال وادلتها في: المحصول: 1 / 198 - 199.

(*)

[69]

حقيقة صيغة الامر، كما ستطلع عليه.

الثالث: كثرة ورود الامر في الاحاديث متعلقا بأشياء بعضها واجب وبعضها مندوب، من دون نصب قرينة في الكلام، وهذا غير جائز لو لم يكن حقيقة في القدر المشترك.

وكذا كثرة وروده متعلقا بالامور الواجبة وكذا بالمندوبة، من دون نصب القرينة في الكلام.

لا يقال: على تقدير كون الصيغة حقيقة في القدر المشترك، كيف يجوز استعمالها في الواجب (1) أو الندب، بدون القرينة؟ ! إذ المجاز مما لابد له من القرينة؟ ! لانا نقول: الصيغة ليست مستعملة إلا في الطلب، وإنما يعرف كون متعلقه (2) جائز الترك أو غير جائز الترك، من موضع آخر (3)، فليست إلا مستعملة في معناها الحقيقي.

والقول باحتمال اقترانها بالقرينة حين الخطاب وخفائها علينا الآن، مما يأبى عنه الوجدان، لبعد خفائها في هذه المواضع على كثرتها، ولاشتراك التكاليف بيننا وبينهم (4).

___________________________________

(1) كذا في النسخ، والظاهر انه: الوجوب.

(2) كذا في أ، وفي سائر النسخ: كون متعلق الصيغة.

(3) في ط: مواضع اخر.

(4) فان قلت: فالمنع من الترك والاذن فيه مراد للشارع ليكون داخلا فيما استعمل فيه الصيغة، فيكون استعمال الصيغة في جل المواضع مجازا.

قلت: المنع من الترك والاذن فيه ليسا من صفات الطلب ولا الفعل المطلوب حقيقة، بل من صفات الطالب، وظاهر انه لا يختلف معنى الصيغة باختلاف صفات المتكلم بها، بل نقول: المنع من الترك مما لا ينفك عن حقيقة صيغة الامر، غاية الامر أن المنع في بعض المواضع تنزيهي كما في المندوبات، وفي البعض تحريمي غير كبيرة، كما في الواجبات التي تركها من الصغائر، وفي البعض تحريمي كبيرة، كما في ما تركه يوجب الكفر ك‍ (آمن به) ونحوه.

فلو كان كون الصيغة للطلب يوجب مجازيتها في هذه المواضع، كان كونها للايجاب أيضا يوجب مجازيتها في اغلب مواضع الايجاب، وهم ينكرونه. فالحق ما عرفت من أن العقاب على ترك الفعل أو حرمان الثواب عليه، أو الثواب على الفعل، ليسا مما يتعقل دخوله في معنى الصيغة، فتأمل جدا.(منه رحمه الله).

(*)

[70]

حجة من قال بأنها حقيقة في الوجوب أمور: أحدها: أن السيد إذا قال لعبده: (إفعل كذا) ولم يكن هناك قرينة أصلا، فلم يفعل، عد عاصيا، وذمه العقلاء لتركه الامتثال، فتكون للوجوب.

(1) والجواب: لا نسلم تحقق العصيان والذم على تقدير انتفاء القرينة، والقرائن في مثل هذه المواضع لا يكاد يمكن انتفاؤها، إذ الغالب علمه بالعادة العامة، أو عادة مولاه، أو فوت منفعة مولاه، ولهذا لو أمره مولاه بما (2) يختص بمصالحه، من غير أن يعود على السيد منه نفع ولا ضرر، لما ذمه العقلاء إذا لم يفعل، وهذا ظاهر.

والادلة الباقية: آيات قرآنية، تدل على عدم جواز ترك ما تعلق به أمر الشارع (3)، وسيجئ بعضها.

والجواب: أن هذه الآيات لا تدل على كون الصيغة حقيقة في الوجوب، كما لا يخفى.

وحجة من قال بأنها للندب أمران: أحدهما: قول النبي صلى الله عليه وآله " إذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم (4) " أي ما شئتم (5).

___________________________________

(1) معارج الاصول: 64.

(2) في أ: لما.

(3): الذريعة: 1 / 57 - 58، المحصول: 1 / 205 - 234.

(4) غوالي اللآلي: 4 / 58 ح 206، صحيح مسلم: 2 / 975 ح 1337، مسند أحمد: 2 / 247 السنن الكبرى: 1 / 215.

(5) المنتهى: 92.

(*)

[71]

وجوابه ظاهر، لبطلان تفسير الاستطاعة بالمشيئة.

وثانيهما: مساواة الامر والسؤال إلا في الرتبة، والسؤال إنما يدل على الندب، فكذا الامر (1).

وجوابه: منع المساواة أولا، ونص أهل اللغة عليها غير ثابت، ومنع دلالة السؤال على الندب ثانيا.

المقام الثاني: إن امتثال الاوامر الشرعية واجب إلا مع دليل يدل على جواز ترك الامتثال، والدليل عليه أيضا من وجوه: الاول: أن امتثال الامر طاعة، إذ ليس معنى الطاعة إلا الانقياد كما صرح به أرباب اللغة، وحصول الانقياد بامتثال الامر بديهي، وترك الطاعة عصيان، لتصريح أهل اللغة بأن العصيان خلاف الطاعة (2)، والعصيان حرام، لقوله تعالى: * (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم) * (3).

الثاني: قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) * (4) مع الآيات الدالة على ذم ترك الطاعة، كقوله تعالى : * (من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا) * (5) وغيرها.

الثالث: قوله تعالى: * (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) * (6).

___________________________________

(1) المحصول: 1 / 235، منهاج الوصول: 75.

(2) المفردات في غريب القرآن: حرف العين / ص 337 (3) الجن / 23.

(4) النساء / 59.

(5) النساء / 80 (6) النور / 63.

(*)

[72]

والتهديد على مخالفة مطلق الامر لا يصح إلا مع وجوب امتثال مطلق الامر.

الرابع: ما ذكره السيد المرتضى رحمه الله من حمل الصحابة كل أمر ورد في القرآن أو السنة على الوجوب(1).

والظاهر كون باعث حملهم هو ما ذكرناه في هذا المقام، لما مر (2) في المقام الاول، ولاصالة عدم النقل.

واعلم أن صاحب المعالم قال في أواخر هذا البحث: " فائدة: يستفاد من تضاعيف أحاديثنا المروية عن الائمة عليهم السلام، أن استعمال صيغة الامر في الندب كان شائعا في عرفهم، بحيث صار من المجازات الراجحة المساوي احتمالها من اللفظ لاحتمال الحقيقة عند انتفاء المرجح الخارجي، فيشكل التعلق في إثبات وجوب أمر بمجرد ورود الامر به منهم عليهم السلام " (3) انتهى كلامه أعلى الله مقامه.

وأنت بعد خبرتك بما ذكرنا تعلم أن صيغة الامر في كلام الائمة عليهم السلام ليست مستعملة إلا فيما استعملت فيه في كلام الله تعالى (4)، وكلام جدهم صلى الله عليه وآله، وكيف يتصور عنهم نقل لفظ كثير الاستعمال عن معناه الحقيقي في كلام جدهم صلى الله عليه وآله من غير تنبيه وإعلام لاحد: أن عرفنا في هذا اللفظ هذا المعنى؟ ! حاشاهم عن ذلك، بل الصيغة في كلامهم أيضا مستعملة في طلب مبدأ الصيغة، وإنما يعلم العقاب على الترك وعدمه من أمر خارج.

___________________________________

(1) الذريعة: 1 / 54.

(2) في ط: لا ما مر.

(3) معالم الدين: 53.

(4) في أ: إلا فيما استعمل فيه كلام الله.

(*)

[73]

وورودها في كلامهم أيضا مجردة، محمولة على الوجوب المذكور، لفرض طاعتهم أيضا، لما مر، ولما رواه الكليني، في باب فرض طاعة الائمة عليهم السلام من الكافي، بسنده عن بشير العطار، قال: " سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: نحن قوم فرض الله طاعتنا، وأنتم تأتمون بمن لا يعذر الناس بجهالته " (1).

وبسنده " عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عزوجل: * (وآتيناهم ملكا عظيما) * " (2) قال: الطاعة المفروضة " (3).

وفي الصحيح: عن أبي الصباح الكناني، " قال: قال أبوعبدالله عليه السلام: نحن قوم فرض الله عزوجل طاعتنا... " الحديث (4).

وروى الحسين بن أبي العلاء، في الصحيح: " قال: ذكرت لابي عبدالله عليه السلام قولنا في الاوصياء: إن طاعتهم مفترضة؟ قال: فقال: نعم، هم الذين قال الله تعالى: * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) * (5) وهم الذين قال الله عزوجل * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) * " (6).

وفي الصحيح: " عن معمر بن خلاد قال: " سأل رجل فارسي أبا الحسن عليه السلام، فقال: طاعتك مفترضة؟ فقال: نعم.

قال: مثل طاعة علي بن أبي طالب عليه السلام؟ فقال: نعم " (7).

وفي الموثق: " عن أبى بصير، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: سألته عن

___________________________________

(1) الكافي: 1 / 186 - كتاب الحجة / باب فرض طاعة الائمة ح 3.

(2) النساء / 54.

(3) الكافي: 1 / 186 ح 4.

(4) الكافي: 1 / 186 ح 6.

(5) النساء / 59.  المائدة / 55. الكافي: 1 / 186 ح 7.

(7) الكافي: 1 / 186 ح 8.

(*)

[74]

الائمة هل يجرون في الامر والطاعة مجرى واحد؟ قال: نعم " (1).

إلى غير ذلك من الاخبار الكثيرة المذكورة في هذا الباب وفي غيره، ولا شك أن الانقياد لمطلوبهم (2) طاعة، وطاعتهم واجبة، فامتثال أوامرهم واجب مطلقا إلا ما دل دليل على جواز عدم العمل به، وهذا ظاهر.

تذنيب اختلفوا في صيغة الامر إذا وردت بعد الحظر، على أقوال: الوجوب (3)، والندب، والاباحة (4)، وتابعية ما قبل الحظر، والتوقف (5).

والحق: أن صيغة الامر - إذا وردت بعد الحظر أو الكراهة (6)، أو في مقام مظنة الحظر أو الكراهة، بل في موضع تجويز السائل واحدا منهما (7)، كأن يقول العبد: هل أنام أو أخرج؟ أو نحو ذلك، فيقول المولى له: (إفعل ذلك) (8) - لا تدل إلا على رفع ذلك المنع التحريمي أو التنزيهي المحقق أو المحتمل (9).

___________________________________

(1) الكافي: 1 / 186 ح 9.

(2) كذا في ط، وفي سائر النسخ: ان انقياد مطلوبهم.

(3) ذهب اليه الفخر الرازي، المحصول: 1 / 236، والبيضاوي: منهاج الوصول: 76، والعلامة الحلي: تهذيب الوصول: 21.

(4) حكاه ابن الحاجب: المنتهى: 98، والبيضاوي: منهاج الوصول: 76.

(5) حكاه ابن الحاجب: المنتهى: 98. وذهب السيد المرتضى: الذريعة: 1 / 73، والشيخ الطوسي: العدة: 1 / 68، والمحقق الحلي: معارج الاصول: 65، إلى أن حكم الامر الواقع بعد الحظر هو حكم الامر المبتدأ.

(6) كذا في ب، وفي سائر النسخ: والكراهة.

(7) في ط: منها.

(8) في ط: افعل كذا.

(9) هذا قريب مما ذهب اليه الغزالي: المستصفى 1 / 435.

(*)

[75]

وهو كالاذن في الفعل، أمر مشترك بين الاباحة والندب والوجوب.

فالاباحة: مثل * (واذا حللتم فاصطادوا) * (1).

والندب: مثل * (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض) * (2).

والوجوب: مثل * (فإذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) * (3).

لنا: تبادر رفع المنع من الفعل.

والظاهر أنها مجاز في هذا المعنى، والتبادر لاجل القرينة، وهي مسبوقية الصيغة بالمنع المحقق أو المحتمل، وتعليقها على زوال علة المنع في البعض.

وأيضا: إجراء أدلة الوجوب والندب لا يتصور فيما نحن فيه، لانه فرع فهم الطلب من (4) الصيغة، وفرديتها لمفهوم الامر، مع أنها ليست كذلك فيما نحن فيه (5).

البحث الثاني: اختلفوا في دلالة صيغة الامر على الوحدة والتكرار على أقوال: ثالثها - وهو الحق -: عدم دلالتها على شئ منهما.

لنا: تبادر مجرد طلب الفعل من الصيغة، من غير فهم شئ من الوحدة والتكرار منها (6)، كالزمان والمكان وغيرهما من المتعلقات (7)، والمنكر مكابر.

___________________________________

(1) المائدة / 2.

(2) الجمعة / 10.

(3) التوبة / 5.

(4) في ط: عن.

(5) عبارة (فيما نحن فيه): زيادة من ب.

(6) المحصول: 1 / 238.

(7) الذريعة: 1 / 100، معالم الدين: 53.

(*)

[76]

وأيضا: لو دلت على التكرار لعمت الاوقات، لعدم الاولوية (1)، وهو باطل (2) للاجماع على خلافه.

وما قيل: بأنها لو لم تكن للتكرار لما تكرر الصوم والصلاة وغيرهما، ولما كانت مماثلة لصيغة النهي، حيث اقتضت التكرار، ولاستلزامها إياها بالنظر إلى الضد، وتكرار اللازم يستدعي تكرار (3) الملزوم.

فهو باطل، لان تكرر (4) ما يتكرر من العبادات، إنما هو لدليل آخر، كتعليقه على موجب يتكرر.

وأيضا: التكرار على هذا النحو مما لا يتصور أن يكون مفهوما من مجرد صيغة الامر.

وأيضا: ينتقض بما لا يتكرر كالحج ونحوه.

والثاني: قياس، وفي اللغة (5)، ومع الفارق، إذ النهي يقتضي انتفاء الحقيقة، والامر اثباتها.

والثالث: باطل، لما سيجئ من عدم الاستلزام.

وبعد التسليم: فالنهي هنا تابع للامر في التكرار وعدمه، لترتبه عليه، والقائل بالمرة يتمسك هنا بتحقق الامتثال بالمرة (6)، ولا يخفى أنه لا ينافي كونها لمجرد الطلب، لاصالة براء‌ة الذمة.

___________________________________

(1) كذا في أ وب وط، وفي الاصل: لعدم الاولية.

(2) المحصول: 1 / 239، معارج الاصول: 66.

(3) كذا في أ. وفي سائر النسخ: تكرار.

(4) كذا في ط. وفي الاصل وب: تكرير. وفي أ: تكرر.

(5) في ط: قياس في اللغة.

(6) عدة الاصول: 1 / 74.

(*)

[77]

تذنيب (1): الحق أن الامر المعلق على شرط أو صفة، لا يتكرر بتكررهما (2) إلا اذا كانت الشرطية قضية كلية، مثل: (كلما جاء‌ك زيد فأكرمه)، أو كان الشرط أو الصفة علة موجبة (3)، مثل: * (وإن كنتم جنبا فاطهروا) * (4)، * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * (5). ووجه الثاني ظاهر.

ولنا على الاول: أن السيد إذا قال لعبده: (إن دخلت السوق، أو إذا دخلت السوق، فاشتر لحما) (6) فترك الشراء في المعاودة لا يوجب الذم، وهو ظاهر (7).

ولكن أكثر الاوامر المعلقة الواقعة في الاحكام مما يتكرر بتكرر الشرط لفهم العلية غالبا، ولذا توهم البعض أن (إذا) تفيد العموم عرفا، وإن لم تفده لغة.

البحث الثالث: اختلفوا في دلالة صيغة الامر على الفور أو التراخي، على أقوال (8):

___________________________________

(1) في أ وط: تذييل.

(2) عدة الاصول: 1 / 76، المحصول: 1 / 243.

(3) المحصول: 1 / 246، تهذيب الاصول: 22.

(4) المائدة / 6.

(5) المائدة / 38.

(6) في ط: فاشتر لنا لحما.

(7) الذريعة: 1 / 115، المحصول: 1 / 243، معارج الاصول: 67.

(8) فقد ذهب السيد المرتضى إلى أن الامر المطلق مشترك بينهما: الذريعة: 1 / 132.

وذهب الشيخ الطوسى إلى انه يقتضي الفور: العدة: 1 / 85، وبه قالت الحنفية، كما في المحصول: 1 / 247، المنتهى: 94، والحنابلة، كما في المنتهى: 94.

(*)

[78]

ثالثها: أنها لا تدل على شئ منهما (1) وهو الحق، إلا أن الاقوى وجوب التعجيل في الامر المجرد عن القرائن، فههنا أيضا مقامان:

الاول: عدم الدلالة على الفور ولا على التراخي.

ولنا فيه: أن المتبادر من الامر ليس إلا طلب الفعل من غير فهم شئ من الاوقات والازمان منه، وهو ظاهر(2).

الثاني: وجوب المبادرة إلى امتثال الفعل المأمور به، وليس المراد بالفور - في المقام الثاني - المبادرة بالفعل في أول أوقات الامكان، بل ما يعد به المكلف الفاعل عرفا مبادرا ومعجلا، وغير متهاون ومتكاسل (3)، وهذا أمر يختلف بحسب اختلاف الآمر والمأمور والفعل المأمور به، مثلا: إذا أمر المولى عبده بسقي الماء، فبتأخيره ساعة تفوت الفورية، ويعد العبد متهاونا.

وإذا أمره بالخروج إلى مصر(4) بعيد الغاية - كالهند - فبتأخر اسبوع بل شهر لا تفوت الفورية، ولا يعد متهاونا.

والدليل عليه من وجوه: الاول: أن جواز التأخير على تقديره ليس إلى (5) غاية معلومة، إذ لا دلالة للصيغة على غاية معلومة، ولو استفيدت (6) الغاية من أمر خارج، يخرج عن محل

___________________________________

(1) ذهب اليه الشافعي، كما في: المنتهى: 94، واختاره الفخر الرازي: المحصول: 1 / 247، والمحقق الحلي: معارج الاصول: 65، وابن الحاجب: المنتهى: 94، والعلامة الحلي: تهذيب الوصول: 22: والمحقق الشيخ حسن: معالم الدين: 56.

(2) انظر مصادر البحث السابق.

(3) كذا الظاهر، وفي النسخ: متكاهل.

(4) كذا في ب، وفي سائر النسخ: سفر.

(5) في ط: ليس له.

(6) كذا في ط، وفي الاصل وأ: استفاد، وفي ب: استفادة.

(*)

[79]

النزاع، لانه يصير من قبيل المؤقت، والكلام في غيره (1).

وما يقال من أن كل أمر - على هذا - يكون مؤقتا، فلا يجب الفور في شئ أصلا، لان الغاية هي ظن الموت، فإذا حصل ذلك الظن، تصير العبادة مضيقة. فهو باطل: لان (2) ظن الموت قلما يحصل.

وعلى تقديره: لا دليل على اعتبار هذا الظن شرعا حتى يمكن الحكم به بتضييق عبادة ثبت من الشرع توسعتها.

وعلى تقدير التسليم: فبعد حصول هذا الظن، قلما يتمكن المكلف من الامتثال، إذ حصول هذا الظن في صحة من الجسم وكمال من العقل، من خوارق العادة، بل هو على تقديره إنما يكون عند شدة المرض، وحينئذ لا يتمكن الانسان من فعل ما يحتاج إلى زيادة إتعاب النفس، كالحج والصوم والجهاد، ونحوها، بل الصلاة أيضا إذا كانت كثيرة، فنقول في الاستدلال: إن جواز التأخير لا إلى غاية، يفضي إلى خروج الواجب عن الوجوب فيكون منتفيا(3) فيكون الفور واجبا. والمقدمتان في غاية الظهور.

وما يقال من: أن الواجب ما لا يجوز تركه على وجه ما، فلا يخرج شئ من الوجوب، إذ يصدق على كل واجب أنه بحيث لو حصل ظن المكلف بفوته، وتمكن من الفعل، فهو غير جائز الترك حينئذ.

فهو من المزخرفات، لان تحديد الوجه في هذا التعريف، بحيث يسلم طرده من الندب بل من المباح، مما لا يكاد يمكن إلا بالتكلفات الباردة البعيدة جدا.

___________________________________

(1) الذريعة: 1 / 133، المحصول: 1 / 250.

(2) في ط: لا أن.

(3) في ط: منفيا.

(*)

[80]

وأيضا: قد عرفت ما في غائية الظن بالموت (1).

وأيضا: كيف يتصور وصف العبادة بالوجوب باعتبار وصف نادر التحقق فيها؟ ! وكذا ما يقال من " أن الواجب ما لا يجوز تركه لا إلى بدل " والعزم هنا واجب، لان بدلية العزم على الاطلاق توجب إخراج الواجب عن الحتمي.

وأيضا: لا دليل على وجوب العزم، ولا على بدليته، على تقدير الوجوب.

فإن قلت: هذا الدليل ينتقض بما لو صرح بجواز التأخير، ولا نزاع في إمكانه.

قلت: جواز التأخير - في جميع أزمنة صحة الجسم والتمكن من الفعل - لا نسلم أنه يمكن تصريح الحكيم (2) به، لانه سفه ومناف لغرضه.

نعم، صراحة جواز التأخير على الاطلاق، توجب أن يدخل في زمن جواز التأخير بعض الازمنة، التي يعد التارك فيها متهاونا مضيعا، لولاها.

الثاني: أن التأخير بما ينافي الفورية المذكورة، يعد في العرف تهاونا ومعصية (3)، فيكون حراما، فيكون الفور واجبا، إذا كان الآمر ممن ثبت وجوب امتثاله.

ولا يتوهم من هذا: صيرورة الفورية مدلولا لصيغة الامر، فينافي ما في المقام الاول.

لان قضاء العرف بذلك، لا يلزم أن يكون لاجل وضع اللفظ له، ولا يلزم أن يكون جميع صفات الشئ وآثاره وأحكامه، من مدلولات لفظه.

___________________________________

(1) في ب: غايته، وفي ط: غائته بالموت.

(2) في أ وط: الحكم.

(3) الذريعة: 1 / 132، المحصول: 1 / 251.

(*)

[81]

الثالث: إدعاء (1) السيد الاجل المرتضى، الاجماع على أن الامر المطلق يحمل على الفور، حيث قال في الذريعة، في بحث أن الامر للوجوب، أولا؟: " ونحن، وإن ذهبنا إلى أن هذه اللفظة مشتركة في اللغة بين الايجاب والندب، فنحن نذهب إلى أن العرف الشرعي المتفق المستمر قد أوجب أن يحمل مطلق هذه اللفظة - إذا وردت عن الله تعالى أو عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - على الوجوب دون الندب، وعلى الفور دون التراخي، وعلى الاجزاء " (2)، واحتج عليه ب‍ " أن الصحابة والتابعين، وتابعي التابعين، حملوا كل أمر ورد في الكتاب والسنة مجردا، على الفور، والوجوب، والاجزاء، ولم ينكر أحد ذلك، وإذا احتج واحد بأمر عليه، لم ينكر خصمه، بل يسلم منه ذلك " (3) ثم قال: " وأما أصحابنا معشر الامامية فلا يختلفون في هذا الحكم الذي ذكرناه، وقد مر غير مرة: أن إجماعهم حجة " (4) انتهى.

فان قلت: الاجماع المنقول بخبر الواحد لا يفيد إلا الظن، والمسألة من المطالب الكلية، التي يجب تحصيل العلم بها.

قلت: إفادة الظن من الخبر الواحد أكثري، وقد يفيد القطع اذا احتف بالقرائن، والظاهر كون هذا الخبر كذلك.

ولو سلم، فلا نسلم كون المسألة من المطالب العلمية، بل هي من المطالب المتعلقة بمقتضيات الالفاظ، وقد صرحوا بالاكتفاء بالظن فيها، لعدم إمكان تحصيل القطع فيها.

ولو سلم كونها من غير تلك المطالب، فلا نسلم وجوب تحصيل القطع في غير المعارف الالهية.

___________________________________

(1) في ط: ادعى.

(2) الذريعة: 1 / 53.

(3) هذا تلخيض لكلام السيد في الذريعة: 1 / 54.

(4) الذريعة: 1 / 55.

(*)

[82]

ولو سلم، فلا نسلم وجوب تحصيل القطع فيما لا يمكن فيه ذلك، لانه تكليف بالمحال، والمسألة كذلك، إذ كل من القول بالفور والتراخي والاشتراك وطلب الماهية والتوقف، مبني على الادلة الظنية، كما لا يخفى.

وأيضا: اشتراط القطع في الاصول مطلقا، وسيما في اصول الفقه - كعدمه - مبني (1) على الادلة الظنية، كالآيات القرآنية ونحوها، والاصل ونحوه.

فإن قلت: كلام المرتضى - كما فهمه بعض الاصحاب (2) - دال على أن الوجوب والفور والاجزاء، من مدلولات الامر في الشرع، فليس الاجماع واردا على المدعى.

قلت: لا ظهور لكلام السيد في ذلك، إذ هو ما زاد على القول بوجوب حمل الامر عليه، ولم يذكر بأنه مما وضع له اللفظ في العرف الشرعي، فتأمل.

الرابع: قوله تعالى: * (فاستبقوا الخيرات) * (3)، ولا شك أن فعل المأمور به من الخيرات.

وقوله تعالى: * (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والارض) * (4)، حيث إن مسارعة العبد إلى المغفرة غير متصورة، لانها من فعل الله تعالى، فالمراد - والله أعلم - سببها، وفعل المأمور به سببها، كما قال تعالى: * (إن الحسنات يذهبن السيئات) * (5).

وإضمار سبب خاص - كالتوبة - ترجيح بلا مرجح، لا دليل عليه.

___________________________________

(1) زاد في ط: أيضا.

(2) الظاهر انه صاحب المعالم كما يظهر ذلك مما ذكره في الرد على استدلال السيد المرتضى: معالم الدين: 58.

(3) المائدة / 48.

(4) آل عمران / 133.

(5) هود / 114.

(*)

[83]

وأيضا: حذف المفعول هنا، إنما هو ليذهب ذهن السامع كل مذهب، وكل سبب للمغفرة (1).

وما قيل: (2): " بأن ذلك محمول على أفضلية المسارعة والاستباق، لا على وجوبهما، وإلا لوجب الفور، فلا تتحقق المسارعة والاستباق، لانهما إنما يتصوران في الموسع دون المضيق، ألا ترى أنه لا يقال لمن قيل له: (صم غدا) فصام -: إنه سارع إليه واستبق، والحاصل أن العرف قاض بأن الاتيان بالمأمور به، في الوقت الذي لا يجوز تأخيره عنه، لا يسمى مسارعة واستباقا، فلابد من حمل الامر في الآيتين على الندب، وإلا لكان مفاد الصيغة فيهما منافيا لما تقتضيه المادة، وذلك ليس بجائز، فتأمل " (3) انتهى كلامه بعبارته.

فوهنه وضعفه ظاهر، لانه مبني على اشتباه المؤقت بغيره، فإنه توهم أن الواجب الفوري يصير مؤقتا مضيقا كالصوم، وليس كذلك، إذ المؤقت - موسعا كان أو مضيقا - يصير قضاء‌ا بخروج وقته، وقد يسقط به كصلاة العيد، بخلاف غير المؤقت كإزالة النجاسة من المسجد، وقضاء الصلوات اليومية على المشهور، والحج، ونحوها، فإن فيه وإن حصل الاثم بالتأخير، إلا أنه أداء لازم الفعل في كل وقت، فالاستباق والمسارعة يتصوران في المضيق غير الموقت، وقضاء العرف بما ادعاه فيه ظاهر البطلان.

وما توهم من منافاة مادة الامر فيها لصيغته حينئذ - بناء‌ا على أن المادة تقتضي إمكان التأخير، وصورته تقتضي المنع من التأخير - فهو باطل، إذ المادة لا تقتضي إلا كون الفعل أداء‌ا، وصحيحا على تقدير التأخير، ولا تقتضي جواز التأخير ومشروعيته (4).

وهو في غاية الظهور، ولا يبعد كون أمره بالتأمل، إشارة إلى ما ذكرناه.

___________________________________

(1) الذريعة: 1 / 134، المحصول: 1 / 249.

(2) والقائل هو صاحب المعالم تبعا لغيره. (منه).

(3) معالم الدين: 57 - 58.

(4) في أ: وصورته تقتضي المنع من التأخير ومشروعيته.

بدل قوله: ولا تقتضي إلى آخره.

(*)

[84]

واحتج من قال بالدلالة على الفور، بأدلة: بعضها غير مناف لما مر، وبعضها غير صحيح، كالقياس على النهي، وعلى الايقاعات، ولزوم ثبوت بدل - هو العزم - على تقدير التراخي، من غير دليل، ونحو ذلك (1).

واحتج من قال بالتراخي - بمعنى جواز التأخير لا وجوبه، إذ لم يذهب اليه أحد على الظاهر - بأن الامر المطلق لا توقيت فيه، فلو أراد وقتا معينا لبينه، فإذا فقدنا البيان، علمنا أن الاوقات متساوية في إيقاعه (2).

والجواب: بالوفاق، إن أراد نفي الدلالة على الفور.

وإن أراد نفيه مطلقا، فنقول: البيان بعدم تساوي الاوقات، موجود في العقل والنقل كما مر.

البحث الرابع: في أن الامر بفعل في وقت معين، هل يقتضي فعله فيما بعد ذلك الوقت - على تقدير فوات ذلك الفعل في وقته - أو لا؟.

فيه مذهبان: الاقتضاء (3)، وعدمه.

وقوي الاكثر الثاني (4)، قائلين بأن القضاء لا يجب إلا بأمر مجدد، نحو:

___________________________________

(1) تجدها في: الذريعة: 1 / 132 - 134، المحصول 1 / 249 - 251، معالم الدين: 56 - 58، وقد استدل الشيخ الطوسي بالاخير منها: العدة: 1 / 86.

(2) حكاه في: الذريعة: 1 / 141.

(3) ذهب اليه الحنابلة وبعض الفقهاء.

كما في: المنتهى: 98.

(4) الذريعة: 1 / 116، العدة: 1 / 77، المستصفى: 2 / 11، المحصول: 1 / 324، المعارج: 75، تهذيب الوصول: 30.

(*)

[85]

(من نام عن صلاة (1) أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها) (2).

لنا: أن الامر بصوم يوم الخميس، لا إشعار فيه بوجوب صوم غير يوم الخميس، ولا يقتضيه معنى (3) لاختلاف الاوقات - كالكيفيات - في المصلحة، فقد تكون العبادة في وقت خاص لمصلحة (4)، دون غيره من الاوقات (5).

احتجوا: [ أ ] بأن هناك مطلوبين: أحدهما الصوم، والآخر إيقاعه في يوم الخميس، فبفوت الثاني لا يسقط الاول، إذ (6) لا يسقط الميسور بالمعسور (7).

والجواب: لا نسلم تعدد المطلوب، بل هو الصوم المقيد بيوم الخميس، فلا يمكن إيقاع هذا المطلوب في غيره.

[ ب ] وبأن الدين المؤجل يسقط بالتأخير، فكذا المأمور به (8).

والجواب: أن ضرب الاجل في الدين إنما هو لرفع الوجوب قبله، لا لرفعه بعده، وهو معلوم عادة، والعقل يحكم بأن الغرض (9) في الدين متعلق بإحقاق الحق، ولا مدخلية للاجل إلا لرفع تقاضي صاحب الحق قبله، بخلاف المأمور به. على أنه قياس، لا نقول به.

___________________________________

(1) في ط: من نام في وقت صلاة.

(2) المستصفى: 2 / 11، غوالي اللآلي: 1 / 201 / الفصل التاسع ح 17.

(3) المنتهى: 98.

(4) كذا في ط، وفي سائر النسخ: مصلحة.

(5) الذريعة: 1 / 117، العدة: 1 / 77.

(6) كذا في ط: وفي سائر النسخ: (و) بدل (اذ).

(7) روى ابن أبي جمهور عن النبي صلى الله عليه وآله مرسلا: " لا يترك الميسور بالمعسور " غوالي اللآلي: 4 / 58 ح 205.

(8) المستصفى: 2 / 11.

(9) في ط: الفرض.

(*)

[86]

هذا، و (1) لكن التتبع يورث الظن بثبوت القضاء في كل مؤقت، إذا كان واجبا لا مندوبا، إذ لا يكاد يوجد في الاحكام ما تعلق به الامر في وقت إلا وثبت الامر بقضائه على تقدير فوته (2)، غير صلاة العيدين والجمعة ونحوهما (3).

فالظن يحكم بأن منشأ تعلق الامر المجدد، هو الامر الاول.

وأيضا: إلحاق الفرد المجهول بالاعم الاغلب يوجبه.

ولكن الحكم بمدركية هذا الظن للاحكام الشرعية مشكل، والله أعلم.

تذنيب: على ما اخترناه - من أن الامر للفور - لو أخر المكلف المأمور به عن الوقت الذي يتحقق فيه الفور، فهل يجب عليه الاتيان به فيما بعد ذلك الوقت؟ مع عدم القرينة على الاعتداد به فيه، ولا على عدمه؟ فيه مذهبان(4)، والاقوى وجوب الاتيان به فيما بعد.

لنا: أنا لو خلينا وظاهر الاوامر المطلقة، نحكم بجواز الاتيان بالمأمور به في كل وقت أداء‌ا (5)، من دون ترتب الاثم على الاتيان به في وقت ما، والادلة الدالة على الفور لا تقتضي إلا ترتب الاثم على التأخير، وهو لا يوجب سقوط الفعل فيما بعد.

والحاصل: أن الامر المطلق يقتضي بظاهره شيئين: الاول: أدائية (6)

___________________________________

(1) الواو زيادة من أ.

(2) في أ وط: فواته.

(3) كذا في أ، وفي سائر النسخ: ونحوها.

(4) الذريعة: 1 / 131، معالم الدين: 59.

(5) زاد في ب في هذا الموضع كلمة: وقضاء‌ا.

(6) في أ: دائمية.

(*)

[87]

الفعل المأمور به في كل وقت، والثاني: رفع (1) الاثم والحرج بالاتيان به في أي وقت من الاوقات، وأدلة الفور إنما تقتضي صرفه عن ظاهره في الشئ الثاني دون الاول، إذ لا منافاة بين الاعتداد بالفعل المأمور به في أي وقت أتى به، وبين ترتب الاثم على التأخير به، فلا يجوز صرف الامر عن ظاهره في كلا الشيئين من دون موجب.

ولا يتوهم جريان الدليل في المؤقت، لانه لا يقتضي الشئ الاول، بل ولا الاعتداد بالمأمور به في كل وقت.

نعم، يبقى الاشكال في الامر المطلق، إذا علم توقيته بوقت محدود (2) من خطاب آخر، إذ لا يبعد (3) أن يقال: إن التوقيت مطلقا ظاهر في نفي الادائية والاعتداد به فيما بعد.

والفرق بين الفورية والتوقيت: أن الوقت - في التوقيت - لابد أن يكون منشأ لمصلحة الفعل، بخلاف الفورية، فإن الوقت فيها (4) لا ارتباط له بالفعل، إلا لاجل أن الفعل الزماني لابد وأن يكون في زمان، حتى لو أمكن إيقاع الفعل لا في زمان، لحصل (5) الامتثال.

وكذا يبقى (6) الاشكال فيما يفيد الفور بالامر الاول، كأن يقول: (إفعل معجلا، أو بسرعة)، فهل يجب الاتيان به فيما بعد وقت الفور حينئذ، أو لا؟.

أو يقول: (إفعل) بناء‌ا على أن الامر بنفسه يفيد الفور.

والاقرب الثاني، لما مر في المؤقت، إلا أنه لا يكاد يوجب في الاحكام

___________________________________

(1) في أ: دفع.

(2) في ب: معلوم.

(3) في ط: ولا يبعد.

(4) كذا الظاهر، وفي النسخ: فيه.

(5) كذا في ط، وفي سائر النسخ: يحصل.

(6) في ب: لا يبقى.

(*)

[88]

الشرعية أمر فوري، إلا وهناك قرينة على عدم السقوط فيما بعد.

هذا، وقد يورد في بعض كتب الاصول في بحث الامر مباحث اخرى، رأينا عدم إيرادها هنا أولى: إما لان البعض سيجئ ذكره في مباحث الادلة العقلية، مثل: بحث مقدمة الواجب، واستلزام الامر بالشئ النهي عن الضد، وبحث المفاهيم.

وإما لكونه من المسائل الكلامية التي لا تليق بهذه الرسالة، وإن كانت من المبادئ الفقهية، مثل: صحة التكليف بفعل علم الآمر انتفاء شرطه، مع جهل المأمور أو علمه أيضا، ووجود الواجب الموسع والكفائي، وامتناع تكليف ما لا يطاق، وتعلق الامر بالمعدوم، وتكليف الغافل والمكره، ونحو ذلك مما يتعلق بمباحث العدل من علم الكلام.

وإما لقلة فائدته، مثل بحث الواجب التخييري، وبقاء الجواز بعد نسخ الوجوب، وغير ذلك.

[89]

المقصد الثاني: في النواهي

وفيه مباحث: البحث الاول: اختلفوا في مدلول صيغة النهي حقيقة، على نحو اختلافهم في الامر (1).

والحق ههنا - أيضا - نظير ما مر (2) في الامر، من أنها حقيقة في طلب الترك.

ولكن تحمل نواهي الشرع على التحريم: لما مر في الامر.

ولقوله تعالى: * (وما نهاكم عنه فانتهوا) * (3)، وقد مر أن أوامر الشرع

___________________________________

(1) قال الغزالي: " اعلم أن ما ذكرنا من مسائل الاوامر تتضح به أحكام النواهي إذ لكل مسألة وزان من النهي عن العكس ".

المستصفى: 2 / 24 والنظر: الذريعة: 1 / 174، المحصول: 1 / 338، المنتهى: 100، المعارج: 76، المعالم: 90.

(2) في ب: يظهر مما مر.

(3) الحشر / 7.

(*)

[90]

محمولة على الوجوب.

وقوله تعالى في مقام الذم والوعيد: * (ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه) * (1) الآية.

وغير ذلك، نحو قوله تعالى في مقام الذم: * (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) * (2).

وقوله تعالى: * (فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين) * (3).

البحث الثاني: الحق أن النهي الشرعي المجرد عن القرائن يجب حمله على الدوام: (4) لان حمل النهي المطلق على حصة معينة من الاوقات، محدودة الاول والآخر، من دون مرجح، غير معقول.

ولان العلماء لم يزالوا يستدلون على عموم التحريم بمطلق النهي.

البحث الثالث: هل يجوز تعلق الامر والنهي بشئ واحد، أو لا؟ (5).

___________________________________

(1) المجادلة / 8.

(2) الانعام / 28.

(3) الاعراف / 166.

(4) الذريعة: 1 / 176، معالم الدين: 92، ونقله الفخر الرازي عن المشهور، لكنه خالف فيه: المحصول: 1 / 338، ونسبه ابن الحاجب إلى المحققين: المنتهى: 101، كما خالف في ذلك العلامة في تهذيب الوصول: 33، وإن وافقهم على ذلك في كتابه نهاية الوصول على ما حكاه عنه المحقق الشيخ حسن: معالم الدين: 92.

(5) المحصول: 1 / 340.

(*)

[91]

والحق عدم الجواز (1).

واعلم أن للمسألة صورا: الاولى: أن يتعلق الامر الايجابي العيني، والنهي التحريمي العيني، بأمر واحد شخصي.

ولا شك ولا نزاع لاحد في امتناعه، بناء‌ا على امتناع التكليف بما لا يطاق (2)، سواء كان منشأ تعلق الحكمين ذات ذلك الشئ أو وصفين لازمين له.

أما لو أمكن اتصافه بعرضين مفارقين، مع بقاء وحدته في الحالين، فيجوز تعلق الامر باعتبار أحد الوصفين، والنهي باعتبار الآخر، فيجب حينئذ إيقاعه على الوصف الاول، ويحرم إيقاعه موصوفا بالوصف الثاني، كلطم اليتيم تأديبا، وظلما، والسجود لله، ولغيره، فإنه يختلف بالقصد والنية.

الثانية: أن يتعلق الامر الايجابي التخييري، والنهي التحريمي العيني بأمر شخصي، بحيث يكون منشأ الوجوب والحرمة واحدا، أو أمرين متلازمين.

والحق امتناعه، والظاهر أنه لا نزاع فيه أيضا، ويسجئ ما يحققه.

الثالثة: أن يتعلق الامر الحتمي، والنهي كذلك، كل واحد بكلي، ولكن يكون بين الكليين العموم من وجه، فيختار المكلف ما يندرج في كل منهما، فهل يحصل الامتثال باعتبار الامر، أو لا؟.

فيه خلاف، وقد مثل بالصلاة في الدار المغصوبة، فإن الصلاة مأمور بها، والغصب منهي عنه، والصلاة في الدار المغصوبة فرد لكل منهما، أما بالنسبة إلى الصلاة فباعتبار نفسها، وأما بالنسبة إلى الغصب فباعتبار جزئها، لان القيام على أرض الغير، والسجود عليها، مع عدم رضائه أو بدون إذنه،

___________________________________

(1) المحصول: 1 / 340.

(2) المحصول: 1 / 341.

(*)

[92]

تصرف متصف بالغصب، بل هو نفس الغصب، وكذا الحركات والسكنات، إذ الكون - وهو شغل الحيز - جنس للحركة والسكون، وجزئيتهما للصلاة تستلزم جزئيته.

وقد وقع النزاع في صحة هذه الصلاة وبطلانها، بناء‌ا على أنه هل تعدى الامر المتعلق (1) بمطلق الصلاة إلى هذا الفرد المتعلق (2) للنهي؟ أو لا؟ (3).

وهذه الصورة في الحقيقة ترجع إلى الصورة الثانية، لان النهي عن الكلي نهي عن جميع جزئياته، والامر به أمر بواحد من جزئياته، فكل واحد (4) من جزئياته يصير واجبا تخييريا.

والحق: امتناع تعلق الامر - العام (5) لجميع (6) الجزئيات المحصي لها (7) - بما هو فرد للمنهي عنه، وأن الدعوى بينة، غنية عن الدليل، إذ امتناع كون الشئ الواحد مرادا - ولو على جهة التخيير - وغير مراد - بل مبغوضا - لشخص واحد، في غاية الظهور.

وتعلق الوجوب التخييري به، يوجب الرخصة من الحكيم باختياره، مع استلزامه حينئذ (8) امتناع الاطاعة في طرف النهي.

وأيضا: هذا ينافي اللطف، إذ المكلف حينئذ مقرب للمكلف إلى معصيته (9)، كما لا يخفى.

___________________________________

(1) كذا في أ وب وط، وفي الاصل: المطلق.

(2) في ط: المعين.

بدل: المتعلق.

(3) المحصول: 1 / 343، وقد ذهب الشيخ الطوسي إلى الاول: عدة الاصول: 1 / 100.

(4) كلمة (واحد): زيادة من ب.

(5) كذا في ب، وفي سائر النسخ: امر العالم.

(6) كذا في أ، وفي سائر النسخ: بجميع.

(7) كذا في الاصل وب، وفي أ وط: بها.

(8) (حينئذ): زيادة من أ وط.

(9) كذا في أ وب، وفي الاصل: لا معصيته، وفي ط: معصية.

(*)

[93]

واختلاف الجهة غير مجد مع اتحاد المتعلق.

احتج المخالف بوجهين (1):

الاول: أن السيد إذا أمر عبده بخياطة ثوب، ونهاه عن الكون في مكان مخصوص، ثم خاطه في ذلك المكان، فإنا نقطع بأنه مطيع عاص، لجهتي الامر والنهي.

الثاني: أنه لو امتنع الجمع، لكان باعتبار اتحاد متعلق الامر والنهي - إذ لا مانع سواه اتفاقا - واللازم باطل، إذ لا اتحاد في المتعلقين (2)، فإن متعلق الامر الصلاة، ومتعلق النهي الغصب، وكل منهما يتعقل انفكاكه عن الآخر، وقد اختار المكلف جمعهما، مع إمكان عدمه، وذلك لا يخرجهما عن حقيقتيهما اللتين هما متعلقا الامر والنهي (3) حتى لا تبقيا مختلفتين.

والجواب عن الاول:

أولا: بمنع حصول الاطاعة على التقدير المذكور، والسر في توهم هذا الحصول: أن غرض الآمر وفائدة الخياطة حاصلة على أي حال اتفقت الخياطة، فيشتبه (4) حصول الغرض بحصول الاطاعة.

وثانيا: بأن المتعلق في المثال المذكور مختلف، فإن الكون ليس جزء‌ا من الخياطة، بخلاف الصلاة، وتحقيقه: أن الخياطة أمر حاصل من الحركات، فهي بمنزلة المعدات له.

___________________________________

(1) حكاهما المحقق الشيخ حسن: معالم الدين: 94 - 95.

(2) في ط: للمتعلقين.

(3) عبارة (اللتين هما متعلقا الامر والنهي): زيادة من ب، وهي مثبتة في المصدر أيضا: المعالم 95.

(4) في ب وط: فيشبه.

(*)

[94]

ولا يمكن أن يقال: إن الصلاة - أيضا - أمر حاصل من الحركات والسكنات، فهي الاذكار (1) الواقعة على الانحاء الخاصة.

للاجماع على أن القيام، ورفع الرأس من الركوع، والسجود، وملاصقة الجبهة بالارض - من أجزاء الصلاة وأركانها.

لا يقال: اختلاف المتعلق غير مجد مع التلازم، إذ تعلق النهي باللازم، والامر بالملزوم - غير جائز، ومطلق الكون من لواز مطلق الخياطة، والكون في المكان المغصوب من لوازم الخياطة فيه، كالكون مع الصلاة في الجزئية.

لانا نقول - بعد تسليم أن الكون من لوازم الخياطة لا من لوازم الخياط -: إنا لا نسلم أن الكون في المكان المغصوب من لوازم الخياطة فيه، بل الكون المطلق لازم لها، وليس للكون الخاص مدخلية في تشخص الخياطة، بل شخص الخياطة في المكان المغصوب يمكن حصوله في غير ذلك المكان، بخلاف الصلاة، فإن أشخاصها تتبدل بتبدل الاكوان في الاماكن المختلفة.

وعن الثاني: أن اتحاد المتعلق لازم، بملاحظة أن التكاليف المتعلقة بالماهيات، متعلقة في الحقيقة بجزئياتها.

الرابعة (2): أن يتعلق الامر الايجابي الحتمي والنهي التنزيهي، بأمر واحد شخصي، وهذا - أيضا - غير جائز، لما مر.

الخامسة: أن يتعلق الامر الايجابي التخييري، والنهي التنزيهي، بأمر واحد شخصي، كالصلاة في الحمام، ونحوه من الاماكن المكروهة (3)، وهذا أيضا ممتنع، إذا كان المكروه بمعناه المعروف، وهو راجحية (4) الترك، فما تعلق به هذا النهي من العبادات، فالظاهر بطلانه ما لم يدل دليل على صحته، وما

___________________________________

(1) زاد في ط في هذا الموضع كلمة: الخاصة.

(2) أي: من الصور المذكورة لاجتماع الامر والنهي.

(3) الفقيه: 1 / 241 ح 725، الكافي: 3 / 390 باب الصلاة في الكعبة.... ح 12، المحاسن للبرقي: 365 ح 110.

(4) في ب: ارجحية.

(*)

[95]

دل الدليل على صحته، يجب حمل النهي (1) فيه على غير معناه الحقيقي، ولهذا اشتهر أن متعلق الكراهة ليس نفس العبادة، بل أمر آخر، كالتعرض للنجاسة، أو لكشف العورة، ونحو ذلك، في كراهة الصلاة في الحمام، فاختلف المتعلق.

ويقولون: إن الحرمة غالبا تتعلق بالذات، والكراهة (2) بالوصف.

وهذا خلاف ظواهر النصوص، الدالة على تعلق الكراهة بنفس الفعل، مثل: (لا تصل في الحمام) ونحوه.

والحق: هو ما اشتهر من أن الكراهة في العبادات، بمعنى كونها (3) أقل ثوابا بنسبة خاصة.

وتحقيقه: أن العبادة قد تكون بحيث لم يتعلق بها نهى ولا أمر - غير الامر الذي تعلق بأصلها - كالصلاة اليومية في البيت للبعيد عن المسجد، أو عند المطر (4)، نحو ذلك.

وهذه ربما تتصف بالاباحة، بمعنى عدم مرجوحية أوصافها وأجزائها (5)، وعدم راجحيتها أيضا - غير الراجحية الناشئة من راجحية أصلها - فيقال: الصلاة اليومية في البيت مثلا مباحة.

وقد تكون بحيث تعلق بها أمر آخر، باعتبار اشتمالها أو اتصافها على أمر راجح أو به.

وهذا الرجحان: قد ينتهي إلى حد الوجوب، كالصلاة في المسجد مع نذر إيقاعها فيه، فيجتمع حينئذ وجوبان، وقد لا ينتهي إليه، كالصلاة اليومية

___________________________________

(1) كذا في ط، وفي سائر النسخ: الكراهة.

(2) في ط: الكراهية.

(3) في ط: أنها.

(4) الفقيه: 1 / 377 ح 1099.

(5) كذا في أ وط، وفي الاصل وأ: أو أجزائها.

(*)

[96]

في المسجد لا مع النذر ولا مع عذر مسقط للندب، فيجتمع (1) حينئذ الوجوب مع الندب.

وقد تكون بحيث يتعلق بها نهي بالاعتبار المذكور.

وهذه المرجوحية: قد تنتهي إلى حد التحريم، كصلاة الحائض، والصلاة في الدار المغصوبة، وغير ذلك، وقد مر أنها تستلزم الابطال، وقد لا تنتهي إليه، وهذه أيضا تستلزم الابطال، إن كان النهي باعتبار جزء، أو وصف لازم، لما مر في النهي التحريمي.

فلا بد من حمل الكراهة على أقلية الثواب، بمعنى كون العبادة - باعتبار الاشتمال أو الاتصاف المذكور - أقل ثوابا منها نفسها لو لم تكن كذلك، بل كانت متصفة بالاباحة المذكورة، فالصلاة في الحمام مكروهة، بمعنى أنها أقل ثوابها منها في البيت، لا في المسجد.

وعلى هذا التحقيق لا يرد ما يقال: إن الكراهة بمعنى أقلية الثواب، توجب كون الصلاة في جميع المساجد والمواضع - مكروهة، غير المسجد الحرام، لانها أقل ثوابا منها فيه.

وقد علم مما مر صورة اجتماع الامر الايجابي معه، ومع الندب، ومع الاباحة، بل صورة اجتماع الامر الندبي مع الايجاب، والندب، والاباحة، والكراهة، والتحريم، فهذه ثلاث عشر صورة: تتميم: فإن قلت: كيف حكمت ببطلان العبادة، عند فرديتها للمأمور به والمنهي عنه؟ وحكمت باستثنائها عن بقية أفراد المأمور به في تعلق

___________________________________

(1) في ط: فيجمع.

(*)

[97]

الامر، ولم لا يجوز دخولها في المأمور به، وخروجها عن المنهي عنه؟ مثلا: الصلاة في الدار المغصوبة، تكون صحيحة، ويكون كل غصب منهيا عنه إلا الصلاة إذا كانت غصبا، وأي فرق بين قولك: (كل صلاة مأمور بها إلا اذا كانت غصبا)، وبين قولنا: (كل غصب منهي عنه إلا اذا كان صلاة)؟ ! قلت: هذا الاحتمال (1) لا يخلو عن قرب، سيما (2) مع ضميمة ما دل على صحة الصلاة المذكورة، مثل قوله تعالى: * (إن الارض لله) * (3)، وما ورد من أن الارض مهر لفاطمة الزهراء عليها السلام (4) إلا أن أصحابنا لم ينقلوا خلافا في بطلان الصلاة المذكورة.

ولعل الوجه فيه: أن تعلق الامر بمثل العبادة المذكورة، بطريق التخيير، على ما مر، وتعلق النهي بها، بطريق الحتم والعين، فيكون استثناؤها من الامر أولى من استثنائها من النهي، إذ ظاهر (5): أن الاهتمام بفعل فرد خاص من الواجب التخييري، ليس مثل الاهتمام بترك الحرام العيني.

أو الوجه فيه: أن العبادة اذا صارت محتملة لكل من الوجوب والتحريم، رجح جانب التحريم، لا لما قيل واشتهر من: أن دفع المفسدة أهم من جلب المنفعة - إذ هذا إنما يتم مع تعارض الندب والتحريم، لا الواجب معه، لان ترك الواجب أيضا كفعل الحرام مفسدة - بل لما ورد من التوقف عند تعارض الامر والنهي، ومصداقه الكف.

وأيضا: من تتبع ظهر عليه أن كل أمر مردد (6) بين الوجوب والتحريم،

___________________________________

(1) كذا في أ وب وط، وفي الاصل: احتمال.

(2) في ب: لا سيما.

(3) الاعراف / 128.

(4) كشف الغمة: 1 / 472، المحتضر: 133.

(5) في ط: الظاهر.

(6) كذا في أ.

وفي الاصل: أن كل مردد.

وفي ط: ان كل أمر تردد.

وفي ب: ان كل امر ورد.

(*)

[98]

رجح الشرع جانب الكف عنه، كصلاة الحائض في أيام الاستظهار، وكف الوضوء عن الاناء‌ين (1) المشتبهين عند نجاسة أحدهما، وغير ذلك.

وقال السيد في الذريعة: " وقد يصح أن تقبح من المكلف جميع أفعاله على وجه، وتحسن على وجه آخر، وعلى هذا الوجه يصح القول: بأن من دخل زرع غيره على سبيل الغصب - أن له الخروج عنه بنية التخلص، وليس له التصرف بنية الفساد، وكذلك من قعد على صدر حي، إذا كان انفصاله منه يؤلم ذلك الحي كقعوده، وكذلك المجامع زانيا، له الحركة بنية التخلص، وليس له الحركة على وجه آخر " (2).

وقال في موضع آخر، بعد الاستدلال على بطلان الصلاة في الدار المغصوبة: " وقد قيل في التمييز (3) بين الصلاة وغيرها، في هذا الحكم: إن كل عبادة ليس من شرطها أن يتولى الفعل بنفسه، بل ينوب فعل الغير مناب فعله، أو ليس من شرطها أن تقع منه بنية الوجوب، أو ليس من شرطها النية اصلا، لم يمتنع في المعصية منها أن تقوم مقام الطاعة، وهذا قريب " (4) انتهى.

ثم قال: " وأما الضيعة المغصوبة، فالصلاة فيها مجزية، لان العادة جرت بأن صاحبها لا يحظر على أحد الصلاة فيها، والتعارف يجري مجرى الاذن، فيجب الرجوع إليه ".

وقال: " فأما من دخل وليس بغاصب، لكنه داخل الدار المغصوبة مختارا (5)، فيجب أن لا تفسد صلاته، لان

___________________________________

(1) كف صاحبه عن مجاوزته إلى غيره: منعه، وهو أصل المعنى.

انظر: معجم الافعال المتعدية بحرف: 315.

هذا، والمناسب أن تكون العبارة كما يلي: والوضوء بالاناء‌ين إلى آخره، عطفا على المثال الاول.

(2) الذريعة: 1 / 178.

(3) كذا في أ وط، وفي الاصل وب: التميز.

(4) الذريعة: 1 / 193.

(5) كذا في النسخ، ولكن في المصدر: مجتازا.

(*)

[99]

المتعارف بين الناس أنهم يسوغون ذلك لغير الغاصب، ويمنعونه في الغاصب " (1) انتهى.

ويفهم من كلامه الاول: أن الفعل الواحد يمكن أن يتصف بالوجوب والحرمة، سيما في مثاله بالقعود على صدر الحي.

وكلامه الثاني ظاهر في صحة الوجوب الكفائي في المكان المغصوب.

واعلم أن الشهيد رحمه الله، نقل في قواعده (2)، عن السيد المرتضى: صحة الصلاة الواقعة على جهة الرياء، وعدم ترتب الثواب عليها، لكن تسقط المؤاخذة بفعلها (3)، وهو يؤذن بتجويزه تعلق الامر والنهي بشئ واحد من جهتين، إلا أن يقول: إن الرياء أمر غير الصلاة، وفيه تأمل.

ونقل الكليني في كتاب الطلاق، عن الفضل بن شاذان: التصريح بصحة الصلاة في الدار المغصوبة، حيث قال: " وإنما قياس الخروج والاخراج [ للمعتدة الرجعية من بيتها ] (4) كرجل داخل دار قوم بغير إذنهم، فصلى فيها، فهو عاص في دخوله الدار، وصلاته جائزة، لان ذلك ليس من شرائط الصلاة، لانه منهي عن ذلك، صلى أو لم يصل " (5) انتهى كلامه.

وغرضه: أن ما كانت الصلاة سببا للنهي عنه (6)، فاقترانه للصلاة مفسد لها، كالصلاة في الثوب النجس، وما كان النهي فيه عاما غير مختص بالصلاة، فاقترانه غير مفسد، كالصلاة في الثوب المغصوب، وذكر أمثلة اخرى غيرها.

ثم اعلم: أن هذه المسألة من المسائل العدلية من علم الكلام، أوردتها هنا لنفعها في بعض مسائل هذا العلم، فهي من المبادئ التصديقية، وإيرادها

___________________________________

(1) الذريعة: 1 / 194.

(2) القواعد والفوائد: 1 / 79 - الفائدة الثالثة.

(3) الانتصار: 17.

(4) ما بين المعقوفين غير مثبت في نسخة ط، كما ان المصدر الكافي خال منه.

(5) الكافي: 6 / 94 / كتاب الطلاق / باب الفرق بين من طلق على غير السنة.....(6) كلمة (عنه): زيادة من أ.

(*)

[100]

في الادلة العقلية أيضا غير بعيد، إلا أنها لا يستدل بها إلا على نفي الحكم الشرعي، كأصالة براء‌ة الذمة.

البحث الرابع: اختلفوا في دلالة النهي على فساد المنهي عنه، على أقوال: عدم الدلالة مطلقا، نقله في المحصول عن أكثر الفقهاء (1)، والآمدي عن أكثر المحققين (2) والدلالة مطلقا (3)، واختاره ابن الحاجب من العامة (4)، والسيد المرتضى منا لكن قال: إن دلالته على الفساد شرعا لا لغة (5)، واختاره الشهيد في قواعده (6)، والمحقق الشيخ علي في شرح القواعد (7)، بشرط عدم رجوع النهي إلى وصف غير لازم.

" واختاره بهذا الشرط الفخر الرازي في المعالم، ونقله في الوجيز، عن الشافعي، ونقله الآمدي عن أكثر أصحاب الشافعي، واختاره هو " (8).

___________________________________

(1) المحصول: 1 / 344.

(2) الاحكام: 2 / 407، التمهيد: 292.

(3) العدة: 1 / 101 - 102.

(4) كذا حكى الاسنوي في التمهيد: 292، ولكن ابن الحاجب قد فصل بين النهي عن الشئ لعينه فيدل على الفساد شرعا لا لغة، وبين النهي عن الشئ لوصفه.

وحكم في هذه الصورة بالفساد مطلقا: المنتهى: 100 - 101، وشرح العضد على المختصر: 1 / 209 (المتن).

(5) الذريعة: 1 / 180.

(6) القواعد والفوائد: 1 / 99 قاعدة 57.

(7) المسمى ب‍: جامع المقاصد: 2 / 116.

(8) ما بين القوسين نص عبارة الاسنوي في التمهيد: 293.

(*)

[101]

والقول الثالث: التفصيل، وهو الدلالة (1) في العبادات، لا في المعاملات، وهو مختار المحصول منهم (2)، والعلامة (3)، والمحقق (4)، وكثير من المتأخرين منا (5).

والحق: أن النهي يقتضي فساد المنهي عنه مطلقا، فههنا مققامان: الاول: أن النهي يقتضي فساد ما تعلق به من العبادات.

والدليل عليه: أن المنهي عنه لا يكون مرادا ومطلوبا للمكلف، والعبادة الصحيحة - واجبة أو مندوبة - تكون مرادة ومطلوبة للمكلف، فلا يكون المنهي عنه عبادة صحيحة، وهو ظاهر.

واعلم أن النهي: قد يرجع إلى نفس العبادة، كالنهي عن صلاة الحائض.

وقد يرجع إلى جزئها، كالنهي عن قراء‌ة العزائم في اليومية، بناء‌ا على جزئية السورة.

وقد يرجع إلى وصف لازم، كالنهي عن الجهر في الفرائض النهارية.

وقد يرجع إلى (6) أمر مقارن غير لازم، كالنهي عن قول (آمين) بعد الحمد، وعن التكفير - وهو وضع اليمين على الشمال في الصلاة - ونحو ذلك.

واقتضاء النهي الفساد في الثلاثة الاول ظاهر، إذ صحة الكل والملزوم، مع فساد الجزء واللازم (7)، ظاهر الفساد.

وأما القسم الاخير: فقد وقع الخلاف فيه بين فقهائنا:

___________________________________

(1) زاد في ط كلمة (مطلقا) في هذا الموضع.

(2) المحصول: 1 / 344.

(3) تهذيب الوصول: 33.

(4) معارج الاصول: 77.

(5) معالم الدين: 96.

(6) زاد في ب في هذا الموضع كلمة: وصف.

(7) حرف العطف ساقط من أ وب.

(*)

[102]

فبعضهم يقول: إن النهي عن مثل (1) هذه الامور، لا يوجب فساد العبادة الواقعة هي فيها، أو المتصفة بها، إذ هذه امور خارجة (2) ومغايرة للعبادة، ولا دليل على استلزام فسادها لفساد العبادة، والامر يقتضي الاجزاء إجماعا ممن يعتد به.

وبعضهم يقول بفساد العبادة بفسادها، وكأن الوجه فيه: أنه يفهم من النهي أن عدم المنهي عنه من شرائط تحقق العبادة الشرعية، ووجوده مانع منه، فلا يمكن تحقق العبادة مع وجوده.

والحق أن يقال: إن العبادة إذا كانت بحيث قد علم من دليل شرعي جميع أجزائها وشرائطها وموانعها، ولا يكون هذا المنهي عنه شيئا منها، فالنهي حينئذ لا يقتضي فساد العبادة المقارنة للمنهي عنه، لما مر، وأما مع عدم ذلك فالظاهر أن المنهي عنه من موانع حقيقة العبادة شرعا، إذ جميع أجزاء العبادة وشرائطها وموانعها، إنما يعلم من الاوامر والنواهي، فليس لاحد أن يقول: إن النهي إنما يدل على حرمة المنهي عنه، وهو لا يستلزم فساد العبادة.

كما أنه ليس له أن يقول: إن الامر إنما يدل على وجوب المأمور به في العبادة (3)، ولا دلالة له (4) على جزئيته للعبادة، أو شرطيته.

ولو صح هذا القول، لانسد طريق الاستدلال على بطلان الصلاة والصوم وغيرهما، بترك جل أجزائها وشرائطها كما لا يكاد (5) يخفى.

ثم لا يخفى عليك: أن مانعية المنهي عنه، إنما هو على تقدير اختصاص النهي بالعبادة، فلو علم أن النهي عن الشئ في عبادة إنما هو لاجل حرمة ذلك

___________________________________

(1) كذا في أ وب، وفي الاصل وط: ان نهي مثل.

(2) كذا في أ وط، وفي الاصل وب: خارجية.

(3) في الاصل: والعبادة.

وما اثبتناه مطابق لسائر النسخ.

(4) كلمة (له) زيادة من أ.

(5) كلمة (يكاد): زيادة من ط.

(*)

[103]

الشئ مطلقا، كالنهي عن النظر إلى الاجنبية في الصلاة، فهو لا يقتضي فساد العبادة، إذ حينئذ معلوم أن المنهي عنه لا ارتباط له بالعبادة في المانعية.

المقام الثاني: أن النهي يقتضي فساد ما تعلق به من المعاملات، كأقسام البيوع والانكحة والطلاق وغيرها، سواء كان النهي يرجع إلى نفس الصيغة، كلفظ التحليل في النكاح، والكنايات في الطلاق، ونحو ذلك، أو إلى أحد العوضين، كبيع الميتة والخمر ونكاح المحرمات، أو إلى وصف لازم، كبيع الملامسة والمنابذة والربا ونكاح الشغار ونحو ذلك، ويمكن إدخال كثير من هذه في الاولين.

والدليل على اقتضاء النهي الفساد في هذا القسم - من وجهين: الاول: استدلال العلماء: فإن علماء الامصار في الاعصار، لم يزالوا يستدلون على الفساد بالنهي، في أبواب الربا، والانكحة والبيوع وغيرها (1).

وليس الفساد مدلولا للفظ النهي (2)، إذ لا يفهم سلب (3) الاحكام من النهي المتعلق بشئ، ولا تلازم بين التحريم وسلب الاحكام، إذ لا بعد (4) في أن تكون المصلحة في عدم شئ، ولكن بعد وجوده تكون المصلحة في ترتب آثاره عليه (5)، ولهذاحكم شرعا بالتطهير إذا وقعت إزالة النجاسة بالماء المغصوب، ويترتب على الوطئ في الحيض آثاره من لحوق الولد، ووجوب المهر، والتحليل للزوج الاول، ونحو ذلك.

___________________________________

(1) في ب: ونحوها.

(2) هذا تعريض بالمحقق الحلي، والعلامة الحلي، والشيخ حسن حيث استدلوا على عدم دلالة النهي على الفساد في هذا القسم بعدم الدلالة اللفظية عليه: معارج الاصول: 77، تهذيب الوصول: 34، معالم الدين: 96 - 97.

(3) في أ: سبب.

(4) في أ: يبعد.

(5) هذا رد على دعوى المحقق الشيخ حسن: معالم الدين: 97.

(*)

[104]

بل الفساد مما يحكم به العقل في المعاملات من ظاهر حال الناهي.

وقد وقع في الروايات ما يدل على اقتضاء النهي الفساد: روى الشيخ في التهذيب، في الصحيح: " عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام، أنه قال: لو لم يحرم على الناس أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لقول الله عزوجل * (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا) * (1) - حرم على الحسن والحسين عليهما السلام، لقوله عزوجل: * (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) * (2).

وروى في الموثق: " عن الحسن بن الجهم، قال: قال أبوالحسن الرضا عليه السلام: يا أبا محمد، ما تقول في رجل تزوج بنصرانية على مسلمة؟ قلت: جعلت فداك، وما قولي بين يديك؟ !

قال: لتقولن، فإن ذلك يعلم (3) به قولي.

قلت: لا يجوز تزويج النصرانية على المسلمة، ولا على غير مسلمة.

قال: لم؟ قلت: لقول الله عزوجل: * (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) * (3).

قال: فما تقول في هذه الآية: * (والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم) * (5)؟ فقلت: قوله تعالى: * (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) * (6) نسخت هذه الآية، فتبسم ثم سكت " (7).

___________________________________

(1) الاحزاب / 53.

(2) النساء / 22، والحديث في: التهذيب: 7 / 281 ح 1190.

(3) كذا في المصدر، وفي النسخ: تعلم.

(4) البقرة / 221.

(5) المائدة / 5.

(6) البقرة / 221.

(7) التهذيب: 7 / 297 ح 1243.

(*)

[105]

وروى: " عن زرارة بن أعين، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: لا ينبغي نكاح أهل الكتاب.

قلت: جعلت فداك، وأين تحريمه؟ قال: قوله * (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) * (1).

وفي الحسن - بإبراهيم بن هاشم -: " عن زرارة بن أعين، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول اللهه عزوجل: * (والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم) * (2)؟ فقال: هي منسوخة بقوله: * (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) * " (3).

فإن الامام عليه السلام استدل بالنهي عن التحريم، ومعلوم أن المراد من التحريم في هذه الصور بطلان النكاح، كما في قوله تعالى: * (حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم وأخواتكم..) (4) الآية.

وروى في الحسن - به -: " عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عن مملوك تزوج بغير إذن سيده؟ فقال: إن ذلك إلى سيده، إن شاء أجازه، وإن شاء فرق بينهما.

فقلت: أصلحك الله، إن الحكم بن عتيبة (5)، وإبراهيم النخعي، وأصحابهما، يقولون: إن أصل النكاح باطل، فلا تحل إجازة السيد له.

فقال أبوجعفر عليه السلام: إنه لم يعص الله، إنما عصى سيده، فإذا أجازه فهو له جائز " (6).

___________________________________

(1) الممتحنة / 10، والحديث في: التهذيب: 7 / 197 ح 1244.

(2) المائدة / 5.

(3) التهذيب: 7 / 298 ح 1245.

(4) النساء / 23.

(5) في أ: عيينة.

وهو تصحيف.

(6) التهذيب: 7 / 351 ح 1432.

(*)

[106]

وفي حديث آخر عنه أيضا: " فقلت لابي جعفر عليه السلام فإن أصل النكاح كان عصيانا (1).

فقال أبوجعفر عليه السلام: إنما أتى شيئا حلالا، وليس بعاص لله، وإنما عصى سيده، ولم يعص الله، إن ذلك ليس كإتيان ما حرم الله عليه من نكاح في عدة وأشباهه " (2).

فإنهما يدلان على فساد النكاح إذا كان معصية لله تعالى.

وفي الحسن: عن " محمد بن مسلم، قال: قال أبوجعفر عليه السلام: من طلق ثلاثا في مجلس على غير طهر، لم يكن شيئا، إنما الطلاق: الذي أمر الله عزوجل به، فمن خالف لم يكن له طلاق " (3).

وجه الدلالة: أن الطلاق إذا كان منهيا عنه كان مخالفا لما أمر الله عزوجل به.

والروايات فيما يدل على المطلوب أكثر من أن تعد وتحصى، فتدبرها (4).

الثاني: أن لزوم الآثار والاحكام للمعاملات ليس عقليا، بل هو بمجرد جعل الشارع، من قبيل الاحكام الوضعية الناقلة عن الاصل، فلا يحكم به إلا مع العلم، أو الظن الشرعي، ومع تعلق النهي بمعاملة لا يحصل العلم ولا الظن بأن الشارع جعل تلك المعاملة المنهي عنها سببا ومعرفا لشئ من الاحكام، نعم إن علم في معاملة أن الشارع جعلها معرفا لاحكام مخصوصة مطلقا - سواء أكانت منهيا عنها لنفسها أو لجزئها أو لوصفها أو لم تكن - أمكن الحكم بترتب آثارها عليها مع حرمتها، بأحد الوجوه المذكورة، لكن الظاهر أن مثل ذلك ليس واقعا في أحكامنا.

___________________________________

(1) كذا في النسخ، وفي المصدر: عاصيا.

(2) التهذيب 7 / 351 ح 1431.

(3) التهذيب: 8 / 47 ح 146.

(4) كذا في أ، وفي سائر النسخ: فليتدبرها.

(*)

[107]

هذا، ولو رجع النهي في المعاملة إلى أمر مقارن، كالنهي عن البيع وقت النداء، فهل يوجب الفساد أو لا؟ والحق فيه - أيضا -: مثل ما مر في مثله في النهي في العبادات، بأن يقال - مع اختصاص النهي، وعدم العلم بعدم مانعية المنهي عنه في صحة المعاملة -: الظاهر كون المنهي عنه مانعا من ترتب أحكامها عليها، ويجري فيه الدليل المذكور، فتأمل.

الباب الثاني في العام والخاص (المقصد الاول)

وفيه ايضا مقصدان

الاول في العام

وفيه مباحث: الاول: العام: هو اللفظ المستغرق لما يصلح له بوضع واحد، وقد وقع الخلاف في أن العام هل له صيغة تخصه؟ بحيث إذا استعملت في الخصوص كانت مجازا، أو لا؟ والاكثر منا: على أن له صيغة كذلك (1).

وأنكر السيد المرتضى ذلك، وذهب إلى الاشتراك اللفظي بحسب اللغة، ووافقهم بحسب الشرع (2).

والجمهور من العامة - أيضا -: على أن له صيغة كذلك (3).

___________________________________

(1) عدة الاصول: 1 / 103 وما بعدها، معارج الاصول: 81، تهذيب الوصول: 35، وقد نسبه المحقق الشخ حسن إلى جمهور المحققين بعد أن صرح باختياره: معالم الدين: 102.

(2) الذريعة: 1 / 198، 201.

(3) المستصفى: 2 / 48، المحصول: 1 / 356، المنتهى: 102 - 103، منهاج الوصول: 81 - 82.

(*)

[112]

وعكس جمع منهم، والقاضي منهم كالمرتضى (1).

ونقل عن الآمدي: التوقف (2).

[ وقيل: بالتوقف ] في الاخبار والوعد والوعيد، دون الامر والنهي (3).

والحق: المشهور.

والصيغة الموضوعة (4) له عند المحققين هي هذه: (من) و (ما) للشرط والموصول والاستفهام.

و (مهما) و (أينما) للشراط.

و (متى) للزمان.

و (كل) و (جميع)، مع عدم إرادة الهيئة الاجتماعية.

والنكرة في سياق النفي ب‍ (لا) أو (ليس) أو (لن) أو (بما) على المشهور.

وألحق البعض: النكرة في سياق الشرط، كأن يقول: (إن ولدت ولدا، فأنت علي كظهر امي) فيحصل الظهار بتوليد ولدين أو أكثر أيضا.

وألحق آخره النكرة في سياق الاثبات، إذا كانت للامتنان، نحو: * (فيهما فاكهة ونخل ورمان) * (5) وابتنى عليه الاستدلال على العموم في قوله تعالى * (وينزل عليكم من السماء ماء‌ا ليطهركم به) * (6).

وآخر: في سياق الامر، نحو: (اعتق رقبه).

___________________________________

(1) (2) (3) حكى هذه الاقوال الاسنوي، والظاهر اعتماد المصنف عليه في نسبة هذه الاقوال، وما بين المعقوفين أخذناه من عبارة الاسنوي وقد خلت نسخ كتابنا هذا منه.

انظر: التمهيد: 297.

(4) في ب: المخصوصة.

(5) الرحمن / 68.

(6) الانفال / 11.

(*)

[113]

ومنها: الجمع المعرف باللام، أو بالاضافة، والمفرد كذلك عند الاكثر (1)، نقله الآمدي عن الشافعي والاكثر (2) واختاره هو (3)، ونقله الرازي عن الفقهاء والمبرد (4)، ويظهر من الشارح الرضي عدم الخلاف فيه (5)، وفي شرح العضدي نقله عن المحققين، من غير إشعار بخلاف فيه بينهم، إلا المنكر لاصل صيغة العموم (6).

وقد ألحق بالعموم: الجميع بصيغة الامر، نحو (أكرموا زيدا) (7).

والدليل على العموم في جميع ذلك: تبادره من الصيغ المذكورة، عند التجرد عن القرائن، وهو علامة الحقيقة.

وبعض من أنكر عموم المفرد، اعترف به في الاحكام الشرعية، معللا: بأن تعيين البعض غير معلوم، والحكم على البعض غير المعين غير معقول - إذ لا معنى لتحليل بيع من البيوع، وتحريم فرد من الربا، وعدم تنجيس مقدار (8) الكر من بعض الماء، في: * (وأحل الله البيع وحرم الربا) * (9)، و: " إذا بلغ الماء قدر (10) كر لم ينجسه شئ " (11) - فتعين إرادة الجميع.

___________________________________

(1) اختاره الغزالي في المستصفى: 2 / 89.

(2) كما في التمهيد: 327.

(3) الاحكام: 2 / 421 - 422.

(4) المحصول: 1 / 382.

وزاد فيه: والجبائي.

ولكن الرازي نفسه اختار عدم افادته العموم.

(5) شرح الكافية: 2 / 129.

(6) شرح العضد: 1 / 215 - 216.

(7) ذكره في المحصول: 1 / 381.

(8) في ب وط زيادة كلمة (من) في هذا الموضع.

(9) البقرة / 275.

(10) كلمة (قدر): ساقطة من الاصل، وقد اثبتناها من باقي النسخ.

(11) كذا الحديث في النسخ، ولكن المروي هو: " إذا كان الماء..... إلى آخره " الكافي: 3 / 2 - كتاب الطهارة / باب الماء الذي لا ينجسه شئ / ح 1.

التهذيب: 1 / 39 - 40 / ح 107 - 109.

وفي غوالي اللآلي: 1 / 76 و 2 / 6: " إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا ".

(*)

[114]

وأيضا: صحة الاستثناء دليل العموم، إذ الاستثناء - عند الاكثر -: إخرج ما لولاه لوجوب الدخول (1)، ولا يكفي الصلوح، ولهذا لا يجوز: (رأيت رجالا (2) إلا زيدا).

وليست صيغ العموم منحصرة فيما أوردناه، فلتعلم (3).

واعلم: أن الجمع المنكر لا يدل على العموم إلا في موضع يجري فيه ما ذكره المعترف في عموم المفرد في الاحكام، لعدم فهم العموم منه، وإفادة المعرف العموم، إنما هي مع عدم تساوي احتمالي العهد والجنس، وإلا فالعهد أظهر، كما ذكره الاكثر، ولا يتساوى الاحتمالان إلا مع تقدم (4) أمر يرجع إليه، كقوله تعالى: * (فعصى فرعون الرسول) * (5).

البحث الثاني: قيل: " ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال، ينزل منزلة

___________________________________

(1) كذا في ط، وقد اسقط الضمير من الاصل، وفي أ وب: ما لو لا الاخراج لوجب الدخول.

(2) في ط: رجلا.

(3) هناك صيغ اخرى تفيد العموم، وإن وقع في كثير منها الخلاف ك‍ (سائر) و (معشر) و (معاشر) و (عامة) و (كافة) و (قاطبة) و (ما) الزمانية نحو (إلا ما دمت عليه قائما) وكذا المصدرية مع الفعل المستقبل، مثل (يعجبني ما تصنع) و (أي) في الشرط والاستفهام وان اتصل بها (ما)، و (متى) و (حيث) و (إن) و (كيف) و (اذا) الشرطية اذا اتصلت بواحد منها (ما)، و (ايان) و (إذ ما) و (كم) الاستفهامية، واسم جمع ك‍ (الناس)، و (الرهط) و (القوم)، والاسماء الموصولة ك‍ (الذي) و (التي)، وتثنيتهما وجمعهما، واسماء الاشارة المجموعة مثل (اولئك) و (هؤلاء) والنكرة في سياق الاستفهام الانكاري مثل (هل تعلم له سميا)، واذا اكد الكلام ب‍ (الابد) أو (الدوام) أو (دهر الداهرين) أو (عوض) أو (قط) في النفي، افاد العموم في الزمان، واسماء القبائل مثل (ربيعة) و (مضر) و (الاوس) و (الخزرج) (منه رحمه الله).

(4) في أ وب: مع تقدمه.

(5) المزمل / 16.

(*)

[115]

العموم في المقال " (1).

وقيل: بل حكايات الاحوال إذا تطرق اليها الاحتمال كساها ثوب الاجمال، وسقط بها الاستدلال (2)، واختاره العلامة في التهذيب (3).

والحق أن يقال: إنه أقسام: الاول: أن يسأل عن واقعة دخلت في الوجود، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو الامام عليه السلام، مطلع عليها.

والحق فيه: عدم اقتضاء العموم، لان الجواب ينصرف إلى الجهة الخاصه للواقعة المخصوصة، ولا يتناول غيرها.

الثاني: أن يسأل عنها بعينها، مع احتمال اطلاعه عليه السلام على جهتها.

والحق فيه: القول الثاني، مع عدم مرجح لاحد الاحتمالين.

الثالث: أن يسأل عن الواقعة لا باعتبار وقوعها.

والحق فيه (4) أن يقال: إن الواقعة إن كانت لها جهة شائعة تقع غالبا عليها، فالجواب إنما ينصرف إليها، فلا يستدل به على غيرها.

وإن كانت جهات وقوعها واحتمالاته متساوية، لا مرجح لشئ منها في عصرهم عليهم السلام، فالظاهر: العموم، إذ عدم الانصراف إلى شئ منها يوجب إلغاء (5) الدليل، والصرف إلى إلبعض ترجيح بلا مرجح، فينصرف إلى

___________________________________

(1) القاتل هو الشافعي واللفظ له، حكاه عنه الفخر الرازي في: المحصول: 1 / 392، ثم قال: مثاله أن ابن غيلان اسلم على عشر نسوة، فقال عليه الصلاة والسلام: " أمسك أربعا، وفارق سائرهن " ولم يسأله عن كيفية ورود عقده عليهن في الجمع، أو الترتيب، فكان اطلاقه القول دالا على أنه لا فرق بين أن تتفق تلك العقود معا وعلى الترتيب.

(2) المستصفى: 2 / 60، المحصول: 1 / 393.

(3) كذا في ط، وفي سائر النسخ: واختار الاول العلامة.

وهو خطأ، فإن العلامة تنظر في الاول بعدما ذكره: تهذيب الوصول: 38: فتأمل.

(4) في أ: فيها.

(5) في أ: القاء.

(*)

[116]

الكل، وهو معنى (1) العموم.

والظاهر من المرتضى رحمه الله في الذريعة: القول بالعموم بترك الاستفصال، فإنه قال: " إذا سئل عليه السلام عن حكم المفطر، فلا يخلو جوابه من ثلاثة أقسام: إما أن يكون عام اللفظ، نحو أن يقول: كل مفطر فعليه الكفارة.

والقسم الثاني: أن يكون الجواب في المعنى عاما، نحو أن يسأل عليه السلام عن رجل أفطر، فيدع الاستكشاف عما به أفطر، ويقول عليه السلام: عليه الكفارة، فكأنه عليه السلام قال: من أفطر فعليه الكفارة.

والقسم الثالث: أن يكون السؤال خاصا، والجواب مثله، فيحل (2) محل الفعل " (3).

فكلامه يدل على أن ترك الاستكشاف بمنزلة العموم، إلا أن مثاله في تنقيح المناط، والظاره أنه لا خلاف في العموم حينئذ، كما سيجئ في بحث الادلة العقلية إن شاء الله تعالى وتقدس.

البحث الثالث: تخصيص حكم العام بمبين، لا يخرجه عن الحجية (4) في الباقي، سواء خص بمتصل أو بمنفصل، عقل أو نقل، وسواء قلنا بأن ذلك العام حينئذ حقيقة - كما هو الحق في أغلب صور التخصيص بالمتصل - أو قلنا إنه مجاز،

___________________________________

(1) في ط: مقتضى.

(2) في أ: فيحمل.

وفي ب: فجعل.

(3) الذريعة: 1 / 292.

(4) في ط: الحجة.

(*)

[117]

وفاقا لمن تكلم في هذه المسألة من أصحابنا (1)، ولجمهور العامة (2).

وعند البلخي: إن خص بمتصل (3).

والبصري: إن أنبأ لفظ العموم عنه قبل التخصيص، لا مثل * (والسارق والسارقة....) * (4) غير المنبئ عن النصاب والحرز (5).

و عبدالجبار: إن كان منبئا [ عنه ] (*) قبل التخصيص، لا مثل، * (وأقيموا الصلاة) * (6) المفتقر إلى البيان قبل إخراج مثل الحائض (7).

وقيل بحجيته (8) في أقل الجمع (9).

وقال أبوثور: ليس بحجة مطلقا (10).

لنا وجوه:

الاول: تبادر كل الباقي من (11) العام المخصص (12)، وظهوره فيه

___________________________________

(1) عدة الاصول: 2 / 4، معارج الاصول: 97، تهذيب الوصول: 39، معالم الدين: 116.

(2) المستصفى: 2 / 57، المنخول: 153، المحصول: 1 / 402، المنتهى: 107، منهاج الوصول: 86، التمهيد: 414.

(3) المنتهى: 107، الابهاج: 2 / 139.

(4) المائدة / 38.

(5) المنتهى: 107، الابهاج: 2 / 139. (*) [ عنه ]: اضافة اثبتناها للتوضيح، أخذناها من: المنتهى: 107.

(6) البقرة / 43.

(7) المنتهى: 107، الابهاج: 2 / 140.

(8) في أ: الحجية، وفي: ط: بحجية.

(9) وهو قول الشيخ صفي الدين الهندي الارموي. كما في الابهاج: 2 / 140.

(10) الابهاج 2 / 138، المنتهى 107، وزاد فيه: وأبان.

(11) كذا الظاهر، وفي النسخ: عن. بدل: من.

(12) هذا الدليل عبارة عن تطوير فني دقيق لما استدل به المحقق، فقد استعاض بمصطلح التبادر عن قول المحقق: " لنا أن اللفظ متناول إلى آخره ": معارج الاصول: 97.

(*)

[118]

كظهوره في الكل قبل (1) التخصيص، فإن المدار في المحاورات على إيراد العمومات المخصصة من دون نصب قرينة اخرى غير التخصيص، ولا يتوقف المخاطب في الحكم بالمراد حينئذ، ولا يحكم بإجمال كلام المتكلم، بل لا يخطر بباله غير إرادة كل الباقي، والمنكر مكابر.

الثاني: أنه إذا قال: (أكرم بني تميم، وأما فلان فلا تكرمه)، فترك إكرام غير المخرج، عد عاصيا، ولو لا الظهور لما عصى به (2).

الثالث: استدل العلماء قديما وحديثا بالعامات المخصوصة من غير نكير (3)، وقد وقع في كلام أهل البيت عليهم السلام، فليطلب.

احتج الخصم بوجهين:

الاول: أن متعلق الحكم ليس هو المعنى الحقيقي للعام، لانه المفروض، والمجازات كثيرة، وكل منها محتمل (4)، وتمام الباقي أحد المجازات، فلا يحمل عليه إلا بقرينة، وبدونها يبقى مجملا (5).

والجواب: منع احتمال كل واحد من المجازات، بل المتبادر، والظاهر، الاقرب إلى الحقيقة، هو: كل الباقي، كما ذكرنا.

الثاني: أنه بالتخصيص خرج عن كونه ظاهرا، وما لا يكون ظاهرا لا يكون حجة (6).

___________________________________

(1) في ط: تبادر كل الباقي بعد التخصيص إلى آخره.

(2) المنتهى: 108، معالم الدين: 117.

(3) ذكر هذا الاستدلال في: المستصفى: 2 / 57، المحصول: 1 / 403، 404 مع زيادة: بل الصحابة أيضا.

(4) في أ: يحتمل.

(5) المستصفى: 2 / 56، المحصول: 1 / 404، المنتهى: 108، معالم الدين: 117.

(6) معالم الدين: 117.

(*)

[119]

وجوابه: منع عدم ظهوره، بل هو ظاهر في الباقي، بعد ملاحظة المخصص (1).

والمذاهب المذكورة، كلها اعتقادات فاسدة، مبتنية (2) على خيالات واهية، تنحل شبههم بأدنى تأمل، بعد ملاحظة ما مر.

البحث الرابع: الحق أن الخطابات الواردة بصيغة النداء، وكلمة الخطاب - كالكاف والتاء، وغير ذلك مما خلقه الله تعالى في الملك، ونحوه، وأمره (3) بإنزاله إلى السماء الدنيا في مدة، أو في ليلة القدر، ومنها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مدة مديدة بالتدريج، ليبلغ هو وأوصياؤه من عترته صلوات الله عليهم أجمعين إلى امته، إلى يوم القيامة - ليست مختصة بالموجودين في زمن الوحي، بحيث يكون كل خطاب منها مختصا بمن استجمع شرائط التكليف في حين نزوله، و (4) لا يكون شاملا لمن تأخر، كالخطابات المكية لمن تولد حين توطن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة.

ولا مختصة بحاضري مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين قراء‌تها (5).

خلافا للاكثر ممن صنف في الاصول من الشيعة (6)، والنواصب (7)،

___________________________________

(1) معالم الدين: 117.

(2) في أ وب وط: مبنية.

(3) في ط: فأمره.

(4) الواو اضافة من ط وب.

(5) وفاقا للحنابلة حيث ذهبوا إلى عمومها في الجميع، كما في: المنتهى: 117.

(6) تهذيب الوصول: 38، معالم الدين: 108.

(7) المستصفى: 2 / 83، المحصول: 1 / 393 - 394.

(*)

[120]

حيث جعلوها مختصة بالموجودين في زمن الخطاب، أو بحاضري مجلس الوحي، وجعلوا ثبوت حكمها لمن بعدهم بدليل آخر كإجماع، أو نص، أو قياس.

لنا: مساعدة الظواهر - من غير معارض، إلا الشبهة (1) الواهية للخصم - وهي (2) امور: الاول: احتجاج العلماء قديما وحديثا حتى الائمة (عليهم السلام) بتلك الخطابات، من غير ذكر إجماع أو نص أو قياس على الاشتراك، مع أن الخصم معترف بعدم ظهور مستند الشركة - ولذا اختلفوا، فقيل: مستنده الاجماع، وقيل: بل القياس - ولو لم تعم تلك الخطابات، لم يصح ذلك إلا بعد إيراد ما هو العمدة من الاجماع أو القياس.

ودعوى: ظهور المستند بحيث يعلمه كل أحد من الخصوم (3).

مما تحكم البديهة (4) بفساده، وكيف يخفى هذا الخفاء ما كان ظاهرا هذا الظهور؟ ! وكيف يجوز على الله تعالى إخفاء مستند كل تكاليف من وجدد بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ ! تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

الثاني: ورود الروايات - في كثير من تلك الخطابات - بأنها نزلت في جماعة نشأوا بعد زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

الثالث: ورودها - في كثير منها - بأنها نزلت في الائمة عليهم السلام، وأن الخطاب إليهم (5).

___________________________________

(1) كذا في ط، وفي الاصل وأ وب: الشبه.

والصواب ما اثبتناه في المتن، لانها شبهة واحدة سيأتي المصنف على ذكرها فيما بعد في قوله: " احتج الخصم " إلى آخره.

(2) فيه اضطراب، حيث جعل الخامس منها الظواهر، فلاحظ.

(3) الدعوى للمحقق الشيخ حسن: معالم الدين: 109.

(4) في ب: البديهية، وفي ط: البداهة.

(5) كقوله تعالى: * (ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) * رواه (*)

[121]

الرابع: ورود الامر بقول: (لبيك ربنا) عند قراء‌ة قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا) *، وقول: (لا بشئ من آلاء ربي أكذب) عند قراء‌ة قوله تعالى: * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) *، وغير ذلك مما هو مذكور في محله (1).

الخامس: الظواهر، وهي كثيرة: منها: قوله تعالى: * (لا نذركم به ومن بلغ) * (2).

ومنها: قوله صلى الله عليه وآله في خبر الغدير: " فليبلغ الشاهد منكم (3) الغائب " (4).

ومنها: ما رواه ابن بابويه في العيون، بسنده " عن الرضا عليه السلام، عن أبيه عليه السلام: أن رجلا سأل أبا عبدالله عليه السلام: ما بال القرآن لا يزداد على النشر والدرس إلا غضاضة؟ فقال: لان الله تبارك وتعالى لم ينزله (5) لزمان دونه زمان، ولا لناس (6) دون ناس، فهو في كل زمان جديد، وعند كل قوم غض، إلى يوم القيامة " (7).

ومنها: ما رواه الكليني، بسنده " عن أبي بصير، قال: قلت لابي عبدالله عليه السلام: * (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد...) * (8)؟.... إلى أن قال عليه السلام: يا أبا محمد، لو كانت إذا نزلت آية على رجل، ثم مات ذلك

___________________________________

الشيخ في باب من يجب عليه الجهاد، وقوله (ع): " وبحجة هذه الآية يقاتل مؤمنوا كل زمان " اشارة إلى قوله تعالى: * (اذن للذين يقاتلون بانهم ظلموا) * الآيات.

(منه رحمه الله).

(1) عيون أخبار الرضا: 2 / 183، الكافي: 3 / 429 - كتاب الصلاة / باب نوادر الجمعة / ح 6.

(2) الانعام / 19.

(3) كلمة (منكم): زيادة من ط.

(4) الكافي: 1 / 289، 291 - كتاب الحجة / الباب 64 / ح 4، 6.

(5) كذا في المصدر، وفي النسخ: لم يجعله.

(6) كذا في المصدر، وفي النسخ: ولناس.

(7) عيون اخبار الرضا: 2 / 87 ح 32.

(8) الرعد / 7.

(*)

[122]

الرجل، ماتت الآية - مات الكتاب، ولكنه حي، يجري فيمن بقي كما جرى فيمن مضى " (1).

ومنها: ما رواه في الصحيح: " عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اوصي الشاهد من امتي، والغائب منهم، ومن في أصلاب الرجال وأرحام النساء إلى يوم القيامة - أن يصل الرحم... " (2) الحديث.

وغير ذلك من الروايات.

احتج الخصم: بأنا نعلم بديهة (3) أنه لا يقال للمعدومين: (يا أيها الناس) ونحوه، بل للصبي والمجنون (4).

والجواب: أولا: تسليم ذلك في المعدومين فقط، لا في (5) المخلوط من الموجودين والمعدومين، ولهذا قبح خطاب الغائبين فقط بمثل: (يا أيها الناس) دون المركب من الغائبين والحاضرين، كما في أكثر خطابات الرؤساء والحكام وغيرهم.

وثانيا: تسليم ذلك فيما إذا تكلم المخاطب مشافهة، لا فيما إذا أنزل الخطابات (6) بصورة المشافهة، وأمر جماعة - واحدا بعد واحد - بتبليغ ذلك إلى مكلفي زمانهم، ويكون ذلك محفوظا في الكتب، يرجع إليه من يريد، ولهذا تجوز الوصية بالاوامر والنواهي، مكتوبة في طومار - إلى من انتسب إلى الموصي

___________________________________

(1) الكافي 1 / 192 - كتاب الحجة / باب أن الائمة هم الهداة / ح 3.

(2) الكافي: 2 / 151 - كتاب الايمان والكفر / باب صلة الرحم / ح 5.

(3) في أ وط: بديهية.

(4) المنتهى: 117، معالم الدين: 108.

(5) كلمة (في): زيادة من أ.

(6) في أ: انزل الخطاب، وفي ب: نزل الخطاب، وفي ط: نزلت الخطابات.

(*)

[123]

بعدة بطون، وقد وقع ذلك في وصية أمير المؤمنين عليه السلام (1) وغيره، من غير شائبة قبح أصلا.

وفي الصبي والمجنون - أيضا - نقول: إنه يجوز خطابهم في جماعة بخطاب (2) يفهمونه عند استجماعهم لشرائط الخطاب، إذا علم المخاطب أنهم يصيرون بهذه المنزلة، ويعلم بقاء خطابه.

ولا شك ولا شبهة في جواز أن يكتب الانسان كتابا، فيه خطابات وأوامر ونواه، ويدفعه إلى إنسان ويقول له: إن هذه الخطابات والاوامر والنواهي لكل من اطلع على كتابي، وينبغي لك أن تبلغها إلى الناس، ثم من بعدك ولدك، ثم ولد ولدك، وهكذا، ولا يتوقف العقل في أن المخاطب حينئذ هو كل من اطلع عليها، موجودا كان وقت تصنيف الكتاب أو معدوما، بل نقول: لا فرق بين خطاب الغائب والمعدوم.

مع أن خطابات الكتب والمراسيل كلها من قبيل خطاب الغائب كما لا يخفى، ونحن نقول: إن خطابات القرآن من هذا القبيل، لما مر.

ويؤيده: حديث الصحف الاثني عشر المنزلة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، للائمة الاثني عشر عليهم السلام (3)، إذ في كل منها أوامر ونواه لامام من الائمة.

وأيضا: خطابات المصنفين - مثل قولهم: (إعلم) و: (تأمل) و: (تدبر) ونحو ذلك - من هذا القبيل.

___________________________________

(1) الكافي: 7 / 49 - كتاب الوصايا / باب صدقات النبي صلى الله عليه وآله وفاطمة (ع) والائمة (ع) ووصايهم / ح 7.

(2) في أ: في جماعة الخطاب بخطاب إلى آخره.

(3) الكافي: 1 / 279 - كتاب الحجة / باب أن الائمة (ع) لم يفعلوا شيئا ولا يفعلون إلا بعهد من الله عزوجل، وأمر منه لا يتجاوزونه.

و: الامامة والتبصرة من الحيرة: ص 166 / باب في أن الامامة عهد من الله تعالى / ح 20.

وقد ورد هذا الحديث في مصادر عديدة، انظر مجموع طرقه ومتونه في بحار الانوار: 36 / 192 وما بعدها / الباب 40 - باب نصوص الله عليهم من خبر اللوح والخواتيم وما نص به عليهم في الكتب السالفة وغيرها.

(*)

[124]

واعلم: أن الغرض من هذه المسألة وذكرها، بيان الحق فيها، وإلا فالحق أنه لا يترتب عليها أثر، إذ الظاهر تحقق الاجماع على مساواة كل الامة في التكاليف، وورود بها النصوص، وقد قال الصادق عليه السلام - في رواية أبي عمرو الزبيري، في الجهاد -: " لان حكم الله عزوجل في الاولين والآخرين، وفرائضه عليهم، سواء، إلا من علة، أو حادث يكون، والاولون والآخرون أيضا في منع الحوادث شركاء والفرائض عليهم واحدة، يسأل الآخرون عن أداء الفرائض كما يسأل عنه الاولون، ويحاسبون به كما يحاسبون... " الحديث(1).

___________________________________

(1) التهذيب: 6 / 127 ح 224.

(*)

المقصد الثاني: في الخصوص

وفيه مباحث:

الاول: الحق جواز تخصيص العام إلى أي مرتبة كانت، ما لم يستلزم استدراكا في الكلام، حتى إلى الواحد، بعد نصب القرينة على مرتبة التخصيص (1)، فلا يجوز طرح نص شرعي كان العام الواقع فيه مخصصا إلى الواحد، بعد تحقق المخصص المخصوص، المانع من إرادة الاكثر من الواحد بلا معارض أصلا، إلا أن الظاهر عدم وقوع تخصيص العام إلى الواحد في الشرعيات.

والمفرد المحلي باللام المستعمل في الاحد: الظاهر أن لامه للعهد، أو استعماله للتعظيم، وهو كثير في الحقيقة، كما حقق.

لنا: أصالة الجواز من غير مانع.

___________________________________

(1) وهو اختيار السيد المرتضى: الذريعة: 1 / 297، والشيخ الطوسي: عدة الاصول: 1 / 149، وحكاه في المعالم عن السيد ابن زهرة: معالم الدين: 110، وللعلامة تفصيل في المقام انظره في: تهذيب الوصول: 39.

(*)

[126]

وتحقق العلاقة بين المعنى الحقيقي للعام - وهو الافراد بالاسر - وبين الواحد والاثنين والثلاثة من تلك الافراد، وهي الجزئية.

احتج من ذهب إلى أنه لا بد من بقاء جمع يقرب من مدلول العام: بقبح قول القائل: (أكلت كل رمانة في البستان) وفيه آلاف وقد أكل واحدة أو ثلاثة (1)، وقوله: (أخذت كل ما في الصندوق من الذهب) وفيه ألف، وقد أخذ دينارا إلى ثلاثة (2)، وكذا قوله: (كل من دخل داري فهو حر)، أو: (كل من جاء‌ك فأكرمه)، وفسر بواحد أو ثلاثة (3).

والجواب: أولا: منع القبح الذي ادعاه، مع نصف القرينة، نعم يقبح بدون نصب القرينة، كما يصح قول القائل: (له علي (4) عشرة إلا تسعة) و: (أكرم الناس إلا الجهال) وإن كان العالم واحدا، اتفاقا، من غير نقل خلاف من أحد، مع أنه لا يصح أن يقول: (له علي عشرة) و: (أكرم الناس)، وفسر العشرة بواحد، والناس بزيد مثلا.

وثانيا: بأنا لا ندعي صحة استعمال العام في واحد مخصوص من أفراده، أو في اثنين أو في (5) ثلاثة أو نحو ذلك، بل المراد بالتخصيص إلى الواحد والاثنين ونحو ذلك: أن يكون العام مستعملا في المعنى الكلي، ولكن يكون الحكم المتعلق بالعام متعلقا بواحد من أفراده أو إثنين أو نحو ذلك، بسبب المخصص.

والفرق ظاهر بين استعمال العام في الواحد المخصوص، وبين تعلق الحكم

___________________________________

(1) المستصفى: 2 / 91، المحصول: 1 / 400، المنتهى: 120.

(2) معارج الاصول: 90.

(3) معالم الدين: 110.

والعبارة فيه: وفسره.

(4) كلمة (علي): ساقطة من الاصل، اثبتناها من باقي النسخ.

(5) كلمة (في): زيادة من ط.

(*)

[127]

بالواحد المخصوص من أفراده، فنقول: لو قال (أكلت كل رمانة في البستان إلا الحامض) ويكون الحلو واحدا، فهو صحيح، بخلاف ما لو فسر قوله: (كل رمانة) بواحدة حلوة.

وكذا يصح لو قال (1): (أخذت كل ما في الصندوق من الذهب إلا الدمشقيات) ويكون غير الدمشقي دينارا واحدا.

وكذا الحال في باقي المخصصات، من الشرط والصفة وغيرهما.

ثم لا يخفى ما في مذهب من منع من التخصيص إلى الواحد، فإن ثمرة هذه المسألة (2) إنما تظهر: إذا ورد نص عام، له مخصص يخصصه إلى الواحد، ويكون مستجمعا لشرائط جواز العمل، وحينئذ: فكيف يجوز للمانع طرح هذا النص لاجل ما ذكره من الاعتبارات الواهية؟ !.

ولو كان هذا النص بحيث لا يوجب مخصصه تخصيصه إلى الواحد، بل يحتمل الاكثر، فظاهر عدم جواز القول بأنه مخصص إلى الواحد، لان التخصيص خلاف الاصل، فلا يجوز إلا بقدر الضرورة.

ثم لا يخفى عليك مما مر: أن الاستدلال على المطلوب بتصحيح علاقة المجاز - كما مر - كان مما شاة وعلى طريق التنزل (3)، وإلا: فالحق أن العام المخصوص إنما هو مستعمل في معناه الحقيقي الذي هو العموم، والمخصص إنما أخرج البعض عن الحكم المتعلق به - سواء خص بمتصل (4): من شرط، أو صفة، أو غاية، أو إستثناء، أو نحوها، أو بمنفصل: لفظي أو عقلي - لعدم الدليل (5) على المجازية، مثلا قولنا: (أكرم بني تميم إلى الليل) أو: (إن دخلوا

___________________________________

(1) في ط: ما لو قال.

(2) كذا في أ وب وط، وفي الاصل: المسألتان.

(3) في ط: التنزيل.

(4) في ط: لمتصل.

(5) في ط: الدلالة.

(*)

[128]

الدار) (1) الحكم على كل واحد من بني تميم، غايته أنه ليس في جميع الازمنة في الاول، وليس على جميع الاحوال في الثاني، وكذا: (أكرم بني تميم الطوال) الحكم على كل احد ولكن لا مطلقا بل إذا اتصف بالطول، أو المراد: أكرم طوال بني تميم، أي: بعضهم، وهو يؤيد عمومه، ولهذا يصح أن يقال: (وأما القصار منهم فلا تكرمهم)، وكذا: (أكرم بني تميم إلا الجهال منهم) الحكم على كل واحد بشرط اتصافه بالعلم، أو الحكم على كل واحد بعد إخراج الجهال منهم.

وكذا الحال في المنفصل، مثل: (أكرم بني تميم)، ثم يقول: (لا تكرم الجهال من بني تميم) معناه: أكرم علماء بني تميم.

ولا بد في المنفصل (2) أن تكون في الكلام الاول، أو معه - قرينة مقالية، أو حالية، بها يطلع المخاطب على مراد المتكلم، ولا يكفي المخصص إلا مع اتحاد المجلس، أو عدم لزوم إفهام المخاطب قبل (3) وقت الحاجة والعمل.

إذا عرفت هذا، فاعلم أن العام المخصص: لا بد أن يكون الحكم فيه متعلقا بالامر الكلي، إلا أنه لا يمتنع أن يكون هذا الكلي منحصرا في فرد أو فردين أو نحو ذلك، فلذا حسن أن يقول: (أكلت كل رمانة إلا الحامض) ويكون الحلو منحصرا في واحد، وقبح أن يقوله، ويقول: إن المراد ب‍ (كل رمانة): رمانة واحدة، فلا تغفل.

البحث الثاني: اختلف في جواز التمسك بالعام قبل البحث عن مخصصه (4)، وفي مبلغ

___________________________________

(1) كذا في ط، وفي أ وب: وان دخلوا الدار، والاصل هنا مشوش.

(2) قوله (في المنفصل): زيادة من ط.

(3) في ط: بعد.

(4) فقد ذهب البيضاوي إلى جواز الاستدلال بالعام ما لم يظهر المخصص، ولم يوجب طلبه: (*)

[129]

البحث عنه.

فقيل: يجب البحث حتى يحصل الظن بعدمه (1).

وقيل: حتى يحصل القطع (2).

والاكثر على عدم الجواز (3)، حتى أنه نقل الاجماع عليه (4)، وما استدلوا به عليه غير منقح.

والاولى الاستدلال عليه: بأن إطاعة الله، ورسوله، والائمة عليهم السلام، واتباعهم - لا تتحقق إلا بالعمل بمرادهم، فلا بد من العلم أو الظن بمرادهم، ولا يحصل في العام قبل البحث عن مخصصه (5)، بل الظن بالتخصيص حاصل، لشيوع التخصيص.

والحاصل: أنه لا دليل على وجوب العمل بمدلولات الالفاظ بدون العلم أو الظن بأنها المراد، والاطاعة الواجبة ونحوها لا تتحقق بدونهما، ولا أقل من الشك في صدق الاطاعة والانقياد على

___________________________________

منهاج الوصول: 87، وذهب إلى ذلك أيضا الصيرفي والارموي والبهاري كما في: فواتح الرحموت بهامش المستصفى: 1 / 267، وبهذا يعلم عدم استقامة ما فعله ابن الحاجب من حصر محل الخلاف بمبلغ البحث عن المخصص: المنتهى: 144.

وقال العلامة الحلي: " ولا يجب في الاستدلال بالعام استقصاء البحث في طلب المخصص ": تهذيب الوصول: 40، وقد فهم من كلامه هذا أنه يرى جواز العمل بالعام قبل البحث عن المخصص مطلقا: معالم الدين: 119، ولكن يظهر مما ذكره في الرد على ابن سريج أن ذلك مشروط عنده بالظن بعدم المخصص، على انه صرح في (نهاية الوصول) باختيار عدم جواز العمل بالعام قبل البحث عن المخصص: نهاية الوصول ورقة 100 / أ (مصورة).

(1) نسب ابن الحاجب هذا القول إلى الاكثر، واختاره هو: المنتهى: 144.

(2) وهو قول القاضي أبي بكر الباقلاني، كما في المستصفى: 2 / 159، المنتهى: 144.

(3) فقد ذهب إلى ذلك الشيخ الطوسي: عدة الاصول: 2 / 19.

والمحقق الحلي والمحقق الشيخ حسن ما لم يحصل الظن الغالب بعدم المخصص: معارج الاصول: 113، معالم الدين: 119.

(4) حكى الاجماع الغزالي: المستصفى: 2 / 157، وابن الحاجب: المنتهى: 144.

(5) كذا في أ وب وط، وفي الاصل: مخصص.

(*)

[130]

ذلك التقدير (1)، فالاطاعة الواجبة لا تتحقق في البحث.

وفيه نظر، لمنع عدم حصول الظن في كل فرد، ولا ينافيه ظن أصل المخصص، لقلة المخرج غالبا بالنسبة إلى الباقي، وحال الاجماع عندنا في مثل هذه المسائل غير خفي.

ويمكن الاستدلال على الجواز: بأن علماء الامصار - في جميع الاعصار - لم يزالوا يستدلون في المسائل بالعمومات، من غير ذكر ضميمة نفي المخصص، ولو لم يصح التمسك بالعام قبل البحث عن المخصص، لكان للخصم أن يقول: العام لا يكفي في إثبات هذه المسألة، ولا علم لي ببحثك عن المخصص، الذي يوجب انتفاؤه دخول هذا الفرد المتنازع فيه، فيفحم المستدل عن إثباته على الخصم.

وأيضا: الاصول الاربعماء‌ة (2) - التي كانت معتمد أصحاب الائمة عليهم السلام - لم تكن موجودة عند أكثر أصحابهم، بل كان عند بعضهم واحد، وعند البعض الاثنان، والثلاثة، والاربعة، والخمسة، ونحو ذلك، والائمة عليهم السلام كانوا يعلمون أن كل واحد من أصحابهم، يعمل في الاغلب بما عنده من الاصول، ومعلوم أن البحث عن المخصص، لا يتم بدون تحصيل جميع تلك الاصول، فلو كان واجبا، لورد من الائمة عليهم السلام أمر بتحصيل كل تلك الاصول، ونهي عن العمل ببعضها، إذ معلوم أن جل الاحكام من قبيل العمومات والمطلقات المحتملة للتقييد.

فالمسألة محل التوقف.

واعلم: أنه - على تقدير وجوب الفحص عن المخصص، إلى أن يحصل القطع بعدمه - لا يجوز العمل بشئ من العمومات والمطلقات، المجوزة

___________________________________

(1) أي تقدير عدم العلم والظن.

(منه رحمه الله).

(2) اقرأ بحثا موسعا عن (الاصول الاربعماء‌ة) في: دائرة المعارف الشيعية / للسييد حسن الامين.

(*)

[131]

للتخصيص، حتى يفتش (1) عن مخصصه في جميع كتب الاخبار، كالكتب الاربعة، والخصال، والعيون، والعلل، والامالي، وغير ذلك، من الكتب الاخبارية الموجودة في هذا العصر، إذ لا يحصل القطع بعدم المخصص بدون ذلك، وبعد التفتيش: يحصل القطع بالتكليف بالعام، وإن كان تجويز وجود المخصص في الكتب غير الموجودة في هذا الزمان باقيا.

وعلى تقدير الاكتفاء بالظن: يكفي ملاحظة الكتب الاربعة، بل يكفي ملاحظة التهذيب والكافي، بل لا يبعد الاكتفاء بالتهذيب، لندرة وجود خبر مخصص في غير التهذيب مع تحقق عامه فيه، ولا يكفي ملاحظة الكافي فقط (2).

وينبغي في فحص مخصص العام المتعلق بشئ من مسائل الطهارة ملاحظة كل واحد من أبوابها في التهذيب، وكذا الصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها، سيما أبواب (3) الزيادات والنوادر في كل منها، والاحسن ملاحظة الابواب المناسبة في الكتب الاخر، أيضا، فإن: في كتاب الطهارة: ما يتعلق بالنكاح، وبالمكاسب، وبالصلاة، وبالصوم، وبالطلاق، وبالحج.

وفي الصلاة: ما يتعلق برمضان، وبالصوم، وبالطهارة، والاطعمة، والمكاسب، والنذر، والميراث، والزكاة، والديات.

وفي الزكاة: ما يتعلق بالصلاة، والصوم، والميراث، والمكاسب،

___________________________________

(1) في أ: نقيس.

(2) لقد صنفت بعد عصر المؤلف مجاميع حديثية كبرى تحملت أعباء هذه المهمة، وكفت الفقهاء مؤنة الفحص هذه، كوسائل الشيعة للشيخ الحر العاملي، ثم المستدرك عليه للشيخ النوري، والوافي للفيض الكاشاني، وجامع احاديث الشيعة للسيد البروجردي، حيث جمع في هذه المصنفات شتات جميع الاحاديث في محل واحد، تحت عناوين الابواب المناسبة.

(3) كذا في أ.

وفي سائر النسخ: باب.

(*)

[132]

والخمس، والجهاد، والضمان، والفطرة، والجزية، والنكاح، والشهادة.

وفي الصوم: ما يتعلق بالصلاة، والنذر، والطهارة، والحج، والحدود، والكفارات، والطلاق.

وفي الحج: من الزكاة، والجهاد، والصلاة، والصوم، والطهارة والمكاسب، والذبائح، والعقيقة، والاجازة.

وفي المزار: من الطهارة، والصوم، والصلاة، والاطعمة.

وفي الجهاد: من الجزية، والزكاة.

وفي الديون وتوابعه: من الزكاة، والوصية، والمكاسب، والاقرار، والشهادة، والميراث، والنكاح.

وفي القضايا: من الصلاة، والصلح، والطلاق، والضمان، والحدود.

وفي المكاسب: من الحج، والخمس، والطهارة، والقضايا، والجزية، والوصايا، والنكاح، والضمان.

وفي النكاح: من الميراث، والطلاق، والنذر، والاطعمة، والمكاسب، والتدبير، والقضايا، والعتق، والطهارة، والحدود، والجزية.

وفي الطلاق: من الصوم، والعتق، والمكاسب، والشهادة، والوصية، والنكاح، واليمين، والديات، والميراث، والحدود.

وفي العتق وتوابعه: من المكاسب، والطلاق، والميراث، والزكاة، والنذر، والصلاة، والنكاح، والوصية، والشهادة، والاقرار، والقضاء، والديون، والضمان، والحجر.

وفي الايمان وتوابعه: من العتق، والصدقة، والطلاق، والكفارات، والحج، والنكاح، والصوم، والجهاد، والقضايا.

وفي الصيد والذباحة: من الطهارة، والصلاة، والزكاة، والمكاسب، والنكاح، والديات، والشهادة.

وفي الوقوف: من المكاسب، والقضاء، والتدبير.

[133]

وفي الوصية: من الاقرار، والقضايا، والديون، والضمان، والنكاح، والعتق، والزكاة، والحج، والطهارة، والصوم، والذباحة، والمكاسب، والميراث.

وفي الفرائض: من الديات، والنكاح، والقضايا، والوصايا (1)، والطلاق، والحدود، والعتق، والقصاص، والزكاة، والخمس، والكفارة، والضمان.

وفي الحدود: من القضايا، والطلاق، والنكاح، والايمان، والديات، والاطعمة، والمكاسب، والطهارة، والاشربة، والذبائح، والاقرار، والزكاة، والديون.

وفي الديات: من القضايا، والجزية، والميراث، والعتق، والصلاة، والكفارات، والصوم، والضمان، والنكاح، والمكاسب.

وقد تكفل بجميع ذلك وغيره، الفهرست الذي جعلته على التهذيب، وهو من أهم الاشياء لمن يريد الفقه والترجيح، ولم يسبقني اليه أحد، والحمد لله.

البحث الثالث: إذا ورد عام وخاص متنافيا الظاهر، فإما أن يكونا من الكتاب، أو من السنة، أو العام من الكتاب والخاص من السنة، أو بالعكس، فهذه أربعة أقسام.

وعلى كل تقدير: فإما أن يكونا قطعيين، أو ظنيين، أو العام قطعيا والخاص ظنيا، أو بالعكس، فهذه ستة عشر قسما.

وعلى كل تقدير: فالقطعية والظنية: إما بحسب المتن فيهما، أو بحسب السند فيهما،

___________________________________

(1) في ب.

والربا.

بدل: والوصايا.

(*)

[134]

أو بحسب المتن في العام وبحسب السند في الخاص، أو بالعكس، فهذه أربعة وستون قسما.

وعلى كل تقدير، فالتنافي: إما بين منطوقيهما، أو مفهوميهما، أو منطوق العام ومفهوم الخاص، أو بالعكس، فهذه ماء‌تان وستة وخمسون قسما.

وعلى كل تقدير: فإما أن يكون العام والخاص مقترنين، أو العام مقدما والخاص مؤخرا، أو بالعكس، أو كلاهما مجهولي التاريخ، أو العام فقط، أو الخاص فقط، فهذه ألف وخمسماء‌ة وستة وثلاثون قسما.

والخاص المؤخر: إما بعد وقت العمل، أو قبله، فهذه ألف وسبع ماء‌ة وإثنان وتسعون قسما.

وقد وقع الخلاف في كثير من هذه الاقسام، في جواز مقاومة الخاص للعام، وفي كونه مبنيا أو ناسخا.

وتحقيق الحق في كل واحد (1) على التفصيل، مما يفضي إلى غاية التطويل (2)، فنقول: المراد بالظني: ما دل الدليل على حجيته (3) شرعا، كخبر العدل، وكذا المفهوم، المراد به - ههنا -: ما دل الدليل على اعتباره، وسيجئ تفصيله إن شاء الله تعالى.

إذا عرفت هذا، فاعلم أن كل خاص، علم وروده بعد وقت العمل بالعام في الكتاب والاخبار النبوية، فالظاهر: أنه ناسخ لحكم (4) العام في مورد ذلك الخاص، لقبح تأخير البيان عن وقت الحاجة من غير داع أصلا.

___________________________________

(1) في أ وب: في كل واحد واحد.

(2) انظر تفصيل بعض هذه الابحاث في: الذريعة: 1 / 315 - 323، عدة الاصول: 1 / 153، المستصفى: 2 / 137 - 152، المحصول: 1 / 440 - 447، معارج الاصول: 98 - 99، نهاية الوصول ورقة 109 / ب - 111 ب (مصورة)، تهذيب الوصول: 45 - 46، معالم الدين: 142 - 147.

(3) في أ: حجته.

(4) في ط: بحكم.

(*)

[135]

أللهم، إلا أن يكون المتكلم عالما بتعذر حكم هذا العام في مورد ذلك الخاص، فإن الظاهر حينئذ أن الخاص مبين (1) - كما في صورة تقديمه مطلقا - وهذا (2) هو الوجه في اختصاص التقسيم - إلى ما بعد وقت العمل، وما قبله - بالخاص المتأخر في قولنا: (والخاص المؤخر: إما بعد وقت العمل أو قبله).

وما عدا ذلك: فالظاهر بيانية (3) الخاص للعام، وتخصيص العام بالخاص في أي قسم كان من الاقسام المذكورة.

ومنع السيد المرتضى (4)، والشيخ (5)، وجماعة من أصحابنا (6)، ومن العامة (7): تخصيص الكتاب بخبر الواحد مطلقا (8).

وتوقف بعضهم (9)، وإليه يميل المحقق، بناء‌ا على عدم ثبوت حجية خبر الواحد على الاطلاق (10).

وفصل بعضهم في كل خاص ظني عارض عاما قطعيا، فقال: إن

___________________________________

(1) في أ: بين.

(2) كلمة (هذا): زيادة من ط.

(3) في أ: مباينة.

(4) الذريعة: 1 / 281، حيث قال: " على أنا لو سلمنا ان العمل بها لا على وجه التخصيص واجب قد ورد الشرع به، لم يكن في ذلك دلالة على جواز التخصيص بها ".

(5) عدة الاصول: 1 / 135.

(6) فهو مذهب كل من منع حجية خبر الواحد.

وقد تقدم من المصنف التنصيص عليهم في ص 158.

(7) وهو قول المعتزلة.

كما في المنخول: 174، وجماعة من المتكلمين كما في: معارج الاصول: 96.

(8) وأكثر العامة على جوازه " فالمنقول عن الائمة الاربعة الجواز مطلقا، واختاره الامام - أي الغزالي - واتباعه، منهم البيضاوي وبه قال امام الحرمين وطوائف وبته الآمدي "، كما في الابهاج: 2 / 171 وبذلك صرح الغزالي في ص 174 من المنخول، واليه أيضا ذهب الفخر الرازي: المحصول: 1 / 432، وابن الحاجب: المنتهى: 131، واختار الجواز منا العلامة الحلي مصرحا بوقوعه: تهذيب الوصول: 44 - 45، والمحقق الشيخ حسن: معالم الدين: 140.

(9) وهو القاضي أبوبكر الباقلاني، كما في: المنخول: 174، والمنتهى: 131.

(10) معارج الاصول: 96.

(*)

[136]

كان العام خاص من قبل بدليل قطعي - متصلا كان، كالاستثناء، والشرط، والغاية، ونحوها، أو منفصلا - فيجوز تخصيصه مرة اخرى بهذا الظني، وإلا فلا (1)، لضعف العموم في الاول، وقوته في الثاني (2).

والاولى: التوقف في تخصيص القرآن بخبر الواحد، للشك في وجوب اتباع ما يفهم من ظاهر القرآن على الاطلاق، وحجية خبر الواحد على الاطلاق.

أما القرآن فلامور: الاول: تجويزنا كون عمومات القرآن - حين نزولها - مقترنة بقرائن يظهر المقصود بها للمخاطبين في ذلك الوقت، ومع ذلك التجويز، فلا يعلم حجية تلك الظواهر بالنسبة إلينا.

الثاني: لزوم طرح أكثر الاخبار المروية في كتبنا الاخبارية، مما ورد (3) في تفسير الآيات وفي الاحكام، يظهر ذلك لمن تتبع الكتب الاربعة وغيرها، سيما الكافي وتفسير علي بن إبراهيم وعيون أخبار الرضا، فإن ثلثيها (4) - بل أربعة أخماسها - مما يخالف الظاهر الذي يفهم بحسب الوضع اللغوي، كما فسر (الشمس) ب‍: النبي صلى الله عليه وآله، و (النهار) ب‍: علي بن أبي طالب عليه السلام، و (الليل) ب‍: فلان (5)، وفسر (السكارى) ب‍: سكر النوم (6)، وغير ذلك،

___________________________________

(1) وهو قول عيسى بن أبان.

كما في: المحصول: 1 / 432، والمنتهى: 131.

(2) وقال الكرخي: ان كان قد خص بدليل منفصل صار مجازا، فيجوز ذلك: وان خص بدليل متصل أو لم يخص أصلا لم يجز.

كذا ذكر في المحصول: 1 / 432.

(3) في ط: مما يورد.

(4) في أ: ثلثها.

(5) انظر الاحاديث بذلك في: الكافي 8 / 50 ح 12، وتفسير فرات بن ابراهيم الكوفي: 212 - 213، وتأويل الآيات الظاهرة: 777.

(6) الكافي: 3 / 299 ح 1، وفي ص 371 ح 15، التهذيب: 3 / 258 ح 722.

(*)

[137]

مما هو أكثر من أن يحصى (1).

الثالث: الروايات التي تدل على حصر علم القرآن في النبي صلى الله عليه وآله وسلم والائمة عليهم السلام: منها: ما رواه الكليني، عن الصادق عليه السلام: " إنما يعرف القرآن من خوطب به " (2).

ومنها: ما رواه في كتاب الروضة، بسنده عن أبي عبدالله عليه السلام، في حديث طويل: " واعلموا أنه ليس من علم الله، ولا من أمره: أن يأخذ أحد من خلق الله في دينه بهوى، ولا رأي، ولا مقائيس، قد أنزل الله القرآن وجعل فيه تبيان كل شئ، وجعل للقرآن، ولتعلم القرآن، أهلا، لا يسع أهل علم القرآن، الذين آتاهم الله علمه، أن يأخذوا فيه بهوى، ولا رأي، ولا مقائيس، أغناهم الله تعالى عن ذلك بما آتاهم من علمه، وخصهم به، ووضعه عندهم، كرامة من الله أكرمهم بها، وهم أهل الذكر، الذين أمر الله هذه الامة بسؤالهم " الحديث (3).

ومنها: ما رواه في الاصول، بسنده " عن الصادق عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من عمل بالمقائيس، فقد هلك وأهلك، ومن أفتى الناس بغير علم - وهو لا يعلم الناسخ من المنسوخ والمحكم من المتشابه - فقد هلك وأهلك " (4) واختصاص علم ذلك في الائمة عليهم السلام، ظاهر.

والظاهر: أن (المحكم) ما أريد منه ظاهره، و (المتشابه) ما اريد منه غير ظاهره - لا ما ذكروه في كتب الاصول (5) من: أن (المحكم) ما له ظاهر، و(المتشابه) ما لا ظاهر له، كالمشترك - لقوله تعالى: * (فأما الذين

___________________________________

(1) في أ وط: من أن يعد ويحصى.

(2) الكافي: 8 / 312 ح 485 كذا ورد الحديث في الكافي، ولكن في نسخ كتابنا هذا: " إنما يعلم القرآن إلى آخره ".

(3) الكافي: 8 / 5 - 6.

(4) الكافي: 1 / 43 - باب النهي عن القول بغير علم / ح 9.

(5) المستصفى: 1 / 106، المنتهى: 47.

(*)

[138]

في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة....) * الآية (1)، إذ اتباع المتشابه بالمعنى الذي ذكروه، غير معقول.

ومنها: ما رواه بسنده عن أمير المؤمنين عليه السلام - في حديث طويل، يدعي فيه اختصاص العلم بالاحكام به -: " فما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آية من القرآن إلا أقرأنيها، وأملاها علي، فكتبتها بخطي، وعلمني تأويلها، وتفسيرها، وناسخها، ومنسوخها، ومحكمها، ومتشابهها، وخاصها، وعامها، ودعا الله أن يعطيني فهمها، وحفظها... " الحديث (2).

ومنها: ما رواه بسنده (3) عن بريد بن معاوية (4)، عن أحدهما عليهما السلام، في قوله تعالى: * (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) * (5) فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفضل الراسخين في العلم، قد علمه الله عز وجل جميع ما أنزل عليه من التنزيل والتأويل، وما كان الله لينزل عليه شيئا لم يعلمه تأويله، وأوصياؤه من بعده يعلمونه كله.

والذين لا يعلمون تأويله إذا قال العالم فيهم بعلم، فأجابهم الله تعالى بقوله: * (يقولون آمنا به كل من عند ربنا) * (6) والقرآن خاص وعام، ومحكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، فالراسخون في العلم يعلمونه " (7).

ومنها: ما رواه " عن سلمة بن محرز، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام

___________________________________

(1) آل عمران / 7.

(2) الكافي: 1 / 64 باب اختلاف الحديث / ح 1، ورواه الصدوق أيضا في إكمال الدين واتمام النعمة: 284 - 285.

(3) في ط: باسناده.

(4) كذا في المصدر (الكافي).

وفي النسخ: عن معاوية بن عمار.

بدل: بريد بن معاوية.

(5) آل عمران / 7.

(6) آل عمران / 7.

(7) الكافي: 1 / 213 - كتاب الحجة / باب الراسخين في العلم هم الائمة (ع) / ح 2.

(*)

[139]

يقول: إن من علم ما أوتينا: تفسير القرآن وأحكامه، وعلم تغيير الزمان وحدثانه..." الحديث (1).

ومنها: ما رواه، عن الصادق عليه السلام - في حديث طويل -: " أما إنه شر عليكم أن تقولوا بشئ ما لم تسمعون منا.... " الحديث (2).

ومنها: ما رواه في تفسير: * (إنا أنزلناه) * (3) عن أبي جعفر عليه السلام، قال: فكذلك لم يمت محمد إلا وله بعيث ونذير، قال: فإن قلت: لا، فقد ضيع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - من في أصلاب الرجال من امته، قال: وما يكفيهم القرآن؟ قال: بلى، إن وجدوا له مفسرا، قال: وما فسره رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال: بلى، قد فسره لرجل واحد، وفسر للامة شأن ذلك الرجل، وهو علي بن أبي طالب.... " الحديث(4).

ومنها: ما رواه الشيخ، بسنده عن علي عليه السلام قال: " يا أيها الناس اتقوا الله ولا تفتوا الناس بما لا تعلمون، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد قال قولا آل منه إلى غيره، وقد قال قولا من وضعه [ في ] (5) غير موضعه كذب عليه.

فقام عبيدة، وعلقمة، والاسود، واناس منهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين، فما نصنع بما قد خبرنا به في المصحف؟ قال: يسأل عن ذلك علماء آل محمد عليهم السلام " (6).

ومنها: ما ورد (7) أن تفسير القرآن بالرأي غير جائز، حتى قال الطبرسي

___________________________________

(1) الكافي: 1 / 229 - كتاب الحجة / باب انه لم يجمع القرآن كله إلا الائمة (ع) / ح 3.

(2) الكافي: 2 / 402 - كتاب الايمان والكفر / باب الضلال / ذيل الحديث الاول.

(3) القدر / 1.

(4) الكافي: 1 / 250 - كتاب الحجة / باب في شأن " انا انزلناه في ليلة القدر " / ح 6.

(5) كلمة (في): وردت في كل النسخ، إلا أن المصدر خال منها.

(6) التهذيب: 6 / 295 ح 823.

(7) في أ: رواه.

(*)

[140]

في مجمعه: " واعلم أن الخبر قد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعن الائمة القائمين مقامه عليهم السلام: أن تفسير القرآن، لا يجوز إلا بالاثر الصحيح، والنص الصريح، وروت العامة أيضا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: " من فسر القرآن برأيه، فأصاب الحق، فقد أخطأ " قالوا: وكره جماعة من التابعين القول في القرآن بالرأي، كسعيد بن المسيب، وعبيدة السلماني، ونافع، وسالم بن عبدالله، وغيرهم " (1) انتهى كلامه.

وأما الشك في حجية خبر الواحد على الاطلاق: فلان (2) عمدة أدلة حجيته: الاجماع، والاجماع فيما نحن فيه غير متحقق، لما عرفت من الاختلاف.

ولورود الروايات بطرح (3) ما خالف القرآن: كرواية السكوني: " عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب نورا، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه " (4).

ورواية عبدالله بن أبي يعفور: " قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن اختلاف الحديث، يرويه من نثق به، ومنهم من لا نثق به؟ قال إذا ورد عليكم حديث، فوجدتم له شاهدا من كتاب الله عزوجل، أو من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإلا فالذي جاء‌كم به أولى به " (5).

___________________________________

(1) مجمع البيان: 1 / 13 - الفن الثالث.

(2) في ط: فإن.

(3) في ط: بترك.

(4) الكافي: 1 / 69 - كتاب فضل العلم / باب الاخذ بالسنة وشواهد الكتاب / ح 1.

(5) الكافي: 1 / 69 ح 2.

(*)

[141]

وصحيحة أيوب بن الحر: " قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: كل شئ مردود إلى الكتاب والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف " (1).

وصحيحة هشام بن الحكم، وغيره: " عن أبي عبدالله عليه السلام، قال خطب النبي صلى اللله عليه وآله وسلم بمنى، فقال: أيها الناس، ما جاء‌كم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته، وما جاء‌كم يخالف كتاب الله فلم أقله " (2).

ومؤثقة أيوب بن راشد: " عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف " (3).

ويمكن الجمع: بحمل هذه الاخبار على الاخبار النبوية (4) التي روتها (5) العامة.

أو حمل المخالفة على ما إذا كان مضمون الخبر مبطلا لحكم القرآن بالكلية، والتخصيص بيان لا مخالفة (6).

أو المراد بطلان الخبر المخالف للقرآن، إذا علم تفسير القرآن بالاثر الصحيح، إذ لا شك في بطلان المخصص إذا كان إرادة العموم من القرآن معلوما بالنص الصريح، والمخالفة بدون ذلك غير معلومة لما عرفت.

وإن كان تأويل الاخبار الاولة ايضا ممكنا، بأن العلم بكل القرآن منحصر في الائمة عليه السلام لكن الظاهر: أنه خلاف ما اعتقده علماؤنا الاولون، قال ابن بابويه - في كتاب معاني الاخبار في باب معنى العصمة -: " قال أبوجعفر مصنف هذا الكتاب: الدليل على عصمة الامام: [ أنه ] لما كان كل كلام ينقل عن قائله، يحتمل وجوها

___________________________________

(1) الكافي: 1 / 69 ح 3.

(2) الكافي: 1 / 69 ح 5.

(3) الكافي: 1 / 69 ح 4.

(4) كذا في أ وط، وفي الاصل وب: على النبوية.

(5) في ب: دونها.

(6) في ط: لا مخالف للقرآن.

(*)

[142]

من التأويل، و [ كان ] أكثر القرآن والسنة مما أجمعت (1) الفرق على أنه صحيح، لم يغير، ولم يبدل، ولم يزد [ فيه ]، ولم ينقص [ منه ]، محتملا لوجوه كثيرة من التأويل - وجب أن يكون مع ذلك مخبر صادق معصوم من تعمد الكذب والغلط، ينبئ عما عنى الله ورسوله في الكتاب والسنة على حق ذلك وصدقه، لان الخلق مختلفون في التأويل، كل فرقة تميل مع (2) القرآن والسنة إلى مذهبها، فلو كان الله تبارك وتعالى تركهم بهذه الصفة من غير مخبر عن كتابه صادق [ فيه ]، لكان قد سوغهم الاختلاف في الدين، ودعاهم اليه، إذ أنزل كتابا يحتمل التآويل، وأمرهم بالعمل بها، فكأنه قال: تأولوا واعملوا، وفي ذلك إباحة العمل بالمتناقضات، ولما استحال ذلك على الله، وجب أن يكون مع القرآن والسنة في كل عصر - من يبين عن (3) المعاني التني عناها الله بكلامه، دون ما تحتمله ألفاظ القرآن من التأويل، ويبين عن (4) المعاني التي عناها رسول الله صلى الله عليه وآله في سنته (5) وأخباره، دون التأويلات التي تحتملها ألفاظ الاخبار المروية عنه صلى الله عليه وآله " (6).

وروى الكليني في الصحيح: " عن منصور بن حازم، قال: قلت لابي عبدالله عليه السلام: إن الله أجل وأكرم من أن يعرف بخلقه، بل الخلق يعرفون بالله، قال: صدقت.

قلت: إن من عرف أن له ربا، فقد ينبغي له أن يعرف أن لذلك الرب رضا وسخطا، وأنه لا يعرف رضاه وسخطه إلا بوحي أو رسول، فمن لم يأته الوحي فقد ينبغي له أن يطلب الرسل، فإذا لقيهم عرف أنهم الحجة، وأن لهم الطاعة المفترضة وقلت للناس أليس تعلمون أن رسول

___________________________________

(1) كذا في أ وب والمصدر، وفي الاصل وط: اجتمعت.

(2) في ب وط: معنى.

بدل: مع.

ولعله الاولى.

(3) (4) كذا، في المصدر.

وفي النسخ: من.

(5) في ط: سنة.

وفي المصدر: سنة.

(6) معاني الاخبار: 133 - 134.

وما وضعناه من هذا النص بين معقوفين فهو اضافة من المصدر لم ترد في متن كتابنا هذا.

(*)

[143]

الله صلى الله عليه وآله كان هو الحجة من الله على خلقه؟ قالوا: بلى.

قلت: فحين مضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كان الحجة فقالوا: القرآن، فنظرت في القرآن، فإذا هو يخاصم به المرجي، والقدري، والزنديق الذي لا يؤمن به، حتى يغلب الرجال بخصومته، فعرفت أن القرآن لا يكون حجة إلا بقيم، فما قال فيه من شئ كان حقا، فقلت لهم: من قيم القرآن؟ فقالوا: ابن مسعود قد كان يعلم، وعمر يعلم، وحذيفة يعلم، قلت: كله؟ قالوا: لا.

فلم أجد أحدا يقال إنه يعرف ذلك كله إلا عليا عليه السلام، وإذا كان الشئ بين القوم، فقال هذا: لا أدري، وقال هذا: لا أدري، وقال هذا: لا أدري، وقال هذا: أنا أدري، فأشهد أن عليا عليه السلام كان قيم القرآن وكانت طاعته مفترضة، وكان الحجة على الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن ما قال في القرآن فهو حق.

فقال: رحمك الله " (1).

وأيضا: فإن الظن الحاصل بعموم الالفاظ المعدودة في ألفاظ العموم، مما يشكل طرح خبر الواحد به.

ويضعف ظن عمومها كثرة الاختلاف الواقع فيها، حيث ذهب بعضهم إلى أنه لم يوضع للعموم لفظ أصلا (2) وذهب بعضهم إلى اشتراكها لفظا، وبعضهم معنى، وتوقف بعضهم (3)، كما مر.

وحينئذ، فطرح خبر الواحد (4) الذي يجب العمل به لولا المخالفة، بمجرد ظن ضعيف حاصل من الاعتبارات والاستقراء‌ات الناقصة، في غاية الجرأة.

___________________________________

(1) الكافي 1 / 168 - 169 - كتاب الحجة / باب الاضطرار إلى الحجة / ح 2، وأورده أيضا في / باب فرض طاعة الائمة (ع).

ح 15 ص 188 - 189 باختلاف يسير.

(2) انظر ادلتهم ومناقشتها في: المستصفى: 2 / 45.

(3) المستصفى: 2 / 36 - 37 و 46، المنتهى: 103.

(4) في أ وب وط: الخبر الواحد.

(*)

[144]

واحتج من ذهب إلى عدم تخصيص القرآن بخبر الواحد: [ أ ] بأن القرآن قطعي، وخبر الواحد ظني، والظني لا يعارض القطعي (1).

ويرد عليه: أولا: أن التخصيص إنما هو في الدلالة، وقطعية المتن غير مجد، والدلالة ظنية، كما مر (2).

وثانيا: بمنع ظنية خبر الواحد، بل هو أيضا قطعي من جهة الدلالة.

وثالثا: بمنع أن الظني لا يعارض القطعي، إذا كان الدليل الدال على حجية ذلك الظنى قطعيا.

[ ب ] وباستلزام امتناع النسخ بخبر الواحد امتناع التخصيص به، للاشتراك في مطلق التخصيص (3).

والجواب: منع علية المطلق للجواز، بل هي التخصيص الخاص الافرادي، لا الازماني (4)، والسر: أن الاول مبين، لا الثاني.

واحتج الذاهب إلى تقديم الخبر: بأن فيه جمعا بين الدليلين، بخلاف العمل بالعام فإنه يوجب إلغاء (5) الخاص بالمرة (6).

والجواب: أولا: منع حجية الخبر حينئذ.

وثانيا: بمنع وجوب الجمع بين الدليلين، أو أولويته، إذا كان الجمع مخرجا للدليل القطعي عن معناه الحقيقي.

___________________________________

(1) عدة الاصول: 1 / 135، المستصفى: 2 / 115، المحصول: 1 / 434، المنتهى: 131.

(2) معالم الدين: 141، وقريب منه في: معارج الاصول: 96.

(3) المحصول: 1 / 434.

(4) كذا في أ وط، وفي الاصل وب: لا الزماني.

(5) في أ: القاء.

(6) المحصول: 1 / 432، معالم الدين: 141.

(*)

الباب الثالث في الادلة الشرعية (الفصل الاول)

وفيه فصول

الفصل الاول: الحكيم الخبير

قال الله تعالى: * (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) * (1).

والحق: أنه لا أثر لهذا الاختلاف، إذا الظاهر تحقق الاجماع على وجوب العمل بما في أيدينا، سواء كان مغيرا أو لا، وفي بعض الاخبار تصريح بوجوب العمل به إلى ظهور القائم من آل محمد عليهم السلام (2).

ثم اعلم - أيضا - أنه وقعت اختلافات كثيرة بين القراء، وهم جماعة كثيرة، وقدماء العامة اتفقوا على عدم جواز العمل بقراء‌ة غير السبعة أو العشرة المشهورة (3)، وتبعهم من تكلم في هذا المقام من الشيعة أيضا (4)، ولكن لم ينقل دليل، يعتد به على وجوب العمل بقراء‌ة هؤلاء دون من عداهم.

وتعلق بعضهم في القراء‌ات السبع، بما رواه الصدوق في الخصال، بسنده عن " حماد بن عثمان، قال: قلت لابي عبدالله عليه السلام: إن الاحاديث تختلف عنكم؟ قال: فقال: إن القرآن نزل على سبعة أحرف، وأدنى ما للامام أن يفتي على سبعة وجوه، ثم قال: * (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب) * " (5).

ولا يخفى عدم الدلالة على القراء‌ات السبع المشهورة، مع أنه قد روى الكليني، في كتاب فضل القرآن، روايات منافية لها: منها: رواية زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " إن القرآن واحد،

___________________________________

(1) الحجر / 9.

(2) ما عثرنا عليه في هذا الصدد من الاخبار المغياة بظهور القائم (ع) انما هو ما يتعلق بالقراء‌ة، كالحديث الآتي: " فقال أبوعبدالله (ع) كف عن هذه القراء‌ة، إقرأ كما يقرء الناس حتى يقوم القائم.... "، وغيره: الكافي: 2 / 633 - كتاب فضل القرآن / باب النوادر / ح 23.

(3) الاتقان: 1 / 258 النوع 22، التهميد: 141، فواتح الرحموت (بهامش المستصفى: 2 / 15.

(4) التبيان: 1 / 7، و: مجمع البيان / المقدمة / الفن الثاني، و: التذكرة: 1 / 115، ومنتهى المطلب: 1 / 273، والذكرى: 187 في التفريع على المسألة الخامسة.

(5) الخصال: 2 / 358 ح 43.

والآية من سورة: ص / 39.

(*)

[149]

نزل من عند واحد، ولكن الاختلاف يجئ من قبل الرواة " (1).

وصحيحة الفضيل بن يسار،: " قال: قلت لابي عبدالله عليه السلام: إن الناس يقولون: إن القرآن نزل على سبعة أحرف، فقال: كذبوا، أعداء الله، ولكنه نزل على حرف واحد، من عند الواحد " (2).

ولا بحث لنا في الاختلاف الذي لا يختلف به الحكم الشرعي.

وأما فيما يختلف به الحكم الشرعي: فالمشهور: التخيير بين العمل بأي قراء‌ة شاء العامل (3).

وذهب العلامة إلى رجحان قراء‌ة عاصم بطريق أبي بكر، وقراء‌ة حمزة (4).

ولم أقف لهم وله على مستند يمكن الاعتماد عليه شرعا.

فالاولى: الرجوع فيه إلى تفسير حملة الذكر، وحفظة القرآن، صلوات الله عليهم أجمعين، إن أمكن، وإلا فالتوقف، كما قال أبوالحسن عليه السلام: " ما علمته فقل، وما لم تعلمه فها - وأهوى بيده إلى فيه - " (5)، والامر فيه سهل (6)، لعدم تحقق محل التوقف.

___________________________________

(1) الكافي 2 / 630 - كتاب فضل القرآن / باب النوادر / ح 12.

(2) الكافي: 2 / 630 ح 13.

(3) تقدم ذكر مصادر ذلك آنفا.

(4) منتهى المطلب: 1 / 273 - كتاب الصلاة / البحث الرابع في القراء‌ة / مسألة: " وتبطل الصلاة لو أخل بحرف واحد... " / الفرع السادس.

(5) المحاسن للبرقي: 213، الكافي: 1 / 57 - كتاب فضل العلم / باب البدع والرأي والمقاييس / ح 13.

(6) في ط: العمل.

(*)

[152]

وليس سبب حجيته انضمام الاقوال واجتماعها، كما يقول المخالفون (1)، حيث احتالوا في إطفاء نور الله، فجعلوا اجتماع أقوال الامة حجة، واجب الاتباع، كالقرآن، والحديث، وأدلتهم - بعد تمامها - لا تدل على مطلوبهم. فالاجماع عندنا ليس أمرا غير السنة.

الفصل الثاني: الاجماع

يطلق على معنيين:

أحدهما: اتفاق جمع على أمر، يقطع بأن أحد المجمعين هو المعصوم، ولكن لا يتميز شخصه (2).

وهذا القسم من الاجماع مما لا يكاد يتحقق (3)، لان الامام عليه السلام قبل وقوع الغيبة: كان ظاهرا مشهورا عند الشيعة في كل عصر، يعرفه كل منهم، وبعد الغيبة: يمتنع حصول العلم بمثل هذا الاتفاق.

وما يقال: من أنه إذا وقع إجماع علماء الرعية على الباطل، يجب على الامام أن يظهر ويباحثهم، حتى يردهم إلى الحق، لئلا يضل الناس (4).

فهو مما لا ينبغي أن يصغى إليه، لان جل الاحكام - بل كلها - معطل، كالامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، وغير ذلك، ومع ذلك فهو لا يظهر.

___________________________________

(1) المستصفى: 1 / 175، المحصول: 2 / 37، المنتهى: 52.

(2) الذريعة: 2 / 624، معارج الاصول: 132.

(3) معالم الدين: 175.

(4) عدة الاصول: 2 / 76.

وقد حكي عن الميرداماد أيضا ذهابه إلى ذلك أو ما يقرب منه في مجلس درسه.

انظر:؟ فرائد الاصول: 86.

(*)

[153]

وأيضا: إجماعهم إنما يوجب ضلالة الناس، إذا كان واجب الاتباع بدون العلم بدخول الامام عليه السلام فيهم، وليس كذلك كما عرفت.

وثانيهما: اتفاق جماعة على أمر، لا يقطع بدخول الامام عليه السلام فيهم، بل قد يقطع بخروجه عنهم، إلا أن هؤلاء المجمعين كانوا ممن لا يجوز العقل اجتماعهم على الافتاء من دون سماعهم لتلك الفتوى عن قدوتهم وإمامهم عليه السلام.

وعدم ذلك التجويز لا يتم إلا بعد التتبع عن أحوال هؤلاء المجمعين، والاطلاع على تقواهم وديانتهم، فهو مختلف باعتبار خصوصص المجمعين، فقد يحصل بإثنين، بل بواحد، وقد لا يحصل بعشرة، بل بعشرين.

البحث الثالث: الحق إمكان الاطلاع على الاجماع بالمعنى الثاني من غير جهة النقل في زمان وقوع الغيبة، إلى حين انقراض الكتب المعتمدة، والاصول الاربعماء‌ة المتداولة، كزمان المحقق والعلامة وما ضاهاه (1)، ولكنه بعيد.

أما إمكانه: فلان كتب أصحاب الائمة عليهم السلام، كانت موجودة مشهورة، كفتاوى المتفقهة المتأخرين عندنا، وفتاواهم كانت مودعة في كتبهم، فقد يحصل العلم بقول الامام عليه السلام، إذا حصل العلم بفتاوى عدة منهم، كزرارة، ومحمد بن مسلم، والفضيل، وأبي بصير المرادي، ومن يحذو حذوهم، وإنكار ذلك مكابرة.

وأصحاب الائمة عليهم السلام كانت لهم فتاوى مشهورة، وقد نقل

___________________________________

(1) في أ وط: وما ضاهاهما.

(*)

[156]

وزعم بعض علمائنا (1) أن علماء‌نا في زمان (2) الغيبة إذا اتفقوا على أمر، وكانوا مخطئين، يجب على الامام أن يظهر لهم - ولو بنحو لا يعرفونه - ويباحث معهم، حتى يردهم إلى الحق.

وبطلان هذا مما لا يحتاج إلى البيان، بعد ملاحظة تعطل أكثر الاحكام والامور.

___________________________________

(1) انظر ما تقدم في الهامش (4) من ص 152.

(2) في أ وط: زمن.

(*)

الفصل الثالث: في السنة

وفيه أبحاث:

الاول: السنة: هي قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو الامام، أو فعلهما أو تقريرهما على وجه.

ولما كان المهم منها هو القول، فلنتكلم فيه.

ويسمى: حديثا و خبرا.

والخبر ينقسم إلى: متواتر وآحاد.

والمتواتر: هو خبر جماعة، بلغوا في الكثرة مبلغا، أحالت العادة تواطأهم على الكذب، كالمخبرين عن وجود مكة واسكندر، ونحوهما.

والظاهر: قلة الخبر المتواتر باللفظ في زماننا، فنسكت عنه.

وخبر الواحد: هو ما لم يفد العلم، باعتبار كثرة المخبرين، وقد يفيد العلم بالقرائن، وهو ضروري، وإنكاره مكابرة ظاهرة.

[160]

ولم ينكره أحد (1) سوى المرتضى وأتباعه، لشبهة حصلت لهم " (2).

والحق: أنه لا يظهر (3) من كلام الشيخ أنه يعمل بخبر الواحد، العاري عن القرائن المفيدة للقطع (4)، نعم، هو قسم القرائن، وذكر فيها امورا، لا يمكن إثبات قطعيتها.

الثالث: ظواهر الروايات، وهي كثيرة: منها: ما رواه الكليني، بسنده " عن المفضل بن عمر، قال: قال لي أبو عبدالله عليه السلام: أكتب، وبث علمك في إخوانك، فإن مت فأورث كتبك بنيك، فإنه يأتي على الناس زمان هرج، لا يأنسون فيه إلا بكتبهم " (5).

فإن ظاهرها: جاز العمل بما في الكتب من الاخبار، وهي آحاد، فإن تواترها، واحتفافها بالقرائن المفيدة للقطع، بعيد جدا.

ومنها: ما رواه في الصحيح " عن محمد بن الحسن ابن أبي خالد شينولة، قال: قلت لابي جعفر الثاني عليه السلام: جعلت فداك، إن مشايخنا رووا عن أبي جعفر، وأبي عبدالله عليهما السلام، وكانت التقية شديدة، فكتموا كتبهم، ولم ترو عنهم، فلما ماتوا صارت الكتب إلينا، فقال: حدثوا بها، فإنها حق " (6).

ومنها: ما رواه في الصحيح أيضا " عن سماعة بن مهران، عن أبي الحسن موسى عليه السلام، قال: قلت: أصلحك الله، إنا نجتمع فنتذاكر ما عندنا،

___________________________________

(1) كلمة (أحد): ساقطة من الاصل، وقد اثبتناها من سائر النسخ.

(2) نهاية الوصول ورقة 209 / أ (مصورة) وقد أورد هذه العبارة بلفظها الفخر الرازي المتقدم على العلامة في: المحصول: 2 / 188.

(3) في ط: لم يظهر.

(4) كما استظهر ذلك المحقق الحلي وقد تقدم نقل كلامه.

(5) الكافي: 1 / 52 - كتاب فضل العلم / باب رواية الكتب والحديث وفضل الكتابة والتمسك بالكتب / ح 11.

(6) الكافي 1 / 52 ح 15.

(*)

[161]

فلا يرد علينا شئ إلا وعندنا فيه شئ مسطهر (1)، وذلك مما أنعم الله به علينا بكم، ثم يرد علينا الشئ الصغير، ليس عندنا فيه شئ، فينظر بعضنا إلى بعض، وعندنا ما يشبهه، فنقيس على أحسنه؟ فقال: وما لكم وللقياس، إنما هلك من هلك قبلكم - بالقياس، ثم قال: إذا جاء‌كم ما تعلمون فقولوا به، وإن جاء‌كم ما لا تعلمون فها - وأهوى بيده إلى فيه - " الحديث (2).

وفيه تقرير منه عليه السلام في العمل والفتوى بالكتاب، مع أنه غالبا يكون من قبيل أخبار الآحاد.

ومنها: ما رواه في الصحيح، عن عبدالله بن أبي يعفور " قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام، عن اختلاف الحديث، يرويه من نثق به، ومنهم من لا نثق به؟ قال: إذا ورد عليكم حديث، فوجدتم له شاهدا من كتاب الله، أو من قول رسول الله صلى الله عليه وآله، وإلا فالذي جاء‌كم به أولى به " (3).

وظاهر: أن السائل سأل عن أخبار الآحاد، إذ لا دخل للوثوق بالراوي (4)، وعدمه في القطعي من الاخبار.

ونحوها: الاخبار الواردة في حكم اختلاف الاخبار (5)، كما سيجئ في آخر الكتاب إن شاء الله، وهي تدل على حجية خبر الواحد، بشرط اعتضاده بالقرآن، أو سنة الرسول (6).

___________________________________

(1) ورد في هامش الكافي ما يلي: " في بعض النسخ: مسطور، وفي بعضها: مستطر ".

(2) الكافي: 1 / 57 - كتاب فضل العلم / باب البدع والرأي والمقائيس / ح 13.

ومثله ما رواه البرقي باسناده عن محمد بن حكيم: المحاسن: 213.

(3) الكافي: 1 / 69 - كتاب فضل العلم / باب الاخذ بالسنة وشواهد الكتاب / ح 2.

(4) كذا في أ وب، وفي الاصل: للموثق بالراوي، وفي ط: بالوثوق للراوي.

(5) الكافي: 1 / 62 - كتاب فضل العلم / باب اختلاف الحديث / ح 7، 8، 9، وغيرها.

(6) لا يقال: اشتراط اعتضاده بالقرآن والسنة يدل على عدم حجية خبر الواحد.

لانا نقول: شهادة القرآن والسنة لا توجب انتهاء‌ه إلى حد القطع، فاجماله (ع) يدل على حجية الخبر المظنون المعتضد بالقرآن او السنة، فتأمل جدا (منه رحمه الله).

(*)

[162]

ونحوها: ما رواه في الموثق بعبد الله بن بكير، عن رجل عن أبي جعفر عليه السلام - إلى أن قال -: " وإذا جاء‌كم عنا حديث، فوجدتم عليه شاهدا، أو شاهدين من كتاب الله فخذوا به، وإلا فقفوا عنده، ثم ردوه إلينا، حتى يستبين لكم " (1).

ومنها: الروايات الواردة في الامر بإبلاغ الحديث إلى الناس، مثل ما رواه في الصحيح " عن خيثمة، قال: قال لي أبوجعفر عليه السلام: أبلغ شيعتنا أنه لن ينال ما عند الله إلا بعمل، وأبلغ شيعتنا أن أعظم الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلا، ثم يخالفه إلى غيره " (2).

إذ لا شك في علمهم عليهم السلام بعدم انتهائها إلى حد القطع.

وقد يحتج على هذا المطلب بالآيات: كقوله تعالى: * (فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) * (3).

حيث يدل على وجوب الحذر، بإنذار الطائفة من الفرقة، وهي تصدق على واحد - ك‍ (الفرقة) على الثلاثة - فيفيد وجوب اتباع قول الواحد، وهو المطلوب.

وقوله تعالى: * (إن جاء‌كم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) * (4).

حيث يدل بمفهومه (5) على انتفاء التبين والتثبت عند خبر العدل، فإما: الرد، أو: القبول (6)، والاول: يوجب كون العدل أسوء حالا من الفاسق، وهو

___________________________________

(1) الكافي 2 / 222 - كتاب الايمان والكفر / باب الكتمان / ح 4.

(2) الكافي: 2 / 300 - كتاب الايمان والكفر / باب من وصف عدلا وعمل بغيره / ح 5.

(3) المستصفى: 1 / 152، والآية من سورة التوبة / 122.

(4) المحصول: 2 / 178، والآية من سورة: الحجرات / 6.

(5) في أ: يدل المفهوم، وفي ط: دل المفهوم.

(6) كذا في ط، وفي سائر النسخ: فاما الرد أو لا أو القبول.

(*)

[163]

باطل، فيكون الحق: هو الثاني، وهو المطلوب (1).

والاولى: ترك الاستدلال بهذه الآيات، فإنه: يرد على الاستدلال بالاولى: أن المتبادر (2) من (الطائفة) الزيادة على الاثنين، فالظاهر أن المراد ب‍ (الفرقة) ممن ذكره الله تعالى - أهل كل حشم حشم، وقرية قرية.

وأيضا: - على تقدير خروج واحد من كل ثلاثة - فالظاهر حينئذ: بلوغ المخبرين عدد التواتر، لان الغالب في الاحشام والقرى، الكثرة العظيمة، ويندر توطن ثلاثة أنفس من الرجال والنساء والصبيان في موضع، لا يكون لهم رابع بل عاشر.

وأيضا: يحتمل كون الانذار بطريق الفتوى بمعنى الروايات (3)، ولا نزاع لاحد في قبوله، ويسمونه فتوى المجتهد.

وأيضا: إطلاق الانذار على نقل روايات الاحكام الشرعية، غير متعارف، فيحتمل كون المراد التخويف على ترك أو فعل ما ثبت بطريق القطع، وهذا مما تتأثر النفس بسماعه، ويحصل به للنفس خوف، يوجب اهتمامه بالواجبات وترك المحرمات، وإن لم يكن خبر الواحد حجة.

وأيضا: يحتمل أن يقال: إن خبر الواحد المشتمل على الانذار حجة، لقضاء العقل بمثل هذه الاحتياطات دون غيره، والاجماع على عدم الفصل، غير معلوم.

وأيضا: يحتمل أن يكون ضمير (ليتفقهوا) راجعا إلى الباقي من الفرقة مع العالم، دون من نفر منهم.

وغير ذلك من الاعتراضات.

___________________________________

(1) المحصول: 2 / 179 - 180.

(2) في أ وط: التبادر.

(3) في ط: لا بمعنى الروايات.

(*)

[164]

وعلى الآية الثانية: بأنه استدلال بمفهوم الصفة على أصل علمي، وحاله معلوم (1).

وأيضا: الآية واردة في شخص خاص، وذكر (فاسق) إنما هو (2) لاعلام الصحابة بفسق ذلك الشخص الخاص، وتبيين حاله، لا لانتفاء هذا الحكم عند انتفاء هذا الوصف.

احتج المنكرون: بأن العمل بخبر الواحد، اتباع الظن، وقول على الله بغير علم، وهو غير جائز (3).

أما الصغرى: فلان خبر الواحد لا يفيد العلم، وأيضا: النزاع إنما هو فيما لا يفيده، وإنما غايته أن يفيد الظن.

وأما الكبرى: فللآيات الكثيرة: كقوله تعالى في مقام الذم: * (إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (4).

وقوله تعالى: * (إن هم إلا يظنون) * (5).

وقوله تعالى: * (وما يتبع أكثرهم إلا ظنا) * (6).

ونحو ذلك.

وقوله تعالى في الآيات الكثيرة: * (وأن تقولا على الله ما لا تعلمون) * (7).

___________________________________

(1) المنتهى: 75، لكن الفخر الرازي قرب الاستدلال بها بمفهوم الشرط: المحصول 1 / 179 - 180.

(2) في ط: إما انه.

(3) عدة الاصول: 1 / 44، الذريعة: 2 / 523، المستصفى: 1 / 154، المحصول: 2 / 192.

المنتهى: 76.

(4) النجم / 28.

(5) الجاثية / 24.

(6) يونس / 36.

(7) البقرة / 169 وكذا: الاعراف / 33.

(*)

[165]

وقوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * (1).

والجواب: أولا: منع الصغرى: فإن اتباع الظن: هو أن يكون مناط العمل هو الظن من حيث هو هو، وههنا ليس كذلك، وإنما مناط العمل هو كلام اصحاب العصمة المنقول عنهم، وأخبار مهابط الوحي الالهي، صلوات الله عليهم، بشرط عدم المخالفة للكتاب والسنة، وعدم المعارضة، ونحو ذلك، على ما سيأتي إن شاء الله، سواء أفاد الظن أو لا.

وعلى تقدير القول باشتراط جواز العمل به بإفادته الظن - أيضا لا يلزم كون مناط العمل هو الظن، بل هو الخبر الخاص المشترط بالظن، ولهذا لو حصل الظن بحكم شرعي، لا من دليل شرعي، لا يجوز العمل به إتفاقا منا، بل ومن غيرنا أيضا، فعلم الفرق بين اتباع الظن، واتباع الخبر الخاص بشرط الظن، فلا تغفل.

وأيضا: فإن العمل بخبر الواحد، إنما هو اتباع للدليل (2) القطعي، الدال على حجية خبر الواحد، فهو اتباع للقطع.

وثانيا: بمنع الكبرى: فإن سياق الآيات يقتضي اختصاصها باصول الدين.

وأيضا: فإن المطلق يقيد، والعام يخص، إذا وجد الدليل، ونحن قد دللنا على حجية خبر الواحد

___________________________________

(1) الاسراء / 36.

(2) في أ وط: الدليل.

(*)

[166]

البحث الثالث: للعمل بخبر الواحد في هذا الزمان شرائط، يجمعها: وجود الخبر في الكتب المعتمدة للشيعة، كالكافي، والفقيه، والتهذيب، ونحوها. مع عمل جمع منهم به، من غير رد ظاهر.ولا معارضة لما هو أقوى منه.

سواء كان الراوي عدلا أم لا، وسواء كانت الرواية مسندة صحيحة، أو حسنة، أو موثقة، أو ضعيفة - بحسب الاصطلاح - أو مرسلة، أو مرفوعة، أو موقوفة، أو منقطعة، أو معضلة (1)، أو معنعنة، أو منكرة (2) أو معللة، أو مضطربة، أو مدرجة، أو معلقة، أو مشهورة، أو غريبة، أو عزيزة، أو مسلسلة، أو مقطوعة، إلى غير ذلك من الاصطلاحات.

والقوة: تكون باعتبار العدالة، والورع، والشهرة، وعمل الاكثر، ونحو ذلك، مما سيجئ التنبيه عليه إن شاء الله تعالى.

البحث الرابع: تعرف عدالة الراوي، في هذا الزمان وما ضاهاه، وكذا أعدليته، وورعه، وأورعيته - بتزكية العدل المشهور، وقد انحصر المزكي والجارح في: الشيخ الطوسي، والكشي، والنجاشي، وابن الغضائري، وابن طاوس، والعلامة، ومحمد ابن شهر آشوب، وابن داود، وربما توجد التزكية والجرح لغيرهم أيضا في كتب الحديث، ك‍: الفقيه، والكافي، وغيرهما.

___________________________________

(1) في ط: منفصلة.

(2) في ط: مكررة.

(*)

[167]

والظاهر: الاكتفاء بالواحد في الجرح والتعديل، ولو لم يذكر السبب، وإلا لم يوجد خبر صحيح بالاصطلاح المشهور، وسيجئ فيه مزيد تحقيق.

ومع تعارض الجرح والتعديل: فقد قيل (1): بتقديم الجرح، لانه به يحصل الجمع بينهما.

والظاهر: الترجيح بالقرائن، إن أمكن، وإلا فالتوقف.

وبقي هنا مباحث اخر، تركناها لقلة فائدتها، كمباحث المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والناسخ والمنسوخ، ومباحث المنطوق والمفهوم سيجئ ما يعتد به منها إن شاء الله تعالى.

___________________________________

(1) كذا في ط، وفي سائر النسخ: فقيل.

(*)

الباب الرابع في الادلة العقلية

وتحقيق ما يعتمد عليه منها وما لا يعتمد عليه

[171]

وهي أقسام:

الاول: ما يستقل بحكمه العقل، كوجوب قضاء الدين، ورد الوديعة، وحرمة الظلم، واستحباب الاحسان، ونحو ذلك.

كذا ذكره المحقق في المعتبر (1)، والشهيد في الذكرى (2)، وغيرهما.

وحجية هذه الطريقة: مبنية على الحسن والقبح العقليين (3).

والحق ثبوتهما، لقضاء الضرورة بهما (4) في الجملة، ولكن في إثبات الحكم الشرعي - كالوجوب والحرمة الشرعيين - بهما (5)، نظر وتأمل.

والواجب العقلي: ما يستحق فاعله المدح، وتاركه الذم.

والشرعي: ما يستحق فاعله الثواب، وتاركه العقاب.

وعكسه الحرام فيهما.

ووجه النظر امور:

___________________________________

(1) المعتبر: 1 / 32.

(2) الذكرى: 5 / المقدمة / الاصل الرابع / القسم الاول.

(3) كذا في أ وب وط، وفي الاصل: العقلي.

(4) كذا في أ وب وط، وفي الاصل: به.

(5) كذا في ب وط، وفي الاصل وأ: بها (*)

[172]

الاول: أن قوله تعالى: * (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) * (1) ظاهر في أن العقاب لا يكون إلا بعد بعثة الرسول (2) فلا وجوب (3) ولا تحريم إلا وهو مستفاد من الرسول صلى الله عليه وآله.

فإن قلت: يجوز أن يستحق العقاب، ولكن لا يعاقبه الله تعالى إلا بعد بيان الرسول أيضا، ليتعاضد (4) العقل والنقل، لطفا منه تعالى.

قلت: ظاهر أن الواجب شرعا مثلا ما يجوز المكلف العقاب على تركه، فلا يتصور وجوب شرعي مثلا عند الجزم - بسبب إخبار الله تعالى - بعدم العقاب، ولا يكون (5) حينئذ إلا (6) الوجوب العقلي.

الثاني: ما ورد من الاخبار: كما رواه الكليني عن: " عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن علي بن الحكم، عن أبان الاحمر، عن حمزة بن الطيار، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: قال لي: اكتب، فأملى علي: أن من قولنا أن الله يحتج على العباد بما آتاهم وعرفهم، ثم أرسل إليهم رسولا، وأنزل عليهم الكتاب، فأمر فيه ونهى أمر فيه بالصلاة والصيام.... " (7) الحديث.

والتطبيق: كما مر.

وأيضا: قد نقل تواتر الاخبار بأنه لم يتعلق بأحد تكليف إلا بعد بعث (8)

___________________________________

(1) الاسراء / 15.

(2) كذا في ط، وفي سائر النسخ: الرسل.

(3) في أ وط: ولا وجوب.

(4) في أ: لتعاضد.

(5) كذا في ط، وفي سائر النسخ: بل لا يكون.

(6) كلمة (إلا): ساقطة من ط.

(7) الكافي: 1 / 164 - كتاب التوحيد / باب حجج الله على خلقه / ح 4.

(8) في ط: بعثة.

(*)

[173]

الرسول، * (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة) * (1)، وبأنه على الله بيان ما يصلح الناس وما يفسد، وبأنه لا يخلو زمان عن إمام معصوم، ليعرف الناس ما يصلحهم وما يفسدهم.

والظاهر منها: حصر العلم بهما في ذلك، وبأن أهل الفترة وأشباههم معذورون، ويكون تكليفهم يوم الحشر (2).

وأيضا: قد ورد: "كل شئ مطلق، حتى يرد فيه نهي" رواه ابن بابويه في الفقيه، في تجويز القنوت بالفارسية(3).

فيفهم دخول غير المنصوص (4) في المباح.

الثالث: ما عليه أصحابنا (5)، والمعتزلة (6)، من أن التكليف فيما يستقل به العقل لطف، والعقاب بدون اللطف قبيح، فلا يجوز العقاب على ما لم يرد فيه من الشرع نص، لعدم اللطف فيه حينئذ.

وأيضا: العقل يحكم بأنه يبعد من الله تعالى توكيل (7) بعض أحكامه (8)

___________________________________

(1) الانفال / 42.

(2) روى ابن بابويه في كتاب الخصال بسنده " عن زرارة، عن أبي جعفر (ع)، قال: إذا كان يوم القيامة احتج الله عز وجل على خمسة: على الطفل، والذي مات بين النبيين، والذي ادرك النبي وهو لا يعقل، والابله، والمجنون الذي لا يعقل، والاصم والابكم.

فكل واحد منهم يحتج على الله عزوجل، قال: فيبعث الله عزوجل اليهم رسولا، فيؤجج لهم نارا فيقول لهم: ريكم يأمركم أن تثبوا فيها، فمن وثب فيها كانت عليه بردا وسلاما، ومن عصى سيق إلى النار. (منه رحمه الله).

الخصال: 283 / باب الخمسة ح 31.

(3) الفقيه: 1 / 317 ح 937.

(4) في ط: الخصوص.

(5) الذريعة: 2 / 701 - 702، تقريب المعارف: 77، كشف المراد: 319، 324، 327.

(6) المواقف: 323 بضميمة ما في ص 328، حاشية السيالكوتي على شرح المواقف: 393 - 399.

(7) كذا في أ وط، وفي الاصل وب: وكول.

(8) في أ وط: أحكام.

(*)

[174]

إلى مجرد إدراك العقول، مع شدة اختلافها في الادراكات والاحكام، من غير انضباطه بنص وشرع، فإنه يوجب الاختلاف (1) والنزاع، مع أن رفعه من إحدى الفوائد في إرسال الرسل، ونصب الاوصياء عليهم السلام.

فعلى ما ذكرنا، يشكل التعلق بهذه الطريقة في إثبات الاحكام الشرعية غير المنصوصة.

لكن الظاهر: أنه لا يكاد يوجد شئ يندرج في هذه الطريق إلا وهو منصوص من الشرع، ففائدة هذا الخلاف نادرة، والله أعلم.

الرابع: ما رواه الكليني في الصحيح: " عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: بني الاسلام على خمسة أشياء - إلى أن قال - أما لو أن رجلا قام ليله، وصام نهاره، وتصدق بجميع ماله، وحج جميع دهره، ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه، ويكون جميع أعماله بدلالته إليه (2)، ما كان له على الله حق في ثوابه، ولا كان من أهل الايمان " (3) والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة.

وهذا الخبر (4) إنما يدل على أن الاحكام العملية (5) تتوقف على الشرع، وكأنه هو الحق، للنصوص المطلقة الدالة على تعذيب الكفار بشركهم وكفرهم، الشاملة لاهل الفترة وغيرهم، فلو كانت المعارف الفطرية موقوفة على الشرع من حيث الوجوب، لم يثبت تعذيب الوثني من أهل الفترة.

فإن قلت: الواجب العقلي: هو ما يكون تاركه مذموما عند كل عاقل وحكيم، والحرام العقلي ما يكون فاعله مذموما كذلك، فالحرام العقلي - مثلا -

___________________________________

(1) في أ: الاختلافات.

(2) هذا محل الشاهد من الخبر، إذ لو كان للعقل دلالة لم يوجب اخذ جميع الاعمال بدلالة الامام (هامش نسخة ط).

(3) الكافي: 2 / 18 - كتاب الايمان والكفر / باب دعائم الاسلام / ح 4.

(4) في أ: الاخير.

(5): في أ وط: العلمية.

(*)

[175]

لابد وأن يكون مكروها وممقوتا لله تعالى، وليس الحرام الشرعي إلا ذلك، لان فاعل فعل، هو مكروه عند الله تعالى، ممقوت له تعالى - مستحق لعقابه ضرورة.

قلت: الحرام الشرعي: ما يجوز المكلف العقاب عليه، ولا يكفي مجرد الاستحقاق، وإن علم انتفاؤه بسبب ما، كإخباره بذلك.

وأيضا: بداهة استلزام المكروهية عند الله تعالى لاستحقاق عقابه، محل نظر ومنع.

فإن قلت: فإذا كان الامر على ما ذكرت، فلم لم تحكم بعدم حجية هذه الطريقة على البت؟ ! بل جعلت حجيتها محل التأمل، المشعر بالشك والتردد.

قلت: وجه التردد مما مر، ومن: أن إخباره تعالى بنفي التعذيب، فيما هو مذموم ومكروه عنده - إغراء منه تعالى للمكلف على هذا المذموم، وهو قبيح (1)، ونقض للغرض، وحينئذ لا يكون ما يندرج في هذه الطريقة مندرجا في قوله تعالى: * (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) * (2) وحينئذ، فيبقى (3) الكلام في صحة الملازمة المذكورة، وعدمها.

وقد قال السيد المرتضى رحمه الله في الذريعة: " وأما حد المحظور: فهو القبيح الذي قد اعلم المكلف، أو دله على ذلك من حاله " (4).

وذهب الفاضل الزركشي في شرح جمع الجوامع (5) إلى: أن الحسن والقبح ذاتيان، والوجوب والحرمة شرعيان، وأنه لا ملازمة بينهما، فقال: " تنبيهات: الاول: أن المعتزلة لا ينكرون أن الله تعالى هو الشارع

___________________________________

(1) في ط: قبح.

(2) الاسراء / 15.

(3) في أ: فبقي.

(4) الذريعة 2 / 808، لكن فيه: أو دل.

(5) المسمى ب‍: تشنيف المسامع بجمع الجوامع.

(*)

[176]

للاحكام، إنما يقولون: إن العقل يدرك أن الله تعالى شرع أحكام الافعال بحسب ما يظهر من مصالحها ومفاسدها، فهو طريق عندهم إلى العلم بالحكم (1) الشرعي، والحكم الشرعي تابع لهما، لا عينهما، فما كان حسنا جوزه الشرع، وما كان قبيحا منعه، فصار عند المعتزلة حكمان: أحدهما عقلي، والآخر شرعي تابع له، فبان أنهم لا يقولون: إنه - يعني (2) العقاب والثواب - ليس بشرعي أصلا، خلافا لما توهمه (3) عبارة المصنف، وغيره.

والثاني: ما اقتصر عليه المصنف من حكاية قولين (4)، هو المشهور، وتوسط قوم، فقالوا: قبحها ثابت بالعقل، والعقاب يتوقف على الشرع، وهو الذي ذكره أسعد بن علي الزنجاني من أصحابنا، وأبوالخطاب من الحنابلة، وذكره الحنفية، وحكوه عن أبي حنيفة نصا، وهو المنصور، لقوته من حيث الفطرة، وآيات القرآن المجيد، وسلامته من الوهن والتناقض، فههنا أمران:

الاول إدراك العقل حسن الاشياء وقبحها، الثاني، أن ذلك كاف في الثواب والعقاب، وإن لم يرد شرع، ولا تلازم (5) بين الامرين، بدليل، (ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم) * أي: بقبيح فعلهم (6) * (وأهلها غافلون) * (7) أي: لم تأتهم الرسل والشرائع، ومثله: * (ولو لا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم) *

___________________________________

(1) كذا في المصدر المنقول عنه النص، وفي النسخ كما يلي: فهما عدهم مؤديان إلى العلم بالحكم (بالاحكام خ ل).

(2) كذا في المصدر، وفي النسخ: بمعنى.

(3) كذا في المصدر، وزاد في النسخ في هذا الموضع كلمة: ظاهر.

(4): كذا في المصدر، وفي النسخ: قولهم.

(5) كذا في المصدر، وفي النسخ: ولا ملازمة.

(6) كذا في المصدر، وفي النسخ: أي بقبح فعلهم (افعالهم خ ل).

(7) الانعام / 131.

(*)

[177]

أي: من القبائح * (فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا....) * (1) " انتهى كلام الزركشي (2).

وليس الغرض من نقل هذا الكلام الاحتجاج به، بل التنبيه (3) على أن الملازمة المذكورة مما قد تكلم عليه جماعة من أهل البحث والنظر.

واعلم أن المحقق الطوسي، ذكر في بعض تصانيفه: " أن القبيح العقلي ما ينفر الحكيم عنه، وينسب فاعله إلى السفه " (4).

وقال بعض المتأخرين من أصحابنا (5): " لا يقال قوله عليه السلام " كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي " يبطل الحسن والقبح الذاتين.

لانا نقول: ههنا مسألتان: الاولى الحسن والقبح الذاتيان، والاخرى الوجوب والحرمة الذاتيان، والذي يلزم من ذلك بطلان الثانية لا الاولى، وبينهما بون بعيد، ألا ترى أن كثيرا من القبائح العقلية ليس بحرام في الشريعة، ونقيضه (6) ليس بواجب " إنتهى كلامه.

وفي آخر كلامه نظر ظاهر.

وقال السيد أيضا في الذريعة - في إثبات إباحة ما لم يرد به شرع، بعد ادعاء انتفاء المضرة العاجلة -: " وأما المضرة الآجلة: فهي العقاب، وإنما يعلم انتفاء ذلك، لفقد السمع الذي يجب أن يرد به لو كان ثابتا، لان الله تعالى لا بد أن يعلمنا ما علينا من المضار الآجلة التي هي العقاب، الذي يقتضيه قبح الفعل (7)، وإذا فقدنا هذا الاعلام، قطعنا على انتفاء المضرة الآجلة أيضا " (8) انتهى.

___________________________________

(1) القصص / 47.

(2) تشنيف المسامع: 1 / 133 - 139.

(3) في ط: للتنبيه.

(4) حكاه عنه في: الفوائد المدنية: 161.

(5) وهو المحدث الامين الاسترآبادي: الفوائد المدنية: 161.

(6) في أ وط: فنقيضه.

(7) كذا في المصدر المنقول عنه النص، وفي النسخ: العقل.

(8) الذريعة: 2 / 811 - 812.

(*)

[178]

القسم الثاني: استصحاب حال العقل، أي: الحال السابقة، وهي عدم شغل الذمة عند عدم دليل أو أمارة عليه، والتمسك به أن (1) يقال: إن الذمة لم تكن مشغولة بهذا الحكم في الزمن السابق، أو الحالة الاولى، فلا تكون مشغولة في الزمن اللاحق أو الحالة الاخرى، وهذا إنما يصح إذا لم يتجدد ما يوجب شغل الذمة في الزمن(2) الثاني.

ووجه حجيته حينئذ ظاهر، إذ التكليف بالشئ مع عدم الاعلام به، تكليف الغافل، وتكليف بما لا يطاق.

ويدل عليه (3) الاخبار أيضا، كما سيجئ مع ما فيه.

القسم الثالث: أصالة النفي، وهو البراء‌ة الاصلية.

قال المحقق الحلي رحمه الله: " أعلم أن الاصل خلو الذمة عن الشواغل الشرعية، فإذا ادعى مدع حكما شرعيا، جاز لخصمه أن يتمسك في انتفائه بالبراء‌ة الاصلية، فيقول: لو كان ذلك الحكم ثابتا لكان عليه دلالة شرعية، لكن ليس كذلك فيجب نفيه.

ولا يتم هذا الدليل إلا ببيان مقدمتين: الاولى: أنه لا دلالة عليه (4) شرعا، بأن يضبط طرق الاستدلالات الشرعية ويبين عدم دلالتها عليه.

والثانية: أن يبين أنه لو كان هذا الحكم ثابتا لدلت عليه إحدى تلك

___________________________________

(1) كذا في أ، وفي سائر النسخ: بأن.

(2) في أ وب: الزمان.

(3) في أ وب وط: عليها.

(4) في ط: لا دليل.

(*)

[179]

الدلائل، لانه لو لم يكن عليه دلالة، لزم التكليف بما لا طريق للمكلف إلى العلم به، وهو تكليف بما لا يطاق، ولو كان عليه دلالة غير تلك الادلة، لما كانت أدلة الشرع منحصرة فيها، لكن بينا انحصار الاحكام في تلك الطرق، وعند هذا يتم كون ذلك دليلا على نفي الحكم " انتهى كلامه في كتابه الاصول (1).

ولا يخفى أن بيان هاتين المقدمتين مما لا سبيل إليه إلا فيما تعم به البلوى.

أما الاول: - وهو عدم السبيل إلى البيان فيما لا تعم به البلوى - فلان جل أحكامنا - معاشر (2) الشيعة - بل كلها، متلقاة من الائمة الطاهرة، صلوات الله عليهم اجمعين، وظاهر أنهم عليهم السلام لم يتمكنوا من إظهار جميع الاحكام، وما أظهروه لم يتمكنوا من إظهاره على ما هو عليه في نفس الامر، للتقية - على أنفسهم وعلى شيعتهم - من الحكام الظلمة والحسدة الكفرة (3).

نعم، هذا.

إنما (4) يتم عند المخالفين، القائلين: بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أظهر كل ما جاء به عند أصحابه، وتوفرت الدواعي على أخذه و نشره، ولم تقع بعده فتنة أوجبت إخفاء بعضه، ويجوز خلو بعض الوقائع عن الحكم الشرعي، فحينئذ: إذا تتبع الفقيه ولم يجد دليلا على واقعة، علم (5) انتفاء الحكم الشرعي فيها في نفس الامر.

وهذا عندنا باطل، لان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أودع كل ما جاء به عند عترته الطاهرين صلوات الله عليهم اجمعين مما يحتاج إليه الناس إلى يوم القيامة،

___________________________________

(1) المسمى ب‍: معارج الاصول، راجع ص 212 - 213 منه.

(2) في أ وب وط: معشر.

(3) في ط: والكفرة.

(4) كلمة (انما): اضافة من أ وط.

(5) في ط: جزم على انتفاء إلى آخره.

(*)

[180]

ولم تخل واقعة عن حكم حتى أرش الخدش، كما نطقت به النصوص، وأمر الناس بسؤالهم والرد اليهم، فعلى هذا: فكيف يعلم من انتفاء الدليل انتفاء الحكم في نفس الامر؟ ! (1).

نعم، يعلم عدم تكليف المكلف، إذا لم يجد الدليل بعد التتبع، بما في نفس الامر، لانه تكليف بما لا يطاق، ويدل عليه الاخبار الكثيرة: روى ابن بابويه في (من لا يحضره الفقيه) في بحث جواز القنوت بالفارسية، عن الصادق عليه السلام، قال: " كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي " (2).

وفي باب الاستطاعة من كتاب التوحيد، في الصحيح: " عن حريز بن عبدالله، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: رفع عن امتي تسعة: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه، وما لا يطيقون، وما لا يعلمون، وما اضطروا إليه، والحسد، والطيرة، والتفكر في الوسوسة في الخلق، ما لم ينطقوا بشفة " (3).

وهذا الحديث مذكور في أوائل (من لا يحضره الفقيه) أيضا (4).

ولا يخفى أن ما نحن فيه من قبيل: " ما لا يعلمون ".

وذكر في باب التعريف والحجة والبيان: " حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى العطار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال، عن داود بن فرقد، عن أبي الحسن زكريا بن يحيى، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم " (5).

___________________________________

(1) زاد في ب في هذا الموضع: لانه تكليف بما لا يطاق.

(2) الفقيه: 1 / 317 ح 937.

(3) التوحيد: 353 ح 24.

(4) الفقيه: 1 / 59 ح 132، باختلاف يسير.

(5) التوحيد: 413 ح 9.

(*)

[181]

وهذه الرواية في الكافي، في باب حجج الله على خلقه (1).

وروى ابن بابويه أيضا، بسنده: " عن حفص بن غياث القاضي، قال: قال أبوعبدالله عليه السلام: من عمل بما علم كفي ما لم يعلم " (2).

وفي النوادر من المعيشة من الكافي، بسنده: " عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: كل شئ يكون فيه حلال وحرام فهو حلال لك أبدا حتى أن تعرف الحرام منه بعينه فتدعه " (3).

وبمعناه رواية اخرى عنه أيضا عليه السلام (4).

ونقل عن كتاب المحاسن للبرقي: أنه روى عن " أبيه [ عن النضر بن سويد ] (5)، عن درست ابن أبي منصور، عن محمد بن حكيم، قال: قال أبو الحسن عليه السلام: إذا جاء‌كم ما تعلمون فقولوا، وإذا جاء‌كم ما لا تعلمون فها - ووضع يده علي فيه (6) - فقلت: ولم ذاك (7)؟ قال: لان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتى الناس بما اكتفوا به على عهده، وما يحتاجون إليه [ من بعده ] (8) إليه إلى يوم القيامة " (9).

وقد يتوهم منافاة هذه الرواية للروايات السابقة، والحق عدمها، لانها

___________________________________

(1) الكافي: 1 / 164 - كتاب التوحيد / باب حجج الله على خلقه / ح 3 لكن باستبدال (أحمد بن محمد بن يحيى العطار) ب‍ (محمد بن يحيى)، وباسقاط كلمة (علمه) من المتن.

(2) التوحيد: 416 ح 17.

(3) الكافي: 5 / 313 ح 39.

(4) وهي رواية مسعدة بن صدقة: نفس المصدر / ح 40.

(5) ما بين المعقوفين زيادة من المصدر.

(6) في المصدر: فمه.

(7) في ط: ذلك.

(8) ما بين المعقوفين اضافة من المصدر.

(9) المحاسن للبرقي: 213 ح 91 / الباب (7) باب المقائيس والرأي من كتاب مصابيح الظلم من المحاسن.

وروى مثله الكليني باسناد آخر: الكافي: 1 / 57 - كتاب فضل العلم / باب البدع والرأي والمقائيس / ح 13 (*)

[182]

محمولة على تعيين الحكم الواقعي، أو على (1) عدم الافتاء، وإن جاز العمل لنفسه، فتأمل.

وفي كتاب التوحيد لرئيس المحدثين ابن بابويه: " حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا عبدالله بن جعفر الحميري، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحجال، عن ثعلبة بن ميمون، عن عبدالاعلى بن أعين، قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عمن لم يعرف شيئا، هل عليه شئ؟ قال: لا " (2).

وأما الثاني: وهو السبيل إلى بيان المقدمتين المذكورتين، وإمكانه فيما تعم به البلوى، كنجاسة أرض (3) الحمام، ونجاسة الغسالة، ووجوب قصد السورة المعينة عند البسملة، ووجوب نية الخروج، ونحو ذلك: فالحق: إمكان بيان المقدمتين المذكورتين (4)، فإن (5) المحدث الماهر، إذا تتبع الاحاديث المروية عنهم عليهم السلام في مسألة - لو كان فيها حكم مخالف للاصل لاشتهر، لعموم البلوي بها - ولم يظفر (6) بحديث يدل على ذلك الحكم، يحصل له الظن الغالب بعدمه (7)، لان جما غفيرا من العلماء - أربعة آلآف منهم تلامذة الامام الصادق عليه السلام، كما نقله في المعتبر (8) - كانوا ملازمين لائمتنا في مدة تزيد على ثلاثماء‌ة سنة، وكان همهم وهم الائمة عليهم السلام إظهار الدين عندهم، وتأليفهم كل ما يسمعونه منهم.

___________________________________

(1) في ط: وعلى.

(2) التوحيد: 412 - الباب 64 / ح 8، ورواه الكليني باسناد آخر: الكافي 1 / 164 - كتاب التوحيد / باب حجج الله على خلقه / ح 2.

لكن فيه (من) بدل (عمن).

(3) في ط: ماء.

(4) قوله: (فالحق امكان بيان المقدمتين المذكورتين): ساقط من الاصل وب، وقد اثبتناه من نسختي أ وط.

(5) في الاصل: فلان.

وما اثبتناه مطابق لسائر النسخ.

(6) في أ: ولم يظهر.

(7) في ط: به.

وفي هامشها: بعدمه خ ل.

(8) المعتبر: 1 / 26.

(*)

[183]

والفرق بين هذا القسم والقسم الثاني: أن بناء الاستدلال في القسم الثاني على انتفاء الحكم في الزمان السابق وإجرائه (1) في اللاحق بالاستصحاب، فيرد عليه ما يرد على حجية الاستصحاب في نفس الحكم الشرعي، ولهذا اعترضت الشافعية على الحنفية بأن قولكم بالاستصحاب في نفي الحكم الشرعي دون نفسه تحكم (2).

وبناؤه في هذا القسم على انتفاء الدليل على ثبوت الحكم في الحال، سواء وجد في السابق أو لا.

نعم، لما اعتبر في القسم الثاني عدم العلم بتجدد ما يوجب ثبوت الحكم في الزمان اللاحق بعد الفحص المعتبر في الحكم ببراء‌ة الذمة، كان كل موضع يصح فيه الاستدلال بالقسم الثاني، يصح بهذا القسم أيضا، فلذا لم يفرق جماعة بينهما، وعدوهما واحدا.

واعلم أن الشهيد الثاني رحمه الله ذكر في تمهيد القواعد (3): أن الاصل يطلق على معان: الاول: الدليل، ومنه قولهم: " الاصل في هذه المسألة الكتاب والسنة ".

الثاني: الراجح، ومنه قولهم: " الاصل في الكلام الحقيقة ".

الثالث: الاستصحاب، ومنه قولهم: " إذا تعارض الاصل والظاهر،

___________________________________

(1) في النسخ: واجراؤه (بالضم).

والصواب ما اثبتناه، وهو مطابق لما جاء في حكاية المحدث البحراني لهذه العبارة: الدرر النجفية / درة في الاستصحاب / ص 35.

(2) تجد رأي الاحناف هذا في: المحصول: 2 / 549، شرح البدخشي: 3 / 176، وانظر الاعتراض على هذا التفصيل في: المستصفى: 1 / 217 وما بعدها، شرح العضد: 2 / 453، الاحكام: 4 / 367.

(3) هذا ليس عبارته بل ظاهر كلامه.

(منه رحمه الله).

(*)

[184]

فالاصل مقدم إلا في مواضع " (1) كما ذكره الشهيد الاول رحمه الله في قواعده (2).

الرابع: القاعدة، ومنه قولهم: " لنا أصل "، ومنه قولهم: " الاصل في البيع اللزوم "، و: " الاصل في تصرفات المسلم الصحة " أي: القاعدة التي وضع عليها البيع بالذات، وحكم المسلم بالذات: اللزوم في بيعه، والصحة في تصرفاته، لان وضع البيع شرعا لنقل مال كل من المتابعين إلى الآخر (3).

والمراد بالراجح: ما يترجح إذا خلي الشئ ونفسه، مثلا: إذا خلي الكلام ونفسه، يحمله (4) المخاطب على المعنى الحقيقي، لانه راجح حينئذ.

والمراد من الاصل في قولهم: " الاصل براء‌ة الذمة " - هذا المعنى.

وأما قولهم: " الاصل في كل ممكن عدمه " فيمكن حاله على الحالة الراجحة، حتى يكون من القسم الثالث، ويمكن حمله على الحالة السابقة، حتى يكون من القسم الثاني.

إذا عرفت هذا، فالاصل بالمعنى الاول لا شك في حجيته.

وكذا بالمعنى الثاني، إذا كان في براء‌ة الذمة، مع عدم المخرج عنه، أو كان الرجحان من نص شرعي.

وبالمعنى الثالث سيجئ الكلام فيه.

وأما بالمعنى الرابع - أي: القاعدة - فإن كانت تلك القاعدة مستفادة من نص شرعي، أو جماع كذلك، فظاهر أنه حجة، وإلا فلا.

فقولهم: " الاصل في الاشياء الطهارة " أصل مستفاد من الشرع، لان " الطاهر هو: ما أبيح ملابسته في الصلاة اختيارا.

___________________________________

(1) كنجاسة ارض الحمام.

(منه رحمه الله).

(2) انظر: القواعد والفوائد: 1 / 137 - 141 / الفائدة الثانية والثالثة من فوائد القاعدة الثالثة (قاعدة اليقين).

(2) تمهيد القواعد: 2 / في قوله " قاعدة: الاصل لغة ما يبنى عليه الشئ... إلى آخره ".

(4) كذا في أ وب وط، وفي الاصل: يحمل.

(*)

[185]

والنجاسة: ما حرم استعماله في الصلاة، والاغذية، للاستقذار، أو للتوصل إلى الفرار " (1)، والتعريفات من الشهيد الاول في قواعده (2).

فالشارع لما أمر بالصلاة مستقبلا، طاهرا، ساترا للعورة (3)، تحصل هذه الماهية بأي فرد كان، والبدن متلطخا بأي شئ كان، وكذا الثوب متلطخا بأي شئ كان، فاذا خرج (4) بعض الاشياء، وهو النجاسات، بقي الباقي على عدم مانعيته من الصلاة وتتحقق (5) الصلاة معه، وهو معنى الطهارة، فتكون طهارة الاشياء مستفادة من الامر بالصلاة مع الساتر، ساكتا عما عدى النجاسات، إذا كانت في البدن أو الثوب.

وكذا قولهم: " الاصل في الاشياء الحل " لقوله تعالى: * (خلق لكم ما في الارض جميعا) * (6) فإن (ما) ظاهرة في العموم، وكذا يفهم عموم أنواع الانتفاع أيضا، فإنه لو كان المراد إباحة انتفاع خاص معين غير معلوم المكلفين، لم يكن هناك امتنان، إذ العقل يحكم بوجوب اجتناب ما تساوى فيه احتمال النفع والمضرة.

وأيضا: يدل عليه قوله تعالى: * (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما اهل به لغير الله) * (7) وقوله تعالى: * (ليس على الذين آمنوا وعملوا

___________________________________

(1) دخل به الخمر والعصير، فانهما غير مستقذرين، ولكن الحكم بنجاستهما يزيدهما إبعادا من النفس لانها مطلوبة بالفرار عنهما، وبالنجاسة يزداد الفرار.

(منه رحمه الله).

أقول: هذا من كلام الشهيد أيضا.

في أ وط: أو التوصل... إلى آخره.

(2) القواعد والفوائد: 2 / 85 - قاعدة: 175.

(3) في ط: العورة.

(4) في أ وب وط: اخرج.

(5) كذا في أ وب وط، وفي الاصل: تحقق.

(6) البقرة / 29.

(7) البقرة / 173.

(*)

[186]

الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات) * الآية (1)، وقوله تعالى: * (يا أيها الناس كلوا مما في الارض حلالا طيبا) * (2)، وقوله تعالى: * (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير) * (3)، بل في هذه الآية إشعار بأن إباحة الاشياء مركوزة في العقول قبل الشرع، لانها في صورة الاستدلال على الحل بعدم وجدان التحريم إلا للاشياء الخاصة، فتأمل.

وكذا قولهم: (الاصل في الافعال (4) الاباحة) لما مر من قوله عليه السلام: " كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي "، وما بعده من الاخبار الكثيرة، المذكورة في هذا القسم.

واعلم أيضا: أن ههنا قسما من الاصل، كثيرا ما يستعمله الفقهاء، وهو أصالة عدم الشئ، وأصالة عدم تقدم الحادث، بل هما قسمان.

والتحقيق: أن الاستدلال بالاصل - بمعنى النفي والعدم - إنما يصح على نفي الحكم الشرعي، بمعنى: عدم ثبوت التكليف، لا على إثبات الحكم الشرعي، ولهذا لم يذكره الاصوليون في الادلة الشرعية، وهذا يشترك فيه جميع أقسام الاصل المذكورة.

مثلا: إذا كانت أصالة براء‌ة الذمة مستلزمة لشغل الذمة من جهة اخرى، فحينئذ لا يصح الاستدلال بها، كما إذا علم نجاسة (5) أحد الاناء‌ين مثلا بعينه، واشتبه بالآخر، فإن الاستدلال بأصالة عدم وجوب الاجتناب من

___________________________________

(1) المائدة / 93.

(2) البقرة / 168.

(3) الانعام / 145.

(4) في ط: الاشياء.

(5) في ب: بنجاسة.

(*)

[187]

أحدهما (1) بعينه لو صح، يستلزم وجوب الاجتناب من الآخر.

وكذا في الثوبين المشتبه طاهرهما، بنجسهما، والزوجة المشتبهة بالاجنبية، والحلال المشتبه بالحرام المحصور، ونحو ذلك. وكذا أصالة العدم، كأن يقال: الاصل عدم نجاسة هذا الماء، وهذا الثوب، فلا يجب الاجتناب عنه، لا إذا كان شاغلا للذمة، كأن يقال في الماء الملاقي للنجاسة المشكوك في كريته: الاصل عدم بلوغه كرا فيجب الاجتناب عنه. وكذا في أصالة عدم تقدم الحادث، فيصح أن يقال في الماء الذي وجد فيه نجاسة بعد الاسستعمال، ولم يعلم هل وقعت النجاسة قبل الاستعمال؟ أو بعده؟ -: الاصل عدم تقدم النجاسة، فلا يجب غسل ما لاقى ذلك الماء قبل رؤية النجاسة، ولا يصح إذا كان شاغلا للذمة، كما إذا استعملنا ماء‌ا، ثم ظهر أن ذلك (2) الماء كان قبل ذلك الوقت (3) نجسا، ثم طهر بإلقاء كر عليه دفعة ولم يعلم أن الاستعمال هل كان قبل التطهير؟ أو بعده؟ فلا يصح أن يقال: الاصل عدم تقدم تطهيره، فيجب (4) إعادة غسل ما لاقى ذلك الماء في ذلك الاستعمال، لانه إثبات حكم بلا دليل، فإن حجية الاصل في النفي باعتبار قبح تكليف الغافل، ووجوب إعلام المكلف بالتكليف، فلذا يحكم ببراء‌ة الذمة عند عدم الدليل، فلو ثبت حكم شرعي بالاصل، يلزم إثبات حكم من غير دليل، وهو باطل إجماعا.

فإن قلت: لم لا يكون اللازم (5) فيما لم يدل عليه دليل التوقف؟ !.

___________________________________

(1) في ط: في أحديهما.

(2) في أ وط: لان ذلك.

(3) كذا في ب، وفي سائر النسخ: في وقت.

(4) زاد في أ في هذا المواضع كلمة: عليه.

(5) في أ: الامر.

(*)

[188]

لما روى الشيخ السعيد، قطب الدين الراوندي: " عن ابن بابويه، قال: اخبرنا أبي، قال: أخبرنا سعد (1) بن عبدالله، عن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، إن على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب نورا، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه " (2).

وفي الكافي، في باب اختلاف الحديث، في الموثق: " عن سماعة، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر، كلاهما يرويه، أحدهما يأمر بأخذه، والآخر ينهاه عنه، كيف يصنع؟ قال: يرجئه حتى يلقى من يخبره، فهو في سعة حتى يلقاه ".

وفي رواية اخرى: " بأيهما أخذت من باب التسليم وسعك " (3).

وفي آخر حديث عمر بن حنظلة، عن الصادق عليه السلام: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: حلال بين، وحرام بين، وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم ".

وفي آخره أيضا، بعد بيان وجوه الترجيح في الخبرين المختلفين، قال: " إذا كان كذلك فأرجئه حتى تلقى إمامك، فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات " (4).

___________________________________

(1) في أ وط: سعيد.

(2) نقل الحر العاملي أيضا هذا الحديث عن الراوندي من رسالة له، قال عنها أنه " ألفها في احوال احاديث اصحابنا واثبات صحتها " انظر هذا الحديث في الوسائل: 18 / 86 - كتاب القضاء / باب وجوه الجمع بين الاحاديث المختلفة / ح 35.

ولم نوفق للعثور على نسخة من هذه الرسالة.

(3) الكافي 1 / 66 - كتاب فضل العلم / باب اختلاف الحديث / ح 7.

(4) الكافي: 1 / 68 - كتاب فضل العلم / باب اختلاف الحديث ح 10، لكن فيه: ذلك.

بدل: كذلك.

كما أن فيه (فأرجه)، لكنا ضبطناها كما جاء‌ت في نسخة الوسائل: 18 / 76.

(*)

[189]

وفي باب النهي عن القول بغير علم، بسنده: " عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: أنهاك عن خصلتين، فيهما هلاك الرجال: أنهاك أن تدين الله بالباطل، وتفتي الناس بما لا تعلم " (1).

وفي الصحيح: " عن عبدالرحمن بن الحجاج، قال: قال لي أبو عبدالله عليه السلام: إياك وخصلتين، ففيهما هلك من هلك: إياك أن تفتي الناس برأيك، أو تدين بما لا تعلم " (2).

وبمضمونهما روايات اخر، مذكورة في هذا الباب والذي بعده.

أو يكون الحكم حينئذ العمل بالاحتياط؟ ! لما رواه الشيخ في التهذيب عن " علي بن السندي، عن صفوان، عن عبدالرحمن بن الحجاج، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام، عن رجلين أصابا صيدا، وهما محرمان، الجزاء بينهما؟ أم على كل واحد منهما جزاء؟ فقال: لا، بل عليهما جميعا، ويجزي عن كل واحد منهما الصيد، فقلت، إن بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدر ما عليه؟ فقال: إذا أصبتم مثل هذا فلم تدروا، فعليكم بالاحتياط حتى تسألوا عنه فتعلموا " (3).

والامر بالاحتياط يدل على عدم جواز العمل بالبراء‌ة الاصلية، وإلا لقال: فعليكم (4) بالبراء‌ة الاصلية.

وروى أيضا، في بحث المواقيت " عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن سليمان بن داود، عن عبدالله بن وضاح، قال: كتبت إلى العبد الصالح عليه السلام: يتوارى القرص، ويقبل الليل، ثم يزيد الليل ارتفاعا، وتستتر

___________________________________

(1) الكافي: 1 / 42 - كتاب فضل العلم / باب النهي عن القول بغير علم / ح 1.

كذا الحديث في الكافي.

وفي النسخ: هلك بدل: هلاك.

(2) الكافي: 1 / 42 ح 2 من الباب المذكور.

(3) التهذيب: 5 / 466 ح 1631.

(4) كذا في أ وب وط، وفي الاصل: عليكم.

(*)

[190]

عنا الشمس، وترتفع فوق الجبل حمرة، ويؤذن عندنا المؤذنون فاصلي حينئذ؟ وأفطر إن كنت صائما؟ أو أنتظر حتى تذهب الحمرة التي فوق الجبل؟ فكتب إلي: أرى لك أن تنتظر حتى تذهب الحمرة، وتأخذ بالحائطة لدينك"(1). ولا يخفى أنه صريح في طلب الاحتياط.

ونقل عن محمد بن جمهور الاحسائي، في كتاب غوالي اللآلي، أنه قال: " روى العلامة مرفوعا إلى زرارة بن أعين، قال: سألت الباقر عليه السلام، فقلت: جعلت فداك، يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان، فبأيهما آخذ؟ فقال: عليه السلام: يا زرارة، خذ بما اشتهر بين أصحابك، ودع الشاذ النادر، إلى أن قال: إذن، فخذ بما فيه الحائطة (2) لدينك، واترك ما خالف الاحتياط " الحديث (3).

قلت: الجواب: أما عن أدلة التوقف: فأولا: بمنع (4) أن ما لم يدل عليه دليل، ولم يرد، ولم يبلغنا فيه، نص شرعي - داخل في الشبهة: إذ أدلة التوقف واردة فيها ورد فيه من الشرع نصان متعارضان، فإلحاق غير المنصوص به قياس، باطل عند العاملين بالقياس أيضا، لانتفاء الجامع بين الاصل والفرع.

وثانيا: بأن قولهم عليهم السلام: " كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي "، و: " ما حجب الله علمه عن العباد موضوع عنهم "، وغير ذلك من الاخبار التي مر بعضها - أخرج ما لا نص فيه عن حكم الشبهة (5) على تقدير تسليم شمول أحاديث التوقف له، وكونه شبهة.

___________________________________

(1) التهذيب: 2 / 259 ح 1031، الاستبصار: 1 / 264 ح 952.

(2) كذا في المصدر، وفي النسخ: الحائط.

(3) غوالي اللآلي: 4 / 133 ح 229.

(4) كذا في أ وب وط، وفي الاصل: منع.

(5) وهو وجوب التوقف.

(منه رحمه الله).

(*)

[191]

وثالثا: بأن الاخبار الدالة على التوقف عند تعارض الامارتين، معارضة بما دل على التخيير عند التعارض، كما لا يخفى، ففي تعيين وجوب التوقف في الشبهة المذكورة، أيضا نظر ظاهر.

ورابعا: بأن المحرم: ما يجب اجتنابه، وهذه الاخبار كالصريحة في أن (1) الشبهة ليست من المحرمات، فلا يكون اجتنابها واجبا، بل لما كانت مما قد ينجر ويفضي إلى ارتكاب الحرام، يكون اجتنابها مستحبا، وارتكابها مكروها، ولهذا وقع طلب ترك ارتكاب الشبهة في هذه الروايات بطريق النصيحة والموعظة، لا بطريق صيغة النهي الظاهر في الالزام، فتأمل.

وأما عن أدلة الاحتياط: فعن الرواية الاولى: أولا: بمنع أنه من قبيل ما نحن فيه، لان بإصابة الصيد علم اشتغال ذمة كل من الرجلين، فيجب العلم ببراء‌ة الذمة، ولا يحصل إلا بجزاء تام من كل واحد منهما، فلا يجوز التمسك فيه بأصالة براء‌ة الذمة.

والحاصل: أنه إذا قطع باشتغال الذمه بشئ، ويكون لذلك الشئ فردان: بأحدهما تحصل البراء‌ة قطعا، وبالآخر يشك في حصول براء‌ة الذمة، فإنه حينئذ لا أعلم خلافا في وجوب الاتيان بما يحصل به يقين براء‌ة الذمة، لقولهم عليهم السلام: " لا يرفع اليقين إلا يقين مثله " (2).

وغير ذلك، ونحن نجوز التمسك بالاصل فيما لم يقطع باشتغال الذمة، وهذا ظاهر.

وثانيا: بتسليم عدم جواز العمل بالاصل مع التمكن من الرد إلى الائمة عليهم السلام، والسؤال منهم (3) عليهم صلوات الله عليه وسلامه، لان العمل بالاصل مع

___________________________________

(1) في ط: كالصريحة بأن.

(2) في ب وط: بيقين.

ولم نعثر على حديث بهذا اللفظ، نعم وردت بهذا المضمون أحاديث متعددة سيأتي ذكرها في ص 203 - 207.

والظاهر ان المصنف أراد بهذا مضمون تلك الاخبار (3) كذا الظاهر.

وفي النسخ: عنهم.

(*)

[192]

حضورهم والتمكن من سؤالهم، بمنزلة العمل بالاصل في هذا الزمان من دون التفحص والتفتيش عن النص: هل هو متحقق، أم لا؟ وهو غير جائز بالاجماع.

وعن الرواية الثانية: أولا: بمثل الاول عن الاولى، فإن اشتغال الذمة بالصلاة معلوم، ولا يحصل يقين البراء‌ة إلا بالتأخير حتى تذهب الحمرة.</