الروضة  البهية  في 

 (شرح اللمعة)

الجزء الأول

 

وتوضيح ألفاظه ، وإعلال كلماته الغامضة ، وإعراب جمله المعقدة ، كماسيرى ذلك كله القارئ الكريم .

ففي هذا الكتاب الجليل رغم جلالة شأنه ، وعلو قدره بعض العبارات المغلقة التي لا يتسنى فهمها بسهولة لكثير من الطلاب في مراحلهم الدراسية الاولى ، دون بسط في الشرح ، ومهارة في التوضيح .

لذا كنت ولا أزال عند ما أمر خلال ساعات التدريس بهذا النوع من العبارات الغامضة يحز في نفسي ما يلاقيه بعض الطلبة من جراء ذلك الغموض .

* * *

ومما يزيد الاسف : أن الطالب لايجد ما يلجأ إليه في تذليل هذه المصاعب بيسر سوى ما يتلقاه من أستاذه ، فيضطر إلى تسجيله ، ليرجع إليه عند الحاجة .

ولان وجدت بعض التعاليق الموضحة لما أبهم من عباراته فهي تستنزف من مطالعها الكثير من وقته ، حيث إنها مبعثرة هنا وهناك على جوانب الصحيفة ، ولربما وجد بعضها في صحيفة أخرى دون ترقيم يرشد إلى ربط الهامش بالعبارة التي يحوم المطالع حول حلها . بل إن الكثير من التعاليق غير متصلة ، فأولها في مكان ، وآخرها في آخر .

أو أنها أصعب فهما على الطالب من نفس العبارة .

أو يحتاج فهمها إلى وقت أكثر مما يحتاجه الاصل .

أو انها تغمض الطرف عن توضيح المقصود ، وتذهب إلى الاطناب في ذكر الاقوال في المسألة ، مع عدم توضيحها لاصل المسألة .

وأمثال هذا وذاك مما لا يناسب المقام الستيعابه ، فترك التعرض له اجدر

 

ـ 12 ـ

كل هذا وذاك مما يلجئ المطالع إلى استيعاب جميع هوامش تلك الصحيفة من اجل العثور على بغيته ، إلا اذا شاءت الصدفة أن يقع بصره لاول نظرة ، أو في وسط الطريق على ضالته المنشودة .

وما أقل هذه المصادفة ، وما أشد تعب من هكذا دأبه .

* * *

اضف إلى ذلك كله نوعية حروف الهوامش : من حيث صغر حجمها مما يضطر البعض إلى استعمال المكبرات ، ولربما بعد أن يقوم بكل ذلك لا يعثر على مراده فيرجع ( بخفي حنين ) .

وأقدم بين يديك الآن نموذجا من عبارات هذا الكتاب ، لترى معي ضرورة القيام بالتعليق عليها بالاسلوب المناسب لمستوى طلابه ، ولتصدق بما حدثتك به سابقا ، أو ليطمئن به قلبك إن كنت مصدقا :

قال الشارح عليه رحمة الله ورضوانه - مبينا لقول ( المصنف ) ( قدس سره ) :

( والشاك في الحدث متطهر وفيهما محدث ) : إن لم يستفد من الاتحاد والتعاقب حكما آخر .

وهي كما ترى عبارة يتعب تفهيمها ، وتفهمها .

وسترى في ج 1 من طبعتنا الاولى . ص 81 . هامش 4 كيف أوضحناها -

بحمد الله ومنه بأسلوب يتجاوب وحاجة الطالب .

وكذلك ما يقوله الشارح قدس سره في بحث تعدد الجنائز على التعاقب أثناء الصلاة على أولاها :

نعم يمكن فرضه نادرا بالخوف على الثانية .

ج 1 من طبعتنا الاولى ص 145 . هامش رقم 1 ، فان تصوير هذا الفرض بمكان من الصعوبة على الطالب ، مع التشويش الكثير في تعاليق المحشين

ـ 13 ـ

على هذه العبارة .

وعلى غرار هاتين ما تجده في قوله رحمه الله :  ولا فرق في المال المخوف ذهابه ، والواجب بذله . . إلى قوله :

لا أن الحاصل بالاول العوض على الغاصب وهو منقطع ، وفي الثاني الثواب وهو دائم ، لتحقق الثواب فيهما مع بذلهما اختيارا ، طلبا للعبادة لو أبيح ذلك ، بل قد يجتمع في الاول العوض والثواب ، بخلاف الثاني .

ج 1 من طبعتنا الاولى . ص 152 . هامش رقم 2 .

وقوله رحمه الله : إلا أن يؤخذ كون مطلق الوقت شرطا ، وما بعد ذكره مجملا من التفصيل حكم آخر لليومية .

ج 1 من طبعتنا الاولى . ص 172 . هامش 4 .

وقوله رحمه الله : ولو جاهلا بحكمه الشرعي ، أو الوضعي ، لا بأصله أو ناسيا له ، أو لاصله .

ج 1 من طبعتنا الاولى . ص 210 . هامش 2 - 3 - 4 - 5 - 6 .

وقوله رحمه الله : والاولى تقديم الاجزاء على السجود لها ، كتقديمها

عليه بسبب غيرها وإن تقدم .

وتقديم سجودها على غيره وإن تقدم سببه أيضا .

ج 1 من طبعتنا الاولى ص 326 . هامش رقم 5 .

وقوله رحمه الله : ولا فرق في الخوف الموجب لقصر الكمية ، وتغيير الكيفية بين كونه : من عدو ، ولص ، وسبع ، لا من وحل ، وغرق بالنسبة إلى الكمية .

وأما الكيفية فجائزة ، حيث لا يمكن غيرها مطلقا .

ج 1 من طبعتنا الاولى . ص 368 . هامش رقم 3 .

كما أن بعض عباراته موجزة جدا ، محتاجه إلى زيادة البسط والتوضيح

ـ 14 ـ

ولقد أوضحناها بالمقدار اللازم ، والكيفية المناسبة .

وذلك مثل قوله قدس سره : وحجة مشترط السفر بظاهر الآية حيث اقتضت الجمع : مندفعة بالقصر للسفر المجرد عن الخوف ، والنص محكم فيهما .

ج 1 من طبعتنا الاولى . ص 326 . هامش رقم 5 .

وقوله رحمه الله : أو يمضي عليه أربعون مترددا في الاقامة ، أو جازما بالسفر من دونه .

ج 1 من طبعتنا الاولى . ص 373 . هامش رقم 5 .

وقوله رحمة الله عليه : لو اعتبرت المطابقة محضا لم يسلم احتياط ذكر فاعله الاحتياج اليه .

ج 1 من طبعتنا الاولى ص 333 هامش رقم 6 .

وقوله - رحمه الله - : ولا ترتيب بينهما ، لانهما فيه عضو واحد ولا ترتيب في نفس أعضاء الغسل ، بل بينها كأعضاء مسح الوضوء بخلاف أعضاء غسله ، فانه فيها ، وبينها .

ج 1 . ص 94 . هامش رقم 1 .

وكثيرا ما توجد أمثال هذه الموجزات في فضيلة صلاة المرأة في بيتها وفي فضيلة الصلاة جماعة مع العالم ، وغيره .

وكذلك في كتاب المتاجر ، كالمسألة الرابعة من مسائل بيع الحيوان وهي صعبة الفهم جدا .

وكذلك في أبواب النكاح والرضاع ، ومسألة خيار العيب ذات الشجون التي تأخذ من الوقت الشئ الكثير حتي يخرج الدارس منها بسلام .

ومسألة توزيع الارث ، وتقسيمه .

ـ 15 ـ

وقد أفردنا للارث جزء مستقلا وكذلك ذكرنا حول ( اللباء ) شرحا وافيا لم يذكر في الكتب الفقهية .

وغير هذا مما هو معروف لدى من عرف هذا الكتاب .

وقد وفقنا بحمد الله تعالى لازاحة كل هذه العقبات عن طريق طالب العلم ، ولم ندع له ما يصعب عليه فهمه إلا وأوضحناه ، حتى شرح غريب الكلمات ، وبيان أصل اشتقاقها ، كالميضاة ، والمهاباة ، والاعتياض

والتقاص في الاجزاء المطبوعة .

وغيرها مما يقف عندها من كان من أهل اللغة فضلا عن غيرهم .

وكذلك تصدينا لاعراب بعض الجمل التي يختل المعنى بدونه .

كما أننا تصدينا لشرح ( الحيض ) ووصفه عن طريق الاطباء بما يناسب المقام في هذه الطباعة الجديدة التي قام بها الاخ في الدين الحاج موسى البغدادي حفظه الله تعالى بجاه محمد وآله الطاهرين .

كما عمدنا إلى تخطيط أشكال تقريبية تعين على تطبيق العبارة على الخارج المحسوس في أبواب متفرقة ، كالقبلة ، والوقت ، والقضاء من كتاب الصلاة .

وكذلك فيما يتعلق ببعض أبواب الصوم ، والحج والارث ، وغيرها .

كما أننا وضعنا في هذه الطباعة الجديدة صور الحيوانات التي يحل أكل لحمها ، أو يحرم ، ليسهل على رواد العلم وأبنائه معرفة أعيانها .

ومما شحذ همتي ، وزاد في شوقي وتحمسي لطبع هذا الكتاب الجليل بالاضافة لما تقدم من أسباب تعريف ( الفقه الجعفري ) إلى ذوي المذاهب الاسلامية الاخرى ، حيث إن كتبنا الفقهية - مع شديد الاسف - لم تنشر ذلك الانتشار المناسب لاهميتها العلمية ، بل ولا تصلح لان تنشر وهي

ـ 16 ـ

على شكلها الحالى : من رداءة الطبع ، وكثرة الاخطاء الاملائية والمطبعية وغير ذلك مما يشوه محتوياتها القيمة .

لذلك تجد أكثر أصحاب المذاهب ، ومنهم الكثير من علمائهم - كما لمست ذلك بنفسي - لم يطلعوا على محتويات ( الفقه الجعفري ) .

بل ويجهل الكثير من متفقهيهم حقيقة وجود هذا المذهب .

ولان عرفوا منه شيئا فبصورة مشوهة ، رغم ما يمتاز به هذا المذهب : من خصوبة المادة ، وعمق الفكرة ، وأصالة المباني ، بصورة تتجلى .

بوضوح ناصع لكل باحث منصف ، اطلع بنفسه على مصادر التشريع عندهم ! .

فلهذا سوف أقوم إن شاء الله تعالى بتوزيع قسط وافر : من نسخ كتاب ( الروضة البهية ) على كثير من أصحاب المذاهب الاخرى ، خدمة للدين واعلاء لكلمة الحق حيث اعتقد أن خير كتاب يمثل ( الفقه الجعفري ) من حيث الشمول والايجاز هو هذا الكتاب الجليل المقدم له .

نعم . . كل ذا وذاك عوامل دعتني بالحاح متواصل إلى طبع هذا الكتاب الشريف بالشكل الذي رسمته مخيلتي منذ حين بعيد .

* * *

بيد أن تأسيس ( جامعة النجف الدينية ) لم يكن بالامر الهين لمن أراد إتقانه ، ووضع مناهجها الدراسية الملائمة للوقت لم يكن بأسهل  من تأسيسها لمن أراد إحكامها .

لذا فقد استوعب هذا وذاك جل أوقاتي ، واستهلكا أكثر طاقاتي حتى لم أعد املك المجال الكافي الصالح للقيام بمهمة طبع هذا الكتاب  العظيم بالصورة المرضية ، والشكل المرسوم .

ـ 17 ـ

أما الآن ولله الحمد والشكر على نعمه وبعد أن من - علي المولى الجليل بلطفه الجزيل ، وذلل لي كل صعوبة في طريق الجهاد الاسلامي والمشروع الحيوي فأعانني على إتمام التشييد الفخم - بناية .

( جامعة النجف الدينية ) - ووضع النظام الاساسي لها ، وتطبيقه بشكل برهن على إتقانه ، وصلاحه للاستمرار ، وتحويل منتسبيه إلى مالا يقاس عليه حالهم السابق . . بعد كل هذا ، لم يبق لي عذر عن تحقيق

تلك الامنية الغالية .

( طبع هذا الكتاب الجليل ) .

ولان كانت إدارة شؤون ( جامعة النجف الدينية ) والعمل من أجل توسعة ميادينها الحيوية ، والقيام بتدريس بعض الحصص فيها يتطلب منى ما يتطلبه أي مشروع ضخم فلا يمنعني ذلك من القيام بتعهد مسؤوليه التعليق على هذا الكتاب وطبعه ، بعد أن كانت هذه المهمة وأمثالها من جمله الاهداف التي اسست من أجلها هذه الجامعة :

ـ 18 ـ

" جامعة النجف الدينية "

وبعد الاتكال على الله العلي القدير شمرت عن ساعد الجد لاقوم بالتنفيذ فاخترت من أثق بفضله ودينه وجدارته الكاملة لمثل هذا العمل بما يتطلبه هذا الموضوع من جميع جوانبه ، ودرس هذا الكتاب الجليل وأدرك جيدا وبوضوح ما يحتاجه الاستاذ خلال تدريسه من مصادر تخص البحث : من كتب لغة ، وحديث ورجال ، وغيرها مما لابد منه لتحضير الدرس .

كما وقف معي على مقدار ما يحتاجه الطالب : من شرح وتوضيح ونوعية ذلك حسبما يلائم مستواه ، ويتمشى مع لياقته :

سماحة سيدنا السيد محمد صادق الصدر ، وسماحة شيخنا الشيخ غلام رضا الباقري الاصفهاني حفظهما الله تعالى .

فهذان العلمان الجليلان اللذان تتمثل بهما الانسانية بأعلى مراتبها قد بذلا من جهدهما أكثره في هذا المضمار ، وضحيا بوقتهما العزيز في خدمة هذا المشووع الديني العظيم .

فماذا أقول في حقهما وكل ما أقوله قليل فعلى الله إلعزيز أجرهما ؟

ـ 19 ـ

ومن الاخوان الذين استجابوا وشاركوا أيضا معي :

فضيلة الشيخ محمد هادي معرفة :

كما أو عزت إلى بعض الافاضل من الاخوان أن يكتب في بعض جوانب حياة العلمين الجليلين : ( المصنف والشارح ) .

( الشهيد الاول ، والشهيد الثاني) قدس الله تعالى روحيهما الطاهرتين وأفاض عليهما من رحمته شآبيبها .

ففي حياتهما تتجلى الانسانية الكاملة ، والحياة النابضة بالفكر والثقافة والجهاد الاسلامي النبيل .

فمهدت له السبيل ، ور - سمت له الخطوط ، ليتفضل ببحث موجز عن تاريخ الحركة العلمية ، متضمنا تعريف ( الفقه الجعفري ) ، وبيان جذوره الاصيلة ، وتاريخ تطوره منذ بزوغه حتى عصرنا الحاضر ، وكيفية انتقال مركزه من ( المدينة المنورة ) على مشرفها آلاف التحية والسلام إلى ( الري ) ، ومنها إلى ( قم ) ، ثم إلى ( بغداد ) ، وبعدها إلى ( النجف الاشرف ) ، ثم إلى ( الحلة ) ، ثم إلى ( النجف الاشرف ) ثانية ، ثم إلى ( كربلاء ) ثم إلى ( النجف الاشرف ) ثالثة كما هي الآن تضم الحوزة العلمية ( للشيعة الامامية ) .

ولا تزال عامرة إن شاء الله تعالى حتى ظهور ( الحجة المنتظر ) عجل الله تعالى فرجه الشريف ، وملا الدنيا ببهجة نوره .

فتفضل بهذه الخدمة الانسانية ، مجيبا لطلبي بقلب طاهر ، وأتى بمقدمة ممتعة حاوية لجميع ما رغبت فيه اليه .

فجزاه الله خير جزاء المحسنين .

وهكذا تظافرت جهود هؤلاء الاخوان الاعزاء ، فآزروني خير مؤازرة في إنجاز هذا العمل ، وشاطروني في سهراتي الطويلة ، التي قمت فيها

ـ 20 ـ

في استخراج هذه التعاليق بما فيها من تعيين مواضع الحاجة ، ومقدار ما يلزم بيانه فلم يفتني شئ فيما أعلم .

فاكرر شكري لهم مقدرا مساعيهم الجليلة ، وابتهل إلى العلي القدير أن يتفضل على الجميع بما هو أهله ، إنه قريب مجيب .

ولا يفوتني بهذه المناسبة تقديم شكري الجزيل إلى فضيلة الاخ المكرم النبيل الشيخ شريف نجل المرحوم آية الله الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء طلب ثراه ، حيث وافانا بنسخ مخطوطة من هذا الكتاب تمتاز بقدم تاريخ خطها من مكتبة والده الشيخ المرحوم قدس سره .

كما أشكر فضيلة حجة الاسلام والمسلمين السيد محمد علي نجل المرحوم آية الله أستاذنا السيد يحيى المدرسي الطباطبائي طاب ثراه على تزويدنا بنسخة خطية نفيسة من نفس اللمعة أفادتنا كثيرا .

وكيف كان فقد بدأنا بالعمل في جمادى الثانية سنة 1385 ملتزمين بتحقيق محتويات الكتاب بمراجعة عدة نسخ مطبوعة وخطية ، حذرا من الوقوع في الخطأ الواقع في كثير منها ، كما هو المشاهد في كثير من تلك النسخ 5 وقد أشرنا لبعض الاختلافات الواقعية فيها كي يبقى للغير رأيه .

* * *

كما التز منا بارجاع الاخبار إلى مصادرها بترقيم دقيق في هذه الطبعة الجديدة الثانية . ليتسنى لمن أراد مراجعتها العثور عليها بسرعة وسهولة .

كما أننا ذكرنا نص الحديث الوارد في المقام ، والمستشهد به من قبل ( الشهيدين ) قدس سرهما ، لتعم الفائدة .

وكذلك فصلنا الاقوال التي يرمز اليها الشارح قدس سره ، وأرجعناها

ـ 21 ـ

إلى مصادرها : من كتب الفقه ، والاصول ، وغيرهما .

 

- م. الروضةالبهيةشرح اللمعة من ص 21 سطر 1 الى ص 30 سطر 24

إلى مصادرها : من كتب الفقه ، والاصول ، وغيرهما .

وهكذا استمر العمل فكانت به الكفاية للاستاذ والطالب .

فكانت ارادة الله جل اسمه ، وعظم شأنه أن يمن علينا بلطفه العميم وفضله الجسيم ، فتتجسم تلك الامنية ، ويبرز الجزء الاول من كتاب .

( الروضة البهية ) في الوجود .

ر كلنا أمل بالله القدير أن يوفقنا عاجلا لطبع الباقي من الاجزاء التي تمت مسوداتها إن شاء الله .

فحمدا له على ماهيأ لنا كلما نريد ، وذلل أمام طريقنا كل الصعاب ووفر علينا كل جوانب العمل ، وما يتوقف عليه المقصود ، حتى شاء الله تعالى أن ينجز عملنا بأحسن الوجوه ، ويكون هذا أثرا فقهيا خالدا .

فنسألك اللهم وندعوك أن تتقبله منا بأحسن قبولك ، وتجعله خالصا لوجهك الكريم ، عاريا عن كل ما يبعدنا من ساحة لطفك .

كما نسألك أن تأخذ بأيدينا لما فيه رضاك ، وتوفقنا لخدمة دينك الحنيف ، إنك أنت العزيز الوهاب .

وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين .

حر رت في ( النجف الاشرف ) في ( جامعة النجف الدينية ) في اليوم الثاني من جمادى الثانية سنة 1386 .

السيد محمد كلانتر

ـ 22 ـ

تاريخ الفقه الشيعي

مما يؤسف له أن ( الفقه الشيعي ) لم يؤرخ من قبل الباحثين إلى حد اليوم بصورة منهجية كاملة ، ومن تحدث عن تاريخ تكامل ( الفقه الشيعي ) وتطور الكتابة الفقهية لم يتجاوز ترجمة الفقهاء ، وتصنيف طبقات المحدثين . ولم يظهر لحد الآن تصنيف لعصور الفقه الشيعي ، ومراكز تطور الدراسات الفقهية لدى ( الشيعة ) ، وظهور المدارس الفقهية الشيعية على امتداد خط ( التاريخ الاسلامي ) ، وبيان ملامح هذه المدارس وما تمتاز به كل مدرسة على سابقتها ، مما نجعلها مدارس متعاقبة ومتوالية في التكامل والنمو .

ولم يبحث أحد من الدارسين كيف ( تطور الفقه الشيعي ) من مستوى المجموعات الحديثية ، والاصول الاربعمائة إلى مستوى ( الحدائق الناضرة ) و ( جواهر الكلام ) .

وهذه مسألة مهمة تحتاج إلى كثير من العناية ، والدرس قد نتوفر عليها بصورة سريعة في هذه الدراسة ، لعلنا نتوفق أن نفتح الطريق لمن يأتي من بعد : من الباحثين ، والدارسين ، ليدرسوا الموضوع بشئ أكثر من الدقة والعناية والاحاطة .

ولتطور ( المدرسة الفقهية ) عند الشيعة تاريخ طويل ، كما يكون ذلك لاية ظاهرة اجتماعية أخرى ، وكما يكون ذلك لاي كائن حي .

ولدراسة تاريخ ( تطور الدراسة الفقهية لدى الشيعة ) يجب أن نضم حلقات هذا التطور بعضها إلى بعض ، وتربط الظاهرة الفقهية بالظواهر المحيطية الاخرى التي تتصل بها ، والتي تتفاعل معها على امتداد التاريخ .

ـ 23 ـ

فلا يمكن من وجهة منهجية فصل الدراسة الفقهية عن العوامل المحيطية والزمنية على صعيد البحث التاريخي .

فلا تنمو الدراسة الفقهية كظاهرة مفصولة عن الحياة الاجتماعية والمحيط والعوامل المحيطية ، ولايمكن عزل الفقه عن المؤثرات التي تتدخل في تكوين ( التاريخ البشري ) . وإنما يجب ربط هذه الظاهرة بغيرها من الظواهر والعوامل المحيطية والزمنية ، ليتاح لنا أن نتعرف على عوامل النمو والرشد فيها ، وتأثرها بها .

و ( العوامل ) التي يجب أن تلحظ في ( تطوير المدرسة الفقهية )  والتي تتدخل في تكوين الدراسة الفقهية ، والبحث الفقهي ثلاثة :

1 - ( الزمان :

ولا نعني بالزمان ما يعنى به عادة من مرور الدقائق والساعات فذاك شئ لا يهمنا ، وانما نعني به العمل الناجز إلى حد زمني خاص فلا شك أن مستوى ( الدراسة الفقهية ) الناجزة عصر ( الشهيد ) يختلف عنه في عصر ( شيخ الطائفة الطوسي ) ، وذلك يعني أن شيخ الطائفة الطوسي شرع العمل من مستوى أهبط من المستوى الذي شرعه الشهيد وأن الشهيد ابتدأ العمل ابتداء من المستوى الذي انتهى اليه الشيخ الطوسي والمحققون من بعده ، وهذا العامل إذا له أهيمته في دراسة ( تطور البحث الفقهى ) .

2 - ( المحيط ) :

ولا شك في تأثر البحث الفقهي ب ( المراكز الثقافية ) التي كان ينتقل اليها ، فكل واحد من المراكز الفقهية التي ينقل فيها ويحول اليها ( الفقه الشيعي ) كان له طابع الثقافة الخاص ، وكان له تأثير بالغ في تكوين ( الدراسة الفقهية ) وتطويرها .

ـ 24 ـ

فحينما انتقلت الدراسة الفقهية الشيعية من المدينة إلى ( الكوفة ) أصبحت ( الكوفة ) مركز الاشعاع في ( البحث الفقهي الشيعي ) .

تأثر البحث الفقهي كثيرا بهذا المحيط الجديد المزدحم ب ( فقهاء الشيعة ) .

كما نأثر ( الفقه الشيعي ) بدون ريب حينما انتقل من ( قم ) إلى ( بغداد ) وكون هذا الاطار الحضاري ، والفكري الجديد الذي كانت تزدحم جوانبه بمختلف المدارس الثقافية ، والعلماء والفقهاء : من مختلف المذاهب الاسلامية .

3 - ( شخصية الفقهاء ) :

وهذا عامل ثالث في تطوير ( الفقه ) لا نستطيع أن نغضي عنه مهما كان موقف علماء الاجتماع منا ، فلمؤهلات الفقية الفكرية ، وبعد نظره ، وعمق تفكيره ، وأصابة آرائة ، وطموحه الفكري للتجديد أثر كبير في تطوير الفقه .

فما جدده ( شيخ الطائفة ) مثلا في البحث الفقهي لا يرتبط كليا بتأثير المحيط والعصر ، وإنما كان يرتبط أيضا بمؤهلات ( الشيخ الطوسي ) الشخصية وقابلياته ، ونبوغه الذاتي .

ولا يستطيع الباحث مهما حاول أن يعزل هذا العامل عن تطور الدراسة الفقهية .

وعلى ضوء هذه ( العوامل الثلاثة ) سنحاول أن نقوم بدراسة سريعة لتاريخ ( الفقه الشيعي ) وتطور البحث الفقهي عند الشيعة ، وتعاقب المدارس الفقهية ، مع الاشارة إلى الملامح الكلية لكل من هذه المدارس .

ولكن نسير في هذه الدراسة التاريخية على ضوة ما قدمناه بغض الطرف عن التقسيمات التي يأخذ بها ( مؤرخو الفقه ، والحديث الشيعي )

ـ 25 ـ

على غير هذا المنهج ، ونصنف ( عصور الفقه الشيعي ) حسب العوامل الثلاثة ضمن المدارس التالية على امتداد العصور المتعاقبة .

وحينما نضيف المدرسة الفقهية إلى قطر خاص كالكوفة ، أو بغداد أو المدينة لا نعني أن المدارس تمركزت كليا في هذا الاقطار ، وأن رواد هذه المدرسة لم يتجاوزوا هذه النواحي قط ، ولم يؤثروا في تكوين المدرسة من أقطار اخرى .

وإنما نعني أن المدرسة بلغت نضجها الخاص ، وكلما لها المرحلي في هذا القطر بالخصوص ، وكان لها الاثر الكبير في تكوينها وبلورتها ، وإن دخلت أقطار اخرى في البين ، وتركت آثارا في تكامل المدرسة .

وأهم ( مدارس الفقه الشيعي ) حسب توالي عصور ( الفقه الشيعي ) هي :

1 - ( مدرسة المدينة المنورة ) .

واستمرت إلى أواسط القرن الثاني ( حياة الامام الصادق عليه السلام )

2 - ( مدرسة الكوفة ) : ظهرت من أواسط القرن الثاني ( حياة الامام الصادق عليه السلام ) واستمرت إلى الربع الاول من القرن الرابع ( الغيبة الكبرى ) .

3 - ( مدرسة قم والري ) : ظهرت في الربع الاول من القرن الرابع واستمرت إلى النصف الاول من القرن الخامس ( أيام المرتضى والطوسي ) .

4 - ( مدرسة بغداد ) : ظهرت من النصف الاول للقرن الخامس إلى احتلال بغداد ( 1 ) .

* ( هامش ) * ( 1 ) أي احتلال بغداد وسقوطها على يد السفاك ( الوحشي هولاكو التتار ) ( * ) .

ـ 26 ـ

5 - ( مدرسة النجف الاشرف ) .

اسست هذه المدرسة عند ما حل في الغري ( شيخ الطائفة ) في أواسط القرن الخامس الهجري بعد وقوع حادثة كبرى بين ( السنة والشيعة ) .

( والنجف الاشرف ) أعظم جامعة دينية علمية للطائفة الامامية ولا تزال باقية يقصدها رواد العلم وأبناؤه من أقاصي البلاد الاسلامية .

وقد أنجبت إلى يومنا هذا عشرات الآلاف من فطاحل أعلام الطائفة :

6 - ( مدرسة الحلة ) .

ظهرت من احتلال بغداد ، استمرت إلى حياة ( الشهيد الثاني ) .

7 - ( مدرسة كربلا ) .

اسست هذه المدرسة عندما حل فيها استاذ البشر مجدد المذهب في القرن الثالث عشر وحيد عصره ، وفريد دهره ( الاستاذ وحيد البهبهاني ) وقد انجبت هذه المدرسة بدورها نوابغ يضن الدهر أن يأتي بمثلهم كالشيخ الكبير كاشف الغطاء والسيد بحر العلوم والسيد ميرزا مهدي الشهرستاني وسعيد العلماء والاستاذ شريف العلماء والسيد صاحب الرياض والشيخ البحراني صاحب ( الحدائق الناضرة ) ، وغيرهم : من أساطين العلم ، وأعلام الطائفة .

العصر الاول :

( والعصر الاول ) هو ( عصر الصحابة والتابعين ) لهم باحسان ظهرت من حين ظهور المجتمع الاسلامي في ( المدينة المنورة ) ، واستمرت إن حياة ( الامام الصادق ) عليه السلام .

والمدينة المنورة كانت هي المنطلق الاول للرسالة الاسلامية ، فلا غرو اذا كانت ( المدرسة الاولى للفقه الاسلامي ) .

وكانت المدينة المنورة الوطن الاول ( لفقهاء الشيعة ) من الصحابة

ـ 27 ـ

والتابعين لهم باحسان ، فكان من فقهاء الصحابة بعد الامام ) أمير المؤمنين والزهراء والحسنين ) عليهم الصلاة والسلام وهم الذين تولى رسول الله صلى الله عليه وآله تربيتهم وتعليمهم . .

ابن عباس حبر الامة وفقيهها ، وسلمان الفارسي ، وابوذر الغفاري وأبورافع ابراهيم مولى رسول الله .

قال النجاشي : " أسلم ابورافع قديما بمكة وهاجر إلى المدينة وشهد مع النبي مشاهده ، ولزم امير المؤمنين من بعده ، وكان من خيار الشيعة ، ولابي رافع ( كتاب السنن والاحكام والقضاء ) ( 1 ) .

وكان من التابعين جمع كثير من شيعة امير المؤمنين عليه السلام حفظوا ( السنة النبوية ) ، وتداولوها فيما بينهم ، ونقلوها إلى الاجيال التي تليهم بأمانة ، حتى قال ( الذهبي ) في ميزان الاعتدال :

فهذا - أي التشيع - كثر في التابعين وتابعيهم مع الدين ، والورع والصدق ، ، فلو رد حديث هؤلاء - أي الشيعة - لذهبت جملة الآثار النبوية " ( 2 ) .

ولعوامل لا نعرفها منع ( عمر بن الخطاب ) من تدوين السنة النبوية فبقيت السنة النبوية في صدور الصحابة والتابعين يتناقلونها حتى خلافة ( عمر بن عبدالعزيز ) ، حيث أمر بتدوينه ( محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ) بذلك ، فلم يتفق لمحدثي غير الشيعة من الصحابة والتابعين تدوين السنة النبوية قبل هذا الوقت . .

تصحيح كننده امين الله موحدى

ولكن ( فقهاء الشيعة ) - فيما يحدثنا التاريخ - دو نوا عدة مدونات حديثية مهمة .

* ( هامش ) * ( 1 ) أعيان الشيعة . ج 1 القسم . الثاني : ص 34 - 35 .

( 2 ) ميزان الاعتدلال . ج 1 . ص 5 ( * ) .

ـ 28 ـ

كان ( أمير المؤمنين ) عليه السلام أول من صنف في الفقه ، ودون

الحديث النبوي ، ولم يوافق ( عمر بن الخطاب ) على رأيه .

قال السيوطي : كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير

في كتابة العلم ، فكرهها كثير منهم ، واباحتها طائفة وفعلوها :

منهم : ( علي وابنه الحسن ) ( 1 ) .

فكتب ( الجامعة ) وهي من إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وخط علي عليه السلام ، كان يبلغ سبعين ذراعا ، وقد تواتر نقله في أحاديث الائمة من أهل البيت عليهم السلام ( 2 ) .

وكان لسلمان مدونة في الحديث كما يقول ابن شهر آشوب .

وعلي بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله كان من ( فقهاء الشيعة ) وخواص أمير المؤمنين .

قال النجاشي : وهو تابعي من خيار الشيعة ، كانت له صحبة من أمير المؤمنين ، وكان كاتبا له ، وحفط كثيرا ، وجمع كتابا في فنون الفقه كالوضوء والصلاة ، وسائر الابواب وكانوا يعظمون هذا الكتاب " ( 3 ) .

ومنهم : ( سعيد بن المسيب ) أحد الفقهاء الستة ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر .

قال أبوأيوب . : ما رأيت أفضل منه .

وفي كتاب الكافي عن يحيى بن جرير قال : قال ( ابوعبدالله الصادق )عليه السلام :

كان سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد بن أبى بكر ، وابوخالد الكابلي

* ( هامش ) * ( 1 ) أعيان الشيعة . ج 1 . ص 274 .

( 2 ) راجع تفصيل ذلك في أعيان الشيعة . ج 1 . ص 290 .

( 3 ) رجال النجاشي ص 5 ( * ) .

ـ 29 ـ

من ثقات ( علي بن الحسين ) عليه السلام ( 1 ) .

ومهما يكن من أمر فقد كان ( فقهاء الشيعة ) وعلى رأسهم أئمة المسلمين من ( أهل البيت ) صلوات الله عليهم يقودون ( الحركة الفكرية ) في ( العالم الاسلامي ) ، وتنطلق هذه الحركة من المدينة المنورة بشكل خاص .

وبلغ هذا الازدهار الفكري غايته في عهد ( الامام الصادق ) عليه السلام ازدهرت ( المدينة المنورة ) في عصر الامام ، وزخرت بطلاب العلوم ووفود الاقطار الاسلامية ، وانتظمت فيها حلقات الدرس ، وكان بيته

جامعة إسلامية يزدحم فيه رجال العلم ، وحملة الحديث : من مختلف الطبقات ينتهلون موارد علمه .

وقال ابن حجر عن ( الامام الصادق ) عليه السلام : نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان ، وانتشر صيته في جميع البلدان ، وروى عنه الائمة الاكابر كيحيى بن سعيد وابن جريح ، ومالك والسفيانيين ، وأبى حنيفة وشعبة وايوب السختيانى ( 2 ) .

إذا كانت ( المدينة المنورة ) في عهد ( الامام الباقر والصادق ) عليهما السلام ( مدرسة للفقه الشيعي ) ، ومركزا كبيرا من مراكز الاشعاع العقلي في العالم الاسلامي .

ويطول بنا الحديث لو أردنا أن نحصي عدد الفقهاء من الشيعة في هذه الفترة ، وما تركوا من آثار ، ويكفي الباحث أن يرجع إلى كتب أعيان الشيعة ، ورجال النجاشي ، والكشي ، وتأسيس الشيعة لعلوم الاسلام

ليعرف مدى الاثر الذي تركه ( فقهاء الشيعة ) في هذه الفترة التي تكاد

* ( هامش ) * ( 1 ) تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام : 299 .

( 2 ) الصواعق المحرقة 199 والصحيح السجستاني ( * ) .

ـ 30 ـ

تبلغ قرنا ونصف قرن من تاريخ الاسلام في الدراسة الفقهية ، والمحافظة على السنة النبوية .

والشئ الذي نحب أن نشير اليه : أن ملامح ( المدرسة الفقهية ) في هذه الفترة في ( المدينة المنورة ) كانت أولية إلى حد ما ، ولم تتبلور المسائل الخلافية في الفقه بين ( الشيعة والسنة ) كما تبلورت بعد في ( الكوفة ) على يد تلامذة ( الامام الصادق ) عليه السلام واستمرت إلى أيام ( أبى الحسن الرضا ) عليه السلام ، فالاختلاف في القياس والاستحسان والرأي والاجتهاد ، ومسائل الصلاة والوضوء ، والحج الخلافية لم تظهر واضحة في هذه الفترة ، وفي هذه المدرسة بالذات ، وإن كانت المدينة منطلق ( الفقه الشيعي ) والمركز الاول للبحث الفقهي عند الشيعة ، وعنها انتقلت المدرسة إلى الكوفة ، وتبلورت المفاهيم ، واتضحت نقاط الالتقاء والاختلاف بين المذاهب الفقهية الاسلامية .

ومدونات الحديث كانت مقتصرة على عدد معدود من المدونات المعروفة التي تم تدوينها في المدينة المنورة والتي ضاع أكثرها .

ولم تكن هذه المدونات فيها عدى ( مدونة امير المؤمنين عليه السلام ) دورات كاملة للحديث النبوي ، وإنما كانت تجمع لقطات من السنة النبوية والاحكام الفقهية .

ولم تكن هناك كتب فقهية تعني بالفتاوى خارج نطاق المدونات الحديثية .

كما تتبلور بعد لدى فقهاء الشيعة صياغة المقاييس الخاصة للاجتهاد والفتيا بصورة كاملة ، والمقاييس الخاصة لمعالجة الاخبار المتعارضة ، فلم يكثر الحديث بعد عن ( أهل ال بيت عليهم السلام ) ، ولم يدرس في حديثهم بعد الشئ الكثير من الحديث المدسوس ، ولم يشق على الفقهاء الرجوع

ـ 31 ـ

إلى ( الائمة عليهم السلام ) للسؤال فيما يعرضهم من حاجة ، أو ما عرض...........................................................................

- م. الروضةالبهيةشرح اللمعة من ص 31 سطر 1 الى ص 40 سطر 24

إلى ( الائمة عليهم السلام ) للسؤال فيما يعرضهم من حاجة ، أو ما يعرض الناس فلم تظهر حاجة ملحة إلى اتخاذ مقاييس للرأي والاجتهاد ، ومقاييس لمعالجة الاحاديث المتعارضة ، ومعرفة السقيم منها عن الصحيح ، ولم يراجعوا الائمة في شئ من ذلك ، ولذلك كان ( البحث الفقهي ) في هذا الدور يقطع مراحل حياته الاولى .

وبما تقدم يمكننا أن نحدد ملامح هذا العصر في الخطوط الثلاثة التالية :

1 قلة المدونات الحديثية واضطرابها في الجمع والتبويب فيما عدى ( مدونة أمير المؤمنين ) عليه الصلاة والسلام .

2 - عدم تبلور المسائل الخلافية بين المذاهب الفقهية الاسلامية بصورة واضحة .

3 - عدم اتخاذ مقاييس للاجتهاد والفتيا فيما لانص في مورده ومعالجة الاحاديث الفقهية المتعارضة .

العصر الثاني :

وفي أخريات حياة ( الامام الصادق عليه السلام ) انتقلت مدرسه الفقه الشيعي من ( المدينة ) إلى ( الكوفة ) ، وبذلك بدأت حياة فقهية جديدة في الكوفة .

وكانت الكوفة حين ذاك مركزا صناعيا ، وفكريا كبيرا تقصده البعثات العلمية ، والتجارية .

ذكر البلاذري أن أربعة الآف من رعايا الفرس وفدوا إلى الكوفة ( 1 ) .

* ( هامش ) * ( 1 ) راجع تاريخ الكوفة . 282 - 395 ( * ) .

ـ 32 ـ

وقد أثر وفود العناصر المختلفة إلى الكوفة طلبا للعلم ، أو التجارة في التلاقح العقلي والذهني في هذه المدرسة ، كما كان لها الاثر البالغ في تطوير الدراسات العقلية فيها .

وقد هاجر اليها فوق ذلك وفود : من الصحابة والتابعين ، والفقهاء وأعيان المسلمين : من مختلف الامصار وبذلك كانت ( الكوفة ) حين انتقل إليها ( الامام الصادق ) عليه السلام وانتقلت اليها ( مدرسة الفقه الشيعي ) من أكبر العواصم الاسلامية .

وقد عد البراقي في تاريخ الكوفة 148 صحابيا من الذين هاجروا إلى الكوفة واستقروا فيها ، ما عدا التابعين والفقهاء الذين انتقلوا إلى هذه المدينة ، والذين كان يبلغ عددهم الآلاف ، وما عدا الاسر العلمية التي كانت تسكن هذا القطر .

وقد أورد ابن سعد في الطبقات ترجمة ل ( 850 ) تابعيا ممن سكن الكوفة ( 1 ) .

في مثل هذا الوقت انتقل ( الامام الصادق ) عليه السلام إلى الكوفة أيام ( أبي العباس السفاح ) واستمر بقاء ( الامام الصادق ) عليه السلام في الكوفة مدة سنتين .

وقد اشتغل ( الامام الصادق ) عليه السلام هذه الفترة بالخصوص في نشر ( المذهب الشيعي ) ، لعدم وجود معارضة سياسية قوية في البين فقد سقطت في هذه الفترة ( الحكومة الاموية ) وظهرت ( الحكومة العباسية ) وبين هذا السقوط ، وهذا الظهور اغتنم ( الامام الصادق ) عليه السلام الفرصة للدعوة إلى المذهب ، ونشر أصول هذه المدرسة ، فازدلفت إليه الشيعة من كل فج زرافات ووحدانا تتقي منه العلم ، وترتوي من منهله العذب

* ( هامش ) * ( 1 ) طبقات ابن سعد : 6 ( * ) .

ـ 33 ـ

وتروي عنه الاحاديث في مختلف العلوم ، وكان منزله عليه السلام في ( بني عبد القيس من الكوفة ) ( 1 ) .

قال محمد بن معروف الهلالي : مضيت إلى الحيرة إلى ( جعفر بن محمد ) عليه السلام فما كان لي فيه حيلة من كثرة الناس ، فلما كان اليوم الرابع رآني فأدناني وتفرق الناس عنه ومضى يريد قبر ( امير المؤمنين ) عليه السلام فتبعته وكنت أسمع كلامه وانا معه أمشي .

وقال الحسن بن علي بن زياد الوشاء لابن عيسى القمي :

إني أدركت في هذا المسجد : يعني مسجد الكوفة تسعمائة شيخ كل يقول : حدثني جعفر بن محمد عليه السلام ( 2 ) .

وكان من بين أصحاب ( الامام الصادق ) عليه السلام من فقهاء الكوفة : ( أبان بن تغلب بن رباح الكوفي ) نزيل كندة روى عنه عليه السلام ( 30000 ) حديثا .

ومنهم : ( محمد بن مسلم الكوفي ) روى عن ( الباقرين ) عليهما السلام ( 40000 ) حديثا ) وقد صنف الحافظ أبوالعباس بن عقدة الهمداني الكوفي المتوفى سنة 333 كتابا في أسماء الرجال الذين رووا الحديث عن ( الامام الصادق ) عليه السلام فذكر ترجمة ( 4000 ) رجل ( 3 ) .

كل ذلك بالاضافة إلى البيوتات العلمية الكوفية التي عرفت بانتسابها إلى ( الامام الصادق ) عليه السلام ، واشتهرت بالفقه والحديث كبيت ( آل أعين ) ، وبيت ( آل حيان التغلبي ، وبيت ( بني عطية )

* ( هامش ) * ( 1 ) تاريخ الكوفة للبراقي : ص 408 .

( 2 ) رجال النجاشي ترجمة ( الوشا ) . ص 31 .

( 3 ) تاريخ الكوفة للبراقي ص 408 ( * ) .

ـ 34 ـ

وبيت ( بني دراج ) ، وغيرهم من البيوتات العلمية الكوفية التي عرفت بالتشيع ، واشتهرت بالفقه والحديث ( 1 ) .

وقد أدى كل هذا الالتقاء بشخصية ( الامام الصادق ) عليه السلام في الكوفة ، والاحتفاء به إلى أن يأخذ ( الجهاز العباسي ) الحاكم حذره منه .

وقد خاف ( المنصور الدوانيقي ) أن يفتتن به الناس ( على حد تعبيره ) لما رأى من إقبال الفقهاء والناس عامة عليه ، واحتفائهم به ، واكرامهم له فطلبه إلى ( بغداد ) في قصة طويلة لا يهمنا نقلها .

ومهما يكن من أمر فقد ازدهرت ( مدرسة الكوفة ) على يد ( الامام الصادق ) عليه السلام وتلاميذه ، وبتأثير من الحركة العلمية القوية التي أوجدها ( الامام الصادق ) عليه السلام في هذا الوسط الفكري .

ولم تبق الكوفة إلى حين ( الغيبة الكبرى ) مقاما للائمة عليهم السلام ولم يتمركز ( فقهاء الشيعة ) كلهم بعد ذلك في الكوفة ، ولم تستمر طول هذه المدة المدرسة التي انشأها ( الامام الصادق ) في الكوفة إلا أن الكوفة كانت هي منطلق ( الحركة العقلية ) في ( العصر الثاني ) من عصور تأريخ ( الفقه الشيعي ) ومبعث هذه الحركة ، ومركز الاشعاع وظلت مع ذلك بعد من أهم مراكز ( الفقه الشيعي ) ، وظلت ( البعثات الفقهية الشيعية ) تقصد هذه المدينة بالذات ، ويتعاقب فيها ( فقهاء الشيعة ) مركز الصدارة في التدريس ، والفتيا ، والبحث الفقهي .

ورغم العقبات الكبرى التي اصطدم بها ( أئمة الشيعة ) من أهل البيت عليهم السلام ، وفقهاء الشيعة ورواة الحديث : من ضغط الجهاز الحاكم حتى كان بعضهم يعرض إذا رأى الامام في الطريق ، لئلا يتهم بالتشيع

* ( هامش ) * ( 1 ) تاريخ الكوفة للبراقي ص 396 - 407 ( * ) .

ـ 35 ـ

وبعضهم يلتقي بالامام ليلا خوفا من عيون الرقابة المسلطة على بيوت ( أئمة أهل البيت) عليهم السلام .

رغم ذلك كله ، ورغم المعارضات ، والتهم والافتراءات ، والتهريج الذي كان يقوم بالجهاز تقدمت الدراسة الفقهية الشيعية ، وتدوين الحديث شوطا كبيرا في هذه الفترة ، وتركت لنا هذا التراث التشريعي الضخم الذي تمتلئ به المكاتب ، وتحتفل به الدورات الضخمة : كدورات ( بحار الانوار ، والجواهر ، والحدائق ، ووسائل الشيعة ) الكبيرة .

وصنف قدماء ( الشيعة الاثني عشرية ) المعاصرون للائمة في الاحاديث المروية من طرق أهل البيت ما يزيد على ( ستة آلاف وسمائة كتاب ) مذكورة في كتب الرجال ، على ماضبطه ( الشيخ محمد بن الحسن بن الحر العاملي ) في آخر الفائدة الرابعة من الوسائل ( 1 ) .

ومن بين هذا العدد من الكتب الذي يعتبر وحده مكتبة ضخمة في الحديث والفقه والتفسير من آفاق ( الفكر الاسلامي ) امتازت أربعمائة كتاب اشتهرت بعد ذلك ب : ( الاصول الاربعمائة ) .

وقد بقي شئ كثير من هذه الاصول الاربعمائة ، فكان شئ كثير منها محفوظا عند ( الشيخ الحر العاملي ) ، وبعضها عند ( العلامة المجلسي ) وبعضها عند ( العلامة النوري ) ، وفقد مع ذلك كثير منها ( 2 ) .

ومهما يكن من أمر فقد توسعت في هذه الفترة رواية الحديث وتدوينه وازدهرت بما لا مثيل له في أي عصر آخر ، وفي أي مذهب من المذاهب الاسلامية عامة .

فلهشام الكلبي أكثر من مائتي كتاب .

* ( هامش ) * ( 1 ) وسائل الشيعة . ج 3 . ص 523 .

( 2 ) أعيان الشيعة . ج 1 - القسم 2 . ص 37 ( * ) .

ـ 36 ـ

ولابن شاذان مائة وثمانون كتابا .

ولابن دؤل مائة كتاب .

ولابن أبى عمير أربعة وتسعون كتابا ( 1 ) .

وقد ترجم ( الشيخ آغا بزرك ) في الذريعة لمائتي رجل من مصنفي تلامذة ( الامام الصادق ) عليه السلام عدا غيرهم من المؤلفين من أصحاب سائر الائمة عليهم السلام ، وذكر لهم من كتب الاصول 739 كتابا ( 2 ) .

فقد روى ( أبان بن تغلب ) - كما يقول الشيخ في الفهرست -

ثلاثين ألف حديث عن ( الامام الصادق ) عليه السلام .

وروى ( آل أعين ) وحدهم أضعاف هذا المقدار .

و ( يونس بن عبدالرحمن ) و ( البزنطي ) ومئات من أمثالهم كانوا من كبار المؤلفين والمكثرين في التأليف والتدوين ، وقد جمع كل واحد منهم عشرات المدونات في الحديث والتفسير والفقه .

ولم تزدهر ( المدرسة الحديثية ) في مذهب من المذاهب الاسلامية كما ازدهرت عند ( الشيعة ) ، حتى رأينا أن الذهبي يقول في ميزان الاعتدال :

لو أردنا ان نسقط رجال الشيعة من اسناد الروايات لم تسلم لنا من السنة إلا القليل النادر .

ولا نطيل في تفصيل شرح هذه الحركة الفكرية التي انطلقت من بيت النبوة ، ورعاها فقهاء الشيعة ومحدثوها بعناية فائقة ، واهتمام كبير .

* ( هامش ) * ( 1 ) الذريعة إلى تصانيف الشيعة . ج 1 . ص 17 .

( 2 ) الذريعة إلى تصانيف الشيعة . ج 6 . ص 301 - 374 ( * ) .

ـ 37 ـ

ملامح المدرسة :

ولننتقل إلى تخطيط ملامح هذه المدرسة وجدنا فيما تقدم من حديث عن العصر الاول من عصور ( الفقه الشيعي ) .

ان تدوين الحديث لم يكن أمرا شائعا بين المحدثين الشيعة ، فلم تصلنا من ( ابن عباس ) مثلا رغم كثرة رواياته مدونة في الحديث الا ما جمعه الفيروز آبادي من رواياته في التفسير والتأويل .

وظاهرة التدوين ظهرت من أيام ( الامام الباقر ) عليه السلام ونمت أيام ( الامام الصادق ) عليه السلام ، ولا سيما فقد أخذ ( الامام الصادق ) عليه السلام - لما رأى من ضياع الاحاديث والسنن - يحث الرواة والعلماء على تدوين السنة وكتابتها .

قال عاصم : سمعت أبا بصير يقول : قال ( ابوعبدالله الصادق ) عليه السلام :

اكتبوا ، فانكم لا تحفظون إلا بالكتابة ( 1 ) .

وعن أبي بصير قال : دخلت على ( أبي عبدالله ) عليه السلام فقال :  ما يمنعكم من الكتاب ؟ ! إنكم لن تحفظوا حتى تكتبوا ، إنه خرج من عندي رهط من أهل البصرة يسألون عن أشياء فكتبوها .

وعن أبي بصير قال : سمعت ( أبا عبدالله ) عليه السلام يقول : اكتبوا ، فانكم لا تحفظون حتى تكتبوا .

وكذلك نجد أن ( الامام الصادق ) عليه السلام كان يدفع أصحابه

* ( هامش ) * ( 1 ) وسائل الشيعة الجزء 18 . ص 236 . الباب 2 . الحديث 6 ( * ) .

ـ 38 ـ

وتلامذته إلى التدوين ، وكتابة الحديث ، خوفا عليه من الضياع والاضطراب .

هذه ظاهرة أولى على ملامح هذا العصر .

والظاهرة الثانية من ملامح هذا العصر : أن حاجات المسلمين توسعت في هذا الوقت ، وازدحم الناس على أبواب الفقهاء يطلبون منهم الرأي فيما تجدد عليهم : من وجوه الحاجات الجديدة ، ولم يكن ما بيد ( فقهاء السنة ) ومحدثيها من الحديث يكفي لسد هذه الحاجة ، ولم يجدوا في الكتاب الكريم جوابا على ذلك ، ولم يكن الجهاز القائم بالحكم يمسح لهم بمراجعة ( أئمة اهل البيت ) عليهم السلام الذين اعتبرهم صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله عدلا للكتاب في حديث الثقلين المعروف .

فاضطروا إلى اتخاذ القياس والاستحسان ، والاخذ بالظن والرأي .

يقول الدكتور محمد يوسف موسى :

بعد أن لحق الرسول صلى الله عليه وآله بالرفيق الاعلى ، وحدث من الوقائع والاحداث مالم تشتمل نصوص القرآن والسنة على أحكامه كان لابد من الوصول إلى هذه الاحكام بطريق آخر ، فكان من ذلك هذان الاصلان : ( الاجماع ، والقياس ) ( 1 ) .

والقياس والاستحسان - مهما قيل فيهما - معرضان للانحراف والزلل فوقف ( الامام الصادق ) عليه السلام حين رأى شيوع الاخذ بالقياس والرأى موقف المعارض منهما ، ودعى أصحابه إلى عدم الاخذ بهما وعارض المذاهب الفقهية التي كانت تأخذ بالقياس أشد المعارضة .

قال ابن تغلب : قلت ( لابي عبدالله ) عليه السلام : ما تقول في رجل قطع اصبعا من أصابع المرأة كم فيها .

* ( هامش ) * ( 1 ) محاضرات في تاريخ الفقه الاسلامي : 17 ( * ) .

ـ 39 ـ

قال : عشرة من الابل .

قلت : قطع اثنين ؟

قال : عشرون .

قلت : قطع ثلاثا ؟

قال : ثلاثون .

قلت : قطع أربعا ؟

قال : عشرون .

قلت : سبحان الله يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون ، ويقطع أربعا فيكون عليه عشرون ؟

إن هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممن قاله ونقول إن الذي جاء به شيطان .

فقال عليه السلام : مهلا يا أبان لعلك أخذتني بالقياس ، و ( السنة إذا قيست محق الدين ، هذا حكم رسول الله صلى الله عليه وآله إن المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية ، فاذا بلغت الثلث رجعت المرأة إلى النصف ( 1 ) .

هذه ظاهرة ثانية على ملامح العصر .

والظاهرة الثالثة في هذه المدرسة هو حدوث الاختلاف بين نقل الرواة فقد شاع نقل الحديث عن ( أئمة أهل البيت ) عليهم السلام في هذه الفترة ، وكثر الدرس وظهر الاختلاف في متون الروايات ، فكان يبلغ البعض من الشيعة حديثان مختلفان في مسألة واحدة ، فكان الرواة يطلبون من ( أئمة أهل البيت ) عليهم السلام أن يدلوهم على مقياس لاختيار

* ( هامش ) * ( 1 ) راجع قوانين الاصول ، وكتاب من لايحضره الفقيه

الجزء 4 . ص 88 الباب 27 . الحديث 1 ( * ) .

ـ 40 ـ

الحديث الصحيح بين الاحاديث المتضاربة التي تردهم في مسألة واحدة .

وقد ورد عنهم عليهم السلام أحاديث في معالجة الاخبار المتعارضة تسمى ( الاخبار العلاجية ) في الاصول .

قال زرارة : سألت ( أبا جعفر ) عليه السلام فقلت : جعلت فداك يأتي عنكم الخبران والحديثان المتعارضان فبأيهما آخذ ؟

فقال عليه السلام : يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك ، ودع الشاذ النادر .

فقلت : ياسيدي إنهما معا مشهوران مأثوران عنكم ؟

فقال : خذ بما يقول أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك .

فقلت : إنهما معا عدلان مرضيان موتقان ؟

فقال : أنظر ما وافق منهما العامة فاتركه ، وخذ بما خالف ، فان الحق فيما خالفهم ( 1 ) .

قلت : ربما كانوا موافقين لهم ، أو مخالفين فكيف أصنع ؟ .

قال : إذا فخذ بما فيه الحائطة لدينك ، واترك الآخر .

* ( هامش ) * ( 1 ) يقصد من العامة علماء البلاط ، والفقهاء الذين كانوا يحفون بلاط الخلفاء ( الامويين والعباسيين ) ويرتزقون عن هذا الطريق ، فقد كان الخلفاء يصطنعون هؤلاء العلماء في تدعيم حكمهم ، وتبرير أفعالهم ويطلبون إليهم كلما أحسوا بحاجة ، أو أقدموا على أمر يثير مشاعر الجماهير ان يجدوا ويخلقوا لهم مبررا في الفقه ، ويرغمون الناس على الاعتراف بهم في الفتيا والقضاء .

وقد كان أثر هذه الفئة من مرتزقة الفقهاء كبيرا في ضياع وارتباك معالم الفقه الاسلامي ، ولذلك نجد ( أئمة أهل البيت ) عليهم السلام يحذرون شيعتهم عن مسايرة هؤلاء ، والاغترار بمكانتهم ( * ) .

ـ 41 ـ

قلت : إنهما معا موافقان للاحتياط ، أو مخالفان له فكيف أصنع ؟

............................................................................

- م. الروضةالبهيةشرح اللمعة من ص 41 سطر 1 الى ص 50 سطر 24

قلت : إنهما معا موافقان للاحتياط ، أو مخالفان له فكيف أصنع ؟

فقال : اذا فتخير أحدهما فتأخذ به ، ودع الآخر ( 1 ) .

والاخبار العلاجية كثيرة لا نريد أن نحصيها هنا ، ويكفينا ان نقول :

إن ظهور الاخبار العلاجية في هذا الفترة تنزل على توسع ( مدرسة أهل البيت ) عليهم السلام في الفقه ، وكثرة النقل ، وشياع الحديث عنهم ، وانتشار فقه ( أهل البيت ) في الافطار .

فقد فرضت مدرسة أهل البيت عليهم السلام وجودها على المسلمين في كثير من أقطار العراق ، وخراسان . والري ، والحجاز ، واليمن بشكل ملحوظ مما أدى إلى كثرة النقل والحديث عنهم ، وتداول فقههم

عليهم السلام .

وهذه هي الظروف الطبيعية لظهور الدس والاختلاق والتزييف في الحديث .

وهذه ظاهرة أخرى من ملامح هذا العصر .

وفي هذه الفترة اتسعت شقة الخلاف بين ( المذاهب الفقهية الاسلامية ) وفي كثير من المسائل الخلافية .

وكان موقف ( أئمة أهل البيت ) عليهم السلام مما يثار الخلافات - موقفا حازما حكيما ، فقد كانوا يعلمون أن الغرض من إثارة الخلاف تعكير الجو الفكري في ( الوطن الاسلامي ) ليتاح للجهاز أن يصيد في الماء العكر ، فكان كثيرا ما يتغاضى ( أئمة أهل البيت ) عليهم السلام عن وجود خلاف او اشتقاق في المسألة الفقهية ، ويجارون الفقه ، فاذا خلوا إلى أصحابهم ذكروا لهم الوجه الحق وأمروهم بالكتمان والسر ما وسعهم ذلك ، وحتى ان يقضي الله بما هو قاض ، وينقذ الامة من هؤلاء

* ( هامش ) * ( 1 ) فرائد الاصول باب التعادل والترجيح ( * ) .

ـ 42 ـ

الغاصبين المهرجين .

وهذا هو ما يعنى ( بالتقية ) في ( الفقه الاسلامي ) .

وظاهرة أخرى في هذا الدور من ملامح المدرسة : تعيين موازين ومقاييس خاصة للاجتهاد والاستنباط من قبل ( أئمة أهل البيت ) عليهم السلام .

كان الرواة ينتقلون إلى مناطق بعيدة ، وتمس بهم حاجة إلى معرفة حكم من الاحكام الشرعية ، ولايجدون وسيلة للسؤال عن الامام عليهم السلام ولا يجدون نصا في المورد ، فوضع لهم ( أئمة أهل البيت ) عليهم السلام قواعد خاصة للاستنباط والاجتهاد يستعرضها بتفصيل : كالاستصحاب والبراءة ، والاحتياط ، والتخيير ، وغيرها من القواعد الفقهية ، كقاعدة الطهارة ، واليد ، والاباحة ، والحلية ، وما شاكل ذلك مما يعين الفقيه على الاجتهاد والاستنباط .

وقد اسهب الفقهاء والاصوليون في شرح هذه القواعد والاصول بصورة وافية في كتب الفقه والاصول .

ورغم ما تقدم فلم يكن هناك اجتهاد بالمعنى الذي نتعارف عليه اليوم وإنما كان الناس يطلبون إلى الامام أن يعين لهم مرجعا فيما يعرضهم من المسائل الشرعية ، فيعين لهم بعض أصحابه ممن يطمئن اليهم ، وممن

سمع إلى حديثه ووعاه ، ولم تمس الحاجة إلى الاجتهاد لمعاصرة الامام وإمكان الاتصال به ولو على رأس كل سنة في موسم الحج .

فلم يتجاوز أصحاب الائمة عدا موارد قليلة ونادرة : من نقل الحديث ، والمجاميع الحديثية في غالب الاحوال لم تكن تجمع أبواب الفقه عامة ، أو تجمع كلما صح عن الامام في هذا الباب ، أو في هذه المسألة .

ـ 43 ـ

وربما يجوز لنا أن نقول : إن شيئا من المجاميع الحديثية التي دونت في هذا العصر لم يكن على هذا الغرار من استيعاب أبواب الفقه ، وما صح عن الامام في كل باب ، فكانت الكتب والمدونات ، والاصول أشبه بمجموعات شخصية يجمع فيها كل راو ما سمعه عن مشائخه ، أو ماسمعه عن الامام مباشرة بصورة مبعثرة ، أو منظمة غير مستوعبة .

وقد يلتقي الباحث بكتاب ، أو كتابين يخرج عن هذا الاطار إلا أن الطابع العام للتدوين في هذا العصر كان الصورة التي قدمناها للقارئ . هذه هي اهم ملامح هذا العصر .

وإذا صح ان المدرسة انتقلت من الكوفة إلى المدينة ، او إلى بغداد او إلى طوس في هذا الفترة فقد كان لفترة قصيرة ، وبصورة غير كاملة وبقيت الكوفة محتفظة بمكانتها حينا طويلا من هذا العصر .

العصر الثالث :

مدرسة ( قم والري ) :

يبتدئ هذا العصر من الغيبة الكبرى ، والربع الاول من القرن الرابع إلى النصف الاول من القرن الخامس .

في هذا الفترة انتقلت حركة التدريس والكتابة ، والبحث إلى مدينتي ( قم والري ) وظهر في هذا الفترة شيوخ كبار من ( اساتذة الفقه الشيعي ) في مدينتي ( قم والري ) كان لهم اكبر الاثر في تطوير ( الفقه الشيعي ) فقد كانت ( قم ) منذ ايام ( الائمة ) عليهم السلام بلدة شيعية ، ومدينة كبيرة من امهات المدن الشيعية ، وكانت خصنا من ( حصون الشيعة )

ـ 44 ـ

وعشا لآن محمد صلى الله عليه وآله ، وموضع عناية خاصة من ( اهل البيت ) عليهم السلام .

إن البلايا مدفوعة عن قم واهلها .

وسيأتي زمان تكون بلدة ( قم ) وأهلها حجة على الخلائق ، وذلك في زمان غيبة ( قائمنا ) إلى ظهوره عجل الله تعالى فرجه ، ولولا ذلك لساخت الارض بأهلها ( 1 ) .

روى عن أمير المؤمنين عليه السلام : أنه قال " سلام الله على أهل ( قم ) ورحمة الله على أهل قم ، سقى الله بلادهم الغيث ، وتنزل عليهم البركات فيبدل سيئاتهم حسنات ، هم أهل ركوع وخشوع وسجود ، وقيام وصيام ، هم الفقهاء العلماء ، هم أهل الدين والولاية والعبادة ، وحسن العبادة " ( 2 ) .

وكانت ( الري ) في هذا التاريخ بلدة عامرة بالمدارس والمكاتب .

وحافلة بالعلماء والفقهاء والمحدثين ( 3 ) .

وقد كان أحد اسباب انتقال ( مدرسة أهل البيت ) من العراق إلى ( ايران ) هو الضغط الشديد الذي كان يلاقيه ( فقهاء الشيعة ) وعلماؤهم من ( العباسيين ) ، فقد كانوا يطاردون من يظهر باسم الشيعة بمختلف ألوان الاذى والتهمة . فالتجأ ( فقهاء الشيعة ) وعلماؤها إلى ( قم والري ) ، ووجدوا في هاتين البلدتين ركنا آمنا يطمئنون إليه لنشر فقه ( أهل البيت ) عليهم السلام وحديثهم .

ويظهر أن ( قم ) أوان عصر الغيبة ، وعهد نيابة ( النواب الاربعة )

* ( هامش ) * ( 1 ) سفينة البحار . ج 2 . ص 445 .

( 2 ) مجالس المؤمنين . ص 84 .

( 3 ) مجالس المؤمنين . ص 92 - 93 ( * ) .

ـ 45 ـ

كانت حافلة بعلماء ( الشيعة ) وفقهائها ، ومركزا فقهيا كبيرا من ( مراكز البحث الفقهي ) .

فعن ( الشيخ في كتاب الغيبة : " أنفذ ( الشيخ حسين بن روح ) رضي الله تعالى عنه كتاب التأديب إلى ( قم ) ، وكتب إلى جماعة الفقهاء بها وقال لهم :

انظروا ما في هذا الكتاب ، وانظروا فيه شئ يخالفكم " ( 1 ) .

وهذا الرواية التاريخية تدل على أن ( قم ) كانت في عهد ( حسين بن روح ) مركزا فقهيا لها وزنها ، حافلة بالفقهاء بحيث يراجعها ( الشيخ حسين بن روح ) نائب ( الامام الخاص ) عجل الله تعالى فرجه ويعرض عليهم رسالة التأديب ، لينظروا فيها .

وكانت ( قم والري ) تحت حكومة ( سلاطين آل بويه ) وعرف ( آل بويه ) في التاريخ بنز عتهم الشيعية وولائهم .

ويكفي للدلالة على ضخامة ( مدرسة قم ) في هذا العصر أن تذكر ما نقله ( العلامة الحلي ) رحمه الله في شرحه على ( من لا يحضره الفقيه ) .

حيث قال : إن في زمان ( علي بن الحسين بن موسى بن بابويه ) المتوفي سنة 329 كان في ( قم ) من المحدثين مائتا ألف رجل ) ( 2 ) .

ووصفها ( الحسن بن محمد بن الحسن القمي ) المتوفى سنة 378

- وهي من الفترة التي نتحدث عنها - في كتاب خاص ننقل عناوين أبواب منه ليلمس القارئ سعة هذه المدرسة وضخامتها في القرن الرابع

* ( هامش ) * ( 1 ) الكنى والالقاب . ج 3 . ص 76 .

( 2 ) مقدمة السيد حسن الخرسان على من لا يحضره الفقيه ص .

( د ) ( * ) .

ـ 46 ـ

وهو العصر الذي نتحدث عنه .

قال : الباب السادس عشر في ذكر أسماء بعض علماء قم ، وشئ من تراجمهم ) ، وعدد الشيعة منهم 266 شخصا ( ممن يترجم هو دون الذين لا يترجمهم .

وعدد العامة 14 شخصا مع ذكر مصنفات كل واحد منهم ومروياته وما يتعلق بذلك ( 1 ) .

وهذه الكلمات تدل على أن ( مدرسة قم ) كانت في هذه الفترة من أوسع المدارس الشيعية في الفقه والحديث وأضخمها ، وكانت تضم مئات المدارس والمساجد والمكاتب ، وندوات البحث والمناقشة ، ومجالس

الدرس والمذاكرة .

تصحيح كننده امين الله موحدى

دولة آل بويه :

وربما نستطيع أن نعد سبب ذلك في بعض الحدود ( حكومة آل بويه ) على هذه المنطقة : منطقة ( قم والري ) في هذه الفترة .

فقد عرف ( آل بويه ) في التاريخ بنزعتهم الشيعية ، وولائهم ( لاهل البيت ) عليهم السلام ، مما بعث فقهاء الشيعة وعلماءها أن يقصدوا هذه المنطقة ويجتمعوا فيها .

ومهما يكن من أمر فقد حفلت ( قم والري ) في هذه الفترة ( القرن الرابع الهجري ) بشيوخ كبار في الفقه والحديث : أمثال ( الشيخ الكليني ) المتوفى سنة 329 ه ، و ( ابن بابويه والد الصدوق )

* ( هامش ) * ( 1 ) مقدمة السيد حسن الخرسان على من لا يحضره الفقيه ص .

( د ) ( * ) .

ـ 47 ـ

المتوفى سنة 329 ه و ( ابن قولويه ) أستاذ ( الشيخ المفيد ) المتوفى سنة 369 هجرية ، و ( ابن الجنيد ) المتوفى سنة 381 هجرية بالري و ( الشيخ الصدوق ) المتوفى سنة 381 ه والمدفون بالري ، وغيرهم من كبار مشايخ الشيعة في الفقه والحديث .

ونشطت في هذه الفترة حركة التأليف والبحث الفقهي ، وتدوين المجاميع الحديثية الموسعة ( كالكافي ومن لا يحضره الفقيه ) ، وغيرهما من المجاميع الحديثية ، والكتب الفقية :

النشاط الفكرى في هذه المدرسة :

وقد بلغ النشاط الفكري في التأليف والبحث الفقهي ، وتدوين الاحاديث وجمعها ، وتنسيقها غايته في هذه الفترة ، فقد خلفت لنا هذه الفترة ثروة فكرية ضخمة من أهم ما أنتجته ( مدارس الفقه والحديث الشيعي ) في تاريخها .

ولكي يلمس القارئ حدود هذه المدرسة وضخامتها نشير إلى أسماء بعض الفقهاء المحدثين اللامعين من هذه المدرسة : من الذين عاشوا خلال هذه الفترة ، ثم يمعن النظر بعد ذلك في كتب التراجم والرجال والتاريخ من أراد أن يستقصي البحث عن ذلك : - علي بن إبراهيم :

وعلي بن إبراهيم القمي شيخ الكليني في الحديث ، كان ثقة في الحديث ثبتا معتمدا صحيح المذهب ، سمع فأكثر ، وصنف كتبا ، منها : ( قرب الاسناد ، وكتاب الشرايع ، وكتاب الحيض ) ( 1 ) .

* ( هامش ) * ( 1 ) الرجال للنجاشي . ص 197 ( * ) .

ـ 48 ـ

2 - ( الكليني ) ،

كان ( الكليني ) معاصرا ( لعلي بن الحسين بن بابويه ) والد ( الشيخ الصدوق ) وتوفيا في سنة واحدة ، وهي المعروفة عند الفقهاء بسنة ( موت الفقهاء ) .

أكبر أثر تركه ( محمد بن يعقوب الكليني ) من بعده هو موسوعته الحديثية الكبرى ( الكافي ) في الاصول والفروع ، وكان تأليف الكافي أولى محاولة من نوعه لجمع الحديث وتبويبه ، وتنظيم أبواب الفقه والاصول .

يقول هو رحمه الله في مطلع كتابه : كتاب كاف يجمع من جميع فنون علم الدين ما يكتفي به المتعلم ويرجع اليه المستر شد ، ويأخذ منه من يريد علم الدين ، والعمل به بالآثار الصحيحة عن ( الصادقين ) عليهم السلام ( 1 ) .

فكانت هذه المحاولة لتهيئة المراجعة للفقهاء ، وجمع وتنظيم أبواب الفقه والاصول ، وقد جمع رحمه الله في موسوعته هذه ما صح لديه من أحاديث ( الصادقين ) عليهم السلام .

ولذلك كله كان هذا الكتاب فتحا كبيرا في عالم تدوين الحديث وموضع عناية فائقة من قبل الفقهاء من بعده .

يقول عنه الشيخ المفيد : من أجل كتب الشيعة ، وأكثرها فائدة ( 2 ) .

ويقول عنه الشهيد كما في إجازته لابن الخازن :

كتاب الكافي في الحديث الذي لم يعمل مثله ( 3 ) .

* ( هامش ) * ( 1 ) اصول الكافي . ج 1 . ص 1 - 8 .

( 2 ) تصحيح الاعتقاد . ص 27 .

( 3 ) بحار الانوار . ج 25 . ص 67 ( * ) .

ـ 49 ـ

3 - ( ابن قولويه ) :

أبوالقاسم جعفر بن محمد بن جعفر بن موسى بن قولويه ( 285 - 368 ه )

كان من تلامذة الكليني والراوين عنه ( 1 ) واستاذ ( أبي عبدالله المفيد ) ( 2 ) .

قال عنه النجاشي : كان من ثقات أصحابنا وأجلائهم في الحديث والفقه ، وكل ما يوصف ( 3 ) به الناس من جميل وفقه فهو فوقه ، له كتب حسان ( 4 ) عد منها جملة كبيرة .

4 - ( آل ابن بابويه ) : من بيوتات الفقه والحديث في ( قم ) ، وموضع عناية خاصة من ( الحجة القائم ) عجل الله تعالى فرجه ونوابه ، ومن ( فقهاء الشيعة ) ومحدثيهم ، فكان والد الشيخ الصدوق ( علي بن بابويه القمي ) من رؤساء المذهب وفقهائهم الكبار .

يقول عنه العلامة في الخلاصة : " الشيخ القميين في عصره وفقيههم وثقتهم " ( 5 ) .

وذكر ابن النديم في الفهرست أن الصدوق ذكر مائتي كتاب لوالده علي بن الحسين ( 6 ) .

وهذا رقم كبير يشير إلى وجود حركة فكرية قوية ، ونشاط ملموس

* ( هامش ) * ( 1 ) راجع مقدمة الدكتور حسين علي محفوظ على الكافي : 24 .

( 2 ) الكنى والالقاب ج 1 : 379 .

( 3 ) المراد أن كلما يوصف به الناس المبرزون من علم وفضل وتقى

وشجاعة فهو فوقهم جميعا في هذه الخصال .

( 4 ) الرجال للنجاشي : ص 95 -

( 5 ) نامه دانشوران 1 : 2 .

( 6 ) فهرست ابن النديم : ص 291 ( * ) .

ـ 50 ـ

في هذا الفترة في التأليف والتدوين في ( مدرسة قم والي ) .

كان ولداه ( أبوجعفر محمد المشتهر بالصدوق ) و ( أبوعبدالله حسين ) أخو الصدوق من كبار فقهاء الشيعة ومحدثيهم .

قال عنهما ( الشيخ ) في الغيبة : فقيهان ماهران يحفظان مالا يحفظ غيرهما من أهل قم .

وقد وجد هذان الاخوان من عناية ( آل بويه ) وبصورة خاصة ( ركن الدين ) والوزير ( الصاحب بن عباد ) - ما كان يبعثها على التأليف والكتابة والبحث الفقهي ، فقد كتب ( أبوعبدالله الحسين للصاحب بن عباد ) كثيرا من مؤلفاته ، ودون الصدوق له مجموعته الحديثية الكبيرة ( عيون أخبار الرضا ) .

وكان ( للصدوق ) كما يذكر ( العلامة ) نحو من ثلاثمائة مؤلف ( 1 ) ذكر اسم كثير منها في كتابه الكبير .

ولو ضم هذا العدد الضخم إلى مؤلفات والده في الفقه والحديث لدل على وجود نشاط فكري وفقهي كبير في هذه المدرسة ، وفي هذا البيت بالخصوص بيت ( ابن بابويه ) .

وكتاب ( من لا يحضره الفقيه ) هي الموسوعة الحديثية الجامعة الثانية التي ألفت في الفقه في هذه الفترة بمدرسة ( قم والري ) .

وقد حاول ( الصدوق ) في موسوعته هذه أن يجمع أبعاد الفقه وينظمه في كتاب ، ويجمع ما صح لديه من أحاديث فيه ، ويجعله في متناول الفقيه أو في متناول من لا يحضره الفقيه من العامة حينما تعرضه مسألة من المسائل قبال كتاب ( من لا يحضره الطبيب لمحمد بن زكريا ) ( 2 ) .

* ( هامش ) * ( 1 ) الكنى والالقاب . ج 1 . ص 212 .

( 2 ) راجع من لايحضره الفقيه . ج 1 . ص 3 ( * ) .

ـ 51 ـ

وأحصيت أحاديث الكتاب ، فكانت خمسة آلاف وتسعمائة وثلاث

............................................................................

- م. الروضةالبهيةشرح اللمعة من ص 51 سطر 1 الى ص 60 سطر 24

وأحصيت أحاديث الكتاب ، فكانت خمسة آلاف وتسعمائة وثلاث وستون حديثا .

ومهما يكن من أمر فقد كان الكتاب فتحا ثانيا في تدوين الحديث وجمعه بعد تأليف الكافي ، ولا نريد أن نستقصي أسماء فقهاء ومحدثي هذه المدرسة ، فان ذلك يؤدي بنا إلى أن نخرج عن حدود الدراسة التى نحاول أن نقول بها .

ويكفي القارئ أن يراجع كتاب ( مجالس المؤمنين ) للقاضي ( نور الله التستري ) ، ليلمس سعة هذه المدرسة وضخامتها ، وما انشأت هذه المدرسة من كبار الفقهاء والمحدثين ، وما خلفته من موسوعات فقهية

وحديثية وتراث فكري ضخم .

ملامح المدرسة :

وبعد أن لمس القارئ في حدود ما تقدم حديث حدود هذه المدرسة وضخامتها وسعتها ، وجوانب منها ، وبعض فقهائها البارزين ، وبعض التراث الفقهي والحديثي الذي خلقته لنا هذه الفترة ننتقل به إلى استخلاص ملامح هذه المدرسة ، ودراسة الميزات التي تميز هذه المدرسة عن المدارس السابقة عليها ، وما قدمته هذه المدرسة من أثر في تطوير البحث الفقهي :

وأولى هذه الملامح وأهمها التوسعة في تدوين الحديث وجمعه .

فقد كان تدوين الحديث قبل هذه الفترة كما أشرنا اليه في الحديث عن العصر الثاني لا يتجاوز عن التدوين الشخصي لما سمعه الراوي من الامام مباشرة أو بصورة غير مباشرة . . مبعثرة حينا ، ومنتظمة

ـ 52 ـ

في بعضى الاحيان .

ولم يتفق لاحد من المحدثين والفقهاء في العصر الثاني أن يجمع ما صح في الاحكام من الاحاديث عن ( أهل البيت ) عليهم السلام وينظم ذلك ، كما لوحظ في المجموعتين الحديثيتين اللتين خلفتهما هذه المدرسة وهما : ( الكافي ، ومن لا يحضره الفقيه ) .

وهذه الخطوة - خطوة جمع الاحاديث وتنظيمها - تعد من حسنات هذه المدرسة ، فقد كثرت حاجة الفقهاء إلى مراجعة الروايات والاحاديث حين الحاجة ، وكانت لاحاديث منتشرة بصورة غير منظمة : من حيث التبويب والجمع في الاف الكتب والاصول والرسائل التي خلفها ( أصحاب الائمة ) و ( محدثو الشيعة ) ، ولم يكن من اليسير بالطبع الالمام بما ورد من أحاديث في مسألة لكل أحد .

فكانت محاولة الجمع والتبويب في هذه الفترة لسد هذه الحاجة وظهر في هذه الفترة لون جديد من الكتابة الفقهية ، وهي الرسائل الجوابية فقد كانت ( الشيعة ) تسأل الفقهاء من أطراف العالم الاسلامي ما يعرضها من المسائل بشكل استفسار ، فكان الفقهاء يجيبون على هذه الاسئلة . .

وقد يطول الجواب ، ويستعرض المجيب الاحاديث الوارة في الباب .

فيكون من ذلك رسالة جوابية صغيرة في مسألة فقهية .

وفي ( فهارس كتب الشيعة ) كالذريعة ورجال النجاشي ، وغيرهما يجد الباحث آلاف الرسائل الفقهية من هذاه القبيل .

وقد كان شيوع هذا اللون من الكتب الفقهية في تطوير البحث الفقهي في هذه الفترة ، فكان الفقيه يدرس المسألة ، وقد يلقيها على طلابه في مجلس الدرس ، ويستعرض ما ورد فيها من أحاديث ، فكانت نقطة

ـ 53 ـ

بداية للرأي والنظر إن صح هذا الاعتبار .

ومع ذلك فقد كان البحث الفقهي في هذه الفترة يقضي مراحل نموه الاولية .

ولم يقدر له بعد أن يبلغ حد المراهقة ، فكانت الرسائل الفقهية في هذه المدرسة لا تتجاوز عرض الاحاديث من غير تعرض للمناقشة والاحتجاج ونقد الآراء وبحثها ، وتفريع فروع جديدة عليها .

ولم يتجاوز البحث الفقهي في الغالب عن حدود الفروع الفقهية المذكورة في حديث ( أهل البيت ) عليهم السلام ، ولم يفرغ الفقهاء بصورة كاملة لتفريغ فروع جديدة للمناقشة والرأي .

وكانت الفتاوى في الغالب نصوص الاحاديث مع إسقاط الاسناد وبعض الالفاظ في بعض الحالات ؟

ومن لاحظ ما كتبه ( علي بن بابويه القمي والد الصدوق ) وكانت له رسالة إلى ولده يذكر فيها فتاواه .

وما كتبه ( الصدوق ) كالمقنع والهداية .

وما كتبه ( ابوجعفر محمد بن علي بن الحسين ) الفقيه الرازي المتوفى سنة 381 .

و ( جعفر بن محمد بن قولويه ) وغيرهم من هذه الطبقة يطمئن إلى أن النهج العام في ( البحث الفقهي ) في هذه الفترة ، لم يتجاوز حدود عرض ما صح من الروايات والاحاديث ، رغم توسع المدرسة في هذه الفترة ، وتلك هو أهم ملامح ( مدرسة قم والري ) في هذه الفترة .

ـ 54 ـ

العصر الرابع :

مدرسة بغداد :

في القرن الخامس الهجري انتقلت المدرسة من ( قم والري ) إلى ( بغداد ) حاضرة العالم الاسلامي عامة .

وكان لهذا الانتقال أسباب عديدة :

( الاول ) ضعف جهاز الحكم العباسي ، حيث ضعفت سيطرتهم في هذه القترة ، ودب الانحلال في كيان الجهاز ، فلم يجد الجهاز القوة الكافية لملاحقة ( الشيعة ) والضغط عليهم ، كما كان .

( المنصور والرشيد والمتوكل والمعتصم ) وأضرابهم من الخلفاء العباسيين فوجد ( فقهاء الشيعة ) مجالا للظهور ونشر ( الفقه الشيعي ) ، وممارسة البحث الفقهي بصورة علنية .

( الثاني ) : ظهور شخصيات فقهية من بيوتات كبيرة .

( كالشيخ المفيد والسيد المرتضى ) فقد كان هؤلاء يستغلون مكانة بيوتهم الاجتماعية ، ومكاناتهم السياسية في نشر ( الفقه الشيعي ) وتطوير ( دراسة الفقه ) .

( الثالث ) : توسع المدرسة وتضخمها مما أدى إلى احتلال ( بغداد حاضرة العالم الاسلامي ) في ذلك الوقت ، وقد كانت هذه البيئة الجديدة صالحة لتقبل هذه المدرسة ، وتطويرها وخدمتها .

فهي مركز ثقافي كبير من مراكز الحركة العقلية في العالم الاسلامي يقطنها الآلاف من الفقهاء والمحدثين ، وتنشر في آلاف المدارس والمكاتب

ـ 55 ـ

والمساجد التي كان يحتشد فيها جماهير الطلاب والمدرسين والعلماء كل يوم للدرس والمطالعة ، والبحث والمناقشة ، فكان لانتقال المدرسة إلى هذا الجو الفكري على يد علماء كبار أمثال ( المفيد والمرتضى والطوسي ) أثر كبير في الحركة الفكرية القائمة في حينه ، فقد تكاملت ( مدرسة الفقه الشيعي ) في ( قم والري ) وتأصلت ، وظهرت ملامح الاستقلال عليها وتبلورت أصولها وقواعدها في ( بغداد ) .

ورغم كثرة مدارس البحث الفقهي في ( بغداد ) في ذلك الحين فقد كانت ( مدرسة أهل البيت ) عليهم السلام أوسعها وأضخمها وأعمقها جذورا واصولا وأكثرها تأصلا واستعدادا ، وأقومها في الاستدلال والاحتجاج .

وكل ذلك كان يبعث طلاب الفقه على الالتفاف حول هذه المدرسة أكثر من غيرها .

فقد كان يحضر درس ( الشيخ الطوسي ) حوالي ثلاثمائة مجتهد من ( الشيعة ) . ومن ( العامة ) مالا يحصى ( 1 ) .

ومن المستحسن بنا - ونحن بصدد دراسة ( الفقه الشيعي ) في هذا العصر - أن نمر سريعا على تراجم ألمع فقهاء هذه الدورة :

1 - ( المفيد ) : أبوعبدالله محمد بن محمد بن النعمان المفيد البغدادي ، ولد في ( عكبرا ) وانتقل منها في أيام صباه إلى بغداد بصحبة والده ، ونشأ في بغداد ، وتفرغ منذ نعومة أظفاره لطلب العلم ، فعرف وهو بعد صغير يرتاد حلقات الدراسة بالفضل والنبوغ .

* ( هامش ) * ( 1 ) راجع مقدمة الشيخ آغا بزرك الطهراني على التبيان . ص

( د ) ( * ) .

ـ 56 ـ

ومما يذكر من نبوغه أنه حضر في مفتتح حياته الدراسية في بغداد عند ( الشيخ أبي ياسر ) بباب خراسان من مشايخ السنة فأفحم الشيخ في الدرس ، فأرجعه الشيخ أبوياسر إلى الشيخ الرماني وهو كان في يومه من كبار علماء السنة في بغداد ، وجلس التلميذ الصغير في زاوية من المجلس يستمع إلى درس الشيخ ، وحين ختم الشيخ الرماني درسه سأل رجل من البصرة عن حديثي الغدير ، والغار ، فقال الرماني له : حديث الغدير رواية ، وحديث الغار دراية ، ولا تقدم الرواية على الدراية . . فسكت السائل ولم يحر جوابا .

فتقدم التلميذ الناشئ وهو في آخر المجلس إلى الشيخ واخترق اليه الصفوف وقال له :

ماذا تقول في الذي يخرج على إمام زمانه ؟

فقال له الشيخ : كافر ، ثم استدرك فقال : فاسق .

فقال المفيد : فماذا تقول في إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ؟

قال له الشيخ : لا شك في إمامته .

فقال : فماذا تقول في خروج طلحة والزبير عليه ؟

فقال له الرماني - وهو مأخوذ بنباهة هذا الطالب الناشئ الذي  لم يلتق به من قبل في مجلس الدرس - : أنهما تابا بعد ذلك .

فقال المفيد - وقد تمكن من أستاذه - : إن توبتهما رواية ، وحربهما للامام دراية ، ولا ترفع اليد بالرواية عن الدراية .

فتضايق الشيخ الرماني أمام تلاميذه وأفحم ، ولم يحر جوابا امام التلميذ الناشئ ، فاستبقاه في المجلس وسأله عن شيوخه ودرسه ، وكتب رقعة إلى استاذه أبى ياسر يعرفه بقيمة تلميذه الناشئ ولقبه ب ( المفيد )

ـ 57 ـ

وعرف من ذلك الوقت بالمفيد ( 1 ) .

ومهما يكن من أمر ، فقد ظهر ( الشيخ المفيد ) في مدة قليلة على أقرانه ، وحفه شيوخه وأساتذته - كالشيخ الصدوق وغيره - بعنايتهم لما لمسوا فيه من مؤهلات وقابليات تندر وجودها في غيره .

واستقل ( الشيخ المفيد ) بالتدريس في بغداد وهو بعد لم يتجاوز سني الشباب ، وتفرغ للفقه والكلام ، وكان يحضر مجلس درسه آلاف الطلاب : من الشيعة والسنة ، وبرز من تلاميذه رجال كبار : أمثال ( السيد المرتضى ، والشيخ الطوسي ) تابعوا أستاذهم المفيد في توسعة المدرسة وتطويرها ، وإدخال تغييرات جديدة عليها .

وقد قدر ( للشيخ المفيد ) أن يكون رائدا فكريا لهذا العصر من عصور الفقه الاسلامي ، وأن يدخل تغييرات وتحسينات كثيرة على ( الفقه ) ويطور من مناهجه وقواعده .

ومن بعده كان تلاميذه وتلاميذ تلاميذه يعترفون له بهذا الحق يقول ( العلامة الحلي ) في شأنه : من أجل مشائخ الشيعة ورئيسهم وأستاذهم ، وكل من تأخر عنه استفاد منه ، وفضله أشهر من أن يوصف في الفقه والكلام والرواية ( 2 ) .

وقد أحصى له السيد الامين قريبا من مائتي كتاب ورسالة في الفقه والكلام والحديث .

ومن استعراض ( حياة المفيد ) يستظهر الباحث أن الشيخ المفيد استطاع أن يغير الجو الفكري في بغداد ( حاضرة العالم الاسلامي ) يومذاك

* ( هامش ) * ( 1 ) راجع مجالس المؤمنين ج 1 . ص 464 .

( 2 ) أعيان الشيعة ج 6 : ص 20 ( * ) .

ـ 58 ـ

وأن يكهرب ندوات الفقه والكلام ، ويجذب إلى نفسه طلاب العلم حتى كاد أن يغطي المدارس الفقهية والكلامية الاخرى ، والفقهاء والمتكلمين من أتباع سائر المذاهب .

وقد كان الفقهاء والمتكلمون يقصدونه من أقطار بعيدة ، وكان بيته ندوة عامرة بحديث الفقه والكلام ، والنقاش والاخذ والرد .

ويبدو أن ذلك كله جعل ظله ثقيلا على المذاهب الكلامية والفقهية الاخرى ، وعلى جهاز الحكم الذي كان يدعو إلى مقاطعة ( مدرسة أهل البيت ) بصورة خاصة .

ويلمح الباحث هذا الشعور من عبارة الخطيب الجافية في تعريف الشيخ .

قال الخطيب في تاريخ بغداد : محمد بن محمد بن النعمان أبوعبدالله المعروف بابن المعلم شيخ الرافضة والتعلم على مذاهبهم ، صنف كتبا كثيرة في إضلالهم ، والذب عن اعتقاداتهم ومقالاتهم ، والطعن على السلف الماضين من الصحابة والتابعين ، وعامة الفقهاء والمجتهدين ، وكان أحد أئمة الضلال هلك به خلق من الناس إلى أن أراح الله المسلمين منه ( 1 ) .

وقال عنه اليافعي في مرآة الجنان : عالم الشيعة وإمام الرافضة صاحب التصانيف الكثيرة ، المعروف بالمفيد وبابن المعلم أيضا ، البارع في الكلام والجدل والفقه ، وكان ينازع كل عقيدة بالجلالة والعظمة ومقدما في ( الدولة البويهية ) .

وكان كثير الصدقات ، عظيم الخشوع ، كثير الصلاة والصوم حسن اللباس .

وكان ( عضد الدولة ) ربما زار ( الشيخ المفيد ) ، وكان شيخا ربعة

* ( هامش ) * ( 1 ) تاريخ بغداد ج 3 . ص 231 ( * ) .

ـ 59 ـ

نحيفا أسمر ، عاش ستا وسبعين سنة ، وله أكثر من مائتي مصنف ، كان يوم وفاته يوما مشهورا ، وشيعه ثمانون الفا من الرافضة والشيعة ، وأراح الله منه ) اهل السنة والجماعة ( 1 ) .

ومهما كانت عبارات الاطراء والجرح ، فقد أتيح ( للشيخ المفيد ) أن يكون مجددا في الفقه والكلام في هذه الدورة ، وأن يصبغ مدرسة ( أهل البيت ) في الفقه بطابع الجلالة والاحترام ، وأن يفرض وجودها على ( أجواء بغداد ) الفكرية ، وهي يومذاك من أهم مراكز الحركة العقلية في العالم الاسلامي وأن يكون رائدا للمدرسة ، ومربيا لاساتذتها وعلمائها .

2 - ( المرتضى ) : تلمذ ( المرتضى علم الهدى وأخوه الرضي ) على ( الشيخ المفيد ) وعنى بهما الشيخ عناية فائقة ، وتفرغ المرتضى في الفقه بجانب تخصصه في الادب ، حتى كان ( عز الدين أحمد بن مقبل ) يقول : لو حلف إنسان أن ( السيد المرتضى ) كان أعلم بالعربية من العرب لم يكن عندي آثما (2) .

وإلى جانب مؤهلات ( المرتضى ) الفكرية ، وجهده الكبير في طلب العلم وعناية ( الشيخ المفيد ) أستاذه به ، ومكانة اسرته الاجتماعية تفرض شخصيته في الآداب الاجتماعية ، والثقافية ببغداد .

ولم يتوقف أستاذه الاكبر ( المفيد ) حتى خلفه ، وتولى بنفسه مهمة التدريس ، وزعامة الطائفة ، واحتشد حوله الطلاب .

وكان يجري عليهم حقوقا تختلف حسب مكانة الطالب منه ومؤهلاته .

* ( هامش ) * ( 1 ) مجالس المؤمنين ج 1 . ص 466 ( 2 ) أعيان الشيعة ج 41 . ص 190 ( * ) .

ـ 60 ـ

وحاول ( السيد المرتضى ) أن يتابع خطوات أستاذه المفيد في ( تطوير مناهج الفقه ) ودراسة الاصول ، فأوتي حظا وافرا في هذا المجال ، وتابع خطوات المفيد ، وطور كثيرا من مناهج الفقه ، وكتب الاصول ودرسها .

وربما يصح اعتباره من أسبق من ارتاد هذا الحقل : من حقول الفكر الاسلامي : وفتح كثيرا من مسائل الاصول ، وبنى الفروع على الاصول .

وكتابه ( الذريعة ) خبر شاهد على ما نقول ، فمن يقرأ الذريعة يجد فيه الملامح الاولية لنشوء الاصول .

وقد عد له ( السيد الامين ) قدس سره في الاعيان ما يقرب من تسعين مجلدا ممن مؤلفاته مما عثر على اسمه .

ومما يدل على جلالة مكانة السيد العلمية ما حكاه القاضي التنوخي صاحب السيد ، فقال : إن مولد السيد سنة 355 ، وخلف بعد وفاته ثمانين ألف مجلد من مقروآته ، ومصنفاته ، ومخطوطاته ( 1 ) .

3 - ( الشيخ الطوسي ) :

ولد ( شيخ الطائفة ) في ( طوس ) في شهر رمضان سنة 385 بعد أربع سنين من وفاة ( الشيخ الصدوق ) ، وهاجر إلى العراق فهبط بغداد سنة 408 وهو ابن ثلاث وعشرين سنة ، وكانت زعامة ( المذهب الجعفري ) يومذاك لشيخ الامة وعلم الشيعة ( محمد بن محمد بن النعمان ) الشهير بالشيخ المفيد فلازمه ملازمة الظل ، وعكف على الاستفادة منه ، وأدرك

* ( هامش ) * ( 1 ) المؤرخ الجليل الشيخ آغا بزرك الطهراني في مقدمته على التبيان

ص 1 ( ج - د ) ( * ) .

ـ 61 ـ

شيخه ( الحسين بن عبيد الله ابن الغضائري ) المتوفى سنة 411 ، وشارك

............................................................................

- م. الروضةالبهيةشرح اللمعة من ص 61 سطر 1 الى ص 70 سطر 24

شيخه ( الحسين بن عبيد الله ابن الغضائري ) المتوفى سنة 411 ، وشارك النجاشي في جملة من مشائخه .

وبقي على اتصاله بشيخه حتى اختار الله لاستاذه دار بقائه في سنة 413 فانتقلت زعامة الدين ، ورئاسة المذهب إلى علامة تلاميذه علم الهدى ( السيد المرتضى ) فانحاز ( شيخ الطائفة ) اليه ، ولازم الحضور تحت منبره ، وعنى به المرتضى ، وبالغ في توجيهه وتلقينه ، واهتم له أكثر من سائر تلاميذه ، وعين له كل شهر اثني عشر دينارا ، وبقي ملازما له طيلة ثلاث وعشرين سنة حتى توفي السيد المعظم سنة 436 ، فاستقل ( شيخ الطائفة ) بالامامة ، وظهر على منصة الزعامة ، وأصبح علما للشيعة وناشرا للشريعة ، وكانت داره في الكرخ مأوى الامة ، ومقصد الوفاد يأتونها لحل المشاكل ، وإيضاح المسائل ، وقد تقاطر عليه العلماء والفضلاء للتلمذة عليه ، والحضور تحت منبره ، وقصدوه من كل بلد ومكان وبلغت عدة تلاميذه ثلاثمائة من مجتهدي الشيعة ، ومن العامة مالا يحصى كثرة ( 1 ) .

وقد نشأ ( الشيخ الطوسي ) على يد علماء كبار ، وشيوخ أجلاء في الفقه ، فحضر درس ( ابن الغضائري ) ، ولازم ( الشيخ المفيد ) خمس سنوات ، ولازم ( المرتضى ) ثلاث وعشرين سنة .

وكان ( للمفيد والمرتضى ) أثر كبير في تكوين ذهنية ( الشيخ الطوسي ) وثقافته .

وكان في هذه الفترة يعيش تجربة تطوير البحث الفقهي والاصولي في ظل أستاذيه الكبيرين ، وكانت فترة مخاض تمخضت عنها المدرسة

* ( هامش ) * ( 1 ) المؤرخ الجليل الشيخ آغا بزرك الطهراني مقدمته على التبيان

ص 1 ( ج - د ) ( * ) .

ـ 62 ـ

الفقهية الجديدة .

وفترة المخاض عادة تقترن دائما بكثير من الاضطراب والقلق الفكري وعدم الاستقرار .

عاش ( الشيخ ) مخاض هذه المدرسة في حياة استاذيه الكبيرين وعانى ما تتطلب هذه الفترة من جهد وتعب .

واستمر بعد استاذيه في تطوير المدرسة بعد أن بلغت في حياة ( المرتضى ) دور المراهقة ، وتسلم الشيخ المدرسة عن أستاذه المرتضى في هذا الدور ، ولا يختلف هذا الدور فيما يصيب القائمين بها : من تعب وجهد ، واضطراب فكري ، دائم ، وعدم استقرار عن دور المخاض .

وكذلك كانت حياة ( الشيخ الطوسي ) في مرحلتي التلمذة والتدريس سلسلة طويلة من المحاولات التجديدية ، لتطوير الفقه وصياغته من جديد وتجديد أصول الصناعة والصياغة والاستدلال فيه .

ولاقى ( الشيخ الطوسي ) في سبيل ذلك كثيرا من التعب والجهد وأعانه على ذلك صبره على العمل ، ومواصلته للتأليف والتدريس والتفكير ومؤهلاته الفكرية الخاصة ، ونبوغه الذهني ، وعناية استاذيه به ، وتوفر الكتب لديه .

وقد أنعم الله على ( شيخنا الطوسي ) بهذه النعم كلها ، فقد كانت في متناول الشيخ مكتبتان كبيرتان يستعين بهما في التأليف ، والمطالعة والالمام بأمهات الكتب الفقهية :

( احداهما مكتبة الشيعة ) التي انشأها أبونصر ( سابور بن اردشير ) وزير ( بهاء الدولة البويهي ) جمع فيها ما تفرق من كتب فارس والهند واستكتب تآليف أهل الهند والصين والروم ، وأهدى اليها العلماء كتبهم فكانت من أغنى مكاتب بغداد ، وقد أمر باحراقها ( طغرل بيك )

ـ 63 ـ

فيما احرق من ( مؤسسات الشيعة ) وبيوتهم ، ومدارسهم في الكرخ .

( ثانيتهما مكتبة أستاذه السيد المرتضى ) التي كانت تحتوي على ثمانين الف كتاب ، والتي لازمها ثماني وعشرين سنة كل هذه العوامل ، وعوامل أخرى أدت إلى نشوء ( الشيخ الطوسي ) وتكوين ذهنيته ، وثقافته الواسعة ) .

وقد انتقل ( الشيخ الطوسي ) إلى ( النجف الاشرف ) سنة 448 حينما كبس على داره وأخذ ما وجد من دفاتره وكرسي كان يجلس عليه للكلام كما يقول ابن الجوزي .

وظل بالنجف يمارس مهمته في ( زعامة الشيعة ) والتدريس والتأليف وتطوير مناهج الدراسة الفقهية اثني عشر سنة حتى أن آثره الله لدار لقائه في محرم سنة 460 عن خمس وسبعين سنة .

ومهما كان من أمر فقد اتيح ( للشيخ الطوسي ) أن يبلغ بالمدرسة التي فتح أبوابها أستاذه ( المفيد والمرتضى ) إلى القمة ، ويفرض وجودها على الاجواء الثقافية في بغداد وفي العراق عامة .

حتى أن الخليفة القائم بأمر الله بن القادر بالله جعل له كرسي الافادة والبحث ، ونصبه لهذا المكان الرفيع ، وكان لكرسي الافادة والكلام مقام كبير يومذاك ب ( بغداد ) .

وهذا يعني أن ( الشيخ ) فرض وجود المدرسة رغم ميول الجهاز المعادية ، ورغم معارضات المذاهب الكلامية والفقهية الاخرى على أجواء العراق الثقافية .

وقدر له لاول مرة أن يفتح باب الاجتهاد المطلق ، والنظر والرأي على مصراعيه واسعا ، وأن ينظم مناهج الاستنباط والاجتهاد ، ويأصل الاصول ، ويضع مناهج البحث للاصول ، ويفرع المسائل ، ويضع

ـ 64 ـ

أصول الدراسة والخلافية في الفقه ، وعشرات من أمثالها مما أسدى ( الشيخ الطوسي ) إلى المدرسة الفقهية من الخدمات .

وقد ذكر العلامة الجليل الشيخ آغا بزرك اسم ( سبع وأربعين مؤلفا ) للشيخ مما وصل اليه من أسماء مصنفاته .

ملامح المدرسة :

ومما تقدم تبين للباحث أن ( مدرسة بغداد ) كانت فتحا جديدا في عالم البحث الفقهي بصورة عامة ، فقد كان البحث الفقهي - كما استعر ضنا ملامحه باجمال - في مدارس ( المدينة والكوفة وقم ) لا يخرج عن حدود استعراض السنة ، ونقل الحديث ، ولم يبلغ رغم تطور المدرسة في عهودها الثلاثة مرحلة الرأي والاجتهاد .

ولم نلمس في هذه العهود الثلاثة ملامح عن الصياغة الفقهية والصناعة فيما بين أيدينا من آثار عصور الفقه الثلاثة الاولى بشكل ملموس واضح الملامح .

ولاول مرة يلمس الباحث آثار الصناعة والصياغة الفنية ، والاجتهاد والرأي والتفريغ في كتابات هذا العصر ، ولا سيما كتب ( المرتضى ) الاصولية وكتب ( الشيخ ) الفقهية والاصولية .

ولو حاول الباحث أن يدمج العصور الاولى بعضها في بعض ، ويعتبر هذه الفترة فاتحة عصر ثان ، ومدرسة جديدة في الفقه لم يبتعد كثيرا عن الصواب .

ومهما يكن من أمر فلنحاول أن ندرس ملامح هذه المدرسة مرة أخرى ، ليتاح لنا أن نقيس بدقة أبعاد هذه المدرسة ، ونضع لها حدودا

ـ 65 ـ

تفضلها عن المدارس السابقة عليها ، واللاحقة لها :

1 - وأولى هذه الملامح : أن ( الفقه ) خرج في هذا الدور عن الاقتصار على استعراض نصوص الكتاب ، وما صح من السنة إلى معالجة النصوص ، واستخدام الاصول والقواعد ، فقد كانت مهمة البحث الفقهي في الادوار السابقة عرض النصوص ، وفهمها وتذوقها .

ولامر ما يطلق على هذا العلم اسم ( الفقه ) ، فالفقه هو الفهم ومهمة الفقيه قبل هذه المرحلة ما كانت تتجاوز في الاعم الاغلب فهم  النصوص الصحيحة وتذوقها .

وفي هذه المرحلة انقلبت عملية ( الاستنباط ) إلى صناعة عملية لها اصولها وقواعدها ، وانفصل البحث ( الاصولي ) عن البحث الفقهي وأفرد بدراسات ومطالعات خاصة ، وقام البحث الفقهي على نتائج هذه الدراسات والمطالعات ، ولاول مرة في ( تاريخ الفقه الجعفري ) يلمح الباحث ملامح الصناعة في كتابات ( الشيخ الطوسي ) الفقهية ، وطبيعي أن الصناعة الفقهية في هذه الفترة كانت تطوي مراحلها البدائية ، ولكنه مع ذلك كانت بداية لعهد جديد ، وخاتمة لعهد مضى .

تصحيح كننده امين الله موحدى ولاول مرة في هذا الدور قام ( السيد المرتضى ) بمحاولة دراسة المسائل الاصولية مفصولة عن الفقه بصورة موضوعية ، وتنقيح المسائل الاصولية في كتب ودراسات مستقلة ، إلا أنها كانت مع ذلك بدائية ولم تتجاوز في غالب الاحوال مباحث الالفاظ : من الاوامر والنواهي ودلالات هيئات الالفاظ وموادها .

2 - وظاهرة أخرى من ملامح هذا العصر هو تفريع المسائل الفقهية واستحداث فروع جديدة لم تتعرض لها نصوص الروايات ، وكان البحث

ـ 66 ـ

الفقهي فيما سبق هذا الدور - لا يتجاوز حدود بيان الحكم الشرعي باستعراض الروايات الواردة في الباب .

ولم نعهد من أحد من الفقهاء المتقدمين على هذا العصر محاولة معالجة فروع جديدة لم تتعرض لها الروايات .

والسر واضح ، فلم يقدر للفقه الجعفري أن يدخل قبل هذا العصر دور المعالجة والصناعة ، وتفريع فرع على فرع آخر ، أو حكم شرعي أو قاعدة شرعية تحتاج إلى شئ أكثر من استعراض خصوص الاحكام والقواعد ، فلا يتم ذلك عادة من غير المعالجة والصناعة .

وهذا لم يتوفر للبحث الفقهي قبل هذا العهد :

وربما يصح أن نقول : إن ( الشيخ الطوسي ) كان أول من قام بهذه التجربة في كتابه المبسوط ، فقد ذكر في أول الكتاب أن الذي دعاه إلى تصنيفه أن ( الامامية ) لم يكونوا يفرعون الفروع إلى زمانه ، وكانوا يقفون عند النصوص التي وصلت إليهم عن المتقدمين من المحدثين ، وكان ذلك من دوافع الطعن على ( الفقه الجعفري ) ، فقام بهذه المحاولة لسد هذا الفراغ في البحث الفقهي .

3 - والظاهرة الثالثة من ملامح هذا العصر : هو ظهور ( الفقه المقارن ) .

أو ( الخلافي ) . فحينما تمركزت ( المدرسة الشيعية ) في الفقه في ( بغداد وفرضت وجودها على الاجواء العلمية في حاضرة العالم الاسلامي أثار ذلك أصحاب المذاهب الفقهية الاخرى ، وأعلنوا المعارضة بوجه المدرسة بصورة صريحة ، وأثاروا المسائل الخلافية بصورة حادة ، وأدى ذلك إلى اصطدام فقهاء الشيعة بفقهاء المذاهب الاخرى في الندوات والمجالس العامة في المسائل الفقهية الخلافية ، ومهما يكن من أمر ، ومهما كانت الدوافع السياسية التي كانت تثير

ـ 67 ـ

هذه المسائل ، فقد أدى ذلك إلى خصوبة البحث الفقهي ، فالخلاف والانشقاق دائما يؤدي إلى الخصوبة ، لا العقم ، ويدل على خصوبة الذهنية لا عمقها .

وكان من آثار ظهور الخلاف بين ( الفقه الامامي ) والمذاهب الفقهية الاخرى ، واتساع رقعة الخلاف بينها : أن تفرغ ( فقهاء الشيعة ) لبحث المسائل الخلافية بصورة موضوعية ، وبشكل مسهب .

وظهر هذا النوع من البحث الفقهي لاول مرة في هذا العصر على يد ( المفيد والمرتضى والطوسى ) .

وتوسع ( الشيخ الطوسى ) بشكل خاص لدراسة هذا الجانب من البحث الفقهي في كتابه الكبير ( الخلاف ) بشكل موسع تناول فيه المسائل الفقهية ( الشيعة والسنة ) في مختلف أبواب الفقه ، وتعرض في كل مسألة لما يسند الجانبين من الادلة ، وناقش آراء المذاهب الاخرى في كثير من المسائل . والكتاب - رغم قدمه - قيم لا يستغني عنه باحث فقيه .

وكان من هذا القبيل استعراض المسائل التي تنفرد فيها الشيعة برأي والاستدلال له وانتصاره .

وفي هذا الفن من فنون الفقه كتب ( السيد المرتضى ) كتاب ( الانتصار ) ويقال له ( متفردات الامامية ) صنفه للوزير ( عميد الدين ) في بيان الفروع التي شنع على الشيعة بأنهم خالفوا فيها الاجماع .

ومن هذا القبيل أيضا كتاب ( الاعلام فيها اتفقت الامامية عليه من الاحكام مما اتفقت العامة على خلافهم فيه ) للمفيد ، ألفه بطلب تلميذه المرتضى .

4 - وظاهرة أخرى من ملامح هذا العصر ظهور ( الاجماعات ) والاستدلال بها ، ولايعنينا هنا أن نتحدث عن ( حجية الاجماع )

ـ 68 ـ

وما قيل ، أو يقال فيه ، فذلك كله خارج عن مهمتنا في هذا البحث .

وما يهمنا أن نشير اليه : أن توسع البحث الفقهي وتكامله دفع الفقهاء إلى استكشاف أدلة جديدة للاستنباط ، فيما اذا لم يجدوا في المورد نصا أو لم يقتنعوا بسلامة النص من حيث السند ، أو الدلالة .

فوجدوا في اجماع فقهاء المذاهب عامة ، أو فقهاء الطائفة في عصر واحد دليلا على وجود نص شرعي يجوز الاعتماد عليه ، إذ لا يمكن أن يجمع فقهاء المذاهب على حكم من دون وجود نص على ذلك أو دليل على سلامة الحكم ، إذ لا يمكن أن يخطأ فقهاء الامة جميعا دون أن يحصل منهم من ينشق عليهم ، ويصيب الواقع .

وظهر الاحتجاج بالاجماع بصورة واضحة في هذا العصر وعند ( الشيخ الطوسي ) بصورة خاصة .

ومؤلفات الفقهاء المتقدمين على هذا العصر - وإن كانت لا تخلو عن التمسك بالاجماع - إلا أن هذه الظاهرة تبدو في كتب الشيخ بصورة خاصة ، وفي آثار هذه المدرسة بصورة عامة أكثر من أي وقت سابق .

ولا يخلو هذه الظاهرة على أي حال من دلالة على توسع البحث الفقهي وتكامله ، والحاجة إلى أدلة جديدة يسندها الكتاب والسنة والعقل .

ويتضح مما تقدم أن البحث الفقهي خطا خطوة كبيرة في هذه المرحلة من حياته ، وأشرف على أعتاب مرحلة جديدة بعد أن خلف وراءه مرحلة طويلة ، ودخل دور المراهقة حاملا تجارب ثلاثة قرون حافلة بالجهود المثمرة ، والتجارب الخصبة .

وبلغت التجربة الجديدة قمتها في حياة ( الشيخ الطوسي ) حيث قام بمحاولات تجديدية جريئة في تطوير عملية الاستنباط على الصعيد الفقهي والاصولي .

ـ 69 ـ

ولكي يلمس القارئ التراث الضخم الذي خلفة ( الشيخ ) والتجربة الجريئة التي خاضها في تطوير منهج البحث الفقهي ننقل إلى القارئ النص التالي من مقدمة كتابه ( المبسوط ) :

قال في مقدمة الكتاب :

إني لا أزال أسمع معاشر مخالفينا من المتفقهة ، والمنتسبين إلى علم الفروع يستخفون بفقه أصحابنا ( الامامية ) ، وينسبونهم إلى قلة الفروع وقلة المسائل ، ويقولون : إنهم أهل حشو ومناقضة ، وإن من ينفي القياس والاجتهاد لا طريق له إلى كثرة المسائل ، ولا التفريع ، ولا الاصول لان جل ذلك وجمهوره مأخوذ من هذين الطريقين .

وهذا جهل منهم بمذاهبنا ، وقلة تأمل لاصولنا ، ولو نظروا في أخبارنا وفقهنا لعلموا أن جل ما ذكروه من المسائل موجود في أخبارنا ومنصوص عليه عن أئمتنا الذين قولهم في الحجة يجري مجرى قول النبي صلى الله عليه وآله إما خصوصا ، أو عموما ، أو تصريحا ، أو تلويحا .

وأما ما كثروا به كتبهم من مسائل الفروع فلا فرع من ذلك إلا وله مدخل في أصولنا ، ومخرج على مذاهبنا ، لا على وجه ( القياس ) بل على طريقة توجب علما يجب العمل عليها ، ويسوغ المسير اليها : من البناء على الاصل ، وبراءة الذمة ، وغير ذلك .

مع أن اكثر الفروع لها مدخل فيما نص عليه أصحابنا ، وانما كثر عددها عند الفقهاء بتركيبهم المسائل بعضها على بعض ، وتعليقها ، والتدقيق فيها ، حتى أن كثيرا من المسائل الواضحة دق لضرب من الصناعة

وإن كانت المسألة معلومة واضحة .

وكنت على قديم الوقت وحديثه متشوق النفس إلى عمل كتاب يشتمل على ذلك تتوق نفسي إليه ، فيقطعني عن ذلك القواطع ، وتشغلني الشواغل

ـ 70 ـ

وتضعف نيتي أيضا فيه قلة رغبة هذه الطائفة فيه ، وترك عنايتهم به لانهم ألفوا الاخبار ، وما رووه من صريح الالفاظ ، حتى أن مسألة لو غير لفظها وعبر عن معناها بغير اللفظ المعتاد لهم لعجبوا منه ، وقصر فهمهم عنها .

وكنت عملت على قديم الوقت كتاب ( النهاية ) ، وذكرت جميع ما رواها أصحابنا في مصنفاتهم ، وأصلوها من المسائل ، وفرقوه في كتبهم ورتبته ترتيب الفقه ، وجمعت بين النظائر ، ورتبت فيه الكتب على مارتبت للعلة التي بينتها هناك ، ولم أتعرض للتفريع على المسائل ، ولا لتعقيد الابواب وترتيب المسائل ، وتعليقها ، والجمع بين نظائرها ، بل أو ردت جميع ذلك ، أو اكثره بالالفاظ المنقولة حتى لا يستوحشوا من ذلك ، وعملت يآخره مختصرا جمل العقود في العبادات سلكت فيه طريق الايجاز والاختصار وعقود الابواب فيما يتعلق بالعبادات ، ووعدت فيه أن اعمل كتابا في الفروع خاصة يضاف إلى كتاب ( النهاية ) ويجتمع معه ، فيكون كاملا كافيا في جميع ما يحتاج اليه .

ثم رأيت أن ذلك يكون مبتورا يصعب فهمه على الناظر فيه ، لان الفرع إنما يفهمه إذا ضبط الاصل معه فعدلت إلى عمل كتاب يشتمل على عدد يجمع كتب الفقه التي فصلها الفقهاء : وهي نحو من ثلاثين كتابا أذكر كل كتاب منه على غاية ما يمكن تلخيصه من الالفاظ ، واقتصرت على مجرد الفقه ، دون الادعية والآداب ، واعقد فيه الابواب ، واقسم فيه المسائل ، وأجمع بين النظائر ، وأستوفيه غاية الاستيفاء ، وأذكر اكثر الفروع التي ذكرها المخالفون ، وأقول ما عندي على ما تقتضيه مذاهبنا وتوجيه اصولنا ، بعد أن اذكر اصول جميع المسائل ( 1 ) .

* ( هامش ) * ( 1 ) كتاب المبسوط للشيخ الطوسي الطبعة الحروفية الثانية . الجزء 1

ص 2 - 3 ( * ) .

ـ 71 ـ

وهذا الحديث يشعرنا بضخامة العمل الذي قام به الشيخ في مجال

 

- م. الروضةالبهيةشرح اللمعة من ص 71 سطر 1 الى ص 80 سطر 14

وهذا الحديث يشعرنا بضخامة العمل الذي قام به الشيخ في مجال البحث الفقهي والاصولي ، فقد كان المتقدمون من الفقهاء يقتصرون على الفروع المذكورة في نصوص الاحاديث ، ويعرضون عن تفريع فروع جديدة على هذه الفروع ، واستنتاج أحكام جديدة لم يتعرض لها النص بدلالة المطابقة .

وكان فقهاء المذاهب الاخرى يجدون في هذا الاعراض والاقتصار مجالا للمؤاخذة والتنقيص ، ويعتبرون ذلك من آثار الاعراض عن الاخذ بالقياس والرأي ، فحاول الشيخ أن يثبت تفاهة هذا الرأي ، ويعلن خصوبة البحث الفقهي عند ( الشيعة ) ، وعدم عجزه عن تناول فروع ، ومسائل جديده مستحدثة ، وأن مدارك ( الفقه الامامي ) لا تقصر عن استيعاب فرع من الفروع مهما كان.

ولا يجد الباحث الفقيه فرعا لا يجد له في ( أصول الفقه الامامي وأحكامه ) علاجا .

ووجد ثانيا جمود الفقهاء المتقدمين على ألفاظ ومباني واصول خاصة حتى أن أحدهم يستوحش لو بدل لفظ مكان لفظ آخر ، فحاول أن يقضي على هذا الجمود ، ويعيد صياغة الفقه والاستنباط من جديد بما يراه من موازين ، واصول وقواعد تلائم مصادر التشريع .

ووجد ثالثا أن الفروع الفقهية مبعثرة خلال الكتب الفقهية بصورة مشوشة لايجمعها جامع ، ولا يضم بعضها إلى بعض بتبويب خاص فحاول أن يجمع بين النظائر ، وينظمها في أبواب خاصة ، ويضم المسائل بعضها إلى بعض وينسقها .

ووجد رابعا أن نصوص الحديث تعرض للاحتجاج بها على الحكم عرضا من غير أن يعالج ، والحكم الشرعي يؤخذ من مدلول النص أخذا مباشرا من دون أن يتوسط بين العرض والعطاء صناعة ومعالجة ، وكان

ـ 72 ـ

من أثر ذلك أن الفقه ظل مقتصرا على استعراض فروع فقهية محدودة تحددها مداليل النصوص المطابقية .

وحاول الشيخ لتلافي هذا النقص أن يبني الفروع على الاصول ، وأن يصيغ عملية الاستنباط في قالب الصناعة والفن ، وأن يؤسس الاصول ويستخرج القواعد التي يبني عليها الفقيه في الاستنباط ، حتى يوسع من أبعاد البحث الفقهي ، ويمسح عنها سمات العجز والقصر عن تناول المسائل الجديدة والفروع المستحدثة .

ويظهر للباحثين أن هذا العجز لم يكن لقصور في أداة الاستنباط عند ( الشيعة ) وإنما كان لبساطة المحاولات والتجارب التي قام بها السلف في الاستنباط ، وبداية شكل عملية الاجتهاد لديهم لطبيعة المرحلة التي كان يمر بها الفقه في تلك العصور .

العصر الخامس :

مدرسة الحلة :

برزت ( مدرسة الحلة الفقهية ) بعد احتلال ( بغداد ) على يد هولاكو التتار ، فقد كانت ( مدرسة بغداد ) قبل الاحتلال حافلة بالفقهاء والباحثين وحلقات الدراسة الواسعة ، وكان النشاط الفكري فيما قبل الاحتلال على قدم وساق .

وحينما أحتلت بغداد من قبل المغول أو فد أهل الحلة وفدا إلى قيادة الجيش المغولي يلتمسون الامان لبلدهم ، فاستجاب لهم ( هولاكو ) وآمنهم على بلدهم بعد ان اختبر صدقهم .

ـ 73 ـ

وبذلك ظلت ( الحلة ) مأمونة من النكبة التي حلت بسائر البلاد في محنة الاحتلال المغولي ، وأخذت تستقطب الشاردين من ( بغداد ) من الطلاب والاساتذة والفقهاء .

واجتمع في الحلة عدد كبير من الطلاب والعلماء ، وانتقل معهم النشاط العلمي من ( بغداد ) إلى ( الحلة ) ، واحتفلت هذه البلدة وهي يومئذ من الحواضر الاسلامية الكبرى بما كانت تحتفل به ( بغداد ) من وجوه النشاط الفكري : ندوات البحث والجدل ، وحلقات الدراسة والمكاتب والمدارس ، وغيرها .

واستقرت المدرسة في الحلة . وظهر في هذا الدور في الحلة فقهاء كبار كان لهم الاثر الكبير في تطوير مناهج الفقه والاصول الامامي ، وتجديد صياغة عملية الاجتهاد ، وتنظيم أبواب الفقه ك ( المحقق الحلي والعلامة الحلي وولده فخر المحققين وابن أبي الفوارس والشهيد الاول وابن طاوس وابن ورام ) ، وغيرهم من فطاحل الاعلام ورجال الفكر .

ولكي نلمس أثر هذا العصر وفقهائه في تطوير مناهج البحث الفقهي نستعرض بايجاز تراجم بعض رجال هذه المدرسة :

1 - ( المحقق الحلي ) :

نجم الدين أبوالقاسم جعفر بن سعيد الحلي رائد ( مدرسة الحلة الفقهية) ومن كبار فقهاء الشيعة .

قال عنه تلميذه ابن داود : الامام العلامة واحد عصره .

كان ألسن اهل زمانه ، وأقومهم بالحجة وأسرعهم استحضارا ( 1 ) " كان مجلسه يزدحم " بالعلماء والفضلاء ممن كانوا يقصدونه للاستفادة

* ( هامش ) * ( 1 ) الكنى والالقاب الجزء 3 . ص 134 ( * ) .

ـ 74 ـ

من حديثه ، والاستزادة من علمه " ( 1 ) .

وحضر ( المحقق الطوسي ) يوما مجلس درسه من ( بغداد ) ، فأراد المحقق الحلي أن يقف عن التدريس ، احتراما لورود ( المحقق الطوسي ) فالتمس منه الطوسي أن يستمر في درسه .

وكان بحث ( المحقق ) في القبلة ، فجرى الحديث عن مسألة استحباب التياسر في قبلة أهل ( العراق ) ، فاعترض ( الطوسي ) على ( المحقق ) بأن الاستحباب لا معنى له ، إذ التياسر إن كان من القبلة فحرام ، وإن كان إلى القبلة فواجب .

فأجاب ( المحقق ) : من القبلة إلى القبلة . فسكت ( المحقق الطوسي ) .

فلما رجع إلى ( بغداد ) كتب له ( المحقق الحلي ) رسالة لطيفة في تحقيق المسألة استحسنها ( المحقق الطوسى ) .

وقد أورد الرسالة الشيخ ( احمد بن فهد ) في ( المهذب ) بتمامها .

وقد قدر ( للمحقق الحلي ) أن يجدد كثيرا في مناهج البحث الفقهي والاصولي ، وأن يكون رائد هذه المدرسة ، ويكفي في فضله على المدرسة الفقهية أنه ربي تلميذا بمستوى ( العلامة الحلي ) ، وأنه خلف كتبا قيمة في الفقه لا يزال الفقهاء يتناولونها ، ويتعاطونها باعتزاز ك ( شرايع الاسلام ) في مجلدين ، وكتاب ( النافع ) ، وكتاب ( المعتبر ) في شرح المختصر ، وكتاب ( نكت النهاية ) ، وكتاب ( المعارج ) في أصول الفقه وغيرها .

توفى سنة 676 هجرية ، وكان سبب وفاته أنه سقط من أعلى درج في داره فخر ميتا لوقته ، فتفجع الناس لموته ، واجتمع لتشييعه خلق كثير ، ودفن في الحلة ، وقبره هناك يزار ويتبرك به ، وأخيرا عمر وجدد بناؤه على يد اهل الخير من أهالي الحلة .

* ( هامش ) * ( 1 ) مجالس المؤمنين الجزء 1 . ص 57 مترجم عن الفارسية ( * ) .

ـ 75 ـ

2 - ( العلامة الحلي ) :

جمال الدين حسن بن يوسف بن علي بن المطهر ، ولد في الحلة سنة 648 ه ونشأ فيها ، وتوفي سنة 726 ه .

تتلمذ في الفقه على خاله ( المحقق الحلي ) وفي الفلسفة والرياضيات على ( المحقق الطوسي ) ، فنشأ كما أراد أستاذاه ، وظهر على أترابه وزملائه وعرف بالنبوغ وهو بعد لم يتجاوز سن المراهقة ، وانتقلت الزعامة في التدريس والفتيا اليه بعد وفاة أستاذه ( المحقق الحلي ) .

وقد قدر للعلامة الحلي بفضل ما أوتي من نبوغ ، وبفضل استاذه الكبير ( المحقق الحلي ) ، وجهوده الخاصة أن يساهم مساهمة فعالة في تطوير مناهج الفقه والاصول ، وان يوسع دراسة الفقه .

وتعتبر موسوعة ( العلامة الحلي ) الفقهية الجليلة ( التذكرة ) أول موسوعة فقهية من نوعها في تاريخ تطوير ( الفقه الشيعي ) من حيث السعة والمقارنة والشمول ، وتطور مناهج البحث ، وطبع أخيرا بأحسن اسلوب مع التصحيح والتعليق عليها .

وبلغت ( مدرسة الحلة ) في حياة العلامة بفضل جهوده القيمة كما قدر له لاول مرة أن يتفرغ لدراسة المسائل الخلافية بين ( فقهاء الشيعة ) بصورة مستقلة في كتابه الكبير ( المختلف ) .

3 - ( فخر المحققين ) :

أبوطالب محمد بن الحسن بن يوسف بن المطهر من وجوه الطائفة وأعيانها ، تلمذ على أبيه ( العلامة الحلي ) ، ونشأ برعايته وعنايته ، وقرأ عليه مختلف العلوم النقلية والعقلية ، وبرز في ذلك كله .

اكمل بعض تآليف والده العلامة ( كالالفين ) وغيره ، وشرح البعض الآخر ك ( القواعد ) .

ـ 76 ـ

قال فيه الشيخ الحر العاملي قدس سره :

كان فاضلا محققا فقيها ثقة جليلا .

قام بتربية تلامذة كبار في الفقه كان منهم الشهيد الاول رحمه الله .

4 - ( الشهيد الاول ) :

أبوعبدالله محمد بن الشيخ جمال الدين مكي بن شمس الدين  محمد الدمشقي الجزيني ، ولد سنة 734 ، واستشهد سنة 786 بدمشق .

ولد في جزين من بلدان جبل عامل ، وهاجر إلى الحلة لطلب العلم .

تتلمذ عل فخر المحققين بالحلة ولازمه ، وتتلمذ على آخرين من تلاميذ ( العلامة الحلي ) في الفقه والفلسفة .

زار كثيرا من حواضر العالم الاسلامي في وقته ، ك ( مكة المكرمة ) و ( المدينة المنورة ) و ( بغداد ) و ( مصر ) و ( دمشق ) و ( بيت المقدس )  و ( مقام الخليل ابراهيم ) ، واجتمع فيها بمشايخ العامة ، وتاحت له هذه الاسفار نوعا من التلاقح الفكري بين مناهج البحث الفقهي والاصولي عند ( الشيعة والسنة ) .

وقرأ كثيرا من كتب السنة في الفقه والحديث ، وروى عنهم حتى قال في إجازته لابن الخازن : إني أروي عن نحو أربعين شيخا من علمائهم بمكة والمدينة ودار السلام بغداد ومصر ودمشق وبيت المقدس ومقام الخليل ابراهيم .

وهذا النص يدل على أن الشهيد الاول جمع بين ثقافتي الشيعة والسنة في الفقه والحديث ، ولاقح بين المنهجين في حدود ما تمسح به طبيعة المنهجين .

خلف كتبا كثيرة تمتاز بروعة البيان ، ودقة الملاحظة ، وعمق الفكرة وسعة الافق : منها ( الذكرى ) و ( الدروس الشرعية في فقه الامامية )

ـ 77 ـ

و ( غاية المراد في شرح نكت الارشاد ) وكتاب ( البيان ) و ( الباقيات الصالحات ) و ( اللمعة الدمشقية ) و ( الالفية ) و ( النفلية ) و ( الاربعون حديثا ) وكتاب ( المزار ) و ( خلاصة الاعتبار في الفقه والاعتمار ) و ( والقواعد ) وغير ذلك .

كانت وفاته بدمشق . حيث قتل فيها بالسيف ، ثم صلب ، ثم رجم ثم أحرق بفتوى القاضي برهان الدين المالكي ، وعباد بن جماعة الشافعي بعد ما حبس سنة كاملة في قلعة الشام في محنة أليمة نعرض عنها هنا .

ملامح المدرسة :

ومما تقدم نستطيع أن نتبين الملامح الاولية للمدرسة ، فقد كانت ( مدرسة الحلة ) استمرارا لمدرسة بغداد ، ولم يقدر للمدرسة رغم ضخامة العمل الذي قامت بأعبائه في مجال تطوير مناهج الدراسة الفقهية ان تهز مرة اخرى مناهج الاستنباط كما فعل ( الشيخ الطوسي ) من قبل .

ومن ينظر في تراث هذا العصر الفقهي يلحظ بوضوح جهود ( الشيخ ) الفقهية من خلاله .

ولكن ذلك لا يعني - على أي حال - إنكار المكاسب التي حققتها هذه المدرسة في ( تطوير البحث الفقهي ) بعد ( مدرسة بغداد ) .

ويمكننا أن نلخص أهم الملامح التي تميز هذه المدرسة عن مدرسة بغداد مايلي :

1 - ( تنظيم أبواب الفقه ) :

قدر ( للشيخ الطوسي ) - كما وجدناه يتحدث بذلك في مفتتح كتابه الكبير ( المبسوط ) - أن يجمع شتات الاشباه والنظائر في الفقه

ـ 78 ـ

ويبوب كل ذلك في أبواب خاصة بعد ما أكثر الفروع ، واستحدث فروعا جديدة .

إلا أن الباحث يلحظ في كتب الشيخ - مع توفر الشيخ على تنظيم الفقه وتبويبه ، وجمع النظائر والاشباه من فروعه - شيئا من التشويش في تبويب أبواب الفقه وكتبه .

وهذا التشويش لا يختص بكتب الشيخ وحده ، وانما يظهر على كتب المتقدمين عامة .

وفي هذه المدرسة لاول مرة نلتقي بكتاب ( الشرايع ) للمحقق الحلي رحمه الله بتنظيم رائع لابواب الفقه استمر عليه فقهاء الشيعة بعد ذلك إلى العصر الحاضر . فقد قسم ( المحقق الحلي ) كتابه ( شرايع الاسلام ) إلى أقسام أربعة :

الاول العبادات ، الثاني العقود ، الثالث الايقاعات ، الرابع الاحكام .

وينطلق إلى هذا التقسيم الرباعي بالشكل الثاني :

الحكم الشرعي إما أن يتقوم بقصد القربة أم لا ، والاول العبادات .

والثاني إما أن يحتاج إلى اللفظ من الجانبين الموجب والقابل أو من جانب واحد ، أو لا يحتاج إلى اللفظ فالاول العقود ، والثاني الايقاعات ، والثالث الاحكام ، وبذلك تندرج أبواب الفقه في أقسام أربعة كما تقدم .

وهذا تقسيم رائع يجمع مختلف أبواب الفقه ، وهي من حصيلة هذه المدرسة ، وتمت على يد ( المحقق الحلي ) بالذات .

2 - وظهرت في هذه الدورة الكتابة الفقهية الموسوعية ، فألف ( العلامة الحلي ) موسوعته القيمة ( تذكرة الفقهاء ) في الفقه المقارن

ـ 79 ـ

وهو عمل فقهي جليل لم يؤلف مثله بعده في الفقهه المقارن في السعة والاستيعاب .

ومن يطلع على كتاب ( التذكرة ) يلمس فيه بوضوح ضخامة العمل الفقهي التي قدمها ( العلامة الحلي ) رحمه الله للفقه الاسلامي بصورة عامة وبمختلف مذاهبه .

فقد حاول ( العلامة ) في كتابه هذا أن يجمع آراء مختلف المذاهب الاسلامية ، ويناقش ذلك كلهه بموضوعية وهدوء يعز مثله  في الدراسات المقارنة الاخرى .

3 - وكثر الاختلاف في هذا العصر بين فقهاء الامامية أنفسهم نتيجة لابتعادهم عن عصر الامام ، واختلافهم في سلامة الروايات من حيث السند والدلالة .

 وكان لابد للفقيه نتيجة لتشعب الآراء والمذاهب في استنباط الاحكام ، وتذوق المسائل أن يلم يمختلف وجوه الرأي في المسألة حتى يستطيع أن يحكم في المسألة برأيه .

وهذه الحاجة دعت العلماء في هذا العصر إلى أن يجمعوا المسائل المختلف فيها بين علماء الشيعة ، واستعراض وجوه الاختلاف عندهم ، كي يتاح للفقيه أولا أن يحيط علما بوجوه الاختلافى في المسألة ، ويعرف المسألة المتفق عليها بين علماء الامامية ثانيا .

وأول من كتب في هذا الموضوع شيخ الطائفة ( الشيخ الطوسي )

ألف كتاب ( الخلاف ) وهو موسوعة كبيرة تحتوي على فقه المذاهب

الخمسة .

ثم اقتدى به ( العلامة الحلي ) ، حيث جمع المسائل المختلف فيها

بين علماء الطائفة في كتابه الكبير الضخم ( المختلف ) ولا تزال هذه

الكتب موضع دراسة ومراجعة الفقهاء والدارسين :

ـ 80 ـ

ومهما يكن من أمر فقد كانت ( مدرسة الحلة ) امتدادا لمدرسة

بغداد ، وتطويرا لمناهجها ، أساليبها ، فبالرغم من الفتح الفقهي الكبير

الذي قدر لمدرسة بغداد على يد ( الشيخ الطوسي ) كانت المدرسة بداية

لفتح جديد ، ومرحلة جديدة الاستنباط لم تخل من بدائية .

فقدر لمدرسة الحلة - نتيجة لممارسة هذا اللون الجديد من التفكير

والاستنباط - أن تمسح عنها مظاهر البدائية ، وأن تسوي من مسالكها

وأن توسع الطريق للسالكين وتمهدها لهم .

ولئن كان ( الشيخ الطوسي ) بلغ قمة الفكر الفقهي لمدرسة بغداد

فقد بلغ ( العلامة الحلي ) قمة الفكر الفقهي لمدرسة الحلة .

ولولا جهود علماء هذا العصر لظلت ( مدرسة بغداد ) على المستوى

التي خلفها الشيخ من ورائه ، ولما قطعت هذه المراحل الطويلة التي قطعتها

فيما بعد على أيدي علماء كبار ، أمثال ( المحقق ) و ( العلامة )

و ( الشهيد ) وغيرهم .

ـ 81 ـ

حياة الشهيد الاول

............................................................................

- م. الروضةالبهيةشرح اللمعة من ص 81 سطر 1 الى ص 90 سطر 22

حياة الشهيد الاول

تمهيد :

حياة الشهيد الاول الفقيه الاعظم ( محمد بن مكي ) العاملي الجزيني

متشعبة الاطراف ، بعيدة الغور ، لا يكفي لدراستها واستعراضها هذا

العرض السريع ، واللمسات الخفيفة التي لا تمس من حياة الرجال غير

ظواهر سطحية من حياتهم ، يعرضها التاريخ بتفصيل ، أو يلمح إليها

باجمال .

فقد جدد الفقيه الاعظم الشهيد الاول مدرسة في الفقه لها

أبعادها وحدودها وسماتها الخاصة التي تميزها عن المدارس الفقهية

السابقة عليها .

وخاض غمار السياسة ، واشتبك مع الاتجاهات السياسية المعارضة

في وقته ، فأيده ناس من المؤمنين ، وعارضه آخرون من المخالفين

وحاربته فئة ، واعترضت سبيله طائفة أخرى ، واستدعاه حاكم خراسان

واعتقله حاكم دمشق ، وقتله في النهاية في حديث مشجي .

فقد كان له أثر كبير إذا على الحياة الثقافية والفكرية ، وعلى الحياة

السياسية في وقته .

ويزيد في أهمية ذلك كله أنه كان يمثل في الجانبين معا : الجانب

الفكري ، والجانب السياسي اتجاها فكريا خاصا .

كان يلقى المعارضة كل المعارضة من قبل الواجهات السياسية والفكرية

في وقته ، باعتباره مذهبا فكريا وسياسيا خطرا على الكيان الاجتماعي

ـ 82 ـ

القائم في وقته ، وعلى الجهاز الحاكم بصورة خاصة .

فكان دائما في مجالسه ومحافله واتصالاته وما يجري بينه وبين الآخرين

من حديث محفوفا برقابة قاسية من قبل السلطة ، كما كان هو قدس الله نفسه

على حذر دائم ، وحيطة مستمرة من أن تأخذ عليه السلطة فلتة سياسية

تحتج بها عليه في اثبات المعارضة للجهاز الحاكم .

ومن ذلك تعرف الصعوبات التي واجهها ( الشهيد الاول ) في تثبيت

ودعم ( الكيان المذهبي ) الذي كان يؤمن به فكريا وسياسيا ، وما كان

يلقى من عنت وأذى وجهد متواصل مرير في سبيل ذلك ، إلى أن أمتحن

في ذات نفسه فقتل شهيدا ، وصلب بعد القتل ، واحرق بعد الصلب .

فحياة الشهيد الاول إذا أعمق من هذه السطحية ، والظواهر

التي يتناول مترجموه حياته بها .

ولا يتيسر للباحث أن يدرس شخصية الفقيه المترجم له وأثره في الحركة

نمكرية ، والسياسية المعارضة من دون أن يدرس عصر الشهيد الاول

ربيئته ، والبلاد التي كان ينتقل فيها ، طالبا للعلم ، وحاملا له ، وباحثا

عن الحق ، وداعيا اليه ، ومستوى الثقافة والفكر في عصر الشهيد الاول

ولدى شيوخ الشهيد الذي كان يتصل بهم بدء حياته الدراسية ، ويأخذ

عنهم العلم .

ومن دون ذلك لا يتيسر للباحث أن يلمس بوضوح أبعاد الاثر

الذي تركه الفقيه الاعظم ( الشهيد الاول ) من الدراسات الفقهية ، كما

لا يسغني الباحث أن يدرس الاتجاهات السياسية في عصره ، وحدودها

ومعارضتها ليستطيع أن يدرس موقف الفقيه الاعظم ( الشهيد الاول )

من هذه الحركات والاثر الذي تركه من تكوين الواجهة المعارضة للسلطة

والجهد الذي تحمله في سبيل ذلك .

تصحيح كننده امين الله موحدى

ـ 83 ـ

إذا فحديثنا عن حياة ( الشهيد الاول ) ينقسم إلى جانبين : ندرس

في الجانب الاول شخصية الشهيد الفكرية ، واثره في تطور الفقه الاسلامي .

وفي الجانب الثاني نبحث عن حياة الشهيد السياسية ، وموقفه

من الحركات المعارضة ، وأثره في تكوين الكيان السياسي الذي كان يدعو اليه

كفقيه شيعي كبير .

أما الحديث عن ولادة الفقيه الشهيد ونسبه وأولاده وحياته الخاصة

مما لا يتصل بهذين الجانبين فنتركه إلى كتب التاريخ والتراجم ، والرسائل

المستقلة التي تناولت حياة الشهيد الاول .

1 - نشأته الفكرية

موطنه :

للبيئة التي يفتح عليها الانسان عينيه ، وينشأ فيها ، ويتلقى فيها

مبادئ الثقافة والتفكير أثر كبير في صياغة الشخصية وتكوينها ، ومهما

كانت قابلية الشخص ومؤهلاته فلابد أن يتأثر بالبيئة التي ينشأ فيها ، ويندمج

بها فكريا وعاطفيا .

ولذلك فلا يمكن للباحث أن يفصل الشخصية التي يريد أن يدرسها

عن البيئة التي نشأ فيها ، والمؤثرات البيئية التي تدخلت في تكوينها وصياغتها

وقد فتح فقيهنا المترجم له ناظريه لاول مرة على ( جزين ) ( 1 )

* ( هامش ) * ( 1 ) جزين بفتح الجيم : قرية من جيل عامل تقع في الجنوب

من جبل لبنان ( * ) .

ـ 84 ـ

من ( جبل عامل ) ( 1 ) . في بيت من بيوت العلم والدين ( 2 ) في هذا

القطر وتلقى فيها مبادئ العلوم العربية والفقه .

وقد كان لبيئة جبل عامل وجزين بنحو خاص أثر في تكوين شخصية

الشهيد الاول : فقد كان ( جبل عامل ) منذ ولادة فقيهنا المترجم له

إلى الوقت الحاضر مركزا من مراكز الاشعاع في مجال الفكر الاسلامي

ولا سيما في الدراسات الفقهية والادبية .

ورغم أن المنطقة صغيرة في حد ذاتها ، فقد قدمت للعالم الاسلامي

على مدى تاريخها المشرق رجالا من ذوي الكفاءة والثقافة الراقية

في مجالات الفكر الاسلامي .

ويكفي أن يتصفح الانسان كتاب ( أمل الآمل ) وما ألحق به

من مستدركات وتكملات ، ليلمس أهمية هذا القطر من الناحية الفكرية

والفقهية بصورة خاصة .

ومجتمع عاملة بشكل عام مجتمع فكري ، يطبع حياتها طابع الحياة

الجامعية : فهناك في عاملة تكثر الندوات العلمية ، والحلقات الدراسية

ومجالس البحث والمناقشة . وحتى في المجالس العامة يطغى حديث العلم

والادب على أي لون آخر من ألوان الحديث ، وتكثر المساجد بينهم

وتعاطي الشعر المرتجل الذي يخلو من أي تكلف وصنعة .

وقد تكون الصورة التقريبية التي يعطيها الشيخ ( الحر العاملي )

* ( هامش ) * ( 1 ) جبل عامل : جزء من بلاد سوريا الكبرى يقع في جنوب لبنان

ويسمى بعاملة نسبة إلى عاملة بن سبأ الذي رحل من اليمن وسكن جبالا

من لبنان فأطلق عليها اسم العاملة فيما بعد .

( 2 ) كان جد الشهيد الاول الشيخ ( أحمد بن طي ) الجزيني والده

الشيخ ( مكي بن محمد ) الجزيني من علماء واعيان هذه المنطقة ( * ) .

ـ 85 ـ

في كتابه ( أمل الآمل ) لموقعية هذا القطر من الناحية الثقافية أقرب

من غيرها في إعطاء فكرة مجملة عن هذا القطر .

يقول ( الشيخ الحر العاملي ) رحمه الله : " إن علماء الشيعة

في جبل عامل يبلغون نحو الخمس من علماء الشيعة في جميع الاقطار

مع أن بلادهم أقل من عشر عشر بلاد الشيعة .

في مثل هذه البيئة نشأ الشهيد الاول ، وفتح عينيه على الحياة

فخالط العلماء ، وارتاد المجالس والندوات العلمية التي كانت تعقد

في أطراف هذا القطر : واشترك في حلقات الدراسة التي كانت تعقد

في المساجد والمدارس والبيوت ، وتعاطى فيها طرفا من العلم ، وساهم فيما

كان يدور بين الاساتذة والطلاب ، أو بين الطلاب أنفسهم : من خلاف

وشجار يحتد حينا ، ويلين آخر وكون لنفسه بمرور الزمن آراء خاصة

في مسائل الفقه والادب ، وأعانته على ذلك ثقافته الشخصية ، ومؤهلاته

الفكرية ، وقريحته الوقادة .

ولانعلم شيئا صحيحا عن بداية أمر هذا القطر ، وظهور الحركة الفكرية

الشيعية فيها ، إلا أنا نعلم أن الصحابي الجليل ( أبا ذر ) رضي الله عنه

لما نفي إلى ( الشام ) في عهد ( عثمان بن عفان ) نزل هذا القطر ، واتخذ

لنفسه فيه مقامين في قريتي ( الصرفند ) على ساحل البحر الابيض

و ( مخاليس الجبل ) في الجهة الجنوبية الشرقية من جبل عامل على رابية

تطل على الاردن ولا يزال هناك مسجدان في هاتين القريتين تعرفان باسمه .

وفي غالب الظن أن التشيع انبثق من هذين المقامين ، ومن أيام نزول

( أبي ذر ) بجبل عامل بالذات ( 1 ) .

فأصبح وهو لم يتجاوز بعد المراحل الاولى من دراسته يشار اليه

* ( هامش ) * ( 1 ) لا حظ تاريخ جبل عامل . محمد جابر آل صفا . ص 233 ( * ) .

ـ 86 ـ

بالفضل والعلم ، وينبأ له بمستقبل رفيع في مجالات الثقافة والفكر .

وفي البيت كان يجد من والده الشيخ ( مكي جمال الدين ) دافعا قويا

لممارسة الدراسة ، وباعثا على التفكير والدرس ، كما كان يجد من المجالس

التي كانت تعقد في بيتهم بين حين وآخر ، وخضرها نفر من العلماء

المرموقين في المنطقة مجالا خصبا للتفكير والمناقشة وابداء الرأي .

كذلك نشأ شيخنا الفقيه المترجم له في بيئة ( عاملة ) ، يجلس

إلى حلقاتها ، ويرتاد مجالسها ، ويشترك فيما يجري فيها من نقاش وجدال

ويستمع إلى العلماء من مدرسيه .

وبهذا الشكل استطاع وهو يقطع المرحلة الاولى من نشأته الفكرية

أن برز بشكل ملحوظ في مجال العلم والادب بين أقرانه وأترابه .

رحلاته وشيوخه :

لم يقتصر الشهيد الاول على الثقافة التي تلقاها في مسقط رأسه ( جزين )

وإنما تجاوزها إلى أقطار بعيدة وقريبة أخرى من ( مراكز الفكر الاسلامي )

في ذلك العهد .

وأهم هذه الاقطار التي شد اليها الشهيد الاول الرحال لتلقي العلم

أو الافادة هي ( الحلة وكربلاء وبغداد ومكة المكرمة والمدينة المنورة

والشام والقدس ) .

وكانت هذه الاقطار في القرن الثامن الهجري من أهم مراكز الثقافة

الاسلامية ، ولا سيما الحلة ، فقد كانت يومذاك مركزا فكريا كبيرا

من مراكز الثقافة الاسلامية الشيعية ، ومنطلقا للحركة العقلية في أوساط

العالم الاسلامي .

ـ 87 ـ

وقد تكرر سفر الشهيد الاول إلى ( الحلة ) وتلقى العلم فيها على يد

شيوخ كبار ، وأساتذة مرموقين من أمثال ( فخر المحققين ) ابن

( العلامة الحلي ) ، وغيرهم .

واذا كانت ( الحلة وكربلا المقدسة وبغداد ) تعتبر ذلك اليوم مراكز

للفقه الشيعي ، والدراسات الشيعية فقد تكررت زيارات الشهيد للحرمين

الشريفين ، حيث كان طابع الفكر فيها جميعا طابعا سنيا .

و اتيح ( للشهيد الاول ) عن طريق هذه الاسفار أن يندمج في أطر

ثقافية مختلفة ، و يعيش وجوها مختلفة من الفكر ، ويتفاعل مع الاتجاهات

الفكرية المتضاربة .

فكان على صلة وثيقة بالاتجاهات الفكرية السنية ، وعلى معرفة

تامة بآرائها و أفكارها ، كما كان على صلة وثيقة ، ومعرفة تامة بمشيخة

الرواية والفقه والكلام من أعلام السنة ، مما يدل على أنه في أسفاره كان

يخالط كثيرا من ( أقطاب المذاهب الاسلاسية ) الاخرى ، ولم يكن ممن

ينطوي فكريا على نفسه .

ويدل على ذلك قوله في إجازته لابن الخازن :

وأما مصنفات العامة ومروياتهم فاني أروي عن نحو أربعين شيخا من علمائهم

بمكة والمدينة ، ودار السلام بغداد ، ومصر ودمشق وبيت المقدس ، ومقام

ابراهيم الخليل .

فرويت صحيح البخاري عن جماعة كثيرة بسندهم إلى البخاري .

وكذا صحيح مسلم ، ومسند أبي داود ، وجامع الترمذي ، ومسند

أحمد ، وموطأ مالك ، ومسند الدار قطني ، ومسند ابن ماجة ، والمستدرك

على الصحيحين للحاكم ابن عبدالله النيسابوري ، إلى غير ذلك .

وهذا النص يعيننا كثيرا على معرفة شخصية الشهيد العلمية .

ـ 88 ـ

فقد يظهر أنه سافر إلى كثير من ( مراكز الفكر الاسلامي السني )

كبغداد ومصر والقدس والحرمين ، وغيرها ، ولم يمنعه اختلافه الفكري

مع المدرسة السنية أن يحشر نفسه فيهم ، ويتلقى منهم ، ويلقي اليهم

ويتفاعل معهم .

ولم تكن رحلاته المتكررة والطويلة إلى هذه الاقطار لغرض السياحة

أو التجارة ، أو الترويج عن النفس ، وإنما كان لغرض فكري خالص

فكان كثير التردد على مجالس السنة وحلقاتهم ، وكثير المطالعة لكتبهم

ووثيق الاتصال بشيوخهم .

ويشعرنا النص ثانيا أنه تلقى من ( مشايخ السنة ) أمهات الكتب

الحديثية والفقهية التي يتعاطاها أئمة السنة : من الصحاح ، والمسانيد

والسنن ، وغيرها .

وهذا يدل على أن ( الشهيد الاول ) رحمه الله كان يملك عقلية

ناضجة متفتحة لا تنطوي على اطار فكري خاص ، ولا يقتصر على لون

من التفكير ، مما يندر وجود مثله عند عامة العلماء والمفكرين .

ونحن نستطيع أن نعتبر هذه الظاهرة : ظاهرة رحلات الشيخ

واتصاله بعلماء السنة مفيدا ومستفيدا : مفتاحا لدراسة شخصية الامام

الشهيد الاول .

شيوخه واساتذته :

يستطيع الباحث أن يلمس شخصية ( الشهيد الاول ) الفكري

من استعراض شيوخ الفكر والعلم الذين اتصل بهم ، وأخذ عنهم ، وحضر

مجالسهم منذ نعومة أظفاره إلى أن انتقل إلى جزين ، وأسس فيها مدرسته

ـ 89 ـ

الشهيرة التي تعتبر الاولى من نوعها في هذه المنطقة .

ولم يقتصر اتصال الشهيد بشيوخ الفكر في عصره على شخص خاص

أو على قطر خاص ، أو على نمط خاص من التفكير .

فسوف نجد أن ( الشهيد الاول ) اتصل بألوان مختلفة من الفكر

وارتاد مختلف مراكز الحركة العقلية في ( الوطن الاسلامي ) في وقته

واتصل بمختلف العلماء والمفكرين :

وعن طريق هذا التفاعل الفكري التلاقح قدر لشيخنا الشهيد أن

يكون لنفسه شخصية ثقافية مرموقة .

شيوخه في جزين :

في ( جزين ) مسقط رأس الشهيد ، تلقى شيخنا الشهيد ومبادئ

العلم والتفكير ، وأنس بحديث العلم والعلماء ، ولازم مجالسهم ، واعتنى

بكل ما يتصل بشؤون الفكر والادب ، فدرس على والده الشيخ

( جمال الدين مكي ) بن الشيخ محمد شمس الدين ، وتلقى عنه مبادئ

العربية والفقه .

وكان والد الشهيد تلمذ على الشيخ ( طوقان العاملي ) وروى عنه

وكان يعرف بالفضل والعلم في المنطقة .

وتلمذ الشهيد كذلك في جزين على الشيخ ( اسد الدين الصائغ )

الجزيني أبوزوجته وعم أبيه ، وكان هذا عالما كبيرا يتقن ثلاثة عشر علما

من العلوم الرياضية ( 1 ) .

* ( هامش ) * ( 1 ) أعيان الشيعة . ج 11 . ص 129 ( * ) .

ـ 90 ـ

وفي غالب الظن أنه تلقى من استاذه الصائغ مبادئ في الرياضيات

والعلوم العقلية ، كما تلقى من أبيه مبادئ في العربية والفقه .

شيوخه في الحلة :

هاجر الشهيد الاول إلى ( الحلة ) من ( جزين ) بجبل عامل

وهو بعد لم يتجاوز السابع عشرة من عمره ، فقد أجازه ( فخر المحققين )

بداره بالحلة أن يروي عنه بتاريخ 20 شعبان سنة 751 ه ، وإذا علمنا

أن ولادة الشهيد كانت في سنة 734 ه ، علمنا أن بداية اتصال الشهيد به

كانت قبل أن يبلغ السابع عشرة من عمره

و ( الحلة ) كانت يومها مركزا كبيرا من مراكز الحركة العقلية

في الاوساط الاسلامية الشيعية ، تؤمها البعثات العلمية من مختلف اجزاء

( الوطن الاسلامي ) ولا سيما ( البلدان الشيعية ) .

وكانت تحفل في وقته برجال كبار من علماء الشيعة أمثال ( العلامة الحلي )

وولده ( فخر المحققين ) و ( ابن نما ) و ( ابن أبي الفوارس ) وغيرهم

ممن تعرف قسما منهم في مشيخة الشهيد فيما يأتي من حديث .

وتوسعت ( الحلة ) وزادت أهميتها واتجهت الانظار اليها اكثر

من ذي قبل بعدما أصيبت ( بغداد ) بنكبة ( المغول ) وشردوا أهلها

وامعنوا في التدمير والخراب ( 1 ) ، فهاجر العلماء من بغداد إلى الحلة

* ( هامش ) * ( 1 ) قال مؤلف تاريخ العراق بين احتلالين :

وأثناء حصار بغداد كان قد أتى نفر من العلويين وأعاظم أهل الحلة

وعلمائها فالتمسوا أمانا من هولاكو فأرسل اليهم ( بوكله ) وامير نجلى

النخجواني ، وأرسل في أثرهم بوقاتيمور وهو اخ أولجاي خاتون - ( * ) .

ـ 91 ـ

وانتقلوا اليها وألقوا فيها رحالهم ، فكثرت فيها المدارس والمكاتب

............................................................................

- م. الروضةالبهيةشرح اللمعة من ص 91 سطر 1 الى ص 100 سطر 24

وانتقلوا اليها وألقوا فيها رحالهم ، فكثرت فيها المدارس والمكاتب

وحفلت العلماء ، وأصبحت مركزا مرموقا من مراكز الحركة العقلية

في الاوساط الاسلامية .

ولولا وجود ( الحلة ) بجوار ( بغداد ) وانتقال بقايا الحركة العقلية

من بغداد إلى الحلة وعناية ( المحقق الطوسي ) وتلميذه ( العلامة الحلي )

وولده ( فخر المحققين ) بشؤون الفكر الاسلامي : والمحافظة على ما تبقى

من الثقافة الاسلامية : لما بقي لنا شئ من هذا التراث الفكري الضخم

الذي نتداوله اليوم فيما بين أيدينا : من كتب الفقه والحديث والتفسير

والعلوم العقلية والادبية .

1 - فخر المحققين :

وفي هذه الفترة من ازدهار الحركة العقلية ، والنشاط الثقافي بالحلة

انتقل الشيخ الشهيد ، وهو بعد شاب لم يتجاوز دور المراهقة إلى هذه

المدينة ، واتصل بالعلامة فخر المحققين ( 1 ) ابن العلامة الحلي ، وحضر

* ( هامش ) * - ليمتحنوا إخلاص أهل الحلة والكوفة ، فاستقبلوهم وجيوشهم استقبالا

باهرا ، ونصبوا جسرا على الفرات لعبورهم ، وفرحوا بوصولهم ، وأظهروا

مزيد السرور ، رأى بوقاتيمور اخلاصهم وثباتهم فرحل . تاريخ العراق

بين احتلالين الجزء 1 ص 205 - 206 .

( 1 ) فخر المحققين ابوطالب محمد بن حسن بن يوسف بن المطهر

من وجوه الطائفة وأعيانها ، رزق حظا وافرا من العلوم العقلية والنقلية

ونشأ على يد أبيه ( العلامة الحلي ) ، وقرأ عليه مختلف العلوم العقلية

والنقلية ، وبلغ مرتبة الاجتهاد أو ما يقرب منه وهو لم يتجاوز بعد العاشرة

من عمره ، اكمل بعض كتب والده العلامة الحلي كالالفين وغيره ، وشرح

البعض الآخر كالقواعد ( * ) .

ـ 92 ـ

دروسه وأبحاثه ، ودرس عليه كتاب ( ايضاح الفوائد في شرح اشكالات

القواعد ) وغيره .

ولمس فخر المحققين في تلميذه الشاب بين مئات الطلاب الذين كانوا

يحضرون دروسه نبوغا وألمعية لا تتوفر في غيره فأدناه من نفسه وقربه

من مجلسه ، وصحبه في مجالسه ودروسه ، وحفه برعايته وعنايته ، وأخذ

يثني عليه كلما جرى ذكره في مجلس ، أو كلما رأى فرصة مناسبة

* ( هامش ) * - وقد أثنى عليه علماء الطائفة ثناءا بالغا مما يدل على علو مقامه

وسمو مكانته .

قال عنه الشيخ الحر العاملي : كان فاضلا محققا فقيها ثقة جليلا .

وقال عنه مؤلف روضات الجنات

زين المجتهدين شيخنا الغالب أبوطالب محمد بن العلامة جمال الدين

حسن بن يوسف بن المطهر الحلي الملقب عند والده بفخر الدين ، وفي سائر

مراصيده وموارده بفخر المحققين ، ورأس المدققين ، وحسب الدلالة

على مكانته في العلوم الحقة ، ونهاية جلالته في هذه الطائفة المحقة شدة

عناية والده المسلم عند جميع علماء الاسلام وقيامه به ، مع انه أبوه بحق

احترامه وثنائه به ، ودعائه له في كثير من مؤهلاته ومصنفاته ، والتماسه

الدعاء منه .

وقال المحقق القمي في حقه في الكنى والالقاب . الجز . 3 .

وجه من وجوه هذه الطائفة وثقاتها ، جليل القدر عظيم المنزلة

رفيع الشأن ، كثير العلم ، وحيد عصره ، وفريد دهره ، جيد التصانيف

حاله في علو قدره ، وسمو مرتبته وكثرة علومه أشهر من أن يذكر

وكفى في ذلك أنه فاز بدرجة الاجتهاد في السنة العاشرة من عمره الشريف .

ولد ليلة 20 ج 1 . سنة 682 ه وتوفي ليلة 25 ج 2 سنة 771 ( * ) .

ـ 93 ـ

بشكل لا يعهد من استاذ كبير كفخر المحققين بالنسبة إلى تلميذ شاب

في هذا الدور من العمر .

ففي الاجازة التي كتبها له بخطه على ظهر كتاب القواعد عند

قراءته عليه :

قرأ علي مولانا الامام العلامة الاعظم أفضل علماء العالم سيد فضلاء

بني آدم ، مولانا شمس الحق والدين ، ( محمد بن مكي بن محمد بن حامد )

أدام الله أيامه ، من هذا الكتاب مشكلاته ، وأجزت له رواية جميع

كتب والدي قدس سره ، وجميع ما صنفه أصحابنا المتقدمون رضي الله عنهم

عن والدي عنهم بالطرق المذكورة لها ( 1 ) .

وقال عنه كذلك فيما يروى عنه : لقد استفدت من تلميذي محمد

ابن مكي أكثر مما استفاد مني ( 2 ) .

وليس ( فخر المحققين ) ممن يلقي الكلام على عواهنه ، ولا يحسب

حسابا لما يقول ، ولما يقال عنه بعد ، فقد لمح في تلميذه من النبوغ

والالمعية ما دعاه إلى كل هذا الثناء والاحتفاء ،

وقد عرف التلميذ الشاب مكانته من قلب استاذه الكبير وإيثاره له

بكل شئ ، وحفاوته البالغة به ، فلازمه في دروسه وأبحاثه ومجالسه وهو

بعد شاب لم يتجاوز الثامنة عشرة ، ودرس عليه أبوابا كثيرة .

يقول مؤلف الروضات : وقد كان معظم اشتغاله في العلوم عند

فخر المحققين ابن العلامة ( 3 ) .

ومن ذلك يعلم أن التلميذ الشاب لم يفارق استاذه الكبير حتى لمس

* ( هامش ) * ( 1 ) روضات الجنات . الطبعة الحجرية ج 2 . ص 590

( 2 ) حياة الامام الشهيد الاول : ص 38 .

( 3 ) روضات الجنات . الطبعة الحجرية . ج 2 ص 590 ( * ) .

ـ 94 ـ

فيه استاذه النضج الفكري الكافي ، وحتى لمح في نظراته وآرائه ملامح

الاستقلال بالرأي والاجتهاد .

وقد استجاز استاذه الكبير في رواية الحديث ، وكتب المتقدمين

فأجازه أكثر من مرة :

أجازه مرة بداره بالحلة سنة 751 ، وفي هذا التاريخ كان عمر الشهيد

17 سنة فقط .

وأجازه مرة أخرى بداره بالحلة سنة 758 .

وأجازه مرة ثالثة بالمكان المتقدم

وكان التلميذ الشاب يقدر بدوره أستاذه الكبير ويجله كلما أتته

مناسبة للتقدير والتجليل ، ينوه بشأنه وجلالة مكانته وحقه عليه .

فقال في إجازته للشيخ شمس الدين ( ابن نجدة ) الذى تلمذ عليه

في كثير من المعلوم :

وأما مصنفات الامام ابن المطهر رضي الله عنه فاني أرويها عن غيره

من أصحابنا :

منهم الشيخ الامام سلطان العلماء ، ومنتهى الفضلاء والنبلاء ، خاتمة

المجتهدين ، فخر الملة والدين أبوطالب محمد بن الشيخ الامام السعيد

جمال الدين بن المطهر ، مد الله في عمره ، وجعل بينه وبين الحادثات

سدا ( 1 ) .

وهنا يلمس القارئ روعة الوفاء بين الاستاذ والتلميذ ، وتقدير

الاستاذ لتلميذه الشاب ، وحفاوته به ، وهو لم يتجاوز بعد سني المراهقة

ووفاء التلميذ لاستاذه وتجليله له ، واحترامه اياه ، وقد انتقل من دور

التلمذة إلى دور المرجعية والتأليف والتدريس .

* ( هامش ) * ( 1 ) روضات الجنات الطبعة الحجرية . ج 3 . ص 587 ( * ) .

ـ 95 ـ

وفي غالب الظن أن الشهيد بقي على صلة روحية مع استاذه

حتى حينما انتقل إلى ( جزين ) وأسس مدرسته الكبيرة ، وكان بينهما

ما يشبه المراسلة والمكاتبة .

( ابن معيه ) :

من علماء الحلة الكبار ، ومن أعاظم تلامذة العلامة الحلي ، وأفاخم

مشائخ شيخنا الشهيد .

قال عنه تلميذه النسابة السيد أحمد بن علي الحسيني في كتابه

( عمدة الطالب ) :

شيخي المولى السيد العالم الفاضل الفقيه الحاسب النسابة المصنف ، اليه

انتهى علم النسب في زمانه ، وله الاسناد العالية ، والسماعات الشريفة أدركته

قدس الله روحه شيخا ، وخدمته قريبا من اثنتي عشرة سنة .

قرأت عليه ما أمكن حديثا ونسبا ، وفقها وحسابا ، وأدبا وتاريخا

وشعرا إلى غير ذلك .

من تصانيفه كتاب في معرفة الرجال خرج في مجلدين ضخمين .

وكتاب نهاية الطالب في نسب آل أبي طالب في اثني عشر مجلدا

ضخما قرأت عليه أكثره .

وكتاب الثمرة الظاهرة من الشجرة الطاهرة أربع مجلدات في أنساب

الطالبيين مشجرا .

ومنها : كتاب الفلك المشحون في أنساب القبائل والبطون .

ومنها : كتاب أخبار الامم خرج منه أحد وعشرون مجلدا ، وكان

يقدر إتمامه في مائة مجلد ، كل مجلد أربعمائة ورقة .

ـ 96 ـ

ومنها : كتاب سبائك الذهب في شبك النسب ومنها : كتاب الحدود

الزينية ، وتذييل الاعقاب ، وكشف الالباس في نسب بني عباس .

ومنها : رسالة الابتهاج في علم الحساب ، وكتاب منهاج العمال

في ضبط الاعمال ، إلى غير ذلك من كتب الفقه والحساب والعروض .

ومن أشعاره ملكت زمام الفضل حتى أطاعني ( 1 ) .

ونقلنا النص بكامله حتى نستطيع أن نعرف بوضوح مكانة هذه

الشخصية العلمية في الحلة وأثرها في تكوين الجانب الفكري .

ومما تقدم يظهر أنه كان إنسانا موسوعيا ، تلقى العلم عن العلامة

وولده فخر الدين وغير هما ، وتوسع هو بعد ذلك واشتغل بالتدريس والكتابة

والتقى به الشهيد في الحلة فوجده عالما موسوعيا ، خبيرا واسع المعرفة فاغتنم

مجالسه ، واستفاد منه واستجازه .

ولا نجد هنا نصا تاريخيا يدل على شكل الصلة القائمة بين

( الشهيد ) و ( ابن معية ) ، هل كانت صلة التلمذة والتدريس ، أم شئ آخر

من الصلة ؟

إلا أن الباحث يستبعد أن يفوت الشهيد في المراحل الاولية من حياته

الدراسية في الحلة الاستفادة من شخصية علمية موسوعية كابن معية وما نعرف

من تعطش الشهيد إلى العلم ، وتهالكه عليه أنه يكتفي للدلالة على وجود

صلة بين الشهيد وابن معية تشبه صلة التلمذة والتدرس .

ويشعر بذلك الوصف الذي وصفه به الشهيد ، حيث قال عنه

في بعض إجازاته : أعجوبة الزمان في جميع الفضائل والمآثر .

ومهما يكن من أمر فقد استجاز هذا السيد مرارا بأجازه - كما يقول

* ( هامش ) * ( 1 ) روضات الجنات . الطبعة الحجرية . ج 2 ص 585 ( * ) .

ـ 97 ـ

الشهيد في مجموعته :

وأجاز ولديه ( أبا طالب محمد ) و ( ابا القاسم علي ) في سنة 776

قبل موته .

( عميد الدين ) و ( ضياء الدين ) :

من شيوخ الشهيد الاول ، ومن فقهاء الحلة وعلمائها الكبار وهما :

السيد عبدالمطلب بن السيد مجد الدين بن أبي الفوارس ، والسيد

ضياء الدين عبدالله بن السيد مجد الدين بن الفوارس أخو السيد عميد الدين

ينتهي نسبهما إلى الامام زين العابدين عليه السلام ، وهما ابنا اخت العلامة

الحلي ، رحمه الله .

أثنى العلماء على الاخوين جميعا .

يقول المحدث القمي عن السيد عميد الدين :

كان سيدا جليل القدر رفيع المنزلة ، عظيم الشأن ، كريم الاخلاق

زكي الاعراق ، عمدة السادة الاشراف بالعراق ، عالما فاضلا كاملا

فقيها محدثا مدرسا بتحقيق وتدقيق ، فصيحا بليغا أديبا مهذبا :

كذا قال السيد الضامن ( 1 ) .

وقال مؤلف الروضات عن أخيه : " إنه كان من أجل فقهاء

الاصحاب " ( 2 ) .

ولم نجد فيما بين أيدينا من المصادر شرحا وافيا عن حياة الاخوين

الجليلين ، إلا أن الذي يستطيع أن يستخرجه الباحث بشئ من التحليل

* ( هامش ) * ( 1 ) الكنى والالقاب ج 2 . ص 446 .

( 2 ) روضات الجنات . الطبعة الحجرية . الجزء 1 ص 368 ( * ) .

ـ 98 ـ

والدقة خلال كتب التراجم أن الاخوين عميد الدين وضياء الدين درسا الفقه

والفلسفة على خالهما العلامة الحلي ، ونشأا على يديه ، وذلك لصلة الاخوين

بالعلامة النسبية أولا ، واتصالهما الوثيق به وتناولهما كتب العلامة خالهما

بالشرح والتوضيح كالقواعد ، وتهذيب الاصول ، ونهج المستر شدين

وغير ذلك بانفراده ، أو باجتماع الاخوين معا ، فقد شرح عميد الدين

قواعد العلامة شرحا وافيا سماه ب ( كنز الفوائد في حل مشكلات القواعد

ذكر فيه جملة محاوراته مع خاله المبرور ، وأورد نبذة من مذكراته معه

في مجلس الدرس .

وله أيضا شرح كتاب ( أنوار الملكوت ) للعلامة في شرح كتاب

الياقوت في أصول الكلام لابن نو بخت يجري مجري المحاكمات بين المصنف

والشارح ( 1 ) .

وله أيضا كتاب ( تبصرة الطالبين في شرح نهج المستر شدين ) وشرح

على مبادئ الاصول لخاله العلامة ( 2 ) .

ولاخيه ضياء الدين كذلك شرح على كتاب تهذيب خاله العلامة ( 3 )

وما ذكره في ( كنز الفوائد ) من محاوراته مع خاله ومذكراته معه

مجلس الدرس دليل آخر أنه تلمذ عنه ( العلامة الحلي ) وأخذ

عنه الفقه ) .

ومن شرحه لكتاب ( أنوار الملكوت ) لخاله العلامة في أصول الكلام

ومحاكمة ابن نو بخت من قبل خاله العلامة يستطيع الباحث أن يستظهر

أن ( عميد الدين ) بشكل خاص لم يقتصر في التلمذة على خاله العلامة

* ( هامش ) * ( 1 ) روضات الجناب . الطبعة الحجرية . الجزء 1 : 368 :

( 2 ) راجع المصدر السابق .

( 3 ) روضات الجنات . الطبعة الحجرية الجزء 1 ص 368 والجزء 2 ص 590 ( * ) .

ـ 99 ـ

على الفقه فقط ، وإنما حضر عليه في الفلسفة والكلام أيضا .

وقد استجازهما الشهيد فأجازاه كما في الروضات ، وحضر عليهما ودرس

عندهما الفقه والكلام ، أو على اقل تقدير درسهما على عميد الدين .

قال مؤلف الروضات في ترجمة الشهيد :

ومن جملة أساتذته الكرام أيضا المجيزين له في الاجتهاد والرواية

هما الاخوان المعظمان المسلمان المقدمان السيد عميد الدين عبدالمطلب

والسيد ضياء الدين عبدالله الحليان الحسينيان ( 1 ) :

وقد أثني الشهيد على ( عميد الدين ) بصورة خاصة في إجازته

لابن نجدة ، حيث قال :

المولى السيد الامام المرتضى علم الهدى ، شيخ أهل البيت في زمانه

عميد الحق والدين أبوعبدالله عبدالمطلب بن الاعرج الحسينى طاب الله ثراه

وجعل الجنة مثواه .

وقد كتب الشهيد في مقام الجمع بين شرحي استاذيه عميد الدين

وضياء الدين لتهذيب خالهما العلامة . . كتابه المعروف

ب ( الجمع بين الشرحين ) .

شيوخه بالشام :

وفي الشام سنة 776 اجتمع الشهيد الاول لاول مرة بالحكيم المتأله الفقيه

المحقق ( قلب الدين الرازي ) البويهي تلميذ ( العلامة الحلي ) ، ومؤلف

( شرح المطالع ) و ( شرح القواعد ) و ( المحاكمتين ) و ( حاشيتي الكشاف )

وغيرها : من كتب الحكمة والتفسير والفقه .

* ( هامش ) * ( 1 ) روضات الجنات . الطبعة الحجرية : الجزء 2 ص 590 ( * ) .

ـ100ـ

وقد استأنس الشهيد بالشيخ ( قطب الدين ) ، واعجب به ، وحضر

مجالسه واستفاد منه كثيرا من العلوم العقلية ، وتوسع على يديه في دراسة

الحكمة الالهية والفلسفة .

يقول الشيهد عن اجتماعه به واستفادته منه وإعجابه به .

اتفق اجتماعي به في دمشق أخريات شعبان سنة 776 فاذا هو بحر

لا ينزف ، وإجازني جميع ما تجوز عنه روايته ( 1 ) .

وقال عنه في إجازته لابن الخازن .

ومنهم الامام العلامة ، سلطان العلماء ، وملك الفضلاء ، الحبر

البحر قطب الدين محمد بن محمد الرازي البويهي ، فاني حضرت في خدمته

قدس الله سره - بدمشق عام ثمانية وستين وسبعمائة ، واستفدت من أنفاسه

واجاز لي جميع مصنفاته في المعقول والمنقول أن أرويها عنه ، وجميع

مروياته ، وكان تلميذا خاصا للشيخ الامام جمال الدين .

وقد تلمذ الشيخ قطب الدين على ( العلامة الحلي ) واستنسخ كتاب

( قواعد الاحكام ) للعلامة بخطه ، وقرأه عنده واجازه العلامة في ظهر

كتابه بخطه ، وعبر عنه : الفقيه العالم الفاضل المحقق المدقق زبدة العلماء

والافاضل قطب الملة والدين محمد بن محمد الرازي ، وأرخ الاجازة بثالث

شعبان سنة 713 ( 2 ) .

ونكتفي بما تقدم من ذكر أساتذة الشهيد رحمه الله ، على أنه

رحمه الله درس على غيرهم من الشيوخ من ( الشيعة والسنة ) كالسيد

جلال الدين ( عبدالحميد بن فخار الموسوي كما في المستدرك ، والسيد

( علاء الدين علي بن زهرة الحلي ) كما في الروضات من الشيعة .

* ( هامش ) * ( 1 ) الكنى والالقاب ج 3 . ص 61 .

( 2 ) كما ينقل عن كتاب محبوب القلوب ( * ) .

ـ101ـ

والشيخ ( ابراهيم بن عمر ) الملقب ببرهان الدين الجعبري شيخ

............................................................................

- م. الروضةالبهيةشرح اللمعة من ص 101 سطر 1 الى ص 110 سطر 24

والشيخ ( ابراهيم بن عمر ) الملقب ببرهان الدين الجعبري شيخ

مشيخة مقام الخليل بفلسطين ، قرأ عليه الالفية والشاطبية بمقام الخليل كما

في اجازات البحار .

والشيخ ( ابراهيم بن عبدالرحيم بن محمد بن سعد الله بن جماعة ) الملقب

ببرهان الدين قرأ عليه الشاطبية كما صرح به الشهيد في اجازته لابن الخازن ( 1 ) .

* * *

لم نكن عابثين حين استعر ضنا بشئ من التفصيل دراسته في ( الحلة

على ( فخر المحققين ) ابن العلامة والاخوين ( عميد الدين وضياء الدين )

و ( ابن معية ) وعلى ( قطب الدين الرازي ) في الشام ، فشئ يسير

من التأمل يظهر للباحث أن أهم أساتذة الشهيد في الحلة ، واكثرهم تأثيرا

في تكوين ذهنيته الخاصة من أعلام الحلة لايتجاوز هؤلاء الاربعة ، وفي الشام

لم يدرس الشهيد في حدود ما نعلم على أحد غير قطب الدين ، فهؤلاء

الخمسة كان لهم الاثر البالغ في تكوين ذهنية الشهيد ، وسوف يكون منطلقنا

إلى دراسة ثقافة الشهيد : الفقهية ، والكلامية ، واستعراض ملامح مدرسته

في الفقه ومنهجه في الاجتهاد هو الاثر الذي تركه الشيوخ الخمسة

في نفس الشهيد .

فليس من شك أن ( الشهيد ) قد تأثر فكريا بهؤلاء ، وجرى

على مذهبهم بعد ما أحدث بالطبع بعض التجديدات على مذهبهم في الفقه

والكلام :

ولو عدنا إلى الشيوخ الخمسة ، واستعرضنا مذاهبهم في الفقه والكلام

لالتقينا بظاهرة واحدة في حياتهم الفكرية ينطلقون عنها ، ويلتقون فيها جميعا

* ( هامش ) * ( 1 ) الامام الشهيد الاول . ص 460 ( * ) .

تصحيح كننده امين الله موحدى

ـ102ـ

ونقطة الانطلاق هذه في حياتهم الفكرية تفيدنا كثيرا في اكتشاف الملامح

الاولى لمدرسة ( الشهيد ) في الفقه والكلام .

فلو رجعنا خطوة واحدة في حياة هؤلاء الفكرية إلى الوراء نجد أنهم

- كما استعرضنا ذلك في حياتهم - قد تلمذوا جميعا على آية الله ( العلامة الحلي )

وكانوا من أخص تلامذته ، وابرز من حضر عليه في الفقه والكلام

ولا شك أنهم احدثوا بعض التغيير في المدرسة ، وفي المذهب الذي كان

يتبعه ( العلامة ) في الفقه والكلام .

إلا أن اصول المدرسة هي لم تتغير ونقلها تلامذته جميعا إلى تلميذهم

الشهيد ، وتأثر بها الشهيد تأثرا بالغا يبدو في كتاباته ومنهجه ، كما سنرى

فيما بعد .

فقد كان ( العلامة الحلي ) ذا عقلية ضخمة تمتاز بمؤهلات فكرية

كثيرة يندر أن تحصل لاحد من العلماء ، وبنسبة ضخامة عقليته يكون

تأثيره عميقا في نفوس التلاميذ .

فقد بقي تلاميذ ( الشيخ الطوسي ) ، وتلاميذ تلاميذه يتناقلون مدرسته

في الفقه والحديث والتفسير قرونا متطاولة ، حتى كثر فيها التجديد والتغيير

وظهرت مدارس اخرى فيها .

وتلاميذ ( العلامة ) لم يقلوا عن تلاميذ ( الشيخ الطوسي ) تأثرا

بمدرسة استاذهم العلامة ، فظلوا يتناقلون المدرسة بأصولها رغم ظهور

تغييرات فيها قرنا من زمان .

فمدرسة الشهيد إذا في الفقه والكلام تعود في أصولها وجذورها

إلى مدرسة العلامة الحلي .

ونعني بذلك أن الشهيد لم يحدث تغييرا في المدرسة ، فقد أتيح للشهيد

بفضل نبوغه الخاص ومؤهلاته الفكرية أن يضيف إلى المنهج أشياء ويطور

ـ103ـ

المدرسة ويحدد المفاهيم بما لم يقدر من قبل لاساتيذه وشيوخه .

إذا فأصول المدرسة تعود إلى ( العلامة الحلي ) في المجالين :

الفقه والكلام .

وقد درس الشهيد كما أسلفنا الفقه على ( فخر المحققين ابن العلامة الحلي )

والاخوين ( عميد الدين وضياء الدين ) ، وهما من أخص تلاميذ العلامة .

ودرس الكلام على ( قطب الدين الرازي ) بالشام وهو من تلاميذ

العلامة في الفلسفة فجمع ثقافة العلامة الحلي في المنقول والمعقول ، وأصبح

بالحق وارثا له وإن كان لم يقدر له أن يقرأ عليه شيئا ، أو يراه

على اقل تقدير .

ونعود إلى الوراء خطوة أخرى ، لنفحص جذور هذه المدرسة بدقة

أكثر ، فقد قرأ ( العلامة الحلي ) الفقه على خاله ( المحقق الحلي )

رحمه الله ، ودرس الفلسفة والكلام على ( المحقق الطوسي ) ، وجمع بين

ثقافتي المحققين ( الحلي والطوسي ) في الفقه والكلام ، وهما اكبر

شخصين علميين في تاريخ الفكر الاسلامي على الاطلاق في حقل الفقه

والفلسفة .

واتيح ( للعلامة الحلي ) ان يجمع ثقافتيهما وهو الشاب الطموح النابغ

الذي كان يلمس فيه استاذاه ملامح النبوغ واضحة .

كما قدر لتلميذه الشهيد ان يجمع بين ثقافتي استاذه في الفلسفة

والكلام .

وهكذا قدر لهذا التلميذ ان يكون نسخة ثانية لاستاذه في ثقافته

الواسعة ، وذهنيته الخصبة .

وهنا تنقطع جذور المسألة ولا نجد في مدرستي ( المحقق الحلي )

و ( المحقق الطوسي ) تأثرا بالغا بالمدارس السابقة عليهما في الفقه

ـ104ـ

والكلام فمن هذه النقطة بالذات تبدأ الدراسة ، واكتشاف شخصية

الشهيد بصورة منهجية .

كلمات العلماء فيه :

وبامكان القارئ ان يلمس مكانة الشهيد العلمية في نفوس الفقهاء

من اساتذته وتلاميذه والمتأخرين عنه مما ذكروا في شأنه في الاجازات

والتراجم عند التعرض لذكر الشهيد .

واهم ما يلفت نظرنا مما قيل في مدح الشهيد ما كتبه استاذه

( فخر المحققين ) في حق الشهيد .

قال : الامام الاعظم ، افضل علماء العالم ، وسيد فضلاء بني آدم

مولانا شمس الحق والدين محمد بن مكي بن حامد ادام الله ايامه ( 1 ) :

وإن كان هذا التعبير متعارفا من الطلاب بالنسبة إلى شيوخهم ، فمن

الغريب ان يمدح استاذ تلميذه بمثل ذلك ، ولئن كان هذا المدح بمثل هذا

التعبير من فخر المحققين يدل على شئ فانما يدل على سمو مكانة التلميذ

الذي استأثر بقلب استاذه وعقله معا ، وبعثه على ان يعترف بأن ما استفاده

تلميذه الشاب منه لم يزد على ما استفاده هو من تلميذه .

ويقول عنه الشيخ محمد بن يوسف الكرماني القرشي الشافعي

في إجازته للشهيد :

المولى الاعظم الاعلم ، إمام الائمة ، صاحب الفضلين مجمع المناقب

والكمالات الفاخرة ، جامع علوم الدينا والآخرة ( 2 ) .

* ( هامش ) * ( 1 ) اجازات البحار .

( 2 ) نفس المصدر ( * ) .

ـ105ـ

ويقول الشهيد الثاني فيه : شيخنا وإمامنا المحقق البدل النحرير

المدقق ، الجامع بين منقبة العلم والسعادة ، ومرتبة العمل والشهادة الامام

السعيد أبي عبدالله الشهيد محمد بن مكي أعلى الله درجته كما شرف

خاتمته ( 1 ) :

وقال عنه المحق الكركي في إجازته للشيخ علي بن عبد العالي :

الامام شيخ الاسلام ، فقيه اهل البيت في زمانه ، ملك العلماء

علم الفقهاء ، قدوة المحققين والمدققين ، افضل المتقدمين والمتأخرين ( 2 ) .

وقال شيخنا الحر العاملي في كتابه ( امل الآمل ) :

كان عالما ماهرا ، فقيها محدثا ، محققا متبحرا ، كاملا جامعا لفنون

العقليات والنقليات ، زاهدا عابدا ، شاعرا أديبا منشئا ، فريد دهره ، عديم

النظير في زمانه ( 3 ) .

وقال عنه ( العلامة النوري ) في مستدرك الوسائل .

تاج الشريعة ، وفخر الشيعة ، شمس الملة والدين أبوعبدالله محمد

ابن الشيخ جمال الدين مكي أفقه الفقهاء عند جماعة من الاساتيذ ، جامع

فنون الفضائل ، وحاوي صنوف المعالي ، وصاحب النفس الزكية

القوية ( 4 ) .

* ( هامش ) * ( 1 ) مقدمة الروضة البهية من طبعتنا الحديثة . ج 1 . ص 5 .

( 2 ) إجازات البحار . الجزء 1 من المجلد السادس والعشرين

من الطبعة الحجرية .

( 3 ) أمل الآمل . الجزء 2 . ص 181 .

( 4 ) مستدرك الوسائل ، المجلد 3 . ص 437 ( * ) .

ـ106ـ

آثار الشهيد :

خلف لنا الشهيد الاول رحمه الله بعده مؤلفات قيمة أحصاها بعض

الباحثين إلى اثنين وثلاثين كتابا ، رغم كثرة مشاغله ، وصخامة المشاريع

التي كان يقوم بها : من نشر التشيع في سوريا ولبنان ، وتعريف ( الشيعة )

إلى أقطاب المذاهب الاسلامية الاخرى عن طريق إجراء اتصالات فكرية

معهم في مراكز الثقافة الاسلامية في وقته ، وتأسيس معهد للفقه في ( عاملة )

وتربية تلامذتة وطلابه ، وغير ذلك من ألوان النشاط الفكري والاجتماعي

الذي كان يقوم به ( الشهيد ) في حياته .

وما بين أيدينا من آثار الشهيد يكشف عن عقليته الضخمة ، وذهنيته

الواعية ، وذوقه السليم ، وفكره المجدد .

ولئن عرف ( الشهيد ) بالفقه والاصول بين الفقهاء فقد كان واسع

المعرفة بحقول العلم الاخرى ، ولا سيما ما يتصل بالعلوم العقلية كالفلسفة

والرياضيات .

وقد علمنا أنه تلقى الفلسفة بواسطتين عن حكيم الاسلام .

( المحقق نصير الدين الطوسي ) رحمه الله ونبغ فيها .

وتلقى عن ( فخر المحققين ) عن العلامة الحلي ) عن ( المحقق الحلي )

واستفاد من تجارب أساتذبه فقهاء ( مدرسة الحلة ) ، وبلغ أعلى مستويات

المدرسة على يد أستاذه ( فخر المحققين ) وهو بعد لم يتجاوز سني الشباب

فلم يجمد على المستوى نفسه . وإنما سعى لتطوير البحث الفقهي ، ورفع

مستواه عن المستوى الذي بلغه المحقق والعلامة .

وتميزه عن سلفه دقة نظره في المسائل الفقهية ، واستيعابه الكامل

ـ107ـ

لمختلف المسائل .

وحين تجتمع دقة النظر إلى استيعاب الفكرة ، والتعمق إلى التوسيع

في الدراسة والبحث ينشأ لون جديد من البحث ، ومستوى آخر من الدراسة

يختلف عن الالوان السابقة ، والمستويات المتقدمة في جميع الابعاد .

وهذا ما نعنيه من التجديد في الدراسة والبحث فلا يمكن إيجاد هزة

فكرية في بحث علمي مالم يشمل التجديد والتطور أبعاد البحث جميعا .

وتوفر للشهيد رحمه الله فوق ذلك نبوغ شخصي ينبع من نفسه

وأساتذة محققين كبار بالواسطة ، واتيح له كذلك أن يتصل بكبار علماء

السنة ومحققيهم ، وأن يلقح بين ثقافته الخاصة التي تلقاها في الحلة ، وبين

الثقافة السنية .

ولئن كان الشهيد لم يمزج الفقه الشيعي بالفقه السني - فيما وجدنا

من آثار - لكن هذا التلاقح أفاده كثيرا في توسيع فكره وتمكينه من التجديد والتطوير .

ومهما يكن من أمر فقد قدر للشهيد الاول رحمه الله أن يطور

من مناهج البحث الفقهي ، ويزيد فيها ويوسع من اطارها ، وينقح

من مبانيها ويزيدها جلالا وروعة ، وينظم أبوابها ومسائلها ، ويحيط

بأحكامها وفروعها ، ويصوغها صياغة جديدة ، وأن يرفع بكتبه إلى مستوى

المرجعية في التأليف والبحث والدراسة .

وفيما يلي نستعرض بعض آثار الشهيد رحمه الله :

ـ108ـ

آثاره الفقهية :

1 - ( اللمعة الدمشقية ) :

رسالة فقهية جليلة ، جمع فيها ( الشهيد ) أبواب الفقه ، ولخص فيها

أحكامه ومسائله .

وكتبها الشهيد جوابا لرسالة حاكم خراسان ( علي بن مؤيد )

التي كان يطلب اليه فيها أن يقدم عليهم بخراسان ، ليكون مرجعا

( للشيعة ) هناك .

ولما كانت الاجواء السياسية لا تسمح له بمغادرته ( دمشق ) اعتذر له

عن مجيئه وعوضه عن قدومه برسالة فقهية يجمع فيها أبواب الفقه باختصار

ليكون مرجعا ( للشيعة ) هناك فيما يعرض لهم من المسائل الفقهية .

وقد ألف الشهيد الرسالة مدة سبعة أيام ، ولم يحضره من المراجع

الفقهية غير ( المختصر النافع للمحقق الحلي ) رحمه الله ، وهذا يدل على إلمامه

الواسع بمسائل الفقه ، واحاطته بدقائقه وجزئياته ) يندر مثله في الفقهاء ،

ودفع الرسالة إلى ( الشيخ محمد الآوي ) وزير ( علي بن مؤيد )

من ملوك ( سربداران خراسان ) ، وأوصاه بالاسراع بها إلى الملك ( علي

ابن مؤيد ) والكتمان ، ولشدة حرص الآوي على العناية بالنسخة لم يسمح

لاحد باستنساخها عدى بعض الطلبة الذين سمح لهم به وهي في يده محافظة

على الكتاب .

وكان الشهيد في الايام التي تفرغ فيها لكتابة ( اللمعة الدمشقية )

يعيش مراقبا في بيته من قبل السلطة ، ولذلك فقد كان يتكتم في الكتابة .

ـ109ـ

ومن غريب ما يروى أن ( مجلس الشهيد ) حين كان مطلق السراح

وحين كان مراقبا في بيته كان مزدحما بعلماء العامة ، ورجال السياسة

من مختلف الاتجاهات ممن كان يتكتم أمامهم ، فلما شرع بكتابة اللمعة

لم يمر عليه أحد طيلة اشتغاله هذه الرسالة .

ومهما يكن من أمر فقد احتلت ( اللمعة ) القمة من بين المتون

الفقهية الشيعية ، إذ جمعت الوجازة والاختصار ، إلى روعة التعبير ، وضمت

هذه الخلال جميعا إلى تنسيق الابواب والاحكام والمسائل بشكل منظم

وتعميق النظر والفكر ، فقد كان ( الشهيد ) أديبا كبيرا شاعرا رقيق الشعر

واسع الخيال ، ولم تكن ثقافته مقصورة على الفقه والاصول .

وقد حاول ( الشهيد ) في رسالته هذه أن لايجمد على التعبيرات

الفقهية المتداولة في وقته ، وأن يحدث بعض التغيير في صياغة التعبير ، ويجد

في سبك العبارات وتنويعها ، ويحسن في تنويع العبارة :

واذا ضممنا إلى ذلك ايجاز التعبير ، واختصار الجمل الطويلة ، وتشذيب

الكلام من زوائد السجع ، والاسترسال في الكتابة من غير محاولة اصطناع

شئ مما كان يصطنعه أدباء زمانه من المحسنات البديعية علمنا سر خلود

( اللمعة ) وبقائها ، واحتفاظها بطابعها الرسمي في معاهد ( الفقه الشيعي )

على الاطلاق .

هذا بالاضافة إلى ما لو حظ في هذا الكتاب : من التنظيم الفني

والتنسيق الرائع لابواب الفقه وأحكامه ومسائله .

فقد ساير الشهيد ( المحقق الحلي ) في تنظيم كتب الفقه وأبوابه ، لكنه

زاد عليه بجملة من التحسينات نلمسها بوضوح حينما نراجع كلا

من ( المختصر النافع ) و ( اللمعة الدمشقية ) ، مع العلم أن المختصر النافع

كان المرجع الوحيد للشهيد في تأليف هذه الرسالة .

ـ110ـ

ففي هذا الكتاب يقدم الشهيد أحكام كل باب قبل أي شئ آخر

ثم يبحث عما يلحق بها من الملحقات ، ثم يتبعها بعرض المسائل التي تتبع

هذه الاحكام وترتبط بها ، ثم يستقصي المندوبات والمكروهات فيما إذا

كان في الباب مندوب ومكروه .

والذي يلفت النظر في هذا التنظيم والتبويب أنه يجمع إلى روعة

النظام استيعاب أطراف المسألة .

وحينما نضم روعة التنسيق إلى استيعاب الفكرة إلى الايجاز في التعبير

نحصل على مزاح فقهي وأدبي من أروع ما أنجزه الفكر الانساني ، ومن أسمى

ما تحتويه المكتبة الاسلامية .

وفي هذا الكتاب تلفت نظر الباحثين دقة فائقة في تحديد المصطلحات

الفقهية لم نعهد مثلها في المتقدمين عليه حتى من أمثال ( المحقق )

و ( العلامة ) ، وهذا شئ طبيعي لو عرفنا أن الشهيد درس الفقه

إلى المستوى الذي بلغه ( المحقق والعلامة ) ، وتفرغ بعد ذلك لتطوير هذا

المستوى وتشذيبه ، وإبعاد العوامل الغريبة عنه ، وتحديد مصطلحاته بشكل

أدق من ذي قبل .

والدراسة تختلف عن الصياغة والابداع ، فدرس ( الشهيد ) الفقه

إلى مستوى ( المحقق والعلامة ) ، واستقل بعد ذلك في تطوير الفقه

إلى مستوى آخر أعلى من المستويات السابقة .

ومهما يكن من أمر فقد اجتمعت عوامل كثيرة خلدت هذا الكتاب

وجعلته في القمة من المتون الفقهية ، وأبقت على طابعها الرسمي

في الحوزات العلمية و ( معاهد الفقه الشيعي ) من حيث المراجعة والتدريس

والتعليق والشرح .

وتوسع العلماء في شرح هذا الكتاب نذكر منها .

ـ111ـ

( الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية ) للشهيد الثاني ، وهي

............................................................................

- م. الروضةالبهيةشرح اللمعة من ص 111 سطر 1 الى ص 120 سطر 24

( الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية ) للشهيد الثاني ، وهي

من أجل هذه الشروح وأسماها .

و ( التحفة الغروية في ميراث اللمعة الدمشقية ) للشيخ خضر بن

شلال العفكاوي .

وشرح العالمة الفقيهة ابنة المولى الاصفهاني المعاصرة لصاحب الرياض .

وشرح والد صاحب الحدائق ، وغيرها : من الشروح الكثيرة

التي تناولت هذا الكتاب بالتعليق والايضاح .

2 - ( الدروس الشرعية في فقه الامامية ) :

كتاب جليل يشتمل على كثير من أبواب الفقه من الطهارة حتى الرهون

أدركته الشهادة قبل اتمامه .

شرع في تأليفه سنة 780 ، وفرغ من الجزء الاول سنة 784 وطبع

الكتاب بايران سنة 1269 .

ونظرا لاهمية الكتاب في عالم الفقه تصدى كثير من الفقهاء لشرحه

والتعليق عليه .

منها : شرح والد صاحب الرياض ، والشرح الموسوم بالعروة الوثقى

والشرح المسمى بمشارق الشموس ، وغيرها .

وللكتاب تكملة ( 1 ) .

* ( هامش ) * ( 1 ) راجع الذريعة ج 8 . ص 145 ( * ) .

ـ112ـ

3 - ( الالفية ) :

تشتمل على ألف واجب في الصلاة مرتبة على مقدمة وثلاثة فصول

وخاتمة ، وعليها شروح كثيرة ذكر في الذريعة ما يقرب من خمسين

شرحا ( 1 ) .

4 - ( النفلية ) : رسالة تشتمل على ثلاثة آلاف نافلة في الصلاة ، ألفها الشهيد بعد

الالفية ،

لها شروح كثيرة منها : شرح الشهيد الثاني المسمى :

ب ( الفوائد الملكية ) ( 2 ) .

5 - ( البيان ) :

كتاب في الفقه . خرج منه الطهارة والصلاة والزكاة والخمس

وأول الاركان الاربعة من الصوم فيما يجب الامساك عنه .

طبع في طهران سنة 1319 ( 3 ) .

* ( هامش ) * ( 1 ) راجع الذريعة ج 2 . ص 296 - 297 .

( 1 ) المصدر السابق وحياة الامام الشهيد . ص 62 .

( 3 ) الذريعة ج 3 . ص 174 ( * ) .

ـ113ـ

6 - ( ذكرى الشيعة في احكام الشريعة ) ،

خرج منه الطهارة والصلاة ، وفرغ حم تأليفه سنة 786 .

وعليها حواشي كثيرة عد شيئا كثيرا منها الشيخ آغا بزرك

في الذريعة ( 1 ) .

7 - ( غاية المراد في شرح نكت الارشاد ) :

المتن للعلامة الحلي ، وشرحه الشهيد على نسق القدماء : من تقديم

المتن والتعقيب عليه بشكل التعليق ، وهو من الطهارة إلى كتاب الايمان .

فرغ منه سنة 757 ، وطبع في ايران مرارا منها : طبعة سنة 1302 ( 2 ) .

8 - ( القواعد والفوائد ) :

كتاب جليل يضم ما يقرب من 300 قاعدة فقهية ما عدى الفوائد

والتنبيهات .

وعلى الكتاب حواش وتعليقات كثيرة ، ذكر جزءا منها العلامة

الجليل آغا بزرك في الذريعة ( 3 ) .

* ( هامش ) * ( 1 ) الذريعة . ج 10 . ص 40 . وج 6 . ص 86 .

( 2 ) حياة الامام الشهيد . ص 63 .

( 3 ) الذريعة ج 6 . ص 173 . وحياة الامام الشهيد ص 62 ( * ) .

ـ114ـ

9 - ( اربعون حديثا ) :

أكثرها في العبادات العامة . طبع في إيران مع ( غيبة النعماني )

سنة 1318 ( 1 ) .

10 - ( خلاصة الاعتبار في الحج والاعتمار ) :

رسالة صغيرة في المناسك ، نقلها العلامة الامين في معادن الجواهر ( 2 )

11 - ( جواز ابداع السفر في شهر رمضان ) :

رسالة شريفة في تحقيق هذه المسألة بصورة مبسوطة ، ذكر في أوله

الظاهر من مذاهب العلماء في سائر الاعصار والامصار جوازه ، مع

إجماعنا على كراهة ذلك ، لنا عشرون طريقا : الاول - وهو العمدة -

التمسك بقوله تعالى : من كان مريضا . . ( 3 ) .

12 - ( جوابات الفاضل المقداد ) :

وهي مجموعة الاجوبة على أسئلة الفاضل المقداد بن عبدالله السيوري

تلميذ الشهيد البالغة سبعا وعشرين مسألة ، توجد مع بعض رسائل الشيخ

أحمد بن فهد الحلي ضمن مجموعة في الخزانة الرضوية ( 4 ) .

* ( هامش ) * ( 1 ) راجع الذريعة ج 1 . ص 427 .

( 2 ) نفس المصدر ج 7 . ص 214 .

( 3 ) نفس المصدر ج 5 . ص 241 .

( 3 ) نفس المصدر ج 5 . ص 212 ( * ) .

ـ115ـ

13 - ( احكام الاموات ) :

رسالة فقهية في احكام الاموات من الوصية إلى الزيارة ( 1 ) .

14 - ( مجموعة الشهيد الاول ) :

وهي ثلاث مجلدات كبار .

قال عنها الشيخ آغا بزرك في مصفى المقال :

كتب الشهيد الاول ثلاث مجاميع ذات فوائد كثيرة .

وقال في الذريعة : إنها ثلاث مجاميع ينقل عنها في البحار في المجلد

الاول رسائل لمختلف العلماء ، كتبها بالحلة سنة 776 .

والمجلد الثاني اختصار الجعفريات ( 2 ) .

15 - ( جوابات مسائل الاطراوي ) :

مجموعة أجوبة الشهيد على مسائل السيد بدر الدين الحسن بن أيوب

ابن نجم الدين الاطراوي العاملي تلميذ الشهيد ، سألها عنه في قرية اطراء

العاملية ( 3 ) .

* ( هامش ) * ( 1 ) راجع الذريعة ج 1 . ص 295 :

( 2 ) راجع حياة الامام الشهيد ص 67 .

( 3 ) نفس المصدر ص 68 ( * ) .

ـ116ـ

116 - ( مسائل ابن مكي ) :

مرتبة على أبواب الفقه . وألفت في السنة التي استشهد فيها ، وهي

سنة 786 .

وقيل : انها آخر مؤلفاته ( 1 ) .

17 - ( جامع البين من فوائد الشرحين ) :

والشرحان للاخوين الاعرجيين : السيد عميد الدين : والسيد ضياء الدين

ابنا اخت العلامة الحلي واستاذا الشهيد على كتاب ( تهذيب طريق الوصول

إلى علم الاصول ) لخالهما العلامة الحلي ، وقد جمع الشهيد بين فوائد

الشرحين وزاد عليهما فوائد أخرى ،

قال في كشف الحجب : إن ( الجامع ) هذا تأليف الشيخ السعيد

أبي عبدالله محمد بن مكي الشهيد ، وبما أنه ألفه في أوائل شبابه ولم يراجع

المسودة بقيت النسخة غير منقحة فوجدها الشيخ عز الدين حسين بن

عبدالصمد تلميذ الشهيد الثاني ووالد الشيخ البهائي والمتوفى سنة 984

وأصلحها في سنة 941 .

وقال بعد تمام الاصلاح : ثم إن الشيخ الشهيد ميز ما اختص به

شرح ضياء الدين بعلامة ( ض ) وما اختص به شرح العميد بعلامة ( ع )

وانا تابعته في ذلك ( 2 ) .

* ( هامش ) * ( 1 ) المصدر السابق ،

( 2 ) راجع الذريعة ج 5 . ص 44 ( * ) .

ـ117ـ

18 - ( حاشيته على الذكرى ) :

والاصل له أيضا ، ذكر في الذريعة أن له حواشي على كتابه

ذكرى الشيعة ، كما يظهر من حاشية البويهي عليها ، حيث صرح فيها

أنه ينقله عنها ( 1 ) .

تلك جملة مما بلغنا من آثار الشهيد الفقهيه .

وهذا وحده يكفي للدلالة على ضخامة العمل الفقهي الذي قام به

الشهيد ، والاثر الكبير الذي تركه في تطوير البحث الفقهي ، ومناهج

الدراسة الفقهية والاصولية .

وقد فتح الشهيد في كتاباته هذه أبوابا للباحثين بعده ، كما سد فجوات

كثيرة في البحث الفقهي من حيث المنهج والاستدلال .

وقد كان مؤلفات الشهيد الفقهية موضع عناية الفقهاء واهتمامهم دائما

وعلى امتداد ( تاريخ الفقه الجعفري ) ، فكثر التعليق والشرح على كتب

الشهيد من المتقدمين والمتأخرين .

ومهما يكن من أمر فقد خلف الشهيد من بعده ثروة فقهية ضخمة

كانت ولا تزال إحدى ركائز ، ومقومات تراثنا الفكري .

آثاره الاخرى :

19 - ( العقيدة ) :

رسالة صغيرة في العقيدة الاسلامية :

* ( هامش ) * ( 1 ) راجع الذريعة ج 10 . ص 40 ( * ) .

ـ118ـ

20 - ( اختصار الجعفريات ) :

والاشعثيات ، أو الجعفريات من الكتب القديمة يشتمل على نحو

ألف حديث ، اختصره الشهيد بما يقرب من الثلث .

21 - ( مزار الشهيد ) :

وتسمى ب : ( منتخب الزيارات ) ويحتوي على جملة من الزيارات

وترجمت إلى الفارسية .

22 - ( المقالة التكليفية ) :

رسالة في العقائد والكلام ، فرغ الشهيد من تأليفها سنة 769

شرحها الشيخ زين الدين يونس البياضي باسم ( الرسالة اليونسية في شرح

المقالة التكليفية الشهيدية ) .

23 - ( مجموعة الاجازات ) :

وهي ما جمعها الشهيد من إجازات العلماء المتقدمين .

24 - ( شرح قصيدة الشفهيني ) :

والقصيدة في مدح ( الامام أميرالمؤمنين ) عليه السلام ، شرحها

الشهيد ، وقد وقف الشفهيني على الشرح فأعجب به ، وأرسل إلى الشهيد

ـ119ـ

عشرة أبيات يمدحه بها ، منها :

فكأنه وجواده وحسامه * وسنان مسعده دليل اسود

قمر على فلك وراءه مذنب * وأمامه والليل داج فرقد

ولعل القصيدة التي شرحها الشهيد من شعر الشفهيني - كما رجحه

الشيخ آغا بزرك في الذريعة - هي التي مطلعها :

- يا عين ما سفحت عزوب دماك * إلا بما ألهمت حسب دماك

ويبدو أن هذا الشرح كان من عمل الشهيد في أوان دراسته ( 1 ) .

تلاميذه :

استقل الشهيد بالتدريس في الحلة ، والتف حوله طلاب الففه

والاصول يدرسون عليه مناهج الاستنباط والفقه ، وعرف الشهيد في الحلة

بتدريسه لقواعد العلامة والتهذيب ، وعلل الشرايع ، وكتب أخرى في الفقه

والاصول والحديث .

ولم يقتصر الشهيد على التدريس في الحلة ، أو في جزين في مدرسته

الخاصة ، وانما كان يقوم بالتدريس في رحلاته التي كان يقوم بها بين

حين وآخر إلى ( الحجاز ) أو ( مصر ) أو ( سوريا ) أو ( فلسطين )

أو ( العراق ) أو غيرها من الاقطار الاسلامية .

وقد استطاع الشهيد في هذه المدة وفي خلال رحلاته وإقامته في الحلة

وفي دمشق وفي جزين أن يرى عددا كبيرا من العلماء الذين خلفوه في مكانته

العلمية والدينية .

* ( هامش ) * ( 1 ) يراجع فيما تقدم من آثار الشهيد غير الفقهية كتاب حياة الامام

الشهيد للشيخ محمد رضا شمس الدين ( * ) .

ـ120ـ

ولكي يلمس القارئ شيئا من جهود الشهيد في تربية تلاميذه من الذين

خلفوه بعده في الفقاهة والتدريس أعرض اسماء نفر منهم :

1 - السيد أبوطالب احمد بن القاسم بن زهرة الحسيني ، تلمذ

على الشهيد وحضر عنده ( 1 ) .

2 - الشيخ جمال الدين أحمد بن النجار صاحب الحاشية

على ( قواعد العلامة الحلي ) ، جمع فيها تحقيقات شيخه الشهيد ونظرياته

في الفقه ( 2 ) .

3 - الشيخ جمال الدين أبو منصور حسن بن الشهيد الاول ، أجازه

والده الشهيد مع أخويه وصورة الاجازة في البحار ( 3 ) .

4 - الشيخ ضياء الدين ابوالقاسم علي ابن الشهيد المتوسط ، وله

عن أبيه إجازة .

5 - الشيخ رضي الدين أبوطالب محمد اكبر أبناء الشهيد ، أجازه

أبوه مرتين ( 4 ) .

6 - الفقيهة الفاضلة فاطمة المدعوة بست المشائخ ، تروي عن أبيها

وعن السيد تاج الدين ابن معية إجازة ، وكان أبوها يثني عليها ويأمر

النساء بالاقتداء بها ، والرجوع اليها ( 5 ) .

وقد عني الشهيد بتربية بنته هذه وتثقيفها فكانت مثال المرأة المؤمنة

المثقفة ، وكانت موضع احترام وعناية الفقهاء والناس عامة ، حتى أنها

* ( هامش ) * ( 1 ) راجع روضات الجنات الجزء 2 . ص 34 .

( 2 ) حياة الامام الشهيد الاول .

( 3 ) بحار الانوار . الجزء 2 . ص 34 .

( 4 ) الذريعة . الجزء 1 . ص 248 .

( 5 ) شهداء الفضيلة . ص 91 ( * ) .

ـ121ـ

لما توفيت في قرية جزين حضر تشييعها سبعون مجتهدا من ( جبل عامل ) .

............................................................................

- م. الروضةالبهيةشرح اللمعة من ص 121 سطر 1 الى ص 130 سطر 20

لما توفيت في قرية جزين حضر تشييعها سبعون مجتهدا من ( جبل عامل ) .

ولسنا نملك نحن أثرا فقهيا عن هذه السيدة الجليلة ، لكن بين

أيدينا وثيقة كتبتها ست المشائخ لاخويها تهب بها ما يخصها من تركة

أبيها في جزين لاخويها ، ابتغاء لوجه الله ، وفي قبال ذلك يعوضها أخواها

بكتب في الفقه للشيخ والشهيد ، وإليك نص الوثيقة ،

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد الله الذي وهب لعباده ما شاء ، وأنعم على أهل العلم والعمل

بما شاء . وجعل لهم شرفا وقدرا وكرامة ، وفضلهم على الخلق

بأعمالهم العالية ، وأعلى مراتبهم في دار الدنيا والآخرة ، وشهد بفضلهم

الانس والجان .

والصلاة والسلام الاتمان والاكملان على سيدنا محمد ولد عدنان

المخصوص يجوامع الكلم الحسان ، وعلى آله وأصحابه أهل اللسن واللسان

والساحبين ذيول الفصاحة على سحبان ، وعلى تابعيهم ومن تابعهم ما اختلف

الجديدان ، وأضاء القمران .

أما بعد : فقد وهبت الست فاطمة أم الحسن أخويها : أبا طالب

محمدا ، وأبا القاسم عليا سلالة السعيد الاكرم ، والفقيه الاعظم ، عمدة

الفخر وفريد عين الزمان ووحيده ، محيي مراسم الائمة الطاهرين

سلام الله عليهم أجمعين ، مولانا شمس الملة والدين محمد بن احمد بن

حامد بن مكي قدس سره ، المنتسب لسعد بن معاذ سيد الاوس أما

قدس الله أرواحهم جميعا ما يخصها من تركة أبيها في ( جزين ) وغيرها

هبة شرعية ، ابتغاءا لوجه الله تعالى . ورجاءا لثوابه الجزيل .

ـ122ـ

وقد عوضا عليها كتاب ( التهذيب ) للشيخ رحمه الله ، وكتاب

( المصباح ) له ، وكتاب ( الذكرى ) لابيها رحمه الله ، و ( القرآن )

المعروف بهدية علي بن مؤيد ( 1 ) .

وقد تصرف كل منهم ، والله الشاهد عليهم ، وذلك في اليوم

الثالث من شهر رمضان العظيم قدره الذي هو من شهور سنة ثلاث

وعشرين وثمانمائة ، والله على ما نقول وكيل ، وشهد بذلك خالهم المقدام

علوان بن أحمد بن ياسر ، وشهد الشيخ علي بن الحسين بن الصائغ ، وشهد

بذلك الشيخ فاضل بن مصطفى البعلبكي ( 2 ) .

وهذه الوثيقة وحدها تكفي للدلالة على مكانة هذه السيدة السامية

وجلالتها ، وسمو أخلاقها ، وعنايتها بالعلم والعلماء ، والكتب الفقهية

ولهجتها الوثيقة تكشف عن نفسية كريمة ، وأدب إسلامي رفيع ، وتواضع

جم للعلم والعلماء .

7 - السيد بدر الدين الحسن بن أيوب الشهير بابن الاعرج الاطراوي

العاملي ، كان من معاريف تلاميذ الشهيد كما في ( أمل الآمل ) .

8 - الشيخ عبدالرحمان العتائقي صاحب المؤلفات الكثيرة تلقى

عن الشهيد كثيرا من العلوم .

9 - الشيخ شرف الدين ابوعبدالله المقداد بن عبدالله المعروف

بالفاضل السيوري الحلي صاحب ( شرح الباب الحادي عشر ) ، يروي

عن الشهيد كما في الكنى والالقاب .

10 - الشيخ محمد بن تاج الدين عبد علي الشهير بابن نجدة ، اجازه

* ( هامش ) * ( 1 ) مر ذكره في ( ملوك خراسان ) سربدران عاشوا في سبزوار

احدى مدن خراسان الكبرى .

( 2 ) الكنى والالقاب الجزء 2 ص 342 - 344 ( * ) .

ـ123ـ

الشهيد في رمضان سنة 770 وصرح فيها بأنه سمع من مؤلفاته ، وسمع منه

كتاب ( التحرير ) و ( الارشاد ) و ( المناهج ) و ( نهج المسترشدين )

و ( شرحي النظم والياقوت ) للعلامة الحلي و ( خلاصة المنظوم )

لابن مالك و ( اللمع في النحو ) لابن جني و ( الشرائع ) للمحقق

و ( مختصر مصباح الطوسي ) وغير ذلك ( 1 ) .

مدرسة جزين :

كان الشيعة في ( جبل عامل ) و ( سوريا ) عامة - وهم قلة في البلد

في عهد ( الامويين والعباسيين ) يعيشون تحت ضغط الارهاب السياسي

وكان هذا الضغط والارهاب السياسي يمنعهم من القيام بنشاط ثقافي

أو سياسي ملموس .

حتى إذا دالت ( دولة العباسيين ) وظهرت ( دولة البويهيين )

في ( العراق وفارس ) .

و ( دولة الحمدانيين ) في ( الموصل وحلب ) .

و ( دولة العلويين ) في ( مصر والشام والحجاز وافريقيا ) استطاع

الشيعة أن يجاهروا بنشاطهم الثقافي والسياسى ، وأن يدعوا علانية

إلى التشيع .

فظهر في هذه الفترة نشاط سياسي وثقافي ملموس للشيعة في ( سوريا )

عامة ، وفي ( جبل عامل ) خاصة ، مما نستعرضها قريبا عند الحديث

عن الجانب السياسي من حياة الشهيد .

* ( هامش ) * ( 1 ) يراجع فيما تقدم من تلاميذ الشهيد حياة الامام الشهيد والروضات

والكنى والالقاب والذريعة ( * ) .

تصحيح كننده امين الله موحدى

ـ124ـ

فكان من أثر ذلك ظهور ( مدرسة حلب ) لبني زهرة ، وظهور

نشاط ثقافي شيعي في ( جبل عامل ) ، فقد كثرت ( المدارس الفقهية الشيعية )

في جبل عامل ، وقوى النشاط الثقافي في هذا القطر .

وأول مدرسة فقهية افتتحت في هذا القطر هي ( مدرسة جزين )

للشهيد الاول ،

ويبدو أنها كانت طليعة النشاط الثقافي والسياسي الشيعي في جبل

عامل ، فحين اكتمل الشهيد دراسة في الحلة ، وفرض نفسه على الاوساط

الثقافية ، واحتل لنفسه مكانة رفيعة فيها رجع إلى ( جزين ) مسقط رأسه

وفيها ابتدأ بنشاط ثقافي وسياسي ملموس لنشر التشيع والفقه الشيعي في هذه

الاقطار ، فأسس معهدا كبيرا لتدريس الفقه والاصول على مستويات مختلفة

في جزين ، عرف ب : ( مدرسة جزين ) .

وقدر لهذه المدرسة بفضل عناية مؤسسها الشهيد أن تربي عددا

كبيرا من الفقهاء والاصوليين ، وأن تخرج جمعا كبيرا من المفكرين

لاسلاميين ( 1 ) .

ذلك جانب من ثقافة الشهيد وآثاره في الفقه والاصول ، وما ترك

من أثر كبير في تطوير مناهج دراسة الفقه والاصول ، وتماذج من تلاميذه

من الفقهاء ومنشآته الثقافية .

ويخال إلي أن القارئ يستطيع بعد هذا العرض السريع للجانب الثقافي

من حياة الشهيد ان يلمس طرفا من شخصية الشهيد الثقافية وأثره الكبير

في ( تاريخ الفقه الشيعي ) .

* ( هامش ) * ( 1 ) راجع تاريخ جبل عامل . ص ( 234 ) ( * ) .

ـ125ـ

شعر الشهيد :

لم يقتصر الشهيد - كما ذكرنا طي الحديث المتقدم - على الفقه

والاصول والدراسات الكلامية ، وانما كان مع ذلك أديبا كاتبا وشاعرا

بالاضافة ألى كونه فقيها من الرعيل الاول .

ونثر الشهيد كما نلمسه نحن من خلال كتبه ( كاللمعة الدمشقية

والقواعد والذكرى والدروس ) يمتاز بقوة الادلة والبساطة والوضوح

وعدم الالتواء والتعقيد ، ولا يجد الباحث في نثر الشهيد شيئا من التعقيد

والالتواء ، واصطناع السجع والزخرفة البديعية التي كان يتعارفها الكتاب

فيما سبق .

وشعره - وإن قل - يمتاز بالرقة ، ودقة التصوير ، وروعة الديباجة

والمس المباشر للنفس ، وجمال التعبير ، وجودة الاداء . فمن شعره :

غنينا بنا عن كل من لا يريدنا وإن كثرت أوصافه ونعوته

ومن صد عنا حسبه الصد والقلا ومن فاتنا يكفيه أنا نفوته ( 1 )

ومنه قوله في المناجاة :

عظمت مصيبة عبدك المسكين في نومه عن مهر حور العين

الاولياء تمتعوا بك في الدجى بتهجد وتخشع وحنين

فطردتني عن قرع بابك دونهم أتري لعظم جرائمي سبقوني

أوجدتهم لم يذنبوا فرحمتهم أم أذنبوا فعفوت عنهم دوني

إن لم يكن للعفو عندك موضع للمذنبين فأين حسن ظنوني ( 2 )

* ( هامش ) * ( 1 ) روضات الجنات . الجزء 2 . ص 591 .

( 2 ) نفس المصدر ( * ) .

ـ126ـ

ومن قوله في مسايرة ابن الجوزي في قوله :

أقسمت بالله وآلائه إليه ألقى بها ربي

إن علي بن أبي طالب امام أهل الشرق والغرب

من لم يكن مذهبه مذهبي فانه أنجس من كلب

فقال الشهيد :

لانه صنو نبي الهدى من سيفه القاطع في الحرب

وقد وقاه من جميع الردى بنفسه في الخصب والجدب

والنص في الذكر وفي " إنما وليكم " كاف لذي لب

من لم يكن مذهبه هكذا فانه أنجس من كلب ( 1 )

ومنه قوله :

بالشوق والذوق نالوا عزة الشرف لا بالدلوف ولا بالعجب والصلف

ومذهب القوم أخلاق مطهرة بها تخلقت الاجساد في النطف

صبر وشكر وايثار ومخمصة وأنفس تقطع الانفاس باللهف

والزهد في كل فاق لا بقاء له كما مضت سنة الاخيار في السلف

قوم لتصفية الارواح قد عملوا وأسلموا عوض الاشباح للتلف

ما ضرهم رث أطمار ولا خلق كالدر حاضرة مخلوق الصلف

لا بالتخلق بالمعروف تعرفهم ولا التكلف في شئ من الكلف

يا شقوتي قد تولت أمة سلفت حتى تخلفت في خلف من الخلف

ينحقون تزاوير الغرور لنا بالزور والبهت والبهتان والسرف

ليس التصوف عكازا ومسبحة كلا ولا الفقر رؤيا ذلك الشرف

وإن تروح وتغدو في مرقعة وتحتها موبقات الكبر والشرف

وتظهر الزهد في الدنيا وأنت على عكوفها كعكوف الكلب في الجيف

* ( هامش ) * ( 1 ) روضات الجنات . الجزء 3 . ص 593 .

ـ127ـ

الفقر سر وعنك النفس تحجبه فارفع حجابك تجلو ظلة التلف

وفارق الجنس واقر النفس في نفس وغب عن الحس واجلب ما شئت واتصف

واخضع له وتذلل إذ دعيت له واعرف محلك من آباك واعترف

وقف على عرفات الذل منكسرا وحول كعبة عرفان الصفا فطف

وادخل إلى حبوة الافكار مبتكرا وعد إلى حانة الاذكار بالصحف

وإن سقاك مدير الراح من يده كأس التجلي فخذ بالكأس واغترف

واشرب واسق ولا تبخل على ظمأ فان رجعت بلا ري فوا أسفى

وله شعر يخاطب ( بيد مر ) حاكم دمشق عندما حبسه في قلعة

دمشق بتهمة وجهها إليه أعداؤه في حديث طويل بأن يتظلم فيه إليه عما اسند

اليه من التهم وعن حياة السجن :

يا أيها الملك المنصور بيدمر بكم خوارزم والاقطار تفتخر

إني اراعي لكم في كل آونة وما جنيت لعمري كيف اعتذر

لا تسمعن في أقوال الوشاة فقد باؤوا بزورو إفك ليس ينحصر

والله والله أيمانا مؤكدة إني برئ من الافك الذي ذكروا

عقيدتي مخلصا حب النبي ومن أحبه وصحاب كلهم غرر

الفقه والنحو والتفسير يعرفني ثم الاصولان والقرآن والاثر

وما تقدم من نماذج من شعر الشهيد يكفي ليلمس القارئ معالم

الرقة والجمال في الاداء والتعبير في ( شعر الشهيد ) رحمه الله تعالى .

ـ128ـ

ب - جهاده

عصر الشهيد :

لكي ندرس الجانب السياسي من ( حياة الشهيد ) ودوره في الجهاد

وإنجازاته ينبغي أن ندرس قبل ذلك الظروف الاجتماعية والسياسية التي

عاصرها الشهيد ، والاتجاهات الدينية والسياسية السائدة في عصره ، لنلمس

من وراء ذلك موقف الشهيد من هذه الحركات والاتجاهات وأثره

في الحياة الاجتماعية ، ونوعية الدعوة التي كان يقوم بأعبائها في حقل

العمل الاجتماعي ، من اصلاح وتوجيه وبناء .

أما أن نستعرض حوادث من ( حياة الشهيد ) ومواقفه وشهادته

مما ترددها كتب التراجم : من ميزان نحاول أن نربط بعضها ببعض ، وان

نربطها جميعا بالظروف الاجتماعية التي كان يعيشها ، وأن نملا به بعد ذلك

الفجوات والفراغات التي تلاحظ في ترجمة الشهيد ، فهذا العمل

- إن صح أن يكون ترجمة لحياة الشهيد - فلا يكون دراسة وحثا عن حياة

الشهيد ولذلك كله آثرنا أن نعبد الطريق للقارئ ، لنشرف معه على سير

الحياة الاجتماعية في عصر الشهيد ، على أن لا نخرج عن هذا البحث

من غير طائل كبير .

انحلال الدولة الاسلامية :

اتخذ ( بنو العباس ) سياسة قاسية بالنسبة إلى ( الشيعة والعلويين )

وغالى في هذا السلوك ( المتوكل العباسي ) بشكل فظيع .

ـ129ـ

وإذا علمنا أن ( العلويين والشيعة ) عامة كانوا من أهم عوامل

ظهور ( الدولة العباسية ) وانحلال الحكم الاموي عرفنا كم كانت

( الشيعة ) تعاني من هذا السلوك في ظلال الحكم العباسي ، وكم كان

يخالجهم الشعور بالندم على اسناد الحكم العباسي ، وتدعيمه والاغترار

بعهودهم ، ولم يجد الشيعة أي مبرر لمثل هذا الضغط والعنف في السلوك

من قبل الجهاز الحاكم .

وهذا ما حدى بهم إلى التفكير في اللاستقلال عن حكومة بغداد

العباسية ولكن قوة الحكم العباسي وامتداد سيطرتهم إلى أطراف البلاد

كان يمنع ( الشيعة ) عن القيام بأية محاولة للانفصال والاستقلال ، حتى اذا

ظهر الضعف في جهاز الحكم العباسي ، وضعفت سيطرته على البلاد

ظهر الانحلال في الحكم العباسي ، وانفصل كثير من البلدان عن الحكومة

( الام ) في ( بغداد ) وكان أصلح الاقطار الاسلامية للاستقلال

والانفصال عن الحكم العباسي هو ( إيران ) و ( الاندلس ) و ( افريقيا ) :

أما ( الاندلس ) فقد انفصلت من الحكم العباسي منذ بدء تأسيسه

حيث فر اليها ( عبدالرحمن بن معاوية بن هشام ) ، وواليها من بعد

عبدالرحمن بن يوسف الفهري ، وبقى فيها عاما يخطب للسفاح حتى اذا

استقام به الامر ولحقه أهله من بني أمية استقل في الحكم ، وألغى ذكر

بني العباس في الخطبة ( 1 ) ، فكان ذلك سنة 138 ه .

وبقيت ( الاندلس ) تحت حكم الامويين إلى سنة 422 ه .

أما في ( ايران ) و ( افريقيا ) فكان طابع النشاط السياسي هو

التشيع واستطاعت ( الشيعة ) في هذين القطرين بشكل خاص أن يقوموا

بوجوه مختلفة من النشاط السياسي ، ويظهروا انفصالهم عن بغداد ، وحتى

* ( هامش ) * ( 1 ) راجع سمط النجوم العوالي . الجزء 3 ص 405 ( * ) .

ـ130ـ

أن يدخلوا ( بغداد ) في بعض الاحيان .

فقد عرف ( الشيعة ) في تاريخ الاسلام بالحركة والنشاط الدائم

ومقاومة الطغيان والاستبداد والانحراف في اجهزة الحكم .

والامر ما كانت للسلطات تلاحقهم في كل مكان ، وتراقب حركاتهم

ومكانهم أشد المراقبة ، فحين أخذت ( الحكومة العباسية ) بالانحراف

وأمضت في الضلال خرج ( الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن السبط )

مع جماعة من أهل بيته منهم ( إدريس ويحيى ) ، واستولى على المدينة

وطرد عنها عامل ( الهادي العباسي ) ، وكان الموسم موسم حج ، فخرج

هو وأصحابه إلى الحج ، حتى إذا بلغوا موقعا قريبا من مكة يقال له :

( فخ ) أرسل اليهم الحاكم العباسي جيشا وضع فيهم السيف حتى قتل

جمعا كثيرا منهم ، وفيهم ( الحسين الفتح ) نفسه ، وكان ذلك في يوم

التروية ( 1 ) ، ونجى منهم فيمن نجى ادريس بن عبدالله ويحيى بن

عبدالله :

أما ( يحيى ) ففر إلى الديلم والتف حوله الناس ، فأرسل الرشيد إليه

جيشا بقيادة الفضل بن يحيى فكاتبه الفضل ، وأعطاه الامان ، بآثر يحيى

السلم على الحرب وذهب إلى ( بغداد ) بأكرمه الرشيد ثم غدر به ( 2 ) . * ( هامش ) * ( 1 ) راجع الطبري . الجزء 10 . ص 24 - 32 .

وابن كثير الجزء 10 . ص 40 .

وابن أثير الجزء 6 . ص 32 . 34 .

( 2 ) راجع مقاتل الطالبيين . ص 463 - 483 ( * ) .

ـ131ـ

دولة الادارسة ( 172 - 375 ) :

............................................................................

- م. الروضةالبهيةشرح اللمعة من ص 131 سطر 1 الى ص 140 سطر 22

دولة الادارسة ( 172 - 375 ) :

أما ادريس ففر إلى مصر ، ومنها إلى المغرب ، واجتمعت حوله

قبائل البربر وغيرهم ، واشتد أمره واستمر حكمهم قرنين وثلاث سنين

وامتدت سلطتهم في المغرب ، وكانت حاضرة ملكهم مدينة فاس ( 1 ) .

وقد استطاع الادارسة في هذه الفترة أن يخدموا المغرب كثيرا ، وأن

يخلفوا تراثا حضاريا ومدنيا قيما ، وأن ينشروا التشيع في هذا القطر

من الارض .

الفاطميون :

وفي سنة 286 هجرية بعدما ضعفت ( الدولة العباسية ) أخذ

( ابوعبدالله الشيعي ) ، يدعو لعبيد بن المهدي في ( إفريقيا ) وأخذ البيعة

وانتزع افريقيا من ( بني الاغلب ) واستولى عليها وعلى الغرب الاقصر

والشام ، واقتطعوا سائر هذه الاقطار من ( العباسيين ) ، واستمر حكمهم

إلى سنة 567 وامتد نفوذهم إلى ( مصر والحجاز واليمن ) .

وكان ( الفاطميون ) شيعة اسماعيلية ، سعوا كثيرا لنشر التشيع

في ( مصر وافريقيا ) والاقطار الاخرى التي كانت تحت يدهم .

وربما جاز لنا أن نقول : ان ظهور ( الفاطميين ) واستيلاءهم

على الحكم وحرصهم على نشر ( التشيع ) ومعارضة المذاهب الاخرى

* ( هامش ) * ( 1 ) راجع تاريخ الاسلام للدكتور حسن ابراهيم حسن . الجزء 3

ص ( 162 - 167 ) ( * ) .

ـ132ـ

كان رد فعل طبيعي للعنف والضغط الذي كانت ( الشيعة ) تنوء به

أيام الحكم العباسي .

دوله مستقلة اخرى :

استقل ( الحمدانيون ) في ( الموصل وحلب ) ، وإمتد حكمهم

من 317 إلى 394 .

وظهر باليمن ( يحيى بن الحسن بن القاسم الرسي ، وهو إبن

( ابراهيم طباطبا ) ، وملك صعدة وصنعاء ، وظهر ( القرمطي ) بنواحي

( البحرين وعمان ) وسار اليهما سنة 279 أيام المعتضد ، واستمر حكمهم

إلى القرن الرابع .

وخلال هذه الفترة استبد ( بنو سامان ) بما وراء النهر آخر أعوام

260 ، وامتد حكمهم إلى آخر القرن الرابع ، ثم اتصلت دولة أخرى

في مواليهم ب ( قرنة ) منتصف المائة السادسة .

وكانت للاغالبة بالقيروان وافريقية دولة اخرى استقلت منذ أيام

الرشيد ، واستمرت إلى أوائل المائة الثالثة ، ثم أعقبتها دولة أخرى

لمواليهم ( بني طنج ) موالي كافور إلى الستين والثلاثمائة ( 1 ) .

واستقل ( بنو بويه ) في الحكم من سنة 334 ، واستمر حكمهم

إلى سنة 447 ، وامتد سلطانهم على جزء كبير من الوطن الاسلامي

عن ( فارس والاهواز وكرمان وبغداد ) وغيرها .

خدم ( البويهيون ) التشيع أيام حكمهم ، ونشروا المذهب

* ( هامش ) * ( 1 ) راجع سمط النجوم . تأليف عبدالملك بن حسين العصامي المكي

الجزء 3 . ص 406 و 407 ( * ) .

ـ133ـ

في ( إيران والعراق ) وخلفوا تراثا فكريا قيما من بعدهم ، ولسنا بصدد

الحديث منه .

وتأسست ( الدولة الايوبية ) سنة 564 ، وامتد سلطانهم أيام

( صلاح الدين ) من النيل إلى دجلة ، وفي أيامهم وقعت الحرب الصليبية

المعروفة بين المسلمين والمسيحيين ، وعرفت ( الدولة الايوبية ) بطابعها

السني المجافي للشيعة .

خلف الايوبيون في الحكم ( المماليك ) وهذه السلسلة غريبة

في وضعها ، فقد تعاقب الحكم فيها عبيد من جنسيات مختلفة ، واستمر

سلطانهم نحوا من قرنين وثلاثة أرباع قرن ، وكانوا بشكل عام سفاكين

وغير مثقفين ( 1 ) .

ويقسم المماليك إلى المماليك البحرية ( 1250 م 1390 م ) والمماليك

البرجية ( 1382 م - 1517 م ) فالبحرية سموا بذلك نسبة إلى النيل ، إذ

كانت ثكناتهم تقوم على جزيرة صغيرة في نهر النيل ، وكان أكثرهم

من الترك والمغول .

أما البرجية فكانوا في الغالب من الجراكسة .

الجراكسة :

استولى ( ملوك الجراكسة ) على الحكم بعد المماليك البحرية الذين

كانوا امتدادا لدولة الايوبيين . وكان ابتداء ملكهم سنة أربع وثمانين وسبعمائة

واستمر حكمهم مائة وثمانية وثلاثون سنة ، وكانت عاصمة حكمهم

( القاهرة ) وأول ملوكهم الملك الظاهر سيف الدين ( برقوق ) .

* ( هامش ) * ( 1 ) راجع تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين - فليب حتى . الجزء 2

ص 267 ( * ) .

ـ134ـ

برقوق :

كان ( برقوق ) أول عهده عبدا واتابكا خاصا للملك الصالح الحاجي

ابن الاشرف بن شعبان ، وهو الرابع عشر من ملوك الاتراك مماليك الايوبيين

المتغلبين عليهم .

وقد تولى ( الحاجي ) الحكم وهو ابن عشر سنوات ، ولم يكن له

من الامر غير الاسم ، فألزم ( برقوق ) الامراء بخلعه ، ونصب نفسه

للحكم سنة أربع وثمانين وسبعمائة .

ولكن الامر لم يصف له ، فقد انشق عليه بعد حين من الزمان

أمراء عصره فخرج عليهم ( تمريغ الافضلي ) و ( بليغ العمري )

ونزعا عنه الحكم وملكا مصر وأعيد حاجي إلى الحكم مرة أخرى ، وحبس

( برقوق ) بالكرك .

ولم يطل الامر ببرقوق ، فقد خرج من السجن وكر ثانيا على أعدائه

وجمع الحيوش وتمكن منهم وأزاحهم عن المسرح واستقل بالامر إلى أن

توفي سنة 801 ( 1 ) .

علاقة برقرق بالخليفة العباسي :

في عهد برقوق كان القائم بالخلافة هو ( المتوكل ) محمد بن المعتضد

العباسي ، وقد خطب الخليفة قبل أن يفوض إلى برقوق الامر خطبة بليغة

ثم قلده الامر بحصور جمع من القضاة ( 2 ) .

* ( هامش ) * ( 1 ) راجع سمط النجوم العوالي . الجزء 4 . ص 32 .

( 2 ) حسن المحاضرة للسيوطي . الجزء 2 . ص 88 ( * ) .

ـ135ـ

ولكن ( برقوق ) لم يبق وفيا بالنسبة إلى الخليفة العباسي ، فقد خلعه

سنة 785 وحبسه بقلعة الجليل ، وبويع بالخلافة محمد بن ابراهيم بن المستمسك

ابن الحاكم ، ولقب ( الواثق بالله ) ، فاستمر في الخلافة إلى أن مات يوم

الاربعاء سنة 788 ، فكلم الناس برقوقا في إعادة المتوكل إلى الخلافة فلم يقبل

واحضر أخا محمد زكريا ولقب ( المستعصم بالله ) ، واستمر في الخلافة

إلى سنة 791 ، فندم ( برقوق ) على ما فعل بالمتوكل ، واخرج ( المتوكل )

من الحبس وأعاده إلى الخلافة وخلع زكريا ، واستمر زكريا بداره إلى ان

مات مخلوعا ، واستمر المتوكل في الخلافة إلى أن مات .

الوضع الاجتماعي في ايام برقوق :

انهارت الاوضاع الاجتماعية في ( مصر ) وفي ( سوريا ) أيام

الجراكسة بشكل عام ، لضعف جهاز الدولة ، ولتسرب الصليبيين إلى البلدان

الاسلامية فقد جاءت ( الحملة الصليبية ) عقيب ( حملة التتر ) ، وكان

لهما اسوأ الاثر على الحياة الاجتماعية ، وكانت الحروب الداخلية والفتن

والاختلافات قائمة على قدم وساق بين الامراء والحكام ، فقد نصب

( برقوق ) مرتين وعزل بينهما ، وعزل ( الحاجي ) ونصب مرتين . وعزل

( المتوكل ) ونصب .

وذلك كله إذا دل على شئ فنما يدل على ضعف جهاز الحكم

عهد الجراكسة وفي عهد ( برقوق ) بشكل خاص ، وكثرة الخلافات

وكان الناس يعهدون من قبل أن تخول الامارة إلى أشراف الامة ورجالها

فانقلب الوضع فيما انقلب من حياة الامة في هذه الفترة ، وتحولت الامارة

إلى طبقة جديدة من ( العبيد ) لم تكن الامة تستسيغها بعد ، فبينما كانوا

ـ136ـ

يعرضون امس في أسواق الرقيق للبيع أصبحوا اليوم يحكمون على أمة

كبيرة من الناس .

وكان خيال السلطنة في دماغ كل واحد منهم من حين يجلب إلى السوق

إلى أن يموت ، حتى أن واحدا منهم جلب وهو حقير فاحش القرعة

فاحش العرج قال للدلال الذي يبيعه :

هل اتفق تولي الاقرع الاعرج سلطانا ؟ ( 1 ) .

وهذا كان مما يبعث الناس على عدم الخضوع والاستسلام لهذه الدولة

الجديدة .

ولذلك كانت تظهر الفتن الداخلية بصورة هائلة بين حين وحين

من هنا وهناك ، ويجد الباحث خلال الكتب التاريخية مالا يقل عن أربع

عشرة فتنة خطيرة وقعت خلال هذه الفترة .

وزاد الطين بلة ظهور أحداث طبيعية كان لها اكبر الاثر في تردي

الحالة الاقتصادية ، كفترات الجدب ، والمجاعة ، والزلازل ، والوباء .

ويخصص المقريزي - وهو ممن أرخ هذه الفترة - كتابا لوصف

المجاعات ، والكوارث الطبيعية التي وقعت في هذه الفترة .

وانشغل ( برقوق ) طيلة إمارته بحروب داخلية وخارجية كثيرة

فقضى على المماليك البحرية ، وحارب تمريغا وبليغا ، فظهرا عليه وخرج

من السجن وجمع الجيوش مرة أخرى فتغلب عليهما .

وفي أيامه أرسل ( تيمور لنك ) إليه رسالة قاسية اللهجة يدعوه

إلى الاستسلام له دون قيد أو شرط ، ويهدده فيما إذا رفض ذلك أن ينزل

عليه عذابا شديدا :

وأجاب عليها ( برقوق ) برسالة مشابهة لها في قسوة اللهجة ، ولم يطل

* ( هامش ) * ( 1 ) سمط النجوم العوالي الجزء 4 . ص 31 ( * ) .

ـ137ـ

بعد ذلك أيام ( برقوق ) حتى توفي ( 1 )

وفي الوقت نفسه كان مهددا من قبل الصليبيين الافرنج ، ومن قبل

المماليك البحرية ، فكان انشغال الحكومة بالخماد الفتن الداخلية ، ومقاومة

الحركات السياسية والعسكرية المعارضة سببا لضعف النشاط الفكري والثقافي

وأعمال الاعمار والبناء والهندسة والفن .

وقد تركت هذه الحروب والفتن الداخلية أثرا سيئا في حياة الناس

الاجتماعية والاقتصادية ، فأشغلت الناس من وجوه النشاط التجاري والزراعي

من جانب ، وحمل الناس من جانب آخر تكاليف هذه الحروب المادية

فالحروب تكلف الامة المحاربة كثيرا من المال ، ومن العتاد والزاد .

وطبيعي أن ثقل هذه الماليات كانت تقع على عاتق الامة فقط وتجبي

عن طريق فرض الضرائب ، فكان ذلك باعثا على سيل من الاحتجاجات

لا نهاية لها .

ولم تكن هذه الرسوم الثقيلة على الخيل والقوارب فحسب ، بل

على ضروريات الحياة أيضا نظير الملح والسكر ، وقد احتكر بعض السلاطين

سلعا معينة ، وتلاعبوا بأسعارها . تبعا لمصلحتهم الخاصة ( 2 ) .

على أن الحكام والامراء أنفسهم كانوا من الناحية الاخلاقية والدينية

ساقطين مما كان يؤدي إلى عدم وثوق الجمهور بهم .

فكان عدد من السلاطين ( من هذه الاسرة ) عاجزين وخونة

وكان بعضهم فاسدين ، بل ساقطين ، وكان اكثرهم غير مثقفين .

وقد عاد نظام تسري الغلمان إلى مثل ما كان عليه من الشيوع في أيام

( العباسيين ) ، وانهم عدد من المماليك أولهم ( بيبرس ) ، ولم يكن

* ( هامش ) * ( 1 ) راجع الفتوحات الاسلامية لزيني دحلان الجزء 2 . ص 105 - 109

( 2 ) تاريخ سوريا ولبنان : فيليب حتى الجزء 2 . ص 277 ( * ) .

ـ138ـ

السلاطين وحدهم فاسدين ، بل إن الامراء أيضا وسائر من في الحكم كانوا

على جانب من الفساد ( 1 ) .

وفوق ذلك كانت الخلافات الطائفية بين ( الشيعة والسنة ) قائمة

على قدم وساق ، فقد ظهرت ( الدولة الفاطمية ) كرد فعل لسلوك

( الدولة العباسية ) المجافي مع ( الشيعة ) ، وقد تمكنت ( الشيعة )

فترة ( الحكم الفاطمي ) من الاستيلاء على ( مصر وسوريا والعراق

والحجاز واليمن ) ونشر ( المذهب الشيعي ) في هذه الاقطار على أوسع

مجال ، فجاءت ( الدولة الايوبية ) وأذيالها بعد ذلك لتعارض هذا

( الاتجاه الشيعي ) بشكل قاس عنيف .

وللقارى ء أن يقدر بعدما كان يظهر في مثل هذه الاجواء من ردود

أفعال ، ومن اصطدام بين ( السنة والشيعة ) ، ومن ظهور خلافات طائفية

في تافه المسائل ورخيصها .

وهذه صورة مجملة عن الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية

( أيام المماليك الجراكسة ) عامة و ( برقوق ) خاصة .

والآن وبعد ما استوفينا دراسة الحياة الاجتماعية في عهد برقوق نستطيع

أن نعطي صورة عن ( حياة الشهيد ) السياسية ، وجهاده وإنجازاته ، ونقدر

ظروفه وعمله .

قضى ( الشهيد ) الشطر الاخير من عمره في دمشق أيام حكومة

برقوق من ( ملوك الجراكسة ) على مصر والشام وقد تقدم الحديث

عن حكومة ( برقوق ) خاصة ، والجراكسة عامة .

وكانت حكومة دمشق يومئذ بيد ( بيدمر ) مندوب برقوق ، ويبدو

من كتب التاريخ أن حكومة ( الشام ) لم تكن مرتبطة بحكومة ( مصر )

* ( هامش ) * ( 1 ) تاريخ سوريا ولبنان : فيليب حتى الجزء 4 . ص 274 ( * ) .

ـ139ـ

إلا اسميا ، فقد كان حاكم دمشق يستقل في الحكم والادارة من غير أن

يراجع المركز في شئ من شؤون الادارة والحكم .

ومهما يكن من شئ فقد قضى الشهيد ) جزءا كبيرا من عمره

في دمشق إحدى ( حواضر العالم الاسلامي ) في وقته .

وقدر للشهيد أن يكون لنفسه في الشام مكانة اجتماعية ، وفكرية

كبيره ، ويفرض نفسه على مجتمع ( دمشق ) بشكل خاص ، ومجتمع

سوريا بشكل عام ، وأن ينفذ إلى جهاز الحكم كما سنجد ويستغله لغاياته

الاصلاحية .

كان الشهيد في دمشق على اتصال دائم بالحكام والامراء والشخصيات

السياسية البارزة في وقته ، ونعرف ذلك من إقناع ( الشهيد ) الحكومة

لمحاربة ( اليالوش ) المتنبي الذي سنبحث عنه فيما يأتي من هذه الرسالة

وكان بيته ندوة عامرة لاصحاب الفضل والعلم ، وطلاب المعرفة ، وعلماء

دمشق والاقطار المجاورة الذين كانوا يزورون دمشق بين حين وحين

أو يمرون عليها ، فكان لا يخلو بيته على الدوام من الزوار : من أصحاب

الفضل ، وأصحاب الحاجة الذين كانوا يقصدون ( الشهيد ) للتوسط لتيسير .

حاجاتهم لدى المراجع الحكومية .

وعلى الرغم من توتر العلاقات بين ( الشيعة والسنة ) فقد كان

( الشيهد ) يحتل مكانة عملية مرموقة بين ( علماء السنة ) ، فكانوا

يحضرون مجلسة في بيته للاستفادة ، وللمناقشة ، ولحل مشكلات الفقه

والكلام في كثير من الاحيان .

ومن حرص ( الشيهد ) على توحيد الكلمة كان يتجنب في مجلسه

الخوص في مسائل الخلاف بين ( الشيعة والسنة ) وإثارة الخلافات الكلامية

فيما بينهم على صعيد الجدل يخفي ما كان بيده من كتابه حين كان

ـ140ـ

يزوره أعلام السنة في مجلسه ، حتى أنه عد من كراماته أنه حينما ابتدا

بكتابه ( اللمعة الدمشقية ) لم يمر عليه زائر من علماء السنة ووجهاء دمشق

إلى أن تمت كتابة هذه الرسالة في سبعة أيام .

وهذه الرواية تدل على حرص ( الشهيد ) أولا على عدم إثارة المسائل

الخلافية ، والمحافظة على وحدة الكلمة بين المسلمين في ظروف اجتماعية

مضطربة التي لمحنا منها بعض الملامح فيما تقدم من هذا الحديث .

وتدل ثانيا على أن بيت ( الشهيد ) كان آهلا بمختلف الطبقات

من علماء ، ووجهاء من شيعة وسنة من دمشق وخارجها .

ولم يبق ( الشهيد ) هذه الفترة الطويلة في ( دمشق ) عاطلا عن العمل

والنشاط ، ولم ينتقل من ( جزين ) إلى ( دمشق ) لغير سبب ولم يكن

الشهيد بالشخص العاطل المهمل في الحياة ، فقد حاول أولا أن يكون

لنفسه مكانة مرموقة في الاوساط الاجتماعية والفكرية ، وهو عمل جبار

اذا لاحظنا الظروف التي عاشها ( الشهيد ) ، والفجوات الكبيرة التي كانت

بين ( السنة والشيعة ) في ذلك الوقت .

وحاول ثانيا أن يستغل نفوذه في الاوساط السياسية ، ومكانته الفكرية

في الاصلاح ، والتوجيه ، وتوحيد الكلمة ، والضرب على أيدي العابثين

والمغرضين ، فأخمد ثورة ( اليالوش ) المتنبي ، ملا الفجوات التي كانت

تفصل ( الشيعة عن السنة ) وقلص حدود الخلافات المذهبية والطائفية .

وقد كان الخلاف في وقته قائما على قدم وساق بين ( السنة والشيعة )

ومن ورائها كانت الصليبية تغذيها وتلهمها بمختلف الوسائل وكانت الحكومات

تجد في ذلك كله إلهاءا لذهنية المسلمين وتخديرا لنفوسهم .

ـ141ـ

صلات الشهيد مع حكومات عصره :

............................................................................

- م. الروضةالبهيةشرح اللمعة من ص 141 سطر 1 الى ص 150 سطر 23

صلات الشهيد مع حكومات عصره :

ولسنا نعلم هل كان بين ( برقوق ) والخليفة العباسي ، وبين الشهيد

صلات قائمة ، وعلاقات شخصية أم لا ، وإنما نعلم أن ( الشهيد ) كان

في وقته شخصية اجتماعية ، وفكرية مرموقة في دمشق ، وليس في دمشق

فقط ، فقدر له أن يزور أكثر حواضر العالم السلامي في وقته ، وأن

يتصل بطبقات العلماء والوجهاء ، وان يسمعهم ويستمع إليهم ، ويكون

معهم روابط اجتماعية .

وفيما بين أيدينا من كتب التاريخ لا نجد في معاصري ( الشهيد )

شخصية علمية واجتماعية تبلغ مستوى الشهيد من الشهرة والثقافة .

فكان ذائع الصيت معروفا في اكثر الحواضر الاسلامية في وقته وله

صلات بكثير من علماء عصره وأمرائهم ، ولم يحفظ لنا التاريخ مع الاسف

شيئا كثيرا من ذلك ، إلا أن ما بين أيدينا من رسائل العلماء والملوك اليه

وزيارة الشخصيات العلمية والسياسية له إلى دمشق يكفي للدلالة على ما نقول .

وكان ( الشهيد ) على اتصال وثيق بحكومات الشيعة في وقته ، وله

معهم اتصالات وعلاقات سرية وعلنية كحكومة خراسان ،

وفيهما بقي لدينا من رسائل ملوك ، وعلماء الشيعة إلى ( الشهيد

نلمس بوضوح مكانة الشهيد بين ( الشيعة ) حكومة ورعية ورجوع

الطائفة اليه في شؤونهم العامة ، فلا نعرف فقيها شيعيا بمستوى

( الشهيد ) في الفقاهة والمرجعية في هذا الفترة ، وكانت ( الشيعة )

حكومة ورعية في ( خراسان ) وفي ( فارس ) وفي ( الري ) مشوقين

إلى زيارة ، يلتمسون من بين حين وآخر أن يزورهم ، ويقدم عليهم

ـ142ـ

ولو إلى حين .

وبين أيدينا رسالة ( لعلي بن مؤيد ) حاكم خراسان من ملوك ( السربدارية ) .

وقبل أن نعرض صورة الرسالة أحب أن أعطي صورة عن حكومة

( السربدارية ) في خراسان ، وعلاقة الشهيد بهم

حكومة السربدارية :

حكومة ( السربداران ) حكومة شيعية استولت على الحكم في خراسان

بعد وفاة محمد خدابنده من ملوك المغول بعد معارك دامت وذلك

في سنة 738 واستمرت إلى سنة 783 ، فاندمجت في حكومة ( التتر )

وانقرضت بعد ذلك بسنوات قليلة .

وتولى الحكم فيها عدد من الملوك كان آخرهم ( علي بن مؤيد )

تولى الحكم سنة 766 . وعرف ( علي بن مؤيد ) بالعدل والاحسان

إلى الضعفاء ، وبالعناية بالشؤون الفكرية والعمرانية ، والاهتمام بنشر ( التشيع )

وتعريفه وولائه لاهل البيت ، وتفانية في سبيل الدين .

وكان من أفضل ملوك ( السربدارية ) وأعدلهم ، وفي أيامه

تحسنت الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية .

ورغم هجوم ( التتر ) في أيامه إلى البلدان الاسلامية فقد استطاع

أن يصون ( خراسان ) عن هجوم التتر ، ويصون دماء المسلمين .

توفي سنة 795 ، أي بعد تسع سنوات من شهادة ( الشهيد ) وكان

للشهيد علاقات وثيقة ، ومراسلات مع ( علي بن مؤيد ) ( أيام كان في العراق

واستمرت هذه العلاقات والمرسالات حين استقر في جزين ودمشق .

ـ143ـ

كان الملك ( علي بن مؤيد ) يتحف الشيد بين حين وحين بهدية

رمزا لولائه وإخلاصه

منها : نسخة من القرآن الكريم عرفت بعد ذلك بهدية ( علي بن مؤيد

كما في وثيقة ( بنت الشهيد ) المتقدمة ،

تصحيح كننده امين الله موحدى

ومنها : ( الصحيفة السجادية ) .

وفي أواخر حياة الشهيد - حين كان الشهيد مراقبا من قبل السلطة

لتهم وجهها اليه المغرضون ، لشل حركته الاصلاحية ، وتحطيم شخصيته

الاجتماعية أوفد ( علي بن مؤيد ) إلى الشهيد رسولا يلتمس منه باسم

( علي بن مؤيد ) وأهالي خراسان أن يقبل عليهم ، ليعرضوا عليه مايشكل

عليهم من المسائل الفقهية ، وليرجعوا اليه فيما يهمهم من شؤون الحياة .

رفض ( الشهيد ) الذهاب اليه ، نظرا لمراقبة السلطة له ، ولامور

أخرى لا نعلمها الآن ، وكتب له رسالة ( اللمعة الدمشقية ) ، لتكون

مرجعا فقهيا للخراسانيين فيما يعرض لهم من مسائل الفقه ، وأودعه عند

( الآوي ) ليأخذها معه إلى خراسان .

وإلى القارئ نص الرسالة التي أرسلها للسلطان ( علي بن مؤيد ) إلى الشهيد من ( خراسان ) :

بسم الله الرحمن الرحيم

سلام كنشر العنبر المتضوع يخلف ريح المسك في كل موضع

سلام يباهي البدر في كل منزل سلام يضاهي الشمس في كل مطلع

على شمس دين الحق دام ظله بجد سعيد في نعيم ممتع

أدام الله تعالى مجلس المولى الهمام ، العالم العامل ، الفاضل الكامل

ـ144ـ

السالك الناسك ، رضي الاخلاق ، وفي الاعراق ، علامة العالم ، مرشد

الامم ، قدوة العلماء الراسخين ، أسوة الفضلاء المحققين ، مفتي الفرق

الفارق بالحق ، حاوي الفضائل والمعالي ، حائز قصب السبق في حلبة

الاعاظم والاعالي ، وارث علوم الانبياء والمرسلين ، محيي مراسم الائمة

الطاهرين ، سر الله في الارضين ، مولانا شمس الملة والدين ، مد الله

أطناب ظلاله بمحمد وآله من دولة راسية الاوتاد ونعمة متصلة الامداد

إلى يوم التناد .

وبعد : فالمحب المشتاق مشتاق إلى كريم لقائه غاية الاشتياق ، وأن

يمن بعد البعد بقرب التلاق :

حرم الطرف من محياك لكن حظي القلب من محياك ريا

ينهي إلى ذلك الجناب لا زال مرجعا لاولى الالباب إن

( شيعة خراسان ) صانها الله عن الاحداث ، متعطشون إلى زلال وصاله

والاغتراف من بحر فضائله وافاضاته ، وأفاضل هذه الديار قد مزقت

شملهم أيدي الادوار ، وفرقت جلهم ، أو كلهم صنوف صروف

الليل والنهار .

قال ( أمير المؤمنين ) عليه سلام رب العالمين : ثلمة الدين موت

العلماء وإنا لانجد فينا من يوثق بعلمه في فتياه ، ويهتدي الناس برشده

وهداه ، فهم يسألون الله تعالى شرف حضوره ، والاستضاءة بأشعة نوره

والاقتداء بعلومه الشريفة ، والاهتداء برسومه المنيفة ، واليقين بكرمه العميم

وفضله الجسيم أن لايخيب رجاءهم ، ولا يرد دعاءهم ، بل يسعف

مسؤولهم ، وينجح مأمولهم .

قال الله تعالى : والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل .

ولا شك أن أولى الارحام أولى بصلة الرحم الاسلامية الروحانية

ـ145ـ

وأحرى القرابات بالرعاية القرابة الايمانية ثم الجسمانية ، فهما عقدتان

لا تحلهما الادوار والاطوار ، بل شعبتان لا يهدمهما إعصار الاعصار .

ونحن نخاف غضب الله على هذه البلاد ، لفقدان الرشد ، وعدم

الارشاد والمأمول من إنعامه العام ، وإكرامه التام أن يتفضل علينا ، ويتوجه

الينا متوكلا على الله القدير ، غير متعلل بنوع من المعادير إن شاء

الله تعالى .

والمتوقع من مكارم صفاته ، ومحاسن ذاته إسبال ذيل العفو على هذا

الهفو ، والسلام على أهل الاسلام .

المحب المشتاق ( 1 )

علي بن مؤيد

فتنة اليالوش :

كان اضطراب الوضع السياسي والاجتماعي في البلدان الاسلامية

( عصر الشهيد ) يحمل نواة ظهور بدع في التفكير والعقيدة ، وألوانا

جديدة من الفتن والمحن .

ومثل هذه الحياة المضطربة فكريا وسياسيا يعتبر مجالا خصبا للاستثمار

والاستغلال غير المشروعين من قبل ذوي الاغراض في كل مكان .

واجه ( الشهيد ) في حياته أيام كان يسكن ( دمشق ) مثل هذه

الظروف العقائدية ، والسياسية المرتبكة .

وكان اكثر ما يخشاه ( الشهيد ) أن يكون هذا الاضطراب مبعثا لظهور

بدع جديدة في الدين ، واتساع فجوة الخلاف بين ( السنة والشيعة ) فظهور

الانشقاق في الطائفة عن طريق تسرب عناصر غريبة على كيان الطائفة

* ( هامش ) * ( 1 ) روضات الجنات الطبعة الحجرية . الجزء 3 . ص 2 ( * ) .

ـ146ـ

لاحداث البلبلة والانشقاق داخل الكيان الشيعي .

وربما كان ذلك من أسباب اختيار ( الشهيد ) لدمشق موطنا لنفسه

ليكون قريبا من الحركات الفكرية والسياسية ، وليشرف على الوضع

من قريب ، فارتبط بكثير من أقطاب العلم والسياسة في وقته ، وفسح

من مجلس درسه وندوته اليومية في البيت ، ليحضره أكبر عدد من العلماء

والساسة .

ففي هذه الظروف ، ورغم احتياطات ( الشهيد ) ظهر في جبل

عامل شخص يسمى بمحمد الجالوش ، أو ( اليالوش ) ، ويقال : إنه

كان من تلامذة الشهيد . ومن الشيعة من قبل ، يدعو إلى مذهب جديد

ويستغل الوضع في توسيع فجوة الخلاف بين ( السنة والشيعة ) وايجاد

فجوة في الطائفة ذاتها .

ولا تحدثنا كتب التاريخ عن شكل هذه الدعوة الجديدة ومحتواها

وعن الشحص المدعو بالجالوش ، أو اليالوش غير ما سمعت ، ومع كثرة

ما فحصنا في كتب التاريخ والتراجم التي تترجم رجال القرن الثامن الهجري

لم نعثر على شخص بهذا الاسم ، ولم نعثر على شرح أكثر عن هذه

الدعوة

إلا أن الذي يغلب على الظن أن الدعوة كانت مطبوعة بطابع

( التصوف ) والايمان بوحدة الوجود ، ويبدو أن ( الجالوش ) كان

خطيبا متكلما لذقا ، حلو البيان مشعوذا ، استطاع أن يشد إلى دعوته

الجديدة ناسا من السذج من ( الشيعة والسنة ) ، فاربك الوضع ( الشهيد )

وخاف أن تشيع هذه البدعة الجديدة ، ويتسع إطارها ، ويكون خطرا

جديدا على كيان الامة ، وفجوة جديدة في جسم الامة ، فاتصل بالبلاط

واقنع الجهاز بضرورة تلافي الامر قبل أن يستفحل ، فجهزت

ـ147ـ

( حكومة دمشق ) جيشا ، واصطدموا بمعسكر ( اليالوش ) بمقربة

من النبطية النوقا ، فقتل ( اليالوش ) وتمزق شملهم .

إلا أن هذه الهزيمة لم تكن كافية للقضاء على هذه البدعة الجديدة

فقد اتيح ( لليالوش ) أن يشق طريقا لنفسه بين المبتدعين والمشعوذين

وأن يجمع حوله نفرا من السذج البسطاء ، ونفرا من المشعوذين المحتالين

الذين كانوا يترقبون الزعامة من بعده .

وكان كذلك ، فقد انتقلت زعامة الدعوة الجديدة بعد مقتل ( اليالوش )

إلى تقي الدين الجبلي أو ( الخيامي ) من أهالي الجبل ، ومن بعد وفاته

تولى الزعامة بعده شخص آخر يدعى ب ( يوسف بن يحيى ) وكان لهذين

الرجلين الجبلي ، ويوسف بن يحيى اصبع في شهادة ( الشهيد ) بالوشاية

عليه عند ( بيدمر ) حاكم دمشق ، وقضاة ( بيروت وحلب ودمشق )

في قصته التي سنلم بأطرافها قريبا ( 1 ) .

مقتل الشهيد :

العاملون قلة من الناس في كل زمان ، ولكنهم رغم قلتهم أقوياء

وعلى أيديهم يتم بناء التاريخ ، وتقرير مصير البشرية .

والعامة من البشر ( الدهماء ) ليس لهم رأي في هذه الحياة ، وليس

لهم هدف ، وتأثير فيها .

وليس المقياس قلة العدد وكثرته وإنما المقياس ( الهدف ) .

* ( هامش ) * ( 1 ) راجع دراسة هذه الفتنة : روضات الجنات - مجلة العرفان ،

الكنى والالقاب ، وبعض حواش اللمعة في المكاسب - وحياة الامام

الشهيد الاول ( * ) .

ـ148ـ

فكلما كان الانسان فارغا لم يتسع فكره لاكثر من هم بطنه وشهوته

كان جزءا مهملا على وجه الارض .

وكلما كان الانسان هادفا في حياته إنسانيا في سلوكه ، حركيا عمليا

يتوسع فكره لاكثر من نفسه ، ويتسع صدره لغير ( الانا ) و ( الذات ) :

كان اكثر تأثيرا في مصير الناس ، وبناء التاريخ ، وكانت النتيجة بجانبهم

ولصالحهم ، وذلك لسبب بسيط ، فالذي يملك هدفا في الحياة لابد أن يترك

أثرا فيها ويطبع الحياة بطابع من هدفه بعكس الذي لا يملك هدفا ، فانه

لايهمه أن يتحقق هذا الهدف ، أولا يتحقق ويطبع الحياة هذا الطابع

أو لا يطبعها ، وإنما الذي يهمه هو أن يرتع ويلعب ويخوض مع الخائضين

ويعبث مع العابثين .

وطبيعة هذه الحياة غير الهادفة تنتهي بالشخص إلى الضياع بعكس

الذين يملكون هدفا في الحياة فلا يمكن أن يضيعوا ، ولا يمكن أن تغطيهم

الاتجاهات الاخرى ، ولا يمكن أن يقضي التاريخ على معالمها وملامحها .

وبهذا الشكل نجد أن لا تعارض هناك بين الانسان الهادف ، والانسان

غير الهادف ، وأن الانسان الهادف ، يشق طريقه من بين صنوف غير

الهادفين ، ولذلك فالعاقبة دائما لصالح العاملين الصالحين ، والنتيجة لهم

ومهما تحملوا من عناء ، ومهما وجدوا أذى ، ومهما لاقوا من محن ، ولامر ما

قال الله تعالى :

إن الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة

للمتقين ( 1 ) .

وهذا ما يدفع العاملين أن يخوضوا ميادين الكفاح والجهاد ، ولا

يفكروا في راحة وسكون ، فالراحة والنعيم والسكون والهدوء لم تخلق لهم

* ( هامش ) * ( 1 ) الاعراف : الآية 127 ( * ) .

ـ149ـ

ولم يخلقوا لها ، وإنما خلقوا للون آخر من الحياة يملؤها النشاط والحركة

والثورة ، وكفاهم أن تكون النتيجة بعد ذلك بجانبهم والعاقبة لهم ، وأن

العمل لله .

وليس المهم بعد ذلك أن يلاقوا ألوانا من العنت والتعب ، والمحنة

والاذى ، وأن يضحوا في سبيل ذلك بكل شئ : بأموالهم ، وأولادهم

ونفوسهم ، وأن يريقوا في سبيل الله دماءهم .

وليس المهم لديهم أن تراق دماؤهم ، وإنما المهم لديهم أن تروى

جذور هذه الشجرة ، وليس المهم أن يجتث العدو رؤوسهم من أجسامهم

وإنما المهم لديهم أن تترسخ اصول هذا الدين في قلوب الناس ، وليس

المهم أن لا يفتحوا بعد عيونهم على الشمس وإنما المهم لديهم أن يستمر

إشعاع هذه الرسالة على وجه الارض ، وليس المهم أن تتقطع حياتهم

على ظهر هذا الكوكب ، وإنما المهم أن يعيش هذا الدين .

فحياتهم حياة الرسالة ، واستمرارهم على وجه الارض استمرار هذا

الدين ، وسكونهم وحركتهم وسعيهم وقف لهذا الدين .

قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ( 1 )

تلك لمحة عن حياة العاملين ، وعن تأثيرهم في الحياة .

وكان ( الشهيد ) من هؤلاء العاملين ، وعلى القمة من العمل

الاسلامي .

كانت حياته سلسلة طويلة من الجهاد والكفاح والعمل والحركة

ولم يعرف في حياته يوم كان يعيش مع الناس ، ويضطرب معهم في مسالك

الحياة معنى لما يسمى بالراحة والسكون والاطمئنان .

كان اطمئنانه في الاضطراب ، وسكونه في الحركة ، وراحته * ( هامش ) * ( 1 ) الانعام : الآية 163 ( * ) .

ـ150ـ

في تحمل الاذى والعذاب .

فيوم يقطع المسافة الشاسعة بين ( جزين ) و ( الحلة ) وهو بعد

طفل لم يتجاوز سني المراهقة بطلب العلم .

وتارة أخرى يقطع المسافات الشاسعة ، ليتصل بأقطاب العلم والسياسة

في الحواضر الاسلامية ، وليمهد الظروف لتكوين ( وحدة إسلامية )

شاملة ، وتعريف ( الشيعة ) إلى المذاهب الاخرى ، ومسح مظاهر التشويه

عنها لتقريب المذاهب ، وملء الفجوات التي خلفتها الايادي الدخيلة .

وثالثة يعود إلى ( جزين ) ليبني فيها مدرسة .

ورابعة يعود إلى ( دمشق ) ليشرف على الوضع من قريب ، وليوجه

الملوك ويتصل بهم . ويؤثر في سلوكهم وسيرهم .

وكذلك حياته حلقات متصلة من الجهاد ، وسلسلة طويلة من الكفاح

وأروع ما في هذه الحياة ، وأجمل ما في هذه الصورة هذه الخاتمة

المشرفة التي ختمت حياة شيخنا الشهيد بها ، والتي تطبعها بطابع البقاء

والخلود وتدرجه في سجل الخالدين .

فلم يكن ينقص هذه الحلقات المتصلة من الجهاد والكفاح غير أن

يصبغها في نهاية حياته بجمرة قانية من دمه ، ويسمها بشارة الجهاد والعمل

حياة بدايتها سعي ، وأوسطها جهاد ، وخاتمتها شهادة .

وكذلك حياة العاملين المجاهدين في سبيل الله .

ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند

ربهم يرزقون ( 1 ) .

( صدق الله العلي العظيم )

* ( هامش ) * ( 1 ) الاعراف : الآية 169 ( * ) .

ـ151ـ

ومن جناية التاريخ على أبطال الانسانية أنه يحاول دائما أن يغطي

............................................................................

- م. الروضةالبهيةشرح اللمعة من ص 151 سطر 1 الى ص 160 سطر 21

ومن جناية التاريخ على أبطال الانسانية أنه يحاول دائما أن يغطي

سير المصلحين والعاملين بغطاء كثيف من الابهام والغموض .

وليس بأيدينا عن شهادة ( الشهيد ) إلا فلتات من أقلام المؤرخين

فلتت عن أقلامهم من غير اختيار ، أو من دون أن يشعروا ، والا الشئ

اليسير الذي سجله لنا المنصفون من المؤرخين مطويا بالابهام والغموض :

وليست حياة ( الشهيد ) وشهادته بدعا من حياة الشهداء من المجاهدين

والعاملين ، فقد كان المؤرخون يسيرون في الغالب في ركب الملوك وبلاط

الملوك ، وطغمة الجبابرة والمفسدين لقاء اجور زهيدة يلقونها إليهم ، ولذات

رخيصة من العيش يتيحونها لهم .

وكان نتيجة ذلك كله أن كان ( للتاريخ الاسلامي ) تاريخا مشوها

مشوش المعالم لا يعبر إلا عن اتجاهات البلاط ، ولا يدافع إلا عن تبذير

الملوك والخلفاء وإسرافهم .

فكل شئ يحصل في البلاد من وجوه الفساد والتبذير محاط بهالة

من التقديس ، وكل حركة ترمي إلى إحاطة كيان هؤلاء الطغاة والفاسدين

توسم بسمة الفساد والطغيان والاجرام :

وليس يتعجب القارئ بعد ذلك اذا وجد مؤرخا من هؤلاء الساقطين

الذين يتبعون ركب الجبابرة بذلة وهوان ، ليتلقوا لقمة ذليلة من العيشة

ويلا حظ رخيصة في الحياة .

يقول الحنبلي بصدد الحديث عن أحداث سنة 886 :

وفيها قتل محمد بن مكي العراقي الرافضي ، كان عارفا بالاصول

والعربية فشهد عليه بدمشق بانحلال العقيدة ، واعتقاد مذهب النصيرية

واستحلال الخمر الصرف ، وغير ذلك من القبائح ، فضربت عنقه

بدمشق في جمادى الاولى ، وضربت عنق رفيقه عرفة بطرابلس ، وكان

ـ152ـ

على معتقده ( 1 ) .

ولا نريد نحن أن نعلق على هذا الحديث ، وقد لا يدل هذا التهريج

أن نعلق عليه ، وأن نتحدث عنه ، وانما المحاسبة إلى يوم عسير .

ومهما يكن من أمر فلا زالت بين أيدينا ملامح من قصة شهادة

( الشهيد ) رحمه الله ، نستطيع عن طريقها أن نستكشف أسباب هذا

الحادث وعلله .

احتل ( الشهيد ) في المدة التي عاش فيها بدمشق مكانة اجتماعية راقية

فكان موضع حفاوة الطبقات المختلفة ، واكتسب شعبية كبيرة ، وأصبح

ملجأ للناس في حاجاتهم ، وللعلماء في التدريس ( سنة وشيعة ) ، كما

التف حوله كثير من أقطاب السياسة والحكم في دمشق ، وخارج دمشق .

واستطاع أن يتجاوز بنفوذه الروحي والاسلامي حدود ( سوريا والعراق )

ويشد الملوك والحكام من الاطراف اليه ، كان منهم ( علي بن مؤيد )

ملك ( خراسان ) فيما يحدثنا به التاريخ .

ولا يستطيع الباحث أن يقول : إن اتصالات ( الشهيد ) السياسية

كانت مقتصرة على الزعماء السياسين في ( دمشق والعراق وإيران ) وإنما

كان ذلك نموذجا من اتصالات الشهيد بزعماء الدول الاسلامية في وقته

احتفظ لنا التاريخ ، ولم يضع معالمه .

ذلك كله يدلنا على أن ( الشهيد ) استطاع أن يحقق لنفسه في هذه

المدة مكانة سياسية واجتماعية خطيرة جعلت حكومة ( بيدمر ) بدمشق

تخشاه وتحسب له ألف حساب .

فقد كانت الحكومة يومذاك ضعيفة تخاف كل حركة داخل البلاد

* ( هامش ) * ( 1 ) شذرات الذهب في أخبار من ذهب - لعبد الحي بن العماد

الحنبلي الجزء 6 . ص 294 ( * ) .

ـ153ـ

وخارجها ، به خافت على نفسها منه فحاولت أن تقضي عليه لتأمن جانبه .

هذا من الجانب السياسي ، ومن الجانب العلمي كان علماء البلاط

( القضاة ) يومذاك قبل هجرة الشهيد إلى دمشق وتمركزه فيها لهم مكانة

اجتماعية ودينية بين الناس ، فحين عرف الناس مكانة الشهيد ، والفوا سعة

صدره التفوا حوله وانحسروا عنهم ، فضعفت مكانتهم الاجتماعية ، ووجدوا

في بقاء ( الشهيد ) خطرا على مصالحهم ومكانتهم .

وكان من هؤلاء العلماء ( برهان الدين ابن جماعة ) ( 1 ) كان رجلا

من المتفقهين الذين استخدموا لخدمة البلاط في ( مصر ودمشق ) ويجري

لعابهم لمظاهر الفخفخة من القضاء والفتيا والخطابة والامامة التي كانت

تتيحها لهم الحكومة في وقته ، فقد كتب خطابة القدس باسمه ، واستنيب

له مدة ثم باشر بنفسه وهو صغير . تم أضيف اليه تدريس الصالحية بعد

وفاة الحافظ ( صلاح الدين العلاني ) ، ثم ولى نظر ( القدس والخليل )

* ( هامش ) * ( 1 ) ذكر العلامة الاميني في شهداء الفضيلة ص 87 أنه قتل بفتوى

برهان الدين المالكي ، وعباد بن جماعة الشافعي .

وفي غالب الظن أنه اعتمد في ذلك على نقل صاحب الروضات

حيث ذكر ص 592 : " بفتوى المالكي يسمى برهان الدين وعباد بن

جماعة الشافعي " .

وفيما أظن أن برهان الدين ، وابن جماعة شخص واحد وليسا باثنين

واسمه الصحيح برهان الدين بن ابراهيم بن جماعة الكناني ، فلم اعثر فيما بين

يدي من المصادر على قاضيين في هذا العهد بدمشق بهذا الاسم ، والموجود

في كتاب قضاة دمشق لشمس الدين الدين ابن طولون هو ( برهان الدين ابراهيم

ابن جماعة ) وكان قاضي دمشق سنة شهادة الشهيد . فيغلب على الظن

أن يكون هذان الشخصان شخصا واحدا وليسا بشخصين ( * ) .

ـ154ـ

ثم خطب إلى قضاء الديار المصرية بعد عزل ( ناصر الدين بن أبي البقاء ) .

وبلغه أن بعض فقهاء البلد يعيبه بأنه قليل العلم ، ولا سيما بالنسبة

إلى الذين عزل به ، فاحضر بعض من قال ذلك ، ونكل به ، ثم أوقع

بآخر ثم بآخر ، فهابه الناس .

ثم إن القاضي ( محب الدين ) ناظر الجيش عارضه في حكاية فعزل

نفسه .

ثم سأل العود إلى القضاء فأعيد في صفر سنة أربع وثمانين ، ثم عاد

إلى القدس ، ثم خطب إلى قضاء دمشق والخطابة بعد موت ( القاضي ولي الدين )

في ذي القعدة سنة 885 من ولايته ، وقام في امور كبار فتحت له

ففي سنة تسع وثمانين وقع بينه وبين ( الشيخ زين الدين القرشي )

وأخذ منه الناصرية وأهانه هو والشيخ ( شهاب الدين الحسباني ) ومنهما

من الافتاء ونودي عليهما ، ثم هربا منه إلى مصر فردا من الطريق ورفعا

إلى القلعة ( 1 ) .

ويلقي هذه النص التاريخي ظلا على شخصية ( ابن جماعة ) فيبدو

مما تقدم أنه كان من متفقهة بلاط الجراكسة في ( مصر وسوريا وفلسطين )

وممن تروقه ضخامة العناوين ، والتقلب في المناصب الحكومية ، وان كان

على حساب الآخرين واهانتهم وتعذيبهم .

فهو يتحول من خطابة إلى تدريس ، إلى امامة ، إلى قضاء ، إلى تولية

إلى مشيخة ، ويضم في وقت واحد المشيخة إلى القضاء ، إلى الخطابة

وتستدعيه الحكومة من بلد إلى بلد .

وتعزل الحكومة ( ناصر الدين بن أبى البقاء ) لامر ما من قضاء

مصر ، فيستدعي لها ( ابن جماعة ) من القدس ، ثم يتحدث ناس

* ( هامش ) * ( 1 ) قضاة دمشق تأليف شمس الدين بن طولون . ص 113 - 114 ( * ) .

ـ155ـ

من الفقهاء في ذلك ، ويقيسون بينه وبين القاضي السابق في العلم والدين

فيحضرهم وينكل بهم فيهابه ( الناس ) ثم يصطدم في دمشق بالشيخ

( زين الدين القرشي ) والشيخ ( شهاب الدين الحسباني ) فيأخذ منهما

الفتيا والقضاء ويمنعهما من الفتيا ، وينادي عليهما فيهربان منه ، فتعثر

عليهما الحكومة فتردهما إلى القلعة محبوسين .

كل ذلك يثير في نفوسنا الشك ، ويسم ( ابن جماعة ) بعلامات

استفهام كبيرة : ممن يكون هذا الرجل الذي تعني به الحكومة بهذا الشكل

وتقدم له مناصب كبيرة في القضاء والخطابة والفتيا والتولية بسخاء

وتقضي علي أعدائه ، ويصطدم هو بمشائخ الفقه والقضاء . ويمنعهم بقوة

عن الفتيا فيهربون منه ، وينقده ناس بقلة العلم والدين ؟ ؟

ولا نريد أن نتحدث عنه ، وانما أردنا أن نسلط على هذا الشخص

الذي اصطدم في دمشق بشيخنا ( الشهيد ) بعض الاضواء ، لنعرف ملامح

من شخصيته ، فقد وجد ( برهان الدين بن جماعة ) - وهو الشخص

الذي تروقه الالقاب الضخمة ، والمكانة المحترمة ، والمناصب الكبيرة -

أن ( الشهيد ) استطاع في مدة يسيرة من بقائه بدمشق أن يستولي على قلوب

الناس ، وأن يحتل مكانة رفيعة ، ويكون له علاقات مع أقطاب العلم

والسياسة في وقته ، وأن يستقطب حوله طلبة ، العلم والفضلاء ، والساسة من

دمشق وخارجه ، فحاول أن يغض منه ويهينه ، ويحط من مكانته .

فاجتمع به ذات يوم ، وفي غالب الظن أن الاجتماع كان ببيت

( الشهيد ) حيث كان أمامه دواة يكتب بها ، وهذه الوضعية لا تخلو

عن ابن جماعة .

كان في بيته وتحدثا في مسألة واختلفا فيها ، وكان يحضر المجلس

جمع كبير من الفقهاء والاعيان ، فعز على ( ابن جماعة ) أن يرد عليه

ـ156ـ

( الشهيد ) ويفحمه بمحضر من الناس ، فأراد أن يهينه ، وكان الشهيد

ذا جثة نحيفة بعكس ( ابن جماعة ) الذي يملك جثة ضخمة .

فقال للشهيد : إني اجد حسا من وراء الدواة ولا افهم ما يكون

معناه ؟ تعريضا بنحافة جسمه ، وتحقيرا لرأيه .

فأجابه الشهيد على الفور : " نعم ابن الواحد لا يكون أعظم

من هذه " ( 1 ) .

فخجل ( ابن جماعة ) وسكت عن الكلام ، وازداد غيظا على غيظ

وحقدا على حقد .

هذا بالاضافة إلى دسائس اتباع ( اليالوش ) فلم يقدر للشهيد أن

يجتث هذه الفرقة من الجذور كما ذكرنا فيما تقدم من هذا الحديث ، فبقي

من الفرقة فروع تزعمها ( تقي الدين الجبلي ) فالتف حوله ما بقي

من اتباع ( اليالوش ) .

وكان ( الشهيد ) يحاول الكرة على ما تبقى من أتباع ( اليالوش )

حينما تتاح له الفرصة ، ليجتث جذور هذه الطائفة الجديدة من الاعماق

فكان ( الجبلي ) يحاول أن يقضي على ( الشهيد ) بشكل من الاشكال قبل

أن يستطيع أن يقوم بشئ تجاه هذه الفرقة ، فوشى به إلى ( بيدمر ) .

هذه كانت أهم العوامل في التفكير في القضاء على شيخنا ( الشهيد )

ولم يكن طبعا القضاء على ( الشهيد ) وهو الشخصية الاسلامية

والعلمية الفذة في وقته - بالامر اليسير ، فكان لابد من التدريج ولابد

من تزييف تهم عليه .

فكانت الخطوة الاولى في العمل هي محاولة حبسه ، واخفائه عن الناس

حتى تقل اتصالاته بالناس ، ويتيح لهم ذلك التدرج إلى قتله ، والقضاء

* ( هامش ) * ( 1 ) لاحظ روضات الجنات الطبعة الحجرية الجزء 3 . ص 593

ـ157ـ

عليه ، فسجن سنة كاملة بقلعة دمشق .

ويقال : إنه كتب ( اللمعة الدمشقية ) في هذه السنة في الحبس .

وطال الحبس على ( الشهيد ) وانقطعت صلاته بالناس ، وضج

الناس ، ورفعوا أصواتهم بالاحتجاج ، فخاف ( بيدمر ) حاكم دمشق

من ثورة الناس ، ومن أن يهجم الناس على السجن وينقذوا الشهيد ويستولوا

على الحكم ، فحاول أن يقضي على ( الشهيد ) ويريح نفسه منه .

ولكن ذلك كان يؤدي إثارة مشاعر الناس من محبي الشهيد

ومريديه ، فكان لابد من وضع منهج مخطط للعمل ، فقدم اتباع

( اليالوش ) وكانت الزعامة يومذاك لرجل يدعى ( يوسف بن يحيى )

فكتب محضرا يشنع فيه على ( الشهيد ) بأقاويل نسبها إلى الشهيد ، وشهد

عليه سبعون نفسا من اتباع ( اليالوش ) ، وأضيف إلى هذه الشهادات

شهادة ألف من المتسننين من اتباع ( ابن جماعة ) ونظائره ، فحصلت

من ذلك ملفة كبيرة .

فقدمت إلى قاضي بيروت .

وقيل : قاضي صيدا ، وأتوا بالمحضر إلى ( ابن جماعة ) فنفذه

إلى القاضي المالكي ، وقال له : " تحكم برأيك " وهدده بالعزل ، فعقد

مجلسا للقضاة حضرة الملك والقضاة وجمع كبير من الناس ، و ( الشهيد )

رحمه الله ، فوجهت اليه التهم فأنكر ذلك ، فلم يقبل منه الانكار .

وقيل له : ققد ثبت ذلك عليك شرعا ولا ينتقض حكم الحاكم .

فقال الشهيد رحمه الله : الغائب على حجته ، فان أتى بما يناقض

الحكم جاز نقضه ، وإلا فلا ، وها أنا أبطل شهادات من شهد بالجرح

ولي على كل واحد حجة بينة .

ـ158ـ

وهو كلام معقول ، إلا أن ذلك لم يسمع منه ، وعاد الحكم

إلى المالكي فقام وتوضأ وصل ركعتين ، ثم قال : قد حكمت

باهراق دمه .

وإذا كنا نحن نفهم أن الاغراض والمصالح الشخصية قد تبرز لابن

جماعة ولبيدمر ، وغيرهما أن يقضوا على ( الشهيد ) ويقتلوه فلا نفهم

مغزى هذه المعاملة التي عومل بها الشهيد بعد وفاته .

فلم يكن الغرض هو القضاء على ( الشهيد ) فقط ، وإلا كان الشهيد

قد لقي حتفه بالضربة الاولى من السيف ، وإنما كان الغرض هو إهانة

( الشهيد ) بعد وفاته ، والحط من مكانته حتى بعد موته ، ويجب أن يبلغ

الانسان الغاية من الوضاعة ، والانحطاط الخلقي ، والاسفاف والحقد

حتى يستشفي باهانة قتيل قد أزيح عن ميدان المعارضة .

فقد قتل ( الشهيد ) بدمشق ، ثم أمر بصلبه وهو مقتول بمرأى

من الناس ، ويحيطه جماعات من الجلاوزة للمحافظة على جثته من أن

يستولي عليه مخلصوه ومريدوه لدفنه ، ثم لم يجد هؤلاء الحاقدون الوضيعون

في ذلك شفاءا لغليلهم فأمروا برجم الجسد بالحجر ، فرجمه جلاوزة

( بيدمر ) و ( ابن جماعة ) .

ويظهر أن ذلك كله لم يطفئ الحقد الموغل في نفوسهم القذرة

فأمروا بحرق الجسد .

ومهما قال عبد الحي الحنبلي عن ( الشهيد ) ، ومهما قالوا عن

( ابن جماعة ) فلا يدعو ذلك لاكثر من القتل ، وما قام به ( بيدمر )

و ( ابن جماعة ) وجلاوزتهما من اهانة جسد ( الشهيد ) بعد قتله يدل

على حقد دفين ومرض متأصل في نفوسهما بالنسبة إلى الشهيد ، وأن ذلك

لا يرتبط أصلا بقصة التهم والمحاضر ، وإنما يمس مصالحهم الشخصية

ـ159ـ

اكثر من من أي شي ء آخر .

ومهما يكن فقد مضى ( الشهيد ) بمآثر كبيرة ، وأعمال جليلة

وأيادي بيضاء على الفقه والشريعة خلدته ودرجت اسمه في سجل الخالدين

من المجاهدين والعاملين في سبيل الاسلام ، وأبقى هذه ذكرا جميلا وخلقا

صالحا .

فرحمه الله يوم ولد ، ورحمه الله يوم استشهد في سبيل الله ، ورحمه

الله يوم يحشر ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا

بل أحياء عند ربهم يرزقون ) .

ـ160ـ

حياة الشهيد الثاني

( الشهيد الثاني ) نجم لامع في سماء ( الفقه الاسلامي ) ، وكانت

حياته حياة طيبة مثمرة آتت ثمرات طيبة في الفقه وعلوم الشريعة ، فقد قدر

للشهيد الثاني أن يخلف بعده تراثا فقهيا ، وثروة فكرية ضخمة تداوها

من بعده الفقهاء بالتدريس والتحقيق والبحث .

كما اتيح له أن يرتبط ارتباطا وثيقا بسائر المذاهب الاسلامية الفقهية

ويقرأ الفقه والدراسات العقائدية على مختلف المذاهب الاسلامية .

فكان يدرس الفقه في ( بعلبك ) على المذاهب الخمسة ، ويستعرض

رأي كل مذهب من المذاهب الخمسة ، ويشفعه بما يستدل له ، ثم يقارن

فيما بينها

وثقافة ( الشهيد الثاني ) الفقهية كانت نتيجة لتلاقح المدارس الفقهية

الاسلامية في ذهنه مع المحافظة على استقلال اصول ( الفقه الشيعي )

في الاجتهاد والاستنباط .

وهذه ظاهرة فذة في ( ثقافة الشهيد ) الفقهية ، تجتمع فيه سعة

الذهنية الفقهية التي تتسع لاكثر من مذهب ومدرسة ، وطابع الاستقلال

في الاستدلال ، والاجتهاد عن المذاهب الاخرى .

ولم تقتصر ( ثقافة الشهيد ) من جانب آخر على الفقه ، فقد درس

( الهيئة ) و ( الطب ) و ( الرياضيات ) و ( الادب ) و ( الفلسفة )

وفنونا أخرى من العلم دراسة واعية مستوعبة ، ودرس منها كما كتب

في جملة منها .

ـ161ـ

وفي جميع هذه الحقول يظهر للباحث آثار النضج الذهني ، وسعة

............................................................................

- م. الروضةالبهيةشرح اللمعة من ص 161 سطر 1 الى ص 170 سطر 24

وفي جميع هذه الحقول يظهر للباحث آثار النضج الذهني ، وسعة

الفكر في دراسات الشهيد وكتاباته .

ومما يثير العجب في نفس الانسان اكثر من أي شئ آخر أن حياة

( الشهيد ) كانت مجموعة من الرحلات والاسفار الطويلة والشاقة ، ومع

ذلك فقد استطاع الشهيد أن ينمي ثقافته الفقهية ، والعامة خلال هذه

الرحلات ، وما كان يتخللها من أيام الدراسة في ( الحواضر العلمية )

في وقته إلى هذا المستوى .

وهذه ظاهرة غريبة لا نملك تعليلا لها غير توفيق من الله ، ونبوغ

ذاني أتاح له أن يجمع شتات العلوم والآداب في حياته هذه القصيرة

المضطربة بين الرحلات والخوف .

وليست الثقافة الواسعة ، والذهنية المتفتحة الواعبة هي ميزة ( الشهيد )

الوحيد ، فقد كان ( الشهيد ) من المعدودين من أولياء الله المقربين

وممن وفق لتهذيب نفسه وتكميلها ، والتغلب على عوامل الشهوة والهوى

والطاغوت في نفسه ، والاخلاص لله تعالى حق الاخلاص في كل جزء

من سلوكه .

وكانت لياليه عامرة لله ، واستغفاره والصلاة له وتسبيحه ، ونهاره

عامر بالدراسة ولتأليف ، والتعرض لحاجات الناس ، وتوجيه الناس

وإرشادهم ، فكانت حياته كلها حلقات متصلة من العمل والدراسة والعبادة

والجهاد في سبيل الله .

وأروع ما في هذه الحياة الخاتمة الناصعة التي ختمت حياة ( الشهيد )

وألحقته بركب الشهداء والصالحين .

فكانت حياته حياة نموذجية ، وكان هو مثلا أعلى للتقوى والعمل

وكان التراث الفكري الذي خلفه من بعده ، والذرية الطاهرة التي أعقبها

ـ162ـ

استمرارا لهذه الحياة الصالحة الخيرة .

وسوف نحاول نحن في حدود ماتقدم : من حديث ترجمة الفقيه

( الشهيد الثاني ) ، واستعراض جوانب من ثقافثه ، ورحلاته وآثاره

الفكرية وشهادته ، وملامح عن كماله النفسي ، وكراماته ، وفضائله الخلقية

عسى أن تبرز لنا هذه الدراسة بعض ملامح هذه الشخصية ، وتترك

في نفوسنا أثرا :

صفاته وملامحه :

قال ابن العودي في رسالته :

كان ربعة من الرجال ، معتدل القامة ، وفي آخر عمره كان إلى السمن

أميل ، بوجه صبيح مدور ، وشعر سبط يميل إلى الشقرة ، أسود العينين

والحاجبين ، أبيض اللون ، عبل الذراعين والساقين . كان أصابع يديه

أقلام فضة ، إذا نظر الناظر في وجهه ، وسمع لفظه العذب لم تسمح

نفسه بمفارقته ، وتسلى عن كل شئ بمخاطبته ، تملى العيون من مهابته

وتبتهج القلوب لجلالته ، وأيم الله إنه فوق ما وصفت ، وقد اشتمل

على خصال حميدة اكثر مما ذكرت ،

نشأته الفكرية :

وأكثر ما يعنينا من دراسة حياة ( الشهيد ) نشأته الفكرية ودراسته

ولا شك أن لنشأة الانسان أثرا في تكوينه الذهني والنفسي ، وكيفما يتهيأ

للانسان أن ينشأ تصاغ شخصيته وتتبلور ذهنيته .

ـ163ـ

وكانت ( نشأة الشهيد الفكرية ) والنفسية نشأة فكرية واسلامية

كان له التأثير الكبير في صياغة ذهنيته الخاصة ، وتكامله النفسي .

بيته :

وقد نشأ الشهيد في بيت عريق معروف بالفضل ، ذا جذور

وسوابق علمية : فكان ( أبوه ) من كبار أفاضل عصره ، وكذلك

جداه ( جمال الدين ) و ( التقي ) وجده الاعلى ( الشيخ صالح )

من تلاميذ العلامة .

فكان ستة من آبائه من الفضلاء المرموقين في ( جبل عامل ) كما

استمر أبناء الشهيد على هذا النهج

قال مؤلف الروضات :

ومن العجب أنه كان بمنزلة النقطة المتوسطة المحاطة بدائرة المعارف

والعلوم ، أو مركز تؤول نسبة واحدة من فضائل أرباب الفواضل على النهج

المنظوم ، حيث إن من آبائه الستة المذكورين كانوا من الفضلاء المشهورين

وكذلك أبناؤه النبلاء الذين لم ينقضوا هذه العدة إلى هذا الحين .

وكان البيت يعرف بسلسلة الذهب .

ومهما يكن فقد نشأ ( الشهيد ) في مثل هذا البيت ، وتبلورت ذهنيته

وتكاملت نفسه ، وكان له الاثر الكبير في تكوينه الذهني والنفسي .

وليس من الصحيح إغفال عامل محيطي مهم كالبيت في نشأة ( الشهيد )

فقد فتح الشهيد عينيه في هذا البيت على مظاهر العلم والفقه ، ونمى

في أحضان هذا البيت يسمع حديث العلم ، ويصغي إلى حوار الفقهاء

ويأنس بمجالس العلم والفقه ، ويحشر نفسه فيها .

ـ164ـ

ثم يتدرج في تذوق العلم والفقه ، وبكثر من الدراسة والمراجعة بتلهف

واشتياق ، ويقطع مراحل الدراسة واحدة واحدة ، ويملا أهابه الشوق

إلى المراحل العالية من الدراسة .

ويحدث نفسه كلما جلس إلى مجلس من مجالس العلم والفقه في بيتهم

أو غير بيتهم عن اليوم الذي يتاح له أن يخوض غمار هذا الميدان ، وأن

يكون فارسه السباق ، وأن يشترك معهم في الحديث والحوار ، ويبدي

رأيه فيمن يبدي رأيه من الفقهاء .

وكذلك كان لبيت ( الشهيد ) الاثر الاكبر في صقل مواهبه الذاتية

وتكوينه الذهني والنفسي .

نشاة الشهيد في حماة والده :

ولد ( الشهيد ) في 13 شوال سنة 911 حسب نقل تلميذه ابن العودي

واستشهد يوم الجمعة في شهر رجب سنة 966 كما ذكر في نقد الرجال

أو 965 كما عن خط ولده الشيخ حسن .

ومنذ أيام صباه ظهرت ملامح النبوغ والدكاء عليه .

فختم قراءة الكتاب العزيز - كما ينقل عنه تلميذه ابن العودي -

وهو لم يتجاوز بعد التسع سنوات ، واشتغل بعد ذلك بقراءة فنون الادب

العربي والفقه على والده إلى أن توفي سنة 915 ، وكان والده عالما جليلا

فاضلا من علماء ( جبل عامل ) .

ويكفي في فضله أنه ربى نجله ( الشهيد ) وبلغ إلى هذا المستوى

من الفقاهة والفكر ، وكان من جملة ما قرأه عليه ( المختصر النافع )

و ( اللمعة الدمشقية ) بالاضافة إلى كتب الادب ، وجعل له راتبا شهريا

ـ165ـ

أزاء اشتغاله بالدراسة .

وعز على الطالب الناشئ أن يفقد والده الذي كان يحنو عليه

ويحفه بعتايته ورعايته أيام الدراسة ، إلا أنه كان أجلد وأقوى من أن

يغير سيره في الدراسة والبحث لمثل هذه الحوادث التي تعرض الانسان

في الحياة .

ولم يشأ ( الشهيد ) أن يبقى ثابتا على المستوى الفقهي الذي بلغه

حتى هذا الوقت ، ويحتل مكان والده ، فقد كان يرنو إلى مستوى

أسمى من ذلك .

والذي يميز الرجال البارزين في التاريخ عن غيرهم ليس الكفاءة

والنبوغ وحده ، وإنما هو قبل ذلك الثبات والصمود أمام المشاكل

التي تعترضهم في الطريق ، والهمم العالية التي تدفعهم دائما إلى الامام

وكان ( الشهيد ) من أولئك الافذاذ من الرجال الذين لم يركنوا

إلى الراحة والهدوء والاستقرار ، ولم تتقاعس بهم هممهم عند حد

من الفضل والمكانة .

فرأى ( الشهيد ) في ( ميس ) ( 1 ) وهو بعد لم يتجاوز سني

المراهقة بهجر وطنه ، ويذهب إلى ( ميس ) لتكميل دراسته ، فحضر فيها

على الشيخ الجليل ( علي بن عبد العالي الكركي ) قدس الله سره من سنة

925 حتى سنة 933 ، وقرأ عليه ( شرايع الاسلام ) و ( الارشاد ) واكثر

( القواعد ) .

وفي غالب الظن أن دراسة ( الشهيد ) في هذا الدور للشرائع والارشاد

والقواعد لم تكن دراسة سطحية ، وانما كانت شيئا بين البحث النظري

والاجتهاد ، وبين دراسة السطح .

* ( هامش ) * ( 1 ) بفتح الميم قرية من قرى جبل عامل من بلاد لبنان ( * ) .

ـ166ـ

وأنس ( الشهيد ) بمجالس الشيخ ( علي بن عبد العالي ) وأنس

الشيخ به ، فكان لا تفوته مجالس الشيخ ، ودراساته العامة والخاصة .

وكان الشيخ يجد في ( الشهيد ) الطالب الناشئ ملامح النبوغ والكفاءة

وتوقد الذهنية والذكاء ، فكان ذلك يبعث الشيخ على الاهتمام بتلميذه

اكثر من أي شخص آخر .

واستمر ( الشهيد ) كذلك يحضر مجالس الشيخ ودروسه من دون

انقطاع إلى ثماني سنوات وثلاثة أشهر ، وكان عمره في هذا الوقت يبلغ

اثنتين وعشرين سنة .

وقد أخذ الطالب الشاب نصيبا وافرا من العلم والفقه ، وأوتي حظا

من القدرة على المناقشة ، وتفتح الذهن .

في كرك نوح :

وفي هذا التاريخ بدا ( للشهيد ) أن يترك ( ميس ) إلى ( كرك نوح )

حيث يقيم الشيخ ( علي الميسي ) ، وكان الشيخ علي زوج خالة الشهيد

وتزوج ( الشهيد ) بعد ذلك ابنة الشيخ علي ، وكانت هي كبرى

زوجيه .

وفي ( كرك نوح ) حضر أبحاث ( السيد حسن بن السيد جعفر )

مؤلف كتاب ( المحجة البيضاء ) ، وانشرح الشهيد لاستاذه الجديد ، واتصل

به اتصالا وثيقا ، وحضر عليه مختلف البحوث والدراسات العالية :

من أدب وفقه وفلسفة وكلام وأصول ، وغيره من العلوم : قرأ ( الشهيد )

عليه قواعد ( ابن ميثم البحراني ) في الكلام ، و ( التهذيب ) في أصول

الفقه ، و ( العمدة الجلية ) في الاصول الفقهية من مؤلفات السيد المذكور

ـ167ـ

و ( الكافية ) في النحو ،

واندمج ( الشهيد ) بمحيطه هذا الجديد ، وما أنس اليه من حديث

السيد والشيخ ، ومجالس العلم ، وما كان يتلقاه من فقه ويلقيه من درس .

ولكنه لم يمر عليه سبعة أشهر في محيطه الجديد حتى عاده الحنين

إلى وطنه الاول ، وذكرياته الاولى فيه أيام حياة أبيه ، فقرر أن يعود

إلى وطنه .

العودة إلى الوطن :

ففي شهر جمادى الآخرة سنة 934 غادر ( كرك نوح ) إلى ( جبع )

مسقط رأسه ووطنه الاول ، وبقي فيها إلى سنة 937 ، واشتغل هذه

المدة بالمذاكرة والمطالعة ، والتوجيه الديني والارشاد ، وقضاء حوائج

الناس مما يتعاطاه العلماء في أطراف البلاد ، فكان في هذه المدة مثال

الرجل الرسالي والموجه المدير ، والمشفق على أبناء بلده ، واحتف حوله

الناس ، واكثروا التردد عليه .

في دمشق :

ولكن ( الشهيد ) - وهو الشاب الطموح المتطلع دائما إلى الاعلى

لم شيأ أن يقنع بهذا المستوى ، وبهذا القدر الذي أوتي من الفضل والعلم

والمكانة الاجتماعية ، ولم يغره احتفاء الناس به ، وإكبارهم له ، فقرر

أن يغادر ( جبع ) إلى ( دمشق ) ، فارتحل اليها سنة 937 ، وظل

فيها سنة واحدة حضر فيها درس المحقق الفيلسوف شمس الدين

( محمد بن مكي ) .

ـ168ـ

فقرأ عليه من كتب الطب ( شرح الموجز ) و ( غاية القصد

في معرفة القصد ) من مصنفات الشيخ المذكور .

ومن كتب الهيئة ( فصول الفرغاني ) .

ومن الفلسفة بعض ( حكمة الاشراق ) للسهروردي .

كما قرأ علم القراءة على الشيخ ( احمد بن جابر ) في كتاب ( الشاطبية )

وقرأ عليه قراءة نافع وابن كثير ، وابن عمرو وعاصم .

عودة ثانية إلى جبع :

وفي سنة 938 عاد به الحنين إلى وطنه ، وأقام فيها إلى سنة 941

وعاد فيها إلى اشغاله ودراساته ومهامه الفكرية والاجتماعية من تدريس

وتوجيه للناس ، وما يتصل بذلك :

عودته إلى دمشق :

وفي أوائل سنة 942 رجع ( الشهيد ) مرة أخرى إلى ( دمشق )

وفيها حاول هذه المرة أن يتصل بشخصيات ( دمشق ) العلمية من مختلف

المذاهب ، ويدرس ( المذاهب الاسلامية ) فيها دراسة واعية مستوعبة

في الحديث والفقه ، فاجتمع بالشيخ ( شمس الدين بن طولون الدمشقي )

الحنفي ، وقرأ عليه جملة من الصحيحين ، وأجازه روايتهما معا ، كما

اتصل بآخرين من علماء ( دمشق ) في وقته .

وكان ( ابن العودي ) معه في هذه الفترة ، كما ينقل هو في رسالته

عن ( حياة الشهيد ) .

ـ169ـ

في مصر :

ولم تقف به همته عند هذا الحد ، فقد شاء أن يحشر نفسه في بيئات

فكرية مختلفة ، ويتلقى نماذج مختلفة من الفكر والثقافة ، ولا تظل ثقافته

قاصرة على هذا اللون من الفكر الفقهي والفلسفي والادبي الذي يتعاطاه

العلماء والطلاب في سوريا .

فصمم سنة 943 أو 944 أن يغادر ( دمشق ) إلى ( مصر ) ، حيث

يلتقي بأجواء فكرية جديدة عليه ، وحيث يمكنه أن يتصل بوجوه جديدة

من الشخصيات الفكرية والاجتماعية ، وتبرع له بنفقات سفره

( الحاج شمس الدين محمد بن هلال ) ، وكان هذا الرجل الكريم قد

أسدى من قبل إلى ( الشهيد ) أيادي بيضاء ، فكان يجري عليه راتبا

خاصا أيام دراسته ، ويتحمل نفقاته ونفقات عياله ، ولم نعرف نحن

شيئا عن هذا الرجل الكريم غير أنه كان ينهض بنفقات ( الشهيد )

ولم يعرض لنا التاريخ غير هذا الجزء من حياته .

ويحدثنا مترجمو ( حياة الشهيد ) أنه وجد قتيلا بعد ذلك في سنة

952 ، أو 956 في بيته مع زوجته وولدين له أحد هما رضيع في السرير .

وكان ( ابن العودي ) وهو التلميذ الملازم للشهيد يرغب أن يلازم

أستاذه الكبير في سفرته هذه ويكون بركبه ، إلا أن والدته التمست

من ( الشهيد ) أن يمنعه عن الالتحاق به ، فاستجاب لها وطلب إلى تلميذه

أن يرجع عن رأيه ، فنزل التلميذ عند رأي أستاذه آسفا لذلك ، وبلغ

( مصر ) يوم الجمعة منتصف شهر ربيع الآخر من سنة 942 .

وكانت ( مصر ) يومذاك مركزا كبيرا من مراكز الحركة العقلية

ـ170ـ

في ( البلدان الاسلامية ) .

والتقى ( الشهيد ) في مصر بكبار الفقهاء والمحدثين والمفسرين من أصحاب

مختلف ( المذاهب الاسلامية ) ، وحاول أن يلتقي بهم جميعا ، ويندمج

في حلقاتهم ، ويحشر نفسه في مجالسهم الخاصة حتى يستطيع أن يلم إلمامة

واسعة عميقة بجميع هذه المذاهب ، وينفذ إلى مغزى هذه المذاهب ، ليعي

ما فيها من حق وباطل ، وخطأ وصواب .

فحضر كثيرا من الحلقات الموزعة في أطراف المساجد والمدارس

وقرأ على كثير من شيوخ الفقه والحديث والتفسير ذكر منها كما نقل

( ابن العودي ) ستة عشر شخصا كما يلي ،

قال الشهيد : منهم الشيخ شهاب الدين أحمد الرملي الشافعي قرأت

عليه ( منهاج النوري ) في الفقه وأكثر ( مختصر الاصول ) لابن الحاجب

و ( شرح العضدي ) مع مطالعة حواشيه ( السعدية ) و ( الشريفية )

وسمعت عليه كتبا كثيرة في الفنون العربية والعقلية ، وغيرها .

فمنها : ( شرح التلخيص ) للمختصر في المعاني والبيان لملا

سعد الدين .

ومنها : ( شرح التصريف الغربى ) .

ومنها : ( شرح الشيخ المذكور إمام الحرمين الجويني في اصول الفقه )

ومنها : ( شرح جمع الجوامع ) و ( المحلى ) في اصول الفقه

و ( توضيح ) ابن هشام في النحو ، وغير ذلك مما يطول ذكره ، وأجازني

إجازة عامة بما يجوز له روايته سنة 943 .

ومنهم : الملا حسين الجرجاني قرأنا عليه جملة من ( شرح التجريد )

للملا علي القوشجي مع ( حاشية ملا جلال الدين الدواني )

و ( شرح أشكال التأسس ) في الهندسة لقاضي زاده الرومي

ـ171ـ

و ( شرح الغميني ) في الهيئة له .

............................................................................

- م. الروضةالبهيةشرح اللمعة من ص 171 سطر 1 الى ص 180 سطر 21

و ( شرح الغميني ) في الهيئة له .

ومنهم : ( الملا محمد الاسترابادي ) قرأنا عليه جملة من ( المطول )

مع حاشية السيد شريف ، و ( شرح الكافية ) .

ومنهم : ( الملا محمد على الكيلاني ) سمعنا عليه جملة من المعاني

والمنطق .

ومنهم : ( الشيخ شهاب الدين ابن النجار الحنبلي ) قرأت عليه

جميع ( شرح الشافية ) للجاربردي ، وجميع ( شرح الخزرجية ) في العروض

والقافية للشيخ زكريا الانصاري ، وسمعت عليه كتبا كثيرة في الفنون

والحديث .

منها : الصحيحان ، واجازوني جميع ما سمعت وقرأت ، وجميع

ما يجوز له روايته في السنة المذكورة .

ومنهم : ( الشيخ ابوالحسن البكري ) سمعت عليه جملة من الكتب

في الفقه والتفسير ، وبعض شرحه على المنهاج .

ومنهم : ( الشيخ زين الدين الجرمي المالكي ) ، قرأت عليه

( ألفية ابن مالك ) .

ومنهم : الشيخ المحقق ناصر الدين اللقانى ( الملقاني ) المالكي محقق

الوقت وفاضل تلك البلدة ، لم أر في الديار المصرية الفضل منه في العلوم

العقلية والعربية سمعت عليه ( البيضاوي في التفسير ) ، وغيره من الفنون .

ومنهم : الشيخ ناصر الدين الطبلاوي الشافعي ، قرأت عليه القرآن

( بقراءة ابن عمرو ) ورسالة في القراءة من تأليفاته .

ومنهم : ( الشيخ شمس الدين محمد بن أبى النحاس ) ، قرأت عليه

( الشاطبية ) في القراءة ، والقرآن العزيز للائمة السبعة ، وشرعت ثانيا

اقرأ عليه العشرة ولم اكمل الختم بها .

ـ172ـ

قال ابن العودي : كثيرا ما كان ينعت هذا الشيخ بالصلاح ، وحسن

الاخلاق والتواضع ، وكان فضلاء مصر يترددون اليه للقراءة في ف