مقدّمة المركز
مقدّمة المؤلّف
مقدّمة
الفصل الأوّل: في أنّ الوجود مشترك معنويّ
الفصل الثاني: في اصالة الوجود و اعتباريّة الماهية
الفصل الثالث: في أنّ الوجود حقيقة مشكّكة
الفصل الرابع: في شطر من أحكام العدم
الفصل الخامس: في أنّه لا تكرّر في الوجود
الفصل الأوّل: في الوجود الرابط و المستقلّ
الفصل الثاني: في اختلاف الوجود الرابط و المستقلّ
الفصل الثالث: في انقسام الوجود في نفسه إلى ما لنفسه و ما لغير
الفصل الأوّل: في الوجوب و الإمكان و الامتناع
الفصل الثاني: في انقسام الموادّ الثلاث إلى ما بالذّات
الفصل الثالث: في أنّ واجب الوجود بالذّات ماهيّته إنّيّته
الفصل الرابع: في أنّ الواجب واجب من جميع الجهات
الفصل الخامس: في أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد
الفصل السادس: في علّة حاجة الممكن إلى العلّة
الفصل السابع: في أنّ الممكن محتاج إلى العلّة بقاء
الفصل الثامن: في بعض أحكام الممتنع بالذات
الفصل الأوّل: في خروج المتقابلات عن الماهيّة
الفصل الثاني: في اعتبارات الماهيّة
الفصل الثالث: في الكلّيّ و الجزئيّ
الفصل الرابع: في الذّاتيّ و العرضيّ
الفصل الخامس: في الجنس و الفصل و النوع
الفصل السادس: في بعض ما يرجع إلى الفصل
الفصل السابع: في بعض أحكام النوع
الفصل الأوّل: في المقولات و عدده
الفصل الثاني: في تعريف الجوهر و أنّه جنس
الفصل الثالث: في أقسام الجوهر الأوّليّة
الفصل الرابع: في ماهيّة الجسم
الفصل الخامس: في ماهية المادة و إثبات وجوده
الفصل السادس: في أنّ المادّة لا تفارق الجسميّة...
الفصل السابع: في إثبات الصور النوعيّة
الفصل الثامن: في الكمّ و هو من المقولات العرضيّة
الفصل التاسع: في انقسامات الكمّ
الفصل العاشر: في أحكام مختلفة للكمّ
الفصل الحادي عشر: في الكيف و انقسامه الأوّلي
الفصل الثاني عشر: في الكيفيّات المحسوسة
الفصل الثالث عشر: في الكيفيّات المختصّة بالكمّيّات
الفصل الرابع عشر: في الكيفيّات الاستعداديّة
الفصل الخامس عشر: في الكيفيّات النفسانيّة
الفصل السادس عشر: في في الإضافة و فيه أبحاث
الفصل السابع عشر: في الأين و فيه أبحاث
الفصل الثامن عشر: في المتى
الفصل التاسع عشر: في الوضع
الفصل العشرون: فى الجدة
الفصل الحادي و العشرون: في مقولتي أن يفعل و أن ينفعل
الفصل الأوّل: في الواحد و الكثير
الفصل الثاني: في أقسام الواحد
الفصل الثالث: في الهويّة
الفصل الرابع: في أقسام الحمل
الفصل الخامس: في الغيريّة و أقسامه
الفصل السادس: في تقابل التنقاض
الفصل السابع: في تقابل العدم و الملكة
الفصل الثامن: في تقابل التضايف
الفصل التاسع: في تقابل التضادّ
الفصل الأوّل: في إثبات العلّيّة و المعلوليّة و أنّهما في الوجود
الفصل الثاني: في انقاسامات العلّة
الفصل الثالث: في وجوب وجود المعلول ...
الفصل الرابع: في أنّ الواحد لا يصدر عنه إلاّ الواحد
الفصل الخامس: في الستحالة الدور و التسلسل في العلل
الفصل السادس: في العلّة الفاعليّة
الفصل السابع: في أقسام العلّة الفاعليّة
الفصل الثامن: في أنّه لا مؤثّر في الوجود بحقيقة معنى إلاّ اللّه سبحانه
الفصل التاسع: في أنّ التامّ الفاعليّة أقوى من فعل و أقدم
الفصل العاشر: في أنّ البسيط يمتنع أن يكون فاعلاً و قابل
الفصل الحادي عشر: في العلّة الغائيّة و إثباته
الفصل الثاني عشر: في أنّ الجزاف ... لا تخلوا عن غاية
الفصل الثالث عشر: في نفي الاتّفاق
الفصل الرابع عشر: في العلّة المادية و الصوريّة
الفصل الخامس عشر: في العلّة الجسمانيّة
الفصل الأوّل: كلّ حادث زماني فإنّه مسبوق بقوّة الوجود
الفصل الثاني: في استيناف القول في معنى وجود الشيء بالقوّة
الفصل الثالث: في زيادة توضيح لحدّ الحركة
الفصل الرابع: في انقسام التغيّر
الفصل الخامس: في مبدأ الحركة و منتهاه
الفصل السادس: في المسافة
الفصل السابع: في المقولات الّتي تقع فيها الحركة
الفصل الثامن: في تنقيح القول بوقوع الحركة في مقولة الجوهر
الفصل التاسع: في موضوع الحركة
الفصل العاشر: في فاعل الحركة و هو المحرك
الفصل الحادي عشر: في الزمان
الفصل الثاني عشر: في معني السرعة و البطؤ
الفصل الثالث عشر: في السكون
الفصل الرابع عشر: في انقاسامات الحركة
الفصل الأوّل: في السبق و اللحوق
الفصل الثاني: في ملاك السبق و اللحوق
الفصل الثالث: في المعيّة
الفصل الرابع: في معنى القدم و الحدوث
الفصل الخامس: في القدم و الحدوث الزمانيّين
الفصل السادس: في الحدوث و القدم الذاتيّين
الفصل السابع: في الحدوث و القدم بالحقّ
الفصل الثامن: في الحدوث و القدم الدهريّين
الفصل الأوّل: في تعريف العلم و انقسامه الأوّلي
الفصل الثاني: في اتّحاد العالم بالمعلوم
الفصل الثالث: في انقسام العلم الحصوليّ إلى كلّيّ و جزئيّ
الفصل الرابع: ينقسم العلم الحصوليّ إلى كلّيّ و جزئيّ بمعنى آخر
الفصل الخامس: في أنواع التعقّل
الفصل السادس: فى مراتب العقل
الفصل السابع: في مفيض هذه الصور العلميّة
الفصل الثامن: ينقسم العلم الحصوليّ إلى تصوّر و تصديق
الفصل التاسع: ينقسم العلم الحصوليّ إلى بديهيّ و نظريّ
الفصل العاشر: ينقسم العلم الحصوليّ إلى حقيقيّ و اعتباريّ
الفصل الحادي عشر: في العلم الحضوريّ
الفصل الثاني عشر: كلّ مجرّد فانّه عقل و عاقل و معقول
الفصل الثالث عشر: في أنّ العلم بذي السبب لا يحصل ...
الفصل الرابع عشر: في أنّ العلوم ليست بذاتيّة للنفس
الفصل الخامس عشر: في انقسامات آخر للعلم
الفصل الأوّل: في إثبات الوجود الواجبيّ
الفصل الثاني: في بعض آخر ممّا أقيم على وجود الواجب
الفصل الثالث: في أنّ الواجب لذاته لا ماهيّة له
الفصل الرابع: في أنّ الواجب تعالي بسيط
الفصل الخامس: في توحيد الواجب لذاته
الفصل السادس: في توحيد الواجب لذاته في ربوبيّته
الفصل السابع: في أنّ الواجب بالذات لا مشارك له في شيء من المفاهيم
الفصل الثامن: في صفات الواجب بالذات على وجه كلّيّ
الفصل التاسع: في الصفات الذاتيّة أنّها عين الذات
الفصل العاشر: في الصفات الفعليّة
الفصل الحادي عشر: في علمه تعالى
الفصل الثاني عشر: في العناية و القضاء و القدر
الفصل الثالث عشر: في قدرته تعالى
الفصل الرابع عشر: في أنّ الواجب تعالى مبدأ لكلّ ممكن موجود
الفصل الخامس عشر: في حياته تعالى
الفصل السادس عشر: في الإرادة و الكلام
الفصل السابع عشر: في العناية الإلهيّة بخلقه
الفصل الثامن عشر: في الخير و الشرّ ...
الفصل التاسع عشر: في ترتيب أفعاله و هو نظام الخلقة
الفصل العشرون:
في العالم العقليّ و نظامه ...
الفصل الحادي والعشرون: في عالم المثال
الفصل الثاني والعشرون: في العالم المادّيّ
الفصل الثالث والعشرون: في حدوث العالم
الفصل الرابع والعشرون: في دوام الفيض
الحمد للّه و الصّلاة و السّلام على أنبياء اللّه، لا سيّما رسوله الخاتم و آله
الطيّبين الطاهرين المعصومين.
أمّا بعد، لا شكّ انّ إصلاح المناهج الدراسية المتداولة في الحوزات العلمية و
المعاهد الدراسية في العصر الحاضر ـ الذي عُرف بعصر ثورة المعلومات ـ بات حاجة
ملحّة يقتضيها تطوّر العلوم وتكاملها عبر الزمان، وظهور مناهج تعليمية وتربوية
حديثة تتوافق مع الطموحات و الحاجات الإنسانية المتجدّدة.
و هذه الحقيقة لم تعد خافية على القائمين على هذه المراكز، فوضعوا نصب أعينهم إصلاح
النظام التعليمي في قائمة الأولويات بعد أن باتت فاعليته رهن إجراء تغييرات جذرية
على هيكليّة هذا النظام.
و يبدو من خلال هذه الروءية إنّ إصلاح النظام الحوزوي ليس أمرا بعيد المنال، إلاّ
أنّه من دون إحداث تغيير في المناهج الحوزوية ستبوء كافّة الدعوات الإصلاحية
بالفشل الذريع، و ستموت في مهدها.
و المركز العالمي للدراسات الإسلامية ـ الذي يتولّى مهمّة إعداد المئات من الطلاّب
الوافدين من مختلف بقاع الأرض للاغتراف من نمير علوم أهل البيت عليهمالسلام شرع في
الخطوات اللاّزمة لإجراء تغييرات جذرية على المناهج الدراسيّة المتّبعة وفق
الأساليب العلميّة الحديثة بهدف عرض الموادّ التعليميّة بنحو أفضل، الأمر الذي لا
تلبّيه الكتب الحوزويّة السائدة؛ ذلك انّها لم توءلّف لهدف التدريس، وإنّما أُلّفت
لتعبّـر عن أفكار موءلّفيها حيال موضوعات مرّ عليها حُقبة طويلة من الزمن و أصبحت
جزءاً من الماضي.
و فضلاً عن ذلك فانّها تفتقد مزايا الكتب الدراسيّة التي يراعى فيها مستوى الطالب و
موءهّلاته الفكريّة والعلميّة، و تسلسل الأفكار المودعة فيها وأداوءها، واستعراض
الآراء و النظريات الحديثة التي تعبّر عن المدى الذي وصلت إليه من عمق، بلغة عصرية
يتوخّى فيها السهولة و التيسير و تذليل صعب المسائل مع احتفاظها بدقّة العبارات و
عمق الأفكار بعيداً عن التعقيد الذي يقتل الطالب فيه وقته الثمين دون جدوى.
و انطلاقاً من توجيهات كبار العلماء و المصلحين و على رأسهم سماحة الإمام الراحل
قدسسره ، و تلبية لنداء قائد الثورة الإسلامية آية اللّه الخامنئي ـ
مدّظـلهالوارف ـ قام هذا المركز بتخويل «مكتب التخطيط و تدوين المناهج الدراسيّة»
مهمّة تجديد الكتب الدراسيّة السائدة في الحوزات العلميّة على أن يضع له خطة عمل
لإعداد كتب دراسيّة تتوفّر فيها المزايا السالفة الذكر.
و قد بدت أمام المكتب المذكور ـ و لأوّل وهلة ـ عدّة خيارات:
1. اختصار الكتب الدراسيّة المتداولة من خلال انتقاء الموضوعات التي لها مساس
بالواقع العملي.
2. إيجازها و شحنها بآراء و نظريات حديثة.
3. تحديثها من رأس بلغة عصرية وإيداعها أفكار جديدة، إلاّ أنّ العقبة الكأداء التي
ظلّت تواجه هذا الخيار هي وقوع القطيعة التامّة بين الماضي والحاضر، بحيث تبدو
الأفكار المطروحة في الكتب الحديثة و كأنّها تعيش في غربة عن التراث، و للحيلولة
دون ذلك، لمعت فكرة جمع الخيارات المذكورة في قالب واحد تمثّل في المحافظة على
الكتب الدراسيّة القديمة كمتون و شرحها بأُسلوب عصري يجمع بين القديم الغابر و
الجديد المحدّث.
و بناء على ذلك راح المكتب يشمّر عن ساعد الجدّ و يستعين بمجموعة من الأساتذة
المتخصّصين لوضع كتب و كراسات في المواد الدراسيّة المختلفة، من فقه و أُصول و
تفسير و كلام و فلسفة و رجال و حديث و أدب و غيرها.
و قد ارتأى المكتب ـ في مادّة الفلسفة ـ طبع كتاب «وعاية الحكمة في شرح نهاية
الحكمة» تأليف سماحة الحجّة الشيخ حسين عشّاقى ـ زيدعزّه ـ بعد اضافة ما اتحفنا به
المؤلّف الكريم من نظرات جديدة و بعد التصحيح و التقييم و التنقيح المطبعي.
و في الختام لا يفوتنا إلاّ أن نتقدّم بالشكر الجزيل و الثناء الوافر لأُستاذنا
الموءلِّف على ما بذله من جهود في هذا الصعيد، و نبتهل إلىاللّه سبحانه أن يديم
عطاءه العلمي.
ما زالت البراعم قد تفتّحت والفواكه قد نضجت منذ غرست الحكمة المتعالية في حديقة
الفلسفة الإسلامية و من أجمل أزهارها و أطيب ثمراتها كتاب «نهاية الحكمة» الذي
ألّفها الحكيم الربّاني و العارف الصمداني العلاّمة محمّدحسين الطباطبائي رحمهالله
؛ فإنّ فيها جواهر دفينة و حقائق ثمينة تميّزها عن سائر الكتب المعمولة نشير إلى
بعضها إجمالاً:
1. إنّ المؤلّف قد ألّف النهاية في أواخر عمره لأنّ تاريخ إتمامها على ما كتبه في
آخر الكتاب هي سنة «1395 ق» و هذا قبل وفاته رحمهاللّه بسبع سنوات، فالكتاب قد
ألّف في زمن كمال المؤلّف، فإنّ المحقّق ما زال ينمو في حياته العلمية فالذي يحصّله
في زمن كماله فهو أكمل نظرياته العلمية، و هذه المزّية ربّما لا توجد في سائر
الكتب.
2. إنّ العبارات المستعملة فيها سليسة بليغة بحيث لا توجد فيها العُقد اللفظيّة
الموجودة في أكثر الكتب الرائجة في الحوزة.
3. إنّ الدأب الرائج فيها إثبات المسائل على الأسلوب البرهانيّ و الاجتناب عن
الأساليب الشعريّة و الخطابيّة و غيرها من القياسات غير الموقنة.
4. إنّ المؤلّف قد اجتنب عن كثير من المناقشات الّتي أوردها المتكلّمون على الفلسفة
و اعتنى بأبحاث و آراء أظهرها الغربيون قبال المتقدّمين و ذلك لأفول تلك المناقشات
و بروز هذه الآراء.
5. إنّ النتائج المترتّبة على كلّ مسألة قد ذكرت بعد إثبات المسألة.
6 . انّ المسائل المبحوث عنها في النهاية مسائل فلسفيّة فقط بحيث لم يبحث فيها عن
سائر المسائل إلاّ استطرادا.
فهذه بعض الوجوه الّتي قد امتازت بها «النهاية» عن سائر الكتب و حيث إنّ هذا الكتاب
قد صار متنا دراسيّا في الحوزة و غيرها و رأيت أنّ نجومها الباهرة غير ظاهرة
لمراصديها كتبت عليها شرحا موضحا لحقائقها و سمّيته «وعاية الحكمة في شرح نهاية
الحكمة» اقتباسا من القرآن الكريم و كلام اميرالمؤمنين عليهالسلام ، قال الحكيم في
محكم كتابه «و تعيها(1) أذن واعية(2)» و قال أميرالمؤمنين عليهالسلام في وصف
آلمحمّد صلىاللهعليهوآله «هم عيش العلم و موت الجهل ... عقلوا الدين عقل وعاية
و رعاية، لا عقل سماع و رواية فانّ رواة العلم كثير و رعاته قليل».(3)
1. قال في المصباح المنير: «وعيت الحديث وعيا من باب وعد، حفظته و
تدبرته...» و قال ايضا: «استوعيته لغة في الاستيعاب و هو أخذ الشيء كله».
2. سورة الحاقة: 12.
3. نهجالبلاغة، خطبة 239.
الحمدللّه ربّ العالمين و الصّلاة و السلام على سيّدنا محمّد و آله الطاهرين و
لعنة اللّه على أعدائهم اجمعين.
هذا بيان لوجه الحاجة إلىالفلسفة و حاصله: أنّا نعلم بأنّ في العالم أمورا
واقعيّة كالإنسان و المياه و الكواكب لكن كثيراً مّا نخطأ في إدراكاتنا فنحسب ما
ليس بموجود موجوداً و بالعكس، فلامحالة نحتاج إلى بحث يقينيّ يفيدنا تمييز الموجود
ممّا ليس بموجود و هو الفلسفة.
قال المصنّف في تعليقته على الأسفار:
«حتّى إنّ فرض بطلانها و رفعها مستلزم لثبوتها و وضعها، فلو فرضنا بطلان كلّ واقعية
في وقت أو مطلقا كانت حينئذٍ كل واقعية باطلة واقعا، أي الواقعيّة ثابتة و كذ
السوفسطيّ لورأى الأشياء موهومة أو شكّ في واقعيّتها فعنده الأشياء موهومة واقعاً و
الواقعيّة مشكوكة واقعا، أي هي ثابتة من حيث هي مرفوعة».(1)
و الشاهد على ذلك إنّ الإنسان إذا شكّ في الواقعيّة مطلقا ينسب ذلك الشكّ إلى
نفسه فيقول «أنأ شاكّ فى كلّ شىء»؛ و هذا الكلام يدلّ على أنّ الإنسان و إن كان
يظهر الشكّ في كلّ شيء إلاّ أنّه في نفس ذلك الوقت معتقد بوجود نفسه و شكّه؛ اذ لو
لم يكن كذلك لم يجز نسبة ذلك الشكّ الى نفسه، لإنّ ثبوت شيء لشيء فرع لثبوت المثبت
له، فعلى الأقل الإنسان نفسه و شكّه معلوما الوجود عنده.
فإنّا نحسب أنّ الإنسان و الشجر و الحجر و غيرها من الماهيات موجودات واقعيّة مع
أنّ هذه الأمور غير موجودة حقيقة؛ لإنّ الماهيات أمور اعتباريّة فلا وجود لها إلاّ
بالعرض و كذا نحسب أنّ وجود الإنسان و الشجر و الحجر و غيرها من الوجودات غير موجود
واقعاً مع أنّ وجودات هذه الأمور موجودات حقيقيّة؛ لأنّ الوجود هو الأصيل.
قوله: فإنّ القياس البرهاني هو المنتج للنتيجة اليقينية ...
لانّه القياس الوحيد الذي يتشكّل من اليقينيّات، فينتج نتيجة يقينيّة و أمّا سائر
الأقيسة من المغالطة و الجدل و الخطابة و الشعر فلا يكون جميع مقدّماتها من
اليقينيّات فلا تنتج نتيجة يقينيّة.
1. تعليقة المصنّف على الأسفار: 6 / 14.
إنّ لليقين معنيين: أحدهما اليقين بالمعنى الأعمّ و هو مطلق الاعتقاد الجازم، و
ثانيهما اليقين بالمعنى الأخصّ و هو الاعتقاد المطابق للواقع الذي لايحتمل النقيض
فيه لاعن تقليد و المقصود هنا هو المعنى الأخير فلا يشمل الجهل المركب و لا الظنّ و
لا التقليد و إن كان معه جزم.
لمّا كان المطلوب في البرهان اليقين كان من الواجب ان تكون مقدّماته كليّة،
بمعنى أنّ القضيّة البرهانيّة يجب أن تكون صادقة في جميع الأفراد المذكورة في
القضيّة و في جميع أحوال تلك الأفراد، إذ لولم تكن كذلك لكانت كاذبة في بعض الأحوال
أو في بعض الأفراد، فلم يبق لنا اليقين بتلك القضيّة فلا يكون القياس المركّب منها
برهانا.
إذا عرفت هذا نقول: إنّ الجزئي لمّا كان متغيّرا في ذاته و أحواله لم تكن الأحكام
الجارية فيه كليّة، بل الأحكام الجارية فيه صادقة في بعض الأحوال، فلم يبق لنا
اليقين بتلك الأحكام فلا يجرى فيه البرهان، مثلاً إذا قلنا زيد متحرّك بالإرادة و
كل متحرّك بالإرادة حسّاس، لاينتج هذا القياس نتيجة يقينية لأنّ الصغرى ليست يقينية
لأنّ الزيد فى بعض أحواله ميّت و الميّت لا يتحرّك بالإرادة، فالصغرى صادقة في بعض
الأحوال كاذبة في بعض آخر و إذا لم تكن الصغرى يقينيّة لم تكن النتيجة يقينيّة فلا
يكون القياس برهانا.
إذ لو لا التساوي لكان ذلك الحال أعمّ مطلقا أو أخصّ مطلقا أو أعمّ و أخصّ من
وجه أو مباينا؛ و الأوّل محال، إذ لا أعمّ من الموجود المطلق و إلاّ اجتمع النقيضان
فيما يصدق عليه الأعمّ و لايصدق عليه الموجود المطلق، و الثاني باطل، لأنّ فرض كون
الأخصّ من أحوال الأعمّ موجب لأن لايحصل اليقين بذلك الحال، لأنّ ذلك الحال صادق
على بعض أفراد القضيّة فلا تكون القضيّة كليّة فلا تكون يقينيّة (كما تقدّم بيانه
آنفا) مع أنّ اللازم في البرهان اليقين، و الثالث باطل ايضاً لجريان الإشكال الأوّل
و الثاني فيه، لأنّ ذلك الحال أعمّ من وجه و أخصّ من وجه، و الرابع باطل أيضا، لأنّ
أحوال الموجود المطلق تحمّل عليه و المبائن لا يحمل على الشيء، فثبت أنّ أحوال
الموجود المطلق يجب أن تكون مساوية له.
و هي حيثية ترتّب الآثار، فإنّ كلّ موجود سواء كان خارجيا او ذهنياً يترتّب عليه
أثر مّا و لو كان ذلك الأثر طرداً لعدم، فانّ الوجود الذهني و إن لا يترتّب عليه
آثار المحكي عنه إلاّ أنّه يترتّب عليه أثر مّا بهذا المعنى، فهو خارجي بهذا
المعنى، فالخارجيّة تساوي الموجود المطلق و كذا الوحدة العامة فإنّها عبارة عن
حيثيّة عدم الانقسام، فإنّ الموجود سواء كان كثيرا أو واحداً لاينقسم من حيث أنّه
موجود و إن كان الكثير منقسماً بلحاظ حيثيّة أخرى، فالموجود الكثير واحد من حيث
الموجودية فهو واحد من هذه الحيثيّة، فالوحدة العامة الشاملة للواحد و الكثير تساوي
الموجود المطلق و كذا الفعلية الكليّة فإنّها عبارة عن حيثيّة ترتّب الأثر على
الشيء من دون تأخير زماني، فإنّ كل موجود سواء كان بالفعل أو بالقوّة يترتّب عليه
أثر مّا من دون تأخير و لو كان ذلك الأثر طردا لعدم، فالموجود الذي بالقوّة يترتّب
عليه أثر مّا بهذا المعنى و ان كان بعض آثاره الآخر يترتب عليه مع تأخير زماني، فهو
موجود بالفعل بهذا اللحاظ، فالفعلية الكلية الشاملة للموجود بالفعل و بالقوة تساوي
الموجود المطلق.
فإنّ العلوم تتناسب و تتخالف بحسب موضوعاتها، فإذا كان موضوع علم أعمّ من موضوع
علم آخر، سمّي الأعمّ موضوعا بالعلم الأعمّ كالمقدار و الجسم التعليمي، فإنّ الأوّل
موضوع الهندسة، و الثاني موضوع المجسّمات، فيسمّى الهندسة بالعلم الأعمّ و
المجسّمات بالعلم الأخصّ وحيث إنّ موضوع الفلسفة أعمّ الموضوعات فالفلسفة أعمّ
العلوم.
أي كانت المحمولات المثبتة فيها من سنخ الوجود، إذ قد تقدّم أنّ من المستحيل أن
يتّصف الموجود بأحوال غير موجودة، فحال الوجود المحمول عليه يجب أن يكون من سنخ
الوجود و من شوءونه كالعلّية و المعلولية.
كلّ قضية مردّدة المحمول ينحلّ الى موجبتين جزئيتين، فإنّ قضية «الموجود إمّا
واجب أو ممكن» تنحلّ إلى «بعض الموجود واجب» و «بعض الموجود ممكن»؛ ثم لمّا كان
قولنا: «بعض الموجود واجب» عكسا مستويا لقولنا: «الواجب موجود» و كذا قولنا: «بعض
الموجود ممكن» عكسا مستويا لقولنا: «الممكن موجود» كان إثبات قولنا: «الواجب موجود»
في قوّة إثبات قولنا: «بعض الموجود واجب»؛ و كذا إثبات قولنا: «الممكن موجود» في
قوّة إثبات قولنا: «بعض الموجود ممكن»، لأنّ إثبات الأصل إثبات للعكس كما بيّن في
المنطق، فلذا يستدلّ في الفلسفة على قضية «الواجب موجود» و على قضية «الممكن موجود»
بدلاً عن قولنا: «بعض الموجود واجب» و قولنا: «بعض الموجود ممكن».
أعلم أنّ أسامي العلوم قد تطلق و يراد بها مسائلها و قد تطلق و يراد بها العلم
بتلك المسائل، فإن كان المراد من الفلسفة مسائلها فواضح أن لايكون لها غاية، اذ ليس
وراء موضوعها و محمولاتها المثبتة لموضوعها شيء من الأشياء حتّى يكون غاية مترتّبة
على الفلسفة، فلا يقصد العلم بالفلسفة لأجل غاية مترتّبة على نفس الفلسفة، نعم هناك
فوائد تترتّب على العلم بالفلسفة لكن لايكون تلك الفوائد غاية لنفس الفلسفة، لأنّ
الفلسفة ليست هي العلم بالمسائل بل هي نفس المسائل، و إن كان المراد من الفلسفة
العلم بمسائلها فواضح أن يكون لها غاية، إذ يمكن فرض غاية مترتبة على العلم
بمسائلها، و الظاهر انّ المصنّف هنا أراد المعنى الأوّل و في بداية الحكمة أراد
المعنى الثاني حيث صرّح هناك بوجود الغاية للفلسفة فلا تهافت بين الكلامين.
توضيح ذلك: أنّ ثبوت المحمولات للموجود المطلق عين ثبوت الموجود المطلق، إذ
لاخارج وراء الموجود المطلق حتّى تثبت تلك المحمولات للموجود المطلق بثبوت مغاير
لثبوت الموجود المطلق، فإنّ ماوراء الموجود المطلق عدم محض، فثبوت المحمولات
للموجود المطلق عين ثبوت الموجود المطلق و الموجود المطلق لاعلّة له، اذ ليس ورائه
شيء فلا يكون لثبوت المحمولات للموجود المطلق علّة لأنّ ثبوتها للموجود المطلق عين
ثبوت الموجود المطلق كما تقدّم و لا علّة للموجود المطلق و إذا لم يكن لثبوت
المحمولات للموجود المطلق علّة، فالبراهين الّتي أقيمت على ثبوت المحمولات للموجود
المطلق لم تكن براهين لمّيّة و هو المطلوب.
و بهذا البيان يندفع المناقشة في كلام المصنّف أوّلاً بأنّ شرط البرهان اللميّ كون
الحدّ الأوسط علّة لثبوت الحدّ الأكبر للأصغر، لا كونه علّة لنفس الحدّ
الأصغر فعدم وجود العلة للموجود المطلق لاينافي ثبوت العلّة لحمل الموجود على شيء و
لا لحمل مفهوم آخر للموجود المطلق... و ثانيا عدم وجود علّة للموجود المطلق
لايستلزم عدم علّة لحصّة خاصّة أو لمرتبة خاصة منه و ثالثا بناءِ على كون المسائل
الإلهيّة من مسائل الفلسفة لا مناص عن قبول إمكان إقامة البرهان اللميّ فيها، فإنّ
الأفعال الإلهيّة يمكن إثباتها من طريق الصفات الّتي هي عين الذات الإلهيّة تبارك و
تعالى، فيسلك من العلّة إلى المعلول و هو برهان لميّ.
وجه الاندفاع: أمّا الإشكال الأوّل فمندفع بأنّا سلّمنا أنّ شرط البرهان اللميّ كون
الحدّ الأوسط علّة لثبوت الحدّ الأكبر للأصغر، لا كونه علّة لنفس الحدّ الأصغر، لكن
لمّا كان ثبوت الأكبر للأصغر عين ثبوت الأصغر ـ كما تقدّم بيانه ـ و لم يكن لثبوت
الأصغر (و هو الموجود المطلق) علّة، لم يكن لثبوت الأكبر للأصغر علة فلا يجري في
الفلسفة البرهان اللميّ؛ و أمّا الثاني و الثالث فمندفعان بأنّا لانسلّم أنّ
المسألة الّتي يستدلّ عليها من طريق العلّة مسألة فلسفيّة وحدها، إذ قد تقدّم أنّ
المحمولات الفلسفيّة تساوي الموجود المطلق و حصّة الموجود المطلق لا تساويه بل
المسألة الفلسفيّة في مورد الإشكال قضيّة مردّدة المحمول و كلّ حصّة من الموجود
المطلق شقّ من شقوق تلك القضيّة و من المعلوم أنّ جميع الشقوق لا يكون له علّة فلا
يكون المسألة بمجموعها مبرهنة بالبرهان اللميّ.
لأنّ المعلول ما لم تكن علّته الخاصّة معلومة الوجود مشكوك الوجود، لأنّ الشكّ
في العلة يلازم الشكّ في معلولها؛ إذ المعلول متعلق الوجود بعلّته فالشكّ في علّته
يسري إليه و ما كان مشكوكا لا يفيد يقينا، فالسلوك من المعلول إلى العلّة لايكون
برهانيا.(1)
قال المصنّف: «إنّ الدليل (أي السلوك من المعلول إلى العلّة) لا يفيد يقينا بنفسه و
ليكن ج ب، ب ألف (أي نفرض أنّ كلّ ج ب و كلّ ب الف) و «الف» علة لـ «ب»، و ذلك لأنّ
«ألف» حيث كان علّة لـ «ب» كان ضرورة «ج ب» متأخّرة عن ضرورة «ج ألف» و ضرورة «ج
ألف» المطلوب متأخّرة عن ضرورة «ج ب» الصغرى، فاليقين بـ «ج ألف» متأخّر عن اليقين
بـ «ج ألف»، هذا دور، فالمطلوب ثابت.(2)
فإن قلت: إن لم يكن السلوك من المعلول إلى العلة مفيدا لليقين فلم جعله المنطقيون
من أقسام البرهان؟
قلت: ما تقدّم من البيانين جارٍ فقط في العلم الحصولي أمّا السلوك من العلم الحضوري
بالمعلول إلى العلم الحصولي بالعلة، فلا يجري فيه البيانان، فيمكن السلوك من
المعلول إلى العلة فيصحّ جعله من أقسام البرهان.
1. راجع: برهان الشفاء، المقالة الاولى، الفصل الثامن، ص 85.
2. البرهان للمصنّف، ص 37.
توضيح ذلك: أمّا عدم جريان البيان الأوّل فلأنّ الشكّ في العلّة كان ملازما
للشكّ في المعلول و الشكّ في المعلول يزيل العلم الحصوليّ بالمعلول، أمّا العلم
الحضوريّ بالمعلول فلايزول بالشكّ فيه، لأنّ العلم الحضوريّ بالشيء عين واقعيّة
الشيء و واقعيّة الشيء لا تزول بالشكّ فيه؛ و الشاهد على ذلك أنّا إذا شككنا في
وجود نفوسنا ننسب الشكّ إلى نفوسنا فنقول عند الشكّ «أنا شاكّ في وجود نفسي» فلو لم
يكن وجود «أنا» معلوما بالعلم الحضوري عند الشكّ فيه لم يجز نسبة ذلك
الشكّ إلى «أنا» لأنّ ثبوت شيء لشيء فرع لثبوت المثبت له، فإذن العلم
الحضوري بوجود النفس باق على حاله و ان لم يكن لنا علم حصولي بوجودها و بوجود
علّتها، فيمكن السلوك من هذا العلم الحضوري إلى العلم بوجود علّتها و هو البرهان
الإنّي، و أمّا عدم جريان البيان الثاني فلأنّ اليقين الحضوري بـ «ج ب» (و هي
الصغرى) ليس متأخّرا عن اليقين الحصولي بـ «ج ألف» (و هي النتيجة) لأنّ العلم
الحضوري بالشيء لا يتوقّف على العلم الحصولي بعلّته فلا يلزم الدور فالسلوك من
المعلول المعلوم بالعلم الحضوري إلى العلة سلوك برهاني يفيد اليقين.
قوله: المتلازمين العامين إلى الآخر ...
إنّما قيّد المتلازمين بالعامين لأنّه لولم يكن الملازمان عامين كأحوال الوجود
المساوية له لاحتاج كل منهما إلى العلّة، فيكون السلوك اليقيني إليهما من طريق
علّتهما لا من أحدهما إلى الآخر، فيكون ذلك برهانا لمّيّا لا إنّيّا هذا خلف، فيجب
أن يكونا عامين حتّى لا يكون لهما علّة.
و هو أبوالحسن الأشعريّ و أبوالحسين البصريّ و جمع من أتباعها.
و إنّما ذهبوا إلى هذا القول و إلى القول السابق حذرا من لزوم السنخيّة بين العلّة و المعلول مطلقا أو بين الواجب و الممكن، مع أنّ السنخيّة بين العلّة و المعلول من شرايط العلّيّة، لأنّ علّة الوجود وجود؛ نعم المعلول بالقياس إلى علّته المفيضة ليس شيئًا بحيالها بل شيئيّة المعلول بشيئيّة علّته كما سيأتي.
حاصله: أنّه إذا قلنا «الواجب موجود» فإمّا أن نفهم من موجوديّته المعنى المفهوم من وجود الممكن و هو الاشتراك و إمّا أن لانفهم منها المعنى المفهوم من وجود الممكن و حينئذٍ إمّا أن لانفهم منها شيئا أصلاً و هذا هو تعطيل العقل عن الفهم و إمّا أن نفهم منها غير المعنى المفهوم من وجود الممكن و مقابله و حينئذٍ لمّا كان المعنى المفهوم من وجود الممكن هو الثبوت و التحقّق و مقابل الثبوت مصداق للعدم (و إلاّ ارتفع النقيضان) كان معنى قولنا: «الواجب موجود» هو «الواجب معدوم» تعالى عن ذلك.
إنّ المصنّف رحمهالله قد أشار إلى مقدّمات لابدّ منها قبل الورود في البحث و هي
ثلاثة:
الأولى: أنّ السفسطة باطلة و أنّ هناك أمورا واقعيّة إجمالاً، و قد تقدّم
البحث عن هذه المقدّمة في مدخل الكتاب و هذه المقدّمة لابدّ منها، لأنّ البحث عن
أنّ الأصيل هو الوجود أو الماهيّة فرع تحقّق أصيل في الخارج و أنّ في الخارج أمورا
واقعيّة.
و الثانية: أنّ للأشياء الواقعيّة حيثيّتين متغايرتين و هما الوجود و
الماهيّة، و هذه المقدّمة أيضا لابدّ منها، إذ لولا الوجود و الماهيّة في الأشياء
لما صحّ البحث عن الأصيل منهما و المصنّف قد أثبت هذه المقدّمة بوجهين: أوّلهما
أنّا نجد الأشياء مختلفة متمايزة مسلوبا بعضها عن بعض في
عين أنّها أمور واقعيّة، فلها ماهيّات محمولة عليها، بها يباين بعضها بعضا و وجود
محمول عليها مشترك المعنى بينها، و ماهيّتها غير وجودها، لأنّ المختصّ غير المشترك،
و ثانيهما أنّ حيثيّة الماهيّة لو كانت عين حيثيّة الوجود لما صحّ سلب الوجود عن
الماهية، لاستحالة سلب الشيء عن نفسه، مع أنّ الماهيّة قد يسلب عنها الوجود، فما
نجده في الأشياء من حيثيّة الماهيّة غير ما نجده فيها من حيثيّة الوجود.
الثالثة: أنّ الوجود و الماهيّة كليهما ليسا أصيلين، بل الأصيل في كلّ شيء حيثيّة
واحدة منهما و الحيثيّة الأخرى أمر اعتباريّ تنسب اليها الواقعيّة بالعرض والمجاز،
إذ لو كانت الحيثيّتان أصيلتين لاستلزم ذلك كون كلّ شيء واحد شيئين إثنين و هو خلاف
الضرورة.
هذا شروع في الإستدلال على أصالة الوجود و اعتبارية الماهيّة و توضيحه: أنّ الواقعيّة ليست في حريم ذات الماهيّة، إذ لو كانت في حريم ذاتها لم يمكن اتّصافها بالبطلان و نفي الواقعيّة (لأنّ اتّصاف الشيء بنقيضه محال) مع أنّ الماهيّة قد يسلب عنها الواقعيّة فيقال: الإنسان معدوم ـ مثلاً ـ ، فالواقعيّة خارجة عن حريم ذاتها، لكنّ الماهيّة تنال الواقعيّة إذا حمل عليها الوجود، فلو لم يكن الوجود في مرتبة ذاته أصيلاً ذا واقعيّة للزم أن يكون ضمّ معدوم إلى معدوم آخر مناطا للواقعيّة و هو باطل بالضرورة فالوجود هو الأصيل الواقع بالذات.
أي إنّ في كلماتهم ما هو ظاهر في أصالة الوجود أو قابل للحمل عليها و إلاّ إنّ هذه المسألة لم تكن معنونة بالاستقلال في كلماتهم بل استحدثت من زمان صدر المتألّهين نعم قد يوجد في ضمن المسائل الأخرى إشارات و ظهورات لها؛ و منها ما قاله بهمنيار في ضمن مسألة بساطة الوجود، فإنّه قال: «الفاعل إذا أفاد وجودا فإنّما يفيد حقيقته و حقيقته موجوديّته، فقد بأن من جميع هذا أنّ وجود الشيء هو أنّه في الأعيان لا ما يكون به في الأعيان».(1) و قال أيضا: «الوجود حقيقته أنّه في الأعيان لا غير و كيف لا يكون الأعيان ما هذه حقيقته».(2) و منها ما قاله الشيخ في ضمن مسألة نفي الماهيّة عن الواجب، فإنّه قال: «فالأوّل لا ماهية له و ذوات الماهيّات تفيض عليها الوجود منه».(3)
إذ لو كان موجودا بوجود زائد لكان في مرتبة ذاته خاليا عن الواقعية، فلا يكون أصيلاً و هو خلاف المفروض. و بعبارة أخرى أنّ هذا الإشكال وارد على القول بعدم الأصالة للوجود أمّا على القول بأصالته فلا، لأنّ الوجود إذا كان أصيلاً كان معناه أنّه موجود في مرتبة ذاته فلا يحتاج في الموجوديّة و الواقعيّة إلى وجود زائد و إذا لا تكون موجوديّته بوجود زائد لايمكن أن ينقل الكلام إليه، فإذن لايلزم التسلسل.
1. التحصيل، ص 284 و ص 286.
2. التحصيل، ص 284 و ص 286.
3. الهيات، الشفاء، ص 491.
توضيحه: أنّا إذا قلنا الواجب موجود بذاته كان المراد من قولنا «بذاته» نفي الواسطة في الثبوت، أي الواجب في اتّصافه بالوجود لايحتاج إلى العلّة، بخلاف الممكن فانّه يحتاج إلى العلّة في اتّصافه بالوجود و إذا قلنا: «الوجود موجود بذاته» كان المراد من قولنا «بذاته» نفي الواسطة في العروض، أي الوجود في اتّصافه بالوجود لايحتاج إلى أمر زائد على ذاته بخلاف الماهيّة، فإنّها تحتاج في اتّصافها بالوجود إلى أمر زائد على ذاتها و هو الوجود و بين الواسطة في العروض و الواسطة في الثبوت بون بعيد فلايلزم من نفي الأولى نفي الثانية فلا يلزم الإشكال.
قال الشيخ الإشراقي: «الوجود يقع بمعنى واحد و مفهوم واحد على السواد و الجوهر و الإنسان و الفرس فهو معنى معقول أعمّ من كلّ واحد و كذا مفهوم الماهيّة مطلقا و الشيئيّة و الحقيقة و الذات على الإطلاق، فندّعي أنّ هذه المحمولات عقليّة صرفة».(1)
1. حكمة الإشراق، ص 64.
لأنّ الماهيّة قبل تعلّق الوجود بها اعتباريّة، لا واقعيّة لها، فلو كان الوجود اعتباريّا لا واقعيّة له كان حال الماهيّة بعد تعلّق الوجود بها كحالها قبل تعلّق الوجود، إذ ضمّ معدوم إلى معدوم لايصير مناطا للواقعيّة، فلو صارت مع ذلك بعد تعلق الوجود أصيلة لكانت هذه الصيرورة انقلابا و تحوّلاً في الماهيّة من دون وقوع، أي تحوّل فيها و هو محال لإنّه تناقض.
فإنّه قائل بوحدة الوجود و كثرة الموجود، قال: إنّ الوجود واحد شخصيّ لا كثرة فيه أصلاً لا بحسب الأنواع و لا بحسب الأفراد و لا بحسب المراتب و هو وجود الواجب، لكنّ الموجود كثير و له معنيان: أحدهما نفس الوجود كما في الواجب، و ثانيهما المنسوب إلى الوجود كما في الممكنات و للمعنى الثاني نظائر في كلام العرب كالحدّاد و اللابن و التامر بمعنى المنسوب إلى الحديد و اللبن و التمر، فبناءِ على هذا المرام (في مسألة الوحدة و الكثرة في الوجود) كان اللازم عليه أن يلتزم بأصالة الماهيّة في الممكنات، إذ لو قال بأصالة الوجود فيها للزم عليه أن يلتزم بكثرةمّا في حقيقة الوجود و هو لايرضيها.
فيه تأمّل، بيانه: أنّ الحيثيّة قد تكون تقييديّة إذا كانت من أجزاء
موضوع القضيّة بحيث لو لم يعتبر من الموضوع لصارت القضيّة كاذبة كقولنا: «كلّ حيوان
من حيث كونه ناطقا إنسان، فإنّ هذه الحيثيّة من أجزاء الموضوع و القضيّة بدونها
كاذبة، و قد تكون تعليليّة إذا كانت مبيّنة لسبب الحكم و لم تكن من أجزاء موضوع
القضيّة بحيث لو لم يعتبر من أجزائه و لم يذكر في القضيّة لم يضرّ بصدق القضيّة بل
القضيّة خالية عن بيان سبب الحكم فقط كقولنا: «الماء الحارّ من حيث كونه مجاورا
للنار مسخّن»، فإنّ هذه الحيثيّة تُبيّن سبب الحكم و لم تكن من أجزاء موضوع القضيّة
لأنّ الموضوع هو الماء الحارّ فالقضيّة صادقة و إن لم تذكر الحيثيّة.
إذا عرفت هذا نقول: إنّ الوجود ليس حيثيّة تقييديّة فيما يحمل على
الماهيّات، إذ لوكان حيثيّة تقييديّة لوجب اعتباره مع الماهيّات عند حمل شيء عليها؛
لأنّ الوجود حينئذٍ من أجزاء موضوع القضيّة، فلا تكون القضيّة صادقة بدونه، فيجب
اعتباره معها حذرا من لزوم الكذب في القضيّة، لكن التالي باطل فكذا المقدّم، لأنّ
ماهيّة الإنسان مثلاً و إن لم تخلُ عن الوجود في الواقع
لكن لاتحتاج في حمل ذاتياتها عليها إلى اعتبار الوجود معها، لأنّ حمل الذاتيّ
كالجنس و الفصل على الذات حمل أوّلي ـ كما سيأتي ـ و في الحمل الأوّلي لايعتبر
الوجود في الموضوع بل المعتبر فيه نفس ذات الشيء المرفوع عنها جميع المحمولات
الخارجة عنها حتّى الوجود.(1)
و أيضا لو كان الوجود حيثيّة تقييديّة في حمل الذاتيّ على الذات لكانت نسبة الذاتيّ
إلى الذات بالإمكان لا بالوجوب، لأنّ الذات حينئذٍ تكون علّة ناقصة بالنسبة إلى
الحكم الذي هو الذاتيّ فيكون النسبة بينهما بالإمكان و هو باطل محال، لأنّ الذاتي
عين الذات كما سيأتي فتكون نسبته إليه بالوجوب لا بالإمكان، فإذن قد ثبت أنّ الوجود
ليس حيثيّة تقييديّة فيما يحمل على الماهيّات. و أمّا ما استدلّ به المصنّف بقوله:
«أنّ الماهيّة في نفسها باطلة هالكة لا تملك شيئا فثبوت ذاتها و ذاتيّاتها لذاتها
بواسطة الوجود» فنقول: مدخلية الوجود في ثبوت الذاتي للذات ليست بأن يكون الوجود
جزءًا من موضوع الحكم بل بأن يكون الوجود يثبت به الماهيّة فإذا ثبتت الماهيّة
بالوجود فاحكامها ثابتة لنفسها لا للماهيّة مع قيد الوجود، أي لو أمكن أن يتحقّق
الماهيّة الإنسانيّة ـ مثلاً ـ مجرّدة عن كافّة الوجودات لحمل على الماهيّة
الإنسانية في ذلك الوعاء أجزائها الذاتية كالحيوان و الناطق، فإذن الوجود ليس
حيثيّة تقييديّة فيما يحمل على الماهيّات.
1. راجع: تعليقة المصنّف على الأسفار: 2 / 16.
هذا دفع لما يتوهّم في المقام، توضيحه: أنّكم قلتم: «أنّ كلّ ما يحمل على
الماهيّات فإنّما هو بالوجود» و هذا الحكم منتقض بما قالوا من أنّ الماهيّة من حيث
هي هي ليست إلاّ هي لاموجودة و لا معدومة، إذ قد حكم في هذه القضيّة بأنّ الماهيّة
ثابتة لذاتها مع أنّ الوجود مسلوب عنها، فثبوت ذات الماهيّة لنفس ذاتها ليس
بالوجود.
و توضيح الجواب أنّ المراد من الوجود في قولنا: «كلّ ما يحمل على الماهيّات فإنّما
هو بالوجود» هو الوجود العارض الخارج عن متن الماهيّة و أمّا المسلوب عن الماهيّة
فإنّما هو الوجود في مرتبة ذات الماهيّة لا الوجود العارض، فلا تهافت بين الكلامين،
فإذن ذات الماهية ثابتة لذاتها بالوجود الخارج عنها و إن كان الوجود مسلوبا عن
مرتبة ذاتها.
فيه تأمّل يظهر وجهه ممّا تقدّم، فإنّ الوجود لو كان حيثيّة تقييديّة في حمل
لوازم الماهيّات على الماهيّات لكانت نسبة اللوازم إلى نفس الماهيّات بالإمكان،
لأنّ ذات الماهيّة حينئذٍ تكون علّة ناقصة للحكم الذي هو اللازم المحمول فتكون
النسبة بينهما بالإمكان لا بالوجوب، و إذا كانت النسبة بالإمكان جاز انفكاك اللازم
عن ملزومه فليس اللازم لازما؛ هذا خلف.
فإن قلت: هذا ما التزم به المصنّف فإنّه قال تبعا للمحقّق الدوّاني: إنّ
لازم الماهيّة ليس لازماً لها في الحقيقة بل هو لازم للوجودين الخارجيّ و الذهنيّ.
قلت: لو فرضنا تحقّق ماهيّة الأربعة مجرّدة عن كافة الوجودات لكانت زوجة،
لأنّها تنقسم في ذلك الوعاء الى المتساويين، فالزوجيّة لازمة لنفس الأربعة لا
للأربعة الموجودة بالوجود الخارجيّ و الذهنيّ.
توضيحه: أنّ حقيقة الوجود لمّا كانت عين حيثيّة ترتّب الآثار امتنع أن
تحلّ الذهن لأنّ حقيقة الوجود ما لم يسلب عنها ترتّب الآثار لم تحلّ الذهن و إن سلب
عنها ترتّب الآثار ليست حقيقة الوجود، لأنّ حيثيّة ترتّب الآثار عين حقيقة الوجود،
فإذا سلب عنها هذه الحيثيّة سلب عنها حقيقتها الّتي بها هي هي، فلم تحلّ الذهن تلك
الحقيقة.
إذا عرفت هذا نقول: إنّ للماهيّات باعتبار حلولها في الذهن أحكاما لا يتّصف بشيء
منها حقيقة الوجود و ذلك كالجزئيّة و الكلّيّة فإنّ الماهيّة الموجودة في الذهن
باعتبار صدقها على فرد واحد تتّصف بالجزئيّة و باعتبار صدقها على أفراد كثيرة تتّصف
بالكلّيّة ثمّ الماهيّة المتّصفة بالكلّيّة تتّصف بالنوعيّة و الجنسيّة و الفصليّة
و العرضيّة العامّة و الخاصّة باعتبارات مختلفة في الصدق مذكورة في المنطق و حقيقة
الوجود لا تتّصف بهذه الأحكام؛ لأنّها لا تحلّ الذهن حتّى تكون باعتبار صدقها على
فرد واحد متّصفة بالجزئيّة و باعتبار صدقها على أفراد كثيرة، متّصفة بالكلّيّة و
باعتبار صدقها على أفراد متّفقة الحقيقة متّصفة بالنوعيّة و كذا غيرها من الأحكام.
في كلّيّته تأمّل، لأنّه من الواضح أنّ الجزئيّة و الكلّيّة و النوعيّة و الجنسيّة و الفصليّة و العرضيّة العامّة و الخاصّة طارئة على الماهيّة من جهة صدق الماهيّة على شيءٍ مّا، اَمّا أنّ طريان الجزئيّة و الكلّيّة على الماهيّة من جهة صدق الماهيّة على شيء مّا فلأنّ الصدق معتبر في مفهوم الجزئيّ و الكلّيّ، فإنّ الجزئيّ هو المفهوم الصادق علي فرد واحد و الكلّيّ هو المفهوم الصادق على أفراد كثيرة فما لم تصدق الماهيّة على شيءٍ واحد أو على أشياء كثيرة لاتتّصف بالجزئيّة و الكلّيّة؛ و أمّا أنّ طريان الجنسيّة و النوعيّة و الفصليّة و العرضيّة من جهة صدق الماهيّة على شيء مّا فلأنّ هذه الحالات من أقسام الكلّيّ و الكلّيّ معتبر فيه الصدق على كثيرين فما لم تصدق الماهيّة على الأفراد لاتتّصف بالنوعيّة و غيرها، و لكن طريان الجوهريّة و الكمّيّة و الكيفيّة و غيرها على الماهيّة ليس من جهة صدق الماهيّة على شيءٍ مّا لأنّ الجوهريّة و الكمّيّة و الكيفيّة و غيرها من المقولات من أحكام الماهيّة مطلقا لامن أحكام الماهيّة الموجودة في الذهن، فإنّ الإنسان مثلاً متّصف بالجوهريّة و جوهريّته لا تتوقّف على صدق الإنسان على شيءٍ أو صدق شيءٍ عليه بخلاف الكلّيّة ـ مثلاً فإنّ اتّصاف الإنسان بالكلّيّة يتوقّف على صدقه على أفراد كثيرة كما تقدّم، فإذن الدليل الجاري في الجزئيّة و الكلّيّة و أقسامها لايجري في الجوهريّة و الكمّيّة و الكيفيّة و غيرها من المقولات، فإذن الحريّ إثبات المدّعى فيها بطريق آخر بأن يقال: إنّ الجوهريّة و الكمّيّة و الكيفيّة و غيرها كانت من أقسام الماهيّة و الماهيّة حيثيّة ذاتها حيثيّة عدم الإباء عن العدم، لكن حقيقة الوجود حيثيّة ذاته حيثيّة الإباء عن العدم فلا يتّصف حقيقة الوجود بالجوهريّة و الكمّيّة و الكيفيّة و غيرها من المقولات.
أي الوجود و التشخّص متّحدان ذاتا متغايران مفهوما؛ أمّا تغايرهما مفهوما فواضح، لأنّ مايفهم من التشخّص و هو حيثيّة الإباء عن الصدق على كثيرين غير ما يفهم من الوجود، و أمّا اتّحادهما ذاتا فلأنّ التشخّص لولم يكن عين الوجود لكان عارضا له، زائدا عليه، فكان الوجود في مرتبة ذاته غير آبٍ عن الصدق على كثيرين، فإذن جاز اتّصافه بالكلّيّة لكن اتّصاف الوجود بالكلّيّة محال ـ كما تقدّم، فعدم اتّحادهما محال و هو المطلوب.
و إلاّ اندرج الوجود تحت تلك الماهيّة و صدقت عليه، و قد تقدّم أنّ هذا محال.
إذ ليس ماوراء الوجود شيء حتّى يكون هو موضوعا للوجود أو يكون للوجود خلاف معه و كذا ليس للوجود ماهيّة حتّى تكون جنسا له.
سيّأتي في الفصل اللاحق أنّ للوجود حقيقة واحدة ترجع إليها الكثرات، فلا شيء ورائها بحيث لايرجع إليها و إلاّ كانت هناك حقائق متباينة و هو باطل كما سيأتي و هذه الحقيقة الواحدة هي الّتي لاتكون جزءًا لشيءٍ و لا جزءًا لها فلا تغفل.
أي جزء الوجود إن كان نفس الوجود فذلك باطل، إذ لا معنى لكون الشيء جزءًا لنفسه و إن كان غير الوجود كان باطل الذات، فلا يمكن ان يكون جزءًا للوجود، ثم إنّ الظاهر أنّ قوله الأخير «و يتبيّن أيضا الخ» مستدرك.
هذه وجوه ثلاثة استدلّ بها على عدم كون الوجود جزءًا أو عينا للماهيّة.
بيان الأوّل أنّ الوجود يصحّ سلبه عن الماهيّة و لو كان عينا او جزءًا لها لم يصحّ
ذلك، لإستحالة سلب الشيء أو جزئه الذاتيّ عنه.
و الثاني أنّ حمل الوجود على الماهيّة يحتاج إلى دليل فليس عينا و لا جزءًا لها،
لأنّ ذات الشيء و ذاتيّاته بيّنة الثبوت له لاتحتاج فيه إلى الدليل.
و الثالث أنّ ماهيّة الممكن في نفسها ليست فيها ضرورة الوجود و لا ضرورة العدم و
إلاّ كانت واجبة بالذات أو ممتنعة بالذات و هذا خلف، فلو كان الوجود عينها أو جزئها
لخرجت الماهيّة في نفسها من لاضرورة الوجود و العدم بالذات إلى ضرورة الوجود
بالذّات، لأنّها تأبى بذاتها عن العدم الذي هو نقيضه أو نقيض ذاتيّها فيكون واجبة
بالذات و هذا خلف.
هذا توضيح الأدلّة الثلاثة لكن في الدليل الثاني نظر، لأنّ ذاتيّات الشيء بيّنة له
إذا كانت الماهيّة معقولة بالكنه، فللخصم أن يقول: إن كان المراد أنّا نحتاج إلى
دليل بعد معقوليّة الماهيّة بالكنه، فذلك غيرمعلوم؛ و إن كان المراد أنّا نحتاج
إليه قبل معقوليّة الماهيّة بالكنه فلا نسلّم أنّ الاحتياج إلى الدليل قبل كشف
الذاتيّات و قبل معقوليّتها بالكنه ينتج المطلوب لأنّ ثبوت الذاتيّ للذات قبل الكشف
و المعقوليّة بالكنّه قضيّة نظريّة يحتاج إثباتها إلى دليل و مجرد فرض الوجود
ذاتيّا للماهيّة لا يكفي في التصديق به لأنّ الفرض يحتمل أن لا يكون مطابقا للواقع
فنحتاج لدفع هذا الاحتمال إلى دليل.
إن قلت: إذا كانت الماهيّات اعتباريّة فكيف يختلف الوجود بها.
قلت: إنّ الوجودات واسطة في ثبوت الماهيّات بالعرض أمّا اختلاف الماهيّات لاختلاف
الوجودات فواسطة في الإثبات.
لمّا كان الظاهر من هذا القول أنّ الماهيّات من سنخ الوجودات و هو باطل، لأنّ حيثيّة الوجود حيثيّة الإباء عن العدم بخلاف الماهيّة، أوّله المصنّف بأنّ المقصود أنّ الماهيّات يختلف بها الوجودات فيمتاز بعضها عن بعض بامتياز الماهيّات.
لا شكّ و لا خلاف في أنّ القضايا الصادقة هي القضايا الّتي ينطبق مفادها على
الواقع و نفس الأمر، لكن الحكماء اختلفوا في تفسير الواقع و نفس الأمر و أكثرهم
قالوا: إنّ نفس الأمر في كلّ شيء عبارة عن نفس ذلك الشيء مع قطع النظر عن فرض
الفارض؛ فإذا كان للشيء شيئيّة و واقعيّة مع قطع النظر عن فرض الفارض فتلك الشيئيّة
و الواقعيّة نفس الأمر لذلك الشيء بخلاف ما كان له الشيئيّة و الواقعيّة بفرض
الفارض، فإذن ثبوت الزوجيّة للأربعة مثلاً ثبوت نفس الأمريّ، لأنّ لزوجيّة الأربعة
شيئيّة و واقعيّة بحسب نفسها أي مع قطع النظر عن فرض الفارض لكن ثبوت الفرديّة
للأربعة ليس ثبوتا نفس الأمريّ، إذ لا شيئيّة و لا واقعيّة لفرديّة الأربعة مع قطع
النظر عن فرض الفارض بل الأربعة فرد بفرض الفارض فقط، و المصنّف رحمهالله لم يرض
بهذا التفسير، إذ ليس هذا التفسير جامعا لجميع موارد نفس الأمر و ذلك لأنّ لنا
قضايا صادقة قطعا فيجب أن يكون لها نفس الأمر حتّى تطابقه و تكون صادقة؛ لكن مع ذلك
لا يوجد لها على التفسير السابق نفس الأمر، مثلاً إنّ للعدم أحكاما صادقة قطعا
كقولنا: «العدم يناقض الوجود» و قولنا: «عدم العلّة علّة لعدم المعلول» فيجب أن
تكون لها نفس الأمر و مع ذلك لا يوجد نفس الأمر لمثل هذه القضايا بناءًا على
التفسير السابق و ذلك لأنّ مفهوم العدم لا مطابَق له حقيقة لا في الخارج و لا في
الذهن و إلاّ لم يكن عدما، فإذن لا شيئيّة لنفس العدم مع قطع النظر عن فرض الفارض و
إذا لم تكن للعدم شيئيّة، لم تكن لأحكامه شيئيّة لأنّ ثبوت شيء لشيء فرع لثبوت
المثبت له، فلا شيئيّة لأحكام العدم أيضا فبناءًا على التفسير السابق لايكون للعدم
و لا لأحكامه نفس الأمر، مع أنّ هذه الأحكام لكونها صادقة يجب أن تكون لها نفس
الأمر، فالتفسير السابق لايكون جامعا.
ثمّ إنّ الإشكال المذكور لاينحصر في أحكام العدم فحسب، بل هناك مفاهيم أخرى وزانها
وزان مفهوم العدم و إشكال عدم الجامعيّة كما يجري في العدم كذلك يجري فيها، فمن تلك
المفاهيم المفاهيم الماهويّة، فإنّ المفاهيم الماهويّة تحكي عن حيثيّات باطلة الذات
بلحاظ نفسها، لأنّها اعتباريّة فلا شيئيّة لنفس الماهيّات حقيقة و اذ لا شيئيّة لها
فلا شيئيّة لأحكامها أيضا، فالقضايا الصادقة الّتي تحكم فيها بأحكام الماهيّات
كقولنا: «الإنسان حيوان» و إن وجب أن يكون لها نفس الأمر إلاّ أنّها بناءًا على
التفسير السابق ليس لها نفس الأمر، فالتفسير السابق ليس جامعا لنفس الأمر في مثل
أحكام الماهيّات أيضا، و من تلك المفاهيم المفاهيم الّتي حيثيّة مصداقها المفروض
حيثيّة أنّه في الخارج كالوجود، فإنّ الحقائق الوجوديّة ليست مصاديق حقيقيّة لمفهوم
الوجود ـ كما سيّأتي فى الأمر العاشر في آخر الفصل ـ و إذا لم تكن الحقائق
الوجوديّة مصاديق لمفهوم الوجود لايبقى لمفهوم الوجود مطابق واقعي، إذ كلّ أمر
واقعي فهو من الحقائق الوجوديّة بناءًا على أصالة الوجود و الحقائق الوجوديّة ليست
مصاديق لمفهوم الوجود ـ كما تقدّم، فلم يبق مطابق واقعيّ لمفهوم الوجود، و إذا لم
تكن لمفهوم الوجود مطابق واقعي تصير الأحكام الواردة عليه فاقدة للشيئيّة و
الواقعيّة، فتكون فاقدة لنفس الأمر بحسب التفسير السابق مع أنّ هذه القضايا لكونها
صادقة يجب أن تكون لها نفس الأمر.
ثمّ إنّ الأمر في شوءون الوجود كالقوة و الفعل و غيرهما كالأمر في حقيقة الوجود،
فإنّ مفاهيمها لا مطابق لها حقيقة، فلا شيئيّة لأحكامها فلا يتحقّق لتلك الأحكام
نفس الأمر مع أنّ الواجب أن يكون لها نفس الأمر، و من تلك المفاهيم مفهوم الماهيّة
الذي هو عرض عامّ بالنسبة إلى جميع الماهيّات، فإنّ مفهوم الماهيّة ليس من سنخ
المفاهيم الماهويّة (كما سيأتي في الفصل الأوّل من المرحلة السادسة) و إذا لم يكن
من سنخ الماهيّات بل هو عرض عام بالنسبة إليها لم تكن الماهيّات مصاديق حقيقيّة له،
فلا يبقى لهذا المفهوم مصداق حقيقيّ و مطابق واقعي، إذ الوجودات ليست مصاديق لهذا
العنوان كما هو ظاهر و الماهيّات أيضا لم تكن مصاديق حقيقيّة له ـ كما تقدّم ،
فيبقى هذا العنوان بلا مطابق واقعيّا و إذا كان فاقدا للمصداق الواقعيّ تصير
الأحكام الواردة عليه فاقدة للشيئيّة و الواقعيّة فلا يتحقّق له نفس الأمر مع أنّ
القضايا الصادقة الجارية في هذا المفهوم تقتضي وجود نفس الأمر فيها فليس التفسير
السابق جامعا أيضا. فعلى أساس هذا الإشكال في الموارد المذكورة عدل المصنّف
رحمهالله عن ذلك التفسير و فسّر الثبوت النفس الأمريّ بالثبوت الذي هو أعمّ من
الثبوت الواقعيّ و الثبوت الاعتباري.
بيان ذلك: إنّ الأشياء الموجودة قسمان: أحدهما أن يكون الشيء موجودا بلحاظ نفسها من
غير احتياج في الاتّصاف بالموجوديّة إلى اعتبار الوجود له. و ثانيهما أن يكون الشيء
موجودا لا بلحاظ نفسه بل بالفرض و الاعتبار كموجوديّة الماهيّات فإنّ الماهيّات
لمّا لم تكن متأصّلة في التحقّق كانت محتاجة في اتّصافها بالموجوديّة إلى اعتبار
الوجود لها.
إذا عرفت هذا نقول: إنّ الثبوت النفس الأمريّ عبارة عن الثبوت العامّ الشامل لثبوت
الأشياء الموجودة بلحاظ نفسها و لثبوت الأشياء الموجودة بلحاظ الفرض و الاعتبار و
بهذا التفسير يندفع إشكال عدم الجامعيّة في الموارد الّتي ذكرت سابقا.
أمّا اندفاع الإشكال في الأحكام الواردة على العدم، فلأنّ العدم و إن لم يكن له
واقعيّة و شيئيّة بلحاظ نفسه إلاّ أنّ النفس تعتبره شيئا في قبال الوجود و إذا
اعتبرته شيئا في قبال الوجود صارت الأحكام الواردة عليه واجدة للشيئيّة واقعا، فإنّ
عدم العلّة و عدم المعلول في قولنا: «عدم العلّة عله لعدم المعلول» و إن كانا
فاقدين للشيئيّة إلاّ أنّ النفس تعتبر كلاًّ منهما شيئا في قبال شيئيّة وجود العلّة
و شيئية وجود المعلول. ثمّ تحكم بأنّ هذا الشيء المفروض علّة لذلك الشيء المفروض و
الثبوت النفس الأمريّ الذي لابدّ منه في القضايا الصادقة موجود هنا على تفسير
المصنّف رحمهالله بخلاف التفسير السابق لأنّ المانع من وجود نفس الأمر في أمثال
هذه القضايا بناءًا على التفسير السابق هو قاعدة الفرعيّة، فإنّ عدم العلّة لمّا
كان بلحاظ نفسه فاقدا للواقعيّة و الشيئيّة كان الحكم الوارد عليه فاقدا للواقعيّة
و الشيئيّة أيضا، بخلاف ما إذا فرض لعدم العلّة شيئيّة، فإنّ قاعدة الفرعيّة لاتمنع
من ثبوت العليّة للعدم الذي فرض أنّه شيء، فلعليّة عدم العلّة الذي فرض أنّه شيء
واقعيّة و نفس الأمر على التفسير المصنّف رحمهالله .
و أمّا اندفاع الإشكال في الأحكام الواردة على الماهيّات، فلأنّ الماهيّة و إن لم
تكن لها واقعيّة بلحاظ نفسها إلاّ أنّ لها واقعيّة باعتبار الوجود لها و إذا ثبت
لها الواقعيّة بالاعتبار كانت لأحكامها واقعيّة و نفس الأمر بعد ذلك الاعتبار.
و أمّا إندفاع الإشكال في المفاهيم الّتي حيثيّة مصداقها المفروض حيثيّة أنّه في
الخارج، فلأنّ هذه المفاهيم و إن كانت فاقدة للمطابق الواقعيّ ـ كما تقدّم ـ إلاّ
أنّ النفس تعتبر الوجودات الخارجيّة مطابقا لهذه المفاهيم فالوجودات الخارجيّة و إن
لم تكن مصاديق لتلك المفاهيم حقيقة إلاّ أنّ النفس تعتبر تلك الوجودات مصاديق لتلك
المفاهيم و إذا اعتبرتها مصاديق لها تحكم عليها بأحكام نفس الأمريّة بمثل البيان
السابق.
و أمّا اندفاع الإشكال في مفهوم الماهيّة، فلانّ هذا المفهوم و إن كان فاقدا
للمصداق الواقعيّ ـ كما تقدّم إلاّ أنّ النفس تعتبر الماهيات مصداقا لهذا المفهوم
فالماهيّات المختلفة كالإنسان و الفرس و الغنم و غيرها و إن لم تكن مصاديق حقيقيّة
لهذا المفهوم إلاّ أنّ النفس تعتبرتلك الماهيات مصاديق لذلك المفهوم و اذا اعتبرتها
مصاديق له تحقّقت الواقعيّة لهذا المفهوم بتبع الواقعية للماهيّات الّتي تعتبر
أنّها ذات واقعيّة بتبع الوجود، ثمّ تحكم عليها بأحكام نفس الأمريّة فتدبّر.
فإنّ العقل حيث يصدّق أحكاما صادقة في الماهيّات كقولنا: «الإنسان حيوان ناطق» اضطرّ إلى اعتبار الثبوت للماهيّات، لأنّ ثبوت شيء لشيء فرع لثبوت المثبت له.
فإنّ العقل حيث يصدّق أحكاما صادقة في مفهوم الماهية (الذي هو عرض عامّ بالنسبة إلى المقولات) كقولنا: «الماهيّة تغاير الوجود» اضطرّ إلى اعتبار الثبوت لهذا المفهوم بتبع ثبوت مصاديقها الّتي هي الإنسان و الفرس و الغنم و غيرها من الماهيّات فهذا العنوان ثابت بثبوت الماهيّات الّتي هي ثابتة بثبوت الوجود، و أيضا إنّ العقل حيث يصدّق أحكاما صادقة في القوّة و الفعل كقولنا «كلّ ما هو بالقوّة فهو مادّيّ» اضطرّ إلى اعتبار الثبوت لهما بأن يفرض الوجودات الخارجيّة مصاديق لهما، فهما ثابتان بتبع ثبوت الوجودات الخارجيّة.
أي كلّما ثبتت الماهيّات ثبت الأمر الواقعيّ لأنّ ثبوت الماهيّة بعرض الوجود، ففرض موجوديّة الماهيّة فرض وجود حقيقيّ يتحقّق الماهيّة من ناحيته.
هذا إن كانت الصور المعقولة الموجودة عند العقل علوما حصوليّة، أمّا إن كانت علوما حضوريّة فيرد عليه أنّ تلك الصور تكون حينئذٍ وجودات عينيّة، فكانت هي الّتي تطابقها علومنا سواء عقلها عقل أو لا، فلا ضرورة لوجود العقل حينئذٍ.
قولهم: «صفة» أرادوا بها المعنى الانتزاعيّ القائم بالغير مثل العالميّة و الكاتبيّة و سائر الإضافات لا القائم بالغير مطلقا، و احترزوا بإضافة الصفة إلى الموجود عن صفات المعدوم فإنّها صفة للثابت لا للموجود و بقولهم: «ليست موجودة» عن الصفات الوجوديّة للموجود كالأعراض و بقولهم «لا معدومة» عن الصفات السلبيّة.
فإنّ الضاحكيّة ليست موجودة، لأنّها عبارة عن إضافة الضحك إلى ذات الإنسان و الإضافات من الأمور الانتزاعيّة الّتي ليست موجودة، و ليست معدومة لأنّها صفة للموجود و صفتيّتها فرع ثبوتها في الجملة و كذا الأمر في الكاتبيّة.
قد تقدّم البحث عنه في آخر مدخل الكتاب فراجع إن شئت.
توضيحه: أنّ حقيقة الوجود ما لم يسلب عنها ترتّب الآثار لم تحلّ الذهن و إن سلب عنها ترتّب الآثار ليست حقيقة الوجود بل غيرها، لأنّ حيثيّة ترتّب الآثار عين حقيقة الوجود، فإذا سلب عنها هذه الحيثيّة انقلبت عن حقيقتها و هو محال، لأنّ المفروض أنّها حقيقة الوجود مع أنّها ليست كذلك و هذا هو التناقض.
هذا جواب لإشكال، توضيحه: أنّ الوجود الذهنيّ مع أنّه وجود، لا يترتّب عليه الآثار و هذا يناقض أنّ الوجود عين حيثيّة ترتب الآثار، والجواب: أنّ الوجود الذهنيّ يترتّب عليه آثار نفسه و أمّا الآثار المسلوبة عنه فهو آثار المحكيّ عنه لا آثار نفسه فلا تناقض بين القولين.
فإنّ الماهيّات حيث لم تكن عين الخارجيّة جاز أن تحلّ الأذهان بأنفسها فلها صورة عقليّة هي عين الماهية الخارجيّة لكن حقيقة الوجود حيث كانت عين الخارجيّة لايمكن أن تحلّ الأذهان فلا صورة عقليّة لها حقيقة.
إذ فرق بين المقامين من جهة أنّ الأفراد الخارجيّة للماهيّات أفراد حقيقيّة لها
لانحفاظ الماهيّة في موطن الذهن و الخارج، فما في الأذهان من الماهيّات عين ما في
الخارج منها، بخلاف الوجودات الخارجيّة فإنّها ليست أفرادا حقيقيّة لمفهوم الوجود،
إذ لا صورة عقليّة للوجود حتى تنطبق على أفراده الخارجيّة حقيقة، فحمل مفهوم الوجود
على الوجودات الخارجيّة حمل العرض العامّ الزائد على حقيقة الأفراد على الأفراد.
أي الماهيّات المتكثّرة تتّصف بالموجوديّة بعرض الوجود كما أنّ الوجود يتّصف بالكثرة بعرض الماهية؛ أمّا الأوّل فلأنّ الوجود أصيل في التحقّق و الماهية اعتباريّة فاتّصاف الماهيّات بالموجوديّة بعرض الوجود؛ و أمّا الثاني فلأنّ اختلاف ماهيّة لماهيّة أخرى لا يحتاج في تحقّقه إلى اعتبار أمر زائد، فإنّ كلّ ماهيّة مع قطع النظر عن كلّ شيءٍ سوى ذاتها إذا قيست إلى ماهيّة أخرى تكون مغايرة لها فالاختلاف بين الماهيّات و هو السبب للكثرة، صفة لها بالذات و لوجود الماهيّات بالعرض.
لمّا كان فهم مسألة التشكيك متوقفا على فهم كون ما به الامتياز عين ما به
الاشتراك كان الواجب أن نبحث في هذا المبحث في مقامين: الأوّل في إمكان كون ما به
الإمتياز عين ما به الاشتراك، و الثاني في وقوعه في حقيقة الوجود.
أمّا المقام الأوّل فنقول إنّه ممكن لوقوعه في وجود الصادر الأوّل فإنّ الصادر
الأوّل يشارك الممكنات في المعلوليّة و يمتاز عن غيره بما يكون به صادرا أوّلاً لكن
ما به الإمتياز فيه عين ما به الاشتراك، إذ لو لم يكن كذلك للزم أن يكون الصادر
الأوّل مركّبا من جزئين متغايرين و كلّ مركّب معلول لأجزائه، متأخّر عنها، فليس
الصادر الأوّل صادرا أوّلاً لتأخّره عن أجزائه و هذا خلف؛ فإذن ثبت أنّ ما به
الامتياز في الصادر الأوّل عين ما به الاشتراك فهو يمتاز عن سائر المعاليل بنفس
حيثيّة معلوليّته المشتركة بين جميع المعاليل و هو المطلوب.
أمّا المقام الثاني فالبحث فيه يتوقّف علي مقدّمة و هي أنّ الوجود بسيط لا جزء له
أمّا بناءًا على كونه حقيقة واحدة فلانحصار الأصالة في الوجود فلا غير حتّى يتركّب
الوجود منه؛ و أمّا بناءًا على كونه حقائق فلأنّ أجزاء الحقائق الوجوديّة إمّا أن
تكون من الوجودات أو لاتكون كذلك و الثاني باطل، إذ لا واقعيّة لغير الوجود؛ و
الأوّل باطل أيضا لأنّ الأجزاء الوجوديّة مشتركة في كونها وجودات فلابدّ في كلّ
جزءٍ منها من جزءٍ وجوديّ آخر حتّى يتميّز كلّ منها عن غيره فننقل الكلام في تلك
الأجزاء و نقول: إنّ الأجزاء أيضا مشتركة مع غيرها في كونها وجودات فلابدّ في كلّ
جزءٍ منها من جزءٍ وجوديّ آخر يتميّز به كلّ منها عن غيره و هكذا يذهب الأمر إلى
غير النهاية فيتسلسل و هو باطل فإذن ثبت أنّ الوجودات سواء كانت راجعة إلى حقيقة
واحدة او إلى حقائق مختلفة بسيطة لا جزء لها.
إذا عرفت هذا نقول: إنّ للوجود انقسامات بحسب نفسه كانقسامه إلى ما بالفعل و ما
بالقوّة و كانقسامه إلى الوجود المستقلّ و الرابط و غيرهما من الانقسامات فكلّ
قسم من الأقسام مشترك في الوجود، لأنّ الوجود مقسم لها و المقسم مشترك بين
أقسامه و من جانب آخر لابدّ لكلّ قسم من خصوصيّة يمتاز كلّ منها عن قسيمه لكن هذه
الخصوصيّة ليست مغايرة لحيثيّة الوجود المشتركة بين جميع الوجودات و إلاّ كان كلّ
وجود مركّبا من جزئين متغايرين و هو باطل ـ كما تقدّم فإذن ثبت أنّ ما به الامتياز
في كل وجود من الوجودات عين ما به الاشتراك فيه و هو المطلوب.
قد يقال: «مقوّم الشيء» والمراد به جزء الشيء كالحيوان و الناطق بالنسبة إلى الإنسان و قد يقال و المراد به ما ليس بخارج عن الشيء فكلّ شيء مقوّم لنفسه بهذا المعنى، لأنّ الشيء لايكون خارجا عن نفسه.
إعلم أنّ القائل بالتوحيد إمّا أن يقول بكثرة الوجود و الموجود جميعا و هذا مذهب
المشّائين القائلين بأنّ للوجود أفرادا حقيقة و يختصّ واحد منها بالواجب، و إمّا أن
يقول بوحدة الوجود و الموجود جميعا و هذا مذهب الصوفيّة، فانّهم يقولون: إنّ لحقيقة
الوجود فردا واحدا و هو وجود الواجب الموجود بنفس ذاته و البواقي وهم و خيال كثاني
ما يراه الأحول و إمّا أن يقول بوحدة الوجود و كثرة الموجود و هذا هو المنسوب إلى
ذوق المتألّهين و ارتضاه جمّ غفير كالمحقق الدوّاني و المحقّق الداماد و صدر
المتألهين في برهة من الزمان، قالوا إنّ الوجود واحد حقيقي لا كثرة فيه لا بحسب
الأنواع و لا بحسب الأفراد و لا بحسب المراتب و هو الوجود الواجب لكنّ الموجود
عندهم متعدّد ذو أفراد و أحد أفراده الواجب الذي هو موجود بمعنى أنّه نفس الوجود و
ساير أفراده هي الماهيّات الّتي هي موجودة بمعنى أنّها منسوبة إلى وجوده تعالى نظير
الحدّاد و التامر و اللابن بمعنى المنسوب إلى الحديد و التمر و اللبن، و إمّا أن
يقول بوحدة الوجود و الموجود جميعا في عين كثرتهما و هذا هو المنسوب إلى الفهلويّين
و به قال أتباع الحكمة المتعالية.
قالوا: إنّ الوجود حقيقة واحدة ذات مراتب متفاوتة بالشّدة و الضعف و نحوهما و هذا
التفاوت و الكثرة لاينافي الوحدة، لأنّ ما به الامتياز في كلّ مرتبة متفاوتة عين ما
به الاشتراك، بل هذه الكثرة تؤكّد الوحدة لأنّه من السعة و الحيطة فكلّما كانت
الفعليّات أكثر كانت الوحدة أوفر و السلب أعوز و أفقد و لذا سمّيت هذه الكثرة كثرة
نورانيّة و كثرة الماهيّات كثرة ظلمانيّة فللوجودات الخاصّة الإمكانيّة حقائق
لكنّها روابط محضة بالنسبة إلى الحق فلم تكن أشياء بحياله.
إنّا بعد أن سلّمنا أنّ في الوجود أقساما لابدّ أن نلتزم بوجود ما به الامتياز في كلّ من الأقسام و حينئذٍ إمّا أن لايكون في كلّ قسم ما به الاشتراك بل كلّ من الوجودات مباين لغيره بتمام ذاته البسيطة، أو يكون، و الأوّل و هو قول المشائين ـ باطل كما سيّأتي ـ ، و الثاني إمّا أن يكون ما به الاشتراك مغايرا لما به الامتياز أو يكون عينا له، و الأوّل باطل إذ يلزم عنه تركّب الوجودات من جزئين مغايرين و هو باطل ـ كما تقدّم فتعيّن الثاني و هو أن يكون ما به الإشتراك في كلّ قسم عين ما به الإمتياز فباعتبار ما به الإشتراك يكون الوجود حقيقة واحدة و باعتبار ما به الامتياز يكون الوجود كثيرة، فحقيقة الوجود واحدة في عين أنّها كثيرة و كثيرة في عين أنّها واحدة.
إذ لا جزءَ للوجود لما تقدّم من أنّ أجزاء الوجودات إمّا أن تكون من الوجودات أو من غيرها، و الثاني باطل إذ لا واقعيّة لغير الوجود و كذا الأوّل إذ يلزم منه التسلسل لأنّ أجزاء الوجودات مشتركة في كونها وجودات فلابدّ لها من مميّزات وجوديّة فننقل الكلام إلى تلك الأجزاء المميّزة و نقول إنّها أيضا مشتركة في كونها وجودات فلابدّ لها من مميّزات وجوديّة أخرى و هلمّ جرّا فيتسلسل.
أقول: قد برهن على وحدة الوجود أو يمكن أن يبرهن عليها بوجوهُ أخر:
منها أنّ حقيقة الوجود صرف (اذ لا واقعيّة لغير الوجود حتى تتخلّل في حقيقة الوجود
و تخرج الحقيقة بذلك عن الصرافة) و صرف الشيء واحد لايتثنّى فينتج من الشكل الأوّل
أنّ حقيقة الوجود واحد لايتثنّى.
و منها أنّ الواجب بالذات لا تعدّد فيه لما سيّأتي من أدلّة التوحيد، فلو تعدّدت
حقيقة الوجود فهو ناشٍ من الوجودات الممكنة لكن الوجودات الممكنة ليست أشياء منحازة
عن وجود الواجب بل هي من شوءون وجوده، لأنّ الوجودات الممكنة وجودات رابطة و الوجود
الرابط عين الفقر و محض الحاجة فلا استقلال فيه أصلاً فلو كانت وجوداتها منحازة عن
المبدأ الأوّل مستقلّة عنه في شيئيّتها لتخلّل في الفقر المحض جهة استقلال، فيلزم
الجمع بين المتنافيين و هو باطل بالضرورة، فإذن ثبت أنّ للوجود حقيقة واحدة و هو
وجود الواجب و البواقي شوءونه.
و منها أنّ الوجود لو كان متعدّدا للزم تركّب الواجب، لأنّ وجود الواجب و الممكن
مشتركان في الموجوديّة فلابدّ في كلّ منهما ممّا به الامتياز، فيلزم تركّب الواجب
ممّا به الامتياز و ما به الاشتراك و هو باطل بالضرورة.
فإن قلت: التركّب ممنوع لجواز كون ما به الإمتياز فيها راجعا إلى ما به الإشتراك.
قلنا: لو سلّم لأنتج المطلوب أيضا لأنّ حقيقة الوجود حينئذٍ واحدة مشكّكة يرجع ما
به الامتياز فيها إلى ما به الإشتراك.
و منها أنّه لو كان هناك وجود غير وجود الواجب بالذات لكان ذلك معلولاً للواجب
(بأدلّة التوحيد) لكن المعلوليّة في الشيء ممتنعة، إذ المعلول إمّا أن يكون
مستقلاًّ في حيثيّة كونه معلولاً أو يكون تابعا في تلك الحيثيّة للواجب و التالي
بشقّيه باطل أمّا الأوّل فلأنّ المعلول فقر محض فلا حيثيّة مستقلّة فيه أصلاً و
أمّا الثاني فلاستلزام ذلك كون الواجب معلولاً تعالى عن ذلك.
و منها أنّه لو كان هناك وجود غير وجود الواجب بالذات لكان فاعله الواجب بالذات
(بأدلة التوحيد) لكن الفاعليّة للواجب بالذات ممتنعة لأنّ الفاعليّة في حاقّ معناها
محدودة و لذا لاتساوق الوجود، إذ المعلول الأخير في السلسلة لايصدق عليه الفاعليّة
فلو كان ذات الواجب فاعلة للزم أن تكون ذاته تعالى محدودة، إذ حيثيّة الفاعليّة عين
ذات الفاعل، و التالي باطل بالضرورة فكذا المقدّم.
أقول: يمكن المناقشة في بعض هذه البراهين بأنّ المدّعى هنا إثبات الوحدة التشكيكيّة
و البرهان يثبت الوحدة الشخصيّة فتدبّر.
إذ لابدّ في المنتزع منه من خصوصيّة توجب انتزاع المفهوم عن هذا المصداق لا عن غيره، إذ لولا ذلك لأمكن انتزاع كلّ مفهوم عن كلّ مصداق و هو باطل بالضرورة فهذه الخصوصيّة إن كانت في هذا المصداق لاتوجد في ذلك فلا يصدق المفهوم عليه، و إن كانت في ذلك المصداق لاتوجد في هذا فلا يصدق عليه؛ و إن كانت في مجموعهما لاتوجد في شيء منهما فلا يصدق على كلّ واحد منهما؛ و إن كانت في القدر المشترك بينهما لم ينتزع المفهوم الواحد عن الكثير بما هو كثير.
عبرّ بهذا التعبير لأنّ حقيقة النور لاتشكيك فيها حقيقة بل بالعرض.
بيان ذلك: أنّ في مراتب النور الحسّي و أمثاله ثلاثة مذاهب:
الأوّل أنّ المراتب في النور و غيره أنواع مختلفة و هو مذهب المشّائين، فإنّهم
قالوا: إنّ الاختلاف في المراتب لولم يكن نوعيّا للزم التشكيك في الماهية و هو محال
عندهم.
الثاني أنّ المراتب في النور و غيره مراتب مختلفة لحقيقة واحدة و اختلاف المراتب
ليس بأمر خارج عن تلك الحقيقة بل بنفس ذاتها و هو مذهب الإشراقيّين.
الثالث أنّ المراتب في النور و غيره مراتب لحقيقة واحدة لكن اختلاف المراتب ليس
بتلك الحقيقة بل بالوجود الزائد عليها، فالنور الشديد مثلاً شديد لكن لا في أصل
نوريّته بل في وجوده المتعلق به و كذا النور الضعيف ضعيف لكن لا في أصل نوريّته بل
في وجوده و هذا مذهب المحققين من الحكماء.
فعلى مذهب المشّائين لا تشكيك في النور أصلاً و على مذهب الإشراقيّين أنّ النور
مشكّك بالتشكيك الخاصّيّ و على مذهب المحقّقين أنّ النور مشكّك بالتشكيك العاميّ و
بالعرض فتشبيه الوجود بالنور الحسّيّ مبنيّ على الفهم الساذج الذي قد جعل ما بالعرض
مكان ما بالذات فتدبّر.
أي غير مركّبة من حقيقة النور و شيء آخر كالظلمة مثلاً في النور الضعيف.
و ذلك لما تقدّم في أوّل الفصل من أنّ حقيقة الوجود بسيطة لا جزءَ لها فما به الاشتراك في كلّ مرتبة يجب أن يكون عين ما به الاميتاز فيها و الاّ لزم التركّب فيها و هو باطل كما تقدّم.
اشتمال الشديد على كمال و عدم اشتمال الضعيف عليه ليس نظير اشتمال المأة و عدم اشتمال التسعين على الآحاد الزائدة على التسعين، لأنّ للمراتب المختلفة حقيقة واحدة فما يوجد في الوجود الشديد من الكمالات يوجد بعينها في الوجود الضعيف أيضا من دون أن يكون الضعيف فاقدا لشيء من كمالات الشديد الّتي بها هو هو بل الاشتمال المذكور نظير صورة كبيرة و صورة صغيرة لشخص واحد، فانّ النقوش الّتي انتقشت في الصورة الكبيرة و الصغيرة واحدة من غير اختلاف في كونها صورة لزيد مثلاً إلاّ أنّهما مختلفتان من حيث الزيادة و النقصان الراجعتين إلى نوع من التشكيك أيضا و من هنا يعلم أنّ العرفان بمرتبة واحدة من الوجود كما هو حقّه عرفان بجميع الحقائق الوجوديّة.
توضيح ذلك: أنّ المرتبة الضعيفة تنتزع عنها حيثيّتان: حيثيّة أنّها وجود و حيثية أنّها عدم للمرتبة الشديدة، و الحيثيّة الثانية تنتزع عنها عند مقايستها الى المرتبة الّتي فوقها، فإنّ الضعيف ليس في مرتبة الشديد فيصدق عليه عدم المرتبة الشديدة و انتزاع هذه الحيثيّة العدميّة هو المراد من المحدوديّة في قولنا: «الوجود الضعيف محدود بالنسبة إلى الشديد»، و من المعلوم أنّ الوجود الشديد لاينتزع عنه هذه الحيثيّة العدميّة، لأنّ وجود كلّ مرتبة لاينتزع عنه عدم تلك المرتبة و إن انتزع عنه عدم مرتبة أشدّ منها، فإذن الشديد لايوجد فيه الحيثيّة العدميّة الّتي توجد في الضعيف فليس الشديد محدودا بالنسبة إلى ما دونه من المراتب.
فإنّ المراد من التركّب في تلك الموارد عبارة عن انضمام شيء إلى شيء آخر مغاير للأوّل و المراد من التركّب هنا انتزاع حيثيتي الوجود و العدم عن الوجود الضعيف، بمعنى أنّ العقل كما يجد الوجود الضعيف مصداقا لمفهوم الوجود يجده أيضا مصداقا لمفهوم العدم (أي عدم المرتبة الشديدة) و إن لم يكن ذلك الوجود بحسب الخارج إلاّ مصداقا للوجود.
التركيب الخارجي هو التركيب من المادة و الصورة، و التركيب العقليّ هو التركيب من الجنس و الفصل، و التركيب الوهميّ هو التركيب من أجزاء المقدار الموجودة بالفرض.
قال المصنّف في حواشيه على الأسفار(1) ما حاصله: إنّ المراد بالحقيقة هي الحقيقة
المأخوذة بشرط لا الّتي هي أعلى مراتب التشكيك و لا حدّ لها إلاّ أنّها لا حدّ لها
و هي نفس الحقيقة الصرفة غير أنّها مأخوذة بشرط لا، فإنّها إحدى المراتب و لو كانت
مأخوذة لابشرط جامعت سائر المراتب و لم تكن مرتبة مقابلة لسائر المراتب.
أقول: إن كان المراد من التخصّص الامتياز فالحقّ ما قاله المصنّف هناك، لأنّ
الامتياز عبارة عن كون الشيء متميّزا عن ما يشاركه في أمر عامّ لكن لا مشارك لحقيقة
الوجود المأخوذة لابشرط إذ ليس وراء تلك الحقيقة شيء آخر حتى يشارك تلك الحقيقة،
فلا امتياز لتلك الحقيقة فإذن يجب أن يفسّر الحقيقه بما فسّره المصنّف ليتحقّق
الامتياز، نعم بناءًا على هذا التفسير لا يبقى فرق جوهريّ بين الطريقين الأوّلين من
الطرق الثلاثة؛ لأنّ التخصّص في الطريقين يحصل بمرتبة خاصّة سواء كانت تلك المرتبة
أعلى المراتب أو لم تكن كذلك، و أمّا إن كان المراد من التخصّص ما يعمّ الامتياز و
التشخص جاز أن يكون المراد بالحقيقة حقيقة الوجود المأخوذة لا بشرط، لأنّ التشخّص
صفة نفسيّة فلا يحتاج الشيء في كونه متشخّصا إلى شيء آخر مشارك له، فإذن حقيقة
الوجود المأخوذة لابشرط حقيقة متشخّصة بنفس ذاتها العينيّة البسيطة و عبارة المصنّف
هنا لا يأبى عن هذا الاحتمال فتدبّر.
1. الأسفار: 1 / 45.
فإن قلت: الماهيّة اعتباريّة لا شأن لها إلاّ بالوجود فكيف يكون تخصّص الوجود
بتخصّص الماهيّات.
قلت: تقدّم في الفصل الثاني أنّ الحقّ أنّ الوجود ليس حيثيّة تقييديّة فيما يحمل
على الماهيّات بل أحكام الماهيّات تحمل عليها من دون واسطة في العروض بحيث لو جاز
تقرر الماهيّات مجرّدة عن كافّة الوجودات لحمل عليها أحكامها و اختلاف الماهيات من
هذه الأحكام، فالماهيّات مختلفة ممتاز كلّ منها عن الآخر بذاتها و الوجودات ممتازة
بعرض اختلاف الماهيّات، نعم الوجود واسطة في عروض الوجود للماهيّات لا في حمل
أحكامها عليها.
ليس المراد أنّ الإنسان يعقل مفهوم العدم المطلق أوّلاً ثم يعقل الأعدام الخاصّة
بإضافة العدم المطلق إلى ملكة ملكة حتّى يحصل الأعدام الخاصّة المتميّز بعضها عن
بعض، لأنّ تعقل العامّ بعد تعقل الخاصّ لاحتياجه إلى حضور أفراد منه ينتزع منها، بل
المراد أنّ الإنسان بعد ما يتهيّأ عنده أعدام خاصّة و عدم مطلق و أراد ثانيا تصوّر
الأعدام الخاصّة حصّله بإضافة العدم المطلق إلى الملكات.
بيان ذلك: إنّا نجد الكثرة من الموجودات كزيد و عمرو و غيرهما ثم نقيس بعضها إلى
بعض، مثلاً إنّا نتصوّر زيدا ثم إذا تصوّرنا عمروا، لم نجد زيدا عند هذا التصوّر
فيغلط الذهن فيتوهّم عدم الوجدان وجدان العدم فينتزع عدم زيد من وجود عمرو و عدم
عمرو من وجود بكر مثلاً، فيحصل الأعدام الخاصّة بمنزلة الأفراد الكثيرة، ثم ينتزع
العدم المطلق منها كانتزاع الكلّيّ من أفراده، ثم إذا أراد ثانيا تصوّر الأعدام
الخاصّة حصّله بإضافة العدم المطلق إلى، الملكات فيتميز بذلك عدم من عدم نظير ما
نتصوّر أوّلاً من طريق الحسّ مثلاً زيدا و عمروا و بكرا ثم ننتزع منها الإنسانيّة،
ثم إذا أردنا تفصيل الإنسانية قلنا: إنسان طويل، إنسان قصير، فنميّز الإنسانيّة
بأمور خارجة منها.(1)
و هو المجاز في الإسناد لأنّ إسناد العلّيّة إلى عدم العلّة إسناد إلى غيرما هي له حقيقة لأنّ ثبوت شيء لشيء فرع لثبوت المثبت له، لكن العقل يعتبر لعدم العلّة ثبوتا فرضيّا فيجعله من الموجودات ثم يسند العليّة إليه.
مثلاً قولنا: «عدم الغيم علّة لعدم المطر» كناية عن قولنا: «الغيم علّة للمطر»؛ لأنّ القول الأوّل من لوازم القول الثاني، فيذكر الأوّل و يراد به الثاني فالأوّل يشير إلى الثاني.
العدم الذاتيّ هو العدم المجامع مع الشيء و العدم الزمانيّ هو العدم غير المجامع مع الشيء و العدم الأزليّ هو العدم غير المسبوق بالوجود.
1. راجع: تعليقة المصنّف على الأسفار: 1 / 349.
توضيح الإشكال: أنّ عدم العدم نوع من العدم، لأنّ عدم العدم مقيّد بسبب
الإضافة الموجودة فيه و المقيّد نوع من المطلق و من جانب آخر أنّ عدم العدم
مقابل للعدم تقابل التناقض، لأنّ عدم العدم رافع للعدم و رافع الشيء نقيضه، و
النوعيّة و التقابل لايجتمعان لأنّ الشيء صادق على نوعه و غير صادق على مقابله،
ففرض النوعيّة و التقابل هنا فرض كون الشيء صادقا على شيء و غير صادق عليه و هو
محال بالضرورة.
و الجواب أنّ الموضوع في قولنا: «عدم العدم نوع من العدم» هو مفهوم عدم العدم، لأنّ
النوعيّة من المعقولات الثانية المنطقيّة فيكون موضوعها من المفاهيم، و الموضوع في
قولنا: «عدم العدم مقابل للعدم» هو ما يحكي عنه مفهوم عدم العدم لا نفس المفهوم بما
هو هو، فانّ مفهومي العدم و عدم العدم لا تقابل بينهما و لذا جاز اجتماعهما في
الذهن، و عند اختلاف الموضوعين في القولين يرتفع التنافي بينهما فلا إشكال في
البين.
خبر لقوله «فعدم العدم ...».
توضيح الإشكال: أنّ قولنا: «المعدوم المطلق لايخبر عنه» نفسه خبر عن المعدوم
المطلق فينحلّ ذلك إلى قضيّتين و هما: «المعدوم المطلق لايخبر عنه» و «المعدوم
المطلق يخبر عنه بانّه لا خبر عنه»؛ و من الواضح أنّ القضيّة الثانيّة نقيض للأولى
فهذه القضيّة تناقض نفسها.
و الجواب: أنّ الموضوع في القضيّتين مختلف و عند اختلاف الموضوعين لا تناقض بين
القضيّتين، لأنّ الموضوع في القضية الأولى هو المعدوم المطلق بما هو بطلان
محض، أي ما كان معدوما مطلقا بالحمل الشايع و من المعلوم أنّ الذي لا حظّ له
من الوجود لا خبر عنه، لأنّ ثبوت شيء لشيء فرع لثبوت المثبت له بالضرورة، و الموضوع
في القضيّة الثانية هو المعدوم المطلق بما أنّه مفهوم من المفاهيم، أي ما كان
معدوما مطلقا بالحمل الأوّلي و من المعلوم أنّ المعدوم المطلق بالحمل الأوّلي من
المفاهيم الموجودة في الذهن، و الموجود يمكن أن يخبر عنه و بالجملة المعدوم المطلق
الذي هو معدوم مطلق بالحمل الشايع لايخبر عنه و المعدوم المطلق الذي هو معدوم مطلق
بالحمل الأوّلي يخبر عنه بأن لا خبر عنه فلا تنافي بين القضيّتين.
أقول: في هذا الجواب نظر من وجهين: الأوّل أنّ إشكال التناقض باق على حاله في
القضيّة الأولى لأنّكم تقولون فيها: أنّ المعدوم المطلق الذي هو معدوم مطلق بالحمل
الشايع لايخبر عنه، و هذا نفسه خبر عن المعدوم المطلق الذي هو معدوم مطلق بالحمل
الشايع، فالإشكال باق على حاله.
الثاني أنّا إذا قلنا المعدوم المطلق لايخبر عنه لا ننظر إلى مفهوم المعدوم المطلق
نظرا استقلاليّا بل ذلك المفهوم مرآة بها ينظر إلى مصداقه المفروض فلا نتوجّه إلى
نفس المفهوم حتّى يمكن أن يقال: إنّ المعدوم المطلق الذي هو معدوم بالحمل الأوّلي
يخبر عنه بأن لا خبر عنه، فإنّ الخبر عن المعدوم المطلق بالحمل الأوّلي فرع التوجّه
إليه مع أنّه لا نتوجّه إليه أصلاً، فإذن الحق في الجواب أن يقال: إنّ الذي يحكي
عنه مفهوم المعدوم المطلق، من حيث كونه موجودا في الواقع يخبر عنه و من حيث كونه
معدوما بالفرض و الاعتبار لايخبر عنه فلا تناقض في البين.
الأوّل أنّه سيأتي أنّ كلّ مفهوم لابدّ له من مصداق يحكي عنه و إلاّ لم يكن
المفهوم مفهوما، فإن وجد للمفهوم ما هو مصداق له واقعا
فهو المحكيّ عنه بالمفهوم و إن لم يوجد له ما هو مصداق له واقعا وجب أن يجعل له ما
هو مصداق له بالفرض و الاعتبار و مفهوم المعدوم المطلق من القبيل الثاني، إذ كلّ
شيء ثبت له المصداقيّة لمفهوم فهو موجود واقعا، لأنّ ثبوت شيء لشيء فرع لثبوت
المثبت له، و إذا كان موجودا واقعا لم يكن مصداقا للمعدوم المطلق واقعا، فلا يوجد
لمفهوم المعدوم المطلق ما هو مصداق له واقعا، و بعبارة أخرى المعدوميّة المطلقة و
المصداقيّة لاتجتمعان لأنّ المصداقيّة مستلزمة للموجوديّة مع أنّ المفروض كونه
معدوما مطلقا، فإذن لايوجد لمفهوم المعدوم المطلق مصداق هو معدوم واقعا، فيجب أن
يكون مصداقه معدوما بالفرض و الاعتبار موجودا في الواقع بلحاظ ثبوت المصداقيّة له.
الثاني أنّ الجمع بين متقابلين أحدهما واقعيّ و ثانيهما فرضيّ ممكن غير مستحيل، إذ
لا تقابل بينهما في الواقع فإنّ الاجتماع بين الثلج الواقعيّ و النار الفرضيّة
ممكن، فيجوز كون الشيء ثلجا واقعا و نارا بالفرض و كذا يجوز اجتماع لوازمهما، فانّ
الثلج الواقعيّ الذي فرض كونه نارا، بارد بما هو ثلج واقعا و حارّ بما هو نار فرضا.
إذا عرفت هذين نقول: لمّا كان مفهوم المعدوم المطلق حاكيا عن ما هو معدوم بالفرض و
موجود في الواقع و كان لازم موجوديّته الواقعيّة الإخبار و لازم معدوميّته الفرضيّة
عدم الإخبار عنه كان اجتماع الإخبار و عدم الإخبار جايزا فيه، إذ كما يجوز اجتماع
الموجوديّة الواقعيّة و المعدوميّة الفرضيّة في موضوع القضيّة كذلك يجوز فيه اجتماع
لازم موجوديّته الواقعيّة و لازم معدوميّته الفرضيّة، لأنّ جواز الملزوم مستلزم
لجواز اللازم فلا تناقض في القضيّة أصلاً.
فإنّ المحمول في هذه القضيّة نقيض للموضوع و الموضوع و المحمول في القضيّة الموجبة متّحدان في الذات فيلزم اجتماع النقيضين.
إعلم أنّ كلّ قضيّة تنحلّ إلى عقدين: عقد الوضع و هو اتّصاف ذات الموضوع بالوصف
العنوانيّ للموضوع و عقد الحمل و هو اتّصاف ذات الموضوع بالوصف العنوانيّ للمحمول،
فإنّ قولنا: «كلّ كاتب متحرك الأصابع» ينحلّ إلى «كلّ ما هو متّصف بالكتابة فهو
متّصف بتحرك الأصابع» فذات الموضوع يحمل عليها الوصفان، و الحمل إمّا شايع و إمّا
أوّلي، فالحمل في عقد الوضع و عقد الحمل إمّا شايع و إمّا أوّلي و شبهة التناقض
تندفع في ما تقدّم باختلاف نوع الحمل، لكن اختلاف الحمل في بعض تلك القضايا راجع
إلى عقد الحمل كما في الشبهة الأولى، أي الجزئيّ جزئيّ بالحمل الأوّلي و الجزئيّ
كلّيّ بالحمل الشايع، و في بعضها راجع إلى عقد الوضع كما في الشبهة الثانية، أي ما
هو اجتماع النقيضين بالحمل الأوّليّ ممكن و ما هو اجتماع النقيضين بالحمل الشايع
ممتنع، وبعضها راجع إلى عقد الوضع و عقد الحمل كما في الشبهة الثانية، أي ما هو
اللاثابت في الذهن بالحمل الأوّلي فهو ثابت في الذهن بالحمل الشايع.
هذا التعبير أولى من التعبير بامتناع إعادة المعدوم من وجهين: الأوّل أنّ هذا التعبير أعمّ لشموله بالنسبة إلى إعادة المعدوم و اجتماع المثلين؛ الثاني أنّ التعبير بإعادة المعدوم بظاهره بحث عن المعدوم مع أنّ الفلسفة باحثة عن أحوال الموجود بخلاف التعبير بتكرّر الوجود.
أى التشخّص عين الوجود ذاتا، إذ لو لم يكن عين الوجود لكان عارضا له زائدا عليه، فكان الوجود في مرتبة ذاته غير آبٍ عن الصدق على كثيرين، فإذن جاز اتّصافه بالكلّيّة لكن اتّصاف الوجود بالكلّيّة محال لأنّ الكلّيّة من العوارض الّتي تعرض على الشيء من جهة صدقه على شيء و الوجود الذي هو حقيقة عينيّة لايقبل الصدق على شيء كما تقدّم توضيحه في الفرع الأوّل من الفصل الأوّل فإذن التشخّص عين الوجود ذاتا فتدبّر.
لأنّ تعدّد الوجود يلازم تعدّد التشخّص لما تقدّم من عينيّة التشخّص و الوجود و بإزاء كلّ تشخّص يوجد شخص فلو فرض لموجود واحد وجودان، كان ذلك الموجود الواحد في عين أنّه واحد، أشخاصا متعدّدة و هو باطل بالضرورة.
حاصل الجواب: أنّ العدم ليس له ذات واقعيّة و تقرّر حقيقىّ حتّى يكون موجبا للإثنينيّة بين الوجودين إذ لو كان له ذات واقعيّة و تقرّر حقيقيّ لكان للعدم أصالة و للزم اجتماع النقيضين؛ لأنّ المفروض أنّ لتلك الذات تقرّرا حقيقيّا مع أنّه بطلان محض، ثمّ لو سلّمنا أنّ له ذاتا واقعيّة للزم أن يكون الوجود الثاني متميّزا عن الوجود الأوّل تميّزا واقعيّا غير وهميّ؛ لانّ الوجود الثاني مسبوق بالعدم المسبوق بالوجود و الوجود الأوّل مسبوق بالعدم غير المسبوق بالوجود و هذا بعد فرض كون العدم ذاتا واقعيّة موجب لبطلان العينيّة بين الوجودين مع أنّ المفروض عينيّتهما هذا خلف.
هذا مبتدأ و خبره قوله: اختصاص وجوده بظرف من ظروف الواقع.
يظهر وجه الاستحالة بمقدّمة واضحة و هي أنّ الوسطيّة انّما تتصوّر بين شيئين
متغايرين، فإذا لم يكونا لم تكن، فعلى هذا لو كان المعاد عينا للمبتدأ كما هو
المفروض لكان العدم وسطا بين الشيء و نفسه و الشيء الواحد بما هو واحد لا وسط له.
و أيضا لو تخلّل العدم بين الشيء و نفسه لزم منه تقدّم الشيء على نفسه بالزمان و هو
محال بالضرورة إذ لو كان الشيء موجودا في زمان ثمّ انعدم في زمان ثانٍ ثمّ وجد في
زمان ثالث لكان زمان وجوده الأوّل أقدم من زمان عدمه و زمان عدمه أقدم من زمان
وجوده الثاني و الأقدم من الأقدم من الشيء أقدم من ذلك الشيء، فيكون زمان وجوده
أقدم من زمان وجوده، إذ المفروض أنّ الموجود ثانيا عين الموجود أوّلاً بلا فرق.
أى من غير أن يكون وجوده مسبوقا بالعدم المسبوق بالوجود بأن يوجد مثلاً في الزمان الذي يوجد الشيء نفسه فيه.
فإن قلت المثليّة ممنوعة، لأنّ زمان المعاد يغاير زمان المبتدأ.
قلت هذا صحيح في نفس الأمر لكنّ الخصم لايجعل هذا موجبا للفرق و لذا جعل معاد الشيء
عين الشيء مع أنّ زمانهما مختلف.
أى لمّا لم يكن فرق بين العودة الأولى و الثانية و هكذا إلى ما لا نهاية له، فلو
فرض الإعادة في كلّ واحد منها للزم الترجيح بلا مرجّح و هو محال.
بيان الملازمة: أنّ المعاد إذا كان مبهما بأن لم يتعيّن أنّه هو المعاد الأوّل أو
الثاني أو الثالث أو غير ذلك لزم وجود ما لم يتشخّص و هو محال؛ لأنّ الشيء ما لم
يتشخّص لم يوجد، فلابدّ أن يتعيّن عدد العود فيه لكن عدد العود في المعاد ممّال
مرجّح له، اذ كلّ ما يتعيّن به عدد العود و يكون سببا لاتّصاف المعاد
بالأوّليّة مثلاً يوجد في الثاني و غيره، فلا مرجّح لكون المعاد متّصفا بالأوّليّة
مثلاً، فوجوده يستلزم الترجيح بلا مرجّح و هو محال.
و هو تشخّص الشيء فإنّ وجود الشيء ملازم للتشخّص و التشخّص يأبى عن التكرار لما تقدّم بيانه في أوّل الفصل فبما أنّ التشخّص أمر لازم، لا يمكن زواله عن الشيء فلا يمكن زوال الامتناع و بما أنّه لازم لوجود الشيء لايمتنع تحقّق الشيء إبتداء؛ لأنّ لازم الوجود موءخّر عن الوجود فلا يمنع عن الوجود الذي هو مقدّم عليه.
إن قلت: انعدام البدن و زواله بعد الموت ممّا لا ريب فيه، فتكون إعادته من قبيل
الإيجاد بعد الإعدام.
يقال في الجواب:
اولاً أنّ شخصيّة الإنسان بروحه لا ببدنه المتغيّر، فإنّ الإنسان يتبدّل بدنه في
طول عمره بمرّات حتّى يقال إنّه في كلّ سبع سنين يتبدّل مجموع أجزاء البدن و مع ذلك
أنّ شخصيّة الإنسان محفوظة في طول عمره و بناءًا على هذا إنّ الإنسان الموجود في
القيامة مع بدنه المناسب لنشأة القيامة عين الإنسان الذي كان في الدنيا.
و ثانيا أنّ عينيّة البدن الأخروىّ و الدنيوىّ بمعناها الفلسفيّ بحيث لم يكن بينهما
أيّ فرق حتّى بحسب الزّمان و المكان و الوضع و غيرها ليست قطعيّة، بل المسلّم
الضروريّ أنّ البدن الأخرويّ عين البدن الدنيوىّ عينيّة عرفيّة بحيث إذا رأي الناس
زيدا مثلاً في القيامة يقولون إنّه هو الذّي كان يعيش في الدنيا و يدلّ على ما ذكر
قوله تعالى «أو ليس الّذي خلق السموات و الأرض بقادر عَلى أن يخلق مثلهم...»(1)
فإنّ مثل الشيء لايكون عينه عينيّة فلسفيّة و إن كان عينه عرفا و كذا قوله تعالى(2)
«كلّما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودا غيرها» صريح في عدم العينيّة بمعناها الفلسفيّ و
في ذيل هذه الاية حديث مروىّ في مجالس الشيخ بإسناده عن حفص بن غياث القاضي قال كنت
عند سيد الجعافرة جعفر بن محمّد عليهمالسلام لمّا قدّمه المنصور، فأتاه ابن أبى
العوجاء و كان ملحدا، فقال ما تقول في هذه الاية «كلّما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودا
غيرها ليذوقوا العذاب»؟ هب هذه الجلود عصت فعذّبت فما بال الغير؟ قال أبو عبداللّه
عليهالسلام ويحك هي هي و هي غيرها، قال: إعقلنى هذا القول فقال له أرأيت لو أنّ
رجلاً عمد إلى لبنة فكسرها ثم صبّ عليها الماء و جبلها ثم ردّها إلى هيئتها الأولى
أ لم تكن هي هي و هي غيرها؟ فقال: بلى أمتع اللّه بك»؛ فإنّ هذا الحديث الشريف
صريح في التغاير بين البدنين بوجه و اتّحادهما بوجه و التغاير بوجه ينافي العينيّة
الفلسفية و اللّه أعلم بالصواب.
1. سورة يس، الآيه 81 ـ 22.
2. راجع: تفسير الميزان في ذيل الآية.
توضيحه: أنّ الوجود إمّا رابط و إمّا مستقلّ و الرابط هو الموجود بوجود غيره فهو
شيء بشيئيّة غيره لا بشيئيّة لنفسه و المستقلّ هو الموجود بوجود نفسه فهو شيء
بشيئيّة نفسه لا بشيئيّة غيره، أمّا الوجود المستقلّ فبديهيّ التحقّق و أمّا الوجود
الرابط، فيمكن الاستدلال عليه مضافا إلى ما في المتن بأنّ حاجة العرض إلى موضوعه
عين هويّته الخارجيّة، إذ لو لم يكن كذلك لكان حاجته إلى موضوعه عارضة لهويّته
زائدة عليها، فلم يكن العرض في مرتبة ذاته المتقدّمة على وصفه عرضا و بعبارة أخرى
ما فرضناه عرضا ليس عرضا بالذات بل هو عرض بالعرض و هذا خلف فإذن ثبت أنّ وجود
العرض عين الحاجة إلى موضوعه، فالحاجة قد ملأت تمام هويّته فلا يوجد فيه حيثيّة
مستقلّة أصلاً و إلاّ لكان العرض محتاجا الى موضوعه في بعض حيثيّاته، فلا يكون عين
الحاجة بل الحاجة حيثيّة من حيثيّاته و هذا خلف.
إذا عرفت هذا نقول: إنّ شيئيّة العرض بشيئيّة موضوعه، إذ لو لم يكن كذلك لكان منفصل
الذات عن شيئيّة موضوعه، فكان مستقلاًّ في تذوّته و شيئيّته فله استقلال بوجه، لكن
التالي باطل لأنّ الاستقلال بوجه ينافي فقره بتمام هويّته، فالمقدّم مثله فإذن ثبت
أنّ شيئيّة العرض بشيئيّة موضوعه فالعرض موجود بوجود رابط بالنسبة إلى موضوعه، فإذن
ثبت أنّ بعض الموجود وجود رابط و هو المطلوب.
شروع في الإستدلال على الوجود الرابط، توضيحه أن يقال:
أوّلاً إنّ من القضايا الخارجيّة مايكون مفادها ثبوت الشيء و هي الهليّات البسيطة و
منها ما يكون مفادها ثبوت شيء لشيء و هي الهليّات المركّبة.
ثانيا لمّا كان معيار صدق القضيّة الخارجيّة انطباق مفادها على مطابقها الخارجيّ
وجب وجود شيء في الخارج يطابق عليه مفاد القضيّة الخارجيّة الصادقة و إلاّ لم تكن
صادقة.
ثالثا أنّا إذا قلنا مثلاً «زيد قائم» و فرضناها قضيّة صادقة فهناك قضيّة صادقة
مفادها ثبوت القيام لزيد في الخارج، فيجب أن يكون في الخارج مطابَق يطابق مفاد هذه
القضيّة عليه لكن ليس المطابَق وجود زيد في الخارج و لا القيام أيضا؛ لأنّ وجود كلّ
منهما في الخارج مطابَق ثبوت شيء لا ثبوت شيء لشيء، فإنّ ثبوت شيء لشيء مفهوم حرفي
تعلقّى، فيجب أن يكون مطابَقه بالذات حيثيّة تعلقيّة أيضا و ثبوت شيء بما هو كذلك
ليس حيثيّة تعلقيّة، فلو فرض كونه مطابَقا لمفاد ثبوت شيء لشيء فهو مطابَق بالعرض
لا بالذّات فإذن يجب لصدق القضيّة أن يكون في الخارج شيء آخر وراء الموضوع و
المحمول حتّى ينطبق عليه مفاد هذه القضيّة الذي هو ثبوت شيء لشىء.
ثمّ إنّ هذا المطابَق و إن كان غير الموضوع و المحمول ـ كما تقدّم ـ لكن وجوده عين
وجودهما بوجه آخر(1) و ذلك لأنّه الأمر الذي به يرتبط المحمول بالموضوع فلو كان
منفصل الذات عنهما لاحتاج إلى رابط يربطه بالموضوع و رابط يربطه بالمحمول و إلاّ
كان وجوده أجنبيّا عنهما و الأجنبىّ عن الشيئين لايكون سببا لارتباطهما، فإذن
المفروض ثلاثة صار خمسة ثمّ يحتاج بين كلّ إثنين منهما إلى رابط و هكذا فيتسلسل و
هو باطل، فإذن ثبت في الخارج شيء يطابقه مفاد الهليّة المركّبة و ليس منفصلاً و
منحازا عن الموضوع و المحمول و هو الوجود الرابط.
1. سيأتى بيانه في الحاشية اللاحقة.
أى هذه وحدة في عين الكثرة و كثرة في عين الوحدة، فإنّ الوجود الرابط في عين
أنّه مغاير لوجود الموضوع و المحمول متّحد معهما ـ كما تقدّم بيانه ـ هذا و لكن
ليعلم أنّ الوحدة في الكثرة بين الوجود الرابط و الموضوع قد تكون مغايرة للوحدة في
الكثرة بين الوجود الرابط و المحمول.
توضيح ذلك: إنّ الوحدة في الكثرة قد تتحقّق بأن كان هناك وجود واحد ذو مراتب،
فالوجودات المتكثّرة و إن كانت مختلفة بحسب مراتبها إلاّ أنّها راجعة إلى وجود واحد
و أصل فارد كوجود العلّة و المعلول، فإنّ لهما وجودا واحدا في عين اختلاف مرتبتهما،
و قد تتحقّق بأن كان هناك وجود واحد ذو مرتبة واحدة و هذا الوجود الواحد في عين
وحدته حيثيّات وجوديّة متعدّدة من غير اختلاف في مرتبة تلك الحيثيّات و هذا مثل
وجود الصادر الأوّل فإنّ فيه حيثيّات وجوديّة متعدّدة في عين كونه واحدا ذا مرتبة
واحدة، كحيثيّة فاعليّته للصادر الثاني و حيثيّة معلوليّته للواجب و هذه الحيثيّات
لم تكن مختلفة بحسب المفهوم فحسب، بل إنّها مختلفة متعدّدة بحسب الواقع و لذا كان
لكلّ منها لوازم مختلفة و أحكام متفاوتة، فإنّ في الصادر الأوّل حيثيّة الفاعليّة و
حيثيّة المعلوليّة و هاتان الحيثيّتان متّحدتان في الوجود و في المرتبة، لأنّ
حيثيّته الّتي بها صار فاعلاً نفسها معلولة للواجب، إذ كلّ شيء معلول للواجب فنفس
تلك الحيثيّة الفاعليّة بمرتبتها الخاصّة معلولة للواجب، فهما متّحدتان في الوجود و
في المرتبة، لكن مع ذلك هما مختلفتان في الواقع لإختلاف لوازمهما، فإنّ الصادر
الأوّل بوجوده الواحد و بمرتبته الواحدة مستلزم لوجود فاعل قبله و لوجود معلول
بعده، لكن الذي هو مستلزم لوجود فاعل قبله هو حيثيّة معلوليتّه لاحيثيّة فاعليتّه و
إلاّ لزم أن يكون الواجب مستلزما لوجود فاعل قبله؛ لأنّ معيار الاستلزام لوجود فاعل
قبله ـ و هو حيثيّة الفاعليّة على الفرض ـ موجود في الواجب مع أنّ الواجب لا فاعل
قبله، و كذا الذي هو مستلزم لوجود معلول بعده هو حيثيّة فاعليّته لا حيثية
معلوليّته و إلاّ لزم أن يكون المعلول الأخير في السلسلة مستلزما لوجود معلول بعده،
لأنّ معيار الاستلزام لوجود معلول بعده و هو حيثيّة المعلوليّة على الفرض موجود فيه
مع أنّ المعلول الأخير لا معلول بعده و إلاّ لم يكن معلولاً أخيرا، فإذن ثبت أنّ
حيثيّة الفاعليّة و حيثيّة المعلوليّة مختلفتان في الواقع في عين كونهما متّحدتين
في الوجود و في المرتبة، فهذه نوع آخر من الوحدة في الكثرة مغاير للوحدة في الكثرة
الّتي توجد في الحقائق المشكّكة الّتي لها مراتب مختلفة.
إذا عرفت هذا نقول: إذا قلنا مثلاً: «الثلج أبيض» تحقّق هناك الوحدة في الكثرة بين
الوجود الرابط و وجود المحمول لما تقدّم من أنّهما متغايران في عين كونهما متّحدين
لكن الوحدة في الكثرة هنا من القبيل الثاني لا الأوّل لأنّ ثبوت العرض لموضوعه
(الذي هو حيثيّة وجوده الرابط) عين ثبوته في نفسه من غير اختلاف في المرتبة، إذ لو
اختلفا بحسب المرتبة لكان العرض محتاجا إلى موضوعه في بعض مراتب وجوده، فيكون العرض
عرضا بحسب بعض مراتبه لا بحسب نفسه، فليس العرض عرضا هذا خلف، و كذلك تحقّق هناك
الوحدة في الكثرة بين الوجود الرابط و وجود الموضوع لما تقدّم من أنّهما متغايران
في عين كونهما متّحدين لكن الوحدة في الكثرة هنا من القبيل الأوّل لا الثاني، لأنّ
مرتبة الوجود الرابط عين مرتبة وجود العرض و مرتبة وجود العرض مغاير لمرتبة وجود
موضوعه، فمرتبة الوجود الرابط مغاير لمرتبة وجود الموضوع، هذا إذا كان المحمول عرضا
أمّا إذا كان المحمول جوهرا أمكن تحقّق الوحدة في الكثرة بنوعيه فتدبّر.
لأنّ الأمر الواحد الشخصىّ لايمكن اتّحاده مع أمرين متغايرين و قد تقدّم أنّ الوجود الرابط متّحد مع كل من طرفيه فيجب أن يكون طرفاه متّحدين في الوجود.
أقول: هذا التعليل غير جارٍ في القضايا المشتملة على الحمل الأوّليّ؛ لأنّ الموضوعات و المحمولات في تلك القضايا و إن كانت متّحدة بحسب المفهوم إلاّ أنّ الحمل لابدّ فيه من اختلاف مّا بين الموضوع و المحمول ـ كما سيأتي ـ و الاختلاف بوجه مّا بينهما يصحّح تخلّل الرابط بينهما فليس التعليل جاريا هنا، فالاستثناء الموجود في كلام المصنّف ليس في محلّة؛ إذ ليس لمستثنى منه فرد موجود. نعم الرابط في تلك القضايا وجود ذهنىّ دائما؛ لأنّ طرفي الرابط، المفهوم بما هو لا بما هو حاك عن الخارج؛ و أمّا الهليّات البسيطة فحقّ القول فيها ما قاله المصنّف لأنّ تلك القضايا حاكية عن الخارج و ليس في الخارج إلاّ وجود الشيء و لا خبر هناك عن الماهيّة حقيقة حتّى يتخلّل الرابط بين الوجود الذي هو المحمول و الماهيّة الّتي هي الموضوع؛ نعم لو اعتبرنا للماهيّة ثبوتا في الخارج بعرض الوجود جاز تخلّل الرابط بينهما بعد اعتبار الثبوت للماهيّة في الخارج، لكن الرابط كالماهيّة موجود حينئذٍ بعرض الوجود و لا واقعيّة له بحسب الحقيقة.
و ذلك بأن نفرض في قولنا «زيدمعدوم» مثلاً ثبوتا فرضيّا للمحمول ثمّ نحمله على زيد فيتحقّق الرابط الوجودىّ بين زيد و الثبوت الفرضيّ للمحمول، ثم نعتبر هذا الربط ربطا عدميّا؛ أي نفرض ربط العدميّ بالموجود عدما رابطا؛ و كذا الأمر في القضايا السالبة، فإنّ فيها سلب الربط لكن نفرض و نعتبر سلب الربط عدما رابطا.
توضيحه: أنّ المفاهيم المنتزعة من الوجودات الرابطة ليست مستقلّة في المفهوميّة،
و الماهيّات مستقلّة في المفهوميّة فينتج من الشكل الثاني أنّ المفاهيم المنتزعة من
الوجودات الرابطة ليست من الماهيّات فالوجودات الرابطة لا ماهيّة لها، أمّا الصغرى
فلأنّ المفاهيم بما هي منتزعة من غيرها تابعة للمنتزع منه و المنتزع منه هنا وجود
رابط غير مستقلّ، فالمفهوم المنتزع من الوجود الرابط غير مستقلّ و أمّ الكبرى فلأنّ
الماهيّة مايقال في جواب السوءال بما هو و السوءال بما هو، سوءال عن نفس حقيقة
الشيء مع قطع النظر عن الأمور الزائدة على الحقيقة، فالمفهوم الذي يقع في الجواب
نفس حقيقة الشيء مع قطع النظر عن ما ورائها فيكون مستقلاًّ عن ما ورائها، فإذن تمّ
المطلوب.
أقول: كلّيّة الكبرى ممنوعة فإنّ بعض الماهيّات ما هو غير مستقلّ في المفهوميّة و
ذلك لأنّ بعض الماهيّات كما أنّها محتاجة في قوامها الماهويّ إلى أجناسها و فصولها
كذلك محتاجة في تقرّرها الماهويّ إلى أمور زائدة عليها و ذلك مثل الكيفيّات
المختصّة بالكمّيّات، فإنّ الانحناء مثلاً كما أنّه محتاج في قوامه الماهويّ إلى
أجناس و فصول ذاتيّة كذلك يحتاج في تقرّره الماهويّ إلى مقدار يقع عليه و ليس هذا
الاحتياج احتياجا في وجوده بل هو احتياج في ماهيته و لذا لو جاز أن يتقرّر الماهيّة
في وعاء خالٍ عن كافّة الوجودات لاحتاج الانحناء أيضا في ذلك التقرّر الماهويّ إلى
مقدار مّا في ذلك الوعاء و إذا احتاج الانحناء في تقرّره الماهويّ إلى مقدارمّا ثبت
أنّه غيرمستقلّ في المفهوميّة، إذ لا فرق بين الماهيّة الذهنيّة و الخارجيّة في
كونها ماهيّة؛ و في أحكام كونها ماهيّة لأنّ حكم الأمثال فيما يجوز و لايجوز واحد؛
فكما أنّ ماهيّة الانحناء لايستقلّ في تقرّره الماهويّ في الخارج عن مقدارمّا كذلك
لايستقلّ في تقرّره الماهويّ في الذهن عن مقدار مّا، فلا يدرك الانحناء إلاّ بعد
إدراك مقدار مّا فهو ماهيّة غير مستقلّة في المفهوميّة و لأجل أنّ هذه المفاهيم و
أمثالها غير مستقلّة في المفهوميّة وجب أخذ موضوعها أو أخذ شيء آخر غير موضوعها في
حدودها و تعاريفها و هذه المفاهيم هي الّتي تسمّى بالذاتيّ في باب الحمل الذي هو
قسم من الذاتيّ في باب البرهان.
قال الشيخ: «إذا كان شيء عارضا لشيء و كان يوءخذ في حدّ العارض إمّ المعروض له
كالأنف في حدّ الفطوسة و العدد في حدّ الزوج و الخطّ في حدّ الاستقامة و الانحناء،
أو موضوع المعروض له كالخارج من المتوازيين لمساو زواياه من جهة لقائمتين، أو جنس
الموضوع المعروض له بالشرط الذي يذكر، فإنّ جميع ذلك يقال له أنّه عارض ذاتيّ و
عارض للشيء من طريق ما هو هو».(1)
و قال أيضا: «كل محمول برهانىّ إمّا مأخوذ في حدّ الموضوع أو الموضوع و ما يقوّمه
مأخوذ في حدّه».
و أمّا ما تقدّم من أنّ المفهوم الذي يقع في جواب «ما هو» نفس حقيقة الشيء مع قطع
النظر عن ما ورائه فهو و إن كان حقّا إلاّ أنّه مشروط بإمكان تعقّل حقيقة الشيء مع
قطع النظر عن ما ورائها، أمّا إذا لم يمكن فلابدّ فيه من تعقّل مايتوقّف عليه إدارك
الحقيقة.
1 و 2. راجع: الفصل الثاني من المقالة الثانية من كتاب برهان الشفاء، ص 126.
هذا تفسير لعدم الاختلاف النوعىّ بين الوجود الرابط و المستقلّ و قوله: «أو لايجوز» تفسير لاختلاف النوعىّ فهو لفّ و نشر مشوّش.
و هو عدم الاختلاف النوعىّ بين الوجود الرابط و المستقلّ، خلافا لصدر المتألّهين حيث: «يقول إنّ الحقّ هو الاختلاف النوعىّ بينهما».(1)
إذ لو لم تكن هويّة المعلول عين الحاجة إلى علّته لكان حاجته إلى العلة عارضة له، فيكون في مرتبة ذاته المتقدّمة على وصفه العارض غير مفتقر إلى علّته و هذا خلف.
1. راجع: الأسفار: 1 / 79.
إذ قد ثبت أنّ المعلول عين الحاجة إلى العلة فالحاجة قد ملأت تمام هويّة المعلول فلايوجد فيه حيثيّة مستقلّة أصلاً و إلاّ كانت الحاجة حيثيّة من حيثيّاته فلا يكون المعلول عين الحاجة و هذا خلف فبناءًا على هذا لو لم يكن المعلول بالنسبة إلى علّته وجودا رابطا لكان منفصل الذات عنها، فيكون مستقلاّ عنها في الشيئيّة، لكن التالى باطل؛ لأنّ الاستقلال بوجه ينافي فقره بتمام هويّته، فالمقدّم مثله، فالمعلول وجود رابط بالنسبة إلى علّته.
فإنّ بعض الموجودات بالنسبة إلى بعضها مستقلّ في الشيئيّة كالجواهر بالنسبة إلى
أعراضها و كالعلل بالنسبة إلى معاليلها؛ أى لاتكون شيئيّة الجواهر و العلل بشيئيّة
أعراضها و معاليلها، لأنّ شيئيّة الأعراض و المعاليل بشيئيّة الجواهر و العلل فلو
كانت شيئيّة الجواهر و العلل بشيئيّة أعراضها و معاليلها لدار فإذن ثبت أنّ وجودات
الجواهر و العلل مثلاً بالنسبة إلى وجودات الأعراض و المعاليل من قبيل الوجودات
المستقلّة لا الرابطة و إن كانت تلك الوجودات بالنسبة إلى عللها من الوجودات
الرابطة.
فإن قلت: تقدّم آنفا أنّ الاستقلال بوجه ينافي فقر المعلول بتمام هويّته، فكيف
تقولون الآن أنّ الجواهر و العلل ـ و هي معاليل لعلل أخرى ـ مستقلّة.
قلت: هذا الاستقلال لاينافي الفقر التام، لأنّ هذا الاستقلال ليس لنفس تلك الجواهر
و العلل حقيقة، بل هو من ظهورات استقلال علل تلك الجواهر و علل العلل و من شوءون
استقلالها، فليست الجواهر و العلل المفروضة مستقلّة في حيثيّة استقلالها أيضا.
تفسير للمنفيّ لا للنفى.
لأنّ ماسوى الواجب معلول و المعلول وجوده وجود رابط فلا مستقلّ إلاّ وجود
الواجب.
إذ تقدّم أنّ كثرة الوجود بكثرة الماهيّات، فلو فرض هناك ماهيّتان لثبت هناك وجودان مع أنّ المفروض أنّ الوجود واحد.
كمقارنة العرض للموضوع و كمقارنة الحالّ للمحلّ.
فيه أنّ الصور النوعيّة لا ماهيّة لها حتّى يكون وجود الصور طاردا لعدم ماهيّتها و المفروض أنّ الوجود في نفسه لغيره هو الذي كان طاردا لعدمين: عدم ماهيّة نفسه و عدم عن شيء آخر، و بالجملة لو عرّف الوجود في نفسه لغيره بما عرّفه المصنّف لم يكن وجود الصور النوعيّة المنطبعة مصداقا لهذا القسم من الوجود. نعم إن عرّفناه بما وجوده في نفسه هو مجرّد ثبوته لغيره؛ أي أنّه عبارة عن نفس حيثيّة طارديّة العدم عن الغير، سواء كان طاردا لعدم ماهيّة نفسه أيضا كما في وجود الأعراض أو لم يكن كما في الصور المنطبعة كان وجود الصور مصداقا لهذا القسم.
و ذلك لأنّ وجود الأعراض لغيرها وجود رابط بين وجود الأعراض في نفسها و وجود موضوعاتها الجوهريّة و تحقّق الوجود الرابط بين طرفين يوجب نحوا من الاتّحاد الوجودىّ بينهما، فينتج من الشكل الأوّل أنّ وجود الأعراض لغيرها يوجب نحوا من الاتّحاد بين وجود الأعراض في نفسها و وجود موضوعاتها الجوهريّة فهما متّحدان؛ أمّا الكبرى فقد بيّنت في الفرع الثاني من الفصل الأوّل، و أمّا الصغرى فلأنّه تقدّم في هذا الفصل من أنّ وجود الأعراض وجود لغيرها و تقدّم في الفصل الأوّل أنّ وجود الشيء لغيره مطابَق لمفاد الهليّة المركّبة و المطابَق لمفاد الهليّة المركّبة وجود رابط، فإذن قد ثبت بعد إثبات الصغرى و الكبرى أنّ وجود العرض متّحد مع وجود موضوعه الجوهرىّ و لمّا كان العرض محتاجا إلى موضوعه الجوهرىّ لا العكس، عبّر عن ذلك الاتّحاد بأنّ العرض من شوءون وجود موضوعه؛ أي جعل وجود الجوهر أصلاً و وجود العرض شأنا من ذلك الأصل.
و ذلك لأنّ وجود الصور لغيرها وجود رابط بين وجودها في نفسها و وجود المادّة و الوجود الرابط يوجب الاتّحاد بين طرفيه، فوجود الصور المنطبعة للمادّة يوجب الاتّحاد بين وجود الصور في نفسها و وجود المادّة فهما متّحدان، لكن لمّا لم يكن الصور محتاجة الى المادّة بل الأمر بالعكس، لم يعبّر عن اتّحادهما بأنّ وجود الصورة من شوءون وجود المادّة و لذا اكتفى المصنّف رحمهالله بتعبير عدم المباينة.
وجود السواد ـ كما أنّه وجود في نفسه ـ وجود لغيره و هو من حيث كونه لغيره وجود ناعت للغير و المفهوم المنتزع منه بلحاظ كونه للغير، مفهوم ملحوظ فيه الغير فالوجود الناعت بما هو ناعت للغير يطرد العدم عن المفهوم الملحوظ فيه الغير لا العدم عن المفهوم المنتزع من الوجود في نفسه الذي لايلحظ فيه الغير.
قد نسب هذا القول إلى الفخر الرازىّ لكن الظاهر من كلامه أنّ العلم عنده عبارة عن إضافة حاصلة بين العاقل و الصورة المرتسمة من المعقول في العاقل.(1)
إنّ دعوى الحكماء مشتملة على جزئين: الأوّل أنّ العلم هو حصول صورة من الشيء في الذهن لا أنّه إضافة بين العالم و المعلوم الخارجيّ؛ الثاني أنّ الصورة الحاصلة من الشيء متّحدة الماهية معه و منطبقة عليه و هذه البراهين الثلاثة تثبت الجزء الأوّل من الدعوى كما أنّ قوله الآتى: «و لو كان الموجود في الذهن شبحا ...» يثبت الجزء الثاني منها.
1. راجع: المباحث المشرقية: 1 / 331.
أي إنّ الوجوه المتقدّمة و إن أثبتت المدّعى بالنسبة إلى العلم بالأمور الكلّيّة و الصرفة و المعدومة لا بالنسبة إلى غيرها إلاّ أنّا لا نرتاب أنّ جميع ما نعقله من سنخ واحد، فإذا كان العلم في تلك الأمور عبارة عن حصول صورة الشيء في الذهن كان العلم في غيرها كذلك.
المعقول إمّا أن يكون بالذات أو يكون بالعرض، و المعقول بالذات عند الحكماء
عبارة عن الصور الذهنيّة؛ أى ما يكون معقولاً بنفس ذاته لا بالصورة الذهنيّة و عند
القائل بالإضافة عبارة عن الأمر الخارجىّ بما هو متعلّق العلم، و المعقول بالعرض
عند الحكماء عبارة عن الأمر الخارجىّ؛ أى ما يكون معقولاً بصورته الذهنيّة لا بنفسه
و عند القائل بالإضافة عبارة عن الأمر الخارجىّ بما هو هو، أى لا بما هو متعلّق
العلم فالمعقول بالذات و بالعرض متغايران ذاتا عند الحكماء و متغايران اعتبارا عند
القائل بالإضافة، لانّهما عنده عبارة عن الأمر الخارجىّ لكن قد يعتبر بما هو متعلق
العلم، و قد يعتبر بما هو هو.
إذا عرفت هذا نقول: يرد على القائل بالإضافة إيرادان: الأوّل أنّ معقولنا قد يكون
معدوما في الخارج فكيف يمكن أن يكون متعلّق الإضافة في الخارج، الثاني أنّ المعقول
بالذات لمّا كان متّحد الذات مع المعقول بالعرض عنده كان دائمىّ الانطباق على
المعقول بالعرض فلا يمكن أن يتحقّق خطأ في العلم؛ لأنّ معيار الخطأ في العلم عباره
عن عدم الانطباق بين المعقول بالذات و المعقول بالعرض لكن عدم الانطباق لا يحصل
أصلاً لاتّحاهما ذاتا.
بيان ذلك: أنّ كلّ علم لنا إمّا تصديق و إمّا تصور، و المفروض أنّ تصوّرنا من الأشياء غير مطابق لها، فكلّ تصور يعود إلى الجهل؛ لأنّ الجهل عبارة عن عدم انكشاف الأشياء للنفس،(1) و كذا الأمر في التصديقات، إذ من البديهيّ أنّ التصديق بأنّ الإنسان حيوان مثلاً يتوقّف على تصوّر أطرافه و المفروض أنّ تصوّر أطرافه غير حاصل لنا واقعا، فيعود كلّ تصديق إلى الجهل أيضا، و من هنا يعلم أنّ نفي كاشفيّة العلم عن الخارج نفي للعلم أيضا؛ فالنزاع بين الحكماء و القائلين بالشبح يرجع إلى النزاع في وجود العلم و عدمه، فالقائل بوجود العلم لايمكنه أن ينكر كاشفيّة العلم عن الخارج كما هو عليه، و المنكر للعلم يلزمه المحال؛ لأنّ نفي العلم متوقّف على تصوّره و تصوّر العلم علم من العلوم، فيلزم من نفي العلم وجوده و هو محال، فنفي العلم محال فإذن ثبت وجود العلم و كاشفيّته الراجعة إليه.
1. سيأتى البحث في هذا المقام بنحو أبسط في آخر الفصل التاسع من المرحلة الحادية عشرة.
أي حكاية الحاكي عن المحكيّ عنه تتوقّف على العلم بالمحكيّ عنه و المفروض أنّ
العلم بالمحكيّ عنه يحصل بتلك الحكاية، فيلزم الدور.
أقول: للخصم أن يمنع المقدّمة الأولى، إذ الحكاية من آثار وجود الحاكي و لا مدخليّة
فيها للعلم بالمحكيّ عنه و إلاّ يرد مثل هذا الإشكال على القول المشهور؛ لأنّ الصور
الذهنيّة حاكية عن الخارج، فلو كانت حكايتها متوقّفة على العلم بالخارج مع أنّ
العلم بالخارج يحصل بحكاية الصور الذهنيّة و بكاشفيّتها للزم الدور، نعم العلم
بالحكاية يتوقّف على العلم بالمحكيّ عنه لكن هذا لايضرّ؛ لأنّ العلم بالحكاية
يتوقّف على العلم بالمحكيّ عنه و العلم بالمحكيّ عنه يتوقّف على نفس الحكاية لا على
العلم بالحكاية، فلادور، إذ المتوقّف غير المتوقّف عليه، فإذن الحق في الجواب أن
يقال: انّ قولكم بحكاية الأشباح ينتج القول المشهور، إذ الحكاية هي العلم بالمحكيّ
عنه بسبب العلم بالحاكي، ففرض حكاية الأشباح فرض العلم بالماهيّات الخارجيّة كما هي
عليه.
و أيضا فإنّ العلم بأنّ كلّ علم مخطيء يتوقّف على العلم بالخارج كما هو عليه، إذ ما لم يعلم الخارج كما هو عليه لايعلم عدم انطباق ما في الذهن لما في الخارج حتّى يحكم بالخطأ، فإذن يلزم من العلم بأنّ كل علم مخطيء، العلم بأنّ العلم مصيب و هذه هي المناقضة.
هذه مقدّمة يبتني عليها حلّ الإشكالات الواردة على الوجود الذهنيّ و حاصلها: أنّ مجرد حمل مفهوم على شيء لايوجب اندراج ذلك الشيء تحت ذلك المفهوم و إلاّ لزم أن يندرج كلّ مفهوم تحت نفسه لحمل كلّ شيء على نفسه، بل معيار الاندراج صدق المفهوم على الشيء بحيث يترتّب عليه آثار ذلك المفهوم و بناءًا على هذا، الإنسان الذهنيّ مثلاً و إن حمل عليه الجوهر لكن مع ذلك لا يندرج تحت الجوهر، إذ لا يترتّب عليه الآثار الجوهريّة و كذا زيد الذهنىّ لايكون فردا للماهيّة الإنسانيّة و إن حمل عليه الإنسانية، إذ لا يترتّب عليه الآثار الإنسانيّة كالتعقّل.
لأنّ مقتضى جوهريّته الاستغناء عن الموضوع و مقتضى عرضيّته عدم الاستغناء عن الموضوع، فجمع الجوهريّة و العرضيّة في شيء واحد جمع المتنافيين.
و هذا الإشكال أصعب من الأوّل، لأنّ الاستغناء عن الموضوع ليس مأخوذا في ماهيّة الجوهر حتّى لايمكن سلبه عنها بل الاستغناء وصف لوجوده الخارجيّ، فإذا حصل الجوهر في الذهن سلب عنه، فلايلزم من جمع الجوهريّة و العرضيّة الجمع بين المتنافيين، فالإشكال الأوّل قابل للدفع بخلاف هذا الإشكال، فإنّ الجوهريُّة منحفظة على الفرض فلا تجتمع مع الكيفيّة.
أقول: هذا الجواب و إن كان كافيا لدفع إشكال اندراج شيء واحد تحت مقولتين، لكنّه
غير كافٍ لدفع إشكال اجتماع المقولتين في شيء واحد في مقام تقرّره الماهويّ.
بيان الإشكال: إنّ الإنسان المعقول مثلاً جوهر بالحمل الأوّلي بناءًا على انحفاظ
الذاتيّات و هو من الكيفيّات النفسانيّة حقيقة، فتكون الكيفيّة مأخوذة في حدّه
الماهويّ، فيلزم أن يكون الإنسان المعقول جوهرا و كيفا معا في مقام تقرّره الماهويّ
فيكون جوهرا و كيفا معا بالحمل الأوّليّ و هذا أيضا باطل عندهم كما أنّ كون الشيء
جوهرا و كيفا معا بالحمل الشايع باطل عندهم.
و التحقيق في الجواب أن يقال: إنّ اجتماع الجوهريّة و الكيفيّة في شيء واحد ممكن لا
استحالة فيه بناءًا على ما هو الحقّ من التشكيك في الماهيّة.
توضيح ذلك أنّ المقولات و إن كانت متكثّرة ممتازا بعضها من بعض إلاّ أنّها راجعة
إلى حقيقة واحدة ماهويّة، فهي واحدة في عين أنّها كثيرة و كثيرة في عين أنّها واحدة
كحقيقة الوجود؛ و البرهان على ذلك أنّا ننتزع من جميع ما يطلق عليه المقولة كالجوهر
و الكمّ و الكيف و غيرها مفهوما واحدا و هو مفهوم الماهيّة، فإنّ هذا المفهوم ينتزع
من المقولات و يحمل عليها بالذات فيقال الجوهر ماهيّة، الكمّ ماهيّة، الكيف ماهيّة
... و من الممتنع انتزاع مفهوم واحد عن الكثير بما هو كثير غير راجع إلى وحدة مّا
فلابدّ في تلك المقولات من أمر مشترك هو المنتزع عنه لهذا المفهوم الواحد العامّ و
ذلك الأمر المشترك إمّا أن يكون جنسا للمقولات المشهورة أو لازما لما هو جنس لها؛
لأنّ ما بالعرض يجب أن ينتهي إلى ما بالذات دفعا للدور و التسلسل، فيرجع الجوهرو
الكيف و الكم و غيرها إلى مقولة واحدة و تكون المقولات المشهورة أنواعا لذلك الجنس
الواحد لا أجناسا عالية.
ثم إنّه سيأتى في الفصل الخامس من المرحلة الخامسة أنّ الجنس ليس جزءًا للنوع بل هو
عين النوع فبناءًا على ذلك أنّ الجنس المشترك بين الجوهر و الكيف و الكم و غيرها
ليس جزءًا لها بل هو عين كلّ منها، فإذن ثبت أنّ الكيف مثلاً و إن كان مغايرا
للجوهر إلاّ أنّه عين الجوهر لرجوعهما إلى حقيقة واحدة هي عين كلّ منهما فيرجع ما
به الامتياز في المقولات المشهورة إلى ما به الاشتراك فيها و هذا هو التشكيك في
الماهية، فإذن ثبت أنّ المقولات و إن كانت متعدّدة متكثّرة إلاّ أنّها راجعة إلى
حقيقة واحدة.
إذا عرفت هذا نقول: كما أنّ كلّ وجود من الوجودات قد انطوى فيه سائر الوجودات كذلك
كلّ ماهية من الماهيّات قد انطوى فيها سائر الماهيّات و ذلك لأنّ الكثرة في الحقائق
المشكّكة راجعة إلى الوحدة، فكلّ مرتبة من مراتبها قد انطوى فيها سائر المراتب،
فكلّ ماهيّة كلّ الماهيّات كما أنّ كلّ وجود كلّ الوجودات، فإذن لا إشكال في كون
الصور العلميّة الّتي هي من الكيفيّات جوهرا أو كمّا أو غيرها من المقولات، نعم كلّ
مرتبة من مراتب الحقائق المشكّكة و إن انطوى فيها سائر المراتب إلاّ أنّ الغلبة و
الظهور في كلّ مرتبة لتلك المرتبة بحيث يكون سائر المراتب واقعا تحت شعاع تلك
المرتبة المفروضة و مستورا بظهورها الغالب، فالصورة العلميّة الحاكية عن الجوهر و
إن كانت جوهرا حقيقة إلاّ أنّ الغلبة و الظهور لحيثيّة كيفيّتها لا لحيثيّة
جوهريّتها كما أنّ الأمر بالعكس في الخارج، و نظير هذا ما يظهر في القيامة من صور
الوحوش في الإنسان، فإنّ الناس يحشر بصور نيّاتهم فيكون بعض الناس خنزيرا أو قردة و
غيرهما، فإنّ ذلك البعض و إن اجتمع فيه الإنسانيّة و الخنزيريّة مثلاً لكن الغلبة و
الظهور لخنزيريّته لا لإنسانيّته كما أنّ الأمر بالعكس في الدنيا، تدبّر و اغتنم.
لأنّ الناعتيّة للغير أثر من آثار الشيء و الأثر يترتّب على الشيء، إذا كان الشيء ذلك الشيء بالحمل الشايع لا بالحمل الأوّليّ.
حاصله: أنّ الصور الموجودة في الذهن كلّيّة من جهة قياسها إلى الخارج و هي جهة
كونها وجودا ذهنيّا، و متشخّصة من جهة عدم قياسها إلى الخارج و هي جهة كونها وجودا
خارجيّا.
فإن قلت: الكلّيّة أثر يحمل على الإنسان المعقول مثلاً و الإنسان المعقول إنسان
بالحمل الأوّليّ لا الشايع و قد قلتم أنّ الآثار مترتّبة على الشيء الذي هو هو
بالحمل الشايع، فكيف يجمع بين القولين.
قلت: الكلّيّة ليست أثر الإنسان بالحمل الأوّليّ؛ لأنّ الإنسان بالحمل الأوّليّ
لايحمل عليه إلاّ ذاته و ذاتيّاته، فما لم ينضمّ إليه قياسه إلى الخارج لا كلّيّ و
لا جزئيّ، فاتّصافه بالكلّيّة يحتاج إلى حيثيّة تقييديّة و هي حيثيّة قياسه إلى
الأفراد الكثيرة، فالكلّيّة أثر الإنسان المعقول إذا انضمّ إليه قياسه إلى الأفراد
الكثيرة.
حاصله: أنّ حيثيّة القياس إلى الخارج ليست وصفا مفارقا للوجود الذهنىّ حتّى يمكن تحقّق الوجود الذهنىّ بدون حيثيّة قياسه إلى الخارج بل هذه الحيثيّة مقوّمة للوجود الذهنىّ، فالصورة الموجودة في النفس ما لم تقس إلى الخارج ليست من الموجودات الذهنيّة بل هي وجود خارجيّ و بناءًا على هذا لكلّ موجود ذهنيّ مصداق يحكي عنه و ذلك المصداق إمّا أن يكون محقّق الوجود؛ أي لا يحتاج إلى فرض الفارض كمفهوم الإنسان حيث يحكى عن مصداق محقّق و إمّا أن يكون مقدّر الوجود كمفهوم العدم حيث يحكى عن مصداق مقدّر فرضيّ.
سيّأتي توضيحه في الفصل العاشر من المرحلة الحادية عشرة.
أي في الفصل الأوّل من المرحلة الحادية عشرة.
إذ لو انطبع المجرّد في محلّ مادّي كالدماغ لتغيّر بتغيّر موضوعه المادّيّ و انقسم بانقسامه، و التغيّر و الانقسام من خواصّ المادّيّات فيكون مادّيا لا مجرّدا و هذا خلاف المفروض.
هي المفاهيم الّتي توجد تارة بوجود خارجىّ، فيترتّب عليها آثارها و توجد تارة بوجود ذهنيّ فلا يترتّب عليها آثارها.
إذ ما لم يسلب ترتّب الأثر عن الوجود العينىّ و الحيثيّات الوجودية كالقوّة و الفعل لم تحلّ الذهن و إن سلب عنها ترتّب الأثر انقلبت عن حقائقها؛ لأنّ ترتّب الأثر عين حقائقها فسلبه سلب لحقائقها.
فإنّ الماهيّات تحلّ الأذهان بأنفسها، فما في الذهن من الماهيّة الإنسانيّة مثلاً عين ما في الخارج منها، فهما متّحدان بحسب حقيقتهما الماهويّة بخلاف الوجود و العدم و مايرجع إليهما فإنّ ما في الذهن منها مغاير بحسب الحقيقة لما في الخارج منها.
الوجوب و الامتناع و الإمكان
و انحصارها في ثلاث
إنّ التعريف ينقسم إلى قسمين حقيقيّ و لفظيّ؛ فالحقيقيّ ما هو محصّل صورة و مفيد
علم ليس في الذهن، و اللفظيّ ما لايفيد إلاّ تعيين مدلول اللفظ من بين المعاني
المعلومة و ذلك مثل اَن نعلم مفهوم الإنسان لكن لانعلم أنّ البشر قد وضع له، فنسأل
أنّ البشر ما هو؟ فيجاب إنّه هو الإنسان.
ثمّ التعريف الحقيقيّ حدّا كان أو رسما ينفسم إلى التعريف بحسب الحقيقة و إلى
التعريف بحسب الاسم، و الأوّل محصّل صورة عُلم وجودها في الخارج، و الثاني محصّل
صورة لم يعلم وجودها فيه، سواء علم عدمه أم لم يعلم.
إذا عرفت هذا نقول: إنّ شرح الاسم قد يطلق ويراد منه التعريف الاسميّ الذي يكون
قسما من التعريف الحقيقيّ و قد يطلق و يراد منه التعريف اللفظيّ الذي يكون قسيما
للتعريف الحقيقيّ و المراد منه هنا هو الثاني دون الأوّل.
لأنّ هذه المفاهيم من المفاهيم العامّة و المفهوم كلّما ازداد عمومه انحلّ عند التحليل إلى مفاهيم أقلّ ممّا انحلّ إليه ما هو أخصّ منه و كلّما انحلّ إلى المفاهيم الأقلّ كان خفائه أقلّ و ظهوره للذهن أكثر.
لأنّ الفرض فعل النفس فهو موجود من الموجودات و كلّ موجود إمّا واجب بالذات أو يستلزمه (و الاّ يلزم الدور أو التسلسل) فيلزم من فرض عدم الواجب وجوده و هذا هو التناقض المحال فنفس فرض عدم الواجب ممتنعة.
أي معني ممكنيّة الشيء عبارة عن عدم كونه ضروريّ الوجود و العدم لا كونه لاضروري الوجود و العدم و إذا كان كذلك فلا معنى لاتّصاف الممكن بالإمكان لأنّ كون الإمكان وصفا ناعتا للغير فرع وجوده، مع أنّ المفروض أنّه سلب تحصيليّ و لا وجود للسلب بما هو سلب.
إنّ السالبة المحصّلة أعمّ من الموجبة المعدولة المحمول، لصدق السلب عند عدم الموضوع دون الإيجاب؛ فإنّ الإيجاب لايصحّ إلاّ على موجود، أمّا إذا كان الموضوع موجودا فالموجبة المعدولة و السالبة المحصّلة متساويتان، لأنّ الموجود إذا سلب عنه الباء مثلاً ثبت له اللاباء و إلاّ لزم سلب الباء و اللاباء عنه و هو ارتفاع النقيضين و كذا أنّ الموجود إذا ثبت له اللاباء سلب عنه الباء و الاّ لزم صدق الباء و اللاباء عليه و هو اجتماع النقيضين، فإذن كلّ سلب تحصيليّ يرجع إلى الإيجاب العدوليّ عند وجود الموضوع و بالعكس.
أمّا وجود الموضوع في قولنا: «ليس بعض الموجود ضروريّ الوجود و لا العدم» فواضح؛
لأنّ الموضوع عبارة عن «بعض الموجود» فوجود الموضوع مفروض، و أمّا وجود الموضوع في
قولنا: «ليست الماهيّة من حيث هي ضروريّة الوجود و لا العدم» فيحتاج إلى توضيح
أمرين:
الأوّل انّ القضيّة أمّا خارجيّة و إمّا حقيقيّة؛ و الخارجيّة ما حكم فيها على ما
هو الموجود في الخارج من أفراد الموضوع؛ و الحقيقيّة ما حكم فيها على طبيعة الشيء و
ماهيّته و ان لم تكن الطبيعة موجودة في الخارج؛ أي الطبيعة في أيّ وعاء تقرّرت حكم
عليها بما يليقها، كقولنا: «الأربعة زوج»، فانّ طبيعة الأربعة في أيّ وعاء تقرّرت
حكم عليها بالزّوجيّة، سواء كان ذلك الوعاء الخارج أو الذهن.
الثاني إنّ السالبة المحصّلة من القضيّة الحقيقيّة تساوي الموجبة المعدولة دائما؛
لأنّ شرط رجوع السلب التحصيليّ إلى الإيجاب العدوليّ وجود الموضوع ـ كما تقدّم ـ و
هذا الشرط دائم التحقّق في السالبة الحقيقيّة؛ إذ السالبة كالموجبة لابدّ فيها من
تصوّر الموضوع، فالموضوع في السالبة الحقيقيّة ـ و هي الطبيعة ـ موجود بوجود ذهنيّ
و ليس شرط تحقّق الموضوع في القضيّة الحقيقيّة تحقّقه بالوجود الخارجيّ بل يكفيه
الوجود الذهنيّ، إذ المحمول فيها يحمل على نفس الطّبيعة لا الطّبيعة المقيّدة
بالوجود الخارجيّ، فالطبيعة في أيّ وعاء تقرّرت حكم عليها بما يليقها و من المعلوم
أنّ الطبيعة توجد بالوجود الذهنيّ في الذهن، فيتحقّق شرط رجوع السلب التحصيليّ إلى
الإيجاب العدوليّ.
إذا عرفت هذين نقول: قولنا «ليست الماهيّة من حيث هي ضروريّة الوجود و لا العدم»،
قضيّة حقيقيّة سالبة حيث إنّ الحكم فيها لنفس ماهية الأشياء، فإذن هذه القضيّة و إن
كانت سالبة إلاّ أنّ الموضوع موجود فيها بالتصوّر الذهنيّ، فيصحّ رجوعها إلى
الإيجاب العدوليّ.
إنّ الإمكان ليس سلبا لكلّ شيء بل هو سلب لضرورة الوجود و العدم، فبين هذا السلب و الضرورة نسبة لاتوجد بينه و بين غير الضرورة و كذا ليس هذا السلب سلب ضرورة الوجود و العدم عن كلّ شيء بل هو سلب الضرورة عن الماهيّة فقط، فبين هذا السلب و الماهية نسبة لاتوجد بينه و بين غير الماهيّة، فإذن قد ثبت أنّ لهذا السلب نسبة إلى الضرورة و إلى موضوعه المسلوب عنه الضرورتان، و تحقّق النسبة يستدعي تحقّق طرفيها، فتحقّق النسبة بين هذا السلب و الضرورة و كذا بينه و بين موضوعه يستدعي تحقّق هذا السلب الذي هو طرف النسبة، فيكون لهذا السلب حظّ من الوجود، لكن ليعلم أنّ حظّه من الوجود مسانخ لوجود النسبة و حيث إنّ أحد طرفي النسبة الماهيّة و هي موجودة بالوجود الاعتباريّ كانت النسبة هنا موجودة بالوجود الاعتباريّ و كذا هذا السلب فالإمكان موجود بالوجود الاعتباريّ.
إذ لو كان الوجود في حريم ذاته كان ضروريّ الوجود لانّ ذات الشيء و ذاتيّاته ضروريّة له فليس ممكنا، و لو كان العدم في حريم ذاته كان ضروريّ العدم لما تقدّم فليس ممكنا أيضا.
قد يقال: الماهية من حيث هي و يراد بها الماهية بشرط لا، كقولنا: «الماهيّة من حيث هي ليست إلاّ هي»؛ و قد يقال و يراد بها الماهيّة لا بشرط، كقولنا: «الماهيّة من حيث هي اعتباريّة» و المراد هنا منها الثاني لا الأوّل، لوضوح أنّ الماهيّة من حيث هي بالمعنى الأوّل ليست إلاّ هي، فليست موضوعا للإمكان و لا لغير الإمكان.
لأنّ الوجود بالنسبة إلى نفسه ضروريّ، لضرورة ثبوت الشيء لنفسه، فالإمكان بمعنى سلب ضرورة الوجود و العدم غير معقول بالنسبة إلى الوجود.
توضيحه: أنّ الإمكان لو لم يكن لازما للماهيّة لجاز خلوّ الماهيّة عن الإمكان و لو كانت الماهيّة خالية عن الإمكان لكانت إمّا واجبة بالذات أو ممتنعة بالذات، لكن كلا شِقَّيْه باطلان؛ إذ لو كانت واجبة بالذات كانت موجودة في مرتبة ذاتها؛ لأنّ واجب الوجود عين الوجود لكن هذا التالي باطل فكذا المقدّم؛ أمّا بطلان التالي فلأنّ الوجود زائد على الماهيّات، فلاتكون الماهيّات موجودة في مرتبة ذواتها، و لو كانت ممتنعة بالذات كانت معدومة في مرتبة ذاتها؛ لأنّ الممتنع بالذات عين العدم (و الاّ كان ممتنعا بالعدم الزائد فلا يكون ممتنعا بذاته بل بعرض غيره و هذا خلف) لكن هذا التالي باطل أيضا فكذا المقدّم، أمّا بطلان التالي فلأنّ العدم كالوجود زائد على الماهيّات فليست في مرتبة ذاتها إلاّ ذاتها فلا تكون الماهيّات في تلك المرتبة معدومة فإذا بطل كون الماهيّة واجبة بالذات و كونها ممتنعة بالذات ثبت أنّ الماهيّة ممكنة بالذات لامتناع خلوّ الشي عن الموادّ الثلاثة و هذا هو المطلوب.
هذا دفع لما يتوهّم و توضيحه أنّه قد ثبت أنّ الإمكان لازم للماهيّة من حيث هي
فملزوم الإمكان هو الماهيّة من حيث هي و الملزوم علّة للازمه، فتكون الماهيّة من
حيث هي، علّة للإمكان مع أنّ الماهيّة من حيث هي ليست إلاّ هي، فليست علّة لشيء
فكيف يجمع بين هذين الكلامين و المصنّف رحمهالله دفع هذا التوهّم بأنّ اللزوم
المراد هنا ليس بمعنى العلّيّة الّتي هي معناه المصطلح، بل المراد من اللزوم كفاية
الماهيّة من حيث هي في اتّصافها بالإمكان من دون حاجة إلى أمر زائد، فإذن ليست
الماهيّة من حيث هي علّة للإمكان حتّى يقال: كيف يجمع بين علّيّتها و كونها من حيث
هي ليست إلاّ هي.
أقول: المحذور و إن كان مندفعا بهذا البيان إلاّ أنّه يلزم من جهة أخرى و ذلك لأنّ
الماهيّة من حيث هي كما أنّها ليست علّة للإمكان كذلك ليست كافية للاتّصاف
بالإمكان؛ إذ الكفاية أمر خارج عن ذات الماهيّة من حيث هي و الماهيّة من حيث هي
ليست إلاّ هي فكيف يجمع بين كفايتها و كونها من حيث هي ليست إلاّ هى، فإذن المحذور
آتٍ من ناحية الكفاية أيضا، فالحقّ في الجواب أن يقال: إنّ التوهّم ينشأ من الخلط
بين الماهيّة من حيث هي بمعنى الماهيّة بشرط لا و الماهيّة من حيث هي بمعني الماهية
لا بشرط؛ فإنّا إذا قلنا الماهيّة من حيث هي علّة للإمكان أو أنّها كافية في
اتّصافها بالإمكان، كان المراد منها الماهيّة لا بشرط، لا الماهيّة بشرط لا و من
المعلوم أنّ العلّيّة أو الكفاية لا تنافي الماهيّة لا بشرط فلا محذور في البين.
توضيح الإشكال: إنّا إذا قلنا مثلاً «الإنسان من حيث هي، ممكن» كان معناه أنّ
الإمكان داخل في مرتبة ذات الإنسان؛ لأنّ المفروض أنّ الموضوع ماهيّة الإنسان من
حيث هي و ما يحمل على الماهيّة من حيث هي ليس إلاّ ذاتها أو ذاتيّاتها، فيلزم أن
يكون الإمكان إذا حمل على الإنسان من حيث هي، ذاتيّا داخلاً في مرتبة ذاته و هذا
واضح الفساد.
توضيح الجواب: أنّ ما يحمل على الماهيّة من حيث هي إنّما يكون ذاتيّا داخلاً في
مرتبة ذات الماهيّة إذا كان الحمل حملاً أوّليّا و حمل الإمكان على الماهيّة ليس
حملاً أوّليّا؛ لأنّ ملاك الحمل الأوّليّ الاتّحاد المفهوميّ و ليس الإمكان متّحد
المعنى مع الإنسان مثلاً، فلا يكون حمله على الإنسان أوّليّا فلا يلزم الإشكال.
أقول: حمل الإمكان على الماهيّة من حيث هي و إن لم يكن حملاً أوّليّا في الواقع،
لكن إذا جعلنا الموضوع الماهيّة من حيث هي بمعنى الماهيّة بشرط لا، وجب علينا أن
نلتزم بأنّ الإمكان ذاتيّ داخل في مرتبة ذات الماهيّة و أنّ حمله عليها حمل أوّلي؛
لأنّ الماهيّة من حيث هي، لا يحمل عليها إلاّ ذاتها أو ذاتيّاتها؛ و من المعلوم أنّ
حمل الذات أو الذاتيّات على الماهيّة حمل أوّليّ لا شايع، فإذن الحق في الجواب أن
يقال: إنّ الموضوع في قولنا: «الماهيّة من حيث هي، ممكنة» ليس الماهيّة من حيث هي
بمعنى الماهيّة بشرط لا، بل الموضوع الماهيّة من حيث هي بمعنى الماهيّة لا بشرط و
من المعلوم أنّ حمل الإمكان على الماهيّة لا بشرط حمل الّلازم الخارج على الملزوم،
لا حمل الذاتيّ الداخل على الذات، فلايلزم الإشكال.
توضيحه: إنّ الإمكان و الوجوب قسيمان؛ لأنّ الموجود ينقسم إلى الواجب و الممكن، و القسيمان متقابلان فلا يجتمعان و من الضروريّ أنّ ضرورة وجود الواجب في الخارج؛ لأنّ وجوب وجوده عين ذاته، فيلزم أن يكون سلب الضرورة الذي هو الإمكان في الخارج أيضا؛ إذ لو لم يكن في الخارج بل في وعاء آخر لم يكن الإمكان مقابلاً للوجوب، لجواز أن يكون الشيء بحسب وعاءٍ ضروريّ الوجود و بحسب وعاءٍ آخر غير ضروريّ الوجود فيمكن اجتماع الوجوب و الإمكان في شيء واحد، فلا يكونان متقابلين، فلا يكونان قسيمين و هذا خلف، فإذن قد ثبت أنّ الإمكان كالوجوب في الخارج و هو المطلوب.
أي إذ جعل في التقسيم.
أمّا أنّه لا صورة له في خارج، فلأنّ الإمكان من السلوب و أمّا أنّه لا صورة له في ذهن، فلمّا تقدّم في آخر المرحلة الثالثة من أنّ العدم و ما كان حيثيّة ذاته المفروضة العدم لا صورة صحيحة له في الأذهان.
أي الإمكان موجود بوجود الماهيّات في أنفسها لابوجودها لغيرها، فإنّ إمكان السواد مثلاً موجود بوجود السواد في نفسه لا بوجوده لموضوعه، إذ وجوده لموضوعه وجود ناعت، و الوجود الناعت لا ماهيّة له و ما لا ماهيّة له لا إمكان له، فليس لوجود الماهيّات لغيرها امكان حتّى يكون ثابتا بثوتها.
إذ المفروض أنّ للإمكان وجودا منحازا مغايرا لوجود الماهيّة في نفسها فبحكم مغايرة وجوديهما كان لوجود الإمكان علّة مستقلّة عن علّة وجود الماهيّة، سواء كانت علّة وجوده نفس الماهيّة أو غيرها، فيكون الإمكان موجودا بالغير لكن سيّأتي أنّ كون الإمكان موجودا بالغير باطل.
توضيحه: أنّ الإنسان مثلاً لو لم يكن ممكنا في الخارج لكان إمّا واجبا فيه أو ممتنعا لكنّ التالي بكلا شَقَّيْه باطل بالضرورة فكذا المقدّم، فإذن ثبت أنّ الإنسان ممكن في الخارج و إذا ثبت أنّه ممكن في الخارج ثبت أنّ إمكانه موجود في الخارج؛ لأنّ معنى أنّ الإنسان ممكن في الخارج ثبوت الإمكان له في الخارج، و ثبوت الإمكان للإنسان في الخارج فرع ثبوته في نفسه في الخارج، إذ ثبوت شيء لغيره في أيّ وعاء فرع ثبوته في نفسه في ذلك الوعاء، فإذن قد ثبت أنّ الإمكان موجود في الخارج.
العوارض على ثلاثة أقسام: لأنّ العارض إمّا أن يكون له في الخارج ما يحاذيه
كالسواد، و إمّا أن لايكون له في الخارج ما يحازيه كالكلّيّة و الإمكان، و الثاني
إمّا أن يكون له في الخارج ما يتّصف به كالإمكان و إمّا أن لا يكون له في الخارج
مايصف به كالكلّيّة، فهذه ثلاثة أقسام: فالقسم الأوّل منها
من جملة المعقولات الأولى و هو ما يكون عروضه و الاتّصاف به في الخارج و إنّما قلنا
من جملة المعقولات الأولى؛ لأنّ المعقولات الأولى لا تنحصر فيه إذ كلّ مفهوم يمكن
أن يوجد في الخارج بوجود منحاز مستقلّ هو من المعقولات الأولى، سواء كان من العوارض
كالسواد أم لا كالإنسان، و الثاني هو المعقول الثاني باصطلاح الفلسفيّ بالوجه
الخاصّ و هو ما يكون عروضه في الذهن و الاتّصاف به في الخارج كالإمكان، و الثالث هو
المعقول الثاني باصطلاح المنطقيّ و هو ما يكون عروضه و الاتّصاف به في الذهن
كالكلّيّة؛ و قد يطلق المعقول الثاني عند الفلاسفة على ما هو أعمّ من المعقول
الثاني المنطقيّ و الفلسفيّ بالوجه الخاصّ و هو ما يكون عروضه في الذهن سواء كان
الاتّصاف به في الذهن أيضا كالكلّيّة أم في الخارج كالإمكان.
ثمّ إنّ معيار كون الاتّصاف في الخارج أن يكون وجود الصفة ناعتا في الخارج، فيكون
الصفة بوجودها الناعت موجودة لموصوفها في الخارج؛ كما أنّ معيار كون الاتّصاف في
الذهن أن يكون وجودها الناعت في الذهن، فيكون الصفة موجودة لموصوفها في الذهن؛ و
معيار كون العروض في الخارج أن يكون الوجود المحموليّ للعارض في الخارج؛ كما أنّ
معيار كون العروض في الذهن أن يكون الوجود المحموليّ له في الذهن.
فإنّ الوجود إنّما يكون شرطا فيما يكون زائدا على الموضوع، كما في الضرورة الذاتيّة مثلاً، فإنّ الوجود زائد على الإنسان مثلاً فإذا قلنا: الإنسان حيوان بالضرورة، وجب في تحقّق هذه الضرورة شرط الوجود، إذ عند فقدان الوجود لا ماهيّة هناك حتّى تكون الحيوانيّة ضروريّة لها، أمّا إذا كان الوجود عين الموضوع فلا معنى لهذا الشرط، إذ لا يعقل كون الشيء شرطا لنفسه و هذا كما في حمل الصّفات الذاتيّة الواجبيّة عليه، فإذا قلنا: إنّ الواجب قادر بالضرورة كانت هذه الضرورة أزليّة، إذ المحمول ثابت للموضوع من دون أيّ شرط حتّى الوجود؛ لأنّ الواجب عين الوجود و لا معنى لكون الوجود شرطا لنفسه.
أي ليست علّة ضرورة ثبوت المحمول للموضوع مركّبة من ماهية الموضوع و حيثيّة وجودها، بل العلّة عبارة عن نفس الماهيّة لكن في حال وجودها على سبيل الظرفيّة البحتة، إذ لو لا الوجود لم يكن هناك ماهيّة حتّى تكون علّة بنفسها لمحمولها الضروريّ، و هذا في الواقع رجوع عمّا التزم به المصنّف في الفرع الأوّل من الفصل الثاني من المرحلة الأولى من أنّ كلّ ما يحمل على حيثيّة الماهيّة فانّما هو بالوجود.
أي إذا كان الجانب الموافق ضروريّا، بقرينة مقابله و هو قوله: «أو مسلوب الضرورة»؛ إذ لو بقيت العبارة على ظاهرها لاختلّ المعنى، لأنّ الجانب الموافق في قولنا: «ليس الكاتب بساكن الأصابع بالإمكان» هو السلب و سلب سكونة الأصابع إذا كان ممتنعا للكاتب كان معناه وجوب وجود سكونة الأصابع للكاتب لأنّ امتناع السلب عين وجوب الوجود، لكن وجوب وجود سكونة الأصابع للكاتب بديهيّ البطلان، فإذن هذا التعبير مسامحيّ و وجه المسامحة أنّ القضيّة لمّا كانت سالبة و كان السلب فيها ضروريّا جمع المصنّف رحمهالله بين سلب القضيّة و ضرورة سلبها، فعبّر بالامتناع لانّ ضرورة السلب هو الامتناع.
توضيحه: إنّ للأخصّ إذا قيس إلى الأعمّ حالتين: الأولى أن يكون بينهما جامع
مفهوميّ و ذلك بأن يكون الأعمّ مأخوذا في معنى الأخصّ المطابقيّ، فالأخصّ هو
المفهوم الأعمّ بانضمام قيد خاصّ كالحيوان و الإنسان، فإنّ الأخصّ في هذا المثال هو
الحيوان مع قيد الناطقيّة و كالرامي و الرامي الحجارة.
و إنّما مثلّنا مثالين، إذ لا فرق بين أن يكون الجامع ذاتيّا داخلاً في ماهيّة
أفراده كالمثال الأوّل و أن يكون الجامع عرضيّا خارجا عنها كالمثال الثاني، و
الثانية أن لا يكون بينهما جامع مفهوميّ و ذلك بأن لايوءخذ الأعمّ في معنى الأخصّ
المطابقيّ كالحيوان و الناطق فإنّ الناطق و إن كان أخصّ من الحيوان لكن الحيوان لا
يؤخذ فى معنى الناطق بل هو خارج عن معناه المطابقيّ، و الإمكان العامّ بالنسبة إلى
كلّ من الوجوب و الامتناع من القبيل الثاني، أي ليس بين الإمكان العامّ و كلّ منهما
جامع مفهومىّ.
أمّا بالنسبة إلى الوجوب، فلأنّ الإمكان العامّ الإيجابيّ و إن كان أعمّ موردا من
الوجوب حيث أنّ كلّ ما هو مورد للوجوب كان موردا للإمكان العامّ الإيجابيّ أيضا، إذ
يصدق على واجب الوجود أنّ العدم غير ضروريّ له من دون عكس، لكن مع ذلك لا جامع
مفهوميّا بينه و بين الوجوب؛ لأنّ الإمكان العامّ الإيجابيّ عبارة عن لا ضرورة
العدم و من الواضح أنّ معنى الوجوب المطابقيّ ليس عبارة عن هذا المعنى مع قيد خاصّ
بل معناه المطابقيّ ضرورة الوجود، نعم الإمكان العامّ الإيجابيّ و الوجوب مشتركان
في لاضرورة العدم لكن لاضرورة العدم بالنسبة إلى الإمكان العامّ نفس معناه
المطابقيّ و بالنسبة إلى الوجوب لازمه الخارج عن معناه المطابقيّ؛ لأنّ لاضرورة
العدم لازم خارج بالنسبة إلى ضرورة الوجود، فليس هذا المعنى المشترك موءخوذا في
معنى الوجوب حتّى يكون هو الجامع بين الوجوب و الإمكان العامّ.
و أمّا بالنسبة إلى الامتناع فلأنّ الإمكان العامّ السالب و إن كان أعمّ موردا من
الامتناع حيث أنّ كلّ ما هو مورد للامتناع كان موردا للإمكان العامّ السالب أيضا،
إذ يصدق على الممتنع أنّ الوجود غير ضروريّ له من دون عكس، لكن مع ذلك لا جامع
مفهوميّا بينه و بين الامتناع؛ لأنّ الإمكان العامّ السالب عبارة عن لاضرورة الوجود
و من الواضح أنّ معنى الامتناع المطابقيّ ليس عبارة عن هذا المعنى مع قيد خاصّ بل
معناه المطابقيّ ضرورة العدم؛ نعم الإمكان العامّ السالب و الامتناع مشتركان في
لاضرورة الوجود، لكن لاضرورة الوجود بالنسبة إلى الإمكان العامّ السالب نفس معناه
المطابقيّ و بالنسبة إلى الامتناع لازمه الخارج عن معناه المطابقيّ؛ لأنّ لاضرورة
الوجود لازم خارج بالنسبة إلى ضرورة العدم فليس هذا المعنى المشترك موءخوذا في معنى
الامتناع حتّى يكون هو الجامع بين الامتناع و الإمكان العامّ.
أمّا كونه خاصّا فلأنّه أخصّ من الإمكان العامّ إذ كلّ ما سلب عنه ضرورة الجانبين سلب عنه ضرورة أحد الجانبين و هو الجانب المخالف و ليس كلّ ما سلب عنه ضرورة أحد الجانبين سلب عنه ضرورة الجانبين و أمّا كونه خاصّيّا، فلأنّه اصطلاح عند قوم خاصّ.
إذ كلّ ما سلب عنه الضرورة الذاتيّة و الوصفيّة و الوقتيّة (و هو الممكن الأخصّ) سلب عنه الضرورة الذاتيّة و ليس كلّ ما سلب عنه الضرورة الذاتيّة (و هو الممكن الخاصّ) سلب عنه الضرورات الثلاثة.
هي ضرورة تحصل من ناحية اتّصاف الموضوع بالمحمول،فإنّ ثبوت المحمول للموضوع مادام اتّصاف الموضوع، به ضروريّ إذ لو لم يكن ضروريّا له لجاز سلبه عن الموضوع في ظرف كونه متّصفا بالمحمول و هذا هو اجتماع للنقيضين.
فإنّ الشيء بحسب ظرفه إمّا موجود فله ضرورة الوجود؛ لأنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد؛ و إمّا معدوم فله ضرورة العدم؛ لأنّ الشيء ما لم يمتنع لم يعدم.
أمّا عدم مفارقة الإمكان عن الماهيّة في حال الوجود فواضح؛ و أمّا عدم مفارقته حال العدم فمعناه أنّ الماهيّة لو أمكن تقرّرها في وعاء مجرّدة عن كافّة الوجودات لكانت ممكنة؛ إذ تحقّق في ذلك الوعاء مناط الإمكان و هو الماهيّة من حيث هي.
الإمكان الوقوعيّ أخصّ من الإمكان الذاتيّ؛ إذ كلّ ممكن بالإمكان الوقوعيّ يجوز وقوعه فلا محالة يكون ممكنا بالذات لكن ليس كلّ ممكن بالذات ممكنا بالإمكان الوقوعيّ؛ لأنّ مايلزم من فرض وقوعه المحال الذاتيّ ليس ممكنا بالإمكان الوقوعيّ لكنّه ممكن بالإمكان الذاتيّ؛ إذ سيأتي في الفصل الثامن أنّ ما يستلزم الممتنع بالذات ممتنع بالغير و الممتنع بالغير ممكن بالذات.
فإنّ وجود المعلول عين الفقر إلى العلّة لا أنّ الفقر عارض على المعلول، إذ لو
لم يكن كذلك لكان المعلول موجودا قبل تعلّقه بعلّته و هو باطل بالضرورة، فالمعلول
في مرتبة ذاته فقير إلى العلّة و هذا الفقر الذاتيّ في المعلول يسمّى الإمكان
الفقريّ.
الفرق بين ما بالغير و ما بالقياس إلى الغير هو أنّ الأوّل حال الشيء في نفسه مع قطع النظر عن اعتبار الغير و إن كان من جهة إعطاء الغير و الثاني حال الشيء باعتبار قياسه إلى الغير فالأوّل مفهوم نفسيّ و الثاني مفهوم نسبيّ.
فإنّ المستدعي للغير إمّا أن يكون مقتضيا له أو لا يكون مقتضيا له فالأوّل كالعلّة التامّة، فإنّ العلّة التامّة إذا كانت موجودة استدعت وجود معلولها، فالمعلول واجب الوجود بالقياس إلى علّته التامّة لكن استدعاء العلّة للمعلول ليس استدعاء فحسب بل هو مع الاقتضاء بالنسبة إلى المعلول، و الثاني كالمعلول فإنّ المعلول إذا كان موجودا استدعى وجود علّته، فالعلّة واجبة الوجود بالقياس إلى معلولها، لكن استدعاء المعلول للعلّة استدعاء فحسب من دون اقتضاء له بالنسبة إلى العلّة و إلاّ لزم الدور.
إنّ الواجب في اتّصافه بالوجود لا يحتاج إلى الواسطة في الثبوت بخلاف الوجودات الممكنة حيث إنّها محتاجة إلى الواسطة في الثبوت و هي عللها، و لا إلى الواسطة في العروض بخلاف الماهيّات الممكنة حيث إنّها محتاجة إلى الواسطة في العروض و هي وجوداتها، و قولهم «لذاته بذاته» إشارة إلى نفي هاتين الواسطتين.
توضيحه: أنّ كون الشيء واجبا بالذات معناه أنّ الذات بنفسها تقتضي ضرورة الوجود
و لا دخل للغير وجودا و عدما في تحقّق هذه الضرورة.
إذا تذكّرت هذا نقول: لو لحق بالواجب بالذات إمكان بالغير لارتفعت الضرورة عنه فكان
هناك ذات الواجب بدون ضرورتها و لازم هذا أنّ لعدم الغير دخلاً في تحقّق الضرورة
للواجب بالذات، فالذات بنفسها لا تقتضي الضرورة فهذا انقلاب في الذات و هو محال،
لانّه ينجرّ إلى التناقض؛ لأنّ الذات بعد لحوق الإمكان عين الذات قبل اللحوق فبحكم
العينيّة يجب أن تكون الذات بعد لحوق الإمكان مقتضية بنفسها للضرورة مع أنّه قد ثبت
أنّ لازم لحوق الإمكان عدم اقتضائها بنفسها للضرورة، ثم الأمر في الممتنع بالذات
نظير الأمر في الواجب بالذات.
بخلاف ما كان هناك حيثيّتان، فإنّه جايز، فإنّ الإنسان ممكن الوجود و ممكن العلم معا.
بخلاف ما كان بالنسبة إلى وجودين، فإنّ للإنسان إمكانا بالنسبة إلى وجود زيد و إمكانا بالنسبة إلى وجود عمرو، فهذا القيد لدفع التعدد الشخصيّ و الذي قبله لدفع التعدّد النوعيّ.
إذ الإمكان معنى نسبيّ يوجد بين الماهيّة و الوجود و لا يمكن تعدّد المعنى النسبيّ إلاّ بتعدّد أحد طرفيه و هو منتف بالفرض.
إن قلت: ما ذكرتم في الإمكان بالغير نذكره في الإمكان: فإنّ الماهيّة لا تفيد
الإمكان الذي هو لاضرورة الوجود والعدم إلاّ برفع العلّة الموجبة للعدم الّتي هي
عدم العلّة الموجبة للوجود، فإفادتها الإمكان لا تتمّ إلاّ برفع وجود العلة الموجبة
للوجود و عدمها معا و فيه ارتفاع النقيضين.
قلت: إنّ العلّتين اللتين يجب رفعها لتحقّق الإمكان الذاتيّ إمّا أن تكونا مرفوعتين
عن خارج الماهيّة أو تكونا مرفوعتين عن داخل الماهيّة؛ و الأوّل باطل و إلاّ لم تكن
الماهيّة بنفسها كافية في اتّصافها بالإمكان الذاتيّ بل احتاجت فيه إلى عدم أمرين
خارجين عن الذات، فالمقتضي للإمكان الذاتي مركب من الذات و العدمين الخارجين عن
الذات و هذا خلف، و الثاني لم يكن ارتفاعا للنقيضين، لأنّ هذا ارتفاع عن مرتبة
الذات و ارتفاع وجود شيء و عدمه عن مرتبة الذات ليس ارتفاعا للنقيضين ، كما سيّأتي
في الفصل الأوّل من
.
التلازم بين المتضائفين ليس قسما على حدة كما توهّمه بعض، لانّ المتضائفين إمّا أن يكونا معلولي علة واحدة أو يكون أحدهما علّة للآخر أو يكون لكلّ منهما علّة مستقلّة، فإن كانا من القسم الأوّل أو الثاني كان التلازم بينهما داخلاً فيما كان الضابط فيه رابطة العلّيّة، فليس قسما على حدة؛ و إن كانا من القسم الثالث لزم الخلف، إذ لو كان لكلّ منهما علّة مستقلّة على حدة لجاز أن يوجد إحدى العلّتين بدون الأخرى، فيتحقّق أحد المتضائفين بدون الآخر و هذا يوجب نفي التلازم بينهما و قد فرض أنّهما متلازمان، هذا خلف.
فإنّ المعلول إذا كان معدوما استدعى عدم علّتها، فوجود العلة حينئذٍ ممتنع باستدعاء عدم المعلول عدمَ العلّة.
فيه أنّه ينتقض بوجود العلّة التامّة إذا قيس إلى عدم المعلول، فإنّه لا يكون بينهما علّيّة و معلوليّة و لا معلوليّتهما لواحد ثالث مع أنّ بينهما الإمتناع بالقياس لا الإمكان بالقياس، و كذا ينتقض بوجود المعلول إذا قيس إلى عدم العلّة، فالأصحّ أن يقال: إنّ الضابط أن لا يكون بين المقيس وجودا و عدما و المقيس إليه علّيّة و معلوليّة و لا يكون المقيس وجودا و عدما و المقيس إليه معلولين لعلّة واحدة.
فيه نظر و وجهه: أنّ العلّيّة في الضابط هي العلّيّة التامّة لا الناقصة لتحقّق الإمكان بالقياس بين الممكن المعدوم و علّته الناقصة ـ كما سيأتي في المتن ـ فإذا كان الضابط انتفاء العلّيّة التامّة و انتفاء كون المقيس و المقيس إليه معلولين لعلّة واحدة جاز فرض الإمكان بالقياس بين موجود و علّته الناقصة الموجودة، لأنّ الضابط متحقّق فيه و لأنّ العلة الناقصة لا يستدعي وجوده و لا عدمه، فإذا كانت العلّة الناقصة موجودة فالمعلول الموجود ممكن بالقياس إليها.
هذا إذا قلنا أنّ فرض الثاني للواجب ممكن، أمّا إن قلنا أنّ فرض الثاني للواجب محال (لأنّ الواجب صرف الوجود و لا يمكن فرض الثاني للصرف) لم يكن هناك واجب آخر حتّى يكون النسبة بينهما الإمكان بالقياس.
أمّا أنّ الواجب ممكن بالقياس إليه فلانّ الممكن المعدوم لا يستدعي وجود الواجب و هو ظاهر و كذا لا يستدعي عدم الواجب لأنّ معدوميّته مستندة إلى معدوميّة علّته التامّة و العلّة التامّة معدومة بانعدام بعض أجزائها و لا معيّن أن يكون ذلك الجزء الواجبَ، و أمّا أنّ ذلك الممكن ممكن بالقياس إلى الواجب، فلأنّ الواجب لا يستدعي وجوده، إذ المفروض أنّ الواجب علّة ناقصة له و العلّة الناقصة لا تستدعي وجود معلولها و كذا لا تستدعي عدمه، لأنّ الواجب من أجزاء علّة وجوده و أجزاء علّة وجود الشيء لا تستدعي عدم ذلك الشيء.
لأنّ وجوبه الغيريّ إمّا أن يكون عين وجوبه الذاتيّ أو يكون مغايرا له؛ فإن كان الأوّل فإمّا أن يكون الواجب بالذات بحيث لو فرضنا ارتفاع العلّة الخارجة بقي على ما كان عليه من الوجوب، فلا تأثير للغير في الوجوب لاستواء وجوده و عدمه و قد فرض مؤثّرا هذا خلف، و إن لم يبق على وجوبه لم يكن الواجب بالذات واجبا بذاته و قد فرض كونه كذلك و هذا خلف أيضا، و إن كان الثاني لزم أن يكون لشيء واحد و من حيثيّة واحدة وجوبان و هو واضح الفساد كتحقّق وجودين لشيء واحد كم تقدّم في بحث الإمكان الغيريّ.
إذ لو كان الواجب بالذات ممتنعا بالغير لكان له ضرورة الوجود و ضرورة العدم معا و هو باطل بالضرورة.
لأنّ امتناعه الغيريّ إمّا أن يكون عين امتناعه الذاتيّ أو لا يكون؛ فإن كان
الأوّل فلو فرضنا ارتفاع الغير فان كان باقيا على امتناعه فلا تأثير للغير و قد فرض
كونه كذلك و هذا خلف أيضا، و إن كان الثاني لزم أن يكون لشيء واحد و من حيثيّة
واحدة امتناعان و هو واضح الفساد كتحقّق العدمين لشيء واحد.
الواجب بالذات هو الموجود بالذات و للذات؛ و المراد بأحد القيدين نفي الواسطة في العروض و بالاخر نفي الواسطة في الثبوت، فالواجب مستحقّ لحمل الموجود عليه بلا واسطة في العروض بخلاف الماهيّات الإمكانيّة فإنّها ما لم تلاحظ معها جهة أخرى غير ذاتها من انضمام الوجود إليها لم يحمل الموجود عليها، و بلا واسطة في الثبوت بخلاف الوجودات الإمكانيّة؛ إذ ما لم يوجد وجود علّتها لا تكون موجودة، و نوع البراهين المثبتة للواجب يثبت عدم احتياج الواجب إلى الواسطة في الثبوت، و هذا البحث في هذا الفصل يثبت عدم احتياجه إلى الواسطة في العروض، إذ ليس في الواجب حيثيّة وجود و حيثيّة ماهيّة حتّى يكون عروض الوجود بوجوده بالذات و لماهيّته بالعرض.
لا بمعنى أنّ له ماهيّة هي بذاتها من دون اعتبار انتسابها إلى الجاعل منشأ لانتزاع الوجود، بخلاف الممكن حيث أنّ له ماهية ينتزع عنها الوجود باعتبار انتسابها إلى الجاعل، و ذلك لأنّ هذا التفسير يرجع إلى نفس الواسطة في الثبوت عن الواجب و قد تقدّم في الحاشية السابقة أنّ المراد في هذا الفصل إثبات نفي الواسطة في العروض عنه، و إنّما قال لا ماهيّة له وراء وجوده الخاصّ لا الوجود المطلق المشترك فيه، لأنّه زائد في الجميع و عند الجميع.
أي بعكس النقيض، ثم يرد على هذا البرهان أنّ العكس لقولنا: «كلّ ماهيّة فهي ممكنة» عبارة عن قولنا: «كلّ ما ليس بممكن ليس ماهيّة» لأنّ موضوع الأصل «الماهيّة» لا «ما له الماهيّة» فعكسه عبارة عن ما قلناه، لا ما قاله المصنّف رحمهالله و هذا العكس إذا جعل كبرى لقولنا: «الواجب ما ليس بممكن» ينتج أنّ الواجب ليس ماهيّة و من المعلوم أنّ هذا ليس هو المطلوب لأنّ الوجودات الإمكانيّة أيضا كذلك.
العرضيّ و هو الزائد المحمول على الشيء إن كان وجوده مغايرا لوجود معروضه كان
معلّلاً لاحتياجه إلى معروضه و المحتاج معلول فلا محالة له علّة، و كذا إنّ العرضيّ
معلّل إن كان متّحد الوجود مع معروضه و كان معروضه معلّلاً كالتشخّص
بالنسبة إلى وجود الممكن، فإنّ التشخّص عارض على الوجود معنى و متّحد معه
مصداقا و حيث إنّ وجود الممكن معلّل كان تشخّصه معلّلاً أيضا لكن بعرض معلّليّة
معروضه، أمّا إن كان العرضيّ متّحد الوجود مع معروضه و كان معروضه غير محتاج إلى
العلّة كان العرضيّ غير معلّل بعرض لامعلّلية معروضه و هذا كالتشخص بالنسبة إلى
وجود الواجب، فإنّ تشخّصه عارض على وجوده معنى متّحد معه مصداقا و حيث إنّ وجود
الواجب غير معلّل كان تشخّصه غير معلّل بعرض لامعلّلية معروضه.
إذا عرفت هذا نقول: هذا الدليل عليل لأنّ الوجود و الماهيّة مختلفان بحسب المعنى
متّحدان بحسب المصداق لانّ الماهيّة اعتباريّة فلا يحازيها شيء في الخارج إلاّ ما
يحاذي الوجود بالعرض، فإذا كانت الماهيّة متّحدة مع الوجود في الخارج و الوجود هو
الأصيل فحكمها في المعلّليّة و عدمها حكم الوجود، فإن كان الوجود معلّلاً كانت
الماهيّة معلّلة بعرض معلّليّة الوجود، كالوجود و الماهيّة في الممكنات و إن كان
الوجود غير معلّل كانت الماهيّة غير معلّلة بعرض لامعلّليّة الوجود كالوجود و
الماهيّة المفروضة للواجب، فإنّ الواجب لو كان له ماهيّة كانت زائدة على الوجود
عرضيّة له و ليس الأمر بالعكس، لأنّ الوجود هو الأصيل و الماهيّة اعتباريّة، فلو
كان شيء منهما عرضيّا محمولاً على الآخر كان هو الماهيّة لا العكس و حيث أنّ وجود
الواجب غير معلّل كانت الماهيّة غير معلّلة بلامعلّليّة وجوده و إذا لم تكن معلّلة
فالتوالي الفاسدة الآتية من التسلسل او الدور او التقدّم على النفس غير واردة، فلا
يتمّ المطلوب بهذا الدليل.
و أيضا لو كان هذا الدليل تامّا في نفي الماهيّة عن الواجب لجرى مثله في نفي
الواحدة عنه، فينتج أنّ الواجب ليس له الوحدة، تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
بيان ذلك: أنّ الواجب لو كان له الوحدة لكانت وحدته زائدة على وجوده، عرضيّة له،
لأنّ الوحدة كالماهيّة مختلفة المعنى مع الوجود، فهي عرضيّة بحسب معناها كالأمر في
الماهيّة و الوجود، و كلّ عرضيّ معلّل و علّته إمّا وجوده أو أمر خارج عنه و كلا
الشقّين محالان، أمّا استحالة كون الوجود المقدّم يستدعى وحدة سابقة على تلك الوحدة
العارضة، لأنّ الوحدة تساوق الوجود تدور حيثما دار، ففي أيّ مرتبة تحقّق الوجود
فيها تحقّقت الوحدة فيها فإن كانت هذه الوحدة السابقة نفس الوحدة العارضة لزم تقدّم
الشيء على نفسه و إن كانت غيرها نقلنا الكلام فيها فيذهب الأمر إلى غير النهاية
فيتسلسل و هو باطل، و أمّا استحالة كون الخارج سببا لوحدته، فلأنّ هذا يستلزم أن
يكون الواجب ممكنا كما سيأتي بيانه في إثبات قاعدة «واجب الوجود بالذات واجب الوجود
من جميع الجهات».
أي كما أنّ الضرورة قائمة على أنّ المعلول محتاج إلى العلّة كذلك الضرورة قائمة على أنّ المعلول و العلّة مسانختان في نحو الثبوت، إذ كلّ ما ثبت للمعلول فهو مأخوذ من علّته و إلاّ كان فاقد الشيء معطيا له و هو باطل بالضرورة، فإذن العلّة و المعلول مسانختان في نحو الثبوت و إن كانت العلّة أشدّ، فإن كان وجود المعلول ذهنيّا كان وجود العلّة ذهنيّا و إن كان خارجيّا كان وجود العلّة خارجيّا.
أي الدليل مبنيّ على ما هو الحق من أنّ التشخّص بالوجود لا غير و بناءًا على هذا لو كان للواجب ماهيّة وراء وجوده الخاصّ، كانت ماهيّته غير آبية بذاتها عن الصدق على الأفراد الكثيرة و إذن يجرى الدليل و ينتج المطلوب.
أمّا أنّه لا يحتاج إلى الحيثيّة التعليليّة الّتي هي الواسطة في الثبوت فلأنّ الواجب بالذات لا علّة له و أمّا أنّه لا يحتاج إلى الحيثيّة التقييديّة الّتي هي الواسطة في العروض، فلأنّ ماهيّة الواجب عين وجوده و ليس له ماهيّة وراء وجوده الخاصّ حتّى يكون اتّصاف وجوده بالوجود بالذات و اتّصاف ماهيّته به بالعرض.
لما سيأتي في الفصل اللاحق من أنّ الواجب لو احتاج في كمال من كمالاته إلى الغير لصار ممكنا.
لأنّ الواجب على الفرض هو الكون المشروط بالتجرّد فهو واجب بشرط التجرّد لا بذاته.
أي المغالطة في تلك الوجوه إمّا نشأت من وضع مفهوم الوجود مكان حقيقة الوجود
الّتي هي الحيثيّة الطاردة بالذات للعدم كالوجه الأوّل، فإنّ الوجود في قوله: «و
وجوده يساوي الممكن» هو مفهوم الوجود لا الحيثيّة الطاردة بالذات للعدم و بناءًا
علي هذا صار الوجه الأوّل هكذا: «حقيقة الواجب لا تساوي حقيقة شيء ممّا سواها و
مفهوم وجوده يساوي وجود الممكن» فينتج من الشكل الثاني أنّ حقيقة الواجب ليست مفهوم
الوجود و هذه النتيجة و إن كانت صحيحة إلاّ أنّها ليست مورد البحث هنا، لأنّ القائل
بأنّ ماهيّة الواجب عين وجوده يقول إنّها عين وجوده الخاصّ الذي يطرد به العدم لا
عين مفهوم الوجود، أو نشأت من توهّم أنّ الوجود طبيعة متواطية، مع أنّ الوجود حقيقة
مشكّكة ذو مراتب مختلفة و اختلاف مراتبها يوجب اختلاف أحكامها، فإذن يجوز أن يكون
بعض مراتبها مجرّدا عن الماهيّة دون سائرها و أن يكون بعضها مبدأ لجميع الممكنات
دون سائرها و أن يكون بعضها عين حقيقة الواجب دون سائرها.
ليس المراد من التركيب، التركيب بحسب التحليل فحسب كما توهّم؛ إذ لو كان كذلك لم تكن حقيقته الخارجيّة مركّبة من وجدان شيء و فقدان شيء آخر، فكانت حقيقته العينيّة الخارجيّة منزّهة عن الحاجة إلى الأجزاء، فلا يلزم الإمكان، بل المراد منه التركيب العينيّ الخارجيّ، فإنّ الواجب لو لم يكن في الخارج واجدا لكمال لكانت حقيقته العينيّة مركّبة من وجدان شيء و فقدان شيء آخر و التركيب يلازم الحاجة إلى الأجزاء و الحاجة تلازم الإمكان و قد فرض وجوبه.
قلت: هذا في نفسه محذور آخر يلزم من تخلّل جهة إمكانيّة في ذات الواجب، فالواجب لو كان ممكنا من حيث بعض كمالاته للزم منه أمران: الأوّل التركيب و الثانيالتركيب من الوجود و العدم؛ و كلا التاليين باطلان فكذا المقدّم.
توضيحها: أنّ ذات الواجب لو لم تكن كافية في وجود كمال لها كانت محتاجة إلى
الغير في اتّصافها به و لازمه أنّ الغير لو لم يكن موجودا لم يكن الواجب متّصفا
بذلك الكمال؛ أي: يكون عدم الإتّصاف مستندا إلى عدم الغير و حينئذٍ لو قطعنا النظر
عنالغير وجودا و عدما، فإمّا أنْ يكون الواجب بالذات مع قطع النظر عن ذلك الغير
وجودا و عدما متّصفا بذلك الكمال أو لا يكون متّصفا به؛ فإن كان متّصفا به لزم أنْ
يكون وجود الغير لغوا؛ لأنّ الواجب متّصف بذلك الكمال و لو لم نعتبر وجود الغير، مع
أنّ المفروض أنّ اتّصاف الواجب بذلك الكمال مستند إلى وجود الغير هذا خلف، و إن لم
يكن متّصفا به لزم أن يكون عدم الغير لغوا؛ لأنّ الواجب غير متّصف بذلك الكمال و لو
لم نعتبر عدم الغير مع أنّ المفروض أنّ عدم اتّصاف الواجب بذلك الكمال مستند إلى
عدم الغير و هذا خلف أيضا. فإذا كان التالي بشقّيه باطلاً كان المقدّم باطلا؛ أي:
عدم كفاية الذات في اتّصافها بالكمال باطل، فثبت أنّ الواجب بالذات كافٍ في
اتّصافها بالكمالات.
ثمّ أورد على هذه الحجّة، أنّ عدم اعتبار وجود الغير و قطع النظر عنه لاينافي وجوده
في الواقع و كذا قطع النظر عن عدم الغير و عدم اعتباره لا ينافي عدم الغير في
الواقع و حينئذٍ فإن كان الواجب متّصفا بذلك الكمال كان اتّصافه به مستندا إلى وجود
الغير و لو لم نعتبر وجود الغير، فلا يكون وجود الغير لغوا حتّى يلزم الخلف، و إن
لم يكن متّصفا به كان عدم اتّصافه به مستندا إلى عدم الغير و لو لم نعتبر عدم
الغير، فلا يكون عدم الغير لغوا حتّى يلزم الخلف أيضا، و هذا نظير الماهيّة فإنّ
الذهن قديعتبر الماهيّة مع قطع النظر عن الأمور الزائدة عليها كالوجود و العدم و
علّتيهما و إن لم تكن الماهيّة خالية في الواقع عن الوجود و علّته أو عن
العدم و علّته.
و ردّ هذا الإشكال بأنّ قياس الماهيّة ـ بما نحن فيه ـ قياس مع الفارق، فإنّ
الماهيّة لمّا لم تكن مجعولة بالذات كانت حيثيّة ذاتها مغايرة لحيثيّة تعلّقها و
ارتباطها إلى العلّة، فيمكن اعتبار الماهيّة من دون اعتبار تعلّقها بعلّتها بخلاف
وجود ذلك الكمال، فإنّ الوجود مجعول بنفس ذاته فاعتبار وجود شيء عين اعتبار تعلّقه
بعلّته فلا يمكن اعتبار وجوده بدون اعتبار ما يتعلّق به.
أقول: الإشكال غير مندفع بهذا البيان؛ لأنّ البحث ليس في اعتبار وجود ذلك الكمال
حتّى يقال إنّ اعتبار وجود ذلك الكمال لاينفكّ عن اعتبار ما يتعلّق به بل البحث في
الوجود الواقعيّ لذلك الكمال و وجوده الواقعيّ يتوقّف على علّته الواقعيّة لا على
اعتبار علّته و إذن إن كان الواجب متّصفا بذلك الكمال الواقعيّ، كان اتّصافه به
مستندا إلى وجود علّته و لو لم نعتبر وجود العلّة، فلا يكون وجود العلّة لغوا و إن
لم يتّصف به كان عدم اتّصافه به مستندا إلى عدم العلّة و لو لم نعتبر عدم
العلّة،فلا يكون عدم العلّة لغوا؛ فهذه الحجّة بهذا البيان غير وافية بالمقصود.
ثمّ إنّ لنا تقريرا آخر لهذه الحجّة بحيث لايرد عليه الإيراد السابق و هو أن نقول:
إنّ ذات الواجب لو لم تكن كافية في ثبوت كمال لها لكانت محتاجة في اتّصافها به إلى
الغير و في عدم اتّصافها به إلى عدم الغير، لكن التالي باطل فكذا المقدّم فينتج أنّ
ذات الواجب كافية في ثبوت كمالاته اللاّئقة بها، أمّا الملازمة فواضحة ـ بما مرّ في
التقرير السابق ـ. و أمّا بطلان التالي، فلأنّ الواجب بالذات ما يجب وجوده بذاته من
دون دخل للغير وجودا و عدما؛ و المفروض هنا: أنّ وجود الواجب وجود محدود، فما يجب
بذات الواجب من دون دخل للغير وجود محدود و الوجود المحدود له
حيثيّتان: حيثيّة وجدان كمال و حيثيّة فقدان كمال آخر، فهاتان الحيثيّتان
مستندتان إلى ذات الواجب و ليس للغير دخل فيهما، فيكون فقدان ذلك الكمال مستندا إلى
ذات الواجب من دون دخل للغير، فيكون عدم الغير لغوا مع أنّه قد فرض أنّ عدم ذلك
الكمال مستند إلى عدم الغير، هذا خلف. ثمّ إذا ثبت أنّ عدم الغير لغو بالنسبة إلى
عدم ذلك الكمال ثبت أنّ وجود الغير لغو أيضا بالنسبة إلى وجود ذلك الكمال (و إلاّ
لم يكن عدمه لغوا) مع أنّ المفروض أنّ وجود ذلك الكمال مستند إلى وجود الغير، هذا
خلف.
لأنّ وجود الواجب إذا صار جامعا لذلك الكمال وجود له أيضا و المفروض أنّ بعض مراتب هذا الوجود الجامع واجب بالغير فليس وجوده الجامع واجبا بذاته بل للغير دخل في وجوب هذا الوجود الجامع، فيكون واجب الوجود واجب الوجود بالغير و الواجب بالغير ممكن بالذات، هذا خلف.
فإنّ الخلق نسبة حاصلة بين الفاعل و الفعل و لذا لايعقل معناه إلاّ بعد تصوّر طرفيه، فيكون ممكنا في ذاته متأخّرا عن الفعل، فصفة «الخالق» المنتزعة من هذه النسبة الممكنة صفة كماليّة ممكن وجودها في نفسها و ممكن ثبوتها للذّات الواجبيّة و بإمكان ثبوتها للواجب نقضت القاعدة، و كذا الأمر في الرزق و الإحياء و الإماتة و غيرها.
توضيح الجواب: أنّ النسب الحاصلة بين الواجب و أفعاله و الصفات المنتزعة منها لمّا كانت رتبة وجوداتها متأخّرة عن رتبة ذاته المتعالية لم تكن من صفاته الكماليّة حقيقة، لأنّها معان منتزعة من مقام الفعل فهي زائدة على الذات الواجبيّة و من المعلوم أنّ اتصاف الشيء بأمر خارج من ذاته، اتّصاف مجازيّ و بالعرض لا بالحقيقة و بالذات، فلا تكون هذه الأوصاف من الكمالات اللائقة بذات الواجب حتّى يكون إمكان ثبوتها للواجب ناقضا للقاعدة، نعم إنّ لهذه النسب الزائدة على الذات أصلاً في مرتبة الذات؛ لأنّ ذاته علّة لما سواها و العلّة واجدة في مرتبة ذاتها لحقيقة معلولها بنحو أعلى و أشرف فحقائق تلك النسب موجودة في مرتبة ذاته المتعالية بعين وجوده البسيط، و كما أنّ النسب الزائدة مناط انتزاع أوصاف زائدة كذلك حقائقها الموجودة في مرتبة ذات الواجب مناط انتزاع أوصاف هي عين ذاته المتعالية، فتكون تلك النسب و الأوصاف المنتزعة منها واجبة بوجوب الذات؛ فالذات الواجبيّة خالقة مثلاً لكن ليس مناط خالقيّته النسبة الممكنة الزائدة الحاصلة بين ذاته و فعله و بل مناطها النسبة الّتي موجودة في مرتبة ذات الواجب بعين وجود الواجب، فليست الخالقيّة حينئذٍ ممكنة الثبوت للواجب حتى يكون إمكان ثبوتها له ناقضا للقاعدة، بل هي واجبة الثبوت له بعين وجوب الذات.
أي ارتباط واقعيّ في مرتبة ذات الواجب؛ لأنّ هذه النسب من الموجودات الممكنة و الموجوداتُ الممكنة مرتبطة بالواجب بنفس وجوداتها؛ أي وجوداتها الخارجة عن الذات عين الارتباط بالواجب، فلهذه النسب ارتباط واقعيّ بالواجب بنفس وجوداتها الخارجة و تقدّم في الحاشية السابقة أنّ لكلّ ما يوجد في خارج الذات أصلاً في مرتبة الذات، فلهذه النسب الّتي لها ارتباط واقعيّ بالواجب بوجوداتها الخارجة، ارتباط واقعيّ آخر في مرتبة الذات و هو أصل لارتباطها الخارجىّ.
الإضافة إمّا أن تكون مقوليّة و مناطها أن يكون المضاف موجودا بوجود مغاير لوجود الإضافة و إمّا أن تكون إشراقيّة و مناطها أن يكون المضاف موجودا بعين وجود الإضافة من غير فرق، ثم الإضافة الإشراقيّة، إمّا أن تكون وجوديّة و مناطها أن يكون مرتبة وجود الإضافة غير مرتبة وجود المضاف إليه و هذا كالمعلول، فإنّ المعلول مرتبط بعلّته لكن ارتباطه عين ذاته، لما مرّ غير مرّة، فإضافته إلى العلّة إضافة إشراقيّة و مرتبة هذا الارتباط غير مرتبة المرتبط به و هو العلّة؛ لأنّ العلّة أشرف وجودا من معلولها فتكون إضافته إشراقيّة وجوديّة، و إمّا أن تكون إيجاديّة و مناطها أن يكون مرتبة وجود الإضافة عين مرتبة وجود المضاف إليه و هذا كالأشياء المرتبطة بذات الواجب في مرتبة ذاته المتعالية؛ فإنّ الأشياء كما أنّها مرتبطة بالواجب بنفس وجوداتها الخارجة كذلك مرتبطة بنفس وجوداتها الّتي مرتبتها مرتبة وجود الواجب؛ إذ تقدّم أنّ لكلّ ما يوجد في خارج الذات أصلاً في مرتبة الذات، ثم المراد هنا من الإضافة الإشراقيّة، الإشراقيّة الإيجاديّة لا الوجوديّة.
إذ لو لم يكن صرف الوجود لكان وجوده محدودا بحيث لايكون جامعا لكلّ كمال، و حدُّ الوجود هو الماهيّة، فيلزم للواجب ماهيّة مع أنّه قد ثبت أن لا ماهيّة للواجب، و أيضا لو لم يكن الواجب صرف الوجود لكانت ذاته مركّبة من وجدان شيء و فقدان شيء آخر و لازم التركيب الحاجة إلى الأجزاء و لازم الحاجة الإمكان، فيكون ممكنا و هذا خلف.
الواحد بوحدة الصرافة أو بالوحدة الحقّة ـ كما سيأتي ـ هو الواحد الّذييكون الواحد فيه عين الوحدة بخلاف الواحد بالوحدة غير الحقّة، فإنّ الواحد فيه شيء و وحدته شيء آخر عارض له، ثمّ إنّ الوحدة تساوق الوجود فتتحقّق حيثما يتحقّق الوجود و حيث إنّ وجود الواجب عين ذاته لا زائد عليها وجب أن تكون وحدته كذلك و إلاّ، تحقّق الوجود فيما لاتتحقّق الوحدة، فيلزم بطلان تساوق الوجود و الوحدة و هذا خلف، فإذن الواجب كما أنّه موجود بنفس ذاته، كذلك واحد بنفس ذاته، فهو واحد بالوحدة الحقّة، هذا و لكن لمّا كان هذا البيان متوقّفا على أبحاث الوحدة و لم تبيّن بعدُ أثبت المصنّف رحمهالله المطلوب ببيان آخر لايتوقّف على تلك الأبحاث و لذا فسّر الواحد بالوحدة الحقّة بلازمه؛ فإنّ الواحد بالوحدة الحقّة لا يمكن فرض الثانيله إذ كلّ ما فرضته ثانيا له، امتاز بشيء من الكمال ليس في الأوّل فلا يكون الواحد بالوحدة الحقّة صرف الوجود بل هو مركّب من الوجود و العدم، و المركّب من الوجود و العدم ليس عين الوجود، و إذا لايكون عين الوجود لايكون عين الوحدة أيضا بحكم تساوقهما، فليس واحدا بالوحدة الحقّة و هذا خلف، فإذن ثبت أنّ الواحد بالوحدة الحقّة لا يمكن فرض الثانيله، فجُعل هذا اللازم معرّفا له و الواجب متحقّق فيه هذا المعنى اللاّزم، فهو واحد بالوحدة الحقّة.
فإنّ الواحد بالعدد من أقسام الواحد غير الحقّة ـ كما سيأتي ـ و قد ثبت أنّ الواجب واحد بالوحدة الحقّة، ثمّ هذا الكلام قد اُخذ من كلام مولى الموحدين أميرالموءمنين حيث قال: «الأحد بلا تأويل عدد»(1).
إذ لو كان له جزء خارجيّ و هو المادّة و الصورة لكان له جنس و فصل (و هو الجزء العقليّ) و لو كان له الجنس و الفصل لكان له الماهيّة، و الماهيّة حدّ الوجود و الحدّ يُخرج الوجود من الصرافة.
لأنّ الوجود الإمكانيّ عين الربط بالعلّة؛ أي: حاجته إلى العلّة عين ذاته لا أنّه عارض لها، فالحاجة قد ملأت تمام هويّة الوجود الإمكانيّ، فلا توجد فيها حيثيّة مستقلّة أصلاً و إلاّ كانت الحاجة جزءا من هويّته لا عينها و هو خلاف المفروض، فإذا لم توجد فيها حيثيّة مستقلّة لم يوجد فيها حكم مستقلّ، فالوجود الإمكانيّ و إن كان مناقضا للعدم إلاّ انّه غير مستقلّ في هذا الحكم و في غيره من الأحكام.
1. نهج البلاغة خ 152
فإن قلت: كيف يتصوّر سبق وجوب الممكن على وجوده و هو قبل وجوده معدوم؟
قلت: هذا الوجوب عبارة عن حيثيّة تعيّن وجود المعلول في مرتبة العلّة و الحيثيّات
الّتي هي للمعلول في مرتبة علّته مقدّمة على الحيثيّات الّتي هي للمعلول في مرتبته
الخاصّة.
بيان ذلك: سيأتي في آخر الفصل أنّ للمعلول وجوبا آخر لاحقا به مادام متلبّسا
بالوجود، فالمعلول مادام موجودا واجب الوجود، متعيّن الوقوع؛ هذا من جانب و من جانب
آخر أنّ كلّ ما ثبت للمعلول فهو موجود في مرتبة ذات العلّة؛ بوجود العلّة إذ لا
استقلال للمعلول من وجه، فكلّ مايوجد فيه من الحيثيّات فهو مأخوذ من علّته المفيضة
و بناءًا على هذا، إنّ وجود المعلول و وجوبه اللاحق موجود في مرتبة ذات العلّة
بوجود العلّة و لمّا كانت العلّة سابقة على المعلول بمرتبته الخاصّة كان وجوب
المعلول الّذيهو موجود بعين وجود العلّة سابقا على المعلول بمرتبته الخاصّة، و هذا
الوجوب السابق الموجود بعين وجود العلّة هو المراد بالوجوب في قولهم «الشيء ما لم
يجب لم يوجد» فالإشكال مندفع؛ و نظير هذا الإشكال و الجواب يجري في قولهم «الشيء ما
لم يتشخّص لم يوجد» فتدبّر.
لأنّ إجبار المعلول للعلّة متوقّف على وجوده و وجوده متوقّف على إيجاد العلّة و الإيجاد متوقّف علي إجبار المعلول: إذ المفروض أنّ الإيجاد مستند إلى الإجبار، فيلزم الدور و هو الممتنع.
إشارة إلى تفسير السيّد صدر الدين الشيرازيّ المشهور بسيّد المدققين حيث قال: «الذات لاتكون سببا للأولويّة بل الأمر في الأولويّة نظير الأمر في وجود الواجب، حيث إنّ وجوده لاينفكّ عن ذاته من دون أن يكون عليّة بين الذات و الوجود»(1).
الفرق بين هذا القول و سابقه: أنّ الوجود في هذا القول لا أولويّة له بالنسبة إلى شيء من الموجودات بخلاف القول السابق حيث إنّ له أولويّة بالنّسبة إلى بعض الموجودات.
1. راجع: الشوارق، ص 84.
توضيحه: أنّ العلّة لو رجّحت وجود المعلول و لم يجب بها وجود المعلول لجاز عدم المعلول، فإذا فرض عدم المعلول في حال رجحان الوجود و حضور علّة الوجود، فإمّا أن يكون علّة العدم (و هي عدم علّة الوجود) محقّقة أو تكون غير محقّقة فإن كانت محقّقة لزم اجتماع النقيضين، إذ المفروض أنّ علّة الوجود و علّة العدم الّتي هي عدم علّة الوجود محقّقتان، و إن لم تكن محقّقة لزم أن يكون عدم المعلول محقّقا من دون أن تكون علّته محقّقة و هذا باطل لضرورة توقّف المعلول وجودا و عدما على علّته.
لمّا كان المعتبر في القضايا البرهانيّة اليقين، و اليقين يعتبر فيه المطابقة
لنفس الأمر، فالقضايا الّتي جهتها الأولويّة ليست ببرهانيّة، إذ الأولويّة غير
واقعة في نفس الأمر على ما تقدّم فلا مطابَق لجهة تلك القضايا في نفس الأمر حتى
تكون يقينيّة و برهانيّة، نعم، إذا كان المراد من الأولويّة التشكيك بأن نقول مثلاً
العلّة حين وجود المعلول موجودة بالأولويّة، ثبت في نفس الأمر الأولويّة و القضيّة
الحاكية عنها يقينيّة برهانيّة.
العلّة في قولهم «علّة الحاجة» عبارة عن ما هو الملاك في تحقّق الشيء في الخارج
سواء كان مغايرا للشيء المفروض أو عينه، فإنّ ملاك تحقّق الشيء في الخارج إمّا
علّته الخارجة عنه كالواجب بالنّسبة إلى الصادر الأوّل مثلاً و إمّا نفس الشيء
كالواجب بالنّسبة إلى وجود نفسه، فإنّ ملاك تحقّق الواجب في الخارج نفسه لا الأمر
الخارج من نفسه.
إذا عرفت هذا نقول إنّ الأقوال في هذه المسألة أربعة:
الأوّل أنّ علّة حاجة الشيء إلى العلّة الشيئيّة فالشيء بما هو شي يحتاج إلى
العلّة، الثاني أنّ علّة حاجة الشيء إلى العلّة الحدوث، فالشيء بما هو مسبوق الوجود
بالعدم الزمانيّ يحتاج إلى العلّة.
الثالث أنّ علّة حاجة الشيء إلى العلّة الإمكان الماهويّ، فالشيء بما هو غير ضروريّ
الوجود و العدم يحتاج إلى العلّة.
الرابع أنّ علّة حاجة الشيء إلى العلّة الإمكان الفقريّ، فالشيء بما هو عين الحاجة
يحتاج إلى العلّة.
ثمّ القول الأوّل للعوام و لا قائل به من بين العلماء بعد بطلان التسلسل، فإنّ
المبدأ الأوّل مع أنّه شيء لايحتاج إلى العلّة؛ و القول الثاني لجمع من المتكلّمين؛
و الثالث لأكثر الحكماء و الرابع لصدر المتألهين و أتباعه، و من وجوه الفرق بين
القولين الأخيرين أنّ الملاك على القول الثالث أمر زائد على الحاجة و على القول
الرابع نفس الحاجة، أي ليس حاجة الممكن إلى العلّة مستندة إلى علّة خارجة منها، بل
الممكن محتاج لأنّه عين الحاجة، بخلاف القول الثالث حيث إنّ حاجته مستندة إلى علّة
خارجة و هو الإمكان الماهويّ.
توضيحه أنّ الضرورة توجب الغنى عن العلّة و هو واضح، و لا فرق في ذلك بين أن
تكون الضرورة حاصلة للشيء من ذاته كالواجب بالذات أو حاصلة من ناحية الغير
كالماهيّة الّتي ثبت لها الضرورة بشرط المحمول بسبب اعتبار الوجود لها، فإنّ
الماهيّة بعد ما ثبت لها الضرورة بشرط المحمول بسبب اعتبار الوجود الثابت لها من
ناحية علّة مّا، ارتفعت حاجتها إلى علّة أخرى و ارتفاع حاجتها ليس إلاّ لضرورتها،
فالضرورة تمام المعيار في كون الشيء مستغنيا عن العلّة، فيجب رفعها حتى تثبت
الحاجة، و رفع الضرورة هو الإمكان، فالإمكان هو المعيار في كون الشيء محتاجا إلى
العلّة و أمّا الحدوث فهو غير صالح لأن يكون معيارا للحاجة، لأنّ الحدوث عبارة عن
كون وجود الشيء مسبوقا بالعدم، فلابدّ في الشيء الحادث من اعتبار الوجود اللاحق بعد
العدم السابق، فما لم يعتبر الوجود له لم يتحقّق له الحدوث و إذا اعتبر فيه الوجود
حصل له الضرورة بشرط المحمول و الضرورة ـ كما عرفت ـ مناط الغنى لا الحاجة.
إن قلت: إنّ الظاهر من أقوال الحكماء أنّ معيار الحاجة الإمكان الخاصّ لا العامّ،
لكن مقتضى هذا الدليل الإمكان العامّ؛ لأنّ معيار الغنى عن العلّة في اتّصاف الشيء
بالوجود هو ضرورة الوجود فقط، فمعيار الحاجة فيه هو سلب ضرورة الوجود فقط و هو
الإمكان العامّ.
قلت: الحق أنّ معيار الحاجة هو الإمكان العامّ لا الخاصّ كما هو مقتضى هذا الدليل
إلاّ أنّ معيار حاجة الممكن في وجوده سلب ضرورة الوجود و معيار حاجة الممكن في عدمه
سلب ضرورة العدم، و الحكماء جمعوا هذين الإمكانين العامّين، فقالوا: معيار حاجة
الممكن في وجوده و عدمه هو الإمكان الخاصّ لأنّ الإمكان الخاصّ مجموع الإمكانين
العامّين.
لايخفي أنّ القول بأنّ علّة الحاجة هي الإمكان، يلائم القول بأصالة الماهيّة، لأنّ شيئيّة الماهيّة - وهي المتأصّلة على الفرض - كافية في انتزاع الإمكان عنها، لكن حاجتها إلى العلّة بعد لحاظ الوجود لها الزائد عليها و ما بالذات متقدّم على ما بالغير، فالإمكان الذاتيّ متقدّم على حاجة الماهيّة إلى العلّة فلا إشكال على القول بأصالة الماهيّة في أن تكون علّة الحاجة هي الإمكان، أمّا على القول بأصالة الوجود فلا يكون الإمكان علّة للحاجة، لأنّ الإمكان متأخّر عن الماهيّة و هي متأخّرة عن الوجود الأصيل و الوجود متأخّر عن الإيجاد و هو متأخّر عن الحاجة، و هي متأخرة عن علّة الحاجة فيكون الإمكان متأخرا عن علّة الحاجة بمراتب، فلو كان علّة للحاجة للزم تقدّم الشيء على نفسه بمراتب، فإذن الحقّ: أنّ علّة الحاجة ليست الإمكان الماهويّ بل الحق أنّ العلّة هي الإمكان الفقريّ، كما عليه صدر المتألهين؛(1) أي: الشيء بما أنّه عين الحاجة و الفقر محتاج إلى العلّة، لكن ليعلمْ أنّ العلّة في هذا القول ليست بمعناها المصطلح ـ كما تقدّم بيانه ـ و إلاّ لزم تقدّم الحاجة على نفسها.
إنّ الخصم حيث يزعم أنّ الوجود الدائم يغني الشيء عن العلّة، بيّن المصنّف
رحمهالله أنّ الوجود و إن أغنى الشيء عن العلّة - حيث أنّ الماهيّة بما أنّها
موجودة، لها الضرورة بشرط المحمول و الضرورة مناط الغنى عن العلّة - إلاّ أنّ
الوجود أغناه عن العلّة الجديدة لاعن العلّة مطلقا؛ لأنّ لازم ذلك الوجود الماهيّة
و لازم الماهيّة الإمكان و لازم الامكان الحاجة، فذلك الوجود لازمه الحاجة إلى
العلّة، فلا تنفكّ عنه، ففرض ذلك الوجود ملازم لفرض حاجته إلى علّة مّا؛ فإذن ذلك
الوجود إن أغنى الشيء عن العلّة أغناه عن العلّة الجديدة لا العلّة مطلقا و معنى
غناه عن العلّة الجديدة غناه عن موجوديّة أخرى.
قوله: لامعنى لكون الزمان مسبوقا بعدم زمانيّ
إذ لازمه أن يكون الزمان موجودا قبل وجوده و هذا هو التناقض.
1 - راجع: الاسفار، ج 3، ص 253.
أي: تعلّق المعلول بعلّته عين ذاته، إذ لو لم يكن عينها لكان عارضا لها و لازمه
أنّ ذات المعلول موجودة قبل تعلّقه بعلّته؛ و معناه: أنّ المعلول لا يتوقّف في
وجوده على علّته و هذا ضروريّ البطلان، فإذن ثبت أنّ تعلّق المعلول بعلّته عين ذاته
فإذا ثبت هذا ثبت أنّ الحاجة لاينفكّ عن المعلول، لأنّ الشيء لاينفكّ عن نفسه،
فالمعلول محتاج إلى العلّة بقاءا و حدوثا.
قد تقدّم هذا البحث في هذا الكتاب في آخر الفصل الثاني من هذه المرحلة.
ما يستلزم الممتنع بالذات فهو ممتنع لا محالة، إذ لو لم يمتنع لجاز وقوعه و وقوعه مستلزم لوقوع الممتنع بالذات على الفرض و وقوع الممتنع بالذات بديهيّ البطلان، فإذن المستلزم للممتنع بالذات ممتنع لكن ليس امتناعه بالذات بل بالغير؛ إذ تقدّم أنّ الاستلزام بين الشيئين لا يقع إلاّ إذا كان أحدهما علّة للآخر أو هما معلولان لعلّة واحدة و الممتنعان بالذات ليسا كذلك و إلاّ كان أحدهما على الأقلّ معلولاً فلم يكن ممتنعا بالذات، فالمستلزم للممتنع بالذات ممتنع بالغير و كلّ ممتنع بالغير فهو ممكن بالذات، فالمستلزم للممتنع بالذات يجتمع فيه الإمكان الذاتيّ و الامتناع الغيريّ، لكن استلزامه له ليس من جهة إمكانه الذاتيّ بل من جهة امتناعه الغيريّ لأنّ المستلزم للممتنع بالذات من جهة إمكانه الذاتيّ التى هي جهة ماهويّة غير مجعول واقعا، فلايكون من هذه الجهة معلولاً حتّى يقع الاستلزام بينه و بين الممتنع بالذات، فإذن ثبت أنّ المستلزم للممتنع بالذات مستلزم له من جهة امتناعه الغيريّ لا من جهة إمكانه الذاتيّ.
هذا أحد البراهين الّتي أقيمت على تناهي الأبعاد، تقريره: أنّ البعد لو لم يكن متناهيا لجاز حصول زاوية لها ستّون درجة مثلاً من خطّين غير متناهيين، فلو حصلت هذه الزاوية لصار الخطّ الممتدّ بين ساقيها غير المتناهيين غير متناهٍ أيضا، إذ يحصل من الزاوية و ذلك الخطّ الممتدّ بين ساقيها مثلث متساوي الأضلاع و المفروض أنّ ضلع هذا المثلث غير متناه فالخطّ الممتد بين ساقيها غير المتناهيين غير متناهٍ أيضا مع أنّه محصور بين الساقين فيكون ذلك الخط متناهيا و غير متناه و هذا هو التناقض الممتنع بالذات.
لانّ الشيء من جهة ماهيّته الإمكانيّة غير مجعول واقعا، فلا يكون من هذه الجهة معلولاً للواجب حتّى يستلزم وجوده لوجود الواجب.
اذ قد تقدّم أنّ التلازم بين الشيئين لايقع إلاّ إذا كان أحدهما علّة للآخر أو هما معلولان لعلّة واحدة، و الممتنعان بالذات ليسا كذلك و إلاّ كان أحدهما على الأقلّ معلولاً فليس ممتنعا بالذّات، هذا خلف.
فيه نظر، إذ قد عرفت في المنطق أنّ وضع المقدّم في الشرطيّ اللزوميّ يلازم وضع التالي، أمّا رفعه لايلازم رفع التالي، لأنّ الملزوم قد يكون أخصّ من لازمه و رفع الأخص لايكون ملازما لرفع الأعمّ، فلا يحكم في الشرطيّ اللزوميّ بصدق التالي رفعا على تقدير صدق المقدّم رفعا، بل يحكم فيه بصدق التالي وضعا على تقدير صدق المقدم وضعا.
أي عند فرض أمر مستحيل (و هو المقدّم الشرطي الذي يستدلّ المدّعي على استحالته في قياس استتثناييّ) لينجرّ ذلك الفرض إلى وقوع استحالة تال مستحيل في عالم الموجودات (و هو باطل بالضرورة لأنّ وقوعها يستلزم وقوع معروضه المستحيل) و بالجملة إذا فرضنا مقدّما نريد بيان استحالته ليستلزم ذلك الفرض وقوع أمر مستحيل بيّن الاستحالة، يقول الخصم استلزام هذا المقدّم لذلك التالي ممنوع لجواز استلزامه لنقيض هذا التالي.
القياس الخلفيّ مايستدلّ فيه على المدّعى بردّ نقيضه بقياس استثنائيّ بأن يقال:
إنّ المدّعى حقّ لأنّ نقيضه باطل و يدلّ على بطلان النقيض قياس استثنائيّ.
القياس الإستقاميّ ما يستدلّ فيه على المدّعى مستقيما لا بردّ نقيضه و المراد منه
هنا القياس الإستثنائيّ.
ثمّ إنّ القياس الإستثنائيّ لمّا كان متوقّفا على استلزام المقدّم للتالي فحيث شكّ
في الاستلزام لاينتج القياس، فلا ينتج القياس الخلفيّ المتوقّف على ذلك و بناءا على
هذ
أورد على القياس الخلفيّ إشكال و هو أنّ نقيض المدّعى محال على قول المدّعي و هو
يستلزم شيئا آخر على قول المدّعي أيضا، فذلك اللازم واجب الوجود بالقياس إلى
المقدّم فيكون عدم ذلك اللاّزم محالاً بالقياس إلى المقدّم، لكن المحال قد يستلزم
محالاً آخر فالمقدّم و هو المحال على قول المدّعي يمكن أن يكون مستلزما لعدم
اللاّزم (الذي هو المحال الآخر) و بذلك يبطل استلزام المقدّم للتالي فلا ينتج
القياس، مثلاً إذا أردنا بطلان الدور فرضنا وقوع الدور و وقوعه يستلزم تقدّم الشيء
على نفسه فهو ـ أي تقدّم الشيء على نفسه ـ واجب بالقياس إلى وقوع الدور فيكون
نقيضه، أي عدم تقدّم الشيء على نفسه محالاً بالقياس إلى وقوع الدور لكن لمّا كان
الدور محالاً على قول المدّعي و المحال قد يستلزم المحال فيمكن أن يقول الخصم إنّ
الدور يمكن أن يستلزم عدم تقدّم الشيء على النفس و بذلك يحصل الشكّ في استلزام وقوع
الدور لوقوع تقدّم الشيء على نفسه فلاينتج المطلوب.
و هذا الإشكال واضح الفساد، لأنّ المحال لايستلزم أي محالٍ كان بل محالاً إذا قدّر
وجودهما يكون بينهما تعلّق سببيّ و مسبّبيّ و لايكون بين المحال المفروض كالدور و
نقيض لازمه تعلّق سببيّ و إلاّ اجتمع وجود اللازم و عدمه عند فرض ذلك المحال
المفروض و هو باطل بالضرورة.
هذه مقدّمة أخرى للإشكال و حاصلها أنّ الملازمة واقعة بين تلك الصفات و إلاّ لم يمكن السلوك من إحديها إلى الأخرى، و هذه المقدّمة إذا انضمّت إلى أنّ تلك الصفات ممتنعات بالذات، أنتجت أنّ الملازمة تقع بين الممتنعات الذاتيّة، و هذا خلاف ما تقدّم من أنّ الملازمة لاتقع بين الممتنعات الذاتيّة.
إنّ السلوك من طريق الملازمات العامّة كالسلوك من طريق العلّة إلى المعلول يفيد اليقين بخلاف السلوك من المعلول إلى العلّة حيث أنّه لايفيد اليقين، و الدليل على وجوده تعالى أو على صفاته الذاتيّة بما أنّه سلوك من طريق الملازمات العامّة شبيه بالبرهان اللميّ في إفادة اليقين و لم يكن برهانا لمّيّا إذ لا علّة للواجب و لا لصفاته الذاتيّة حتّى يسلك منها إلى وجوده أو إلى صفته الذاتيّة.
أى يمتنع استلزامه له بما هو ممكن بالذات لا بما هو ممتنع بالغير، إذ قد تقدّم أنّ مايستلزم الممتنع بالذات فهو ممتنع بالغير و الممتنع بالغير ممكن بالذات، فالممكن بالذات قد يستلزم الممتنع بالذات لكن لابما هو ممكن بالذات بل بما هو ممتنع بالغير ـ كما تقدّم بيانه في أوّل الفصل ـ .
و أيضا إنّ الممكن من جهة إمكانه الذاتيّ الّتي هي جهة ماهويّة غير مجعول، فلا يكون من هذه الجهة معلولاً حتّى يقع الاستلزام بينه و بين غيره.
توضيحه: أنّ المراد من الممكن في قولنا: «الممكن لايستلزم الممتنع بالذات» هو الماهيّة المتساوية النسبة إلى الوجود و العدم و الماهيّة بنفسها غير مجعولة بالذات، لأنّ الماهيّة اعتباريّة و الأثر الّذيتضعه العلّة أمر واقعيّ أصيل، فلا تكون الماهيّة مجعولة بذاتها معلولة بنفسها فلا ارتباط بينها و بين الواجب حتّى يكون نفيها بنفسها مستلزما لنفي الواجب بالذات؛ نعم عدمها الزائد عليها مستلزم لعدم الواجب، لأنّ عدمها الزائد معلول لعدم الواجب و المعلول مستلزم للعلّة لكن عدمها الزائد ليس ممكنا بمعنى الماهيّة المتساوية النسبة حتّى يكون استلزامه لعدم الواجب الّذي هو الممتنع بالذات ناقضا لقولنا: «الممكن لايستلزم الممتنع بالذات» لأنّ عدمها الزائد ليس ماهيّة و هو ظاهر و ليس متساوي النسبة إلى الوجود و العدم بل هو ضروريّ العدم لأنّ الشيء ضروريّ لنفسه.
فإنّ الممكن بالإمكان الفقريّ وجوده مستلزم لوجود الواجب بالذات، إذ هويّته عين التعلّق بالواجب، ففرض تحقّقه ملازم لفرض تحقّق ما يتعلّق به الّذيهو الواجب و كذا عدمه مستلزم لعدم الواجب بالذات، إذ هويّته عين التعلّق بعدم الواجب، ففرض تحقّقه ملازم لفرض تحقّق ما يتعلّق به الّذيهو عدم الواجب بالذات، أمّا الممكن بالإمكان الماهويّ ليس كذلك لأنّه غير مجعول بذاته غير مرتبط بالواجب ارتباط المعلول بعلّته، فلا يكون ثبوته بنفسه و لا عدمه بنفسه مستلزمين لوجود الواجب أو لعدم الواجب، فوضع الأوّل مكان الثاني يوجب الإشكال.
قد تقدّم البحث عنها في الفصل الأوّل.
الماهيّة قد تطلق و يراد بها ما به الشيء هو هو و قد تطلق و يراد بها ما يقال في جواب السوءال بما هو و المعنى الأوّل أعمّ مطلقا من المعنى الثاني، لأنّ السوءال بما هو سوءال عن حقيقة الشيء فما يقال في جواب هذا السؤال هو ما به الشيءهو هو، فكلّ ما صدق عليه الماهيّة بالمعنى الثاني صدق عليه الماهيّة بالمعنى الأوّل، لكن ليس كلّ ما صدق عليه الماهيّة بالمعنى الأوّل صدق عليه الماهيّة بالمعنى الثاني، لأنّ حقيقة الوجود مثلاً صدق عليها أنّها ما بها الوجود هو هو لكن لايصدق عليها أنّها ما يقال في جواب السؤال بما هو، لأنّ ما يقال و يحمل على الشيء يحمل عليه في الذهن لا في الخارج، فالمحمول علي الشيءظرفه الذهن لكن حقيقة الوجود لا تحلّ الاذهان ـ كم تقدّم فلا تحمل على الشيء حتى يصدق عليها الماهيّة بالمعنى الثاني.
قد يقال: الماهيّة من حيث هي أو الماهيّة في حدّ ذاتها و يراد بها الماهيّة
لابشرط؛ و قد يقال: الماهيّة من حيث هي أو الماهيّة في حدّ ذاتها و يراد بها
الماهيّة بشرط لا؛ و مراد المصنّف من قوله: «الماهيّة لمّا كانت من حيث هي و بالنظر
إلى ذاتها في حدّ ذاتها» المعنى الأوّل، أي الماهيّة لابشرط؛ و مراده من قوله:
«كانت في حدّ ذاتها...» المعنى الثاني، أي الماهيّة بشرط لا، فلاتهافت بين قوله:
«لا تأبى أن تتّصف..» و قوله: «لاموجودة و لا لاموجودة»، لأنّ الموضوع مختلف.
ثم توضيح الدليل: أنّ إمكان اتّصاف الماهيّة لابشرط بالوجود و العدم يقتضي أنّ
الوجود و العدم غير داخلين في متن الماهيّة و حريم ذاتها، إذ لو لم يكن كذلك بأن
كان الوجود أو العدم عين ذات الماهيّة أو ذاتيّها لامتنع اتّصاف الماهيّة لابشرط
بمقابل ما أخذ في حريم ذاتها، لأنّ الشيء لا يتّصف بمقابله و إن أخذ لا بشرط،
فلوكان الوجود عين ذات الماهيّة أو ذاتيّها لامتنع اتّصاف الماهيّة بالعدم و إن
أخذت لابشرط و كذا لو كان العدم عين ذاتها أو ذاتيّها لامتنع اتّصافها بالوجود و إن
أخذت لابشرط فإذن ثبت أنّ الوجود و العدم غير داخلين في متن الماهيّة و حريم ذاتها.
و هي مرتبة ذات الماهيّة.
لمّا كان قولهم ملازما للتخصيص في قاعدة «ارتفاع النقيضين مستحيل» و التخصيص في
القاعدة العقليّة باطل، أرجع المصنّف قولهم إلى معنى لايوجب التخصيص بل التخصّص
فقال «يعنون به الخ».
توضيحه: انّ الوجود المقيّد بكونه مأخوذا في مرتبة ذات الماهيّة و العدم المقيّد
بكونه مأخوذا في مرتبة ذات الماهيّة ليسا نقيضين حتّى يكون ارتفاعهما ارتفاعا
للنقيضين، لأنّ نقيض كلّ شي رفعه، فإذا كان الوجود مقيّدا بكونه مأخوذا في مرتبة
ذات الماهيّة كان نقيضه رفع ذلك الوجود المقيّد بأن يكون القيد، قيدا للمنفيّ لا
للنفي، فنقيض الوجود المأخوذ في مرتبة ذات الماهيّة عدم ذلك الوجود الّذى أخذ في
مرتبة ذات الماهيّة لا العدم الّذى أخذ في مرتبة ذات الماهيّة، فإذن ثبت أنّ الوجود
المأخوذ في مرتبة الذات و العدم المأخوذ في مرتبة الذات ليسا نقيضين و إذ ليسا
نقيضين فارتفاعهما ليس ارتفاعا للنقيضين و ظهر أنّ خروج ارتفاعهما عن قاعدة «ارتفاع
النقيضين مستحيل» خروج تخصّصي لا تخصيصيّ.
إنّ السؤال عن الماهيّة من حيث هي لمّا كان سؤالاً عن ذاتيّات الماهيّة ينتظر السائل لأن يجاب عن سؤاله بالذاتيّات، فما يقال في جوابه يجعله السائل ذاتيّا للماهيّة الّتي سأل عن ذاتيّاتها،مثلاً إذا قيل «الإنسان من حيث هو، هل هو موجود أو معدوم» كان مفاد السؤال أنّ الوجود و العدم هل هما من ذاتيّات الإنسان أو لا؟ فإن أجبنا بقولنا: «إنّ الإنسان من حيث هو ليس موجودا و لا معدوما» زعم السائل أنّ قولنا «ليس موجودا و لا معدوما» ذاتيّ للإنسان و معرّف له، فيتوهّم أنّ الإنسان من حيث هو، عبارة عن هذه الليسيّة و هذا التوهّم باطل بالضرورة، أمّا إن أجبنا بقولنا: «ليس الإنسان من حيث هو، موجودا و لا معدوما» لا يتوهّم السائل ذلك التوهّم، لأنّ هذا القول صريح في كونه قضيّة سالبة فالوجود و العدم مسلوبان عن الماهيّة من حيث هي بالصراحة بخلاف القول الأوّل حيث أنّه لا صراحة له في كونه قضيّة سالبة، إذ من المحتمل كونه قضيّة معدولة فيشتبه عليه الأمر فيجعل «ليس موجودا و معدوما» محمولاً ذاتيّا للإنسان فيقع في الخطاء، ففائدة تقديم السلب على الحيثيّة دفع هذا التوهّم، قال الشيخ: «فإن سألنا سائل و قال أ لستم تجيبون و تقولون إنّها ليست كذا و كذا، و كونها ليست كذا و كذا غير كونها إنسانيّة بما هي إنسانيّة؟ فنقول: إنّا لانجيب أنّها من حيث هي إنسانيّة ليست كذا، بل نجيب إنّها ليست من حيث أنّها إنسانيّة، كذا و قد عرفت الفرق بينهما في المنطق»(1).
أي نقول في الجواب: «ليس الإنسان من حيث هو، موجودا و لا معدوما» حتّى تكون القضيّة صريحة في السلب و يكون مفادها سلب الوجود و العدم المقيّدين بكونهما في مرتبة الذات، عن الإنسان، و لانقول في الجواب «الإنسان من حيث هو ليس موجودا و لا معدوما» حتى يتوهّم أنّ القضيّة موجبة معدولة المحمول و يكون مفادها أنّ الإنسان من حيث هو عبارة عن تلك الليسيّة و هي ليسيّة مقيّدة لأنّ «ليس» قد ترد على الوجود و العدم و قد ترد على أشياء أخر كالضحك مثلاً فالليسيّة في قولنا «ليس موجودا و لا معدوما» ليسيّة خاصّة مقيّدة بكونها واردة على الوجود و العدم.
1 - الفصل الأوّل من المقالة الخامسة من الهيات الشفا، ص 199.
لأنّ الماهيّة إمّا أن لاتلاحظ معها شيء آخر أو تلاحظ معها شيء آخر و الشيء الملحوظ مع الماهيّة إمّا أن يكون وجوديّا أو يكون عدميّا فالأقسام ثلاثة.
الفرق بينهما أنّ الماهيّة مجرّدة عن جميع ما عداها في الوجه الأوّل و منضمّ إليها غيرها في الثانيلكن اعتبر زيادته عليها و مغايرته لها.
الماهيّة اللابشرط المقسميّ هي عين الماهيّة اللابشرط القسميّ و لا فرق بينهما
أصلاً و الإشكال الذي أوردوه عليه بأنّ هذا من قبيل تقسيم الشيء إلى نفسه و غيره
مندفع.
توضيح الإشكال: إنّ تقسيم الشيء إلى نفسه و إلى غيره محال، لأنّ المقسم أعمّ
من قسمه فيصدق فيما لايصدق القسم كالعدد فانّه مقسم للزوج و الفرد، فهو أعمّ
من الزوج مثلاً فيصدق فيما لايصدق الزوج فإنّ العدد يصدق على قسيم الزوج و هو الفرد
لكنّ الزوج لايصدق على قسيمه، فإذن لو انقسم الماهيّة المطلقة إلى الماهيّة المطلقة
و إلى الماهيّة المقيّدة للزم أن تكون الماهيّة المطلقة أعمّ من نفسها و هو باطل
بالضرورة، لأنّ الماهيّة المقيّدة باعتبار كونها قسما من الماهيّة المطلقة يصدق
عليها الماهيّة المطلقة و باعتبار أنّها قسيم لها لايصدق عليها الماهيّة المطلقة و
هذا هو التناقض.
توضيح الجواب: إنّ إشكال أعمّيّة الشيء من نفسه يلزم فيما إذا كانت النسبة بين
الأقسام نسبة التباين بأن يكون كلّ قسم في عرض قسم آخر، فإذا كانت النسبة التباين
لزم من تقسيم الشيء إلى نفسه و إلى غيره التناقض، لأنّ مقسم ذلك الغير صادق عليه
لكن قسيمه غير صادق عليه، لأنّه مباين له على الفرض فيلزم التناقض إذا كان مقسمه
عين قسيمه كما هو المفروض هنا، أمّا إذا كانت النسبة بين الأقسام بالعموم و الخصوص
مطلقا فلايلزم الإشكال، إذ إشكال التناقض قد ورد من ناحية عدم صدق أحد القسمين على
الاخر و المفروض في هذا الفرض أن يكون أحد القسمين أعمّ من الاخر و الأعمّ صادق على
الأخصّ فعدم الصدق منتف هنا و بانتفائه ينتفي التناقض فلا إشكال في البين إذا كان
أحد الأقسام أعمّ مطلقا من الآخر و الأمر فيما نحن فيه من هذا القبيل، لأنّ
الماهيّة اللابشرط القسميّ أعمّ من الماهيّة المقيّدة، إذ القيد الملحوظ في
الماهيّة المقيّدة غير ملحوظ في اللابشرط القسميّ و إذا كان أعمّ فالإشكال المتقدّم
غير وارد، فإذن صحّ أن يقال: الماهيّة إمّا أن لا يلاحظ معها شيء آخر أو يلاحظ معها
شيء آخر و الأولىالماهيّة المطلقة الّتي هي عين المقسم و الثانية إمّا أن يكون
الشيء الملحوظ معها وجوديّا أو يكون عدميّا و الأوّل هو
الماهيّة المخلوطة و الثاني هو الماهيّة المجرّدة، و من هنا ظهر أنّ ما قيل من أنّ
الفرق بين الماهيّة المطلقة القسميّة و الماهيّة المطلقة المقسميّة بأن يكون
الإطلاق قيدا في القسميّ دون المقسمىّ، باطل ليس بشيء لأنّ الإطلاق لو كان قيدا
للماهيّة لصارت الماهيّة مخلوطة بشيء غيرها فلا تكون الماهيّة المفروضة ماهيّة غير
ملحوظ معها شيء و المفروض كونها كذلك هذا خلف، و أيضا الإطلاق بما هو إطلاق لو كان
قيدا لزم المحال لأنّ الإطلاق عبارة عن نفي التقيّد فلو كان نفي التقيّد تقيّدا
للزم من عدم الشيء وجوده و هذا هو التناقض المحال، نعم لو كان الإطلاق نسبيّا بأن
تكون الماهيّة مطلقة بالنسبة إلى بعض الأشياء لصحّ كون هذا الإطلاق قيدا لكن لا من
حيث اطلاقه بل من حيث محدوديّته النسبيّة، و الإطلاق في الماهيّة المطلقة القسميّة
ليس نسبيّا، لأنّ المفروض أنّ الماهيّة لايلاحظ معها شي، آخر غير نفسها.
هذه هي المسألة المتنازع فيها بين الشيخ الرئيس و الرجل الّذيصادقه بمدينة همدان
و حاصل النزاع: أنّ الماهيّة الموجودة في زيد مثلاً هل تكون عين الماهيّة الموجودة
في عمرو بالعدد أو غيرها فذهب الرجل إلى الأوّل و الشيخ إلى الثاني.
أقول: إنّ عظمة الشيخ و شهرته العلميّة قد منعتاعن التحقيق في هذه المسألة و
التحقيق فيها يوجب الالتزام بقول الرجل و إن أبى عنه أوهام المقلّدين، و ذلك لأنّ
الدليل الجاري في وحدة حقيقة الوجود و أنّ الكثرة في الوجود راجعة إلى الوحدة جارٍ
فيما نحن فيه فينتج أنّ الماهيّة الإنسانيّة مثلاً في عين كثرتها واحدة فتكون
نسبتها إلى أفرادها كنسبة الأب الواحد إلى أولاده الكثيرين لا كنسبة الاباء
الكثيرين إلى أولادهم، هذا ما يفهم من أبحاث الرجل مع الشيخ، على ما نقله الشيخ في
رسالته المفردة في هذا الباب.
توضيحه: أنّ حقيقة الوجود على كثرتها واحدة، إذ ينتزع عن جميع أفرادها مفهوم واحد و
هو مفهوم الوجود و المفهوم الواحد بما هو واحد لاينتزع عن الكثير بما هو كثير
فالمنتزع عنه مفهوم الوجود يجب أن يكون حقيقة واحدة، هذا دليل رجوع الكثرة في
الوجود إلى الوحدة و قد تقدّم توضيحه في أوّل الكتاب و الرجل يجري مثل هذا الدليل
في الماهيّة (1)
1 - راجع: رسائل الشيخ، ص 468 و ص 473.
فيقول: إنّ الماهيّة الإنسانيّة مثلاً مفهوم مشترك و حدّ واحد تنتزع عن ماهيّة
زيد و ماهيّة عمرو و غيرهما و تنطبق عليها، و المفهوم الواحد بما هو واحد لاينتزع
عن الكثير بما هو كثير، فالمنتزع عنه مفهوم الإنسان - و هو مفهوم واحد - يجب أن
يكون حقيقة واحدة و ليست تلك الحقيقة الواحدة جزءا من الماهيّة الشخصيّة الّتيلزيد
مثلاً، لأنّ الإنسانيّة تحمل على إنسانيّة زيد لكن الجزء لايحمل على الكلّ، فلايكون
الإنسانيّة جزءا من إنسانيّة زيد فتكون تلك الماهيّة الواحدة المشتركة بين زيد و
عمرو و غيرهما عين الماهيّة الشخصيّة الّتي هي لزيد فيرجع ما به الإشتراك فيها إلى
ما به الامتياز، فتكون الماهيّة الإنسانيّة واحدة شخصيّة في عين أنها كثيرة و كثيرة
في عين أنّها واحدة شخصيّة، هذا إذا قيست الماهيّة النوعيّة كالإنسان إلى أفرادها و
الأمر في الماهيّة الجنسيّة بالنسبة إلى أنواعها كذلك، فانّ الحيوان مفهوم واحد
مشترك بين الإنسان و الفرس و غيرها و المفهوم الواحد بما هو واحد لاينتزع عن الكثير
بما هو كثير، فالمنتزع عنه مفهوم الحيوان يجب أن يكون حقيقة واحدة و ليست تلك
الحقيقة الواحدة جزءا من ماهيّة أنواعه كالإنسان، لأنّ الحيوان يحمل على الإنسان
مثلاً لكن الجزء لايحمل على الكلّ، فيكون الحيوان المشترك بين الإنسان و الفرس و
غيرهما عين الماهيّة الإنسانيّة الّتي هي ماهيّة خاصةّ(1)، فيرجع ما به الإشتراك
فيها إلى ما به الامتياز فتكون الماهيّة الحيوانيّة واحدة في عين أنّها كثيرة و
كثيرة في عين أنّها واحدة، ثمّ من نتائج هذا البحث أنّ الماهيّات حقائق مشكّكة أي
كما أنّ حقيقة الوجود في عين وحدتها لها ظهورات متعدّدة في مراتب مختلفة كذلك كلّ
ماهيّة في عين وحدتها لها ظهورات متعدّدة في مراتب مختلفة.
قوله: كان الواحد كثيرا بعينه و هو محاله
استحالته ممنوعة، لأنّ الكثرة لاتقابل الوحدة بل هي راجعة إليها، كما تقدّم في
حقيقة الوجود و سيأتي تصريحالمصنّف بعدم تقابلهما في آخر المرحلة السابعة.
ما قلتم في حقيقة الوجود يقوله الرجل في الماهيّات.
1 - سيصرّح المصنّف هذا البحث في الفصل الخامس فانتظر.
فيه تأمّل لأنّ الماهيّة حدّ ينتزع من الوجود و الحدّ في سعته و ضيقه تابع
لمحدوده، فإذا كان المحدود ضيّقا آبيا عن الاشتراك كان حدّه المنتزع منه ضيّقا آبيا
عن الاشتراك، إذ لو لم يكن كذلك للزم أن يكون الحدّ مستقّلاً في سعته عن محدوده و
استقلال الحدّ عن المحدود في السعة و الضيق باطل بالضرورة، فإذن الماهيّة المنتزعة
من الوجود المتشخّص الآبي عن الاشتراك يجب أن تكون متشخّصة آبية عن الاشتراك بالنظر
إلى نفسها، أي إنّ تشخّصها و إن كان بتبع تشخّص الوجود غير أنّه صفة لها بالذات و
حقيقة لا بالعرض و مجازا، إذ لو كان بالعرض لم تكن الماهيّة المنتزعة من الوجود
المتشخّص آبية حقيقة عن الصدق على غير محدودها، فتكون مستقلّة عن محدودها في سعتها
و هو باطل بالضرورة، و من هنا يعلم أنّ التشخّص و الكلّيّة صفتان حقيقيّتان لكلّ من
الوجود و الماهيّة.
توضيح ذلك: تقدّم أنّ ما به الاشتراك في حقيقة الوجود عين ما به الإمتياز فيها
فالوجودات الخاصّة و إن كانت متكثّرة ممتازا كلّ منها عن الآخر، غير أنّها راجعة
إلى حقيقة واحدة مشتركة بينها، ثمّ إنّ حيثيّة الاشتراك بين كثيرين توجب اتّحاد ما
به الاشتراك مع كلّ واحد من الكثيرين، لأنّ ما به الإشتراك لو لم يتّحد معها أصلاً
أو اتّحد مع واحد منها فقط لم يكن مشتركا هذا خلف، فإذن حقيقة الوجود من حيث إنّها
مشتركة بين الوجودات الخاصّة تتّحد مع كلّ منها و تنطبق عليها و هذه الخاصّة أي
اتحاد حقيقة واحدة مع الكثيرين هي المسمّاة بالكلّيّة كما قاله المصنّف رحمهالله
فحقيقة الوجود بلحاظ اشتراكها بين الوجودات الخاصّة كلّيّة، و كذا أنّ ما به
الامتياز في الشيء يوجب انحصار الشيء في ما به الامتياز فيكون الشيء آبيا عن
الاتّحاد مع غيره و عن الصدق على غيره و هذه الخاصّة، أي عدم اتّحاد الشيء إلاّ مع
نفسه هي المسمّاة بالتشخّص و حقيقة الوجود توجد فيها هذه الخاصّة لأنّ حقيقة الوجود
بلحاظ ظهورها في الوجودات الخاصّة الممتاز كلّ منها عن الآخر توجب عدم اتّحاد كلّ
منها مع غيره، فكلّ منها آبٍ عن الصدق و الانطباق إلاّ على نفسه، فيكون متشخّصا و
بالجملة حقيقة الوجود بلحاظ اشتراكها كلّيّة و بلحاظ تمايز مظاهرها متشخّصة، هذا في
الوجود و أمّا الماهيّة فحيث كانت حدّا منتزعا من الوجود كانت تابعة للوجود في
سعتها و ضيقها، فإن انتزعت عن الوجود من حيث هو متشخّص كانت متشخّصة و إن انتزعت عن
الوجود من حيث هو كلّيّ منطبق على كثيرين كانت كلّيّة غير آبية عن الانطباق على
كثيرين، فإذن ثبت انّ التشخّص و الكلّيّة صفتان بالذات لكلّ من الوجود و الماهيّة.
فيه نظر يظهر وجهه ممّا قدّمناه،فإنّ الكلّيّة عبارة عن حيثيّة الصدق على كثيرين و صدق الشيء على الشيء ليس إلاّ اتّحاده معه كما يظهر من كلام المصنّف رحمهالله فالكلّيّة عبارة عن اتّحاد حقيقة واحدة مع كثيرين ثم إنّ وعاء الاتّحاد وعاء الأمرين المتّحدين، فإن كان المتّحدان خارجيّين كان الاتّحاد بحسب الخارج كاتّحاد حقيقة الوجود مع الوجودات الخاصّة و إن كانا ذهنيّين كان الاتّحاد بحسب الذهن كاتّحاد مفهوم الوجود العامّ مع مفهوم الوجودات الخاصّة و إن كان المتّحدان من المتقرّرات الماهويّة كان الاتّحاد بحسب التقرّر الماهويّ كاتّحاد الجنس مع نوعه، فإذن الكلّيّة و ـ هي اتّحاد حقيقة واحدة مع كثيرين ـ خاصّة تعرض على الوجود الخارجيّ تارة و على الوجود الذهنيّ تارة أخرى و على التقرّر الماهويّ ثالثة.
الوجود الخارجيّ العينيّ مساوق للشخصيّة مانع عن الاشتراك إذا لوحظ من حيث امتيازه و تخصّصه و أمّا إذا لوحظ من حيث رجوعه إلى حقيقة الوجود المشتركة بين الوجودات الخاصّة فليس مساوقا للشخصيّة، لأنّ حيثيّة الاشتراك حيثيّة الصدق على كثيرين ـ كما تقدّم بحثه مفصّلاً ـ فيكون من هذه الحيثيّة كلّيّا غير آبٍ عن الصدق على كثيرين.
فيه أنّه لايلزم من كون الماهيّة ذات فرد واحد كذب القضايا الكلّيّة، إذ يجوز أن يقال مثلاً: «كلّ واجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهات» مع أنّ موضوع هذه القضيّة لايمكن له إلاّ فرد واحد، فإذن ينبغي الاكتفاء بالإشكال الأوّل و هو انّ لازم هذا القول انحصار الماهيّة في مصداق واحد و هو باطل بالضرورة.
قالوا لأنّ ما به يتفاوت الأشدّ عن الأضعف إن كان جزءا داخلاً في الأشدّ لزم أن
تكون ماهيّة الأشدّ مغايرة لماهيّة الأضعف لتحقّق ذاتيّ في الأشدّ دون الأضعف فلا
تكون الماهيّة مشكّكة إذ الحقيقة المشكّكة حقيقة واحدة، و إن كان خارجا عن الأشدّ
لم يتحقّق التشكيك في حريم الماهيّة بل تحقّق في خارجها.
أقول: فيه نظر لأنّ الشقوق المحتملة لاتنحصر فيما قالوا، لأنّ ما به يتفاوت الأشدّ
عن الأضعف لايكون جزءا داخلاً في الأشدّ حتّى يلزم اختلاف الأشدّ و الأضعف في
الماهيّة و لا يكون خارجا عنه حتّى يلزم خروج التشكيك عن حريم الماهيّة بل يكون
عينا للأشدّ كما هو الشأن في الحقائق المشكّكة حيث إنّ ما به التفاوت فيها عين ما
فيه التفاوت، بل الحقّ أنّ التشكيك واقع في الماهيّة أيضا كما أشرنا إليه سابقا.
توضيحه: أنّ الأنواع المتمايزة كالإنسان و الفرس و الغنم و غيرها ينتزع عن كلّ منها
معنى واحد جنسي كالحيوان و المعنى الواحد بما هو واحد لاينتزع عن الكثير بما هو
كثير، فيجب أن تكون الأنواع المتمايزة مشتركة في حقيقة واحدة و تلك الحقيقة الواحدة
ليست جزءا من الأنواع المتمايزة لأنّ الجنس يحمل على النوع في مقام تقرّره الماهويّ
و الجزء لايحمل على الكلّ، و كذا ليست خارجة عنها لأنّ الجنس من ذاتيّات الشيء فلا
يكون خارجا عنه، فيكون الجنس عينا لكلّ من الأنواع المتمايزة، إذ الشيء إمّا أن
يكون عينا لشيء أو يكون جزءا منه أو يكون خارجا عنه، فإذا بطل الأخيران ثبت الأوّل،
فإذن ثبت أنّ جنس الأنواع عين لكلّ منها و بذلك ثبت أنّ الأنواع المتمايزه
المتكثّرة راجعة إلى حقيقة واحدة مشتركة هي عين كلّ منها، فرجعت الكثرة إلى الوحدة
و هذا هو التشكيك، كما مرّ نظيره في حقيقة الوجود في أوّل الكتاب، هذا هو رجوع
الكثرة العرضيّة إلى الوحدة و للماهيّة كثرة أخرى طوليّة ترجع إلى الوحدة أيضا و هي
الكثرة الّتي توجد في الأجناس و الأنواع المترتّبة، فإنّ للإنسان مثلاً أجناسا
متعدّدة و لازم تعدّد أجناسه الإمتياز، فالجوهر ممتاز عن الجسم و الجسم ممتاز عن
الجسم النامي و الجسم النامي ممتاز عن الحيوان لكنّ امتياز كلّ عالٍ عن سافله ليس
إلاّ بنفس ذاته إذ ذاتيّات الشيء ليست جزءا له حتّى يكون اميتازه بجزئه و لا يكون
بأمر زائد أيضا، لأنّ الأمر الزائد على الشيء إمّا أن يكون مفارقا عنه فيكون أخصّ
منه بوجه، فلا يكون مميّزا له و إمّا أن يكون لازما للشيء فيكون معلولاً له فيكون
امتيازه بتبع امتياز ذلك الشيء فلو لم يكن ذلك الشيء، بنفسه ممتازا لم يكن لازمه
ممتازا و لو لم يكن ممتازا لم يكن مميّزا، فإذن ثبت أنّ كلّ عالٍ ممتاز عن السافل
بنفس ذاته، و من جانب آخر أنّ كلّ عالٍ مشترك بنفس ذاته بين نفسه و السافل؛ لانّه
محمول على نفسه و على السافل، فيكون ما به الاميتاز فيه و هو ذاته عين ما به
الإشتراك، فيرجع الكثرة إلى الوحدة و هذا هو التشكيك أيضا.
هذا و إن كان صحيحا حيث إنّ تشخّص الحدّ بتبع تشخّص المحدود إلاّ أنّه لايلزم منه أنّ الماهيّة لاتتّصف بالتشخّص بالذات، إذ فرق بين الاتّصاف بالتبع و الاتّصاف بالعرض، فإنّ الأوّل وصف حقيقيّ للشيء و إن كان تابعا لغيره في تحقّقه بخلاف الثاني حيث إنّ الشيء لايتّصف بالوصف حقيقة بل الوصف وصف لغيره و ينسب إليه مجازا و اتّصاف الماهيّة بالتشخّص من قبيل الأوّل لا الثاني، إذ لو كانت الماهيّة متّصفة بالتشخّص بالعرض لم تكن الماهيّة المنتزعة عن الوجود المتشخّص آبية حقيقة عن الصدق على غير محدودها، فتكون مستقلّة في سعتها عن محدودها و هو باطل بالضرورة كما تقدّم.
لأنّ الأعراض متأخّرة عن موضوعاتها في مرتبة وجوداتها و مشخّص الشيء ليس متأخّرا
عنه لأنّ الشيء ما لم يتشخّص لم يوجد، فليست الأعراض مشخّصة لموضوعاتها.
نعم من لوازم تشخّص موضوعات الأعراض تشخّص الأعراض، لأنّ الأعراض تابعة لموضوعاتها
فتتحقّق في دائرة موضوعاتها، فلم تكن أوسع من موضوعاتها، فتشخّص موضوعاتها يستلزم
تشخّصها فتشخّصها أمارة لتشخّص موضوعاتها.
إذ تقدّم من المصنّف رحمهالله أنّ الكلّيّة من لوازم الوجود الذهنيّ كما أنّ
الجزئيّة من لوازم الوجود الخارجيّ، فالمعلوم المحسوس بما أنّه موجود ذهنيّ لايأبى
عن الصدق على كثيرين، لكن فيه نظر يظهر وجهه ممّا قدّمناه، فالحقّ ما عليه
المنطقيون من أنّ المفهوم إمّا كلّيّ أو جزئيّ.
في المثال نظر من جهة أنّ العلوّ لاينتزع من السقف فقط بل يحتاج إلى قياسه إلى الأرض مثلاً و لذا كان العلوّ من العوارض المفارقة للسقف، فلو انتزع من السقف من دون انضمام شيء إليه لكان من العوارض الّلازمة له فالصحيح المثال بالتشخّص بالنسبة إلى الوجود.
فلابدّ حينئذٍ أن يفسّر المحمول بالضميمة بالعرضيّ الذي يتوقّف انتزاعه على ظهور وجود الموضوع في مرتبة غير مرتبة الموضوع.
فإنّ الذاتيّ عين الذات في مقام التقرّر الماهويّ لأنّ الشيء إمّا أن يكون عين شيء أو يكون جزئه أو يكون خارجه و الذاتيّ بالنسبة إلى الذات لايكون من القسم الثالث و إلاّ لم يكن ذاتيّا و لايكون من القسم الثاني، لأنّ الذاتي محمول على الذات في مقام تقرّر الذات و الجزء لايحمل على الكلّ، فإذا بطل الأخيران ثبت الأوّل و هو العينيّة، ثمّ إنّ الخاصّة الأولى تنتقض باللوازم البيّنة للماهيّات، فإنّ لوازمها البيّنة كالزوجيّة للأربعة ضروريّة الثبوت لها مع أنّها ليست ذاتيّة و أمّا الخاصة الثانية فقيل إنّها تنتقض بلوازم الماهيّات مطلقا، لأنّها غنيّة عن السبب(1)؛ لكن الحقّ أنّ لوازم الماهيّات محتاجة إلى سبب غير سبب الذات، لأنّ سبب اللّوازم نفس الماهيّات و سبب الماهيّات أشياء أخر، و أمّا الخاصّة الثالثة فقد التزموا بها بتوهّم أنّ الذاتيّات أجزاء للماهيّات و الجزء مقدّم على الكلّ في تقرّره، لكن عرفت أنّ الذاتي ليس جزءا للماهيّة كما سيصرّح به المصنّف، بل هو عين الذات فلا يكون متقدّما على الذات، فإذن ليس التقدّم من خواصّ الذاتيّ.
لمّا كان منشأ الإشكال توهّم كون الذاتيّ جزءا للماهيّة أجاب عنه بأنّ الذاتيّ عين الذات فلم يكن جزءا لها حتّى يتقدّم عليها و يلزم عنه الإشكال.
1 - راجع: الشوارق، بحث أحكام أجزاء الماهيّة، ص 152.
الأولى أن يقال: «يسمّى الجزء الذي هو تمام المشترك جنسا»، إذ الفصول البعيدة مشتركة أيضا.
ليس المراد بالناقصيّة محدوديّة الماهيّة بحيث كان الفصل خارجا عنها، إذ الماهيّة بهذا الاعتبار مادّة عقليّة غير محمولة على النوع و ما نحن فيه جنس محمول على النوع بل المراد بها اعتبار الماهيّة من حيث إبهامها و اشتراكها بين كثيرين.
لأنّ الجنس و الفصل يحملان على النوع في مرتبة الذات و هي مرتبة الماهيّة من حيث هي، المرفوع عنها جميع المحمولات الخارجة عنها حتى الوجود و لوازم الماهيّة، فالحمل حمل أوّليّ لا شايع، إذ لا تحقّق للوجود في هذه المرتبة حتّى يستقيم الحمل الشايع.
هذا البحث من أوّله إلى آخره مبنيّ على كون الجنس و الفصل جزئين للماهيّة النوعيّة و قد تقدّم أنّ الجنس و الفصل ليسا جزئين لها، لأنّهما يحملان على الماهيّة في مرتبة الذات و الجزء لايحمل على الكلّ.
و إلاّ امتنع أن يحصل منها حقيقة واحدة وحدة حقيقيّة بالضرورة، كما في الحجر الموضوع بجنب الإنسان.
لأنّ الشيء إمّا أن يكون عين شي أو يكون جزئه أو يكون خارجه، و الجنس و الفصل لا يكونان خارجين عن النوع، لأنّهما ذاتيّان له و لايكونان جزئين له، لأنّهما يحملان على النوع في مرتبة الذات و الجزء لايحمل على الكلّ، فإذا بطل الأخيران ثبت الأوّل و هو أنّ الجنس (و هو المشترك بين الأنواع) و الفصل (و هو المختصّ بالنوع) نفس النوع، أي: إنّ لماهيّة واحدة شؤونا مختلفة شأنا به تشترك الماهيّة مع غيرها و شأنا به تمتاز عن غيرها مع أنّها حقيقة واحدة، فيرجع ما به الإمتياز فيها إلى ما به الاشتراك و هذا هو التشكيك الذي تقدّم بحثه منّا فيما قبل.
إنّ الجنس و الفصل و إن كانا راجعين إلى حقيقة واحدة إلاّ أنّهما شأنان من
الشؤون المختلفة لتلك الحقيقة و الشيء باعتبار شأن منه يغاير نفسه باعتبار شأن آخر
منه،فليس حمل الجنس على الفصل حمل الشيء على نفسه حتّى يكون حمله عليه حملاً
أوّليّا.
إنّ وجود الألفاظ وجود لمعانيها بالاعتبار و الفرض و وجود للكيف حقيقة، فالإنسان الملفوظ من وجه جوهر و من وجه كيف.
النفس الناطقة بنفسها لاتحمل على الإنسان، لأنّها موضوعة للمعنى المعتبر بشرط لا الذي هو بهذا الاعتبار صورة و تقدّم أنّ الصورة لاتحمل على النوع فاحتاجت في حملها عليه إلى زيادة كلمة «ذا» حتّى يصير المعنى لابشرط. فيحمل على الإنسان و لذا قال ذا نفس ناطقة.
لأنّ الفصل عين النوع كما تقدّم فلو لم يكن ما أخذ في أجناسه و فصوله الاُخر مأخوذا فيه لكان الفصل جزءا بالنسبة إلى النوع لاعينا و هذا خلف.
فإن قلت: الذاتيّ لا يتخلّف فكيف يصحّ فرض انتفاء الجنس مع بقاء الذات، و الكلّ
ينتفي بانتفاء جزئه، فكيف يجوز الحكم ببقاء الذات مع انتفاء بعض الأجزاء، و الفصل
خاصّة للجنس فيكف يستصحّ وجوده في جنس آخر.
قلت: تقدّم أنّ الماهيّات كالوجود حقائق مشكّكة و الحقيقة المشكّكة في عين وحدتها
لها شؤون مختلفة و ظهورات متعدّدة فالأجناس و الفصول المعتبرة في الماهيّة شؤون و
ظهورات مختلفة للماهيّة و ليس زوال ظهور من ظهوراتها بانعدامه و انتفائه حتّى يلزم
ما قلتم بل بخفاء ذلك الشأن و بوقوعه تحت شعاع شأن آخر أظهر من الأوّل إذ الحقيقة
محفوظة ببقاء شأن من شؤونها المختلفة و الحقيقة واجدة بوحدتها لجميع شؤونها فشأنها
الزائل باق ببقاء الحقيقة المحفوظة بشأنها الاخر فإذن الصورة الإنسانيّة المجرّدة
من المادّة البدنيّة ليست فاقدة للجسميّة، بل الجسميّة متحقّقة الوجود بوجود الصورة
و متقرّرة الماهيّة بتقرّر ماهيّتها و إن كان تحقّقها الوجوديّ و تقرّرها الماهويّ
تحت غلبة ظهور الصورة المجرّدة فالإنسان في البرزخ و ما بعده و إن كان جسما مادّيّا
إلاّ أنّ أحكام بدنه الجسمانيّ تحت غلبة أحكام نفسه المجرّدة.
فإن قلت: هذا الحكم ينافي ما تقدّم من أنّ الفصل تمام حقيقة النوع و أنّ ما أخذ
في أجناسه و فصوله الاخر مأخوذ فيه على وجه التحصيل.
قلت: إنّ الجنس و الفصل متّحدان في الماهيّة باعتبار رجوعهما إلى حقيقة النوع
الواحدة و مختلفان فيها باعتبار كونهما شأنين ماهويّين من شؤون تلك الحقيقة
الواحدة، فتلك الحقيقة ماهيّة واحدة في عين أنّها ماهيّات متكثّرة و ماهيّات
متكثّرة في عين أنّها ماهيّة واحدة و الحكم السابق ثابت للفصل باعتبار رجوع الكثرة
إلى الوحدة و هذا الحكم ثابت له باعتبار رجوع الوحدة إلى الكثرة.
تفسير للمنفي لا للنفي.
توضيح الجواب: أنّ في النفس اعتبارين: اعتبار كونها فصلاً للنوع و اعتبار تجرّدها في ذاتها؛ أمّا النفس بالاعتبار الأوّل فحيثيّتها حيثيّة الوجود الناعتيّ و الرابط؛ و قد عرفت في الفصل الأوّل من المرحلة الثانية أن لا ماهيّة للوجود الرابط بما هو رابط، فلا تكون للنفس بهذا الإعتبار ماهيّة نوعيّة حتّى يكون الجوهر جنسا له، و أمّا النفس بالإعتبار الثاني فحيثيّتها حيثيّة الوجود المستقل، إذ النفس باعتبار تجرّدها الذاتيّ مستقلّة عن المادّة فلا تكون وجودها للمادّة بل وجودها لنفسها، فتكون بهذا الاعتبار الّذي هو اعتبار استقلالها عن الغير منشأ لانتزاع ماهيّة نوعيّة، لكن ليست بهذا الاعتبار فصلاً أو صورة حتّى تنتقض القاعدة القائلة: بأنّ فصول الجواهر ليست بجواهر و بالجملة النفس باعتبار تعلّقها بالغير فصل لكن ليس لها بهذا الإعتبار ماهيّة حتى تندرج في الجوهر و باعتبار استقلالها عن الغير لها ماهيّة مندرجة تحت الجوهر،لكن ليست بهذا الاعتبار فصلاً حتّى تنتقض باندراجها تحته القاعدة.
اعلم إنّ أهمّ الأقوال في النفس ثلاثة: الأوّل أنّ النفس قديمة و هذا هو الظاهر من أفلاطون و أتباعه، الثاني أنّها حادثة و هذا المذهب له شعبتان و بهما تصير الأقوال ثلاثة: الاوءلى أنّ النفس الحادثة روحانيّة الحدوث و البقاء، أي النفس في حدوثها و بقائها مستقلّة عن الجسم، فهي حادثة مع حدوث البدن لا بحدوث البدن و هذا مذهب أرسطو و أتباعه؛ الثانية أنّ النفس الحادثة جسمانيّة الحدوث و روحانيّة البقاء، أي النفس في حدوثها محتاجة إلى الجسم لكن في بقائها مستقلّة عنه، فهي حادثة بحدوث البدن لا مع حدوث البدن وهذا مذهب صدر المتألّهين و أتباعه.
اي بناءًا على هذا القول إنّ النفس في بدؤ وجودها لايجري فيها الاّ اعتبار
فصليّتها؛ أمّا اعتبار تجرّدها الذاتيّ فلا يجري فيها، لأنّ وجودها حين حدوثها وجود
للمادّة لا لنفسها، فلا تكون مستقلّة حتّى تكون منشأ لانتزاع الماهيّة، نعم بعد
تجرّدها الذاتيّ تكون مستقلّة منشأ لانتزاع الماهيّة لكن ليست حينئذٍ فصلا حتّى
تنتقض به القاعدة كما تقدّم.
لحوق فصل واحد بالنسبة إلى الجنس القريب و لحوق فصول متعدّدة بالنسبة إلى الجنس البعيد.
هذه ليست من نتائج ماتقدّم بل تعانده، إذ مقتضى حاجة البعض إلى بعض تغاير وجوديهما، فهما متغايران بحسب الوجود و المفروض فيما تقدّم أنّ الأجزاء موجودة بوجود واحد، أضف إلى هذا أنّ الحاجة ليست ملاكا لحصول حقيقة واحدة، فإنّ البناء يحتاج إلى البنّاء مع أنّه لايحصل منهما حقيقة واحدة و كلّ عدد مركّب من الواحدات و لكلّ منها حقيقة واحدة نوعيّة مع أنّ أجزائه لايحتاج بعضها الى بعض و كذا المركّبات الكيمياويّة مركّبات حقيقيّة و لكلّ منها حقيقة واحدة مع أنّ أجزائها لايحتاج بعضها إلى بعض.
إذ لو كانت المادّة و الصورة ذاتين مختلفتين بحسب الخارج لم يجز صدق إحديهما على الأخرى و على المجموع بأيّ اعتبار أخذت لكن المادّة تصدق على الصورة و على المجموع إذا أخذت لابشرط.
هذا الدليل عليل؛ لأنّ هذه الشقوق شقوق للمحمول على الشيء، فإنّ الناطق مثلاً
إذا حمل على الإنسان فإمّا أن يكون تمام ذاته أو بعضها أو خارجا عنها لازما أو
مفارقا، و الكثرة لاتكون من المحمولات على الماهيّة نفسها حتّى يأتى فيها إحدى هذه
الشقوق، لأنّ موضوع الكثرة هي الذوات المختلفة بما هي مختلفة، فما لم يكن اختلاف
فيها لم تكن كثرة و الماهيّة النوعيّة من حيث نفسها مع قطع النظر عن أفرادها
المختلفة لا اختلاف فيها. نعم أفرادها لمّا كانت متشخّصة بتشخّصات مختلفة كانت
موضوعة للكثرة، فيأتي فيها إحدى الشقوق الأربعة لكن مع ذلك لايتمّ المطلوب، إذ
للخصم أن يلتزم بكون الكثرة لازمة للأفراد المختلفة لا للماهيّة نفسها، فبما أنّ
الكثرة لازمة لها لا مفارقة لايحتاج إلى المادّة و بما أنّ الكثرة لازمة للأفراد
المختلفة بما هي مختلفة لا للماهيّة نفسها، لايأتي محذور عدم تحقّق الفرد للماهيّة
إذ الكثرة ليست من لوازم نفس الماهيّة حتّى يقال: كلّما وجد فرد لها كان من الواجب
أن يكون كثيرا.
ثم انّ الدليل قد يقرّر بوجه آخر و هو أن يقال: إنّ الماهيّة المجرّدة التامّة لو
تكثرت، تكثرت إمّا بالفصول و إمّا بالمواد و إمّا بالأعراض؛ و الكلّ محال و
استحالة التالي بأقسامه يوجب استحالة المقدّم. أمّا الفصول، فلأنّ الكلام في
الطبيعة المحصّلة النوعيّة و أمّا المواد فلكونه مجرّدا عنها حدوثا و بقاءا و أمّا
الأعراض فهي إمّا لوازم الماهيّة أو غير اللوازم، فلوازم الماهيّة كالماهيّة واحد
مشترك في الجميع لايوجب الامتياز و التكثّر، و أمّا الأعراض المفارقة ففي شأنها
إمكان الزوال و إمكان الحصول إمكانا خارجيّا لا ذاتيّا فقط و هذا الإمكان عبارة عن
القوّة و الاستعداد و قد علمت في مباحث الهيولى أنّ حصول مثل هذه القوة لايمكن إلاّ
فيما يتركّب ذاته عن المادّة و الصورة الخارجيّتين و قد فرض مجرّدا عن المادّة و
لواحقها، فيكون واحدة بالوجود و غير متكثّرة العدد.(1)
و فيه: أنّ الشقوق غير منحصرة فيما ذكر، إذ من الجائز أن تكون الماهيّة متكثرّة
بأمور مختلفة لازمة للأفراد لا لنفس الماهيّة و هي التشخّصات المختلفة الفرديّة.
1 - راجع: تعليقة صدر المتألّهين على الهيات الشفاء، ص 189.
إذ المفاهيم الصادقة على الواجب لو كانت داخلة تحت المقولة لكان للواجب ماهيّة و
قد تقدّم بطلانه.
قوله: كالنوع المفرد
النوع المفرد على ما فسّروه في المنطق هو النوع الّذيلايكون فوقه و لا تحته نوع و
معلوم أنّ هذا التعريف لايلزم منه عدم اندراج النوع المفرد تحت المقولة و لذا
مثلّوا له بالعقل إذا كان الجوهر جنسا له (1) ففي هذا المثال تأمّل.
1 - راجع: شرح الشمسية، ص 56.
بل البرهان قائم على أن ليس هناك إلاّ مقولة واحدة و ذلك لأنّا ننتزع من جميع ما يطلق عليه المقولة كالجوهر و الكمّ و الكيف و غيرها مفهوما واحدا عامّا و هو مفهوم الماهيّة، فإنّ هذا المفهوم ينتزع من المقولات و يحمل عليها بالذات و من الممتنع انتزاع مفهوم واحد من مصاديق كثيرة بما هي كثيرة غير راجعة إلى وحدة مّا، فلابدّ فيالمقولات من أمر ذاتيّ مشترك بينها هو المنتزع عنه لهذا المفهوم الواحد العامّ، فيكون ذلك الأمر جنسا لتلك المقولات، فيرجع المقولات إلى مقولة واحدة و هو المطلوب.
فيه أنّ مجرّد هذا الأمر لايفيد أنّ مفهوم الماهيّة منتزع من نحو الوجود فإنّ الإمكان أيضا ليس إلاّ للشيء الموجود و لو بالفرض لكنّه مع ذلك لا ينتزع من نحو وجود الشيء بل من حدّه الماهويّ؛ فالشيّ ممكن بما له الماهيّة لا بما له الوجود، و كذا المقولات المشهورة، فإنّ مفهوم الماهيّة يحمل عليها بسبب أمر مشترك ذاتيّ فيها، لا بسبب كونها موجودات و ذلك لما تقدّم برهانه منّا في الحاشية السابقة.
الفاء هنا استعمل في مكان التعليل كما هو دأب المصنّف في مواضع كثيرة في هذا
الكتاب.
و بهذا الخروج قد تفصّوا عن إشكال الجمع بين الجوهر و العرض و إشكال الجمع بين المقولتين، كما مرّ في بحث الوجود الذهنيّ.
أي في الفصل السادس من المرحلة الخامسة.
لأنّ الأعراض إذا لم يوجد لها موضوعات جوهريّة تقوم بها كانت قائمة بأنفسها، فتكون ماهيّات إذا وجدت وجدت لا في الموضوع و هذا هو الجوهر.
بيانها: أنّ افتقار العرض إلى الموضوع يستلزم وجود ما يكون الاستغناء عن الموضوع
ذاتيّا له و إلاّ لزم التسلسل المحال فلا يتحقّق شيء من الماهيّات، فلابدّ لتحقّقها
من ماهيّة لازمها الوجوديّ الاستغناء عن الموضوع و هذا هو الجوهر.
و فيه: أنّ هذه الحجّة تثبت وجود شيء يكون الاستغناء عن الموضوع ذاتيّا له، أمّا
أنّ ذلك الشيء ذو ماهيّة أو لا؟ لم تثبت بهذه الحجة، لجواز أن يكون ذلك الشيء واجبا
بالذات و هو لا ماهيّة له، فإذن الدليل أعمّ من المدّعى.
الحجّة سالمة عن هذا الإشكال إن جعل الوصف «الماهيّة الّتي وجودها لا في
الموضوع»، فإنّ هذا المعنى ـ أي الماهيّة المقيّدة بكون وجودها لا في الموضوع ـ
لاينتزع من وجود الأشياء بل ينتزع من حدودها الماهوية، لأنّ عنوان «الماهيّة» من
عوارض الإنسان مثلاً لا من عوارض وجوده و لذا يقال: «الإنسان ماهيّة» و لايقال:
«وجود الانسان ماهيّة» إلاّ بالعرض و المجاز، فالماهيّة عنوان عامّ تعرض الماهيّات،
منتزعة منها؛ و كذا الماهيّة المقيّدة، لأنّ المقيّد عين المطلق مصداقا، ثمّ هذا
العنوان وصف واحد لايمكن انتزاعه من الكثير بما هو كثير فبين الماهيّات المتباينة
الجوهريّة جامع ماهويّ لازمه كونه ماهيّة لا في الموضوع و هو الجوهر.
الإضافة هنا بيانيّة، أي سواء كان في جنس هو الجسم.
إشارة إلى اتّحاد العاقل بالمعقول، فإنّ النفس إذا أدركت شيئا اتّحدت مع معلومها فاستكمل بذلك جوهرها، فيكون ذلك الجوهر مركّبا من محل هو النفس و حالّ هو الصورة الإدراكيّة و ليس جسما، فبه يظهر الخلل في التقسيم الأوّل.
لأنّ هذا التقسيم أيضا ليس عقليّا دائرا بين النفي و الإثبات، إذ الجوهر الّذيلم
يكن جزءًا من الجسم و كان متصرّفا فيه بالمباشرة ليس ينحصر بحسب الاحتمال العقليّ
في النفس، إذ من الجائز أن يكون في الوجود جوهر بتلك الأوصاف غير النفس و كذا ما لم
يكن جزءًا من الجسم و لم يكن متصرّفا فيه بالمباشرة ليس ينحصر بحسب الاحتمال
العقليّ في العقل، إذ من الجائز أن يكون في الوجود جوهر بتلك الأوصاف غير العقل
كعالم المثال.
أي قابلة للإشارة الحسّيّة.
الانقسام في الجسم إن كان بالفكّ بين جزئيه سمّي انقساما خارجيّا، و إن كان بفرض
الفكّ بين جزئيه و كان الجسم المنقسم جزئيّا سمّي انقساما وهميّا و إن كان بفرض
الفكّ بين جزئيه و كان الجسم المنقسم كلّيّا سمّي انقساما عقليّا.
أي: غير مركّب من المادّة و الصورة كما في قول أرسطو، و غير مركّب من جوهر و عرض كما في قول شيخ الإشراق.
الاحتمالاتالمذكورة هنا خمسة نرسم لكل منها صورة على حسب ترتيب الكتاب.
منها ما يبتني على الأشكال الهندسيّة، و منها ما يبتني على الحركات، و منها ما
يبتني على الأظلال.
أمّا الطريق الأوّل فيفرض مثلاً مثلّث قائم الزاوية يكون كلّ من ساقيه من خمسة
أجزاء فلامحالة يكون الوتر جذر خمسين جزءًا لأنّ مجموع مربعي الساقين في المثلّث
القائم الزاوية يساوي مربع الوتر (2ج= 2ب + 2الف) و هذا يستلزم انقسام الجزء في
الوتر.

و أمّا الطريق الثاني فيحتجّ بحركة جزئين كلاهما فوق طرفي خطّ مؤلّف من ثلاثة
أجزاء مثلاً، فانّهما يلتقيان وسط الخطّ بحيث يوجب انقسام الجميع، و كذا يحتجّ بعدم
لحوق السريع بالبطيء.
بيانه: نفرض أنّ السريع يأخذ في الحركة بعد ما قطع البطيء خمسة أجزاء مثلاً و
حينئذٍ إذا قطع السريع جزءًا، فلو قطع البطىء أقلّ منه لزم انقسام الجزء و إن قطع
مساويا أو أكثر لم يلحقه السريع أبدا، و المشاهَد خلافه، هذا خلف.
و أمّا الطريق الثالث فإنّا إذا غرزنا خشبة في الأرض فعند كون الشمس في الأفق
الشرقيّ لابدّ و أن يقع لها ظلّ، ثمّ لا شكّ أنّ ذلك الظلّ لايزال يتناقص إلى أن
يبلغ الشمس وقت الزوال، فعند ما تحرّكت الشمس جزءًا واحدا لابدّ أن ينتقص من الظلّ
شيء أقلّ من الجزء، لأنّ ساقي الزاوية الحاصلة من الظلّ أقل بمراتب من ساقي الزاوية
الحاصلة من شعاع الشمس، فالخطّ الممتدّ بين الساقين في الظلّ أقلّ من الجزء
فيلزم انقسام الجزء.
المادّة في كلمات شيخ الإشراق ليست ظاهرة المراد(1) و كلامه في حكمة الإشراق نصّ على أنّ ما هو المسمّى بالمادّة مقدار جوهريّ قائم بنفسه و في التلويحات أثبت للمادّة خواصّ الهيولى الّتي هي عند المشّائين جوهر قابل، و الإشكال الأوّل ممّايرد على الشيخ وارد عليه على كلا التقديرين، و أمّا الإشكال الثاني فهو وارد عليه إن فسّر المادّة في كلامه بالهيولى الّتي هي جوهر قابل.
إذ لو حلّ فيه العرض و هو الامتداد المقداريّ لكان قائما بنفسه إذ ليس في الجسم امتداد جوهريّ حتّى يقع عليه الإمتداد المقداريّ، فيلزم أن يكون العرض قائما بنفسه و هو مناف لعرضيّته.
العادّ للعدد ما كان إسقاطه مرارا عن ذلك العدد مفنيا له كالثلاثة بالنسبة إلى التسعة، فإنّ إسقاط الثلاثة مرارا عن التسعة يفني التسعة فالثلاثة عادّ لها كما أنّ التسعة معدود بالثلاثة، و الأعداد المشتركة هي الّتي لها عادّ مشترك يعدّها جميعا كالأربعة و الستة، فإنّ الإثنين تعدّهما فهما مشاركان و الأعداد المتباينة هي الّتي لايعدّها إلاّ الواحد كالسبعة و الخمسة فانّهما لاتُعدّان إلاّ بالواحد فهما مباينان.
و ذلك في جواب القول السادس.
1 - راجع: الأسفار، ج 5، ص 18.
أقول: الحجّة ما سيأتي في المرحلة التاسعة من أنّ عالم المادّة برمّتها حقيقة واحدة، فعلى ذلك الأساس الاتّصال الجوهريّ المحقق في الجسم ليس على ما عند الحسّ فحسب بل الأجسام كلّها متّصلة باتّصال جوهريّ واحد من دون انفصال بين جسم و جسم آخر و ذلك لأنّ الانفصال في الممتدّات يزيل الوحدة، فلم يكن عالم المادّة برمّتها حقيقة واحدة و هذا خلف، فإذن العالم الجسمانيّ برمّتها متّصل باتّصال واحد من دون انفصال بين الجسمين أصلاً.
بل ينطبق هذا القول على جسم متّصل واحد شامل لجميع الأجسام المحسوسة كما تقدّم بيانه قبل.
لعلّه إشارة إلى أنّ الطاقة إن كانت جوهرا ذا بعد فهذا هو الجسم، فلا تكون نوعا
عاليا قبل الجسم و إن لم تكن كذلك فلا يمكن أن يحصل من تراكمها الأجسام الذرّيّة،
إذ ما لا بعد له لايحصل من اجتماعه البعد.
لبّ الكلام أنّ في الجسم حيثيّتين: إحديهما، فعليّة اتّصاله الجوهريّ و
ثانيتهما، استعداد يقبل به كمالات أخر و الثانية غير الأولى، لأنّ الثانية تلازم
فقدان الكمال الآتي بخلاف الأولى فانّها ليست كذلك، لأنّ فعليّة شيء لاتلازم فقدان
شيء آخر و أيضا الاستعداد لشيء مصحّح لقبوله، لكن فعليّة شيء بما هي فعليّة ليست
مصحّحة لقبول شيء آخر، إذ الشيء يقبل الكمال لكونه فاقدا له لا لكونه واجدا للكمال
و إلاّ كان الواجب بالذات بما هو واجد للكمال قابلاً و هو محال بالضرورة، فإذن
الحيثيّة الّتي بها يقبل الجسم الكمالات مغايرة لفعليّة اتّصاله الجوهريّ و هذه
الحيثيّة هي الّتي تسمّى بالهيولى.
فإن قلت: «إنّ القوّة و الإمكان الاستعداديّ مفهوم ينتزعه العقل عن حصول شرائط
الشيء قبل تحققه نفسه و ليس أمرا عينيّا، لأنّ تحقّق كلّ حادث منوط بحصول أمور فيه
و ارتفاع أمور أخرى عنه و بعد معرفة ذلك نعتبر المادّة الواجدة للشرائط و الفاقدة
للموانع مستعدّة لتحقّق الحادث المعيّن استعدادا تامّا و إذا كانت واجدة لبعض
الموانع أو فاقدة لبعض الشرائط نعتبرها مستعدّة له استعدادا ناقصا».
قلت: الشرائط المذكورة إن كانت خارجة عن المادّة القابلة نمنع انتزاع مفهوم
الاستعداد عن حصول تلك الشرائط، إذ قد يحصل تلك الشرائط لشيء و لاينتزع
الاستعداد عن حصولها كحصول الشرائط الخارجيّة الّتي تجب لنبت البرّ للحصى، فإنّ
الحصى لا استعداد فيها للنبت ولو فرض فيها حصول الشرائط الخارجيّة لنبت البرّ، فإذن
لابدّ لانتزاع مفهوم الاستعداد من شرط داخل في المادّة القابلة؛ ثم ذلك الشرط لا
يمكن أن يكون من الأمور الّتي لها الفعليّة في نفسها، لأنّ الاستعداد في الشيء
مصحّح لكونه قابلاً للكمال و الفعليّة بما هي فعليّة لاتكون مصحّحة للقبول و إلاّ
كان الواجب بالذات قابلاً و هو محال كما تقدّم فإذن لابدّ في المادّة القابلة من
شرط حيثيّة ذاته حيثيّة القوّة و هذه هي الهيولى و هو المطلوب.
إذ الجسم من حيث اتّصاله الجوهريّ أمر بالفعل و الفعليّة بما هي فعليّة ليست مصحّحة للقبول، إذ الشيء يقبل الكمال لكونه فاقدا له لا لكونه واجدا للكمال و إلاّ كان الواجب بالذات و المجرّدات التامّة قابلة و هو باطل بالضرورة، فإذن لابدّ أن يكون مصحّح القبول و موضوعه الذاتيّ أمرا حيثيّة ذاته حيثيّة القوّة و هذه هي الهيولى.
فيه منع، إذ الهيولى و الصورة الجسميّة لاتفارقان و الهيولى ليست حادثة ـ كما سيأتي في الفصل الأوّل من المرحلة التاسعة ـ فكذا الصورة الجسميّة و إلاّ لزم التفارق بينهما، فالمعوّل في دفع الإشكال على ما تقدّم.
أي النفس من جهة ذاتها المجرّدة أمر بالفعل و الفعليّة بما هي فعليّة لاتكون مصحّحة للقبول ـ كما تقدّم بيانه مرارا ـ فهي من جهة ذاتها المجرّدة لاتقبل شيئا من كمالاتها الّتي هي بالقوة فلا يتطرّق في ذاتها المجرّدة حيثيّة القوة بل تستقرّ حيثيّة القوّة في خارج ذاتها المجرّدة، فالنفس تقبل كمالاتها الثانية بسبب أمر خارج عن ذاتها و هو هيولى البدن، فإذن سنوح الإرادات و التصورات و غير ذلك و إن أثبتت الهيولى إلاّ أنّها أثبتها في خارج النفس فليست الحجّة منقوضة بالنفس الإنسانيّة.
لأنّ الحركة كمال أوّل لما هو بالقوة بالنسبة إلى كمالاته الثانية و النفس ليست ممّا هو بالقوّة بالنسبة إلى كمالاته الثانية، لأنّ حيثيّة القوة تستقرّ في خارج ذاتها ـ كما تقدّم بيانه في الإشكال السابق ـ فما هو بالقوة بالنسبة إلى كمالاته الثانية أمر خارج عن ذات النفس و هو هيولى البدن ـ كما تقدّم ـ فلو تحقّقت هناك حركة فتلك الحركة حركة البدن إلى التجرّد و الفعليّة لاحركة النفس نعم لمّا كانت النفس متّحدة مع البدن في الوجود كانت الفعليّة الحاصلة بعد الحركة متّحدة مع فعليّة النفس و بذلك اشتدّ وجودها.
و ذلك لأنّ مادّيّة النفس للصّور المعقولة ليست بالذات بل بعرض هيولى البدن، بخلاف المادّيّة في عالم الأجسام، حيث إنّ هيولى عالم الأجسام مادّة بذاتها.
لأنّ هوية الهيولى ليست إلاّ حيثيّة أنّها قوّة الأشياء، ففعليّة هذه الحيثيّة
ليست إلاّ فعليّة قوّة الأشياء فلا يتحقّق عند فعليّة الهيولى إلاّ حيثيّة قوّه
الأشياء، فإذن فعليّة الهيولى عين قوّتها كما أنّ قوّتها عين فعليّتها و هذا بخلاف
الجسم فإنّ، هويّة الجسم ليست حيثيّة أنّها قوّة الأشياء بل الجسم هو الجوهر
الممتدّ في الجهات الثلاثة ففعليّته بالجوهر الممتدّ في الجهات الثلاثة و قوّته
بهيولاه المغايرة لحيثيّة فعليّته كما تقدّم.
لأنّ الوجود مساوق للفعليّة فإن كان وجود الشيء مساوقا لفعليّة ذاتيّة بأن كان مساوقا لحيثيّة هي بالفعل بذاتها، كان ملازما للفعليّة المقابلة للقوّة لأنّ القوّة، ليست فعلية ذاتيّة و إن لم يكن مساوقا لفعليّة ذاتيّة وجب أن يكون مساوقا لفعليّة غيريّة، بأن كان مساوقا لحيثيّة هي بالفعل بفعليّة غيرها و إلاّ بطل التساوق بين الوجود و الفعليّة، لصدق الوجود هناك بدون فعليّة ذاتيّة و غيريّة أصلاً. ثمّ ذلك الغير يجب أن يكون فعليّة ذاتيّة و إلاّ لزم التسلسل المحال، فإذن الوجود في هذا الشقّ أيضا ملازم للفعليّة المقابلة للمادّة و هو المطلوب.
إن قلت: «إن أريد بالصورة المقوّمة للمادّة ما هو أعمّ من الصورة الجسميّة لم
يصحّ الإستدلال بتبدّل الصور لإثبات عدم كون الصورة تامّة الفاعليّة، فإنّ المفروض
عدم تبدّل الصورة الجسميّة و إن أريد بها الصور المنوّعة فلِمَ لايجوز أن تكون
الصورة الجسميّة فاعلاً تامّا للهيولى و لا تكون لتلك الصور جهة فاعليّة لها
أصلاً»؟
قلت: الصورة الجسميّة لمّا كانت متحدة الوجود مع الصور المنوّعة ـ كما سيأتي بحثه
في آخر الفصل السابع ـ كانت متبدّلة بتبدّل الصور المنوّعة فليست الصورة
الجسميّة و كذا الصور المنوّعة فاعلة للمادّة.
فإن قلت: إنّ للصور النوعيّة وجودا واحدا سيّالاً، فلا تكثّر لها بالفعل بحسب
الوجود الخارجيّ حتّى يتبدّل بعضها إلى بعض.
قلت: الجواب على هذا المبنى أن يقال: إنّ تأثير العلل الجسمانيّة يتوقّف على الوضع
و لا وضع بين الصور الجسميّة و الهيولى و ذلك لاتّحادهما و لأنّ الهيولى لا وضع
لها.
لأنّ المادّة صرف القوّة و صرف الشيء لايتثنّى و لايتعدّد فالمادّة لاتتثنّى و
لاتتعدّد، فهي واحدة بالعدد.
فإن قلت: الهيولى و إن كانت صرف القوة في حدّ ذاتها لكن إذا انضمّ إليها الصور
المختلفة تخرج بذلك عن الصرافة، فتعدّد بتعدّد الصور المختلفة المنضمّة إليها.
قلت: هذيّة هذه الهيولى إن كانت وصفا لنفسها خرجت الهيولى عن صرافة القوّة في حدّ
ذاتها، إذ لابدّ فيها من فعليّة تصير بها هذه الهيولى لا تلك فليست قوّة محضا هذا
خلف، و إن كانت لغيرها لم تكن للهيوليات المفروضة هذيّات مختلفة حقيقة، إذ المفروض
أنّ الهذيّة وصف للغير حقيقة لا للهيولى، فلم تكن الهيولى متعدّدة حقيقة و هذا خلف
أيضا.
لأنّ الوحدة تساوق الوجود تدور حيثما دار الوجود ـ كما سيأتي في المرحلة السابعة ـ فالقوّة و الضعف في أحدهما يلازم القوّة و الضعف في الآخر، ثمّ الواحد بالعموم لمّا كان مشوبا بالكثرة الأفراديّة كانت الوحدة فيه ضعيفة بالنسبة إلى الواحد بالعدد، فكان وجوده أيضا ضعيفا بالنسبة إلى وجود الواحد بالعدد بحكم التساوق بينهما.
توضيحه: أنّ الهيولى لمّا كانت محض القوة لم يحصل لها من ناحية كونها معلولة لصورة معيّنة خصوصيّة تتشخّص بها إذ لو حصل لها خصوصيّة من ناحية الصورة، لخرجت عن كونها قوّة محضا، لأنّ المفروض أنّ الهيولى معلولة لهذه الصورة لا لتلك، فلابدّ فيها من خصوصيّة تُعيّن كونها معلولة لهذه الصورة لا لتلك فلم تكن قوة محضا و هذا خلف، فإذن لا تعيّن في الهيولى فتكون مبهمة الوجود، فلا ضير في كونها معلولة لصورة مّا.
هذا جواب آخر للإشكال، توضيحه: أنّ الفاعل للهيولى هو الأمر المفارق و هو واحد بالعدد إلاّ أنّه يتمّ تأثيره بانضمام أحد أمور يقارنه أيّها كانت و ذلكلايخرجه عن الوحدة العدديّة بل إنّما يجعل الواحد بالعدد تامّ التأثير من جهة حصول المناسبة بواسطته بين المفارق المحض الّذيهو بالفعل من كلّ جهة و بين ما هو في ذاته قوّة محضة.
هذه إشارة إلى جواب ثالث للإشكال، بيانه: أنّ الصور المتبدّلة متعدّدة بالفرض لا بحسب الواقع، لأنّ للصور المختلفة وجودا سيّالاً واحدا بالعدد و العقل ينتزع منه صورا متعدّدة بعد ما فرض فيه انقسامات فرضيّة، فلا تعدّد في الواقع في الصور حتّى تكون العلّة صورة مّا بل العلّة هي الوجود السيّال الواحد بالعدد فلا إشكال.
أي صورة مّا متقدّمة على المادّة بالوجود لكونها شريكة العلّة، و الصورة المعيّنة متأخّرة عن المادّة زمانا لكونها حادثة زمانا و كلّ حادث زمانيّ مسبوق بالمادّة، كما سيأتي في بحث الحركة.
هذا برهان قد استفيد من برهان وجود الهيولى من طريق القوّة و الفعل، فالبحث فيه هو البحث عن ذلك البرهان، فراجع.
قد اختلف الحكماء في أنّ التركيب بين المادّة و الصورة انضماميّ بأن كان للمادّة
وجود و للصورة وجود آخر منضمّ إلى الأوّل، أو اتّحاديّ بأن كان لهما وجود واحد،
فالمشّاؤون على الأوّل و المتأخّرون كالسيد صدرالدّين و صدرالمتألّهين على الثاني،
و الجسم طبيعة نوعيّة تامّة على الأوّل و طبيعة جنسيّة
مبهمة على الثاني.
أمّا الأوّل، فلأنّ الجسم مادّة بالنسبة إلى الصور اللاحقة به و للمادة وجود منحاز
عن الصور على الفرض، فإذن للجسم وجود منحاز عن الصور اللاحقة به على الفرض فلو لم
يكن طبيعة نوعيّة تامّة بل كان طبيعة جنسيّة مبهمة لم يكن له وجود منحاز، إذ المبهم
يحتاج في وجوده إلى شيء آخر حتى يتعيّن بتعيّنه، فيوجد بوجوده فلا وجود له منحازا
مع أنّ المفروض أنّ للجسم وجودا منحازا عن الصور اللاحقة به، هذا خلف، فإذن انحياز
وجود الجسم عن الصور اللاحقة به يقضي بتماميّة طبيعته و خروجه عن الإبهام.
أمّا الثاني، فلأنّ الجسم متّحد الوجود مع الصور على الفرض فلا تعيّن له بدون الصور
المعيّنة، فيكون في حدّ ذاته طبيعة مبهمة، و من هنا تعرف أنّ تماميّة هذا الوجه
مبنيّ على قبول التركيب الانضماميّ و هو موضع تأمّل كما سيأتى.
بيانه: أنّ الجسم إذا كان طبيعة نوعيّة تامّة كان بذاته إمّا غنيّا عن المادّة أو مفتقرا إليها؛ و الأوّل باطل، إذ لو كان غنيّا بذاته كان غنيّا في جميع أفراده، إذ «حكم الأمثال فيما يجوز و لايجوز واحد» لكن التالي باطل، لأنّا نجد بعض الأجسام مفتقرا إلى المادّة، لأنّها حالّة فيها و الحلول عين الافتقار، فكذا المقدّم، فإذن الجسم بذاته مفتقر إلى المادّة و إذا كان كذلك كان مفتقرا إليها في جميع أفراده، إذ حكم الأمثال واحد كما تقدّم.
لأنّه جمع بين المتقابلين، لأنّ ما بالذات لا يزول بالغير و إلاّ احتاج في ثبوته للذات إلى نفي ذلك الغير، فلم يكن بالذات و هذا خلف، فإذن وجوده لنفسه باق بعد ما صار وجوده لغيره و هذا جمع بين المتقابلين.
لمّا كان مدى البرهان تابعة لمقدّماته و كان من مقدّمات برهان استحالة تعرية الجسم عن الهيولى تغيّر الجسم و لحوق الصور و الأعراض به كان مدى البرهان عالم الحركة فبناءًا على هذا إذا ارتفعت الحركة عن العالم الجسمانيّ ببلوغه الغاية لايلحق بالجسم صورة أو هيئة جديدة حتى يجري فيه البرهان، فإذن استحالة تعرية الجسم عن الهيولى في عالم الحركة لا تنافي تعريته عنها بعد بلوغه الغاية و وصوله إلى عالم المجرّدات، لكن هذا المدّعى صحيح إن أثبتنا استحالة التعرية من الطريق الأوّل، أمّا لو أثبتناها من الطريق الثانيفلا ينتج هذه النتيجة، إذ البرهان الثاني مبنيّ على كون الجسم طبيعة نوعيّة و كونه بذاته مفتقرا إلى المادّة، فاستحالة تعرية الجسم عن الهيولى لازم ذاتيّ للجسم، فكلّما ثبت الجسم ثبت إستحالة تعريته عن الهيولى فالعالم الجسمانيّ بعد بلوغه الغاية و وصوله إلى المجرّدات لايتعرى عن الهيولى أيضا، هذا إذا كان البرهان الثاني تامّا، لكن قد تقدّم أنّ ذلك البرهان مبنيّ على التركيب الانضماميّ بين المادّة و الصورة و هو محلّ تأمّل.
إن قلت: «ليس هذا تقييدا في الحقيقة، لأنّها عند بلوغ الغاية على الفرض لاتبقى
جسمانيّة و محدودة بحدودها الماهويّة، فلا يصدق عليها الجوهر القابل للأبعاد
الثلاثة الّذيهو جنس لجميع الصور الطبيعيّة أو لازم لها على الأقلّ، فتخرج عن
القاعدة المبحوث عنها تخصّصا».
قلت: الهيولى ليست مأخوذة في ماهيّة الجسم حتّى تكون مفارقتها عن الجسم زوالاً
للجسميّة، فإنّ ماهيّة الجسم هو الجوهر القابل للأبعاد الثلاثة و لا خبر فيها من
الهيولى فإذن الجوهر الجسمانيّ أعمّ من الجوهر المادّي، فإذا قلنا أنّ الجوهر
الجسمانيّ حالّ في المادّة إلاّ إذا بلغ الغاية، فهذا الاستثناء خروج بالتقييد و
التخصيص لا بالتخصّص.
أي: نشكّ في ثبوتها له بعد ما حصل لنا معنى الجسم و هو الجوهر القابل للأبعاد الثلاثة، فلا يرد عليه أنّ الذاتيّ بيّن الثبوت للذات إذا كانت الذات معلومة بالكنه، أمّا إذا لم تكن كذلك فالذاتيّ يحتاج إلى البرهان في ثبوته للذات.
هذا دليل للتركيب الاتحاديّ بين المادّة و الصورة، توضيحه: أنّ الهيولى لمّا
كانت حيثيّة ذاتها القوة المحضة كان وجودها بعين وجود الصورة، إذ لو كان لها وجود
بنفسها منحازا عن وجود الصورة لكانت لها فعليّة بنفسها و إذا كانت كذلك خرجت عن
كونها قوّة محضة و هذا خلف، فإذن التركيب بين المادّة و الصورة اتّحاديّ لا
انضماميّ.
لأنّ هذه الخواصّ خواصّ للذاتيّ، فتلك المفاهيم من ذاتيّات تلك الأجسام، و من مقوّماتها.
إذ العرض لو كان مقوّما للجوهر للزم أن يكون شيء واحد مندرجا تحت مقولتين و هو باطل.
لأنّ المفروض عدم لحوق الصور النوعيّة بالأجسام فلا شيء زائدا على الجسميّة
المشتركة في الأجسام، فالنسبة الثابتة بين المفارق و كلّ جسم ثابتة بينه و بين سائر
الأجسام، فإيجاد المفارق هذا الأثر عن طريق هذا الجسم دون جسم آخر ترجيح بلا مرجّح.
إن قلت: المخصّص لوجود الأثر هو خصوصيّة علّته الخاصّة فما المانع من كون هذه
الآثار مستندة إلى علل متعدّدة مفارقة من دون أن يكون الأجسام دخيلة في التخصيص؟
قلت: هذه الآثار أعراض متقوّمة بوجود موضوعاتها الّتي هي الأجسام فللأجسام دخل في
تحقّق تلك الآثار، فلو لم يكن في كلّ جسم خصوصيّة تعيّن موضوع الأثر لزم الترجيح
بلا مرجّح و هو محال.
حاصل الجواب: أنّ لتلك الأعراض مخصّصا أيضا، لكن لايكون مخصّصها صورا جوهريّة بل
المخصّص لها هو الوجود المتشخّص لموضوعاتها، لأنّ تلك الأعراض متشخّصة على الفرض
فلابدّ أن يكون مبدئها أمرا متشخّصا و هو وجود موضوعاتها الشخصيّة لا الصور
الجوهريّة، لأنّ الصور من سنخ الماهيّات و الماهيّات ليست متشخّصة بذاتها، فلا تكون
مبدءًا لتشخّص غيرها.
أقول: تقدّم في المرحلة الخامسة أنّ الماهيّة إذا انتزعت من الوجود المتشخّص يجب أن
تكون متشخّصة لأنّها حدّ الوجود و الحدّ في سعته وضيقه تابع لمحدوده، فإذا كان وجود
الموضوع متشخّصا كما اعترفتم به، كان من الواجب أن يكون الماهيّة المنتزعة من ذلك
الوجود الشخصيّ متشخّصة فبناءًا على هذا لابدّ أن يكون بعد الصور الّتي سميّتموها
صورا نوعيّة صور جوهريّة شخصيّة مقوّمة للماهيّة الشخصيّة.
إذ مقتضى قيامه بالموضوع المشخّص عدم تحقّقه بدون ذلك الموضوع و مقتضى عمومه
تحققه بدون تحقّق ذلك الموضوع (لأنّ الأعمّ يصدق على مالا يصدق الأخصّ) فيلزم
التناقض.
قوله: تقتضي من الكمّ و الكيف و الوضع و غيرها عرضا عريض
لأنّ للطبيعة الّتي في الفرد حركة جوهريّة و الحركة الجوهريّة توجب حركة أعراضها
القائمة بها فأعراض الطبيعة متحرّكة بتبع حركتها، ثمّ إنّ للحركة عرضا عريضا،
لأنّها وجود ممتدّ يتحقّق في كلّ آن حدّ خاصّ منه مع حفظ وحدته الشخصيّة، فإذن
الطبيعة الّتي في الفرد تقتضي كمّا شخصيّا ممتدّا يتحقّق في كلّ آن، فرد منه مع حفظ
شخصيّته و كذا الأمر في سائر أعراضه.
و ذلكلأنّ الجسم بما هو جنس للأنواع الّتي تحته مبهم و المبهم لايوجد إلاّ بما يخرجه عن الإبهام فالجسم لايوجد إلاّ بما يخرجه عن الإبهام و ما يخرجه عنه ليس إلاّ الصور النوعيّة لأنّها الّتي تقسّمه و يحصّله نوعا خاصّا فإذن الجسم يحتاج في تحقّقه إلى الصور النوعيّة و الصور النوعيّة مقوّمة لوجوده.
لأنّ الجسم متقوّم بالصورة النوعيّة ـ كما تقدّم و زوال المقوّم يوجب زوال
المتقوّم بالضرورة.
إن قلت: «انّ زوال المقوّم إذا كان موجبا لزوال المتقوّم لزم القول بزوال الهيولى
الأولى بزوال الصورة الجسميّة المقوّمة لها».
قلت: تقدّم في الفصل السادس أنّ الهيولى لمّا كانت قوة محضا لم يحصل لها من ناحية
كونها معلولة لصورة معيّنة خصوصيّة تتشخّص بها إذ لو حصل لها خصوصيّة من ناحية
الصورة لخرجت عن كونها قوّة محضا، إذ المفروض أنّ الهيولى معلولة لهذه الصورة لا
لتلك فلابدّ فيها من خصوصيّة تعيّن كونها معلولة لهذه لا لتلك فلم تكن قوّة محضا
هذا خلف، فإذن لايحصل لهيولى من ناحية الصورة المعيّنة خصوصيّة تتشخّص بها فزوال
مقوّمها الخاصّ و هو الصورة المعيّنة لايضرّ بشخصيّتها الّتي هي عين الإبهام، فإذن
تبدّل الصورة لايوجب تبدّل الهيولى و هذا بخلاف الجسم، فإنّ الجسم ليس قوّة محضا
حتّى يجري فيه هذا البيان بل إذا تقوّم بصورة معيّنة حصل له من ناحيتها خصوصيّة
تعيّن كونه معلولاً لتلك الصورة لا لصورة أخرى و هذه الخصوصيّة لايخالف حقيقته
الفعليّة حتّى يكون خلفا فإذن إن زالت الصورة النوعيّة المعيّنة عن الجسم زالت
خصوصيّته الّتي بها كان ذلك الجسم.
فيه تأمّل، عرفت وجهه في الفصل الأوّل بل الحقّ أنّ للماهيّات العرضيّة و الجوهريّة مقولة واحدة فراجع إن شئت.
عادّ الشيء جزء منه يكون إسقاطه مرارا عن ذلك الشيء مفنيا له كالثلاثة بالنسبة
إلى التسعة، فإنّ إسقاطها عن التسعة مرارا يفني التسعة و كشبر واحد من الخطّ
الّذيطوله عشرون شبرا مثلاً، فإنّ إسقاط الشبر عن ذلك الخطّ مرارا يفنيه.
العبارة في النسخ الموجودة عندنا هكذا، لكن الظاهر أنّها غلط، لأنّ الحدّ
المشترك بين جزئي الخطّ ليس قسما من الخطّ بل الحدّ المشترك بينهما هو النقطة،
لأنّها الّتي كانت بداية لجزء و نهاية لجزء آخر و يمكن تصحيح العبارة بجعل «لا» قبل
«يمكن» فيكون العبارة هكذا: «الخطّ إذا فرض انقسامه إلى ثلاثة أجزاء، فإنّ القسم
المتوسّط لا يمكن أن يجعل بداية لكلّ من الجانبين و نهاية له، فيكون القسمان قسما
واحدا و الخطّ ذا قسمين».
و الحاصل أنّ الجزء المتوسّط بين الجزئين لايمكن أن يكون حدّا مشتركا بينهما، لأنّ
الحدّ المشترك كما تقدّم هو الّذي يكون نهاية لجزء و بداية لجزء آخر و الجزء
المتوسّط لا يكون هكذا، لأنّ الحدّ الذي ينتهي به الجزء الأوّل لايبتدأ منه الجزء
الثالث بل الجزء الثالث يبتدأ بعد انتهاء الجزء المتوسّط، فإذن يجب رفع الجزء
المتوسّط من البين بأن يجعل من تتمّة الجزء الأوّل أو من تتمة الجزء الثالث، فيكون
القسمان من الخطّ قسما واحدا و الخطّ ذا قسمين.
فإن قلت: «إن كان البناءًا على اعتبار الحدّ واحدا من جملة الآحاد فليعتبر في
الشقّ الأوّل أيضا، فتكون الآحاد خمسة لا أربعة، و ان كان البناءًا على عدم اعتباره
من جملة الآحاد، فليفعل في الشقّ الثاني أيضا، فتكون
الآحاد خمسة لا ستّة».
قلت: البناءًا على عدم اعتبار الحدّ من جملة آحاد العدد، لكن التالي الفاسد في
الشقّ الثّانيليس أنّ طبيعة الخمسة ستّة حتّى يرد عليه أنّ الحدّ إذا كان خارجا من
آحاد الخمسة كانت الخمسة خمسة لا ستّة بل التالي هو خلف المفروض.
بيانه: أنّ أجزاء العدد لمّا كانت موجودة بالفعل لا بالفرض كان من الواجب أن يكون
الحدّ المشترك بين القسمين موجودا بالفعل واقعا لا بالفرض، لأنّ فعليّة الأجزاء
تلازم فعليّة الحدّ و حينئذٍ إذا فرضنا أنّ هناك خمسة آحاد، ثمّ قسّمناها إلى ثلاثة
و إثنين وجب أن يتخلّل بين الجزئين واحد بالفعل واقعا لا بالفرض، و المفروض أنّه
خارج من آحاد الخمسة فصار مجموع الآحاد الموجودة بالفعل هناك ستّة و قد كان المفروض
أنّ هناك خمسة آحاد هذا خلف.
ثمّ يمكن إيراد الإشكال على الشقّ الثاني بوجه أبسط بأن يقال: لمّا كانت الأجزاء في
العدد بالفعل و المفروض تخلّل واحد من خارج بين كلّ الجزئين لزم أن يتخلّل واحد بين
الواحد الأوّل و الثاني و واحد بين الثاني و الثالث و واحد بين الثالث و الرابع و
واحد بين الرابع و الخامس، فيصير المجموع تسعة، ثمّ تصير التسعة سبعة عشر بتخلّل
واحد بين كلّ متقاربَين و هكذا فيصير مجموع الآحاد عددا غير متناهٍ و المفروض أنّ
هناك خمسة آحاد هذا خلف.
قيل: «هذا البيان - بصرف النظر عمّا وقع فيه من التسامح حيث اعتبر جزء من الزمان
موجودا بالفعل مع عدم وجود جزءِ بالفعل في الكمّ المتّصل - يدلّ على أنّ القوّة أمر
إضافيّ و يصحّ اعتبار موجود بالفعل قوّة بالإضافة إلى موجود لاحق به من غير حاجة
إلى مادّة تقوم قوّته بها و إلاّ لزم التركّب في الأعراض، و بذلك ينهدم أساس ما
احتجوّا به على إثبات الهيولى الأولى».
اقول: أوّلاً، إنّ المراد بفعليّة جزءِ من الزمان فعليّة حدّ من حدوده الآنيّة، لا
فعليّة قطعة ممتدّة منه، فإنّ الموجود السيّال كالحركة و الزمان يتحقّق بالفعل في
كلّ آن حدّ من حدوده الآنيّة لا قطعة من أجزائه الممتدّة، فلا يرد على المصنّف: أنّ
جزء الكمّ المتصل غير موجود بالفعل؛ إذ المراد بعدم
فعليّة الجزء في الكمّ المتّصل عدم فعليّة قطعة منه لا الحدود الآنيّة إن كانت فيه،
فالإشكال ينشأ من الخلط بين معنى الجزء الفعليّ في الموجود السيّال و الجزء الفعليّ
في الكمّ المتّصل.
و ثانيا، أنّ المراد بكون كلّ جزءِ منه قوّة للجزء التالي اتّحاد كلّ حدّ آنيّ مع
قوّة الأجزاء اللاّحقة في أصل الوجود، لا وحدتهما و عينيّتهما من دون اختلاف أصلاً
و هذا الاتّحاد لاينافي ما احتجوّا به في إثبات الهيولى من أنّ حيثيّة فعليّة الجسم
مغايرة لحيثيّة قوّة كمالاته الثانية فإنّ المنفيّ هناك وحدتهما و عينيّتهما من دون
اختلاف أصلاً، أي إنّ حيثيّة الفعليّة ليست عين قوّة كمال آخر من دون اختلاف أصلاً
بل هما حيثيّتان مختلفتان من جهة (ولو في مرتبة الوجود) متّحدّتان في أصل الوجود،
فإذن المنفيّ هناك غير الثابت هنا، فلا تهافت بين الكلامين.
لأنّ الشيء إذا كان بالفعل يترتّب عليه آثاره المطلوبة منه و إذا كان بالقوّة لا يترتّب عليه تلك الآثار، فلو اجتمع فيه فعليّته و قوّته للزم الجمع بين المتنافيين.
إذ الأشياء الموجودة في الخارج متّصفة بالأعداد، فإنّ هذه الكتب مثلاً متّصفة بكونها ثلاثة في الخارج فظرف الاتّصاف الخارج و ثبوت الثلاثة للكتب في الخارج فرع ثبوت الثلاثة في الخارج، إذ ثبوت شيءلشيء في كلّ وعاء فرع ثبوت الثابت في ذلك الوعاء بالضرورة، فالثلاثة موجودة في الخارج، فإذن العدد من الأمور الموجودة فى الخارج؛ نعم إنّه من أنحاء الوجود لا من سنخ الماهيّات إذ كلّ عدد كثرة خاصّة و الكثرة من أنحاء الوجود، لا من سنخ الماهيّات فالعدد من أنحاء الوجود لا من سنخ الماهيّات و ذلك لأنّ الخاصّ عين العامّ مصداقا فكون الكثرة و هو العامّ من أنحاء الوجود، يلازم كون العدد و هو الخاص منّ أنحاء الوجود، و أيضا لو كان العدد من سنخ الماهيّات لانقسم الإثنان مرّتين: مرّة باعتبار كونه كثرة و مرّة باعتبار ماهيّته الكمّيّة المغايرة لحيثيّة كثرته الّتي هي من أنحاء الوجود، لكن التالي باطل بالضرورة فكذا المقدّم.
إن قلت: «الجسم التعليميّ أو الحجم ينتزع من حدود الجسم الطبيعيّ، و السطح ينتزع
من حدّ الحجم كما أنّ الخطّ هو طرف السطح، و النقطة طرف الخطّ، و الحدود و الأطراف
أمور عدميّة، فلايصحّ عدّها من الماهيّات الحقيقيّة».
قلت: الطرف و إن كان نهاية لذي الطرف، و النهاية عدميّة لكنّ السطح مثلاً ليس نفس
النهاية حتّى يقال أنّه «من الأمور العدميّة فلا يصحّ عدّه من الماهيّات الحقيقيّة»
بل السطح ما به ينتهي الحجم، فهو من الأمور الوجوديّة.
إن قلت: المكعب و المخروط و الهرم و غيرها موجودة في الخارج بالضرورة فما معنى
هذا الشرط؟
قلت: الأجسام الموجودة في الخارج و إن كانت بحسب الظاهر مكعبا أو مخروطا أو هرما أو
غيرها، لكن لمّا احتمل أن يكون ملتقى الجانبين في هذه الأجسام منحنيا بحسب الواقع
احتمل أن لايتحقّق في الخارج هذه الأجسام بحسب الواقع، إذ لو كان الملتقى منحنيا
كان أحد الجانبين في امتداد الآخر فكان هناك سطح واحد لا سطوح متقاطعة، فلا تقاطع
هناك حتى يتحقّق الخطّ من تناهي السطوح عند التقاطع.
هذا إذا كان العدد من سنخ الماهيّات و قد تقدّم آنفا أنّ العدد ليس كذلك بل هو من أنحاء الوجود، فراجع.
كالأوّلية للإثنين فإنّ الإثنين أوّل الأعداد، إذ الواحد ليس بعدد، و الثانويّة للثلاثة و الثالثيّة للأربعة و هكذا، و كالمربّعيّة و هي أن يكون العدد حاصل مضروب جزءِ منه في نفسه كالأربعة، فإنّها مربّع للإثنين و كالمكعّبيّة و هي أن يكون العدد حاصل مضروب جزءِ منه في نفسه مرّتين كالثمانية، فإنّها مكعّب الإثنين و كالصمم و هو أن لايكون للعدد جزء منه يعدّه غير الواحد كالسبعة، فإنّها لاتعدّها إلاّ الواحد.
فيه: أنّ الاشتراك في الأثر لا يدلّ على الاشتراك في الماهيّة النوعيّة، إذ يمكن أن يكون الأثر المشترك للجنس المشترك بين الأنواع المتعدّدة.
إن قلت: سيأتي في الفصل الثالث عشر أنّ المصنّف رحمهالله مثّل للشكل بالكرة و
المخروط و المكعب، و الشكل من الكيفيّات، فكيف عدّها هنا من الكميّات المتّصلة.
قلت: إنّ في الكرة مثلا كيفيّة عارضة و هي الكرويّة، و كمّيّة معروضة و هو الحجم، و
المراد هنا بالكرة المعروض، كما أنّ المراد بها هناك العارض فلا تهافت بين
الكلامين.
أي: لايضادّ الخطّ خطّا، إذ ليس بين خطّين غاية الخلاف، إذ كلّ خطّ إذا قيس إلى خطّ آخر أطول منه صار البعد بينهما أكثر، إذا فرض خطّ آخر أطول من الأطول منهما.
لأنّ موضوع الجسم التعليميّ الجسم الطبيعيّ و موضوع السطح الجسم التعليميّ، و موضوع الخطّ السطح، فلا يكون هناك موضوع مشترك.
إذ لا خطّ أشدّ في الخطّيّة من خطّ آخر.
أي: هذا التشكيك واقع في وجود الخطّ مثلاً، لا في ماهيّته و ذلكلأنّ التشكيك في الماهيّة باطل عندهم فتأمّل.
هذا البرهان هو المسمّى بالبرهان الترسيّ و قد قرّر بوجهين:
الأوّل، أنّا نفرض خطّا غير متناه و دائرة خرج من مركزها خطّ آخر غير متناه
أيضا موازيا لذلك الخطّ، فإذا تحرّكت الدائرة حول
مركزها حدثت المسامتة بين الخطّين بعد توازيهما، ثمّ لازم حدوث المسامتة بينهما
حدوث نقطة هي أوّل نقطة التلاقي، إذ لولا التلاقي أصلاً لكان الخطّان باقيين على
التوازي و قد فرض زوال التوازي و حدوث المسامتة هذا خلف، و لو كان التلاقي موجودا
لكن لايوجد هناك نقطة هي أوّل نقطة التلاقي لم تكن التلاقي مسبوقا بالعدم بل لم يزل
موجودا فيما قبل فلم تكن المسامتة حادثة بل كانت ازليّة و قد فرض حدوثها بعد
التوازي، هذا خلف أيضا.
فإذن ثبت أنّ الدائرة إذا تحرّكت حدثت هناك نقطة هي أوّل نقطة التلاقي، لكن حدوث
هذه النقطة محال عند فرض عدم تناهي الخطّ، إذ لايمكن أن يفرض على الخطّ غير
المتناهي نقطة إلاّ و قبلها نقطة أخرى هي أولى بالأوّليّة و إذا امتنع حدوث هذه
النقطة امتنع حدوث الحركة المستديرة و هو باطل بالضرورة، فإذن فرض عدم تناهي
الأبعاد باطل.
الثاني، إنّا نفرض خطّا غير متناه و دائرة خرج من مركزها خطّ آخر غير متناه أيضا
مسامتا لذلك الخطّ فإذا تحرّكت الدائرة حول مركزها بمقدار مساوٍ للزاوية الّتي بين
الخطّين زالت المسامتة وحدثت التوازي بينهما، ثم لازم زوال المسامتة بين الخطّين
وجود نقطة هي آخر التلاقي، إذ لو لم توجد نقطة هي آخر التلاقي لكان التلاقي بين
الخطّين مستمرّا دائما فلا يحدث التوازي أصلاً و هو خلاف الضرورة، إذ الدائرة إذا
تحرّكت بمقدار مساوٍ للزاوية الّتي بين الخطّين حدث التوازي بين الخطّين بالضرورة،
فإذن لازم زوال المسامتة وجود نقطة هي آخر التلاقي بين الخطّين لكن وجود هذه النقطة
عند فرض عدم التناهي محال، إذ لايمكن أن يفرض على الخطّ غير المتناهي نقطة إلاّ و
قبلها نقطة اُخرى هي أولى بالاخريّة، و إذا امتنع تحقّق هذه النقطة امتنع تحقّق
الحركة المستديرة و هو باطل بالضرورة، فإذن فرض عدم تناهي الأبعاد باطل.
و هي أنّ الخطّين المتوازيين لايتلاقى أحدهما الآخر بخلاف الخطّين المسامتين (أي اللّذان أحدهما مائل بالنسبة إلى الآخر) فإنّ أحدهما يتلاقى الآخر في نقطة، ثمّ إنّ المبادي التصديقيّة في كلّ علم إن كانت بيّنة سمّيّت علوما متعارفة و إن كانت نظريّة فإن أذعن بها المتعلّم بحسن الظنّ بالمعلّم سمّيّت أصولاً موضوعة و إن أخذها مستنكرا سمّيّت مصادرة.
أمّا الأوّل فهو بأن نفرض خطّ «الف ب» متناهيا من طرف «الف» و غير متناه من طرفه
الآخر، ثم نفرض خطّا آخر كذلك مع حذف مقدار متناه عنه من طرفه المتناهي و ليكن بعد
الحذف «ج د» فيكون خطّ «الف ب» أزيد من خطّ «ج د» بمقدار متناه، فإذا فرضنا انطباق
مبدأ الخطّ الثانيو هو «ج» على «الف» فلا يخلو إمّا أن
يمتدّا معا إلى غير النهاية، فيكون الزائد مثل الناقص و مساويا له و هو محال أو
يقصر خطّ «ج د» عن خطّ «الف ب» فيكون خطّ «ج د» متناهيا في طرف «د» و خطّ «الف ب»
أزيد من خطّ «ج د» بمقدار متناه، فيكون المجموع ـ أي: خطّ «الف ب» ـ متناهـيا في
طــرف «ب» أيـضا و هـو الـمطلـوب.
و أمّا الثاني فهو بأن نفرض امتدادين خارجين من مبدء واحد كهيئة ساقي المثلّث
المتساوي الأضلاع، فيكون مقدار الانفراج بين الإمتدادين مساويا لمقدار كلّ من
الإمتدادين، فإذا كان الساقان غير متناهيين كان مقدار الانفراج غير متناه أيضا مع
أنّه محصور بين الحاصرين، أي الساقين، هذا خلف.
إذ الخلاء عبارة عن الفضاء الخالي عن الشاغل فيكون حجما من دون معروض يقوم به.
أي لايصحّ أن يقال: «العدد غير متناهٍ بالفعل» لأنّه غير معقول، إذ العدد كمّ و
الكمّ له عادّ يعدّه حتّى يفنيه، فعدم النهاية فيه بالفعل ينافي فنائه بالعدّ، لكن
يصحّ أن يقال: «ليس العدد متناهيا بالفعل» لأنّ هذه القضيّة سالبة و السالبة تصدق
بانتفاء موضوعها.
أي إلى الخاصّة الّتي للكمّ و الأعراض النسبيّة الّتي هي أجلى منهما، فلا يعرّف
الكيف بما يساويه في المعرفة.
هذا هو رأي بعض القدماء و أكثر المتأخّرين من أصحاب العلوم الطبيعيّة الحديثة و يردّه أنّ النور لو كان جسما لم يخلُ إمّا أن يكون شفّافا أو لايكون شفّافا فإن لم يكن شفّافا كان وقوع النور على الشيء سببا لتستّره لا لظهوره و هذا خلاف الضرورة و إن كان شفّافا لزم زوال شفيفه بازدياد النور و تراكمه على الشيء فإنّ الأجسام الشفّافة كالبلور إذا كانت متراكمة زال شفيفها و إذا زال شفيف النور بالتراكم كان تراكمه سببا للتستّر أيضا لا للظهور مع أنّ النور كلّما ازداد وقوعه على الشيء زاد ظهور ذلك الشيء، هذا خلف.
لأنّ الصوت لايحسّ باللّمس لكن التموّج يحسّ باللّمس، فإنّ الشديد منه ربّما يضرب الصماخ فيفسد، فالصوت ليس بالتموّج و كذا الصوت لايحسّ بالبصر لكن القلع و القرع يحسّان بالبصر، لأنّهما تفريق و إمساس فالصوت ليس بقلع و لا بقرع.
و ذلك لأنّا كما ندرك الصوت ندرك جهته و قربه و بعده و هذه الأوصاف أوصاف
للأصوات الخارجيّة لا لما حصل في الحسّ، إذ الحاصل في الحسّ قد كان واصلاً إليه،
فلا معنى لقربه و بعده إليه و لا للجهة بالنسبة إليه، فإنّ المتوجّه إلى الشيء
منفصل عنه إجمالاً.
إن قلت: يكفي في إدراك الجهة أنّ الهواء المتموّج يجيىء من تلك الجهة و في إدراك
القرب و البعد أنّ التموّج الحاصل من القارع القريب أقوى من البعيد.
قلت: لو كفى في إدراك الجهة أنّ الهواء المتموّج يجيىء منها لما أدركت الجهة الّتي
على خلاف جهة الأذن السامعة، فإنّ السامع قد يشدّ أذنه اليمني و يجيىء الصوت من
يمينه فيسمعه بأذنه اليسرى و يعرف أنّه جاء من يمينه مع أنّ الهواء المتموّج واصل
إلى السامع من خلاف جهة الصوت، و كذا لو كفى في إدراك القرب و البعد ذلك لزم أن
يشتبه القوّة و الضعف بالقرب و البعد، فلم يميّز بين البعيد القوىّ و القريب الضعيف
و هو خلاف الوجدان.
قالوا إنّ الطعم لابدّ له من فاعل و هو الحرارة أو البرودة أو الكيفيّة المتوسّطة بينهما، و من قابل و هو الكثافة أو اللّطافة أو الكيفيّة المعتدلة بينهما، فإذا ضرب أقسام الفاعل في أقسام القابل حصلت أقسام تسعة، ففعل الحرارة في اللطيف يحدث الحرافة (و هي بالفارسية «تيزي» كطعم الفلفل) و في الكثيف المرارة و في المعتدل الملاحة و فعل البرودة في اللطيف يحدث الحموضة و في الكثيف العفوصة و في المعتدل القبض و فعل الكيفيّة المتوسّطة يحدث في اللطيف الدسومة كطعم الشحم و في الكثيف الحلاوة و في المعتدل التفاهة (و هي بالفارسية «بى مزهگى» كطعم الحديد) ثمّ إنّ الفرق بين القبض و العفوصة، أنّ الأوّل يقبض ظاهر اللسان وحده و الثاني يقبض ظاهره و باطنه معا.
الرطوبة كيفيّة تقتضي سهولة التشكل، و اليبوسة بالعكس، و اللطافة تخلخل الشيء و
الكثافة امتلائه، و اللزوجة ما يقتضي سهولة الاجتماع و صعوبة التفرق، و الهشاشة ما
يقتضي صعوبة الاجتماع و سهولة التفرق، و الخشونة اختلاف أجزاء الشيء و بالفارسية
«ناهموارى»، و الملاسة استوائها، و الصلابة ما يقتضي الممانعة من قبول الغمر إلى
الباطن، و اللين مايقتضي قبول الغمر إلى الباطن.
الفصل الثالث عشر
في الكيفيّات المختصّة بالكمّيّات
التربيع كون العدد حاصل مضروب جزءِ منه في نفسه؛ و التجذير عكس التربيع، فالتسعة مثلاً مربّع للثلاثة كما أنّ الثلاثة مجذور للتسعة.
أخرج به الزاوية كما سيأتي.
هذا هو المختار عند الحكماء، أمّا الرياضيّون فالشكل عندهم كمّ أحاط به حدّ أو حدود إحاطة تامّة، فالدائرة مثلاً عند الحكماء هيئة حاصلة للسطح من إحاطة خطّ واحد؛ و عند الرياضيّين سطح أحاط به خطّ واحد ... .
في المثال تأمّل، لعدم صدق التعريف عليه، لأنّ سطح المخروط حدّ واحد، فلا يحصل فيه إحاطة من حدّين أو حدود.
هذا البرهان يثبت التخالف النوعيّ بين المستقيم و المستدير و هما من الكميّات و
المدّعى في عبارة المصنّف رحمهالله التخالف النوعيّ بين الاستقامة و الاستدارة و
هما من الكيفيّات، فالبرهان لايطابق المدّعى، فإذن يجب جعل المدّعي التخالف النوعيّ
بين المستقيم و المستدير، كما فعله صدر المتألّهين في
الأسفار.(1)
ثمّ توضيح البرهان: أنّ الاستقامة و الاستدارة لازمتان لموضوعيهما، إذ لو لم يكن
كذلك لجاز زوالهما عن موضوعهما مع بقاء موضوعهما، لكن هذا الأمر محال؛ إذ لايمكن أن
يتغيّر حال النهاية؛ إلاّ مع تغيّر حال ذي النهاية، فما لم يتغيّر الخطّ مثلاً لم
يتغير حال استقامته، فإذن زوال الاستقامة يستلزم زوال موضوعها، فلا يمكن زوال
الاستقامة مع بقاء موضوعها فلا تكون الاستقامة عرضا مفارقا بالنسبة إلى موضوعها بل
هي لازمة له و إذا كانت لازمة له علم أنّ الخطّ المستقيم مثلاً نوع مغاير للمستدير
إذ اللاّزم للشيء إمّا أن يكون ذاتيّا له أو يكون لازماً لذاتيّه و إلاّ جاز زواله
عن ذلك الشيء، فلم يكن لازماً له، هذا خلف؛ و إذا ثبت أنّ الاستقامة مثلاً ذاتيّة
للخطّ المستقيم أو لازمة لذاتيّه ثبت أنّ الخطّ المستقيم بذلك الذاتيّ نوع من أنواع
الخطّ و هو المطلوب.
إن قلت: سيأتي أنّ الكميّات يجوز فيها الحركة، فيجوز تغيّر الخطّ مثلاً بنحو
الحركة و سيأتي أيضا أنّ وجود الحركة لايزال باقيا إلى آخر الحركة، فبناءًا على هذا
إذا تحرّك الخطّ المستقيم و صار مستديرا بقي الخطّ بوجوده الشخصيّ و زال عنه
استقامته، فلا تكون الاستقامة من لوازم موضوعها حتى يستقيم البرهان.
قلت: الاستقامة و أنواع الاستدارات كيفيّات عارضة لحدود الحركة و هي وجودات آنيّة
لا لنفس الحركة الّتي هي الوجود الممتدّ الباقي، فمعروض الاستقامة و الاستدارات هي
الحدود الآنيّة الّتي لاتبقي شيء منها أكثر من آن واحد، فلا يمكن أن يزول وصف
الاستقامة مع بقاء معروضها، لأنّ معروضاتها آنيّة الوجود فلا بقاء لها.
1 - ج 4، ص 168.
لأنّ الامتداد الحاصل بين ساقي المنحني كلّما كان أقلّ كان الانحناء أكثر و لا نهاية لقلّة ذلك الإمتداد، إذ يجوز انقسامه إلى غير النهاية.
يمكن معارضة هذا الدليل بأنّ الخطّ المستقيم إذا تحرّك و صار مستديرا اشتدّ وجوده بخروجه عن القوّة إلى الفعل، إذ الحركة نحو اشتداد في وجود الشيء كما سيأتي في المرحلة التاسعة، فالاشتداد واقع بين المستقيم و المستدير و أمّا ما قيل من أنّ المستقيم لا يتضمّن المستدير و بالعكس، فإن أريد به أنّ المستدير مثلاً لايتضمّن المستقيم بحسب الوجود فذلك ممنوع، إذ كلّ حدّ في الحركة فعليّة لما قبله و قوّة لما بعده، و إن أريد به أنّه لا يتضمّنه بحسب الماهيّة فذلك جارٍ في كلّ اشتداد، فإنّ الماهيّة المنتزعة من كلّ حدّ تغاير الماهيّات المنتزعة من سائر الحدود بحسب النوع، و الماهيّة النوعيّة لاتتضمّن ماهيّة نوعيّة أخرى، أضف إلى ذلك أنّ عدم كون المستدير من مراتب المستقيم مبنيّ على عدم وقوع التشكيك في الماهيّة، لكن قد عرفت المناقشة فيه في المرحلة الخامسة، ثمّ إنّ المصنّف سيرجع من هذا النظر في الفصل التاسع عشر.
و هو كون العدد حاصل مضروب جزءِ منه في نفسه مرّتين كالثمانية، فإنّ جزءًا منها و هو الإثنين إذا ضرب في نفسه مرّتين صار المجموع ثمانية فالثمانية مكعّب للإثنين (8 = 2×2×2).
أي لايحتاج في ماهيّته النوعيّة إلى الزوجيّة و غيرها من الكيفيّات العارضة الخارجة عن ماهيّة العدد.
أي موضوعه النهائيّ، فإنّ الزوجيّة عارضة للعدد و العدد كمّ عارض للمعدود.
حاصله: أنّ صدور الأثر من لوازم ذات الفاعل التامّ، فلا يمكن التراخي بين ذات
الفاعل التامّ و صدور الأثر منها، لكن الاستعداد يلازم التراخي بين المستعدّ و
المستعدّ له، فالفاعليّة التامّة بالنسبة إلى أثر و استعداد صدور ذلك الأثر من ذلك
الفاعل التامّ ممّا لايجتمعان في ذات، فإذا قلنا أنّ الشيء الفلانيّ مستعدّ لأنّ
يكون فاعلاً لأثر لابدّ أن يكون ذلك الشيء فاعلاً ناقصا إذ الفاعليّة التامّة
لاتجامع استعداد صدور الأثر كما تقدّم و إذا كان ناقصا كان الاستعداد المفروض في
الحقيقة لقبول مايتمّ به فاعليّته لا لفاعليّته، فيدخل هذا القسم في النوع الأوّل
فلا يكون هذا نوعا على حدة.
لأنّ الماهيّة المنتزعة من المرتبة الضعيفة لو كانت عين الماهيّة المنتزعة منالمرتبة الشديدة للزم التشكيك في الماهيّة، إذ الماهيّات المنتزعة من المراتب المختلفة مختلفة، فلو كانت مع اختلافها متحدة النوع لرجع الكثرة إلى الوحدة و هذا هو التشكيك في الماهيّة و التشكيك في الماهيّة باطل عندهم فتأمّل.
الفرق بينهما أي الشهوة و الإرادة أنّ الشهوة هي الميل المنبعث عن ملائمة الشيء للقوى الحيوانيّة؛ و الإرادة هي الميل المنبعث عن تشخيص المصلحة بواسطة القوّة العاقلة، كما أنّ النفرة هي الانزجار المنبعث عن منافات الشيء للقوى الحيوانيّة، و الكراهة هي الانزجار المنبعث عن تشخيص المفسدة بواسطة القوّة العاقلة.
الشوق هو الميل إلى جذب اللذيذ و يسمّى شهوة، أو إلى دفع المكروه و يسمّى غضبا.
يمكن أن يكون إشارة إلى أنّ الشوق ربّما لم يتحقّق و إن قضت النفس الإنسانية بكون الفعل كمالاً كما هو الحال في شرب دواءِ كريه ينفعه، و بالعكس ربّما يتحقّق الشوق و ان لم تقض النفس بكون الفعل كمالاً كما هو الحال في أكل طعام لذيذ يضرّه، فما قالوا من أنّ الشوق يتبع الحكم بكون الفعل كمالاً محل تأمّل.
كالإنسان الّذيقُطع رجله في حال السباحة و لمّا يعلم بعدُ بقطع رجله فانّه يريد تحريك رجله لكن لا رجل له حتّى يتحرك، فهذا يشهد بأنّ الإرادة أمر موجود مغاير لتحريك العضلة.
إذ لو توقّف الشوق على شوق آخر أو على إرادة، و الإرادة مسبوقة بالشوق لنُقل الكلام إلى الشوق السابق، فيذهب الأمر إلى غير النهاية و هذا هو التسلسل.
فإنّ الإنسان إذا هدّده جبّار بأنّه إن لم يقم من جنب الجدار، هدم الجدار عليه يقوم عن ذلك المكان بالإرادة للنجاة عن القتل.
قيّد بكونها في الحيوان، لأنّ هذا التفسير لاينطبق على القدرة الواجبيّة، إذ الواجب لايتطرّق إليه الصحّة و الإمكان.
أي لا من حيث كونه حاكيا عن الخارج، فإنّ الصورة العلميّة من حيث كونها حاكية عن الجوهر جوهر بالحمل الأوّلي و من حيث كونها حاكية عن الكمّ كمّ بالحمل الأوّلي و هكذا.
إنّ العلم الحصوليّ عند المصنّف يحصل للمدرك بسبب اتّصال أدوات الإدراك بالخارج، فإنّ النفس مثلاً إذا اتّصلت من طريق الحواس بالخارج استعدّت لأن تشاهد موجودات مثاليّة أو عقليّة فتأخذ منها صورة و هذه الصورة حاضرة للنفس بوجودها الخارجيّ، فهي علم حضوريّ لكن اتّصال الحواسّ بالخارج يوجب أن تتوهّم النفس أنّ الحاضر عندها هو صورة من الشيء الخارجيّ بدون آثاره الخاصّة فتحكم بأنّ هذه الصورة علم حصوليّ، فإذن العلم الحصوليّ يحصل من ناحية اتّصال أدوات الإدارك بالموادّ الخارجيّة و هذا الاتّصال لمّا لم يوجد في المفارقات التامّة لأنّها مجرّدة ذاتا و فعلاً لم يحصل لها العلم الحصوليّ.
أي حاضرة عند المفارقات، لأنّ العلوم الحصوليّة متّحدة الوجود مع المعاليل و ذلك لاتّحاد العالم و المعلوم كما سيأتي و المعاليل حاضرة بوجوداتها عند المفارقات الّتي هي عللها، فالعلوم الحصوليّة حاضرة عند المفارقات.
العقل العمليّ قد يطلق و يراد به القوة الّتي تدرك الأمور المتعلّقة بالعمل(1)، أي: الأمور الّتي ينبغي أن يفعل بما هو نافع أو حسن ،أو ينبغي أن يترك بما هو ضارّ أو قبيح، و الذي يقابل هذا المعنى هو العقل النظريّ و هو القوّة الّتي تدرك الأمور غير المتعلّقة بالعمل، و قد يطلق و يراد به الهيأة الحاصلة للنفس بها تعمل النفس أفاعيلها الجزئيّة(2) و ليس من شأنها أن تدرك شيئًا بل هي عمّالة فقط و الّذي يقابل هذا المعنى هو العقل النظريّ الّذي من شأنه إدراك الأمور سواء كانت متعلّقة بالعمل أو لا و المراد هنا هو الثاني دون الأوّل.
امّا المتعلّقة بالقوّة العاقلة فهي كالشكّ و الجهل المركّب و الجهل البسيط و المكر، و أمّا المتعلّقة بالقوّة الغضبيّة فهي كالخوف و صغر النفس و القساوة و دنائة الهمّة و أمّا المتعلّقة بالقوة الشهويّة فهي كحبّ المال و حبّ الرياسة و غيرهما.
المزاج كيفيّة متوسّطة حاصلة من اجتماع كيفيات ملموسة و هي الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة، و الإنسان إن كان معتدل المزاج فهو سالم و إلاّ فمريض.
1 - راجع: الاسفار و تعليقة السبزواري، ج 9، ص 82.
2 - راجع: التحصيل، ص 789.
الشهوة: كيفيّة نفسانيّة تتبعها حركة الروح إلى الظاهر جذبا للملائم و طلبا
للتلذّذ، و المراد بالروح هنا جسم لطيف بخاريّ يتكوّن من لطائف الأخلاط و ينتشر
بواسطة العروق إلى جميع أجزاء البدن. و الغضب: كيفيّة نفسانيّة تتبعها حركة الروح
إلى الخارج دفعا للمنافر و طلبا للانتقام، و الخوف: كيفية نفسانيّة تتبعها حركة
الروح إلى الداخل دفعة هربا من الموذي. و الفزع: كيفيّة نفسانيّة تتبعها حركة الروح
إلى الداخل هربا من الموذي واقعا كان أو متخيلاً. و الحزن: كيفيّة نفسانيّة تتبعها
حركة الروح إلى الداخل قليلاً قليلاً. و الهمّ: كيفية نفسانيّة يتبعها حركة الروح
إلى الداخل و الخارج لحدوث أمر يتصوّر فيه خير يتوقّع أو شرّ ينتظر. و الخجل:
كيفيّة نفسانيّة تتبعها حركة الروح إلى الداخل و الخارج، لأنّ الروح ينقبض أوّلاً
إلى الباطن ثم يخطر بالبال أنّه ليس فيه كثير مضرة فينبسط ثانيا. و الفرح: كيفيّة
نفسانيّة تتبعها حركة الروح إلى خارج البدن قليلا قليلاً، طلبا للوصول إلى الملذّ.
و السرور:كيفيّة نفسانيّة يتبعها انبساط القلب و الدم.
و الغم: كيفيّة نفسانيّة تتبعها حركة الروح إلى الداخل خوفا من موذٍ واقع عليه.
فإدراك الحلاوة لذّة لذائقة المريض بما أنّه ملائم لها و إن لم يكن كذلك بالنسبة إلى سائر قواه و كذا إدراك مرارة الدواء لذائقة المريض ألم بما أنّه مناف بالنسبة إليها و إن لم يكن كذلك بالنسبة إلى سائر قواه.
إنّ اللذّة تتفاوت بحسب تفاوت الإدراك، فإنّ الإدراك كلّما كان أقوى كانت اللذّة
أشدّ، ألا ترى أنّ العاشق إذا رأى معشوقه من مسافة أقرب كان إدراكه أقوى و لذّته
أشدّ، ثمّ إنّ الإدراك يتفاوت بحسب تفاوت تجرّد المدرِك، لأنّ حيثيّة الإدراك عين
المدرِك بالذات كما سيأتي، فكلّما كان المدرِك أتمّ تجرّدا كان وجوده أقوى فكان
الإدراك و هو عين المدرِك بالذات أقوى فإذن لمّا كان العقل أتمّ تجرّدا من الحسّ و
الخيال كان إدراكه أقوى فكان لذته أشدّ.
إن قلت: لو كانت اللذّة العقليّة أقوى لوجب أن يكون التذاذنا بالمعقولات أقوى و فوق
ما نلتذّ بالمحسوسات و ليس كذلك بل قد لا نجد لذّة من المعقولات.
قلت: إنّ أكثر نفوسنا لم ترتق إلى التجرّد العقليّ فالملائمة بين نفوسنا و
معقولاتنا ضعيفة و ضعف الملائمة يوجب قلّة الالتذاذ.
توضيح الإشكال: أنّ الألم مع أنّه شرّ بالذات بالضرورة أمر وجوديّ لأنّه إدراك
زوال الاتّصال مثلا لا نفس زوال الاتّصال الّذيهو أمر عدميّ، فكون هذا الأمر
الوجودي شرّا بالذات يناقض قول الحكماء «إنّ الشرّ بالذات عدميّ» و هذا الإشكال
للمحقّق الدوّاني و أجاب عنه صدرالمتألّهين بأنّ الألم إدراك حضوريّ لا حصوليّ و
الإدراك الحضوريّ عين المدرَك فالألم الذي هو إدراك زوال الإتّصال مثلا عين الزوال،
فهو و إن كان نوعا من الإدراك لكنّه من أفراد العدم فيكون شرّا بالذات فلا ينتقض
قولهم بأنّ الشرّ بالذات عدميّ.
ثمّ إنّ المصنّف قد اعترض على هذا الجواب في حواشيه على «الاسفار»(1) بأنّ كون
الألم إدراكا حضوريّا غير مطّرد، و الشاهد عليه: أنّ الحس كثيرامّا يخطىء في مدركه
اللذيذ أو المؤلم و لا معنى للخطاء في المعلوم الحضوريّ و أيضا أنّ الألم قد يحصل
لمن أدرك موت حبيبه إدراكا تخيّليّا كاذبا، فلو كان الألم علما حضوريّا لما حصل له
الألم، إذ المدرَك و هو موت الحبيب غير موجود واقعا، و أيضا من المسلّم أنّ هذه
الإدركات الحسّيّة زمانيّة بمعنى أنّ بين ورود المحسوس على العضو الحسّاس فصلاً
زمانيّا و لو كان معلوما حضوريّا لم يكن لذلك معنى.
1 - راجع: الأسفار، ج 7، ص 63؛ ج 6، ص 160.
2 - راجع: الأسفار، ج 7، ص 65.
أقول الحقّ في الجواب ما قاله المحقّق السبزواريّ(2) من أنّ الألم بما هو إدراك،
أمر وجوديّ و ليس من هذه الجهة شرّا بالذات بل الشرّ بالذات هو حيثيّة عدم ملائمة
هذا الإدراك لمن له الألم و مجرّد عدم ملائمته لذي الألم لا يخرجه عن الوجوديّة
كما أنّ سمّ الحيّة مع كونه وجوديّا غير ملائم لغير الحيّة.
إنّ النسبة المنتزعة من الوجود الرابط ليست بمقولة عند المصنّف و استدلّ عليه
بأنّ النسبة ليست بماهيّة و المقولة ماهيّة جنسيّة، فينتج من الشكل الثاني أنّ
النسبة ليست بمقولة، أمّا الكبرى فواضحة وأمّا الصغري فهي لوجهين.
الأوّل: أنّ النسبة ليست مستقلّة في المفهوميّة، لأنّها منتزعة من الوجود غير
المستقلّ، أي: الوجود الرابط و لذا لا تحمل على شيء و لا يحمل عيلها شيء لكن
الماهيّة معنى مستقلّ يحمل على الشيء في جواب ما هو، فالنسبة ليست بماهيّة.
الثاني: أنّ النسبة في بعض المقولات كالإضافة و الوضع متكرّرة و لا معنى لتكرّر
الماهيّة في شيء واحد، فالنسبة ليست بماهيّة.
أقول: صغرى الدليل ممنوعة، لأنّ الوجود الرابط وجود محدود فلابدّ له من ماهيّة
تحدّه و هي النسبة المنتزعة منه، و الوجهان المذكوران لإثبات الصغرى ممنوعان أيضا؛
أمّا الأوّل فلأنّ كليّة الكبرى فيه ممنوعة و قد تقدّم وجه المنع في آخر الفصل
الأوّل من المرحلة الثانية و أمّا الثاني فلأنّ النسبة الثانية في مقولة الإضافة
قيد خارج عن المقولة فلا تكرار لنفس المقولة و كذا الأمر في الوضع، فإنّ الوضع هيأة
حاصلة للشيء من تحقّق نسب أخرى بين الشيء و خارجه و بين أجزائه و هذه النسب و إن
كانت ماهيّات متعدّدة إلاّ أنّها خارجة عن حقيقة الوضع محصّلة لها فلا
إشكال كما أنّ الخطّ ماهيّة خارجة عن ماهيّة الانحناء
محصّلة لها.
اختلف الحكماء في أنّ الإضافة هل هي هيأة حاصلة من النسبة المتكرّرة أو هي نفس النسبة المتكرّرة؛ و المختار عند المصنّف رحمهالله هو الأوّل، لكن الحقّ هو الثاني، لأنّ الإضافة لو كانت هيأة حاصلة من النسبة المتكرّرة لكانت موجودة بوجود زائد على موضوعها و حينئذٍ تكون حالّة في موضوعها فيعرض لها إضافة الحاليّة و المحلّيّة، و هذه الإضافة أيضا موجودة في الخارج بوجود زائد على موضوعها، فتكون حالّة في محلّ فننقل الكلام إليها، فيذهب الأمر إلى غير النهاية و هو محال و هذا الإشكال غير وارد على القول بأنّ الاضافة هي النسبة المتكرّرة لأنّ النسبة موجودة بالوجود الرابط و الوجود الرابط ليس زائدا على وجود طرفه، بل هو موجود بعين وجود طرفه، فلا يكون الإضافة زائدة على موضوعها حتّى يحصل هناك إضافة الحالّيّة و المحلّيّة، فينتقل الكلام إليها، فيذهب الأمر إلى غير النهاية.
كامتناع اجتماع طرفي الإضافة في شيء واحد من جهة واحدة، فإنّ الأبوّة و البنوّة لاتجتمعان في موضوع واحد من جهة واحدة.
إذ لو ضمّ ضميمة لكانت الضميمة حالّة في موضوعها، فيعرض لها إضافة الحالّيّة و المحلّيّة و هذه الإضافة أيضا ضميمة أخرى، فينتقل الكلام إليه فيذهب الأمر إلى غير النهاية و هو محال.
توضيحه: أنّ الزمان المتقدّم ليس مغاير الذات للزمان المتأخّر بل لهما ذات واحدة
مشتركة، لأنّ الزمان حقيقة متّصلة الأجزاء و الاتّصال معيار الوحدة في الممتدّات
فإذن للزمان المتقدّم و الزمان المتأخّر ذات واحدة مشتركة هي الزمان المتّصل
الوحدانيّ.
إذا عرفت هذا، نقول: إنّ الزمان المتقدّم و الزمان المتأخّر معان في الزمان، إذ
المعيّة الزمانيّة ليست إلاّ اشتراك أمرين في زمان واحد و هذا حاصل هنا بالإتّصال
بين الأجزاء المفروضة، إذ بالإتّصال يحصل الوحدة في ذات الأجزاء فالأجزاء المفروضة
في الزمان مشتركة في ذات واحدة هي الزمان المتّصل الوحدانيّ، فالزمان المتقدّم و
الزمان المتأخّر معان باشتركهما في ذات الزمان المتّصل الوحداني. و بعبارة أخرى:
إنّ المعيّة الزمانيّة عبارة عن حيثيّة اشتراك الأمرين في زمان واحد كما أنّ
التقدّم و التأخّر هنا عبارة عن حيثيّة عدم اشتراكهما في زمان واحد بأن كان لكلّ
زمان ممتاز عن الاخر و لمّا كان الزمان حقيقة مشكّكة و ما به الامتياز في الحقيقة
المشكّكة عين ما به الاشتراك كان معيار المعيّة الّذيهو حيثيّة الاشتراك عين معيار
التقدّم و التأخّر، فالمتقدّم و المتأخّر هنا معان باشتراكهما في الذات الّتي هي
معيار للتقدّم و التأخّر أيضا.
هذا جواب آخر عن الإشكال، توضيحه: أنّ العلم و المعلوم ليسا من المتضائفين حتّى
يرد فيه النقض المذكور و ذلك، لأنّ العلم و المعلوم لو كانا متضائفين لم يمكن
اتّحادهما ذاتا، لأنّ المتضائفين متقابلان و المتقابلان لايجتمعان في ذات واحدة
فالعلم و المعلوم لو كانا متضائفين لم يتّحدا ذاتا لكن التالي باطل بما سيأتي في
مرحلة العاقل و المعقول فكذا المقدّم.
فمكان الرأس هو السطح الحاوي من العمامة مثلاً كما أنّ مكان العمامة هو سطح الرأس المحويّ بالعمامة.
أمّا كونه جوهرا فلأنّه لو كان عرضا لكان قائما إمّا بالمتمكّن أو بما استقرّ المتمكّن فيه، لكن كلاهما باطلان، إذ المكان لو كان قائما بالمتمكّن أو بما استقرّ المتمكّن فيه لانتقل بانتقال موضوعه، لكنّ التالي باطل، لأنّ المكان ثابت و لو انتقل المتمكّن أو ما استقرّ المتمكّن فيه فكذا المقدّم فليس المكان عرضا و أمّا كونه مجرّدا، فلأنّه لو كان جوهرا مادّيا لتداخل أبعاد الجسم المتمكّن و أبعاد المكان المادّيّة و التالي باطل فكذا المقدّم.
أي لمّا كانت الأمارات الأربعة بديهيّة لايمكن إنكارها وجب أن يقال إنّ المنكرين لم ينكروا المكان من أصله، بل انّهم أنكروا المكان بالتعاريف السابقة و حينئذٍ وجب عليهم أن يرجعوا المكان إلى مقولة الوضع، لأنّ غير الوضع من الجوهر و سائر الأعراض لاينطبق على المكان، إذ الجوهر و الكمّ يوجد في التعاريف السابقة و هم أنكروا التعاريف و أمّا الكيف و الأعراض النسبيّة غير الوضع لايصدق عليها الأمارات، فإنّ الكيف و الأعراض النسبيّة لايسكن فيها و لا يقدر فيها النصف و الثلث و الربع و غيرها، فإذن لابدّ لهم أن يرجعو المكان إلى مقولة الوضع لكن يرد على تعريفهم أنّ الجسم ربما ينتقل من مكانه مع عدم تغيّر في وضعه و ربّما يعرضه التغيّر في وضعه مع عدم انتقاله من مكانه و هذا يدلّ على أنّ المكان ليس من الوضع إذ الثابت غير المتغيّر.
توضيحه: أنّا نشاهد الأجسام متمانعة من التداخل و منشأ التمانع هو المقدار لا الهيولى و لا الصورة و لا سائر الأعراض؛ أمّا الهيولى فلأنّ حيثيّتها حيثيّة القبول و الانفعال لا الفعل فلا تمنع من شيء و أمّا الصورة فلأنّ الجسم الواحد قد يتخلخل فيشغل حيّزا كبيرا، ثمّ يتكاثف فيشغل حيّزا صغيرا مع بقاء صورته بحالها، فعلم أنّ الصورة في حدّ ذاتها ليست شاغلة للحيّز و إلاّ لما اختلفت الشغل مع اتّحادها، و أمّا سائر الأعراض فلأنّها لا تشغل الأحياز بالذات، إذ لا بُعد لها بالذات فلا تكون شاغلة لها فإذن ثبت أنّ الشاغل بالذات هو المقدار، و من هنا علم أنّ المانع من التداخل هو المقدار، فلو كان المكان بُعدا يلزم تداخل المقدارين و هو محال.
أي الاحتمالات المذكورة في تمانع الأجسام غير حاصرة؛ لأنّ من المحتمل أن يكون
المانع من التداخل الهيولى مع المقدار أو الصورة مع المقدار أو هما معه، لا المقدار
فقط حتّى يقال إنّ مقدار الجسم المتمكّن يمانع مقدار المكان.
المراد بالزمان أمّا نفسه أو طرفه، أي الآن.
هذا إذا كان الزمان المأخوذ في المتى الزمان العامّ، أمّا إذا كان الزمان المأخوذ فيها الزمان الخاصّ بكلّ حركة، فالأمر في المتى كالأمر في الأين.
إذ ليس في جوهر ذاتها حركة و سيلان حتى تنطبق حركتها على الزمان فيحصل لها
«متى».
قد اعتبر نسبة المجموع إلى الخارج في تعريف الوضع، إذ لولاه لم يكن فرق بين القيام و الانتكاس أو بين الاستلقاء و الانبطاح و ذلك لتشابه النسب الّتي بين الأجزاء في القيام و الانتكاس أو في الاستلقاء و الانبطاح، ثمّ إنّ المراد بالمجموع المنسوب إلى الخارج مجموع الأجزاء بالأسر لا مجموع الأجزاء بما هو كلٌّ حتّى يقال: اعتبار هذه النسبة غير ضروريّ لاختلاف النسبة بين الأجزاء باختلاف جهة الأجزاء، فإنّ المعتبر ليس نسبة المجموع بما هو كلّ حتّى يرد هذا الإشكال.
المراد بما بالقوّة ما هو موجود بالفرض و التوهّم نظير فرض دائرة قرب قطب الرحى، فإنّ الوضع في هذه الدائرة بالقوّة إذ لا دائرة هناك بالفعل حتّى تكون وضعها بالفعل.
هذا ينافي ما تقدّم في الفصل الثالث عشر من إنكار الاشتداد في المستقيم و المستدير و يؤيّد المناقشة الّتي أوردناها هناك، فراجع إن شئت.
فإنّ الوحدة بما هي وحدة لو كانت قابلة للإشارة الحسّيّة لجاز الإشارة إلى وحدة الواجب أيضا مع أنّه محال إذ الوحدة عين الوجود، فلو جازت الإشارة إلى وحدة الواجب لجازت الإشارة إلى وجوده تعالى و هو باطل بالضّرورة.
لا يخفي أنّ هذه المناقشة تنافي ما تقدّم في المكان من أنّ المكان بُعد جوهريّ
مجرّد عن المادّة و هو مع ذلك ذو وضع قابل للإشارة الحسّيّة.
لأنّ حقيقة الملك الحقيقيّ ليست إلاّ كون الشيء لغيره بحيث يتصرّف فيه كيف يشاء و الكون هو الوجود.
في مقولتي أن يفعل و أن ينفعل
من للتبعيض، أي ما له نوع من الحركة.
هذا و إن كان صحيحا إلاّ أنّ اللازم منه أنّ الفعل و الانفعال ليسا من المقولات، لأنّ وجود كلّ منهما لو كان وجود الكيف مثلاً من حيث يؤثّر في غيره أو يتأثّر من غيره لكان وجودهما عين وجود الكيف، لأنّ الكيف المقيّد بالتأثير أو بالتأثّر كيف أيضا لا شيء زائد عليه إذ المقيّد عين المطلق مصداقا، فلا يكون هناك شيء آخر زائد على الكيف حتّى يقال أنّه من مقولة أخرى كأن يفعل أو أن ينفعل.
تقدّم أنّ اللازم من هذا عدم كون الفعل و الانفعال من المقولات.
في كون الانقسام عين الكثرة مفهوما تأمّل بل منع، إذ الانقسام عبارة عن تفرّق المجتمعات و الكثرة عبارة عن اجتماع المتفرقات و من المعلوم أنّ الأوّل مغاير للثّاني و لذا يقال إنّ الأربعة تنقسم بمتساويين و لايقال انّها تتكثّر بمتساويين.
إذ قد أخذ نفي الانقسام في تعريف الوحدة و الانقسام المنفيّ هو الكثرة على ما قالوا.
إن قلت: «إنّ ما يكون بالذّات واجدا للانقسام بالفعل هو العدد و قد حقّقنا أنّه
أمر اعتباريّ لاوجود حقيقيّا له، و أمّا المعدودات فليس لمجموعها وجود و لا وحدة، و
أمّا كلّ واحد منها فله وجود و وحدة إلاّ أنّه لا يتّصف بالكثرة، و أمّا الوحدات
غير الحقيقيّة فسيأتي أنّها مجازيّة لايصحّ عدّ البحث عنها بحثا فلسفيّا فتقسيم
الموجود إلى الواحد و الكثير لايرجع إلى محصّل».
قلت: إن كان المراد من اعتباريّة العدد أنّه لا واقعيّة له في الخارج أصلاً، فذلك
باطل كما تقدّم في المرحلة السابقة، فإنّ الأشياء الموجودة متّصفة بالأعداد في
الخارج، فإنّ هذه الكتب مثلا ثلاثة في الخارج، فظرف الاتّصاف الخارج و ثبوت الثلاثة
للكتب في الخارج فرع ثبوت الثلاثة فيه لأنّ ثبوت شيء لشيء في الخارج فرع ثبوت
الثابت فيه، فالثلاثة موجودة في الخارج، و إن كان المراد منها أنّ العدد لايكون
موجودا إلاّ بوجود موضوعه كما أنّ الأمرفي الوحدة كذلك، فذلك مسلّم لكن لايضرّ هذا
بتقسيم الموجود إلى الواحد و الكثير إذ كلّ من القسمين متحقّق.
توضيح الأشكال: أنّ الكثير من حيث هو كثير، موجود و الكثير من حيث هو كثير ليس
بواحد، فينتج من الشكل الثالث أنّ بعض الموجود ليس بواحد، أمّا الصغرى فلما تقدّم
من أنّ الموجود ينقسم إلى الواحد و الكثير، فالكثير قسم خاصّ من مطلق الموجود و كلّ
ما ثبت الخاصّ ثبت العامّ فكلّما ثبت الكثير ثبت أنّه موجود، و أمّا الكبرى فلأنّ
الواحد و الكثير قسيمان، و القسيمان متباينان، فالكثير ليس بواحد فإذن ثبتت النتيجة
و هي: أنّ بعض الموجود ليس بواحد و هذه القضيّة تناقض قولهم «كلّ موجود فهو واحد».
والجواب: أنّ المراد بالواحد في كبرى القياس إن كان الواحد بالوحدة العامّة منعنا
الكبرى، إذ الواحد بالوحدة العامّة شامل للكثير أيضا، و إن كان المراد به الواحد
بالوحدة الخاصّة الّتي هي مقابلة للكثرة؛ سلّمنا الكبرى لكن النتيجة الحاصلة من
القياس ليست إلاّ قولنا: « بعض الموجود ليس بواحد بالوحدة الخاصّة»؛ و من المعلوم
أنّ هذه القضيّة لاتناقض قولنا: «كلّ موجود فهو واحد»؛ إذ الواحد في هذا القول هو
الواحد بالوحدة العامّة فالمحمول في القضيّتين مختلف، مع أنّ وحدة المحمول شرط
للتناقض.
فإنّ لحقيقة الوجود في نفسها أوصافا تساوي حقيقة الوجود، فتدور حيثما دار الوجود
و تظهر حيثما ظهر كالوحدة و الفعليّة و الخارجيّة و غيرها، ثمّ لمّا كان حقيقة
الوجود ذات مراتب مختلفة و كان بعض مراتبها أشدّ و أقوى بالقياس إلى بعض كان من
الواجب أن تكون أوصافها المساوية لها ذات مراتب مختلفة، فكان بعض مراتبها أشدّ و
أقوى من بعض و هذا يوجب نوع انقسام بين مصاديق تلك الأوصاف كما توجب ذلك بين مصاديق
نفس الحقيقة.
المراد بصرف الشيء الوجود، لأنّه الأصيل الواقع حقيقة فهو الشيء حقيقة و هو صرف، إذ لا غير حتى يتخلّل الوجود أو في مراتبه، فالوجود و مراتبه صرف خالص عن الأغيار فإذن الصرف من كلّ شيء وجوده؛ ثمّ إنّ الوحدة في كلّ وجود عين الواحد لأنّ كلّ وجود موجود بنفس ذاته لا بوجود زائد فالوجود عين الموجود، فيجب أن يكون الوحدة عين الواحد و إلاّ كان كلّ وجود موجودا في مرتبة ذاته و ليس بواحد في تلك المرتبة و هذا يبطل التساوق بين الوجود و الوحدة.
إذ لو تثنّى لامتاز كلّ منهما بشيء ليس في الآخر، فلا يكون شيء منهما صرفا، هذا خلف.
أي يقبل الإشارة الحسّيّة.
في كون الواحد بالعموم بمعنى السعة الوجوديّة من أقسام الواحد بالوحدة غير الحقّة تأمّل؛ إذ الوجود عين الوحدة فكما أنّ الوجود موجود بنفس ذاته كذلك الوحدة في الوجود واحدة، بنفس ذاتها، فليس الوحدة هنا زائدة على الواحد حتى يكون هذا الواحد من أقسام الواحد غير الحقّة.
هو عبارة عن حقيقة الوجود مقيّدة بالإطلاق و يسمّى عند العرفاء بالنفس الرحمانيّ و الفيض المقدّس و الحقيقة المحمّديّة، و الدليل على انبساطه على كلّ الوجودات الإمكانيّة إطلاقه؛ إذ لو لم يكن جامعا بوجوده البسيط لكلّ الوجودات الإمكانيّة، لكان فاقدا لمرتبة من مراتب الوجود، فيلزم تقيّده فيخرج عن الإطلاق و المفروض خلافه، هذا خلف.
لعلّه إشارة إلى أنّ الواحد السعيّ ليس من أقسام الواحد غير الحقّة كماتقدّم
منّا.
الهوهويّة مصدر جعليّ مأخوذ من «هو هو» و المراد بأحد الضميرين الموضوع و بالآخر المحمول.
فيه تأمّل، إذ الكثرة الفرضيّة لاتنافي الوحدة الواقعيّة، فيجوز لنا أن نفرض في الخطّ مثلا أجزاء فرضيّة و هو مع ذلك حقيقة متّصلة واحدة في الواقع، فجهة الاختلاف الّتي هي الكثرة الفرضيّة اجتمعت مع جهة الاتّحاد الّتي هي الوحدة الواقعيّة؛ فالتحقيق في الجواب أن يقال: إنّ الحمل في مثل قولنا: «هذا النصف من الذارع هو النصف الآخر» ليس باطلاً بل هو صحيح ،إذ مفاده عبارة عن الحكم بالاتّحاد الواقعيّ بين الموجودين الفرضيّين، أي إنّ النصف الذي نفرضه مغايرا للنصف الآخر متّحد معه في الوجود واقعا ليس بينهما انفصال واقعيّ، فالاتّصال الواقعيّ بينهما يجعلهما واحدا واقعا و إن كانا عند فرضنا مختلفين.
قد تقدّم البحث عنه في الفصل الخامس من المرحلة الخامسة، فراجع إن شئت.
الحمل عبارة عن الإتّحاد بوجه بين المختلفين بوجه، فإن كان هذا الاتّحاد في الذهن كان الحمل ذهنيّا كاتّحاد الموضوع و المحمول في القضيّة المعقولة، و إن كان في الخارج كان الحمل خارجيّا كاتّحاد الوجود مع شؤونه الذاتيّة في الخارج، مثلاً الذات الوجوديّة الّتي للمعلول في مرتبة العلّة عين الذات الوجوديّة الّتي للعلّة، فهما متّحدتان في تلك المرتبة في الخارج و إن اختلفتا من حيث إنّ تلك الذات للعلّة أوّلاً و للمعلول المتّحد معها ثانيا فهذا نوع من الحمل الخارجيّ.
مثّل بثلاثة أمثال: لأنّ الاتّحاد بينهما إمّا أن يكون في الوجود بالذات بأن يكون الاتّحاد في وجود منسوب إليهما بالذات كما في المثال الأوّل، فإنّ الوجود المنسوب إلى زيد هو بعينه منسوب إلى الإنسان أيضا بالذات، و إمّا أن يكون في الوجود بالعرض بأن يكون الاتّحاد في وجود منسوب إلى أحدهما بالذات و إلى الاخر بالعرض كالمثال الثاني، فإنّ الاتّحاد في وجود منسوب إلى الموضوع بالذات و إلى المحمول بالعرض، أو يكون الاتّحاد في وجود منسوب إليهما بالعرض، كما في المثال الثالث، فإنّ الاتّحاد في وجود منسوب إلى الموضوع و المحمول بالعرض.
لأنّ كثرة الحدّ تدلّ على كثرة المحدود، فكثرة الماهيّة الّتي هي حدّ للوجود تدلّ على كثرة الوجود مع أنّ المفروض كون الوجود واحدا.
لأنّ الوجود النفسيّ وجود ينتزع منه الماهيّة الّتي هي حدّ موجب لسلب ما ورائه عن المحدود، فيكون الوجود النفسيّ وجودا بشرط لا و الوجود بشرط لا، يأبى عن الاتّحاد مع غيره، بخلاف الوجود النعتيّ حيث أنّه لاينتزع منه الماهيّة، فيكون وجودا لابشرط فلا يأبي عن الاتّحاد، فالاتّحاد بين الموضوع و المحمول إنّما يقع في الوجود النعتيّ لا في النفسيّ.
هذا و إن كان عدولاًعن التعريف الذي ذكر للحمل الشايع حيث إنّ جهة الاختلاف في ذلك التعريف عبارة عن اختلاف مفهومي الموضوع و المحمول و هي فيما ذكره الآن عبارة عن اختلاف وجودهما النفسيّ، لكن المآل واحد إذ الاختلاف بين مفهوميهما ناشٍ عن الاختلاف بين وجودهما النفسيّ.
تقدّم أنّ الاتّحاد يقع في الوجود النعتيّ بأن يكون المحمول بوجوده الناعت متّحدا مع الموضوع بوجوده المنعوت و هذا راجع إلى قول المنطقيّين حيث إنّهم حلّلوا القضيّة الى عقدين: عقد الوضع و هو اتّصاف ذات الموضوع بوصفه العنوانيّ؛ و عقد الحمل و هو اتّصاف ذات الموضوع بوصف المحمول، ثمّ قالوا: إنّ المعتبر في عقد الوضع هو الذات أي الملحوظ فيه بالأصالة هو الذات المنعوتة و أمّا وصفه الناعت فهو مرآة بها ينظر إلى تلك الذات و قولهم هذا بحذاء ما قلنا من أنّ الموضوع هو الوجود المنعوت؛ و المعتبر في عقد الحمل هو الوصف و هذا القول بحذاء ما قلنا من أنّ المحمول هو الوجود الناعت.
و هذا الحمل ينقسم إلى قسمين، لأنّ الاختلاف بالكمال و النقص إمّا أن يكون
فعليّا بأن يكون اختلاف المرتبة بين الموضوع و المحمول بالفعل، كأن يقال: المعلول
هو العلّة وجودا، فإنّ المعلول و إن كان موجودا بوجود علّته، لما سيأتي في مرحلة
العلّة و المعلول إلاّ أنّ مرتبة وجوده الخاصّ أضعف من مرتبة علّته بالفعل، و إمّا
أن يكون شأنيّا بأن يكون الموضوع متّحد الوجود و المرتبة مع المحمول لكن إذا صدر
أحدهما عن الاخر صار أضعف وجودا من مصدره كقولنا: بسيط الحقيقة كلّ الأشياء
الوجوديّة، فإنّ الأشياء الوجوديّة موجودة في مرتبة بسيط الحقيقة بعين وجود بسيط
الحقيقة و بعين مرتبته، لكنّها إذا صدر شيء منها عنه صار أضعف وجودا منه، فحمل
الأشياء الوجوديّة على بسيط الحقيقة من أقسام حمل الحقيقة و الرقيقة و إن لم يكن
اختلاف المرتبة بالفعل.
مثّل بالمثالين، إذ لا فرق بين أن يكون أفراد الموضوع موجودة بالذات كما في المثال الأوّل أو تكون موجودة بالعرض كما في المثال الثاني.
أي كان لموضوعه أفراد لايمكن أن يكون لها تحقّق بحسب نفس الأمر و الواقع بل بحسب الفرض و الاعتبار بخلاف القضايا البتيّة؛ فإنّ لموضوعها أفرادا يمكن أن تتحقّق بحسب نفس الأمر و الواقع و إن كانت غير موجودة بالفعل.
المقسم في هذا التقسيم و ما قبله الحمل الشايع فلايرد أنّ الحمل في مثل «الإنسان حيوان ناطق» خارج من أطراف التقسيم.
هذا القول للمحقّق الدواني و جعَل الاستلزام بدل الفرعيّة، إذ الفرعيّة تقتضي تأخّر الفرع عن الأصل في الخارج بخلاف الاستلزام حيث أنّه لايقتضي تأخّر المستلزَم عن المستلزِم في الخارج، كما يقال: المعلول مستلزم للعلّة، فإنّ هذا الاستلزام لايقتضي تأخّر العلّة في الخارج عن المعلول.
إذ لاتخصيص في القاعدة العقليّة و هذا القول للفخر الرازيّ.
الحقّ أنّ التقابل أخصّ من الغيريّة الذاتيّة، كما عليه صدرالمتألّهين(1) و ذلك لجواز تحقّق الغيريّة الذاتيّة بدون تحقّق التقابل، فإنّ كلّ مفهوم من المفاهيم منعزل بذاته عن غيره، فيدفع كلّ منهما الآخر بذاته فيتحقّق الغيريّة الذاتيّة بينهما و مع ذلك لا يكونالتدافع من أقسام التقابل كما سيصرّح به المصنّف في بحث التضاد، فإذن الغيريّة الذاتيّة أعمّ من التقابل و السرّ في ذلك: أنّ الكثرة الحقيقيّة لا تتحقّق إلاّ بالامتياز الذاتيّ بين الأفراد، و لازم الامتياز الذاتيّ التدافع الذاتيّ فيدفع كلّ منها الآخر بذاته، فإذن الكثرة الحقيقيّة تكفي في تحقّق الغيريّة الذاتيّة لكن لا تكفي في تحقّق التقابل، لأنّ للتقابل شرائط أخرى كما سيأتي كاعتبار الموضوع أو ما يجري مجراه فما قاله المصنف هنا من أنّ الغيريّة الذاتيّة تسمّى تقابلاً محلّ تأمّل.
1 - الأسفار: 2 / 101.
سيأتي أنّ من الواجب في التقابل اعتبار أمر ثالث يتعاقبان عليه المتقابلان و هذا الأمر الثالث في التناقض متن القضيّة لأنّها الّتي يرد عليها السلب و الإيجاب.
أمّا ما خرج عن دائرة الزمان من مصاديق التقابل، فلا ملزم لتقييده بالزمان و بوحدته كوجود الواجب و عدمه، فإنّهما متقابلان و لايتوقّف تقابلهماعلى وحدة الزمان.
لأنّ المثلين من جهة ذاتهما المشتركة متلائمان فلا تدافع بينهما أصلاً.
لأنّ الصدق و الكذب من أوصاف القضايا الموجبة و السالبة، إذ الصدق عبارة عن: مطابقة الخبر للواقع، و الكذب عبارة عن: عدم مطابقته للواقع؛ فما لم يكن هناك قضيّة خبريّة لم يكن هناك صدق أو كذب و لذا لايتّصف المفردات و المركّبات الناقصة حتّى قولنا: «إن جاء زيد» بالصدق و الكذب، فلو كان التناقض واقعا في المفردات بما هي مفردات لايصحّ أن يقال: النقيضان لايصدقان معا و لا يكذبان معا.
أي أخذناه لا بحسب انتسابه إلى شيء آخر بالحمل.
أي لايكون التناقض من طرف واحد كما توهّم من قولهم: «نقيض كلّ شيء رفعه» حيث إنّ العدم رفع للوجود و الوجود ليس رفعا للعدم بل رفعه عدم العدم.
توضيحه:أنّ الإنسان و اللاإنسان باعتبار كونهما مفهومين مطاردين لايتناقضان؛ لأنّ التطارد المفهوميّ يوجد بين كلّ مفهومين مفروضين فلو كان التطارد المفهوميّ معيارا لوقوع التناقض لكان كلّ مفهومين مفروضين متناقضين وهو باطل بالضرورة؛ و كذا إنّهما لايتناقضان باعتبار أنّ أحدهما مفهوم الإنسان و الآخر مفهوم عدم الإنسان، لأنّ احد النقيضين يجب أن يكون معدوما و ليس شيء من مفهومي الإنسان و اللاإنسان كذلك أمّا الأوّل فواضح و أمّا الثاني فلأنّ مفهوم اللاإنسان و إن كان عدما بالحمل الأوليّ، لكنّه من الموجودات بالحمل الشايع فإذن لابدّ في التناقض بينهما من حكاية أحدهما عن ثبوت الإنسان في الواقع و حكاية الآخر عن نفي ذلك في الواقع و هذا هو مفاد الهليّتين البسيطتين، فالتناقض يقع بينهما أصالة و بين المفردين بالتبع.
لا يخفى أنّ هذا البيان قاصر عن إفادة المقصود، لأنّ غاية ما يثبت به: أنّ العقل ينال أوّلاً مفهوم التناقض من طريق القضايا؛ لانّه ينال أوّلاً مفهوم الوجود و العدم من الوجود الرابط و عدمه في القضايا، لكن فرق بعيد بين أن يقال إنّ التناقض يقع أوّلاً بين السلب و الإيجاب و أن يقال إنّ العقل ينال أوّلاً التناقض بين السلب و الإيجاب.
تعريض على المحقّق اللاهيجيّ في الشوارق حيث فسرّ «القول و العقد» في عبارة التجريد بالوجود اللفظيّ و الذهنيّ، فيكون معنى العبارة على هذا التفسير هكذا: «إنّ تقابل السلب و الإيجاب إنّما يقع في الوجود اللفظيّ و الذهنيّ لا في الخارجيّ»، و المصنّف استظهر أنّ المراد بالعبارة أنّ تقابل السلب و الإيجاب إنّما يقع في القضيّة لا في المفرد.
لمّا كان قولهم «نقيض كلّ شيء رفعه» ظاهرا في أنّ التناقض جارٍ من طرف واحد حيث
إنّ العدم رفع للوجود و ليس الوجود رفعا للعدم بل رفعه عدم العدم حاولوا تصحيح ذلك
بوجوه. منها توجيه بعضهم بأنّ المراد بالرفع الرفع بمعناه المصدريّ الأعمّ الممكن
أخذه بمعنى الفاعل و المفعول، فالعدم رفع للوجود بمعنى الرافعيّة و الوجود رفع
للعدم بمعنى المرفوعيّة، و منها تصحيح بعضهم بالعدول عن ذلك إلى قولهم «رفع كلّ شيء
نقيضه» أي قالوا كل ما هو رفع لشيء فهو نقيض له لكن ليس كلّ نقيض للشيء رفعا له،
فللعدم نقيضان: أحدهما عدم العدم و الآخر الوجود.
و منها ما وجّهه المصنّف من أنّ المراد بالرفع الطرد الذاتيّ لا السلب و من المعلوم
أنّ الوجود يطرد بذاته العدم كما أنّ العدم يطرد بذاته الوجود.
أقول: يرد على الوجه الثاني أنّ هذا التصحيح تسليم للإشكال و على توجيه المصنّف
أنّ الطرد الذاتيّ أعمّ من الطرد الموجود في التناقض،
فلا يكون التعريف مانعا عن الأغيار نعم لو كان الطرد الذاتيّ منحصرا في الطرد
الموجود بين الوجود و العدم لصحّ ذلك.
ليس المراد أنّ التناقض إنّما يقع في الذهن إذ لو كان المراد هذا لم يقع تطارد بين الوجود و العدم في الخارج، فجاز اجتماعهما في الخارج و هو باطل بالضرورة بل المراد أنّ الذهن يعتبر للعدم شيئيّة في الخارج فإذا اعتبره الذهن شيئًا في الخارج وقع التناقض بينهما في الخارج واقعا و لا بُعد في وقوع التناقض بينهما بحسب الواقع مع كون العدم شيئًا بالفرض، لأنّه نظير الملازمة الواقعيّة بين المقدّم المفروض و تاليه في القضيّة الشرطيّة.
إن قلت: يمكن صدق القضايا و لو أنكرنا المنفصلة، لأنّ كذب المنفصلة الحقيقيّة
إمّا بصدق طرفيها، أو بكذب طرفيها فنفرض أنّ طرفي تلك المنفصلة صادقان، فالسلب و
الإيجاب صادقان و كلّ قضيّة مفروضة لاتخلو من أمرين: إمّا موجبة أو سالبة و المفروض
أنّ الإيجاب و السلب كليهما صادقان، فالقضيّة المفروضة صادقة في فرض إنكار
المنفصلة.
قلت: لو صدق السلب و الإيجاب في كلّ قضيّة لكان تلك المنفصلة و سلبها صادقين أيضا و
إذا كان تلك المنفصلة و سلبها صادقين كانت المنفصلة صادقة بالضرورة و إذا كانت
صادقة وجب الحكم بمفادها و هو إمّا أن يصدق السلب أو يصدق الإيجاب، فلا يجتمعان في
الصدق، فصدق كلّ قضيّة مفروضة يتوقّف على كذب نقيضها و إلاّ اجتمعا في الصدق و هذا
خلف.
قيل: «الحقّ أنّ تقابل العدم و الملكة ليس قسما برأسه بل هو قسم من تقابل التناقض». لكن فيه أنّ أحكام الأعمّ جارية على الأخصّ فلو كان تقابل العدم و الملكة قسما من التناقض لكان ارتفاع العدم و الملكة محالا، إذ ارتفاع النقيضين محال بالضرورة لكن التالي باطل، فإنّ الجدار مثلا لايكون بصيرا و لا أعمى، فالمقدّم مثله.
أي الموضوع بطبعه ـ لولا المانع ـ يقتضي أن تكون الملكة ثابتة له كالإنسان مثلا الّذييقتضي بطبعه لولا المانع أن يكون بصيرا و هذا بخلاف الموضوع في التناقض، فإنّ الموضوع متساوي النسبة إلى طرفي الوجود و العدم فلا يقتضي شيئًا منهما كالإنسان مثلاً، فإنّه لايقتضي الوجود و لا العدم بل يتساوي نسبته إليهما.
إذ الأمرد ليس من شأنه أن يكون ملتحيا قبل أوان بلوغه، فلا يكون عدم التحائه في
ذلك الوقت عدم ملكة و كذا العقرب ليس من شأنه أن يكون بصيرا في وقت مّا حتّى يكون
عدم البصر في ذلك الوقت عدم ملكة، هذا و لكن هذا إذا كان الموضوع طبيعته النوعيّة
أمّا إذا كان الموضوع طبيعته الجنسيّة، فإنّ فقد العقرب للبصر وقت وجوده عمى، إذ
الحيوان وقت وجوده شأنه أن يكون بصيرا.
توضيح الإشكال: أنّ التقابل من أقسام التضايف إذ المتقابلان لايعقل أحدهما إلاّ
مع الاخر، فلو جعل التضايف من أقسام التقابل لزم أن يكون التقابل قسيما للتضادّ ـ
مثلا ـ ؛ لأنّ التقابل قسم من التضايف كما تقدّم و التضايف قسيم للتضادّ فالتقابل
بما أنّه داخل تحت التضايف قسيم للتضادّ الّذيهو قسم من التقابل، فيكون التقابل
قسيما لقسمه و هو باطل لانّه اجتمع في التضادّ الّذيهو قسم من التقابل و قسيم له
عنوانا القسيميّة و القسميّة و هما مما لا تجتمعان، في شيء واحد.
و الجواب: أنّ للتضايف هنا مصداقين: الأوّل مفهوم التقابل و الثاني مصداق التقابل
الّذي هو التضادّ مثلا و التضادّ و إن اجتمع فيه عنوانا القسيميّة و القسميّة إلاّ
أنّه من جهتين: فمن جهة عنوانه العارض له أي من جهة عنوان التقابل قسم من التضايف و
إن شئت فقل: أنّه قسم من التقابل الّذيهو نوع من التضايف و من جهة نفس ذاته
المعروضة للتقابل قسيم للتضايف و إن شئت فقل أنّه قسيم للتقابل الّذيهو تحت التضايف
و لا ضير في اجتماع عنواني القسيميّة و القسميّة في شيء واحد من جهتين، كما أنّ
مفهوم الجزئيّ اجتمع فيه العنوانان حيث أنّه قسم من الكليّ لأنّه صادق على جزئيات
مختلفة كزيد و عمرو و غيرهما؛ و مع ذلك أنّه قسيم للكليّ و لا إشكال في هذا
الاجتماع، لأنّه من جهتين فإنّ مفهوم الجزئيّ باعتبار عنوانه العارض له، أي
باعتبار الكلّيّة العارضة له فرد و قسم من الكلّيّ و باعتبار ذاته المعروضة للكليّة
قسيم للكلّيّ و مقابل له.
أي التضايف كما أنّه صادق على مفهوم التقابل صادق على مصاديق التقابل كالتضادّ
مثلا، فللتضايف مصداقان: أحدهما مفهوم التقابل و ثانيهما ما صدق عليه التقابل من
التضادّ و غيره، و ما صدق عليه مفهوم التقابل و إن اجتمع فيه القسيميّة و القسميّة
حيث أنّه كان قسما للتضايف من جانب و كان قسيما للتضايف في تقسيم التقابل بأنواعه
الأربعة من جانب آخر إلاّ أنّ اجتماع عنواني القسيميّة و القسميّة من جهتين، فإنّ
ما صدق عليه عنوان التقابل باعتبار عنوان التقابل العارض له قسم من التضايف، فالذي
هو قسم من التضايف حقيقة هنا عنوان التقابل العارض للتضادّ مثلاً و باعتبار ذاته
المعروضة لعنوان التقابل قسيم للتضايف فالّذيهو قسيم للتضايف، حقيقة هنا ذات
المعروض لا عنوانه العارض.
قد تقدّم أنّ المتقابلين متطاردان بالذات و هذا التطارد يحتمل فيه الأمران:
الأوّل أن يكون التطارد حاصلاً بلحاظ المتقابلين أنفسهما من دون قياسهما إلى أمر
ثالث؛ و الثاني أن يكون التطارد حاصلاً بلحاظ قياسهما إلى أمر ثالث و الأوّل يحتمل
فيه الأمران، لأنّ التطارد إمّا أن يكون حاصلاً بين مفهومي المتقابلين أو حاصلاً
بين وجوديهما، فالاحتمالات ثلاثة:
الأوّل: أنّ التطارد الموجود في التقابل ما هو حاصل بين مفهومي المتقابلين و هذا
الاحتمال باطل، لأنّ هذا النحو من التطارد حاصل بين كلّ مفهومين مفروضين سواء كانا
متقابلين أو غير متقابلين فاعتبار كونهما متقابلين لغو لا أثر له في حصول هذا
التطارد.
الثاني: أنّ التطارد الموجود في التقابل ما هو حاصل بين وجودي المتقابلين و هذا
الاحتمال باطل أيضا، لأنّ هذا النحو من التطارد حاصل بين كلّ وجودين مفروضين سواء
كانا متقابلين أو غير متقابلين فاعتبار كونهما متقابلين لغو لا أثر له في حصول هذا
التطارد أيضا، فإذا بطل الاحتمالان من الاحتمالات الثلاثة ثبت الاحتمال الثالث و هو
أنّ التطارد الموجود بين المتقابلين ما هو حاصل بين المتقابلين بلحاظ قياسهما إلى
أمر ثالث بأن يكون اتّحاد أحدهما مع ذلك الأمر الثالث مطارد لاتّحاد الآخر معه و
هذا الأمر الثالث هو موضوع التقابل.
تفسير للمنفيّ لا للنفي.
لأنّ المفروض أنّ النوعين المتضادّين عرضان و العرض لايطرد العرض و إن فرض اتّحاده مع موضوعه إلاّ إذا كانا تحت جنس قريب، إذ لا يحصل من العرض و موضوعه هويّة واحدة حتّى تطرد هذه الهويّة الهويّة الأخرى بخلاف الصور الجوهريّة الحالّة في المادّة، فإنّ الصورة و المادّة تحصّلان هويّة واحدة، فاتّحاد صورة جوهريّة مع المادّة يطارد الاتّحاد الآخر معه، فإذن من الواجب مضافا إلى اعتبار موضوع يحلّ فيه المتضادّان اعتبار أمر آخر يتّحد معه كلّ من طرفي التضادّ اتّحادا يصير المتّحدان هويّة واحدة و الأمر الّذي هذا وصفه هو الجنس القريب.(1)
و كذا الأنواع الأخيرة المندرجة تحت بعضها تجتمع مع بعض آخر من تلك المقولة إن لم يكونا تحت جنس قريب كالحمرة و الرائحة الطيّبة المجتمعتين في الورد.
فالصفرة ضدّ للسواد، لأنّها بياض بالنسبة إلى السواد فحكمُ الضدّيّة للبياض أوّلاً و أصالة، و للصفرة ثانيا و بالتبع.
فيه أنّ التقابل لو كان نسبة للزم اجتماع المتقابلين، لأنّ التقابل بين المتضادّين واقعيّ لا بحسب الفرض و الاعتبار، فإذا تحقّق التقابل بين المتقابلين تحقّقت النسبة بينهما و تحقّق النسبة بين المتضادّين تستدعي وجود الضدّين في ظرف النسبة، فوجود التقابل بين المتضادّين يستدعي وجود الضدّين في ظرف التقابلو هو محال.
1 - راجع: تعليقة المصنف على الأسفار، ج 2، ص 112.
لأنّ الشيء لايضادّ أيّ شيء مفروض بالضرورة بل يضادّ شيئًا خاصّا؛ فإنّ السواد مثلاً لايطارد الحلاوة مثلاً بل يطارد البياض فقط فلابدّ فيه من خصوصيّة بها يطارد السواد البياض فقط، فإذا كان الشيء ضدّا لأمرين وجب أن يكون فيه جهتان حتّى يكون بكلّ منهما ضدّا لكلّ من الأمرين، فليس ذلك الشيء ذا حقيقة بسيطة.
إنّ اعتبار غاية الخلاف بين الضدّين لايلزم منه عدم خلوّ الموضوع عنهما، لجواز أن يكون الموضوع أعمّ من جنس الضدّين، فيجوز خلوّ الموضوع عنهما و ذلك كالنفس بالنسبة إلى ملكتي الجبن و التهور، فإنّ غاية الخلاف متحقّقة بين الجبن و التهوّر لكن مع ذلكيجوز خلوّ النفس عنهما كالصبي فانّه لايجبن و لايتهوّر إذ الجبن و التهوّر فرعا ادراك الضارّ و الشرّ و لا إدراك للإنسان في ابتداء تولده بالنسبة إلى الأمور الخارجة عنه.
التقابل بالذات بينهما هو التقابل بين الواحد و الكثير بما هما واحد و كثير؛ و التقابل بالعرض بينهما هو التقابل بين الواحد و الكثير باعتبار أنّ الواحد معروض للعلّيّة أو المكياليّة مثلاً و الكثير معروض للمعلوليّة أو المكيليّة.
إذ يمكن أن يكون الشيء كثيرا في عين أنّه واحد و واحدا في عين أنّه كثير و ذلك
مثل حقيقة الوجود الّتي هي واحدة في عين كونها كثيرة و كثيرة في عين كونها واحدة، و
مثل الصادر الأوّل أيضا فإنّ الصادر الأوّل واحد في عين انّه كثير و كثير في عين
أنّه واحد، لأنّ الصادر الأوّل علّة لما بعده و معلول للواجب فالصادر الأوّل اجتمع
فيه الحيثيّتان حيثيّة كونه معلولاً للواجب و حيثيّة كونه علّة لما بعده و هاتان
الحيثيّتان متعدّدتان واقعا لا بحسب المفهوم فقط، لأنّ لكلّ واحد منهما حكما
واقعيّا على حدة فإنّ الصادر الأوّل مقدّم على سائر المعاليل في الوجود لكن تقدّمه
الوجوديّ مقتضى علّيّته لا مقتضى، معلوليّته إذ لو كان تقدّمه مقتضى معلوليّته للزم
أن يكون المعلول الأخير للسلسلة مقدما على شيء مّا، إذ المفروض أنّ معيار التقدّم
المعلوليّة و هي موجودة في المعلول الأخير فيجب أن يكون مقدّما على شيء مّا و هو
باطل و إلاّ لم يكن معلولاً أخيرا، هذا خلف، فإذن تقدّم الصادر الأوّل في الوجود
على غيره مقتضى علّيّته لا معلوليّته؛ و بالعكس إنّ الصادر الأوّل مؤخّر عن علّته
لكن تأخّره عن غيره في الوجود مقتضى معلوليّته لا مقتضى
علّيّته، إذ لو كان تأخّره مقتضى علّيّته، للزم أن يكون الواجب مؤخّرا في وجوده عن
غيره، إذ المفروض أنّ معيار التأخّر العلّيّة و هي موجودة في الواجب، فيجب أن يكون
الواجب مؤخّرا عن غيره في الوجود و هو باطل بالضرورة، فإذن ثبت أنّ تأخّر الصادر
الأوّل في الوجود عن علّته مقتضى معلوليّته لا عليّته و تقدّمه على المعاليل مقتضى
عليّته لا معلوليّته.
و بهذا الاختلاف في الحكم و الأثر ثبت أنّ عليّته مغايرة لمعلوليّته واقعا، إذ
الاختلاف في الأثر ناش عن الاختلاف في المبدأ و مغايرة حيثيّة عليّته لحيثيّة
معلوليّته بحسب الواقع توجب تعدّدهما بحسب الوجود، ففي الصادر الأوّل وجودان: وجود
به يكون علّة لما بعده و وجود به يكون معلولاً للواجب، فإذن ثبت أنّ الصادر الأوّل
كثير الوجود و هو مع ذلك وجود واحد واقعا، لأنّ وجوده الذي به يكون علّة عين وجوده
الّذيبه يكون معلولاً للواجب و إلاّ لزم أن يكون وجوده العلّيّ مستقلاًّ عن الواجب
فيكون واجبا بذاته و هو باطل بالضرورة، فإذن وجوده الّذي به يكون علّة عين وجوده
الّذي به يكون معلولاً للواجب، فهو واحد في عين أنّه كثير و كثير في عين أنّه واحد.
ثم إنّ حاصل البرهان هكذا: إنّ الاختلاف بين الواحد و الكثير يرجع إلى الاتّحاد،
لما تقدّم من أنّ الوحدة عين الكثرة و الاختلاف بين المتقابلين لايرجع الى الاتّحاد
إذ المتقابلان متطاردان بالذات فينتج من الشكل الثاني أنّ الاختلاف بين الواحد و
الكثير ليس اختلافا بين المتقابلين فالواحد و الكثير ليسا متقابلين.
أقول: يرد على هذا البرهان أنّ الكثرة و إن كانت بلحاظ رجوعها إلى الوحدة ليست
مقابلة للوحدة إلاّ أنّ عدم تقابلهما من هذه الجهة لاينافي تقابلهما من جهة أخرى و
هي جهة غيريّتهما، فإنّ انقسام الوجود إلى الوحدة و الكثرة يوجب تغايرا و تطاردا
بينهما بحيث أنّهما لاتجتمعان في موضوع واحد فهما من هذه الجهة متقابلتان و هذا
نظير السواد و البياض فإنّ عدم تقابلهما بلحاظ رجوع الحقائق الوجوديّة إلى حقيقة
الوجود الواحدة لاينافي تقابلهما بلحاظ الغيريّة الحاصلة بينهما. ببيان آخر: كبرى
القياس ممنوعة، إذ السواد و البياض مثلاً متقابلان لكن مع ذلك أنّهما راجعان
إلى الاتّحاد، إذ الحقائق الوجوديّة كلّها راجعة إلى
حقيقة واحدة و هي حقيقة الوجود.
فإنّ ما به الاتّحاد بين الواحد و الكثير هو الوحدة العامّة إذ الوحدة العامّة تساوق الوجود و الوجود مقسم لهما و المقسم مشترك بين الأقسام فالوحدة العامّة كالوجود مشتركة بين الواحد و الكثير فهي ما به الاتّحاد بينهما، ثم إنّ ما به الامتياز في كلّ منهما أيضا هو الوحدة، إذ كلّ من الواحد و الكثير من أقسام الوجود و الوجود بسيط ـ كما تقدّم في المرحلة الأولى ـ فلا يمكن أن يكون ما به الإمتياز في كلّ منهما مغايرا لما به الاتّحاد و إلاّ لزم التركيب فيهما من جزئين متغايرين و هو ينافي بساطته ـ كما تقدّم في المرحلة الأولى ـ فإذن ما به الاتّحاد في كلّ من الواحد و الكثير عين ما به الإختلاف فيهما.
أي ليستا في الماهيّة ولا في صيرورة الماهيّة موجودة بل هما في الوجود و هذا هو الّذي يعبّر عنه بأصالة الوجود في الجعل.
بيانه: أنّ الماهيّة في حدّ ذاتها ليست موجودة و لا معدومة، أي ليس الوجود و لا
العدم في متن الماهيّة وحريم ذاتها و إلاّ صارت واجبة الوجود بالذات لو كان الوجود
مأخوذا فيها، أو صارت ممتنعة الوجود بالذات لوكان العدم مأخوذا فيها و هذا خلف.
و كذا ليس اتّصافها بالوجود الخارج من ذاتها بسبب ذاتها و إلاّ امتنع اتّصافها
بالعدم و ليس اتّصافها بالعدم الخارج من ذاتها بسبب ذاتها و إلاّ امتنع اتّصافها
بالوجود.
فإذن لمّا لم يكن الوجود و العدم في متن الماهيّة و لم تكن الماهيّة بذاتها مقتضية
للوجود أو العدم كان من الواجب أن تحتاج الماهيّة في اتّصافها بالوجود و العدم إلى
الغير.
بيانه بشكل منطقيّ هكذا:
« الماهيّة ليست مرتبطة بالعلّة» و« كلّ مجعول بالذات مرتبط بالعلّة» فينتج من
الشكل الثاني« أنّ الماهيّة ليست مجعولة بالذات»؛ أمّا الكبرى فلأنّ المجعول بالذات
هوالمعلول الحقيقيّ و المعلول مرتبط بعلّته ارتباطا عينيّا خاصّا كما سيأتي بيانه،
فالمجعول بالذات مرتبط بعلّته ارتباطا عينيّا خاصّا و أمّا الصغرى فلأنّ الماهيّة
المفروضة فيما نحن فيه هي الماهيّة من حيث هي هي لا الماهيّة باعتبار أمور زائدة
عليها ( و إلاّ ليست مجعولة بالذات بل المجعول بالذات ذلك الأمر الزائد) و الماهيّة
من حيث هي هي ليست الاّهي، فليست مرتبطة بالعلّة فإذن المطلوب ثابت.
فإن قلت: وجود المعلول أيضا من حيث هو هو ليس إلاّ إيّاه فليس مرتبطا بالعلّة.
قلت: سيأتي أنّ وجود المعلول عين الربط بالعلّة فهو مرتبط بالعلّة في مرتبة ذاته لا
في مرتبة زائدة.
أي ليس ارتباط المعلول بعلّته محض اعتبار يختلقه الذهن، بل هو نحو ارتباط خاصّ موجود في الخارج، إذ لو لم يكن كذلك بأن لم يكن ارتباط عينيّ في الخارج أو كان و لم يكن ارتباطا خاصّا معيّنا لكان للذهن أن يعتبر العلّيّة و المعلوليّة بين كلّ شيئين وجاز أن يكون كلّ شيء علّة لكلّ شيء و كلّ شيء معلولاً لكلّ شيء، إذ المفروض أن ليس هناك ارتباط واقعيّ خاصّ حتّى يخصّص هذا المعلول بتلك العلّة و تلك العلّة بهذا المعلول، فإذن جاز استناد كلّ معلول إلى كلّ علّة و إيجاد كلّ علّة كلّ معلول، مع أنّ هذا بديهيّ البطلان ضرورة أنّ حرارة الشمس لا تستند إلى برودة الثلج مثلاً و مقدارا قليلاً من السكّر لا يوجب أن يكون البحر حلوا، فإذن ارتباط المعلول بعلّته ارتباط خاصّ موجود في الخارج.
فإن قلت: قد ثبت أنّ المجعول بالذات هو وجود المعلول فما البرهان على أنّ الجاعل
بالذات هو وجود العلّة؟
قلت: إذا كان المجعول بالذات وجود المعلول وجب أن يكون الجاعل بالذات وجود العلّة و
إلاّ كان فاقد الشيء معطيا له وهو محال.
بيانه: أنّ المعلول محتاج في وجوده إلى العلّة لكن حاجته إلى العلّة ليست صفة
عارضة على ذات المعلول بأن كان هناك ذات معروضة وحاجة عارضة عليها بل
ذات المعلول هي عين الحاجة إلى العلّة والبرهان على ذلك
أنّ الحاجة لو كانت صفة عارضة على ذات المعلول، لكان المعلول في مرتبة ذاته متقدّما
على تلك الصفة العارضة عليها و كانت حاجته إلى العلّة في مرتبة متأخّرة عن ذات
المعلول، لأنّ الصفة الزائدة متأخّرة عن الموصوف في الوجود فإذن المعلول محتاج إلى
العلّة لكن هذه الحاجة في مرتبة متأخّرة عن مرتبة ذاته، فليس في مرتبة ذاته احتياج
إلى العلّة بل هو مستغن عن العلّة في تلك المرتبة مع أنّ الاستغناءعن العلّة و
الاستقلال عنها ينافي المعلوليّة وهذا خلف.
أقول: في هذا البيان نظر، إذ لايلزم من سلب الحاجة عن مرتبة الذات ( كما هو المفروض
) إثبات الإستغناء، في مرتبة الذات حتّى يقال: إنّ الحاجة لوكانت متأخّرة عن مرتبة
الذات لكان المعلول مستغينا عن العلّة في مرتبة ذاته وذلك لأنّ المعاني المتقابلة
حتى النقيضين مسلوبة عن مرتبة ذات الأشياء و لا فرق بين أن يكون المسلوب عنه ماهيّة
من الماهيّات أو وجودا من الوجودات، فإنّ وجود الفرس مثلاً وعدمه كليهما مسلوبان عن
وجود الإنسان فليس وجود الفرس و لا عدمه مأخوذين في مرتبة وجود الإنسان أي ليس وجود
الإنسان هوعين وجود الفرس كما هو واضح و لا عين عدمه، لأنّ حيثيّة الوجود غيرحيثيّة
العدم و ليس هذا من قبيل ارتفاع النقيضين، لأنّ نقيض أخذ وجود الفرس في مرتبة وجود
الإنسان عدم أخذ وجود الفرس في مرتبة وجود الإنسان لا أخذ عدم الفرس في مرتبة وجود
الإنسان، هذا.
ثم يمكن تقرير البرهان بوجه لا يرد عليه الإشكال المذكور بأن يقال: انّا إذا فرضنا
أنّ «الف» علّة لـ «ب» وجب أن يكون «ب» محتاجا في وجوده إلى «الف» لأنّ « ب » معلول
و المعلول محتاج إلى علّته الخاصّة و هي «الف» في المثال المفروض، فلو فرضنا أنّ
الحاجة إلى «الف» عارضة على ذات «ب» لوجب أن تكون ذات «ب» موجودة قبل احتياجها إلى
«الف» و إذا كان كذلك لا يكون محتاجا في وجوده إلى «الف» مع أنّ المفروض أنّ «ب»
محتاج في وجوده إلى «الف» هذا خلف.
أو يقال لوكانت الحاجة إلى العلّة صفة عارضة على ذات المعلول لكانت ذات المعلول في
وجوده متقدّمة على هذه الحاجة العارضة عليها فحينئذٍ إمّا أن تحتاج ذات
المعلول إلى العلّة في وجوده المتقدّم على هذه الحاجة
أو لا تحتاج إليها، فإن لم تحتج إلى العلّة يلزم منه أن تكون واجبة الوجود بالذات،
مع أنّ وجوب الوجود ينافي المعلوليّة، هذا خلف.
و إن احتاجت إليها و المفروض أنّ الحاجة عارضة على ذات المعلول وجب أن تكون ذات
المعلول متقدّمة في وجوده أيضا على هذه الحاجة الثانية العارضة، ثمّ ننقل الكلام في
الذات المتقدّمة بالوجود على هذه الحاجة الثانية فيذهب الأمر إلى غيرالنهاية
فيتسلسل و هو محال.
و ذلك لأنّ هويّة المعلول قد امتلأت من الفقر إذ المعلول عين الحاجة و محض
الفقر، فيكون متعلّق الذات بالعلّة بتمام هويّته فلايوجد فيه حيثيّة مستقلّة أصلاً
و إلاّ كان المعلول محتاجا إلى العلّة في بعض حيثيّاته، فلايكون المعلول عين الحاجة
بل الحاجة حيثيّة من حيثيّاته وهذا خلف.
إذا عرفت هذا نقول لوكان ذات المعلول منفصلة عن ذات العلّة لكان في تذوّته مستقلاًّ
عن العلّة، فله استقلال بوجه مّا، لكن التالي باطل، لأنّ الاستقلال بوجه مّا ينافي
فقره بتمام هويّته وبجميع حيثيّاته المتّحدة معه ، فالمقدّم مثله فإذن ثبت أنّ
المعلول يتذوّت بذات العلّة لا بذات منفصلة عن ذات العلّة و هذا هو المطلوب.
العلّة الواحدة: هي الّتي معلولها لازم لشيء واحد كالغيم المستجمع لشرايط المطر فإنّ المطر لازم له وحده و العلّة الكثيرة هي الّتي معلولها لازم لأشياء مختلفة كالنار بالنسبة إلى الحرارة، فإنّ الحرارة ليست من لوازم النار وحدها.
كفصول الجواهر.
إعلم: أنّ مايتوقّف عليه المعلول إمّا أن يتوقّف على وجوده و هي العلل و الشروط،
فلابدّ من اجتماعهما مع المعلول أو يتوقّف على عدمه و هو المانع أو يتوقّف على عدمه
بعد وجوده و هو المعدّ فلا يجتمع المعلول معه و ذلك لأنّ المعدّ يوجب استعداد
المادّة أو الموضوع للشيء المفاض من الفاعل و الاستعداد للشيء هو كونه بالقوّة
فلايجامع وجوده بالفعل؛ و من هنا يعلم أنّ المعدّ ليس علّة حقيقيّة للمعلول، إذ
لوكانت علّة حقيقيّة له لزال المعلول بزواله بل المعدّ علّة للإستعداد.
الفرق بينهما أنّ الوجوب الغيريّ حال المعلول في نفسه مع قطع النظر عن اعتبار
العلّة و إن كان من جهة إعطاء العلّة و لذا لايحتاج تصوّره إلى تصوّر العلّة، بخلاف
الوجوب بالقياس، فإنّه حال المعلول مثلاً باعتبار قياسه إلى العلّة فما لم يعتبر
العقل العلّة بماهي علّة و لم يقس المعلول إليها لم يحكم بوجوبه عند وجودها.
و خلاصة القول: أنّ الأوّل وصف نفسيّ و الثاني وصف اضافيّ.
توضيحه: أنّه إذا توقّف وجود المعلول على وجود العلّة لزم منه أمران:
1. أنّ عدم العلّة التامّة علّة تامّة لعدم المعلول إذ لو لم يوجب عدم العلّة عدم
المعلول لجاز وجود المعلول مع عدم العلّة مع أنّ المفروض توقّف وجود المعلول على
وجود العلّة، هذا خلف.
2. أن يمتنع المعلول مع عدم العلّة التامّة، إذ لوجاز وجود المعلول مع عدم العلّة
لكان معناه عدم توقّف وجود المعلول على وجود العلّة وهو خلاف المفروض.
ثمّ لمّا ثبت في الأمر الأوّل أنّ « عدم العلّة التامّة » علّة تامّة و« عدم
المعلول » معلول لها نضعهما مكان العلّة التامّة و المعلول في الأمر الثاني فينتج
قولنا.
3. يمتنع « عدم المعلول » مع عدم « عدم العلّة التامّة».
ولمّا كان امتناع عدم المعلول هو وجوب وجود المعلول وعدم عدم العلّة التامّة هو
وجود العلّة التامّة، فيصير النتيجة هكذا.
4. يجب وجود المعلول مع وجود العلّة التامّة و هو المطلوب.
أقول: هنا إشكال و بيانه أنّه تقدّم في الفصل الثاني أنّ عدم العلّة سواء كانت علّة
تامّة أو ناقصة، علّة تامّة لعدم المعلول فبناءاً على هذا نقول:
1. إنّ عدم العلّة الناقصة علّة تامّة لعدم المعلول.
2. يمتنع المعلول مع عدم العلّة التامّة.
ثمّ نضع العلّة و المعلول في الأمر الأوّل مكان العلّة و المعلول في الأمر الثاني
فنقول:
3. يمتنع « عدم المعلول » مع عدم « عدم العلّة الناقصة» فينتج.
4. يجب وجود المعلول مع وجود العلّة الناقصة؛ مع أنّ العلّة الناقصة لايجب معها
المعلول.
ثمّ يمكن أن يجاب عنه بانّ العلّة التامّة لعدم المعلول هو عدم العلّة التامّة فقط
لا عدم العلّة مطلقا سواء كانت تامّة أو ناقصة، لكن لمّا كان عدم العلّة الناقصة
متّحد المصداق مع عدم العلّة التامّة أسندوا مجازا حكم عدم العلّة التّامّة إلى عدم
العلّة الناقصة فيقولون:
إنّ عدم العلّة الناقصة علّة تامّة لعدم المعلول.
و الفرق بين الفرضين: أنّ المعلول في الفرض الثاني يشترك مع علّته في بعض أزمنة وجود العلّة بخلاف الفرض الأوّل حيث لا اشتراك بينهما في الزمان أصلاً.
أي إنّ المقوّم و هو العلّة التامّة و المتقوّم و هو المعلول الرابط متضائفان، فإذا لم يوجد المتقوّم بعدُ وجب أن لايكون المقوّم موجودا أيضا مع أنّ المفروض وجود المقوّم بالفعل، هذا خلف.
إذ لو كان المعلول جائز الطرفين بعد تأثير الفاعل المختار التامّ العلّيّة لكان
حال المعلول قبل تأثير الفاعل و بعده سواء، أي إنّهما متساويان في الإحتياج إلى
المؤثّر؛
لأنّ إمكان الوقوع و اللاوقوع معيار الاحتياج إلى المؤثّر ـ كما تقدّم في محله ـ و
هذا الإمكان قبل التأثير وبعده موجود في المعلول على الفرض، فلو جاز أن يوجد
المعلول حال الاستواء بعد التأثير من غير احتياج إلى مؤثّر آخر (كما هوالمفروض،
لأنّ الفاعل المختار المفروض تامّ العلّيّة فلايحتاج إلى مؤثّر آخرينضمّ إليه) لجاز
من أوّل الأمر أن يوجد المعلول من غير احتياج إلى ذلك الفاعل المختار أيضا، فإذن
موجوديّة المعلول ليست ترتبط بالعلّة بل مستغنيّة و مستقلّة عنها و إذ لا ارتباط
واقعيّا بين المعلول و علّته، فجازت علّيّة كلّ شيء لكلّ شيء و معلوليّة كلّ شيء
لكلّ شيء.
أي لمّا قال المتكلّمون بحدوث العالم الزمانيّ و الحدوث في وقت دون وقت يستدعي مرجّحا يرجّح حدوث العالم في ذلك الوقت المعيّن، فيُسألون عن المرجّح للحدوث في ذلك الوقت، أجابوا تارة بأنّ فعل المختار لايحتاج إلى مرجّح وتارة بأنّ الإرادة أو العلم أو المصلحة مرجّحة.
لأنّه لو لم يقع ما علم أنّه سيقع أو وقع ما علم أنّه لا يقع، لكان علمه جهلاً، فإذن مرجّح الحدوث في ذلك الوقت المعيّن علمه بوقوعه في ذلك الوقت المعيّن.
الإجبار بما أنّه أثر صادر من الفعل يجب أن يكون متأخّرا عن الفعل و بما أنّ إيجاد الفاعل مستند إلى ذلك الإجبار يجب أن يكون مقدّما على الإيجاد المقدّم على الفعل، فلو أجبر الفعل الفاعل على إيجاد الفعل لتقدّم على نفسه بمراتب و هومحال، ثمّ في تفسير الاختيار بمافسّر ، كلام سيأتي في المرحلة الثانية عشرة.
لأنّ هذا الإيجاب إيجاب عن اللّه لا إيجاب على اللّه و هذا راجع إلى ما يقال: «الوجوب بالاختيار لاينافي الاختيار».
لأنّه ينجرّ إلى التناقض إذ مقتضى حدوث العالم حدوث الزمان و حدوث الزمان عبارة عن مسبوقيّة الزمان بالزمان، فلوكان الزمان حادثا لزم أن يكون الزمان موجودا قبل وجوده و هذا تناقض.
إذ الحدوث معتبرفيه الزمان فلو كان الزمان موهوما لكان الحدوث المعتبر فيه الزمان الموهوم موهوما أيضا.
فالزمان أزلّىّ بأزليّة ذات الواجب، فلايكون حادثا حتّى يرد عليه إشكال التناقض.
أي الزمان لوكان أزليّا لكان أصل دعويهم ( وهو أنّ ما سوى اللّه حادث ) باطلاً؛ لأنّ الزمان ممّا سوى اللّه فأزليّته اعتراف ببطلان حدوث ما سوى اللّه.
فإن قلت: ما تقدّم من «أنّ الممكن المتساوي الجانبين يحتاج في ترجّح أحد
الجانبين إلى مرجّح» يثبت احتياج الممكن إلى العلّة الفاعليّة و تجويز الترجيح بلا
مرجّح يرجع إلى إنكار احتياج الممكن إلى العلّة الغائيّة لا العلّة الفاعليّة، فما
تقدّم لا يفيد مطلوبكم.
قلت: لمّا كانت العلّة الغائيّة علّة فاعليّة لفاعليّة الفاعل، كان تجويز الترجيح
بلا مرجّح إنكارا لاحتياج الممكن إلى العلّة الفاعليّة فإنّ فاعليّة الهارب لترجيح
أحد الطرفين المتساويين مثلاً ممكن من الممكنات، فجاز وقوعها، و عدم وقوعها فيحتاج
في وقوعها إلى مرجّح يرجّح وقوعها مثلاً.
فإنّ الطريق إليه هو أنّ الممكن يحتاج في ترجّح أحد جانبيه إلى مرجّح فلو أبطلنا هذه القاعدة لم يمكننا إثبات الصانع فتدبّر.
بيانه: أنّ العلم بالشيء يستدعي وجود ذلك الشيء قبله، لأنّ العلم لا يتعلّق
بالمعدوم؛ فالعلم بالإمكان متأخّر عن وجود الإمكان و الإمكان متأخّر عن
الماهيّة و الماهيّة متأخّرة عن الوجود الذي تنتزع عنه و هو متأخّر عن المرجّح
فالعلم بالإمكان متأخّر عن المرجّح بمراتب، فلا يكون مرجّحا و إلاّ لتقدّم على نفسه
بمراتب.
فإن قلت: هذا الإشكال وارد عليهم لو كان مرادهم من العلم العلم الانفعاليّ الذي هو
تابع للمعلوم بالعرض، و أمّا إن كان مرادهم منه العلم الفعليّ الذي قبل المعلوم
بالعرض فلايرد هذا الإشكال عليهم.
قلت: العلم الفعليّ المفروض إمّا أن يكون حادثا أو يكون قديما، فإن كان حادثا نقلنا
الكلام في مرجّح حدوثه، فيذهب الأمر إلى غير النهاية فيتسلسل؛ و إن كان قديما فإمّا
أن يكون عين ذات الواجب أو يكون زائدا عليها، فإن كان زائدا عليها وجب عليهم أن
يلتزموا بقديم آخر غير ذات الواجب و هو باطل عندهم، لأنّ ما سوى الذات حادث عندهم و
إن كان عين الذات رجع السؤال إلى أوّله أي نقول لهم أنّ العلم الّذيهو عين الذات
مثل الذات في كون الأزمنة المختلفة متساوية بالنسبة إليه، فما المرجّح لصدور الفعل
في ذلك الزمان الخاصّ؟
بيانه: أنّ مصلحة الشيء متوقّفة على وجود الشيء و وجود الشيء متوقّف على ترجيح المرجّح فالمصلحة متأخّرة عن المرجّح، فلاتكون مرجّحة و إلاّ لتقدّمت على نفسها.
أي ليس وراء مجموع العالم مصلحة حتى ترجّح حدوث العالم في وقت دون وقت و انّما يكون ورائه ذات الواجب فقط و ذات الواجب لا يترجّح بها وقت دون وقت، لأنّ الذات ليست زمانيّة حتّى يترحّج بها حدوث في وقت بل الأوقات كلّها بالنسبة إليها سواء.
أي نستنتج من ذات الواجب وجود أحد الممكنات و هو الإرادة.
توضيحه: إنّ الإرادة إذا كانت صفة فعليّة يجب أن تكون منتزعة من مقام الفعل و لمّا
كان الفعل متأخّرا عن مرتبة الذّات كانت الصفة المنتزعة منه متأخّرة أيضا عن الذات
زائدة عليها، فهذه الصفة الزائدة إمّا أن تكون واجبة أو ممكنة و الأوّل باطل، لأنّ
لازمه تعدد الواجب و الثاني يفتقر إلي العلّة، فإن كانت علّتها غير الواجب استلزم
واجبا آخر تنتهي إليه و هو محال و إن كانت علّتها الواجب بطل قولهم: « إنّ العلّة
هي الإرادة دون الذات» لأنّ الذات علّة للإرادة و الإرادة علّة للعالم و علّة
العلّة علّة، فالذات علّة لكلّ ما سواها.
و هذا محال لأنّ المعلول كما تقدّم عين الربط بالعلّة، لا أنّ ذاته شيء و ربطه و احتياجه الى العلّة شيء آخر، فإذن فرض وجود للمعلول بدون علّة يرتبط بها فرض شيء يسلب عنه نفسه و هو محال بالضرورة.
أي في الفصل الأوّل من هذه المرحلة.
الفرق بين هذا القول و القول السابق أنّ علّة الحاجة في هذا القول هي الإمكان مشروطا بالحدوث و القول السابق هي الحدوث فقط.
لأنّ الفقر عين وجود المعلول، فيكون سلب الفقرعنه سلب الشيء عن نفسه و هو محال.
أي إنّ حقيقته البسيطة هي بعينها عبارة عن كونه علّة لغيره لا أنّ هناك شيئين
تحقّق بأحدهما ذاته البسيطة و بالآخر عليّته للغير؛ إذ لو كان كذلك لم يكن بسيطا بل
صار مركّبا من ذات و صفة زائدة.
فإن قلت: الموجديّة والعلّيّة كما سيأتي من الصفات الفعليّة و الصفة الفعليّة
متأخّرة عن مرتبة الذات زائدة عليها فكيف تكون عين الذات.
قلت: سيأتي أيضا أنّ الصفات الفعليّة كلّها راجعة إلى الصفات الذاتيّة من حيث إنّ
لها أصلاً في الذات فإنّ كون الشيء بحيث يصدر عنه المعلول صفة ذاتيّة لا يتوقّف
تحقّقها على تحقّق المعلول فإذن الموجديّة بهذا المعنى تكون عين الذات.
إنّما تكون هذه السنخيّة ذاتيّة لأنّه لو لم تكن كذلك، بل كانت زائدة على ذات
العلّة للزم أن تكون نفسها معلولة للذات فاستدعت سنخيّة أخرى تخصّص صدورها عن ذات
العلّة ثمّ نقلنا الكلام في السنخيّة السابقة، فيتسلسل فإذن يجب أن تكون السنخيّة
ذاتيّة دفعا للتسلسل.
ثمّ قاعدة تسانخ العلّة و المعلول ممّا صرّح به الحكيم المطلق في قوله: «قل كل يعمل
علي شاكلته»(1)
بخلاف ما إذا رجعت إلى جهة واحدة فإنّ صدور هذا الكثير عن الواحد ممكن واقع
كالصادر الأوّل فإنّ وجوده البسيط الواحد وسيع جامع لجميع المراتب الإمكانيّة «وسع
كرسيّه السّموات و الأرض» فصدوره صدورجميع الممكنات.
حسن روى تو به يك جلوه كه در آينه كرد اين همه نقش در آيينهى أوهام افتاد
اين همه عكس مى و نقش مخالف كه نمود يك فروغ رخ ساقى است كه در جام افتاد
و بهذا البيان يندفع الاعتراض الآتي في القدرة المطلقة.
حاصل الاستدلال هو أنّ لكلّ علّة سنخيّة ذاتيّة مع معلولها تخصّص صدوره عنها،
فلو صدر عن العلّة الواحدة البسيطة معلولان مثلاً لوجب أن تكون في ذات العلّة
سنخيّتان متباينتان، فلا تكون ذات العلّة بسيطة و هذا خلاف المفروض.
أقول: في هذا الاستدلال نظر و بيانه يتوقّف على أمرين.
الأوّل كما أنّ المجعول بالذات هو الوجود كذلك الجاعل بالذات هوالوجود دون الغير و
على هذا، الجهتان اللّتان هما في ذات العلّة وتصحّحان صدور «الف» و «ب» مثلاً يجب
أن تكونا حيثيّتين وجوديّتين لا غير.
الثاني إنّ قاعدة «بسيط الحقيقة كلّ الأشياء الوجوديّة» صريحة في أنّ جامعيّة
البسيط للوجودات لا تنافي بساطته الذاتيّة بل كانت مؤكّدة لوحدته و بساطته.
إذا عرفت هذين، فنقول: لا نسلّم بطلان التالي في البرهان المذكور، لأنّ الجهتين
المفروضتين في ذات العلّة المصحّحتين لصدور «الف» و «ب» يجب أن تكونا جهتين
وجوديّتين بحكم الأمر الأوّل؛ و الجهات الوجوديّة للبسيط الحقيقيّ لا ينافي بساطته
و وحدته الذاتيّة بحكم الأمر الثاني و حينئذٍ لا إشكال في صدور الكثير عن الواحد
البسيط، لأنّ الجهتين المفروضتين موجودتان في العلّة بوجود واحد من دون محذور
الخلف.
1. سورة الإسراء، آية 84، كما قيل في الفارسيّة: از كوزه برون همان تراود كه در اوست.
فإن قلت: إنّ المفروض في البحث هو أنّ المعاليل كثيرة متباينة بحيث لاترجع إلى
جهة واحدة و بناءاً على هذا، السنخيّة الموجودة في العلّة لكلّ معلول متباينة لسائر
السنخيّات، فلا ترجع إلى جهة واحدة و حينئذٍ لو صدر عن العلّة الواحدة البسيطة
معاليل متباينة للزم أن تكون العلّة ذات جهات متعدّدة غير راجعة إلى جهة واحدة و قد
فرض كونها ذات جهة واحدة و هذا خلف.
قلت: مباينة المعاليل و عدم رجوعها إلى وجود واحد لا تنافي كونها موجودة بوجود واحد
في مرتبة وجود العلّة، لأنّ المعلول بعد صدوره عن العلّة موجود بمرتبته الخاصّة ومن
المعلوم انّ كلّ معلول بمرتبته الخاصّة يباين ساير المعاليل بمراتبها الخاصّة
فالمراتب المتباينة و الحدودات المختلفة في المعاليل سبب لعدم رجوعها إلى جهة
واحدة، لكن هذه المراتب المتباينة المختلفة الّتي هي السبب لعدم رجوعها إلى جهة
واحدة غير موجودة في العلّة؛ لأنّ المعلول موجود في العلّة بمرتبة وجود العلّة لا
بمرتبة نفسه، فالمانع من الرجوع إلى الجهة الواحدة غيرموجود هناك و بالجملة
المتفرّقات في المراتب الدانية مجتمعات في المراتب العالية، فيمكن صدور أمور
متفرّقة غير راجعة إلى جهة واحدة عن أمر واحد بسيط.
ثمّ إنّه يمكن الاستدلال على القاعدة بوجه آخر بأن يقال: إنّ معلول كلّ علّة صرف
التعلق بتلك العلّة الخاصّة و صرف الشيء لايتثنّى و لا يتكرّر، فينتج من الشكل
الأوّل أنّ معلول كلّ علّة لايتثنّى و لا يتكرّر، أمّا الصغرى فلأنّ المعلول عين
التعلّق بعلّته الخاصّة كما تقدّم في الفصل الأوّل، فلو لم يكن صرف التعلّق بل كان
مشوبا بغير التعلّق لصار التعلّق جزءًا لهويّة المعلول لا عينا لها و هذا خلف ، و
أمّا الكبرى فلأنّ الصرف لو تكثّر لاحتاج كلّ منها، إلى ما به يمتاز عن غيره فلا
يكون شيء منهما صرفا و هذا خلف و أمّا النتيجة فحاصلة على الشكل الأوّل و هذا
البرهان لم أجده في كلمات القوم بل هو من فضل ربّي عليّ فله الحمد و له الشكر.
فإن قلت: صدور المعلول من العلّة إن كان محالا لزم أن لايصدر المعلول الواحد
أيضا و إن كان ممكنا، فمحذور تقيّد القدرة باقٍ على حاله.
قلت: المحال هوصدور الكثير بما هو كثير عن العلّة الواحدة لا صدور المعلول عنها
فللكثرة دخل في الاستحالة فصدور المعلول الواحد ليس بمحال فيتعلّق به القدرة بخلاف
صدور المعاليل الكثيرة.
ثمّ إنّ هيهنا جوابا أدقّ، بيانه: أنّ الصادر الأوّل معلول صرف (أي أنّ هويّته قد
امتلأت من حيثيّة المعلوليّة، فلايوجد فيها حيثيّة أخرى مغايرة لحيثيّته
المعلوليّة) و المعلول الصرف بوجوده الواحد وجود لكلّ المعاليل: فينتج من الشكل
الأوّل أنّ الصادر الأوّل بوجوده الواحد وجود لكلّ المعاليل.
أمّا الصغرى فلأنّ الصادر الأوّل لو وجد فيه حيثيّة أخرى مغايرة لحيثيّة معلوليّته
للزم أن لا يكون بتمامه صادرا عن الواجب مع أنّ المفروض أنّه صادر منه هذا خلف و
أيضا لو كان كذلك للزم أن يكون الصادر الأوّل مركّبا من جزئين مغايرين، فيكون وجوده
متأخّرا عنهما فليس هو صادرا أوّلاً بل يصير صادرا ثالثا لتأخّره عنهما و قد فرضنا
أنّه الصادر الأوّل هذا خلف، فإذن ثبت أنّ الصادر الأوّل معلول صرف.
و أمّا الكبرى فلأنّ المعلول الصرف لو لم يكن بوجوده الواحد وجودا لكلّ ما هو من
سنخه لكان ذاته متقوّمة من حيثيّة المعلوليّة و من عدم بعض ما هو من سنخه فلم يكن
صرفا في المعلوليّة و ذلك لتخلّل عدم ما هو من سنخ المعلوليّة في ذاته و من المعلوم
أنّ عدم مسانخ الشيء لا يكون مسانخا له فدخل فيها الأجنبيّ هذا خلف، فإذن ثبت أنّ
المعلول الصرف بوجوده الواحد وجود لكلّ المعاليل فإذا ثبت الصغرى و الكبرى ثبت
النتيجة و هي أنّ الصادر الأوّل بوجوده الواحد وجود لكلّ المعاليل فالأشياء الممكنة
الموجودة كلّها موجودة بوجوده الواحد الجامع فـ «بوجوده ثبتت الأرض و السّماء»؛(1)
و إلى هذه اللطيفة أشار قوله تعالى «و رحمتي وسعت كلّ شيء»(2) فإنّ الصادر الأوّل
هو الرحمة الواسعة الجامعة لكلّ شيء وهي الحقيقة المحمّديّة و الكرسيّ الذي وسع
السّموات و الأرض.
1 - راجع دعاء العديلة
2 - سورة الاعراف آية156
ثمّ إنّه إذا ثبت نتيجة القياس اندفع إشكال تقيّد القدرة المطلقة الواجبيّة و ذلك لأنّ الممكنات كلّها موجودة بنفس وجود الصادر الأوّل فلا شيء إلاّ أنّه معلول للواجب بعين معلوليّة وجود الصادر الأوّل للواجب.
لأنّه قدتقدّم أنّ من الواجب أن يكون بين المعلول و علّته سنخيّة ذاتيّة هي
المخصّصة لصدوره عنها، فإنّ هذه السنخيّة إن كانت في العلّة الاولى لايمكن صدور
المعلول عن العلّة الثانية و إن كانت في الثانية لايمكن صدوره عن الأولى و إن كانت
في مجموعهما لا يمكن صدوره عن كلّ واحدة منهما وحده و إن كانت في كلّ منهما ليس
المعلول صادرا عن الكثير بما هو كثير بل عن الكثير بما أنّه ذوجهة واحدة (و هي
السنخيّة المشتركة فيهما)، أضف إلى هذا أنّ الفرض الأخير محال لأنّ المعلول الواحد
الشخصيّ يستدعي سنخيّة ذاتيّة شخصيّة؛ إذ القدر المشترك بين الفردين مبهم و بالمبهم
لايتعيّن الشيء، فإذن يجب أن تكون السنخيّة المخصّصة أمرا شخصيّا، فهذا المخصّص
الشخصيّ إن كان في العلّة الأولى لا يمكن أن يكون في الثانية و إن كان في الثانية
لا يمكن أن يكون في الأولى.
حجّة اخرى: إنّ وجود المعلول عين الارتباط بالعلّة و الارتباط يتكثّر بتكثّر طرفه و
لمّا كان طرف الارتباط وهو العلّة متكثّرا كما هو المفروض كان الارتباط متكثّرا
أيضا مع أنّ المفروض أنّ المعلول و هو الارتباط واحد هذا خلف.
كالغضب.
فالهيولى الشخصيّة مستندة إلى وجود شخصيّ و هو المفارق و السنخيّة الذاتيّة المعتبرة بين المعلول و العلّة موجودة هنا بين الهيولى و المفارق؛ لأنّه المفيض للهيولى، و كثرة الصور المتواردة لا تضرّ لانّ الصور الكثيرة بما هي كثيرة لا تكون شريكة العلّة بل الّتي هي شريكة العلّة هي صورة مّا و صوره مّا و إن كانت وحدتها نوعيّة و وجودها ضعيفا إلاّ أنّ وجود الهيولى أيضا في غاية الضعف فيجوز استناد هذا الضعيف إلى ذلك الضعيف.
إشارة إلى أنّ الجواب المذكور انّما هو مبنيّ على نظريّة الكون و الفساد و أمّا بناءاً على الحركة الجوهريّة، فالإشكال غير وارد من أصله، لأنّ الصور موجودة بوجود واحد متّصل فلا كثرة واقعا في العلّة حتى يقال: إنّ العلّة متكثّرة و المعلول واحد بل العلّة واحدة بالشخص.
تقدّم أنّ هذا الفرض ممّا لايمكن لأنّ المعلول الواحد الشخصيّ يستدعي سنخيةّ ذاتيّة شخصيّة، إذ جهة الوحدة و هو القدر المشترك بين أمور كثيرة مبهمة و بالمبهم لا يتعيّن الشيء.
الفرع الثانيعين الفرع الأوّل مآلاً إلاّ أنّ الأوّل بصدد بيان حكم العلّة و الثاني بصدد حكم المعلول.
بصيغة اسم المفعول صفة للواحد ثمّ بيان التناقض هو أنّ العلّة لمّا فرضت متكثّرة
كانت السنخيّة الذاتيّة، فيها متكثّرة أيضا، فكلّ منها يستلزم معلولاً مسانخا لها،
فالمعلول يجب أن يكون متكثّرا حسب تكثّر السنخيّات الّتي في العلل فليس واحدا مع
أنّه واحد بحسب الفرض و هذا هو التناقض.
عرّفوا الدور بتعريفين الأوّل تعريفه بذاتيّاته فقالوا الدور توقّف وجود الشيء على ما يتوقّف وجوده عليه إمّا بلا واسطة أو مع الواسطة، الثاني تعريفه بلازمه فقالوا الدور تقدّم الشيء على نفسه إمّا بمرتبتين و هو الدور المصرّح و إمّا بمراتب و هو الدور المضمر.
هذه الشروط الثلاثة سيأتي البحث عنها في آخر الفصل.
هذا البرهان أقامه المصنف وتوضيحه أنّ وجود المعلول وجود رابط بالنسبة إلى علّته
المفيضة كما تقدّم فهو من شؤون وجود علّته المفيضة فللعلّة و المعلول وجود واحد و
التفاوت بالمرتبة فبناءاً على هذا لو فرضنا سلسلة من العلل و المعاليل لكان كلّها
موجودا بوجود واحد ذي مراتب.
ثمّ هذا الوجود الواحد إن كان ينتهي إلى مرتبة مستقلّة غير معلولة فهو المطلوب و إن
لم ينته إليها بل المراتب كلّها غير مستقلّة لزم أن يكون هذا الوجود الواحد الجامع
للمراتب عين الربط (إذ وجود المراتب السافلة ينطوي في وجود المرتبة الّتي فوقها و
المرتبة الّتي فوقها حقيقة ربطيّة فهذه المرتبة و المراتب المنطوية فيها حقيقة
ربطيّة واحدة وهكذا الأمرفي مجموع السلسلة، فمجموع السلسلة حقيقة ربطيّة
واحدة) لكن تحقّق حقيقة ربطيّة بدون تحقّق ذي ربط
مستقلّ ترتبط به محال، فتحقّق هذا الوجود الربطيّ الجامع محال، فإذن يلزم من
التسلسل نفي الوجود كلّه و هو ضروري البطلان.
توضيح هذا البرهان يتوقّف على أمور:
الأوّل أنّ الوسط ما كان مؤخّرا بالنسبة إلى شيء و مقدّما بالنسبة إلى شيء آخر.
الثاني أنّ كلّ واحد من آحاد السلسلة غير المعلول الأخير و غير العلّة الأولى إن
ثبت وجودها، معلول من جهة وعلّة من جهة أخرى لأنّ كلّ واحد منها معلول لما قبله و
علّة لما بعده.
الثالث أنّ ما كان معلولاً لشيء وعلّة لشيء آخر يكون وسطا بين الشيئين، لأنّه
باعتبار أنّه معلول للشي الأوّل يكون مؤخّرا بالنسبة إليه و باعتبار أنّه علّة
للشيء الثاني يكون مقدّما بالنسبة إليه فيكون وسطا بينهما.
إذا تبيّنت هذه الأمور فنقول: إنّ سلسلة العلل و المعاليل إمّا أن تنتهي إلى علّة
غير معلولة و إمّا أن لا ينتهي إليها؛ فعلى الأوّل ثبت المطلوب، و على الثاني نقول:
إنّ مجموع الآحاد بجملته غير المعلول الأخير علّة و معلول، أمّا انّه علّة فلأنّ
هذا المجموع علّة للمعلول الأخير إذ لولاه لم يكن و أمّا أنّه معلول فلأنّ هذا
المجموع يحتاج إلى أجزائه، فلا يكون واجبا بالذّات و إذا لم يكن واجبا بالذّات
فلابدّ أن يكون معلولاً لعلّة فثبت أنّ المجموع غير المعلول الأخير علّة باعتبار، و
معلول باعتبار فباعتبار أنّه علّة يكون مقدّما و باعتبار أنّه معلول يكون مؤخّرا،
فيكون المجموع وسطا على ما تقدّم في الأمر الثالث و الوسط لا يتحقّق إلاّ مع
الطرفين، فوسطيّة المجموع تستدعي الطرفين لكن أحد الطرفين و هو المعلول الأخير
متحقّق، فيجب تحقّق الطرف الآخر و هو ما كان علّة و غير معلول و بهذا تنتهي
السلسلة.
توضيحه: أنّ سلسلة العلل و المعاليل لو لم تنته إلى علّة غير معلولة لكان وجود
كلّ فرد من أفراد السلسلة مشروطا بوجود فرد سابق عليه، و بعبارة أخرى: لو لم
تنته السلسلة إلى علّة غيرمعلولة لكان وجود كلّ موجود
مشروطا بأن لايكون فردا أوّلاً في السلسلة، لكن هذا الشرط لايتحقّق أبدا فلا يتحقّق
شيء أصلاً؛ إذ بناءاً على أنّ كلّ موجود يسبقه موجود آخر فليس في الوجود كلّه موجود
يتّصف بكونه فردا أوّلاً و إذا لم يكن هناك موجود يتّصف بكونه فردا أوّلاً لا يمكن
أن يوجد شيء يتّصف بكونه فردا غير اوّل لأنّ رتبة تحقّق غير الأوّل بعد تحقّق الفرد
الأوّل، فإذا لم يتحقّق الفرد الأوّل كما هو المفروض لاتصل النوبة إلى تحقّق غير
الأوّل.
بعبارة أخرى: السابق المطلق أقدم وجوده من السابق النسبيّ؛ لأنّ السابق النسبيّ و
إن كان مقدّما بالنسبة إلى ما بعده، لكنّه مؤخّر بالنسبة إلى ما قبله فله مرتبة من
التأخّر، لكن السابق المطلق ليس فيه مرتبة من التأخّر و إلاّ ليس سابقا مطلقا، فإذن
لولم يوجد في السلسلة، السابق المطلق لاتصل النوبة إلى وجود السابق النسبيّ الذي هو
مؤخّر وجوده عن السابق المطلق، فعلى هذا يلزم من عدم انتهاء السلسلة إلى علّة غير
معلولة (و هو السابق المطلق ) نفي الوجود كلّه، لكن هناك أشياء موجودة بالضرورة
فيجب انتهاء السلسلة إلى علّة غيرمعلولة و هو المطلوب.
ثمّ لمزيد البيان نضرب مثالا: فإنّا إذا فرضنا عدّة من الأفراد في سجن ثم عزموا أن
يخرجوا من السجن لكن كلّ منهم شرط أن لايكون أوّل من خرج، فحينئذٍ لو كان كلّ منهم
ملتزما بهذا الشرط لايمكن أن يخرج من السجن أيّ فرد منهم، فإذا رأينا أنّهم خارجون
من السجن، فيجب علينا أن نحكم أنّ احدا منهم على الأقلّ نقض هذا الشرط فليس خروجه
مشروطا بخروج غيره، هذا في المثال و كذا الأمر فيما نحن فيه فإنّ كلّ شيء لو كان
وجوده مشروطا بوجود شيء سابق عليه لكان اللازم منه أن لا يوجد شيء أصلاً، فإذا
رأينا أنّ هناك أشياء موجودة، فيجب علينا أن نحكم بأنّ وجود شيء منها على الأقلّ
غير مشروط بوجود غيره وهو المطلوب.
يمكن أن يستدلّ على بطلان التسلسل بحجج سديدة أخرى. منها أنّه تقدّم أنّ احتياج
المعلول إلى العلّة عين وجود المعلول لا أمر عارض عليه فإذن إذا فرضنا سلسلة من
العلل و المعاليل فإمّا أن يكون الاحتياج إلى العلّة شرطا لوجود كلّ شيء
أو لا يكون شرطا له؛ فإن لم يكن شرطا له بأن يوجد في
السلسلة شيء غير محتاج إلى العلّة فالمطلوب ثابت، إذ بذلك الشيء تنتهي السلسلة؛ و
إن كان الاحتياج إلى العلّة شرطا لوجود كلّ شيء لزم تقدّم الشيء على نفسه، لأنّ
الاحتياج إلى العلّة نفس وجود الشيء فلو جعل الاحتياج إلى العلّة شرطا لوجوده للزم
أن يكون الشيء شرطا لنفسه و هو محال لأنّه تقدّم الشيء علي نفسه.
فإن قلت: هذا الدليل جارٍ و لو فرضنا أنّ السلسلة متناهية.
قلت: نعم هذا الدليل يبطل التعدّد في الوجود مطلقا لكن بطلان التعدّد مطلقا بطلان
للتسلسل أيضا.
منها، أنّ المعلول الأخير مؤخّر مطلقا أي لا يوجد شيء في السلسلة إلاّ أنّ المعلول
الأخير مؤخّر عنه فهو المؤخّر المطلق و المؤخّر المطلق يستدعي المقدّم المطلق لأنّ
المتضائفين متكافئان في جميع الأمور، فالمؤخّر المطلق يستدعي المقدّم المطلق أي
المعلول الأخير الذي يتأخّر دائما عن جميع ما في السلسلة يستدعي شيئا يتقدّم دائما
على جميع ما في السلسلة و بذلك ينتهي السلسلة.
منها: ما ذكرناه في تعليقتنا على بداية الحكمة، فراجع إن شئت.
هذان الشرطان ينحلاّن إلى أربعة شروط: الأوّل الترتّب، و الثاني الاجتماع في الوجود، و الثالث الفعليّة، و الرابع اتّحاد جهة ذهاب السلسلة و جهة الترتّب و الاجتماع في الوجود.
أي المعلول في أي مرتبة من مراتب الواقع تحقّق تحقّقت العلّة في نفس تلك المرتبة و ذلك لأنّ شيئيّة المعلول بنفس شيئيّة علّته لا بشيئيّة أخرى، فلا يمكن أن يتحقّق المعلول في مرتبة من مراتب الواقع إلاّ بتحقّق العلّة في تلك المرتبة و إلاّ كان المعلول مستقلاًّ في شيئيّته و هو باطل كما تقدّم فإذن العلّة مجتمعة الوجود في مرتبة معلولها بخلاف المعلول، فإنّ المعلول لايكون في مرتبة علّته و لا يتحقّق في أفق وجودها؛ لأنّ المعلول أضعف وجودا من العلّة فلايكون في مرتبة علّته فهو غير مجتمع في مرتبة علّته.
جريان البرهانين في صورة التصاعد وجريان برهان الشيخ في صورة التنازل صحيح، لا
غبار عليه؛ أمّا جريان برهان الفارابيّ في صورة التنازل ففيه تأمّل.
أمّا جريان البرهانين في صورة التصاعد فلما تقدّم في بيان استحالة التسلسل في العلل
و أمّا جريان برهان الشيخ في صورة التنازل فلأنّه لو ترتّب معلول على علّة ثمّ
معلول المعلول على المعلول و هكذا إلى غير النهاية لكان جميع مايكون علّة و
معلولاً، وسطا ـ لما تقدّم في صورة التصاعد ـ و الوسط يستدعي الطرفين، لكن أحد
الطرفين موجود على الفرض و هو العلّة الأولى فيجب أن يكون الطرف الاخر موجودا أيضا
و هو المعلول المحض؛ إذ لو لم ينته السلسلة إلى معلول محض لتحقّق الوسط بدون الطرف
و هو محال.
و أمّا وجه التأمّل في برهان الفارابيّ في صورة التنازل. فلأنّ وجود اللاحق مشروط
بوجود السابق و لذا يلزم من عدم السابق المطلق عدم الوجودات اللاّحقة ـ كما تقدّم
توضيحه في صورة التصاعد ـ لكن وجود السابق ليس مشروطا بوجود اللاحق حتّى يلزم من
عدم اللاحق المطلق (و هو المعلول الّذيليس علّة) عدم الوجودات السابقة، اللّهمّ
إلاّ أن يرجع برهان الفارابيّ إلى نوع من برهان التضايف بأن يقال ـ مثلاً ـ :
السابق المطلق و اللاحق المطلق متضائفان فلو لم يوجد في السلسلة اللاحق المطلق لم
يوجد السابق المطلق و لو لم يوجد السابق المطلق لم يوجد شيء أصلاً، مع أنّ هناك
أشياء موجودة هذا خلف، لكن ليعلم أنّ برهان التضايف بأشكاله مغاير لبرهان
الفارابيّ، فتدبّر.
أقول: ليس مراد المحقّق الدّاماد من الاجتماع في الوجود ما توهّمه المصنّف من قاعدة «وجوب وجود المعلول عند وجود العلّة التامّة» و قاعدة «وجوب وجود العلّة عند وجود المعلول» حتّى يرد على المحقّق إشكال المصنّف بأنّ الاجتماع كما يتحقّق في صورة التصاعد يتحقّق في صورة التنازل إذا كانت العلل المفروضة فيها تامّة، بل مراد المحقّق من الاجتماع في الوجود ما تقدّم آنفا من أنّ المعلول في أيّ مرتبة تحقّق تحقّقت العلّة في نفس تلك المرتبة و ذلك لأنّ شيئيّة المعلول بنفس شيئيّة علّته فتحقّق المعلول في أيّ مرتبة بنفس تحقّق العلّة في تلك المرتبة(1) فإذن العلّة مجتمعة الوجود في مرتبة معلولها بخلاف المعلول، فإنّه لايكون في مرتبة علّته و لا يتحقّق في أفق وجودها فهو غير مجتمع الوجود في مرتبة علّته، فإذن شرط الاجتماع في الوجود موجود في السلسلة المتصاعدة وغيرموجود في السلسلة المتنازلة، فإشكال المصنّف غير وارد على المحقّق، أضف إلى هذا أنّ المحقّق قد جعل اتّحاد جهة ذهاب السلسلة و جهة الترتّب و الاجتماع من شروط الاستحالة و هذا الشرط موجود في السلسلة المتصاعدة فقط، لأنّ جهة اللانهاية فيها إلى الفوق و جهة الاجتماع و الترتّب كذلك إلى الفوق، فالجهات متوافقة (إذ كلّ معلول يتوقّف على علّته و علّته فوقه لا دونه فهو مترتّب على ما فوقه لا على ما دونه و كذا العالي يجتمع مع السافل بخلاف العكس ـ كما تقدّم ـ فالاجتماع للعالي لا للسافل، فجهة الاجتماع إلى الفوق و هي جهة اللانهاية) لكن هذا الشرط غير موجود في السلسلة المتنازلة فإذن هذا الشرط أيضا غير موجود في السلسلة المتنازلة، فلا يجري فيها أدلّة استحالة التسلسل فإشكال المصنّف غير وارد، نعم يمكن الإشكال على المحقّق بأنّ جريان أدلّة التسلسل غير متوقّف على الإجتماع بهذا النحو و على اتّحاد الجهة فتدبّر.
1. و هذا هو الذي يعبّر عنه بالمعيّة القيومية.
ثمّ لمزيد التوضيح و البيان ننقل كلام المحقّق حتّى تعرف ما أوضحناه، فإنّه قال:
«نقول في صورة التصاعد تكون العلل المترتّبة المتصاعدة إلى لانهاية مجتمعة الحصول
بأسرها لا محالة في مرتبة ذات المعلول الأخير، فيكون الترتّب و الاجتماع في الوجود
جميعا في جهة اللانهاية فأمّا في صورة التنازل فالمعلولات المترتّبة لا تكون
متحقّقة في مرتبة ذات العلّة أ ليس المعلول لا يتصحّح له الوجود في مرتبة ذات
العلّة على خلاف الأمر في العلّة؟ فإنّها واجبة الوجود في مرتبة ذات المعلول بتّة
فإذن ليس يتحقّق شيء من المعلولات في مرتبة ذات شيء من العلل فضلاً عن تحقّق
المعلولات الغير المتناهية في مرتبة ذات العلّة فإذن في المعلولات المرتبة إلى
لانهاية تكون اللانهاية جهة، هي جهة الترامي و التنازل، و الترتّب و الاجتماع في
الوجود بالفعل في جهة أخرى خلاف تلك الجهة و هي جهة التراقي والتصاعد فليتبصر».(1)
مثلاً إنّ كلّ جسم ينقسم إلى غير النهاية بمعنى لايقف، أي إنّ عدد أجزائه الموجودة بالفعل بعد كلّ انقسام متناهٍ دائما و إن كانت المراتب العالية الذاهبة إلى غيرالنهاية موجودة بالقوّة، فهذا التسلسل ليس بمستحيل إذ ليس فيه سلسلة غير متناهية بالفعل.
اعتبار هذا الشرط في جريان كلّ من البراهين ممنوع، فإنّ بعضها جارٍ و إن لم يعتبر فيه هذا الشرط كبرهان التطبيق الذي أخترعه المحقق الطوسيّ و لذا جرى نفسه هذا البرهان في إثبات تناهي الحوادث الماضية المتعاقبة.(2) و كبرهان الفارابي فإنّ حاصل هذا البرهان عبارة عن أنّ الوجودات اللاحقة مشروطة بوجود السابق المطلق فلولم يتحقّق السابق المطلق لم يتحقّق شيء أصلاً و من المعلوم أنّ هذا المعنى موجود في الأمور المترتّبة المتعاقبة في الأزمنة المختلفة فلو كان هناك أمور غير متناهية بالفعل بحيث يتوقّف بعضها على بعض لجرى فيه هذا البرهان، نعم اعتبار هذا الشرط في برهان المصنّف رحمهالله لازم، لأنّ هذا البرهان يعتمد على الوجود الرابط و الوجود الرابط لا يمكن تحقّقه إلاّ مع تحقّق ما يرتبط به، و كذا في برهان الشيخ، لأنّ هذا البرهان يعتمد على أنّ مجموع ما كان علّة و معلولاً وسط، فإذا لم يكن أفراد المجموعة مجتمعة في الوجود لم يتحقّق هناك وسط حتّى يجري فيه البرهان، لأنّ ثبوت الوسطيّة للمجموعة فرع ثبوت المجموعة و المفروض أنّ المجموعة لاتوجد في زمانٍ مّا.
1. راجع: القبسات، ص 234 و راجع أيضا ص 184.
2 . نقد المحصّل، ص 209؛ و الأسفار: 2 / 151.
ثمّ إنّ الفلاسفة اعتبروا هذا الشرط حذرا من لزوم الحدوث الزمانيّ للعالم المادّيّ كما يعتقده المتكلّمون لكن دفع مزعمة الحدوث بمعنى كون العالم مسبوقا بالعدم الزمانيّ لا يتوقّف على اعتبار هذا الشرط في أدلّة بطلان التسلسل، فإنّ العالم المادّيّ لا يكون حادثا زمانيّا و إن كان التسلسل في الأمور المتعاقبة غير المتناهية محالا؛ و ذلك لأنّ مجموع العالم المادّيّ حقيقة واحدة سيّالة كما سيأتي و الكثرة في الحقيقة السيّالة ليست بالفعل بل بالفرض، فليس في العالم المادّيّ حوادث متكثّرة بالفعل فضلاً عن كونها غير متناهية حتّى يجري فيه البراهين.
إذ لولا الترتّب بين الأجزاء لم يكن هناك سلسلة حقيقيّة بل هناك موجودات متفرّقة، و حيث إنّ البراهين السابقة تتوقّف على الترتّب كبرهان الفارابيّ أو على ما يتوقّف علي الترتّب كالوسطيّة و الربطيّة لايجري هناك تلك البراهين.
تصوير التسلسل في العلّة الغائية بأن يكون للفاعل الواحد في فعل واحد غاية بعد
غاية إلى غير النهاية بأن يمشي زيد مثلاً ليصل إلى السوق و يصل إلى السوق ليشتري
المتاع و يشتري المتاع ليأكله و يأكله ليشبع و يشبع ليتقوّي و يتقوّي ليستعدّ لجلب
الخير و دفع الشرّ و هكذا إلى غير النهاية.
إذ لو اتّصفت الماهيّة بشأن المرجّح لكانت معطية ومعطي الشيء واجد له و إذا كان واجدا لم تحتج إلى مرجّح يعطيها ذلك الشيء.
قال في المنجد: «استسمنت ذا ورم أي حسبت المتورّم سمينا و استعظمت ما ليس عظيما، يضرب لمن يغترّ بالظاهر المخالف حقيقة الواقع».(1)
1. راجع: المنجد، باب الأمثال. 2) ص 118. 3) ج 2، ص 222.
و هو المحقّق السبزواريّ في شرح منظومته و في تعليقاته على الأسفار.
بعد أن يكون من شأنه إرادة ذلك الفعل و عدمه.
علمه و فعله متغايران مفهوما متّحدان مصداقا، فباعتبار التغاير المفهوميّ صحّ أن يقال: إنّ أحدهما في مرتبة الاخر أي انّهما معان، فليس العلم مقدّما على الفعل بخلاف الفاعل بالقصد مثلاً حيث إنّ العلم فيه قبل الفعل و باعتبار الاتّحاد المصداقيّ صحّ أن يقال إنّ علمه عين فعله.
النفس في مرتبة القوى الطبيعيّة عادمة للشعور فليس لها في هذه المرتبة علم بفعلها و ذلك كالقوّة الهاضمة، فإنّها تفعل أفعالها من غير دخل العلم فيها.
لمّا كان علمه بفعله عين فعله كان هذا العلم علما حضوريّا و تفصيل علمه عبارة عن امتياز كلّ فعل عن غيره في الوجود.
العلم الإجماليّ عبارة عن البساطة الوجوديّة و عدم تميّز بعض المعلومات عن بعض في مرتبة ذات الفاعل، فإنّ الفاعل لمّا كان واجدا لفعله في مرتبة ذاته و ذاته حاضرة لذاته معلومة لهاكان فعله المنطوي في ذاته معلوما لها أيضا، لكن هذا العلم ليس ممتاز الوجود عن وجود الذات و عن وجود ساير الأفعال المعلومة في مرتبة الذات بل كلّها موجود بوجود واحد بسيط واجد للأفعال كلّها و هو وجود الذات فأفعالها معلومة لها بعلمه بذاته علما اجماليّا؛ و الحاصل أنّ الفاعل بالرضا له علمان بفعله: أحدهما إجماليّ و هو عين الفاعل و ثانيهما تفصيليّ و هو عين الفعل الصادرعن الفاعل.
لأنّ تلك الصور معلومة بالعلم الحضوريّ لا بحصول صور عنها و إلاّ لكان معلوميّة صور تلك الصور بصور أخرى أيضا فيتسلسل و هو محال، فإذن معلوميّتها عين وجوداتها.
إنّ علم الواجب تعالى بالأشياء عندهم ليس بحصول صورها و ارتسامها بل بحضور واقعيّاتها الخارجيّة عنده، فعلى هذا ما من موجود صادر عنه تعالى إلاّ و هو عين علمه تعالى.
فإنّهم قائلون بأنّ علم الواجب بالأشياء ـ الذي هو بحصول صورها و ارتسامها ـ زائد على الذات، سابق على الفعل، منشأ لصدوره عنه بلا داع زائد.
الإجمال هنا كالإجمال في الفاعل بالرضا بمعنى البساطة الوجوديّة و عدم تميّز بعض
المعلومات عن بعض في مرتبة ذات الفاعل لكن بين التفصيل هنا و التفصيل في الفاعل
بالرضا فرق؛ لأنّ التفصيل هنا عبارة عن جامعيّة وجود الفاعل في مرتبة ذاته لوجود
أفعاله، فالأفعال كلّها موجودة في مرتبة ذات الفاعل بعين وجوده الجمعيّ
البسيط و التفصيل هناك بمعنى تميّز بعض الأفعال عن بعض،
ثمّ المراد بالعلم التفصيليّ هنا عبارة عن معلوميّة الأفعال كلّها بخصوصيّاتها
الّتي بها هي هي بعين معلوميّة ذات الفاعل لذاته.
توضيح ذلك يتوقّف على أمرين: الأوّل أنّ وجود الفاعل بوحدته جامع لوجود أفعاله،
فأفعاله كلّها موجودة في مرتبة ذات الفاعل بعين وجوده الجمعيّ.
الثاني أنّ التشخّص مساوق للوجود يدور حيثما دار الوجود؛ و بناءاً على هذا إذا كانت
الأفعال موجودة في مرتبة ذات الفاعل بعين وجوده الجمعيّ البسيط كان تشخّصاتها الّتي
بها يكون كلّ فعل هو هو، موجودة أيضاً بعين تشخّص ذات الفاعل و إلاّ بطل التساوق
بينهما، هذا خلف.
إذا عرفت هذا نقول: إذا كان الفاعل عالما بذاته بحضور ذاته لذاته كان عالما بأفعاله
بخصوصيّاتها الّتي بها هي هي بعين علمه بذاته؛ إذ خصوصيّة كلّ فعل ـ أي ما كان به
الفعل ذلك الفعل المتشخّص الخاصّ ـ حاضرة لذات الفاعل بحضور ذات الفاعل لذاته فتلك
الخصوصيّة معلومة للفاعل بعين معلوميّة ذات الفاعل لذاته و هذه المعلوميّة هي
المراد بالعلم التفصيليّ هنا.
إشارة إلى أنّ التفصيل هنا مغاير للتفصيل في الفاعل بالرضا، فإنّ التفصيل هنا عبارة عن شامليّة وجود الفاعل للوجودات المعلومة في مرتبة ذاته ـ كماتقدّم .
أي في الفصل الحادي عشر من المرحلة الثانية عشر و حاصله أنّه تعالى بسيط من كلّ
الوجوه و ما كان كذلك لايشذّ عن سعة وجوده وجود، فهو كلّ الأشياء الوجوديّة أي إنّه
على بساطته واجد في مرتبة ذاته لكلّ الوجودات، إذ لو لم يكن كذلك لكانت ذاته
متحصّلة القوام من وجدان شيء و فقدان شيء آخر، فتتركّب ذاته من حيثيّتين مختلفتين و
قد فرض أنّها بسيطة من كلّ الوجوه، هذا خلف فثبت أنّ ذاته البسيطة شاملة لكلّ
الوجودات و هذا هوالتفصيل المراد هنا.
ثمّ إنّ الوجودات فيها غير متميّز بعضها عن بعض و إلاّ لكانت الذات مركّبة من
وجودات كثيرة و قد فرض أنّها بسيطة فثبت أيضا أنّ الوجودات الّتي لاتشذّ عن
سعة وجوده البسيط ، غير متميّز بعضها عن بعض و هذا هو الإجمال المراد هنا.
فإذن الواجب إذا كان بحضور ذاته لذاته عالما بذاته البسيطة (و هو العلم الإجماليّ)
كان عالما بنفس ذلك العلم بكلّ الوجودات (و هو العلم التفصيليّ) إذ الذات على
بساطتها واجدة لكلّ الوجودات فحضور الأشياء لذاته عين حضور ذاته لذاته، فثبت أنّ له
تعالى علما اجماليّا بالأشياء في عين الكشف التفصيليّ.
أقول: في كون الفاعل بالقسر نوعا مباينا للفاعل بالطبع نظر أيضا؛ فإنّ الفعل ملائم لطبع فاعله دائما و ذلك للسنخيّة الذاتيّة بينهما، نعم الفعل غير ملائم للطبيعة الأولى الّتي للفاعل قبل قسر القاسر لكن تلك الطبيعة ليست فاعلة حقيقة و إنّما الفاعل بالحقيقة شيء جديد مركّب من الطبيعة السابقة و القاسر و الفعل ملائم له.
الحاصل أنّ للفاعل بالجبركالفاعل بالقصد تصديقا برجحان الفعل، يوجب أن يتحقّق
الفعل بإرادته و اختياره و لا فرق حقيقيّا فلسفيّا بين أن يكون حصول التصديق مستندا
إلى طبع الأمر كما في الفاعل بالقصد أو إلى إجبار مجبر كما في الفاعل بالجبر.
نعم العقلاء فرقّوا بينهما بحسب الوضع و الاعتبار حفظا لمصلحة الاجتماع و رعاية
لقوانينهم الجارية لكن هذا المقدار لا يوجب فرقا نوعيّا بينهما.
اقتباس من قوله تعالى «فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقضّ فأقامه»(1)
1. سورة الكهف، آية 77.
حاصله: أنّا نمنع أن لايكون في الفاعل بالعناية داع زائد على العلم بل الداعي
الزائد موجود فيه و هو التخلّص عن ألم الخوف في المثال المذكور؛ و الدليل على
الاحتياج إلى الداعي الزائد هو أنّ البنّاء و إن تصوّر السقوط لكنّه لايسقط و هذا
كاشف عن أنّ تصوّر السقوط غير كافٍ للسقوط بل يحتاج إلى داع زائد و هو التخلّص عن
ألم الخوف مثلاً، إذ لو كان كافيا لا يمكن أن يختلف الأمر في الخائف و في البنّاء
بل يحب أن يكون الأمر فيهما سواء.
أقول: هذه مناقشة في المثال و لم ينف مطلق الفاعل بالعناية فإنّ غاية ما يثبت بهذا
البيان هو أنّ هذا المثال ليس من أفراد الفاعل بالعناية لكن الفاعل بالعناية
لاينحصر في هذا المثال، فإذن نفي الفاعل بالعناية يستدعي دليلاً آخر.
لمّا جاز أن يعترض عليه بأنّا نمنع أن يكون التخلّص عن ألم الخوف داعيا، إذ
العاقل يعلم أنّ ضرر نفس السقوط أكثر من ضرر ألم الخوف، فلم يقصد السقوط للتخلّص عن
ألم خوف السقوط، أجاب عنه بأنّ الداعي أعمّ من أن يكون عقلائيّا أو لايكون و خلوّ
السقوط عن الداعي العقلائيّ لايوجب خلوّه عن مطلق الدّاعي.
عقد هذا الفصل لإثبات التوحيد الأفعاليّ خلافاً للمعتزلة حيث زعموا أنّ استناد الأفعال إلى العباد على وجه الاستقلال و لم يتفطّنوا أنّه شرك بل هولاء أعظم شركا من الثنويّة لأنّهم قالوا بشريك واحد له تعالى و أسندوا الشرور إليه و المعتزلة قالوا بتعدّد الشركاء بعدد الفاعلين، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا.
إذ تقدّم أنّ ذاته تعالى محض الوجود، فتكون ذاته محض الوحدة (بحكم التساوق بين الوجود و الوحدة) فيكون واحدا بالوحدة الحقّة، و الواحد بالوحدة الحقّة لايتثنّى و لا يتكرّر، إذ لو تكرّر لامتاز كلّ منهما بشيء ليس في الآخر فلا يكون شيء منهما محض الوجود و الوحدة و هذا خلف ثمّ إنّ المصنّف قد ذكر هذه المقدّمة لبيان أنّ الممكنات لا تنتهي إلى المبدئين المستقلّين كما يقول به الثنويّة.
لأنّ المعلول عين الحاجة إلى العلّة و محض الربط بها ـ كما تقدّم بيانه مرارا ـ
فلايوجد فيه حيثيّة مستقلّة أصلاً و إلاّ لا تكون هويّته عين الفقر و محض الحاجة بل
الحاجة حيثيّة من حيثيّاته فقط و هذا خلف و إذا لم يكن فيه حيثيّة مستقلّة
أصلاً لم يكن ذاته منفصلة عن ذات علّته و إلاّ كان في تذوّته و شيئيّته مستقلاًّ
فيتطرّق فيه جهة استقلال و لكن الاستقلال بوجه مّا ينافي فقره بتمام هويّته، فإذن
ثبت أنّ شيئيّة المعلول بشيئيّة علّته المفيضة لا بشيئيّة منفصلة، فيكون وجود
المعلول من شؤون وجود علّته.
إذا عرفت هذا نقول: كلّ حكم صادق على المعلول فهو لعلّته المفيضة، إذ لو لم يكن
كذلك بل كان للمعلول مستقلاًّ للزم الخلف، لأنّ الحيثيّة المفروضة إن كانت صادقة
على المعلول بالعرض فهو ليس حكما حقيقيّا للمعلول بل لغيره و إن كانت صادقة عليه
بالذات فهو عين المعلول و حينئذٍ لوكان المعلول مستقلاًّ في تلك الحيثيّة للزم أن
يتطرّق في هويّة المعلول جهة استقلال مع أنّ المفروض أنّ الحاجة و الفقر قد ملأت
تمام هويّة المعلول، فلا يوجد فيه حيثيّة مستقلّة أصلاً هذا خلف، فإذن كما أنّ ذات
المعلول من شؤون ذات العلّة كذلك كلّ حيثيّة في المعلول من شؤون تلك الحيثيّة في
العلّة، و هذا حكم عامّ جارٍ في كلّ حيثيّة صادقة بالذات على المعلول كالفاعليّة و
العلم و العشق و الحيوة و الجمال و غيرها من الحيثيّات المنطبقة على حيثيّة الوجود،
ففاعليّة الممكنات من شؤون فاعليّة الواجب لا منفصلة عنها و علمها من شؤون علمه و
العشق الساري فيها من شؤون عشقه بذاته و كذا الأمر في الحيوة و الجمال وغيرها.
حجّة أخرى: الفاعليّة في الواجب فاعليّة صرفة و صرف الشيء لا ثاني له، فالفاعليّة
في الواجب لا ثاني لها؛ أمّا الصغرى فلأنّ فاعليّة الواجب عين وجوده و وجوده صرف
ففاعليّته أيضا صرفة و ذلك لمكان الاتّحاد بين وجوده و فاعليّته، و أمّا الكبرى
فلأنّ الصرف لو كان له ثان لامتاز كلّ منهما بما ليس في الآخر فلايكون شيء منهما
صرفا بل كلّ منهما مخلوط بغيره و هذا خلف و أمّا النتيجة فحاصلة على الشكل الأوّل،
فإذن ثبت أن ليس في الوجود الاّ الفاعل الواحد، نعم لمّا كان الصرف من كلّ شيء
جامعا بوجوده الواحد لكلّ ما هو من سنخه كان فاعليّة الواجب بوجوده الواحد جامعا
لكلّ فاعليّة ففاعليّة كلّ شيء من شؤون تلك الفاعليّة الصرفة لا فاعليّة مستقلّة
منفصلة عن تلك الفاعلية ثمّ هذه الحجّة جارية في كلّ حيثيّة ذاتيّة في الواجب
كالعلم و الحيوة و القدرة و الجمال و العشق و غيرها فتدبّر.
أي الاستقلال الموجود في كلّ علّة بالنسبة إلى معلوله هو من شؤون استقلال الواجب لا استقلال مستقلّ إذ قد ثبت أن لاحكم للمعلول إلاّ و هو لوجود علّته.
أي في اعتبار العقل تلك الماهيّات.
بيانه: أنّ وجودات الممكنات وجودات رابطة بالنسبة إلى عللها أمّا مع قطع النظر عن
مقايستها إلى عللها فلها استقلال مّا بالقياس إلى الوجود الرابط الذي بين الموضوع و
المحمول في القضيّة مثلاً، فينتزع العقل منها الماهيّات الجوهريّة و العرضيّة
المستقلّة في المفهوميّة.
الفرق بين هذا البرهان و البرهانين السابقين هو أنّ السابقين يرفعان الواسطة بين
الواجب و الأشياء و هذا البرهان يثبتها و سيأتي تتمّة الكلام في المرحلة الثانية
عشرة.
أي في الوجود، إذ تقدّم أنّ المجعول بالذات وجود المعلول و الجاعل بالذات وجود الفاعل.
أي في غيرمايقع به العلّيّة كالماهيّة فإنّ المسألة ليست بديهيّة بل نظريّة تحتاج إلى الدليل في نفيها أو إثباتها.
بيان الإشكال: أنّ المادّة و الصورة معا عين المعلول و ما كان عين المعلول لا
يتقدّم على المعلول و إلاّ لتقدّم الشيء على نفسه و هو محال بالضرورة و إذ ليس ما
كان عين المعلول، مقدّما على المعلول فليس المركّب منه ومن غيره (و هو العلّة
التامّة) مقدّما على المعلول، لأنّ المركّب ينتفي بانتفاء جزئه فإذا لم يكن جزء
العلّة التامّة في مرتبة مقدّمة على المعلول لم يكن المركّب منه و من غيره (و هو
العلّة التامّة) في تلك المرتبة المتقدّمة أيضا.
و الجواب: أنّ كلّ واحد واحد من المادّة و الصورة علّة متقدّمة على المجموع المركّب
منهما و إذا كان كلّ واحد منهما و كذا العلّة الفاعليّة و الغائيّة، مقدّما على
المعلول صحّ أن يقال إنّ مجموع العلل الأربعة (لا بما هو مجموع) مقدّم على المعلول.
إذ القبول هنا لا يلازم الفقدان حتّى ينافي الفعل الذي يلازم الوجدان.
أي القبول إن كان بمعنى الاتّصاف ليس أثرا صادرا حتّى يجري فيه البرهان الأوّل و
يقال الفعل و الاتّصاف أثران فلايصدران عن الواحد بما هو واحد.
و إنّما لم يكن الاتّصاف أثرا صادرا لأنّه لو كان كذلك للزم أن يكون له مؤثّر يتّصف
بإيجاد ذلك الأثر فلمؤثّره اتّصاف آخر فننقل الكلام في هذا الاتّصاف فيذهب الأمر
إلى غير النهاية و يتسلسل.
و كذا القبول إن كان بمعنى الاتّصاف لا يسبق مقبوله إمكان حتّى يجري فيه البرهان
الثاني و يقال إنّ نسبة القابل إلى مقبوله بالإمكان ... .
و إنّما لم يسبق المقبول إمكان، لأنّ المقبول لازم الذات كما هو المفروض و نسبة
الشيء إلى لازمه بالوجوب لا بالإمكان.
بيانه أنّه لوكان القبول أثرا صادرا عن القابل لورد على المستدلّ نفس الإشكال الذي أورده على خصمه و هو صدور الأثرين عن الواحد بما هو واحد و ذلك لأنّ القابل البسيط يقبل الصورة، فقبوله الصورة أثر صادر عنه على الفرض، ثمّ إذا انضمّت إليه الصورة يقبل أن يكون جزء المركّب من القابل و الصورة فقبوله الجزئيّة أيضا أثر آخر صادر عنه فإذن صدر عن الواحد البسيط أثران و هو محال.
فيكون الدليل تامّا ببيان أنّ نسبة الفاعل إلى فعله بالوجوب و نسبة القابل إلى
مقبوله ليست بالوجوب بل بالإمكان فلايجتمعان في البسيط الواحد.
أمّا الصغرى فلما تقدّم في الفصل الثالث من أنّ العلّة التامّة إذا وجدت وجب وجود
المعلول و أمّا الكبرى فلما تقدّم في الفصل السادس من أنّ الممكن سواء كان مادّيّا
أو مجرّدا لا يستغني عن العلّة الفاعليّة، فبالقابل وحده (الذي قبوله بمعنى
الإنفعال ) لا يجب المقبول.
قالوا: إنّ هذه الصفات الانتزاعيّة زائدة على الذات، فإذن ذاته البسيطة فاعلة و
قابلة لهذه الاعتبارات العقليّة.
و فيه مضافا إلى ما أورده المصنّف أنّها لو كانت صفات انتزاعيّة و اعتبارات عقليّة
ليست لها في الخارج واقعيّات فلا تحتاج إلى جعل الواجب حتّى يكون الواجب فاعلاً
لها.
بل أنّها ممّا تقتضيه غايته، بمعنى أنّه لولا الغاية لا تتحقّق الحركة.
أي إنّ ما بين الحركة و غايتها الّتي تنتهي اليها، نسبة محقّقة و ارتباط موجود
في الخارج.
بيان ذلك: لا شكّ أنّ كلّ حركة لاتنتهي إلى كلّ غاية بل تنتهي إلى غاية معيّنة،
فإنّ حبّة كلّ نبات بعد الاستقرار في الأرض تحرّكت نحو غاية معيّنة، فلاينبت من
البرّ إلاّ البرّ و من الشعير إلاّ الشعير (گندم از گندم برويد جو ز جو) فإذن لابدّ
أن يكون بين حركة كلّ حبّة و غايتها ارتباط موجود و نسبة محقّقه معيّنة في الخارج،
إذ لو لم يكن هناك ارتباط موجود لجاز أن ينبت من البرّ الشعير و من الشعير البرّ
مثلاً، لأنّ المفروض أن لا يكون بين حبّةّ البرّ و غاية حركتها ارتباط خاصّ و نسبة
معيّنة حتّى تخصّص انتهاء حركتها إلى البرّ فإذن جاز أن ينبت من البرّ الشعير مثلاً
لكن هذا ضروريّ البطلان فكذا المقدّم.
لمّا ثبت أنّ بين كلّ حركة و غايتها ارتباط خاصّ موجود في الخارج استنتج منه أنّ
هذا الارتباط الموجود يوجب نوعا من الاتّحاد بينهما.
بيان ذلك: أنّ النسبة في كلّ وعاءِ تحقّقت تستدعي وجود طرفيها في ذلك الوعاء،
لأنّها متقوّمة الوجود بهما، فإذن هذه النسبة المعيّنة الموجودة في الخارج بين
الحركة و غايتها تستدعي وجود الحركة و وجود الغاية، و الحركة موجودة على الفرض لكن
الغاية بحيث يترتّب عليها آثارها المطلوبة منها غير موجودة بالفعل مادامت الحركة
موجودة، فيجب أن تكون الغاية نفسها موجودة بوجود ضعيف بحيث لا يترتّب عليها جميع
آثارها المطلوبة منها إذ لو لم تكن الغاية موجودة بوجودها الضعيف (كما أنّها غير
موجودة بعدُ بوجودها الشديد) لبطلت تلك النسبة المعيّنة و قد ثبت وجودها، هذا خلف،
فإذن ثبت أنّ كلّ حركة قبل وصولها إلى الغاية توجد فيها مرتبة ضعيفة من وجود الغاية
الّتي تنتهي إليها.
ثم إنّ الغاية بوجودها الضعيف متّحد الوجود مع الغاية بوجودها الشديد و إلاّ بطلت
النسبة المعيّنة ـ كما تقدّم ـ ؛ و من جانب آخر أنّ الغاية بوجودها الضعيف متّحدة
الوجود مع الحركة، إذ قد ثبت وجود النسبة بينهما و تحقّق النسبة بين الطرفين يوجب
نحوا من الاتّحاد بينهما ـ كما تقدّم في المرحلة الثانية ـ فإذن الحركة متّحدة
الوجود مع الغاية بوجودها الشديد، إذ المتّحد مع المتّحد متّحد و هو المطلوب؛ ثم
للكلام تتمّة سيأتي في بحث الحركة.
أي غاية الحركة ترتبط بالمحرّك و بالمتحرّك بأيّ نحو ترتبط نفس الحركة بهما و لأنّ للحركة و الغاية وجودا واحدا ـ كما تقدّم ـ فكما أنّ الحركة ترتبط بالمحرّك ارتباط الفعل بفاعله كذلك الغاية ترتبط بالمحرّك ارتباط الفعل بفاعله و كما أنّ الحركة ترتبط بالمتحرّك ارتباط المقبول بقابله كذلك الغاية ترتبط بالمتحرّك ارتباط المقبول بقابله.
كالإنسان يدخل الماء البارد ليتبرّد فإنّ التبرّد لازم للاستقرار في الماء الّذي هو غاية تنتهي إليها حركته، و الظاهر أنّ ما في المتن من الأمثلة الثلاثة كلّها مثال لما يقارن الغاية.
أي لتلك الوجودات السيّالة مرتبة تمام و مرحلة كمال هي وجهة لتلك الوجودات و قبلة لها و هذه الوجهة بوجودها الضعيف السابق تُولّي تلك الوجودات و توجّهها إلى مسير خاصّ ينتهي إلى تلك الوجهة بوجودها الشديد اللاحق و ذلك لما تقدّم من أنّ للغاية في كلّ حركة وجودا ضعيفا قبل الحركة يعيّن للفاعل فعلاً خاصّا بحيث ينتهي إلى نفس الغاية بوجودها الشديد؛ الا ترى أنّه لا ينبت من حبّة البرّ إلاّ البرّ و من حبّة الشعير إلاّ الشعير و لا يخرج من نطفة الإنسان إلاّ الإنسان و من نطفة الحمار إلاّ الحمار على سبيل اللزوم و الدوام بحيث لا يتخلّف إلاّ لمانع و ليس ذلك إلاّ لاستعداد سابق في حبّة البرّ مثلاً يوجّه حركتها نحو البرّ فقط، فيترتّب عليها ذلك حيث لا مانع عنه.
توضيح ذلك: أنّ الفعل إذا كان من الجواهر المجرّدة ذاتا و فعلاً تحقّقت هناك
ثلاث اتّحادات: الأوّل الاتّحاد بين الفعل و الغاية؛ و الثاني الاتّحاد بين الفعل و
العلّة الغائيّة و الثالث الاتّحاد بين الفاعل و العلّة الغائيّة. أمّا الأوّل
فواضح، لأنّ الفعل مجرّد تامّ فلا يتصوّر فيه الحركة حتّى تكون نفس الحركة فعلاً و
ما ينتهي إليه الحركة غاية، فإذن الفعل و الغاية هناك واحد من دون فرق بينهما حتّى
بحسب المرتبة و المصنّف قد أشار إلى هذا القسم من الاتّحاد بقوله «لا ينقسم إلى
تمام و نقص»، و أمّا الثاني فلأنّ في ذات الفاعل خصوصيّة ذاتيّة تخصّص صدور ذلك
الفعل الخاصّ عن ذلك الفاعل و هذه الخصوصيّة الذاتيّة في الفاعل علّة غائيّة للفعل
الصادرعن الفاعل؛ لأنّ العلّة الغائيّة عبارة عن ما لأجله يكون الفاعل فاعلاً لفعل
معيّن خاصّ بحيث لولاه لم يكن الفاعل فاعلاً لذلك الفعل المعيّن الخاصّ، فشأن
العلّة الغائيّة توجيه الفاعل نحو فعل خاصّ و هذا الشأن موجود في تلك الخصوصيّة و
إلاّ جاز أن يكون الفاعل فاعلاً لكلّ شيء و هو باطل بالضرورة.
إذا عرفت هذا نقول: لمّاكان تلك الخصوصيّة الذاتيّة متّحدة مع الفاعل (لأنّ الذاتيّ
عين الذات وجودا) و كان الفاعل متّحدا مع الفعل وجودا (و إن اختلفا مرتبة) كان
الخصوصيّة و هي العلّة الغائيّة متّحدة مع الفعل وجودا و إن اختلفا مرتبة و هذا هو
المطلوب و المصنّف قد أشار إلى هذا القسم من الاتّحاد بقوله «و الفعل و الغاية (أي
العلّة الغائيّة) هناك واحد»؛ أي واحد بحسب الوجود مختلف بحسب المرتبة.
وأمّا الثالث فلمّا سيأتي في توضيح قول المصنّف «و مرجعه إلى اتّحاد الفاعل و
الغاية».
أقول: البيانات السابقة و إن أثبتت العلّة الغائيّة في بعض الفواعل إلاّ أنّها
غير وافية بالمقصود في بعض آخر كما في الفواعل الطبيعيّة فإنّ غاية ما ثبتت بالبيان
السابق في الفواعل الطبيعيّة هو وجود الغاية فيها و من المعلوم أنّ وجود الغاية
مترتّب على الفعل فلا يمكن أن تكون علّة غائيّة للفعل الصادر منها و إلاّ لزم تقدّم
الشيء على نفسه إذ العلّة مطلقا متقدّمة على الفعل، فالبيان السابق لايثبت المطلوب
فعلى هذا يجب علينا أن نتمّم البيانات السابقة حتّى تفي بتمام المقصود، فنقول:
مستعينا باللّه الحكيم:
إنّ الفاعل قد يكون فاعلاً طبيعيّا و قد يكون فاعلاً علميّا و الثاني قد يكون
مجرّدا في ذاته و فعله كالعقول المفارقة و قد يكون مجرّدا في ذاته مادّيّا في فعله
كالنفوس الإنسانيّة فإن كان الفاعل طبيعيّا فالعلّة الغائيّة عبارة عن الاستعداد
السابق على الفعل و على الغاية المترتّبة على الفعل؛ لأنّ العلّة الغائيّة عبارة عن
ما لأجله يكون الفاعل فاعلاً لفعل معيّن خاصّ بحيث لولاه لا يكون الفاعل فاعلاً
لذلك الفعل المعيّن الخاصّ، فشأن العلّة الغائيّة توجيه الفاعل نحو فعل معيّن خاصّ
و هذا الشأن كما أنّه موجود في الفواعل العلميّة بالصورة الذهنيّة (لأنّ تصوّر
الآثار المترتّبة على الفعل و التصديق برجحانها يوجّه الفاعل نحوفعل خاصّ بحيث
ينتهي إلى تلك الآثار المطلوبة المعيّنة) كذلك موجود في الفواعل الطبيعيّة بذلك
الاستعداد السابق؛ إذ إن لم يتحقّق الاستعداد المعيّن السابق لا يوجد الفعل المعيّن
اللاحق كما سيأتي فإذن هذا الاستعداد السابق هو الذي لأجله يكون الفاعل فاعلاً لفعل
معيّن خاصّ فهو العلّة الغائيّة للفواعل الطبيعيّة.
و إن كان الفاعل مجرّدا تامّا كالعقول المفارفة فالعلّة الغائيّة عبارة عن خصوصيّة
ذاتيّة في الفاعل توجّه الفاعل نحوفعل خاصّ كما تقدّم شرحه في الحاشية السابقة و
إن كان الفاعل مجرّدا في ذاته مادّيّاً في فعله كالنفوس
الإنسانيّة فالعلّة الغائيّة عبارة عن تصوّر الغاية المترتّبة على الفعل و التصديق
برجحانها، فإنّ هذا العلم السابق يوجّه الفاعل نحو فعل خاصّ بحيث ينتهي إلى تلك
الغاية المطلوبة فهي العلّة الغائية.
هذا الكلام لايخلو من اضطراب؛ فإنّ الغاية حيث فسّرت بما يتعلّق به اقتضاء الفاعل بالأصالة تنطبق على الغاية الّتي هي متأخّرة عن مرتبة وجود الفاعل إذ المفروض أنّ الفاعل يقتضيها بالأصالة فهي فعل للفاعل متأخّرة عنه مرتبة، و حيث فسّرت بحقيقة الفعل المتقرّرة في مرتبة وجود الفاعل تنطبق على الغاية الّتي هي ليست متأخّرة عن مرتبة وجود الفاعل بل مرتبتها مرتبة وجود الفاعل؛ و كيف كان، إن كان المراد منه أنّ الغاية المتأخّرة عن الفاعل و الفعل متّحدان، فالبرهان عليه ما تقدّم من أنّ الفعل إذا كان مجرّدا تامّا فلا يتصوّر فيه الحركة حتّى تكون نفس الحركة فعلاً و ما ينتهي إليه الحركة غاية فإذن الفعل و الغاية هناك شيء واحد و إن كان المراد منه أنّ العلّة الغائيّة و الفعل متّحدان، فالبرهان عليه ما تقدّم أيضا من أنّ العلّة الغائيّة و الفاعل في المجرّد التامّ متّحدان بحسب الوجود و المرتبة و الفاعل متّحد مع الفعل بحسب الوجود فالعلّة الغائيّة متّحد مع الفعل بحسب الوجود.
و هذا بخلاف نفس الفعل، فإنّ اقتضاء الفاعل يتعلّق به بالتبع و لأجل الوصول إلى الغاية كما في الأفعال المادّيّة.
أي الفاعل و العلّة الغائيّة متّحدان فيماكان الفعل مجرّدا تامّا و ذلك لوجهين:
الأوّل: ما تقدّم من أنّ العلّة الغائيّة فيما كان الفعل مجرّدا تامّا عبارة عن
خصوصيّة ذاتيّة في الفاعل و من المعلوم أنّ هذه الخصوصيّة عين وجود الفاعل لأنّ
الذاتيّ عين الذات وجودا.
الثاني: أنّ الفعل لمّا كان مجرّدا تامّا كان من الواجب أن يكون فاعله مجرّدا تامّا
بل يجب أن يكون أشرف وجودا من فعله و المجرّد التامّ إذا كان فاعلاً لشيء كان علّة
تامّة له بنفس ذاته من غير احتياج إلى أمر زائد على ذاته الفاعلة و ذلك لأنّ كلّ ما
أمكن للمجرّد التامّ بالإمكان العامّ فهو له بالوجوب، إذ لاحالة منتظرة فيه، فإذن
إذا أمكن التأثير و الفاعليّة للمجرّد التامّ ثبت له هذه الفاعليّة بالوجوب فلا
يحتاج فاعليّته إلى أمر زائد؛ إذ لو احتاج في تأثيره وفاعليّته إلى شيء آخر لكان
تأثيره وفاعليّته بالإمكان الخاصّ لا بالوجوب و هو باطل، فاذن المجرّد التامّ بذاته
علّة تامّة لفعله الخاصّ من غير احتياج إلى أمر زائد فلا يحتاج في فاعليّته إلى
علّة غائيّة زائدة على ذاته بل هو بنفس ذاته الفاعلة علّة غائيّة لفعله الخاصّ؛
لأنّ العلّة الغائيّة ـ كما تقدّم ـ ما لأجله يكون الفاعل فاعلاً لفعل معيّن خاصّ
فشأن العلّة الغائيّة توجيه الفاعل نحو فعل خاصّ و هذا الشأن موجود في الفاعل
المجرّد التامّ بنفس ذاته التامّة فهو علّة غائيّة كما أنّه علّة فاعليّة و هو
المطلوب.
ثمّ إنّ اتّحاد الفعل و العلّة الغائيّة مرجعه إلى اتّحاد الفاعل و العلّة الغائيّة
لأنّ الفاعل و الفعل متّحدان وجودا فاتّحاد الفعل و العلّة الغائيّة يرجع إلى
اتّحاد الفاعل و العلّة الغائيّة.
الفاعل هو النفس في هذا المثال، كما أنّ القابل هو البدن في المثال الثاني.
فيه نظر إذ قد تقدّم أنّ للغاية في الفواعل الطبيعيّة وجودا قبل الفعل يعيّن
للفاعل فعلاً خاصّا بحيث ينتهي ذلك الفعل إلى تلك الغاية المطلوبة و لا ضير في أنّ
ذلك الوجود ليس وجودا علميّا لأنّ العلّة الغائيّة لا يجب أن تكون علميّا و ذلك
لأنّ العلّة الغائيّة عبارة عن ما لأجله يكون الفاعل فاعلاً لفعل معيّن خاصّ بحيث
لولاه لم يكن الفاعل فاعلاً لذلك الفعل الخاصّ، فشأن العلّة الغائيّة توجيه الفاعل
نحو فعل خاصّ.
و هذا الشأن كما أنّه موجود في الفواعل العلميّة (لأنّ تصوّر الآثار المترتّبة على
الفعل و التصديق برجحانها يوجّه الفاعل نحو فعل خاصّ ينتهي إلى تلك الآثار
المطلوبة) كذلك موجود في الفواعل الطبيعيّة، فإنّ في كلّ طبيعة متحرّكة استعدادا
معيّنا خاصّا قبل الحركة يقتضي فاعليّة المحرّك بالنسبة إلى حركة خاصّة بحيث لولا
ذلك الاستعداد لم يكن المحرّك محرّكا بالنسبة إلى تلك الحركة الخاصّة، فإنّ في حبّة
البرّ مثلاً استعدادا خاصّا معيّنا يعيّن للقوّة المنمية المحرّكة مسيرا خاصّا
معيّنا و يقتضي أن تكون تلك القوّة المنمية المحركة محرّكة لحركة خاصّة معيّنة بحيث
تنتهي إلى البرّ فقط لا إلى الشعير مثلاً فإذن هذا الاستعداد هو الذي لأجله يكون
الفاعل فاعلاً لفعل خاصّ فهو العلّة الغائيّة السابقة لذلك الفعل، فقولهم: «إنّ
الغاية قبل الفعل» تامّ حتّى في الطبائع.
أقول: مدّعى المصنّف هنا و إن كان حقّا إلاّ أنّ البرهان الذي يثبت به المدّعى
لا يخلو من مناقشة ـ كما سنشير إلى وجهها ـ فإذن الأولى إثبات المدّعى بوجه آخر بأن
يقال: إنّ حيثيّة الفاعليّة في الفاعل بالذات و الفاعل الحقيقي عين ذات الفاعل لا
أنّها وصف زائد عليها (كما أنّ حيثيّة المعلوليّة عين ذات المعلول) إذ لو لم يكن
كذلك لم يكن الفاعل فاعلاً بالذات بل كان فاعلاً بوصفه الزائد عليه و هذا خلاف
المفروض.
إذا عرفت هذا نقول: لو كانت العلّة الغائيّة علّة فاعليّة لفاعليّة الفاعل كانت
علّة فاعليّة لذات الفاعل أيضا، لمكان الاتّحاد بينهما لكنّ التالي باطل فكذا
المقدّم، أمّا بيان بطلان التالي فلأنّ العلّة الغائيّة إمّا وجود ذهنيّ و إمّا
وجود خارجيّ، فإن كانت وجودا ذهنيّا كما في النفوس الحيوانيّة كانت أضعف وجودا من
الفاعل الذي هو وجود خارجيّ فلا يمكن أن تكون فاعلة له؛ و إن كانت وجودا خارجيّا
فهو إمّا أن يكون استعدادا سابقا على الفعل كما في الفواعل الطبيعيّة و من المعلوم
أنّ الاستعداد أضعف من الفعل فضلاًعن فاعل الفعل فلايمكن أن يكون فاعلاً لذات
الفاعل؛ و إمّا أن يكون عين ذات الفاعل كما في الفواعل المجرّدة التامّة فلا يمكن
أن تكون فاعلّة لذات الفاعل أيضا لأنّ العلّة الغائيّة نفس ذات الفاعل على الفرض،
فلو كانت فاعلة لها لزم تقدّم الشيء على نفسه، فإذن ثبت أنّ العلّة الغائيّة لا
يمكن ان تكون علّة فاعليّة لفاعليّة الفاعل و هو المطلوب.
أقول: يمكن للخصم أن يقول إنّ الحصر ممنوع، إذ من الجايز أن تكون الغاية بوجودها السابق علّة فاعليّة لفاعليّة الفاعل لا بوجودها المترتّب على الفعل حتّى يقال: إنّ الغاية المترتّبة متأخّرة عن فاعليّة الفاعل ، و لا بالعلم السابق أيضا حتّى يقال: إنّ الفواعل الطبيعيّة لا علم لها.
الفرق بين ما قاله القوم و ما قاله المصنّف هو أنّ الفاعل فاعل بالذات على رأي المصنّف و فاعل بالعرض على رأي القوم و ذلك لأنّ الفاعليّة على رأي المصنّف عين ذات الفاعل فالفاعل، فاعل بنفس ذاته لا بأمر خارج من ذاته فهو فاعل بالذات و بالحقيقة أمّا على رأي القوم فهو فاعل بالعرض إذ الفاعليّة أمر تقتضيه العلّة الغائيّة لذات الفاعل فهي صفة زائدة على ذات الفاعل فالفاعل، فاعل بصفته الزائدة على ذاته فهو فاعل بعرض صفته لا بذاته.
هذا القول و إن كان حقّا لائقا بالتصديق بحكم السنخيّة الذاتيّة الّتي بين العلّة و المعلول إلاّ أنّه ينافي ما تقدّم منه في تعريف الفاعل بالقسر، حيث قال «الفاعل بالقسر هو الذي لا علم له بفعله و لا فعله ملائم لطبعه» و قد أشرنا هناك إلى المناقشة في ذلك فقول المصنّف هنا يؤيّد المناقشة.
لمّا قال أنّ الفعل و ما يترتّب عليه مرضيّ عند الفاعل مطلوب له و جاز الاعتراض
عليه بأنّ الفعل و ما يترتّب عليه أضعف وجودا من الفاعل و الفاعل واجد لكمال
المعلول بنحو أعلى و أشدّ، و واجد الشيء لايطلبه و لا يريده (لأنّه تحصيل للحاصل)
فلا يمكن أن يكون فعله مطلوبا له، أجاب عنه بأنّ مطلوبيّة الفعل ليست بالذات بل هي
من لوازم مطلوبيّة ذات الفاعل التامّة.
بيان ذلك: أنّ المطلوب بالذات للفاعل عبارة عن نفس ذاته الكاملة التامّة (إذ كلّ
فاعل مريد يحبّ أن تكون ذاته واجدة لكلّ الكمالات الّتي يمكن أن تتحقّق له) لكن من
شروط تماميّة الذات، الفاعليّة لأنّها كمال لها، فلو فقدت هذا الكمال لكانت
ناقصة، فمطلوبيّة الذات التامّة تستلزم مطلوبيّة فاعليّة الذات و مطلوبيّة فاعليّة
الذات تستلزم مطلوبيّة فعلها الذي هو لازم لفاعليّتها و من شؤون ذاته؛ فإذن
مطلوبيّة الذات التامّة يستتبع مطلوبيّة الفعل و إذا كان كذلك فلا يتوجّه الاعتراض
المذكور، لأنّ العالي لم يُرد السافل حقيقة بل يريد ذاته التامّة الكاملة أوّلاً و
بالذات، أمّا فعل الذات و الغاية المترتّبة عليه فمرادة بالتبع.
لمّا كان ذاته الكاملة مطلوبة بالذات وغاية حقيقيّة كان ذاته الفاعلة مطلوبة و غاية أيضا، لأنّ فاعليّتها من شروط كماله و تماميّته، فإذا تحقّقت فاعليّتها استكملت بهذه الغاية الّتي هي عبارة عن ذاته الفاعلة بما أنّها فاعلة.
كالواجب تعالى فإنّ غايته الذاتيّة ومحبوبه الحقيقيّ ليست إلاّ ذاته، لأنّ ذاته
كمال محض و الكمال المحض محبوب بذاته لكن محبوبيّة ذاته تستلزم محبوبيّة فاعليّته
الّتي هي عين ذاته و محبوبيّة فاعليّته تستلزم محبوبيّة فعله الذي هو لازم
لفاعليّته التامّة بل هو من شؤون ذاته، ففعله محبوب عنده وغاية له لكن بتبع
محبوبيّة ذاته فما قيل.
من نكردم خلق تاسودى كنم بلكه تا بربندگان جودى كنم
صحيح إن كان المراد منه أنّ جوده لعباده غاية بالتبع.
ثمّ إنّ ذاته لم تستكمل بغايته الذاتيّة والتبعيّة لأنّ الاستكمال فرع النقص و لا
نقص في ذاته سبحانه و تعالى بل ذاته كمال محض.
قالوا: «إنّ الفاعل الّذي يفعل لغاية يكون غيرتامّ من وجهين: الأوّل من حيث إنّه يقصد به وجود تلك الغاية، فلابدّ أن يكون وجودها أولى به و أليق و إلاّ لم يكن غاية له أصلاً، فيكون مستكملاً بذلك الوجود و مستفيدا منه تلك الأولويّة. الثاني من حيث إنّه يتمّ بماهيّة تلك الغاية فاعليّته فيكون هو ناقصا في فاعليّته و لمّا كان تعالى تامّا بذاته لا يتطرّق إليه نقصان أصلاً فإذن لا غاية لفعله بل هو فاعل بذاته».(1)
لأنّ الفعل مسانخ لفاعله ملائم له دائما بل هو من شؤون ذاته فيكون مرضيّا عنده محبوبا له بمحبوبيّة ذاته لذاته، ثمّ إنّ محبوبيّة الفعل (الّتي هي بتبع محبوبيّة الذات) إمّا أن تكون بالذات إذا لم تكن مقدّمة للوصول إلى كمال آخر مطلوب بالتبع كما في الأفعال المجرّدة التامّة فإنّ الفعل و الغاية بالتبع فيها شيء واحد و إمّا أن تكون منتهية إلى مطلوب بالذات إذا كانت مقدّمة للوصول إلى كمال آخر مطلوب بالتبع كما في الأفعال الّتي هي من قبيل الحركات، فإنّ الفعل فيها مطلوب لأجل الكمال الأخير الذي هو مطلوب بالتبع.
دعوى عدم الاستلزام من ناحية المتكلّمين لا من المصنّف رحمهالله حيث أنّه سيردّ
هذه الدعوي بقوله: «فلو كانت غايته الّتي دعته ...».
ثمّ إنّهم في توضيح مرامهم قالوا: «إنّ الغرض إن كان عائدا إلى الفاعل يلزم أن يكون
الفاعل ناقصا مستكملاً بغرضه منتفعا به أمّا إن كان عائدا إلى غيره لا يلزم ذلك،
لأنّ النفع و الكمال راجع إلى غيره لا إلى الفاعل».(1)
لأنّ ذاته البسيطة ـ كما تقدّم ـ كمال محض و الكمال المحض محبوب بالذات، فذاته البسيطة محبوبة بالذات. ثمّ إنّ حبّه الذاتيّ بذاته البسيطة الذي هو عين ذاته يحمله و يبعثه الى حبّ تفاصيل صفاته الكماليّة، لأنّ صفاته الكماليّة، من مظاهر ذاته البسيطة في مرتبة الذات و من تلك الصفات الكماليّة فاعليّته، فإذن حبّه الذاتيّ بذاته البسيطة يحمله و يبعثه إلى حبّ فاعليّته و حبّ فاعليّته يحمله و يبعثه إلى صدور الفعل، فإذن حبّه الذاتيّ بذاته الذي هو عين ذاته يحمله و يبعثه إلى صدور الفعل و هو المطلوب.
1. راجع: المسألة السادسة من الفصل الثالث من الشوارق.
2. راجع: شرح المواقف، ص 538.
حجّة أخرى: الداعي هو ما لأجله يكون الفاعل فاعلاً و يُوجد الفعل و لمّا كان ذاته تعالى بنفسها علّة تامّة لفعلها من غير احتياج إلى شيء آخر، فإذن ما لأجله تكون الذات فاعلة ليس إلاّ ذاته فذاته داعية لصدور فعلها عنها و هو المطلوب.
لمّا كان العلّة الغائيّة في الفواعل العلميّة هي العلم بخيريّة الفعل أشار إلى أنّ هذه الجهة موجودة في غاية الواجب، لأنّ العلّة الغائية ـ كما تقدّم ـ عبارة عن ذاته و علمه بذاته الذي هو عين ذاته علم بجميع ما سواها في مرتبة ذاته فعلمه بذاته بعينه علم بخيريّة فعله، فذاته الّتي هي العلّة الغائيّة لصدور فعله علم بخيريّة فعله و هو المطلوب.
قد يقال: إنّ ذات الواجب تعالى غاية الأشياء و المراد به أنّ ذاته تعالى داعية لذاتها إلى إيجاد الأشياء و هذا هو الذي قد تقدّم البحث عنه ـ . و قد يقال: إنّ ذات الواجب تعالى غاية الأشياء و المراد به أنّ ذاته تعالى هي المطلوب الحقيقيّ لكلّ طالب و أنّ الأشياء إذا كانت مطلوبة لغيرها كانت مطلوبيّتها لأجل مطلوبيّة الواجب بل من شؤون مطلوبيّة الواجب و هذا هوالذي يكون المصنّف رحمهالله بصدد إثباتها الآن.
تقدّم في الفصل الثامن أن لا حكم للمعلول إلاّ أنّه لوجود علّته و ذلك لأنّ
المعلول عين الفقر و محض الحاجة فلا استقلال له بوجه، فكلّ حيثيّة توجد فيه فهي من
شؤون تلك الحيثيّة في علّته المفيضة و إلاّ استقلّ المعلول في تلك الحيثيّة و هو
ينافي فقره الصرف، فبناءاً على هذا إذا كان المعلول مطلوبا لشيء كانت مطلوبيّته من
شؤون مطلوبيّة فاعله المفيض، ثمّ فاعله المفيض إن كان معلولاً لفاعل آخر كانت
مطلوبيّته من شؤون مطلوبيّة فاعله أيضا بما تقدّم من البيان و هكذا يذهب الأمر، لكن
لمّا كان التسلسل باطلاً ـ كما تقدّم ـ كان من الواجب أن ينتهي سلسلة المطلوبيّة
إلى مطلوب بالذّات كما أنّ وجود الأشياء يجب أن ينتهي إلى واجب بالذات، فإذن
مطلوبيّة كلّ شيء من الممكنات من شؤون مطلوبيّة الواجب الّتي هي مطلوبيّة بالذات،
فلا يطلب طالب و لا يريد مريد إلاّ إيّاه.
حجّة أخرى: إنّ ذات الواجب محبوبة لذاته (لأنّ ذاته كمال محض و الكمال المحض محبوب
بالذات) و لمّا كانت محبوبيّته الذاتيّة عين ذاته وذاته صرف كان من الواجب أن تكون
محبوبيّته صرفا لأنّها عين وجوده الصرف و إذا كان محبوبيّته صرفا امتنع تعدّدها
لأنّ الصرف لا يتعدّد فلا يوجد في الوجود محبوب ثانٍ، فكلّ محبوب محبوب بنفس
محبوبيّة ذاته لذاته؛ فافهم إن كنت من أهله و إلاّ ذره في بقعة الإمكان.
التخيّل عبارة عن تصوّر الفعل و التصديق بخيريّته بحسب القوة الشهويّة أو
الغضبيّة دون العقل، و التفكّر عبارة عن تصوّر الفعل و التصديق بخيريّته بحسب العقل
سواء كان بحسب القوّة الشهويّة أو الغضبيّة خيرا أم لا.
توضيحه: أنّ مايتصوّره الفاعل إمّا أن يكون خيرا و لذيذا عند العقل فقط كغضّ البصر
عمّا حرّم اللّه من الصور الجميلة الذي هو خير و مطلوب عند العقل فقط و إمّا أن
يكون خيرا و لذيذا عند القوّة الشهويّة أو الغضبيّة فقط كالنظر إلى ما حرّم اللّه
من الصور الجميلة الذي هو خير عند القوّة الشهويّة فقط و إمّا أن يكون خيرا و لذيذا
عندهما كتقبيل الولد الذي هو خير و مطلوب عند العقل و القوّة الشهويّة، فالمبدأ
الفكريّ عبارة عن تصوّر الفعل و التصديق بخيريّته بحسب العقل؛ و المبدأ التخيّليّ
عبارة عن تصوّر الفعل و التصديق بخيريّته بحسب القوّة الشهويّة و الغضبيّة من دون
العقل.
إنّ هنا ثلاثة مبادئ: الأوّل: القوّة التخيّليّة ؛ و الثاني القوّة الشوقيّة؛ و
الثالث القوّة المحرّكة، و الغاية في هذه المبادئ شيء واحد و هو الاستقرار في ذلك
المكان، لأنّ القوّة التخيّليّة تتصوّر الفعل لأجل الاستقرار في ذلك المكان و
القوّة الشوقيّة تشتاق إلى الفعل لأجل الاستقرار في ذلك المكان و القوّة المحرّكة
تحرّك حتّى الاستقرار في ذلك المكان.
ثمّ المراد باتّحاد المبادئ في الغاية أو انطباقها فيها عبارة عن انطباق مفهوم
الغاية على مصداقه الخارجي، فإنّ الاستقرار في المكان الثانيالذي هو مفهوم ذهنيّ و
غاية للمبدئين الاوّلين ينطبق على الاستقرار الخارجيّ و هو غاية للقوّة المحرّكة.
لأنّ الفعل ما لم يتعيّن في الذهن و لم يتشخّص في الخارج لم يوجد.
هذا خلاف اصطلاح القوم، فإنّ الجزاف عندهم عبارة عن الفعل الذي يكون مبدأه
الأوّل تخيّلاً وحده و يكون للمبدئين الأوّلين غاية غير ما ينتهي إليه الحركة.
قال صدر المتألّهين: «ثمّ كلّ غاية ليست نهاية الحركة و ليس مبدأها تشوّق فكريّ فلا
يخلو إمّا أن يكون التخيّل وحده هو مبدأ الشوق أو التخيّل مع طبيعة أو مزاج مثل
التنفّس و حركة المريض أو التخيّل مع خلق و ملكة نفسانيّة داعية إلى ذلك الفعل
بلارويّة كالّلعب بالّلحية فيسمّي الفعل في الأوّل جزافا و في الثاني قصدا ضروريّا
أو طبيعيّا و في الثالث عادة».(1)
هذه أيضا بظاهرها خلاف الاصطلاح كما ظهر ممّا نقلناه، فإنّ غاية المبدئين الأوّلين في القصد الضروريّ و العادة ليست غاية الفعل بل لهما غاية و للمبدأ الثالث غاية أخرى و هي نهاية الفعل، اللّهمّ إلاّ أن يرجع ضمير غايته إلى كلمة «كلّ» لا الى كلمة «الفعل».
إذ لو كان العلم بالعلم لازما في كلّ علم لذهب الأمر إلى غير النهاية.
انّ في العبث اصطلاحين: فعند بعض كالمحقّق الطوسيّ في التجريد العبث مرادف
1. الأسفار، ج 2، ص 252؛ و راجع أيضا: الهيات الشفاء، ص 451؛ والتحصيل، ص 541.
للجزاف و عند الأكثر العبث هو الفعل الذي يكون مبدأه الأوّل تخيّلاً من غير فكر و تكون غاية المبادئ كلّها هي نهاية الحركة.
هذه شروع في الجواب بعد توضيح الاصطلاحات و حاصل الإشكال هو أنّ الجزاف و القصد الضروريّ و العادة والعبث لا غاية لها فينتقض بذلك قولهم: «إنّ لكلّ فعل غاية» و حاصل الجواب هو أنّ هذه الأفعال لا غاية فكريّة فيها و لا ضير فيه، إذ ليس فيها مبدأ فكريّ كما تقدّم حتّى يطلب فيها غاية فكريّة عقلائيّة بل المبدأ فيها تخيّلي و الغاية بحسب هذا المبدأ موجود فيها، فإنّ في اللعب باللحية مثلاً لذّة تخيّليّة داعية لفاعله إلى العمل.
كأزهار الشجرة إذا ضربها البرد فإنّ في الشجرة قوّة هي بصدد إيصال الأزهار إلى
الثمرة الناضجة فإذا ضربها البرد سمّي هذا الفعل باطلاً.
فإن قلت: « انقطاع الحركة لايوجب انتفاء غايتها لأنّ نقطة انقطاعها هي غايتها».
قلت: إنّ لحركة واحدة غايات متعاقبة و القوّة المحرّكة الطبيعيّة بصدد إيصال فعلها
إلى كلّها و الفعل بالنسبة إلى الغايات الّتي لم تحصل سمّي باطلاً لا بالنسبة إلى
الغايات الّتي حصلت، قال صدر المتألّهين: «كلّ غاية لمبدأ من تلك المبادئ من حيث
إنّها غاية له إذا لم توجد يسمّى الفعل بالقياس إليها باطلاً».(1)
1. الأسفار، ج 2، ص 252.
إذ لو كان الشوق إراديّا لكان متوقّفا على الإرادة و الإرادة نفسها متوقّفة على الشوق السابق عليها، فكان الشوق متوقّفا على شوق سابق، ثم ننقل الكلام في الشوق السابق فيذهب الأمر إلى غير النهاية و يتسلسل.
يمكن أن يكون إشارة إلى ما تقدّم في الفصل الخامس من المرحلة السادسة من أنّ الإنسان قد يريد ما لا شوق له إليها، فإذن في كون الشوق من مبادي الفعل الإراديّ شكٌّ.
كالعادة و الحرص و الضجر عن هيئة و إرادة الانتقال إلى هيئة أخرى كما سيأتي.
يمكن أن يكون إشارة إلى عدم لزوم الشوق في الفواعل المادّيّة كما تقدّم أو إلى
عدم لزوم الإرادة في الفواعل المجرّدة التامّة و خاصّة في الواجب كما سيأتي بحثه
منه في قدرته تعالى.
هذا تفسير للمنفيّ لا للنفي، فالاتّفاق عبارة عن عدم رابطة ضروريّة توجب استناد الغاية المترتّبة على الفعل إلى الفاعل.
توضيح الإشكال: أنّ هناك غايات مترتّبة على الأفعال غير مرتبطة بفواعلها ارتباطا
ضروريّا يوجب استناد تلك الغايات إلى تلك الفواعل و ذلك كمن يحفر بئرا ليصل إلى
الماء، فيعثر على كنز؛ فالعثور على الكنز غاية مترتّبة على الحفر غير مرتبطة
بالحافر ارتباطا ضروريّا يوجب استناد العثور إلى الحافر لأنّ الحافر فاعل بالقصد
فلو استند العثور إليه لكان مقصودا له لكن العثور على الكنز غير مقصود للحافر في
عمله فلا يستند إليه ؛ و أيضا لو كان العثور مرتبطا إليه ارتباطا ضروريّا يوجب
استناده إليه ، لكان العثور على الكنز دائميّ الوقوع له لكن العثور على الكنز ليس
إلاّ نادرا.
و الجواب أنّ المدّعى هو ارتباط الغايات المترتّبة على الأفعال بفاعله الذاتيّ (و
هو الفاعل الذي تحقّق فيه جميع شرائط تأثيره و انتفى عنه جميع موانع تأثيره)
ارتباطا ضروريّا و ذلك لما تقدّم من نسبة الوجوب بين العلّة التامّة و الفعل و
الحافر في المثال المذكور إذا تحقّق فيه جميع شرائط تأثيره (الّتي منها قصده الحفر
الذي ينتهي إلى العثور على الكنز) و انتفى عنه جميع
موانع تأثيره ، ترتبط به العثور ارتباطا ضروريّا دائميّا.
الغاية إذا نسبت إلى سببها الذاتيّ تسمّى غاية ذاتيّة و إذا نسبت الى غير سببها الذاتيّ تسمى غاية عرضيّة.
فكينونة العالم عند ذي مقراطيس غاية اتّفاقيّة مترتّبة على حركات الأجرام من غير
أن يكون هناك فاعل طبيعيّ أو إراديّ ترتبط به هذه الغاية و تستند إليه.
و الجواب: أنّ غاية الحركات كالحركات ممكنة من الممكنات و الممكن يحتاج في وقوعه
إلى السبب فلو لم يكن هناك سبب ذاتيّ ترتبط به و تستند إليه لم تتحقّق أصلاً، فإذن
كينونة العالم ليست غاية اتّفاقيّة بل إنّها غاية ذاتيّة لسببها، الذاتيّ و ترتبط
به ارتباطا ضروريّا و تستند إليه استناد الممكن إلى سببه الذاتيّ.
أي إنّ الجاعل الذاتيّ للفعل هوجاعل للغاية أيضا، لأنّ الغاية لازم لوجود الفعل
بعد تمامه فلا تحتاج وجودها إلى جاعل مستقلّ حتّى يقال: إنّ جاعلها الرويّة مثلاً و
إذا لم تكن الرويّة جاعلة للغاية فانتفائها الطبيعة لا يوجب انتفاء الغاية فيها.
نعم لمّا كان الفاعل بالرويّة فاعلاً بالقصد كان من الواجب أن يعيّن فعله بالرويّة
أوّلاً فيوجده ثانيا، لكن الطبيعة حيث كان فعلها متعيّنا بسبب استعداد سابق على
الفعل لا تحتاج إلى الرويّة.
ثمّ من الشاهد على أنّ الرويّة لم تكن سببا لكون الفعل ذا غاية، أنّ الأفعال
الصادرة عن الملكات مع كونها أفعالاً إرادية ذا غاية، لا تحتاج إلى الرويّة بل لو
تروّى الفاعل لتبلّد و انقطع فإنّ من له ملكة ضرب العود إذا أخذ يتروّي في اختيار
نغمة نغمة و أراد أن يقف على عددها تبلّد و انقطع عن العمل.
قالوا في مقام المثال إنّ نظام الذبول و نظام النشو و النموّ نظامان متعاكسان و لكلّ واحد منهما نظام لا يتغيّر و لكنّ لمّا كان سبب نظام الذبول ضرورة المادّة فلاجرم حكمنا أنّها غير مقصودة للطبيعة فكذلك نقول في نظام النشو و النموّ.
أي العوامل الخارجة عن الطبيعة، الموجودة في عالمنا المادّيّ تجبر الطبيعة بالتأدّي إلى هذه الأحوال لا أنّ الطبيعة نفسها طالبة لهذه الأحوال، مثلاً إنّ حرارة الشمس تبخّرماء الورد فيصير الورد ذابلاً بالضرورة، لا أنّ طبيعة الورد طالبة للذبول.
إذ الغايات المترتّبة على الأفعال كنفس الأفعال ممكنة من الممكنات فلابدّ لها من
فاعل ذاتيّ ترتبط به تحقّقها فلو جاز أن يتحقّق هذه الغايات الممكنة من دون ارتباط
إلى فاعل ذاتيّ تستند إليه لجاز مثل ذلك في نفس الأفعال أيضا ؛ إذ حكم الأمثال فيما
يجوز و لا يجوز واحد، لكن التالي باطل فكذا المقدّم.
أي في الفصل الخامس من المرحلة السادسة.
سواء كانت جهة فعليّته فعليّة لصورة واحدة كالجسم أو فعليّة لصور متعدّدة متراكبة كالحيوان، فإنّ الحيوان أيضا مادّة ثانية مع أنّ جهة الفعليّة فيه متعدّدة، فإنّ فيه الصورة الجسميّة و النباتيّة و الحسّاسيّة.
فإن قلت: «إنّ هذه الحجّة مبتنية على قبول المادّة كقوّة محضة و هو ممنوع».
قلت: كلاّ فإنّ المادّة الثانية كالمادّة الأولى قابلة للصّور اللاّحقة و القابل في
مرتبة ذاته فاقد لمقبوله و إن كان واجدا لغيره، فإنّ الجسم مثلاً اذا كان قابلاً
للصورة النباتيّة كان فاقدا لها في مرتبة ذاته و ان كان واجدا للصورة الجسميّة و
إذا كان الجسم في مرتبة ذاته فاقدا للصورة النباتيّة لا يمكن أن يعطيها فلابدّ من
فاعل آخر يعطي الجسم الصورة النباتيّة و هو المطلوب.
فإن قلت: يمكن أن يكون مراد الطبيعيّين من المادّة، المادّة الفيزيائيّة الّتي هي
الأجسام و الأجسام واجدة لكمالاتها الأولى و الثانية فيمكن أن يعطي كلّ جسم غيره
كماله الأوّل أو الثاني.
قلت: ننقل الكلام في الكمالات الأولى و الثانية الّتي كانت لأوّل جسم معطٍ و نقول
ما المعطي للجسم الأوّل ، تلك الكمالات ؟ و ما موجدها فيه؟ فإن أجابوا: أنّ الجسم
الأوّل المعطي قديم بالذات واجب بالذات. قلنا: لا يمكن ذلك لأنّ الواجب بالذات وجود
صرف فلا ماهيّة له لكن لوجود الجسم ماهيّة فلا يكون واجبا، و إن أجابوا: أنّ
المادّة الأولى قد أعطت الجسم الأوّل تلك الكمالات، قلنا: المادّة الأولى قابلة و
فاقدة لتلك الكمالات الأولى و الثانية فلايمكن أن تعطيها، و إن أجابوا: أنّ غير
المادّة الأولى يعطيها، قلنا: هذا صحيح لكنّه مناقض لقولهم: «إنّ العلّيّة منحصرة
في المادّة».
توضيحه بشكل منطقي هكذا:
المادّة لاتوجب وجود المعلول لكن العلّة التامّة توجب وجود المعلول فينتج من الشكل
الثاني أنّ المادّة ليست علّة تامّة للمعلول فيحتاج في وجوده إلى غير المادّة و هو
المطلوب.
أمّا بيان الكبرى فلما تقدّم في الفصل الثالث؛ و أمّا بيان الصغرى فلأنّ المادّة
قابلة و النسبة بين القابل و المقبول بالإمكان بالقياس لا بالوجوب، حيث إنّ القابل
كالّلوح يمكن أن يوجد بدون مقبوله كالنقش، فإذن لا وجوب هناك حتّى تكون المادّة
موجبا له.
فإن قلت: الوجوب المراد في صغرى القياس هو الوجوب الغيريّ لا الوجوب بالقياس كما
يشعر به قول المصنّف: «الشيء ما لم يجب لم يوجد» و ما قلتم في بيان الصغرى هو
الوجوب بالقياس لا الوجوب الغيريّ فلا يتبيّن الصغرى بهذا البيان.
قلت: الوجوب بالقياس و الوجوب الغيريّ في المعلول شيء واحد و التفاوت بالاعتبار
فإذا لم يكن بين القابل و المقبول وجوب بالقياس لم يكن هناك وجوب غيريّ أيضا فلا
تكون المادّة موجبا و بهذا التقرير يندفع ما قيل من «أنّ في هذه الحجّة خلطا بين
الإمكان الاستعداديّ و الإمكان الذاتيّ»، لأنّ الإمكان في هذه الحجّة عبارة عن
الإمكان بالقياس لا الذاتيّ و لا الإستعداديّ.
إذ لازم كون العلّة واحدة ذاتا و صفة كون فعله واحدا ذاتا و صفة و لازم الاختلاف بين الأشياء كثرتها فيكون فعله الواحد عين الأشياء الكثيرة.
بمعنى أنّ الصور السابقة تصير موجودة بوجود الصورة الأخيرة فتصير الأفعال و الآثار الصادرة عن الصور السابقة مستندة إلى وجود الصورة الأخيرة و ذلك لأنّ الصورة عين الفصل و التفاوت بالاعتبار و الفصل الأخير متّحد الوجود مع الفصول و الأجناس السابقة و لذا يحمل عليها فيكون لكلّها وجود واحد و إذا كان هناك وجود واحد، فذلك الوجود الواحد إمّا أن يكون للفصل الأخير و وجودات الفصول و الأجناس السابقة منطوية فيه و إمّا أن يكون بالعكس لكن الثاني باطل لأنّ وجود الفصل الأخير أشدّ و أكمل و لا ينطوي الأكمل بما هو أكمل في الأضعف فثبت الأوّل و هو المطلوب.
توضيحه: أنّ المادّة عين الجنس و الجنس مبهم و المبهم لا وجود محصّلاً له حتّى
ينضمّ إلى شيء آخر و أيضا المادّة صرف القوّة و القوّة المحضة لا وجود لها بالفعل
حتّى تنضمّ إلى شيء آخر بالفعل.
وهي العلل الّتي تصاحب الهيولى.
التناهي و اللاتناهي من الأعراض الذاتيّة الّتي تلحق الكمّ لذاته وتلحق بمايتعلّق به الكمّ، بالعرض ففرض التناهي و اللاتناهي في أثر العلل الجسمانيّة إمّا بحسب عدد الآثار و هو التناهي و اللاتناهي بحسب العدّة و إمّا بحسب زمان الآثار و حينئذٍ إمّا أن يعتبر الزمان من حيث الزيادة و الكثرة و هو التناهي و اللاتناهي بحسب المدّة، فإنّ كان زمان أثر غير متناه يقال: إنّ العلّة غير متناهية الأثر مدّة و إن لم يكن كذلك يقال: إنّ العلّة متناهية الأثر مدّة و إمّا أن يعتبر من حيث النقصان و القلّة و هو التناهي و اللاتناهي بحسب الشدّة فإنّ كان زمان أثر غير متناه قلّة يقال: إنّ العلّة غير متناهية الأثر شدّة و إن لم يكن كذلك يقال: إنّ العلّة متناهية الأثر شدّة.
أمّا من حيث المدّة فلأنّ القوى المؤثّرة المنحلّة في كلّ جزءِ من الحركة محدودة
زمانا لأنّ كلّ جزءِ محفوف بالعدم السابق و العدم اللاحق، فكذا القوى الموجودة فيه،
فالآثار الصادرة عن القوى المحدودة زمانا، محدودة زمانا،مثلاً جسم الشجرة متحرّك
بالحركة الجوهريّة و كلّ جزءِ من هذه الحركة محفوف بالعدم السابق و العدم اللاحق
فهو محدود زمانا فالقوى الموجودة فيه محدودة زمانا، فالأثمار الصادرة عن تلك القوى
المحدودة زمانا ،محدودة زمانا.
و أمّا من حيث العدّة، فلأنّ القوى المؤثّرة المنحلّة في كلّ جزءِ من الحركة محدودة
عددا (لأنّ كلّ جزءِ من الحركة محدود ذاتا و زمانا) فأثرها أيضا محدود عددا و إلاّ
يصدر عن الواحد أكثر من الواحد، مثلاً كلّ جزءِ من أجزاء الحركة الجوهريّة للشجرة
محدود ذاتا و زمانا فالقوى الموجودة في ذلك الجزء محدود عددا فالأثمار الصادرة من
تلك القوى المحدودة عددا، محددة عددا.
و أمّا من حيث الشدّة، فلأنّ كلّ جزءِ من الحركة (و إن كان لها سرعة شديدة) لابدّ
له من زمان فالقوى الموجودة في ذلك الجزء أيضا لها زمان، فلا يمكن أن تكون تلك
القوى بلا زمان فتلك القوى محدودة شدّة (أي من حيث قلّة الزمان) فلا يمكن أن يكون
سرعة حركاتها شديدة بحيث توجب شدّة سرعتها نفي الزمان من رأسه فالآثار الصادرة عن
تلك القوى المحدودة شدّة، محدودة شدّة، مثلاً القوى الموجودة في كلّ جزءِ من الجسم
المتحرّك للشجرة وقعت في زمان و إن قلّ فالأثمار الصادرة عن تلك القوى وقعت في زمان
و إن قلّ فالقوى محدودة الأثر شدّة.
قوله: و أيضا ...
أي كما أنّ تناهي الأثر حكم من أحكام العلل الجسمانيّة كذا هذا حكم آخر من أحكامها
و ليس المراد أنّ هذه حجّة أخرى للحكم السابق كما توهّم.
توضيحه يتوقّف على أمرين:
الأوّل أنّ القوّة الفاعلة إذا كانت محتاجة في ذاتها إلى المادّة الجسمانيّة كانت
محتاجة في إيجادها و تأثيرها إليها أيضا؛ لأنّ الفاعل فاعل بذاتها لا بغيرها،
فحيثيّة ذاته عين حيثيّة فاعليّته و تأثيره فلو لم تحتج في حيثيّة فاعليّته و
إيجاده إلى المادّة الجسمانيّة لم تحتج في حيثيّة ذاتها إليها و هو خلاف المفروض.
الثاني أنّ وجود المادّة الجسمانيّة وجود وضعيّ بمعنى أنّ الوضع من اللوازم غير
المتأخّرة عن مرتبة وجود الجسم، إذ لو كان الوضع متأخّر الوجود عن مرتبة وجود الجسم
للزم أن يكون الجسم مجرّدا أو نقطة، لأنّ فرض نفي الوضع عن مرتبة ذات الجسم هو بأن
لا يكون في مرتبة ذاته أجزاء، إذ لو كان في مرتبة ذاته أجزاء لتحقّق النسبة بين تلك
الأجزاء بالتقدّم و التأخّر و الفوقيّة و التحتيّة و غيرها فيتحقّق الوضع و قد فرض
أن لا وضع في تلك المرتبة هذا خلف و إذا لم يكن في تلك المرتبة أجزاء فالجسم يجب أن
يكون نقطة أو مجرّدا لكن هذا التالي باطل بالضرورة فكذا المقدّم، فإذن ثبت أنّ
الوضع من اللوازم غير المتأخّرة عن وجود الجسم و مثل هذا الّلازم وجوده عين وجود
ملزومه فيكون الوضع عين الجسم وجودا.
إذا عرفت هذين الأمرين نقول: إنّ القوى الجسمانيّة محتاجة في إيجادها و تأثيرها إلى
المادّة الجسمانيّة ـ بناءاً على ما مرّ في الأمر الأوّل لكن احتياجها فيه إلى
المادّة الجسمانيّة عين احتياجها إلى الوضع بناءاً على ما مرّ في الأمر الثاني من
كون الوضع عين الجسم وجودا، فالقوى الجسمانيّة محتاجة في إيجادها إلى الوضع و
هوالمطلوب.
هذا غاية مايمكن أن يقال في توجيه هذه الدعوى و تعليلها، لكن يمكن أن يعترض عليه
بأنّ المقدّمة الثانية لو سلّمت لسلّمت بالنسبة إلى الوضع الذي بمعنى جزء المقولة،
أي الهيأة الحاصلة من نسبة أجزاء الجسم بعضها إلى بعض؛ أمّا الوضع بمعنى النسبة بين
الجسم و خارجه الذي هو من فعله ـ كما هو المراد هنا ـ فلا نسلّم أنّه من لوازم
الجسم كما أنّ مجموع العالم الجسمانيّ خالٍ عن الوضع بهذا المعنى و لو سلّم أنّه من
لوازم الجسم لا نسلّم أنّه من الّلوازم غير المتأخّرة لأنّ تحقّقه يحتاج إلى أمر
خارج عن ذات الجسم، فليس وجوده بعين وجود الجسم حتى يقال: احتياج القوى الجسمانيّة
إلى المادّة الجسمانيّة عين احتياجها إلى الوضع و لمثل هذا الاعتراض عبّر المصنّف
بكلمة «قالوا» حين الورود في الاستدلال.
قوله: حاجتها إلى المادّة في إيجادها هو أن يحصل لها بسبب المادّة وضع خاصّ.
أي حاجة القوى الجسمانيّة في الإيجاد إلى المادّة الجسمانيّة راجعة إلى حاجتها إلى
الوضع بسبب كون المادّة عين الوضع وجودا ـ كما تقدّم توضيحه في الأمر الثاني في
الحاشية السابقة ـ ثمّ اعلم أنّ المراد من المادّة هنا المادّة الثانية أي الجسم لا
الهيولى فإنّ الهيولى ليست وجودها وضعيّا.
إن قلت: لا يلزم من نفي الامتناع و الوجوب إلاّ الإمكان الذاتيّ و الإمكان
الذاتيّ أمر اعتباريّ غير موجود في الخارج فكيف قلتم إنّ هذا الإمكان أمر موجود في
الخارج.
قلت: الإمكان عبارة عن لاضرورة نسبة شيء إلى شيء آخر، فإن كان أحد طرفي النسبة
اعتباريّا كالماهيّة فتلك النسبة و لاضرورتها أيضا اعتباريّة كالإمكان الذاتيّ
فإنّه اعتبار عقلي حيث إنّه عبارة عن لاضرورة نسبة الوجود إلى الماهيّة الإعتباريّة
لكن إذا لم يكن طرفاها اعتباريّين فليست النسبة و لاضرورتها اعتباريّة بل هي من
المعاني الموجودة في الخارج إن دلّ البرهان على وجوده (كما سيأتي).
إذا عرفت هذا نقول: الإمكان فيما نحن فيه ليس إمكانا ذاتيّا، لأنّ الإمكان الذاتيّ
عبارة عن لاضرورة نسبة الوجود إلى الماهيّة فأحد طرفي النسبة في الإمكان الذاتيّ،
الماهيّة لكن الإمكان المراد هنا ليس كذلك، لأنّ المراد من الحادث في بحث الحركة
عبارة عن الأعراض و الصور اللاحقة بالشيء حين حركته، فتلك الأعراض و الصور اللاحقة
تقاس إلى ذلك الشيء فيقال: إمّا أن يكون هذا الحادث اللاحق بالشيء واجب الوجود
بالنسبة إلى ذلك الشيء أو ممتنع الوجود بالنسبة إليه أو ممكن الوجود بالنسبة إليه؛
و الأوّل و الثاني باطلان فثبت الثالث، فإذن أحد طرفي النسبة في هذا الإمكان ،الشيء
الحادث فيه الصورة مثلاً و طرفها الآخر الصورة فليس إمكانا ذاتيّا حتّى يقال أنّه
اعتباريّ لا وجود له و الحاصل إنّ الإمكان بالقياس (و هو لاضرورة شيء بالقياس إلى
شيء) كالجنس للإمكانات المختلفة و بعض أنواعها اعتباريّ كالإمكان الذاتيّ و بعضها
موجود في الخارج كالإمكان هنا.
فإن قلت: «لا نعني بقرب استعداد الجنين للحياة و بعد استعداد النطفة لها مثلاً
إلاّ أنّ الشرائط الحاصلة للجنين أكثر منها في النطفة و ليس وراء تلك الشرائط عرض
آخر يحلّ فيه يسمّى بالقوّة أو الإمكان الاستعداديّ و حيث إنّ حصول الشرائط تدريجيّ
عادة يعتبر الاستعداد أمرا يشتدّ شيئا فشيئا و هذا هو الذي يوهم أنّه أمر عينيّ
يسير من الضعف إلى الشدّة و من النقص إلى التمام و من البعد إلى القرب و ليس كذلك
في الواقع».
قلت: إنّا نمهّد للرملة الواحدة مثلاً الشرائط الخارجيّة الّتي تجب لنبت حبّة البرّ
مثلاً و نرفع عن تلك الرملة الموانع الخارجيّة الّتي تمنع عن نبت الحبّة و مع ذلك
نشاهد أنّ الرملة لا تنبت فإذن لابدّ أن يكون في حبّة البرّ خصوصيّة تكون الحبّة
بها صالحة للنبت و الرملة غير صالحة له لفقدانها لها.
ثمّ إنّ تلك الخصوصيّة إمّا أن تكون جوهرا أو عرضا و الأوّل باطل لأنّا نقسم حبّة
واحدة إلى نصفين أو نسخّن حبّة ثم نمهّد الشرايط الخارجيّة لنصف من الحبّة أو
للحبّة المسخّنة و مع ذلك نشاهد أنّ ذلك النصف أو الحبّة المسخّنة لاينبت مع أنّ
طبيعة البّر كما أنّها موجودة في كلّ الحبّة موجودة في نصفها أو في الحبّة المسخّنة
و إنّما الاختلاف بالعرض لا بالجوهر، فإذن ثبت أنّ تلك الخصوصيّة الّتي بها يصحّ
البرّ أن ينبت ليست إلاّ عرضا و هو المطلوب.
فإن قلت: بناءاً على أنّ الأعراض من شؤون الجواهر يكون اختلاف الأعراض بسبب اختلاف
جواهرها الموضوعة لها فإذن بين الحبّة و نصفها أو المسخّنة منها فرق جوهرىّ.
قلت: سلّمنا ذلك لكن لابدّ أن يكون هناك اختلاف في الأعراض بسبب اختلاف جواهرها و
تغيّرها، فالعرض الموجود في الحبّة و غير الموجود في الرملة و في الحبّة المسخّنة
أو المنصّفة هو الّذي نقول أنّه إمكان استعداديّ.
فإن قلت: الإمكان الاستعداديّ وصف للمستعدّ له، فإنّ الامكان في قولنا: «الإنسان
ممكن الوجود للنطفة» وصف للإنسان لا للنطفة و الإنسان قبل تحقّقه معدوم فوصفه معدوم
أيضا، فكيف صوّرتم فيه التشكيك و القرب و البعد و الشدّة والضعف.
قلت: إذا قلنا إنّ الإنسان يمكن أن يوجد في الخارج للنطفة فهناك نسبة بين الإنسان و
النطفة الموجودة في الخارج و تلك النسبة متّصفة باللاضرورة، أي الإمكان ثمّ إنّ
طرفي هذه النسبة موجودان في الخارج لأنّ أحد طرفيها النطفة الموجودة في الخارج و
طرفها الاخر الإنسان الّذي يوجد في الخارج للنطفة، فوعاء وجود طرفي النسبة، الخارج
فلا بدّ أن يكون وعاء تلك النسبة الخارج أيضا، لأنّ وعاء النسبة وعاء طرفيها لكن
لمّا كان الإنسان الذي يوجد في الخارج للنطفة لم يوجد بعد بحيث يترتّب عليه آثاره،
وجب أن يكون الإنسان نفسه موجودا في الخارج للنطفة بوجود ضعيف لا يترتّب عليه
آثاره، إذ لو لم يكن الإنسان موجودا للنطفة بوجوده الضعيف كما أنّه لم يوجد لها
بوجوده القويّ لبطلت النسبة و ببطلان النسبة بطل الإمكان الّذي هو وصف للنسبة مع
أنّ هذا الإمكان قد ثبت وجوده، فإذن يجب أن يكون الإنسان موجودا بوجوده الضعيف
للنطفة بحيث لا يترتّب عليه الآثار و هذا الوجود الضعيف كلّما كان أقرب بالإنسان
الذي يترتّب عليه الآثار كان أشدّ وجودا و أقوى فهو وجود تشكيكيّ ذو مراتب.
ثمّ لمّا كانت النسبة من الوجودات الرابطة كانت تلك النسبة و وصفها الذي هو الإمكان
موجودة بوجود طرفيها و أحد طرفيها وجود تشكيكيّ ذو مراتب ـ كما تقدّم ـ فتلك النسبة
و وصفها الّذي هو الإمكان أيضا لهما نوع تشكيك بتشكيك طرفها المتّحد معه و هو
المطلوب و من هنا يمكن الجمع بين قول من قال: إنّ الإمكان الاستعداديّ من المقولة
الإضافة و بين قول من قال: أنّه من مقولة الكيف فإنّ هذا الإمكان باعتبار اتّحاده
مع النسبة من مقولة الإضافة و باعتبار اتّحاده مع وجود طرف النسبة من الكيف.
لأنّه أخذ في معناه النسبة و لو كان جوهرا لكان جوهرا مع قطع النظر عن النسبة مع أنّه ليس كذلك.
أي لو امتنع المادّة عن اتّحادها مع الصورة لم تكن الصورة ممكنة الوجود للمادّة، لأنّ وجود الصورة للمادّة عبارة عن اتّحاد هما ـ كما تقدّم في المرحلة الثانية ـ فلو امتنع اتّحادهما امتنع وجود الصورة للمادّة مع أنّ المفروض أنّ الصورة ممكنة الوجود للمادّة و المادّة تحمل هذا الإمكان.
إذ المراد من قبول فعليّة أخرى هو اتّحادها معها و اتّحاد الفعليّتين محال،
لأنّهما بعد الإتّحاد إن كانتا موجودتين كانتا إثنتين لا واحدة و إن كان إحديهما
فقط موجودة كان هذا زوالا لإحديهما و بقاء للأخرى و إن لم يكن شيء منهما موجودا كان
هذا زوالاً لهما و حدوثا لأمر ثالث و على التقادير فلا اتّحاد.
لكن هذا الدليل يثبت امتناع اتّحاد فعليّتين عرضيّتين لا طوليّتين بأن كان إحديهما
مرتبة كاملة من الأخرى فانّه ليس بمحال بل ممكن واقع، إذ نختار انّهما موجودان بعد
الاتّحاد بوجود الكامل منهما فالكامل موجود و كذا الناقص لأنّه مرتبة من مراتب وجود
الكامل فوجوده منطوٍ في الكامل فإذن هما موجودان بوجود واحد و هو الاتّحاد.
هذا مبنيّ على امتناع اتّحاد الفعليّتين فإنّ الصورة السابقة يجب أن تبطل حين حدوث الصورة اللاحقة و إلاّ لزم اتّحاد الفعليّتين، لأنّ كلاًّ منهما متّحد مع المادّة فتصيران متّحدتين بسبب اتّحادهما مع المادّة و هو محال ـ كما تقدّم ـ ، و هذه هي نظريّة الكون و الفساد، أي تحقّق الصورة اللاحقة و زوال الصورة السابقة، أمّا بناءاً على إمكان اتّحاد الفعليتين بل وقوعه فالصورة السابقة لاتبطل نفسها بل يبطل حدّها فتستكمل بالصّورة اللاحقة و هذه هي نظريّة اللبس بعد اللبس.
لا يقال: هذا تسلسل تعاقبيّ، أي أفراد السلسة غير مجتمعة في الوجود (إذ مادّة
كلّ مادّة حادثة و إمكانها سابقتان عليها بالزمان) و التسلسل التعاقبيّ ليس محالاً
ـ كما تقدّم.
لأنّه يقال أوّلاً إنّ بعض أدلّة بطلان التسلسل جارٍ في التسلسل التعاقبيّ كما
تقدّم ـ و ثانيا أنّ كلّ مادّة حادثة لا تستغني عن المادّة السابقة في زمان وجودها
فإذن يجب أن يكون أفراد السلسلة مجتمعة الوجود مع المادّة الحادثة في سلسلة المواد.
و الفرق بين هذا الفرض و ما تقدّم أنّ المادّة في هذا الفرض حادثة مرّة واحدة و في الفرض السابق حادثة بتعداد حدوث الصور الحادثة.
هذا مبنيّ على القول المشهور من أنّ تشخّص الشيء بأعراضه و إلاّ إنّ العرض أي القوّة متأخّر وجوده عن وجود موضوعه أي المادّة و لا يتعيّن الشيء بما هو متأخّر عنه.
لأنّ الصورة أو الحالة السابقة تبطل بحدوث الصورة أو الحالة الحادثة و هذا تغيّر
في الصورة أو في الحالة.
ما تقدّم في الفصل السابق هو البيان الذي اعتمد عليه في الفلسفة المشّائيّة لإثبات الإمكان الاستعداديّ و إثبات الهيولى و ما يتفرّع عليهما و لمّا كان بعض ما تقدّم غير مرضيّ عند المصنّف كنظريّة الكون و الفساد و انفصال الصور المتعاقبة استئنف القول في معنى وجود الشيء بالقوّة حتّى يثبت به الحركة الجوهريّة و ما يتفرّع عليها.
هذا شروع في الاستدلال الذي اخترعه المصنّف رحمهالله على الحركة الجوهريّة و
نتائجها و لهذا الاستدلال مقدّمات نوضح كلّ مقدّمة في مقامها الخاصّ.
المقدّمة الأولى أنّ ما بين أيدينا أنواعا من الجواهر تتغيّر عمّا كانت و تقبل صورا
غير موجودة فيها بالفعل كنطفة الإنسان فإنّها تتغيّر عمّا كانت و تقبل الصورة
الإنسانيّة فتصير إنسانا ثمّ لمّا كان القبول معنى نسبيّا ـ و لذا لايعقل إلاّ بعد
تعقّل قابل مّا و مقبول مّا ـ كان عند كلّ قبول ثلاثة أشياء: القابل و المقبول و
النسبة بينهما، أي نسبة القابليّة و المقبوليّة.
هذا شروع في المقدّمة الثانية و هي أنّ النسبة بين كلّ قابل و مقبوله نسبة
موجودة في الخارج و ليست أمرا ذهنيّا اعتباريّا و ذلك لوجهين.
الأوّل: لا شكّ أنّ كلّ قابل لايقبل أي مقبول بل يقبل مقبولاً معيّنا، فإنّ نطفة
الانسان تقبل الصورة الإنسانيّة فقط و لا تقبل الصورة الحماريّة مثلاً، فإذن لابدّ
من ارتباط القابليّة و المقبوليّة بينهما في الخارج، إذ لو لم يكن في الخارج ارتباط
القابليّة و المقبوليّة بين نطفة الإنسان و الصورة الإنسانيّة لكان حال نطفة
الإنسان في الخارج بالنسبة إلى الصورة الإنسانيّة كحالها بالنسبة إلى الصورة
الحماريّة؛ أي إنّ هذين الحالين متساويان في عدم تحقّق ارتباط القابليّة و
المقبوليّة في الخارج، فلا مرجّح في الخارج لأن تكون نطفة الإنسان قابلة للصورة
الإنسانيّة فقط فيجب حينئذٍ أن لا تقبل الصورة الإنسانيّة كما انّها لا تقبل الصورة
الحماريّة أو تقبل الصورة الحماريّة كما أنّها تقبل الصورة الإنسانيّة لكن هذا
التالي باطل، لأنّ نطفة الإنسان تقبل الصورة الإنسانيّة فقط فكذا المقدّم فإذن ثبت
أنّ نسبة القابليّة و المقبوليّة بين نطفة الإنسان و الصورة الإنسانيّة مثلاً، نسبة
خارجيّة موجودة في وعاء الخارج و هو المطلوب .
الثاني: إنّ النسبة بين القابل و المقبول تختلف بالقرب و البعد و الشدّة و الضعف في
الخارج فتكون موجودة في الخارج، لأنّ ثبوت شيء لشيء في أيّ وعاء فرع لثبوت المثبت
له في ذلك الوعاء.
هذه مقدّمة ثالثة و توضيحها أنّه لمّا ثبت أنّ نسبة القابليّة والمقبوليّة
موجودة في الخارج استنتج أنّ طرفيها يجب أن يكونا موجودين في الخارج لأنّ وعاء
النسبة وعاء طرفيها، فإذا ثبت أنّ وعاء النسبة الخارج، ثبت أيضا أنّ وعاء طرفيها
الخارج، فإذن يجب أن يكون القابل و المقبول موجودين في الخارج لكن لمّا كان المقبول
بوجوده الخارجيّ الذي يترتّب عليه آثاره غير موجود بعدُ وجب أن يكون ذلك المقبول
نفسه موجودا بوجود خارجيّ لا يترتّب عليه آثاره إذ لو لم يكن المقبول موجودا بوجود
خارجيّ لا يترتّب عليه الآثار (كما أنّه لم يوجد بعدُ بوجوده الخارجيّ الذي يترتّب
عليه الآثار) للزم أن تكون النسبة معدومة بانعدام أحد طرفيها مع أنّ هذا خلاف ما
تقدّم في المقدّمة الثانية من أنّ تلك النسبة موجودة في الخارج.
فإن قلت: «انّ النسبة اعتبار عقليّ، ظرف عروضه هو الذهن و إنّما الخارج هو ظرف
الاتّصاف بها».
قلت: إن اعترفتم أنّ الخارج ظرف الاتّصاف بالنسبة فقد تمّ البرهان؛ لأنّ معنى أنّ
الخارج ظرف للاتّصاف بالنسبة، هو أنّ الخارج ظرف لثبوت النسبة لموصوفها الخارجيّ،
أي إنّ الخارج ظرف لوجودها الرابط، فللنسبة وجودمّا في الخارج لأنّ ثبوت شيء لشيء
في الخارج فرع ثبوت نفس الثابت في الخارج، و ببيان آخر لو لم يكن للنسبة أيّ ثبوت
في الخارج فكيف يمكن أن يكون الموجود الخارجيّ متّصفا بها في الخارج و هل يمكن أن
يتحقّق الاتّصاف في الخارج من دون أن يكون هناك وصف يتّصف به؟ و بعبارة ثالثة:
الاتّصاف نفسه معنى نسبيّ ففرض تحقّقه في الخارج يستدعي وجود طرفيه فيه، و أحد
طرفيه نفس النسبة، فهي موجودة في الخارج و إن لم تكن مستقلّة في الوجود.
فإن قلت: «انّه ربّما تعتبر النسبة بين موجود و معدوم كنسبة الأمس إلى اليوم و نسبة
اليوم إلى الغد، فعلى فرض وقوع النسبة في الخارج لا يقتضي ذلك وجود طرفيها في زمان
وقوعها».
قلت: كلاّ فإنّ النسبة متقوّمة الوجود بطرفيها و النسبة في المثالين المذكورين
متقوّمة بالطرفين الموجودين حين وجودها أمّا في نسبة الأمس إلى اليوم، فلانّ فعليّة
الأمس منطوية في فعليّة اليوم كما هو شأن الوجودات السيّالة فلا يكون الأمس معدوما
مطلقا حين وجود النسبة و أمّا في نسبة اليوم إلى الغد فلانّ وجود الغد موجود في
الأمس بوجوده الضعيف(1) كما في الحركة فلا يكون الغد معدوما مطلقا حين وجود النسبة.
عطف على قوله «وجود طرفيها»، أي إنّ كلّ نسبة موجودة فإنّها تستدعي كون أحد طرفي النسبة للآخر.
1. سيأتي بحثه في الفصل الأوّل من
.
فإن قلت: «إنّا نمنع اقتضاء النسبة كون وجود أحد الطرفين للغير كالنسبة
المتكرّرة بين الأخوين أو بين الأب و الإبن».
قلت: لو سلّم عدم الاقتضاء في هذه الأمثلة لا نسلّم في نسبة القابليّة و المقبوليّة
لأنّ المقبول ناعت للقابل؛ فإنّ نطفة الإنسان إنسان بالقوّة، فلو لم يكن المقبول
موجودا للقابل لم يكن القابل منعوتا بالمقبول فلا تنعت النطفة بكونها إنسانا
بالقوّة مثلاً فإذن أحد طرفي النسبة و هو المقبول موجود للآخر و هو القابل.
هذه نتيجة لما سبق إذ لمّا ثبت وجود النسبة في الخارج ثبت وجود طرفيها فيه و
لمّا لم يكن المقبول بوجوده الذي يترتّب عليه الآثار موجودا بعدُ وجب أن يكون
المقبول نفسه موجودا بوجود ضعيف لا يترتّب عليه الآثار، إذ لو لم يكن نفس المقبول
موجودا بوجوده الضعيف للزم أن تكون النسبة معدومة بانعدام أحد طرفيها وهو خلاف
المفروض، فإذن ثبت أنّ للمقبول وجودا ذا مرتبتين: مرتبة ضعيفة لا يترتّب عليه
الآثار و هو وجوده بالقوّة و مرتبة شديدة يترتّب عليه الآثار و هو وجوده بالفعل.
فإن قلت: «إنّ ظرف وجود النسبة في الواقع هو ظرف وجود المقبول و في ذلك الظرف يكون
القابل موجودا لما مرّ من لزوم بقاء القابل بعد تحقّق المقبول».
قلت: إنّ المقبول قبل وجوده الذي يترتّب عليه الآثار موجود للقابل، إذ المقبول قبل
وجوده الذي يترتّب عليه الآثار ناعت لقابله، فإنّ النطفة إنسان بالقوّة مثلاً
فالإنسان قبل وجوده الذي يترتّب عليه الآثار ناعت للنطفة، فيكون موجودا لها قبل
وجوده الذي يترتّب عليه الآثار فتحقّق النسبة بينهما قبل وجوده الذي يترتّب عليه
الآثار.
فإن قلت: «هل يوجد بين القابل و وجود المقبول المتأخّر أيضا نسبة أو لا؟ فإن كان
الجواب بالإثبات لزم الاعتراف بوجود النسبة بين المتقدّم و المتأخّر مع اختلاف
الزمان و فيه هدم لأساس الحجّة و إن كان الجواب بالنفي فلا يفي البيان بإثبات
اتّحاد القابل و المقبول ذلك الاتّحاد الذي يطلب بهذه الحجّة لأنّ ملاك الاتّحاد
على الفرض هو النسبة و هي مفقودة بين المتقدّم و المتأخّر».
قلت: نختار الجواب بالنفي و مع ذلك اتّحاد القابل و المقبول بوجوده المتأخّر محقّق
و تلك النسبة ليست ملاك الاتّحاد ـ كما توهّم ـ حتّى يلزم من انتفائها الاتّحاد بل
النسبة واسطة في إثبات الاتّحاد، فغاية ما يلزم من نفي النسبة بين القابل و المقبول
بوجوده المتأخّر هو أنّ الاتّحاد بينهما لا يثبت من هذا الطريق لكن الطريق لا ينحصر
فيه بل يمكن إثبات الاتّحاد من الطريق الذي سلكه المصنّف رحمهالله و هو أنّ
المقبول بوجوده الضعيف و الشديد واحد و المقبول بوجوده الضعيف متّحد مع القابل
فالمقبول بوجوده الشديد متّحد مع القابل.
تقدّم أنّ المقبول بوجوده الضعيف موجود للقابل، لانّه ناعت له فإنّ النطفة إنسان بالقوة مثلاً فالإنسان بوجوده بالقوّة ناعت للنطفة، فهو موجود لها و وجود الشيء للآخر وجود رابط و قد تقدّم في الفصل الأوّل في المرحلة الثانية أنّ تحقّق وجود الرابط و النسبة بين طرفين يوجب نحوا من الاتّحاد الوجوديّ بينهما.
فإن قلت:«غاية مايثبت بالبيان المذكور اتّحاد تلك الوجودات لا وحدتها، فإنّ
الوحدة المشكّكة إنّما يوجد في مراتب وجود واحد يكون بعضها رابطا غير مستقلّ
بالنسبة إلى الآخر لا رابطيّا متعلّق الوجود به و مقتضى البيان المذكور هو الثاني
دون الأوّل».
قلت: الوجود الرابطيّ للمقبول عين وجوده الرابط؛ لأنّ المقبول إمّا عرض و إمّا صورة
جوهريّة ،فإن كان عرضا فواضح أنّ وجوده الرابطيّ عين وجوده الرابط، إذ لو لم يكن
ثبوته لموضوعه (الّذيهو وجوده الرابط) عين وجوده في نفسه (الذي هو وجوده الرابطىّ)
للزم أن يكون ثبوته لموضوعه عارضا له، فيكون ثبوته لموضوعه متأخّرا عن وجوده في
نفسه و معناه أنّ العرض في مرتبة ذاته جوهر مستقلّ عن الموضوع هذا خلف.
و إن كان صورة جوهريّة فواضح أيضا لأنّ المقبول هنا يجب أن يكون من الصور المادّيّة
حتّى يفرض فيه الحركة و إذا كان من الصور المادّيّة لزم أن يكون ثبوتها للمادّة عين
ثبوتها في نفسها و إلاّ كان ثبوتها للمادّة عارضا لها فيكون ثبوتها للمادّة متأخّرا
عن وجودها في نفسها فتكون في مرتبة ذاتها غير مادّيّة مع أنّ تلك الصور مادّيّة ـ
كما تقدّم ـ فإذن ثبت أنّ الصور الجوهريّة وجوداتها الرابطيّة عين وجوداتها الرابطة
و هو المطلوب.
لأنّ كلّ فعليّة سابقة قابلة للفعليّة اللاحقة فيكون لهما وجود واحد ـ لما تقدّم من أنّ للقابل و المقبول وجود واحد ذو مراتب، ثمّ الفعليّة اللاحقة قابلة للفعليّة الّتي بعدها فيكون لهما وجود واحد أيضا و هكذا، مثلاً أنّ النطفة قابلة لصورة العلقة فلهما وجود واحد و العلقة قابلة لصورة المضغة فلهما وجود واحد أيضا و المضغة قابلة لصورة الإنسان فلهما وجود واحد أيضا، فإذن للنطفة و العلقة و المضغة و الإنسان وجود واحد ذو مراتب.
تقدّم أنّ للمقبول وجودين: وجود يترتّب عليه آثاره المطلوبة منه و وجود آخر قبله
و هو الوجود الّذي يشتدّ حتّى ينتهي إلى المقبول الذي يترتّب عليه الآثار.
ثم إنّ المقبول بوجوده السابق كمال للقابل لأنّ حصول ما يمكن أن يحصل للشيء كمال له
و كذا المقبول بوجوده اللاحق الذي يترتّب عليه الآثار كمال للقابل ـ لما تقدّم ـ
فإذن للقابل كمالان: الأوّل الوجود السابق للمقبول و هو الّذي يشتدّ حتّى ينتهي إلى
المقبول الذي يترتّب عليه الآثار و هذا الكمال يسمّى أوّلاً لتقدّمه على الكمال
الثاني، والثاني وجود المقبول الذي يترتّب عليه الآثار.
ثمّ الكمال الأوّل أي المقبول بوجوده الذي لا يترتّب عليه الآثار، حاصل للقابل
مادام لم يتحقّق الكمال الثاني (أي المقبول بوجوده الذي يترتّب عليه الآثار) و إلاّ
اجتمع في القابل ترتّب الآثار و عدمه و هو باطل بالضرورة.
إذا عرفت هذه نقول: إنّ حدّ الحركة ينطبق على الوجود السابق للمقبول، لأنّه كمال
أوّل للقابل (الذي هو بالقوّة بالنسبة إلى الكمال الثاني) من حيث إنّ القابل
بالقوّة بالنسبة إلى الكمال الثاني (أي مادام لم يتحقّق الكمال الثاني في القابل).
و ذلك لصدق حدّ الحركة عليه و لأنّه قد تقدّم أنّ المقبول بوجوده السابق و اللاحق وجود واحد و إنّما التفاوت بالشدّة و الضعف و تقدّم أيضا أنّ المقبول بوجوده السابق مقدّم بالزمان على المقبول بوجوده اللاحق، فإذن هناك وجود واحد ممتدّ منطبق على الزمان و لازم امتداده و انطباقه على الزمان أن يكون ذلك الوجود سيّالاً تدريجيّا لسيلان الزمان المنطَبق عليه. ثمّ بهذا تمّ البرهان الذي اخترعه المصنّف على الحركة الجوهريّة فاغتنمه.
و ذلك لأنّه تقدّم أنّ قوّة الشيء عين الشيء و إنّما التفاوت بالشدّة و الضعف و تقدّم أيضا أنّ قوّة الشيء سابقة عليه بالزمان، فإذن هناك وجود واحد ممتدّ منطبق على الزمان و لازم ذلك أن يكون ذلك الوجود سيّالاً تدريجيّا لسيلان الزمان المنطَبق عليه كما تقدّم.
هذه النتيجة عكس النقيض للنتيجة السابقة.
لمّا أورد على هذا التعريف أنّ التدريج وقوع الشيء في آن بعد آن، و الآن طرف الزمان و الزمان مقدار الحركة فالحركة مأخوذة في تعريف الحركة و هو الدور، أجاب عنه في الهامش أوّلاً بأنّ التدريج معنى بديهيّ التصوّر باعانة الحسّ عليه و لا يتوقّف معرفته على معرفة الحركة فلا يلزم الدور و ثانيا أنّ هذا التعريف ليس تعريفا حقيقيّا حتّى يراعي فيه شرائطه.
بيان هذا التعريف يتوقّف على أمور:
الأوّل أنّ حصول كلّ ما يمكن أن يحصل للشيء كمال له و الجسم الّذي لم يتحرّك بعدُ
له قوّتان قوّة السلوك و قوّة الوصول إلى ما إليه السلوك لكن لمّا كان السلوك قبل
الوصول و مقدّما عليه كان السلوك الحاصل للجسم كمالاً أوّلاً له و الوصول الحاصل له
كمالاً ثانيا له.
الثاني كما أنّ السلوك كمال أوّل للشيء المتحرّك كذلك الصورة النوعيّة كمال أوّل
له، إذ كما أنّ السلوك مقدّم على الوصول كذلك الصورة النوعيّة مقدّمة على الآثار
المتفرّعة عليها.
الثالث أنّ الصورة النوعيّة كمال أوّل للشيء مطلقا سواء كان الجسم بالقوّة بالنسبة
إلى الوصول أو بالفعل لكن السلوك كمال أوّل له من حيث إنّ الشيء المتحرّك بالقوّة،
بالنسبة إلى الوصول إذ بعد ما يصير بالفعل بالنسبة إليه تنعدم الحركة فلا حركة حتّى
يكون كمالاً أوّلاً.
إذا عرفت هذه نقول: «إنّ الحركة كمال أوّل للجسم الّذيهو بالقوة من حيث إنّه
بالقوة»؛ فبقولنا: كمال أوّل للجسم خرج من التعريف الوصول، لأنّه كمال ثان له، و
قولنا: للجسم الذي هو بالقوّة إشارة إلى أنّ للحركه خاصيّتين: الأولى أنّه لابدّ
هناك من مطلوب ممكن الحصول و الثانية أنّ المطلوب لا يكون حاصلاً بالفعل للجسم؛ و
بقولنا: من حيث إنّه بالقوّة خرجت الصور النوعيّة لأنّها كمال أوّل للجسم المتحرّك
الذي هو بالقوّة بالنسبة إلى الوصول لكن لا من حيث إنّ الجسم بالقوّة بالنسبة إليه،
أي انّ الصور النوعيّة ليست كمالاً أوّلاً للجسم بشرط عدم تحقّق الكمال الثاني الذي
هو الوصول بل إنّها كمال أوّل للجسم مطلقا سواء كان الجسم بالقوّة بالنسبة إلى
الوصول أو بالفعل و لذا لايزال كونها كمالاً أوّلاً عند الوصول بخلاف الحركة فانّها
كمال أوّل للجسم إذا كان الجسم بالقوّة بالنسبة إلى الوصول.
إنّ الشيء إذا لم يكن متحرّكا فصار متحرّكا من حدّ كان للحركة مبدأ تحقيقا؛ لأنّ
المبدأ هنا هو الحدّ الفاصل بين الحالين الموجودين حقيقة لا بالفرض و الاعتبار، و
إذا كان الشيء في حال الحركة فكلّ حدّ من حدود المسافة كان مبدأ اعتبارا، لأنّ حدود
المسافة حاصلة بفرض الانقسام في الحركة فكلّ حدّ بعد تحقّقه بالفرض و الاعتبار يصير
مبدأ بالنسبة إلى ما بعده من مراحل الحركة ، و الأمر في المنتهى أيضا كذلك، فالشيء
المتحرّك إذا صار ساكنا مثلاً في حدّ كان ذلك الحدّ منتهى تحقيقا لما تقدّم من
موجوديّة الحدّ حقيقة، و ما لم يصر ساكنا بعدُ كان كلّ حدّ من حدود المسافة منتهى
اعتبارا بالنسبة إلى ما قبله من مراحل الحركة.
عدل عن التعبير الأوّل إلى هذا التعبير؛ لأنّ ذات الشيء تنتزع من وجوده النفسيّ و ذاتيّ الشيء تنتزع من وجوده النعتيّ الّذي هو وجود لابشرط و سيأتي في الفصل السادس أنّ الشيء لا يتغيّر بوجوده النفسيّ بل بوجوده النعتيّ.
أراد أن يبيّن أنّ التغيّر الدفعيّ لا يمكن وقوعه إلاّ بعد وقوع حركة مّا و ذلك لأنّ الشيء الحادث بالتغيّر الدفعيّ لابدّ أن يكون قوّة وجوده مقدّمة عليه بالزمان لما تقدّم من أنّ كلّ حادث زماني فانّه مسبوق بقوّة وجوده و بحامل لتلك القوّة و تقدّم أيضا في الفصل الثاني أنّ قوّة الشيء (الّتي هي مقدّمة عليه بالزمان) عين الشيء وجودا و إنّما التفاوت بالشدّة و الضعف، فإذن لابدّ أن يكون هناك وجود ممتدّ ذو مراتب منطبق على الزمان و لازم ذلك أن يكون ذلك الوجود سيّالاً تدريجا و هو الحركة، ثمّ بانتهاء تلك الحركة الّذي وقع في الآن يتحقّق الحادث الدفعيّ، فإذن الحادث الدفعيّ لا يتحقّق إلاّ بعد تحقّق حركة.
الوصول هو انتهاء الحركة إلى حدّ، و الترك هو ابتداء الحركة من حدّ و الفرق بين الوصول و الاتّصال بالاعتبار فإنّ الأوّل وصف للفاعل و الثاني وصف للقابل و كذا الأمر في الترك و الانفصال.
أي إنّ المتحرّك في كلّ حدّ من حدود المسافة فرض لا يكون قبل حصول فيه و لا بعد
حصوله فيه حاصلاً فيه، و ببيان آخر: إنّ المتحرّك في كلّ حدّ من حدود المسافة لا
يستقرّ أكثر من آن واحد .
ثمّ اعلم أنّ الحيثيّة هنا ليست قيدا احترازيّا بل هو تعبير آخر عن الحركة
التوسّطيّة و تعريف آخر لها بخارج حقيقتها.
توضيح ذلك يتوقّف على أمرين: الأوّل أنّ المراد بالمنتهى هنا ما ينتهى إليه الحركة
تحقيقا لا اعتبارا و إلاّ لم يكن المتحرّك بين المبدأ و المنتهى بل يكون في المنتهى
دائما؛ لأنّ المتحرّك مستقرّ دائما في حدّ من حدود المسافة و تقدّم أنّ كلّ حدّ من
الحدود منتهى اعتباريّ بالنسبة إلى ما مضى من مراحل الحركة، فالمتحرّك دائما في
منتهى الحركة على هذا الفرض لا بين المبدأ و المنتهى و هذا خلف.
و الثاني أنّ المتحرّك لا يستقرّ في حدّ من الحدود آنين و إلاّ لم تبتدأ الحركة بعد
أو انتهت فيكون المتحرّك إمّا في المبدأ أو في المنتهى، فلا يكون بين المبدأ و
المنتهى لأنّ ذلك الحدّ المفروض إن كان منتقلاً عنه و استقرّ المتحرّك فيه آنين آن
الانتقال و آن قبل الانتقال كان معناه أنّ المتحرّك المفروض ساكنا في ذلك الحدّ و
لم ينتقل عنه بعد فلم تبتدأ الحركة بعد فيكون المتحرّك في مبدأ الحركة لا بين
المبدأ و المنتهى و إن كان ذلك الحدّ المفروض منتقلاً إليه و استقرّ المتحرّك فيه
آنين آن الوصول إليه و آن بعد الوصول كان معناه أنّ المتحرّك المفروض انتهت حركته
بالوصول إلى ذلك الحدّ فيكون المتحرّك في المنتهى لا بين المبدأ و المنتهى فإذن
لازم كون المتحرّك بين المبدأ والمنتهى هو أنّ المتحرّك في كلّ حدّ من حدود المسافة
فرض لا يكون قبله و لا بعده فيه و إلاّ كان إمّا في المبدأ أو في المنتهى فلا يكون
بينهما وهذا خلف.
إذا عرفت هذين نقول: إذا ثبت أنّ هذه الحيثيّة لازمة للحركة التوسّطيّة الّتي هي
عبارة عن كون المتحرّك بين المبدأ و المنتهى ثبت أنّ هذه الحيثيّة ليست قيدا
احترازيّا لأنّ لازم الشيء ليس أخصّ منه حتّى يكون مخصّصا له، نعم لو كان المنتهى
عبارة عن الغاية المطلوبة الّتي يقصدها المتحرّك من أوّل الأمر و إن لم يصل إليها
كان هذه الحيثيّة قيدا احترازيّا؛ إذ لو صار المتحرّك
ساكنا قبل وصوله إلى غايته الّتي قصدها من أوّل الأمر لصدق على سكونه في هذا الحدّ
تعريف الحركة و هو كونه بين المبدأ و المنتهى مع أنّه ساكن فيه فيجب إخراج هذا
السكون عن التعريف و هذه الحيثيّة تخرج هذا الحال؛ لأنّ الشيء المفروض و إن كان بين
المبدأ و المنتهى بهذا المعنى إلاّ أنّه استقرّ في ذلك الحدّ أكثر من آن واحد و
الحركة التوسّطيّه مقيّدة بعدم كونه كذلك.
أمّا كونها بسيطة، فلأنّ المصحّح للانقسام هو اعتبار حدود المسافة وقياس الحركة إليها و هو منتف في الحركة التوسّطيّة و أمّا كونها ثابتة، فلأنّ هذا الحال أي كون الجسم بين المبدأ و المنتهى لا يزال باقيا إلى آخر الحركة و هو ظاهر.
أمّا الانقسام، فلأنّه يعتبر في هذه الحركة الحدود و تقاس الحركة إليها، فبازاء كلّ جزءِ من المسافة جزء من الحركة؛ و أمّا الانصرام، فلأنّ كلّ جزءِ سابق من الحركة قوّة للجزء اللاحق و كلّ جزءِ لاحق فعليّة للجزء السابق و قوّة الشيء و فعليّته لا تجتمعان (لأنّ القوّة لا تترتّب عليها الآثار بخلاف الفعليّة) فإذن فعليّة كلّ جزءِ شرطها انصرام الجرء السابق.
في وجود الحركة القطعيّة في الخارج نظر، لأنّ حدود المسافة فرضيّة، أي ليس في مسافة الحركة انقسام بالفعل حتّى يكون في الخارج أجزاء و حدود متمايز بعضها من بعض بحسب الواقع و إذا كان حدود المسافة فرضيّة لا يمكن أن تكون الحركة القطعيّة موجودة في الخارج؛ لأنّ للحركة نسبة إلى حدود المسافة و هي غير موجودة إلاّ بحسب الفرض لا بحسب الخارج فالحركة القطعيّة بما إنّ حدود المسافة معتبرة في معناها و هي غير موجودة في الخارج، لا توجد في الخارج؛ الّلهمّ إلاّ أن يقال إنّ الحركة وجود مشكّك و وحدة الذات و كثرة المراتب كلتاهما حقيقيّتان في الوجود المشكّك و للحركة نسبة إلى المراتب الحقيقيّة تقتضي سيلان الوجود.
بهذ المعنى فسّر بعض الحركة القطعيّة.(1)
1. راجع: شرح المنظومة، ص 241.
توضيحه أنّ معنى انقسام الحركة بالفعل عبارة عن انفصال جزءِ منها عن جزءِ آخر و الإنفصال إنّما يتحقّق بعد أن ينتهي الجزء الأوّل من الحركة إلى حدّ دفعيّ الوقوع، إذ لو كان الحدّ الآخِر تدريجيّ الوقوع لصحّ انقسامه إلى نصفين و النصف الأوّل لا تنتهي الحركة به؛ لأنّ النصف الثانيموجود فلم تنته الحركة بعدُ فلابدّ أن يكون النصف الثاني هو الحدّ الآخر و هذا خلاف المفروض، لأنّ المفروض هو أنّ ذلك الحدّ كلّه الحدّ الآخِر لا نصفه، فإذن لابدّ عند الانفصال من حدّ دفعيّ الوقوع لكن وقوع الحدّ دفعيّا يوجب بطلان الحركة، لأنّ الحركة تدريجيّة فانقسام الحركة بالفعل يوجب بطلان الحركة و هو المطلوب.
اطلاق الجزء هنا تسامحيّ كما يقال: الخطّ يتشكّل من النقاط مسامحة.
أي الأدلّة الدالّة على بطلان جزءِ لا يتجزّى في الجسم جارية هنا، فمثلاً نقول: لو تحقّق جزء لا يتجزّى من الحركة لأمكن أن يفرض جزءٌ لا يتجزّى، منها بين جزئين كذلك، فإن كان يحجز عن ملاقاة الطرفين انقسم الجزء المفروض إذ كلّ من الطرفين يلقى منه غير ما يلقاه الآخر و إن لم يحجز عن ملاقاتهما استوى وجود الوسط و عدمه و هو ضروريّ البطلان.
أي إنّ هذا الفرض ينجرّ إلى التناقض لأنّا قد فرضنا أنّ المبدأ أو المنتهى جزء من الحركة فلابدّ أن يكون تدريجيّا منقسما إلى الأجزاء و فرضنا أيضا أنّه لاينقسم فالانقسام وعدمه يجتمعان فيه و هو التناقض .
و هذا نظير المبدأ و المنتهى في الخطّ و السطح و الحجم، فإنّ المبدأ و المنتهى في كلّ منها ليسا من سنخه فإنّ المبدأ و المنتهى في الخطّ النقطة و في السطح الخطّ و في الحجم السطح.
لا يتوهّم أنّ انتهاء الحركة الجوهريّة من جانب المبدأ يلزمه الحدوث الزمانيّ للعالم المادّيّ، لأنّ معنى الحدوث الزمانيّ كون الشيء مسبوقا بالعدم الزمانيّ و العالم المادّيّ لا يسبقه العدم الزمانيّ إذ الزمان حاصل بحركة العالم فلا زمان سابق على العالم المادّيّ الذي هو عين الحركة حتّى يكون وعاءِ لعدم العالم المادّيّ و يكون العالم حادثا بالحدوث الزمانيّ.
سيأتي تقسيم الحركة بأقسامها الثلاثة في الفصل العاشر.
لأنّ المراد من التغيّر هنا الحركة و الحركة لابدّ فيها من أمر ثابت لكن الذاتيّ
لو تغيّر لم يبق فيه أمر ثابت، لأنّ التغيّر في كلّ ذاتيّ يستلزم التغيّر في جميع
الذاتيّات؛ لأنّ ذاتيّات الشيء بعضها أعمّ من بعض و الذاتيّ المفروض فيه الحركة إن
كان أعمّ استلزم تغيّره تغيّر جميع ما هو أخصّ منه لأنّ الأعمّ مبهم لا استقلال له
بنفسه فتغيّره و ثباته بتغيّر الأخصّ و بثباته، فلا تغيّر في الأعمّ إلاّ بتغيّر ما
هو أخصّ منه، فتغيّره آية لتغيّر ما هو أخصّ منه، و إن كان الذاتيّ المفروض أخصّ
استلزم تغيّره تغيّر جميع ما هو أعمّ منه، لما تقدّم من أنّ الأعمّ لا استقلال له
بنفسه بل هو تابع لما هو أخصّ منه، فتغيّر الأخصّ يوجب تغيّر الأعمّ فإذن ثبت أنّ
الذاتيّ لو تغيّر لا ستلزم تغيّر جميع الذاتيّات سواء كانت أعمّ منه أو أخصّ منه،
فلا يبقى هناك أمرٌ ثابت مع أنّ الحركة لابدّ فيها من أمر ثابت.
و أيضا الذاتيّ من سنخ الماهيّة و الماهيّة لا تشكيك فيها، لأنّ ما به التفاوت في
الأشدّ و الأضعف إن كان جزءا ذاتيّا للأشدّ لزم أن يكون للأشدّ ماهيّة مغايرة
للأضعف مع أنّه يجب في التشكيك أن يكون الأشدّ و الأضعف متّحدي المعني و إن كان
مابه التفاوت خارجا عن الأشدّ لزم أن يكون التفاوت في خارج الماهيّة، فليس التشكيك
في الماهيّة بل في خارجها، فإذن ثبت أن لا تشكيك في الماهيّة و إذا لم يكن فيها
تشكيك لم يكن فيها حركة لأنّ الحركة، حقيقة مشكّكة ، هذا توجيه كلامه لكن هنا مجال
تأمّل.
اعلم أنّ لوجودات الماهيّات اعتبارين: الأوّل ثبوتها في نفسها و هو مفاد كان
التامّة و يقال له الوجود في نفسه؛ و الثاني ثبوتها لمنعوتها و هو مفاد كان الناقصة
و يقال له الوجود الناعت و الماهيّة تنتزع من الوجود بالاعتبار الأوّل لا الثاني؛
لأنّ الوجود بالاعتبار الثاني وجود رابط و حقيقة نسبيّة فلا ينتزع منه إلاّ المفهوم
النسبيّ مع أنّ الماهيّات ليست كلّها مفاهيم نسبيّة.
إذا عرفت هذا نقول: إنّ الحركة تقع في الوجود الناعت لا في الوجود في نفسه، إذ
الماهيّة حدّ للوجود في نفسه، لأنّها منتزعة عنه فلو تغيّر الوجود في نفسه لوجب أن
يتغيّر حدّه الماهويّ أيضا وهو باطل كما تقدّم، فإذن الحركة في المقولة راجعة إلى
الحركة في الوجود الناعت و هو المطلوب.
أي إنّ المحذور الّذيلزم من وقوع الحركة في الوجود في نفسه لايلزم من وقوع الحركة في الوجود الناعت؛ لأنّ الماهيّة لاتنتزع من الوجود الناعت حتّى يلزم تغيّرها بسبب تغيّر الوجود الناعت .
إنّ لوجود الأعراض اعتبارين: الأوّل: وجودها في نفسها؛ و الثاني: وجودها لموضوعاتها و الأوّل تنتزع منه الماهيّات العرضيّة، أي الأعراض كالبياض و السواد و غيرهما و الثاني ينتزع منه العرضيّات و هي المفاهيم المشتقّة الناعتة للموضوعات كالأبيض و الأسود و غيرهما.
لأنّ الوجود الّذيتقع فيه الحركة وجود تشكيكيّ ذو مراتب، فالماهيّات المنتزعة عن
مراتبه المختلفة بالكمال و النقص متفاضلة فلو كانت الماهيّة المنتزعة عن كلّ
مرتبة لاحقة عين الماهيّة المنترعة عن المرتبة السابقة بأن
يلبث ماهيّة واحدة في جميع المراتب للزم أن تكون الماهيّة الواحدة متفاضلة ذات
مراتب مختلفة و هذا هو التشكيك في الماهيّة الذي تقدّم استحالته عندهم.
إنّما قال في الجملة، لأنّ في وجود بعض الكيفيّات في الخارج شكّا كالألوان.
إن قلت: «قد مرّ في الفصل الثالت عشر من المرحلة السادسة أنّ تبدّل الخطّ
المستقيم إلى المستدير ممتنع إلاّ بزوال الأوّل و حدوث الثاني فلا يصحّ عدّ هذا
التغيّر حركة».
قلت: إنّ ما تقدّم في المرحلة السادسة يثبت التخالف بين الاستقامة و الاستدارة بحسب
الوجود في نفسه و بحسب الماهيّة المنتزعة عن الوجود في نفسه و ما ذكر هنا يثبت
الإتّحاد بين الاستقامة و الاستدارة بحسب الوجود الناعت. و بعبارة أخرى: إنّ
للكيفيّة المختصّة بالكمّية في حال الحركة وجودا واحدا متّصلاً ذا مراتب و من مرتبة
منه تنتزع الاستقامة و من مراتبه الأخرى تنتزع الاستدارات المختلفة و تقدّم في
الفصل السادس من هذه المرحلة أنّ معنى الحركة في مقولة أن يرد على المتحرّك في كلّ
آن من آنات الحركة نوع من أنواع تلك المقولة مباين للنوع السابق و للنوع اللاحق،
فالتخالف النوعيّ بين الاستقامة و الاستدارة (الذي هو المراد ممّا تقدّم في المرحلة
السادسة) لا ينافي الحركة في وجودهما الناعت الذي هو وجود واحد متّصل ذو مراتب كما
هو المراد هنا.
أي على التناسب الخاصّ الّذييقتضيه الجسم في الأقطار الثلاثة كالنموّ، أو في الطول والعرض كالسمن.
حاصل الإشكال: أنّ الكمّ الكبير مغاير للكمّ الصغير بحسب الوجود، لأنّ موضوع
الكمّ الصغير جزء لموضوع الكمّ الكبير و الجزء و الكلّ متغايران وجودا، فالكمّان
الحاصلان من موضوعين متغايرين وجودا متغايران وجودا، مع أنّ الحركة لابدّ فيها من
وحدة الوجود بين مراتبها المختلفة.
و الجواب أنّ الطبيعة الموجودة في موضوع الكمّ الصغير تبدّل الأجزاء المنضّمة و
تجعلها متّحدة الوجود مع الأجزاء الأصليّة فلا يكون بعد التبدّل جزء بالفعل حتّى
يقال إنّ كلّ جزء مغاير للكلّ وجودا.
فيه: أنّ انضمام الضمائم لايمكن أن يكون تدريجيّا، إذ ما لم تتّصل تلك الضمائم بالجسم فلا زيادة في كمّيّة الجسم و إذا اتّصلت به فبمجرد اتّصالها إليه يزيد كمّيّة الجسم بمقدار تلك الضمائم لكن الاتّصال آنيّ الوقوع، فزيادة كمّيّة الجسم بمقدار تلك الضمائم تكون في الآن فليست تدريجيّة هذا و لكن مع ذلك يمكن وقوع الحركة الكمّية للأجسام الّتي هي قابلة للإمتداد و الزيادة في أقطارها من دون انضمام شيء من الخارج إليها كالحديد إذا تسخّن فانّه يزداد أقطاره عند التسخّن من دون أن ينضمّ إليه شيء من الخارج.
بل الأين ضرب من الوضع لأنّ المكان الّذيهو مقيس إليه في الأين ضرب من الخارج الّذيهو مقيس إليه في الوضع.
هذه إحدى الإشكالات الّتي ترد على الحركة في المقولات الّتي هي متدرّجة بذاتها
كالفعل و الانفعال و توضيحه يتوقّف على أمرين:
الأوّل انّه تقدّم في الفصل السادس أنّ معنى الحركة في مقولة أن يرد على المتحرّك
في كلّ آن من آنات الحركة نوع من أنواع تلك المقولة. ثمّ لمّا كان النوع غير موجود
إلاّ بوجود فرده كان معنى الحركة في مقولة أن يرد في كلّ آن من آنات الحركة فرد من
المقولة مباين للفرد السابق و للفرد اللاحق؛ إذ لو لم يكن كذلك بأن لا يتبدّل الفرد
المحقّق في هذا الآن مثلاً لكان معناه أنّ المتحرّك انقطعت حركته بالوصول إلى ذلك
الفرد، فلا يكون متحرّكا بل ساكنا هذا خلف فوقوع الحركة في مقولة يستدعي أن يرد في
كل آن من آنات الحركة فرد من المقولة مباين للفرد السابق و للفرد اللاحق.
الثاني أنّ المقولات إمّا أن يعتبر في معناها التدريج و إمّا أن لا يعتبر؛ و الأوّل
كالفعل و الانفعال و المتى و كبعض أنواع الكمّ كالزمانفإنّ التدريج ذاتيّ لهذه
المقولات أي إنّ التدريج لا يمكن انفكاكه عن حقايق هذه المقولات فلا تتحقّق إلاّ
تدريجيّة؛ و الثاني كالكيف فإنّ الكيف لايعتبر في معناه التدريج و لذا يمكن تحققه
آنيّا كما أنّه يمكن تحقّقه تدريجيّا.
إذا عرفت هذين نقول: إن كانت الحركة في الكيف مثلاً الّذيلا يعتبر في معناه التدريج
فواضح أن لا إشكال هناك؛ لأنّ المتحرك في الكيف يرد عليه في كلّ آن من آنات الحركة
فرد من الكيف مباين للفرد السابق و للفرد اللاحق لكن إن كانت الحركة في الفعل و
الانفعال مثلاً الذي يعتبر في معناهما التدريج فواضح أنّ الحركة فيهما لا تقع؛ لأنّ
معنى الحركة في مقولة الفعل مثلاً أن يرد على المتحرّك في كلّ آن من آنات الحركة
فرد منالمقولة لكن أفراد مقولة الفعل لايمكن أن تقع في الآن؛ لأنّ تلك الأفراد لو
لم تكن تدريجيّة للزم انسلاب ذاتيّها عنها و لو كانت تدريجيّة للزم وقوع المتدرج في
الآن و هما محالان بالضرورة.
ثمّ نظير هذا الإشكال جارٍ في الحركة في الكمّ غير القارّ كالزمان، فإنّ الحركة في
الكمّ القارّ كالحجم لا إشكال فيه إذ لا يعتبر في الحجم التدريج فيمكن أن يرد على
المتحرّك في كلّ آن فرد من الحجم لكن إن فرضنا الحركة في الكمّ غير القارّ كالزمان
فإنّه محال لأنّ معنى الحركة في الزمان أن يرد على المتحرّك في كلّ آن من آنات
الحركة فرد من الزمان و هذا محال؛ لأنّ الزمان لا يقع في الآن، فإنّ الحركة في
السنة مثلاً معناها أن يرد على المتحرّك في كلّ آن سنة، لكن وقوع السنة في الآن
محال، فالحركة من هذه السنة إلى سنة اخرى محال.
هذا إشكال ثان على الحركة في الفعل و الانفعال مثلاً؛ و توضيحه: أنّ المتحرّك في
كلّ حدّ من حدود المسافة لا يمكن أن يستقرّ أكثر من آن واحد، إذ لو استقرّ في حدّ
من حدود المسافة أكثر من آن واحد لانقطعت الحركة فصار المتحرّك ساكنا، هذا خلف.
إذا عرفت هذا نقول: إنّ حدود المسافة إن لم تكن من الأمور الممتدّة المتدرّجة بل
كانت من آنيّات الوجود، فواضح أنّ المتحرّك لا يستقرّ أكثر من آن واحد في كلّ حدّ
بل المتحرّك بمجرّد الوصول إلى كلّ حدّ يخرج عنه إذ ليس في كلّ حدّ من الحدود
امتداد حتّى يحتاج إلى الزمان في العبور عنه فإذن آن الوصول إليه هو بعينه آن
الخروج عنه، أمّا إن كانت حدود المسافة من الأمور الممتدّة المتدرّجة فواضح أنّ
المتحرّك يستقرّ في كلّ حدّ من الحدود أكثر من آن واحد، لأنّ لكلّ حدّ امتدادا على
الفرض فآن الوصول إليه ليس بعينه آن الخروج عنه، فإذن لابدّ من زمان مّا حتّى يعبر
المتحرّك عن ذلك الحدّ فيستقرّ المتحرّك في كلّ حدّ أكثر من آن واحد فصار ساكنا فيه
كما تقدّم في المقدّمة هذا خلف؛ و الأمر في مقولة الفعل و الانفعال من هذا القبيل،
لأنّ الحدود المفروضة في مقولة الفعل مثلاً اِن لم تكن ممتدّة متدرّجة فالعبور من
حدّ إلى حدّ آخرليس حركة في مقولة الفعل، لأنّ تلك الحدود ليست متدرّجة على الفرض
فليست من أفراد المقولة المفروضة حتّى يرد على المتحرك في كلّ آن فرد منها و إن
كانت ممتدّة متدرّجة لزم سكون المتحرّك كما تقدّم، فإذن لازم الحركة في الحركة هو
السكون و الإمعان في الحدود.
قالوا: «لو وقعت حركة في الجوهر و اشتداد و تضعّف و ازدياد و تنقّص، فإمّا أن يبقى نوعه في وسط الإشتداد مثلاً أو لا يبقى، فإن كان يبقى نوعه فما تغيّرت الصورة الجوهريّة في ذاتها بل إنّما تغيّرت في عارض فيكون استحالة لا تكوّنا و إن كان الجوهر لا يبقى مع الإشتداد مثلاً فكان الإشتداد قد أحدث جوهرا آخر و كذا في كلّ آن يفرض للإشتداد يحدث جوهرا آخر».(1)
اعلم أنّ القدماء اعتقدوا أنّ الحركة تقع في أربع مقولات و هي الكيف و الكمّ و الأين و الوضع؛ ثمّ أضاف صدر المتألّهين إلى الأربعة المذكورة الحركة الجوهريّة فصارت خمسة ثمّ المصنّف رحمهالله قد ناقش فيما قال الجمهور و اعتقد بوقوع الحركة في جميع المقولات فهو أوّل فيلسوف (فيمن نعلم) صرّح بوقوع الحركة في جميع المقولات.
مثال الأوّل: حركة جالس السفينة، فإنّه اتّصف حقيقة بالحركة الأينيّة لكن بتبع حركة السفينة. و مثال الثاني: حركة الأبيض فإنّ الأبيض اتّصف بالحركة الأينيّة مثلاً بالعرض و المجاز؛ لأنّ الأبيض بما هو أبيض لا بما هو جسم، لا مكان له حتّى يتحرّك فيه حقيقة، بل الحركة للجسم فتنسب إلى الأبيض مجازا لاتّحاده مع الجسم.
1. الأسفار: 3 / 85.
إنّ لهذا البرهان مقدمتين منتظمتين على الشكل الأوّل هكذا:
الطبائع والصور النوعيّة علّة قريبة للأعراض المتغيّرة و العلّة القريبة للمتغيّر
متغيّرة، ينتج أنّ الطبائع و الصور النّوعيّة متغيّرة؛ أمّا الصغرى فسيأتي بيانها
في الفصل العاشر، و أمّا الكبرى فلأنّ العلّة لو كانت ثابتة لصار المعلول ثابتا
بثبات العلّة و إلاّ تخلّف المعلول عن علته و هو محال.
أقول: يرد على هذا البرهان أنّه سلوك من المعلول إلى العلّة و قد تقدّم في أوّل
الكتاب أنّ السلوك من المعلول إلى العلّة لايفيد اليقين.
هذه إشارة إلى ما مرّ في الفصل السادس من أنّ الوجود الذي يقع فيه الحركة هو الوجود الناعت، أمّا الوجود في نفسه و كذا الماهيّة المنتزعة عنه لا تقع فيهما الحركة؛ لأنّ التشكيك في الماهيّة باطل عندهم.
كالنّفس فإنّها فاعلة قريبة للحركات الإراديّة عند بعض.
فإنّ الغاية مطلوبة للطبيعة، فهذا الطلب الجبليّ يوجب السلوك إلى الغاية المطلوبة خطوة مثلاً، فإذا قرب المتحرّك إلى الغاية خطوة اشتدّ ذلك الطلب الجبليّ، فيوجب السلوك إلى الغاية خطوة ثانية و هكذا حتّى يصل المتحرّك إلى الغاية المطلوبة.
فإنّ القاسر يوجب تحقّق طبيعة جديدة في الجسم، فهذه الطبيعة المقسورة توجب الحركة خطوة مثلاً لكن مصادفة الهواء مثلاً و مقاومته توجب مرتبة من الضعف، فيها فالطبيعة المقسورة المضعّفة بالهواء توجب الحركة خطوة ثانية لكن مقاومة الهواء توجب أيضا مرتبة من الضعف فيها و هكذا كلّ ما تحقّق خطوة من الحركة ضعفت الطبيعة المقسورة و اشتدّت المقاومة حتّى توجب اشتداد المقاومة زوال الطبيعة المقسورة، فيسكن المتحرّك.
لمّا استشكل بأنّه إذا وجب أن يكون علّة المتجدّد متجدّدة ننقل الكلام في تجدّد
علّته و هكذا في تجدّد علّة علّته فيؤدّي ذلك إمّا إلى التسلسل أو الى الدور أو إلى
التغيّر في ذات الواجب، أجاب عنه بأنّ سلسلة المتجدّدات تنتهي إلى متجدّد بالذّات و
هو الطبيعة الجوهريّة و حينئذٍ لا يبقى الإشكال .
بيان ذلك: تقدّم أنّ معيار الإحتياج إلى العلّة هو الإمكان فبناءاً على هذا نقول إن
كانت نسبة ثبوت التجدّد إلى منعوته الذي هو المتجدّد، بالإمكان فواضح أنّ ثبوته
لمنعوته يحتاج إلى علّة موجبة كما في الحركات الأينيّة فإنّ ثبوت الحركة من مكان
إلى مكان آخر للجسم ممكن الوقوع و اللاوقوع، فيحتاج إلى علّة توجب الوقوع أمّا إن
كان نسبة التّجدّد إلى منعوته بالوجوب و الضرورة فواضح أنّ ثبوته لمنعوته لا يحتاج
إلى العلّة؛ لأنّ الوجوب و الضرورة ملاك الغناء عن العلّة كما تقدّم في محلّه، و
التجدّد بالنسبة إلى الطبيعة الجوهريّة من هذا القبيل؛ لأنّ تجدّد الجوهر عين
الطبيعة المتجدّدة كما سيأتي توضيحه، فيكون نسبة التجدّد إلى الطبيعة الجوهريّة
عبارة عن نسبة الشيء إلى نفسه و نسبة الشيء إلى نفسه بالوجوب و الضرورة كما هو
واضح؛ فإذن ثبوت التجدّد للطبيعة الجوهريّة لايحتاج إلى العلّة حتّى يقال: إنّ علّة
المتجدّد يجب أن تكون متجدّدة، و بتلك الطبيعة المتجدّدة بالذّات تنتهي سلسلة
المتجدّدات و هو المطلوب. ثمّ بتلك الطبيعة المتجدّدة بالذات يحصل الارتباط بين
المتغيّرات المادّيّة والثابتات المجردّة.
بيان ذلك: أنّ للطبيعة مع كونها متجدّدة حيثيّة ثبات، إذ لو لم تكن ثابتة بوجه من
الوجوه لزالت الطبيعة بجميع حيثيّاتها في ابتداء حركتها فلم يبق منها شيء حتّى يقال
إنّها في حال الحركة؛ ثمّ إنّ حيثيّة ثباتها عين حيثيّة تجدّدها مصداقا و إلاّ كان
هناك شيئان متغايران وجودا، إحدهما محض تجدّد و ثانيهما محض ثبات فيلزم المحذور
السابق أيضا، فهذه الطبيعة الثابتة المتجدّدة بما هي ثابتة تصدر عن المبدأ الثابت و
ترتبط به و بما هي متجدّدة ترتبط إليها تجدّد المتجدّدات و حدوث الحادثات، و هذا
نظير الصادر الأوّل، فإنّ في الصادر الأوّل حيثيّتين: حيثيّة الفاعليّة و حيثيّة
المعلوليّة و هما متّحدتان وجودا، فإنّ المعلوليّة صادقة على نفس الحيثيّة الّتي
بها صار فاعلاً للصادر الثاني، إذ كلّ شيء معلول للواجب و هاتان الحيثيّتان و إن
كانتا متّحدتين وجودا إلاّ أنّ الّتي توجب الإرتباط بين الصادر الأوّل و ما فوقه هي
حيثيّة معلوليّته لا حيثيّة فاعليّته و إلاّ لزم أن يكون الواجب مرتبطا بما فوقه،
إذ معيار الارتباط بما فوق و هو الفاعليّة موجود فيه و هو باطل بالضرورة ، و الّتي
توجب الإرتباط بين الصادر الأوّل و ما دونه حيثيّة فاعليّته لا حيثيّة معلوليّته و
إلاّ لزم أن يكون المعلول الأخير مرتبطا بما دونه، إذ معيار الإرتباط بما دون و هو
المعلوليّة موجود فيه و هو باطل بالضرورة و إلاّ لم يكن المعلول الأخير معلولاً
أخيرا؛ فإذن ثبت أنّ حيثيّة الفاعليّة و حيثيّة المعلوليّة و إن كانتا متّحدتين
وجودا إلاّ أنّ الأولى مصحّحة لإرتباط الصادر الأوّل بما دونه و الثانية مصحّحة
لارتباطه بما فوقه و ما نحن فيه من هذا القبيل.
توضيحه: أنّ وجود الأعراض في نفسها ثابت لغيرها لا لنفسها فهي ناعتة لغيرها لا
لنفسها و منعوتها غيرها لا نفسها، فوجود التجدّد إن كان من الحقائق العرضيّة كان
وجوده في نفسه ثابتا لغيره لا لنفسه، فهو ناعت لغيره لا لنفسه و منعوته غيره لا
نفسه فالناعت و المنعوت متغايران، فإذن إيجاد المتجدّد أي الجسم الذي يصير منعوتا
بالتجدّد ليس بعينه إيجادا للتجدّد بل يحتاج هنا إلى جعلين جعل للجسم و هو المنعوت
و جعل لتجدّد الجسم و هو نعته، فالتجدّد هنا يحتاج إلى سبب مستقلّ و سبب التجدّد
يجب أن يكون له التجدّد كما تقدّم؛ مثلاً إيجاد الجسم ليس بعينه إيجادا للحركة
الأينيّة بل حركته الأينية تحتاج إلى سبب آخر (كما تقدّم في الحاشية السابقة).
أمّا الجواهر فإنّ وجودها في نفسها ثابت لنفسها فهي ناعتة لنفسها لا لغيرها و
منعوتها نفسها لا غيرها فالناعت و المنعوت هنا شيء واحد، فإذن لايحتاج هنا إلى
جعلين، فوجود التجدّد إن كان من الحقائق الجوهريّة كان وجوده في نفسه ثابتا لنفسه
لا لغيره، فهو ناعت لنفسه لا لغيره و المنعوت بالتجدّد نفس التجدّد لا الموضوع كما
في الأعراض، فإذن إيجاد المتجدّد هنا عين إيجاد التجدّد فلا يحتاج هنا إلى سبب آخر
حتّى يجعل الجوهر متجدّدا كالأعراض .
أي إنّ تجدّد اللون لايكون ناعتا لنفس اللون بل يكون ناعتا لموضوع اللون.
يمكن أن يكون إشارة إلى إشكال و هو أنّ لوجود الأعراض و الجواهر اعتبارين ـ كما
تقدّم ـ : وجودها في نفسها و وجودها لمنعوتها الذي هو الوجود الناعت.
إذا تذكّرت هذا نقول: إن كان المجعول بالأصالة الوجود في نفسه و المجعول بالتبع
الوجود الناعت لا يتمّ صغرى البرهان؛ لأنّ وجود الأعراض المتجدّدة في نفسها ثابت لا
متغيّر كما تقدّم في الفصل السادس فلا يحتاج إلاّ إلى علّة ثابتة؛ لأنّ المعلول و
هو الوجود في نفسه ثابت على الفرض و وجودها لموضوعاتها و إن كان متجدّدا لكن لا
يكون متعلَقا للجعل حتّى يحتاج إلى علّة متغيّرة.
و إن كان المجعول بالأصالة الوجود الناعت و المجعول بالتبع الوجود في نفسه، كان
اللازم منه أنّ الجواهر بما هي متجدّدة ، مجعولة بالأصالة و بما هي ثابتة ، مجعولة
بالتبع لأنّ الجعل على الفرض يتعلّق أصالة بالوجود الناعت الذي هو متجدّد لا
بالوجود في نفسه الذي هو ثابت فإذا تعلّق الجعل بوجود الجواهر بما هي متجدّدة لا
بما هي ثابتة وجب أن يكون الجاعل متجدّدا أيضا؛ لأنّ علّة المتجدّد متجدّدة كما
تقدّم، فيختلّ بذلك مسألة ربط المتغيّر بالثابت.
فإن قلت: ما المانع أن يكون المجعول بالأصالة في الجواهر الوجود في نفسه و المجعول
بالتبع الوجود الناعت و في الأعراض بالعكس؟
قلت: تقدّم أنّه في كلّ آن يرد علي المتحرّك نوع من المقولة مباين للنوع السابق و
للنوع اللاحق و تقدّم أيضا أنّ النوع ينتزع من الوجود في نفسه، فاذن يتحقّق في كلّ
آن وجود في نفسه مباين للوجود السابق و للوجود اللاحق .
إذا عرفت هذه نقول: إمّا أن يكون تلك الوجودات متّصلة و إمّا أن لا تكون متّصلة؛
فإن لم تكن تلك الوجودات متّصلة لزم أن لا يكون هنا حركة؛ لأنّ الحركة متّصلة
ممتدّة و إن كان تلك الوجودات متّصلة لزم أن يكون في قطعة من الحركة الجوهريّة
أفراد غير متناهية بالفعل؛ لأنّ كلّ متّصل ينقسم إلى غير النهاية، فلو فرض أنّ
المجعول بالأصالة هو الوجود في نفسه، لزم أن يكون تلك الأفراد غير المتناهية موجودة
بالفعل و هي بين الحاصرين و هو محال.
توضيحها: أنّ وجود العرض في نفسه عين وجوده لموضوعه بمعنى أنّ ارتباط وجود العرض
بموضوعه و حاجته إليه ليس أمرا عارضا على وجود العرض بل كان عين وجوده، إذ لو كان
ارتباط العرض بموضوعه و حاجته إليه عارضا على وجود العرض لكان وجود العرض في مرتبة
ذاته غير محتاج إلى موضوعه، فليس العرض عرضا في ذاته؛ و بعبارة أخرى: ما فرضناه
عرضا ليس عرضا حقيقة بل هو عرض بالعرض و هذا خلف، فإذن ثبت أنّ وجود العرض عين
الحاجة إلى موضوعه الجوهريّ.
فإذا ثبت أنّ وجود العرض عين الحاجة و محض الفقر ثبت أنّ العرض بتمام هويّته و
بجميع حيثيّاته المنطبقة عليه فقير إلى موضوعه، فلا يوجد فيه حيثيّة مستقلّة أصلاً
و إلاّ كان وجود العرض محتاجا إلى موضوعه في بعض حيثيّاته فقط، فلا يكون وجود العرض
عين الحاجة بل الحاجة حيثيّة من حيثيّاته و جزء من أجزائه و هذا خلف أيضا.
إذا عرفت هذا نقول: لو كان العرض متحرّكا و لم يتحرّك موضوعه الجوهريّ لكان معناه
أنّ للعرض حيثيّة مستقلّة و هي حيثيّة حركته، لكن التالي باطل لما تقدّم أنّ وجود
العرض لا حيثيّة مستقلّة فيه أصلاً، بل كلّ حيثيّة توجد فيه، فهي ثابتة له بعين
ثبوت تلك الحيثيّة لموضوعه، لا بثبوت مستقلّ عن حيثيّة موضوعه، فإذن العرض إذا
تحرّك تحرّك بعين حركة موضوعه، فموضوعه الجوهريّ متحرّك لا محالة و هو المطلوب.
فإن قلت: غاية ما يلزم من هذا البيان هو أنّ حركة العرض مفتقرة إلى حركة موضوعه
الجوهريّ لا مستقلّة عنها، أمّا أنّ العرض متحرّك بعين حركة موضوعه فلا يلزم ممّا
تقدّم.
قلت: ليس الأمركما توهّم بل هذا البيان وافٍ بهذا المطلوب لأنّ شيئيّة حركة العرض
لو كانت مغايرة لشيئيّة حركة موضوعه لكان حركة العرض في تذوّتها و شيئيّتها مستقلّة
عن شيئيّة موضوعه و من المعلوم أنّ الاستقلال بوجه مّا ينافي الفقر من كلّ وجه.
هذا غاية ما يمكن في توجيه هذه الحجة، لكن يرد عليها نظير ما أوردناه على الحجّة
الأولى؛ توضيحه: أنّ حركة العرض إذا كانت ثابتة بعين ثبوت حركة الجوهر و كانت حركة
الجوهر مشكوكة كما هو مقتضى الاستدلال عليها، كانت مشكوكة و المشكوك لا يفيد
اليقين، فهذه الحجّة كالحجّة الأولى لا يفيد اليقين بالمطلوب.
هذا في الصور الطوليّة كما سيأتي في الفصل التالي، فإنّ فيها حركتين: الأولى حركة الصورة المتبدّلة في كلّ آن و سيلانها، فإنّ للجوهر حركة توجب أن يرد على المادّة في كلّ آن صورة جوهريّة متبدّلة إلى صورة أخرى و الثانية حركة المادّة المتجدّدة في كلّ آن و اشتدادها، فإنّ كلّ صورة لاحقة بعد لحوقها على المادّة السابقة تصير من مراتب وجود المادّة السابقة، فتشتدّ بذلك المادّة آنا فآنا.
سواء كانت من الأعراض الأربعة الّتي قال الجمهور بوقوع الحركة فيها أو من الأعراض الباقية.
لأنّ وجود الأعراض من شؤون وجود موضوعاتها الجوهريّة و من مراتبه كما تقدّم، فسيلان موضوعاتها الجوهريّة يوجب سيلان الأعراض كلّها.
لأنّ نسبة لازم الشيء إليه بالوجوب و الوجوب ملاك الغناء عن العلّة، فلا يحتاج إلى العلّة حتّى يحتاج إلى الجعل، فالموضوعات السيّالة تجعل الأعراض اللازمة السيّالة من غير احتياج إلى جعل و جاعل آخر فتدبّر.
إذا استقرّ جسم في مكان «الف» مثلاً فهو بحسب النظر البدويّ ساكن فيه لكنّه
حقيقة متحرّك بالحركة الأينيّة؛ لأنّ ذلك الجسم متحرّك بالحركة الجوهريّة، فيتجدّد
آنا فانا، فالهيأة الحاصلة من نسبة ذلك المتجدّد إلى مكان «الف» (و هي الأين)
متجدّدة، فللجسم حركة أينيّة بتبع حركته الجوهريّة، ثمّ إذا سنح لذلك الجسم حركة
أينيّة أخرى بخروجه من مكان «الف» إلى مكان «ب» مثلاً يجب أن تكون هذه الحركة
الأينيّة الثانية من قبيل الحركة في الحركة؛ لأنّ هذه الحركة وقعت في الأين الّذي
قد وقعت فيــه الحركة بتبع حركة موضوعه الجوهريّ، فهذه حركة أينيّة في حركة أينيّة
أخرى.
و ببيان آخر: إنّ الأين عبارة عن هيأة حاصلة من نسبة الشيء إلى المكان، فالنسبة
مأخوذة في حقيقة الأين ثمّ إنّ النسبة تابعة في ثباتها و تجدّدها لطرفيها؛ لأنّها
متقوّمة بهما، فإذا تجدّد أحد طرفيها كالجسم في جوهره تجدّد النسبة و الهيأة
الحاصلة من النسبة المتجدّدة بتجدّد الجسم، ثمّ إذا تجدّد طرفها الاخر و هو المكان
مضافا إلى تجدّد الجسم تجدّد النسبة (الّتي هي متجدّدة بتجدّد الجسم) بتجدّد طرفها
الاخر، أي المكان، فهذه تجدّد و حركة ثانية تقع في تجدّد و حركة أولى ثمّ أمر
الحركة في الحركة في مقولة الوضع على هذا القياس و كذا الأمر في الكمّ و الكيف،
فإنّ الجسم إذا تحرّك بالحركة الجوهريّة فكمّه متجدّد بتجدّد الجسم فهذه حركة
كمّيّه بتبع حركته الجوهريّة (و ان لم يكن هناك زيادة في أقطار الجسم)، ثمّ إذا
تحرّك الجسم في كمّه بالزيادة في أقطاره يجب أن يكون هذه الحركة من قبيل الحركة في
الحركة، لأنّ هذه حركة كمّيّة وقعت في حركة كمّيّة أخرى.
هذا هو الإشكال الذي قد ورد على الحركة في الحركة و تقدّم توضيحه مفصلاً في الفصل السابع و حاصله: لابدّ في الحركة من أفراد آنية الوقوع حتّى يرد على المتحرّك في كلّ آن فرد منها، إذ لو لم يكن كذلك بأن يبقى الفرد المحقّق في هذا الآن مثلاً أكثر من آن واحد لانقطعت الحركة و صار المتحرّك ساكنا، هذا خلف، لكن لا يمكن أن توجد الأفراد الآنية في الحركة في الحركة؛ لأنّ المقولة الّتي تقع فيها الحركة تدريجيّة فلا فرد آنيّ الوقوع لها حتّى يرد في كلّ آن فرد منها فيمتنع الحركة فيها.
هذا أيضا هو الإشكال الثانيالذي تقدّم توضيحه في الفصل السابع و حاصله: أنّ
المتحرّك في كلّ حدّ من حدود المسافة لا يمكن أن يستقرّ أكثر من آن واحد و إلاّ صار
ساكنا فيه.
ثمّ الحدود إن لم تكن ممتدّة فواضح أنّ المتحرّك لا يستقرّ أكثر من آنٍ واحد فيها،
فآن الوصول إليها هو بعينه آن الخروج عنها، و إن كانت ممتدّة فواضح أنّ المتحرّك
يستقرّ أكثر من آن واحد فيها؛ لأنّ كلّ واحد منها ممتدّ تدريجيّ على الفرض، فآن
الوصول إليه ليس بعينه آن الخروج عنه، فإذن لابدّ للمتحرّك أن يستقرّ في كلّ حدّ
أكثر من آن واحد و هذا هو السكون و الإمعان في الحدود، و الحركة في الحركة من هذا
القبيل؛ لأنّ المقولة الّتي تقع فيها الحركة، نفسها من سنخ الحركة، فالأفراد
المفروضة فيها ممتدّة تدريجيّة، فالعبور من فرد منها إلى فرد آخر عبارة عن الحركة
في الأجزاء و الحدود التدريجيّة و هو يستلزم السكون كما تقدّم.
توضيحه يتوقّف علي أمرين:
الأوّل: إنّ للمقولات السيّالة كالفعل و الانفعال أفرادا آنية كسائر المقولات؛ لأنّ
السيلان و التدرّج لا يؤخذ في ماهيّتيهما، إذ لو أخذا في ماهيّتيهما لزم التشكيك في
الماهيّة و هو باطل عندهم، فلمّا لم يكن التدرّج مأخوذا في ماهيّتيهما جاز أن يكون
لهما أفراد آنيّة الوقوع كما جاز أن يكون لهما وجودات سيّالة.
فإن قلت: إنّهم عرّفوا مقولة الفعل مثلاً بأنّها هيأة حاصلة في المؤثّر من تأثيره
مادام يؤثّر، فاعتبروا التدرّج (الظاهر من قولهم مادام) في مفهوم المقولة، فكيف
يمكن وقوع الأفراد الانية منها؟
قلت أوّلاً إنّ هذا التعريف ليس حدّا للمقولة، لأنّ المقولات بسائط فلايمكن أن يكون
لها تعاريف حدّيّة، فالتدرّج ليس ذاتيّا لمقولة الفعل حتّى لا يمكن وقوعها بدون
التدرّج.
و ثانيا إنّ الظاهر من اعتبار التدرّج في مقولة الفعل مثلاً الاحتراز عن التأثير
الإبداعىّ، أي التأثير الذي يتحقّق بدون وقوع الحركة في الفاعل كتأثير الواجب في
العقل الأوّل أمّا التأثيرات الآنيّة الّتي لا تتحقّق إلاّ بالحركة (لأنّ التأثير
الآنيّ حاصل من انقطاع الحركة، فهو لا يتحقّق إلاّ بالحركة) فالتعريف شامل لها؛ و
هذا نظير ما قاله الحكماء في «المتى»، فانّهم بعد ما عرّفوا «المتى» بأنّها هيأة
حاصلة من كون الشيء في الزمان، قالوا: كون الشيء في الزمان أعمّ من كونه فيه و من
كونه في حدّ منه و هو الآن، فالمتى الآنيّ من أفراد مقولة المتى و كذا التأثير و
التأثّر الآنيّان من أفراد مقولتي الفعل و الانفعال، فإذن يمكن تحقّق أفراد آنيّة
للفعل و الإنفعال و المتى كسائر المقولات.
الثاني إذا فرضنا حركة في مقولة الفعل مثلاً، فلوجود المقولة حركتان: حركة نفس
المقولة و حركة عارضة على المقولة؛ ثمّ كلّ حركة منهما إذا انقسم حصل لأجزائها
المفروضة أفراد آنيّة، فالحركة العارضة إذا انقسمت حصل لها أفراد آنيّة بحسبها لكن
هذه الأفراد الآنية ، لها تدرّج بحسب الحركة المعروضة و لا ضير فيه، فإنّ كون الشيء
آنيّا من جهة لا ينافي تدرّجه من جهة أخرى كما أنّ عدم الانقسام من جهة لا ينافي
الانقسام من جهة أخرى فإنّ، ثلاث عشرات مثلاً إذا انقسم إلى عشرة وعشرة و عشرة لا
ينقسم كلّ عشرة من حيث كونها عشرة و إن انقسمت من حيث الآحاد الموجودة فيها و كذا
الأفراد الآنية من الحركة العارضة ليست متدرّجة بحسب الحركة العارضة، لكنّها
متدرّجة بحسب الحركة المعروضة، و هذا نظير جالس السفينة المتحرّكة، فإنّ جالس
السفينة المتحرّكة إذا تحرّك، له حركتان، حركة من نفسه و حركة بتبع السفينة، فاذا
انتهت حركة نفسه حصل له فرد آنىّ بحسب حركة نفسه و إن كان هذا الفرد الآني متدرّجا
بحسب الحركة الّتي حصل له بتبع حركة السفينة.
إذا عرفت هذين نقول: إنّ الإشكال الأوّل على الحركة في الحركة مندفع، لأنّ حاصله هو
أنّ الحركة لابدّ فيها من أفراد آنيّة الوقوع لكن لا توجد في المقولات السيّالة
أفراد آنية الوقوع، و الجواب: أنّ كلّ حركة لابدّ فيها من أفراد آنيّة الوقوع
بحسبها و هي موجودة في الحركة في الحركة، لأنّه يوجد هناك حركتان، حركة عارضة و
حركة معروضة؛ و الحركة العارضة يمكن انقسامها فيحصل لها أوّلاً أفراد آنيّة بحسبها
و إن كانت متدرّجة بحسب الحركة المعروضة، ثم الحركة المعروضة أيضا يمكن انقسامها
ثانيا فيحصل لها أفراد آنيّة بحسبها، فإذن حصل في الحركة في الحركة الأفراد الآنيّة
الوقوع بحسب كلّ حركة فلا إشكال في الحركة في الحركة.
هذا جواب للإشكال الثاني و توضيحه يتوقّف علي مقدّمة و هي: أنّ حركة كلّ مقولة
ليست صفة زائدة على وجود المقولة بل حركة المقولة عين وجودها؛ لأنّ الحركة تجدّد
وجود المقولة كما تقدّم بمعنى أن يرد على المتحرّك في كلّ آن فرد من المقولة، فلو
كانت الحركة صفة زائدة على وجود المقولة لكانت الحركة تجدّدا لنفسها لا تجدّدا
للمقولة أي إنّ نفس المقولة لا تتجدّد أفراده آنا فآنا بل صفتها الزائدة عليها
تتجدّد آنا فآنا، هذا خلف، فإذن ثبت أنّ حركة المقولة هي عين وجود المقولة.
إذا عرفت هذه نقول:إن وقعت الحركة في مقولة سيّالة كالفعل مثلاً وجب أن تكون حركة
المقولة موجودة بعين وجود المقولة؛ ثم لمّا كانت المقولة المعروضة سيّالة قبل عروض
الحركة، جاز أن ينقسم بسبب سيلانها إلى أفراد آنيّة، فهذه الأفراد حدود آنيّة لنفس
المقولة، لكن وجود الحركة عين وجود المقولة و ليس زائدا عليه كما تقدّم، فيجب أن
يكون حدود المقولة الآنيّة حدودا لحركة المقولة أيضا فللحركة حدود آنيّة و إذا كان
لها حدود آنيّة يندفع الإشكال، لأنّ حدود الحركة فيها ليست ممتدّة بل آنيّة الوقوع
نهاية، فآن الوصول إلى كلّ حدّ هو بعينه آن الخروج عنه، فلا يستلزم الحركة في
الحركة السكون و الإمعان في الحدود.
نعم لمّا كان حدود المسافة في الحركة العارضة ممتدّة (بحسب الحركةالمعروضة) ثمّ
تنتهي إلى حدود آنيّة احتاج المتحرّك في العبور عن تلك الحدود الممتدّة إلى زمان
مّا، لأنّ آن الوصول إلى كلّ حدّ منها ليس بعينه آن الخروج عنه و هذا هو السبب لبطؤ
الحركة.
ببيان آخر: إنّ هناك حركتين متّحدتين في الوجود كما تقدّم و اتّحادهما في الوجود
يستلزم اتّحاد لوازمهما، فإذا فرضنا للحركتين مسافة واحدة فلابدّ أن يصير زمانهما
المتّحد أكثر أو أقلّ و إلاّ لا يتفاوت حال الحركتين بعد الاتّحاد و قبله مع أنّه
لابدّ بعد الاتّحاد من تغيّر مّا بالضرورة، فحينئذٍ إن صار زمانهما المتّحد أكثر،
صارت حركتهما المتّحدة أبطأ، و إن صار زمانهما المتّحد أقلّ صار حركتهما المتّحدة
أسرع و من هنا يعلم أنّ الحركة لا تكون سببا للبطؤ دائما بل بعض أنواعها موجب
للسرعة و لذا يُشاهد من قول المصنّف رحمهالله «من الجائز» نوع من الترديد، و مثال
ذلك: أنّا إذا فرضنا نقطة على سطح كرة ثمّ فرضنا حركة الكرة على محورها، فإنّ
النقطة تتبدّل نسبتها إلى نقطة في الخارج فهذه حركة في الوضع ثمّ إن فرضنا حركة
لتلك النقطة الخارجة ، في خلاف جهة حركة الكرة تحقّقت الحركة في الحركة؛ لأنّ أحد
طرفي نسبة النقطة الموجودة في الكرة متحرّك أوّلاً، فالوضع متحرّك ثمّ يصير طرفها
الاخر متحرّكا أيضا، فهذه حركة عارضة على الحركة السابقة و هذه الحركة في الحركة
أسرع، لأنّ تبدّل نقطة سطح الكرة بالنسبة إلى النقطة الخارجة المتحرّكة أشدّ و
أكثر.
قوله: هو تركّب الحركة ...
ليس المراد من التركّب هنا التركّب الانضماميّ بأن يكون هناك حركة ثم تنضمّ إليها
حركة أخرى بوجود آخر، إذ ليس للشيء كمّان مثلاً حتّى يكون هناك حركة كمّيّة بتبع
حركة الجوهر و حركة كمّيّة أخرى عارضة على الحركة السابقة بل المراد منه التركّب
الاتّحاديّ (نظير اتّحاد الصور اللاحقة بموادّها السابقة) فإنّ الكمّ المتحرّك
بتحرّك موضوعه الجوهريّ إذا عرضت عليه حركة كمّيّة أخرى اتّحد معها وجودا.
إذ الهيولى قوّة محضة فلو كان لها خصوصيّة تتعيّن بها لخرجت عن كونها قوّة محضة هذا خلف.
لمّا كانت الهيولى صرف القوّة وجب أن تكون واحدة بالعدد، لأنّ صرف الشيء لا
يتثنّى و لا يتكرّر، فلو تعدّدت الهيولى لاحتاج كلّ منها إلى مميّز ذاتيّ و بذلك
يخرج كلّها عن صرافة القوّة هذا خلف، فإذن ثبت أنّ الهيولى واحدة بالعدد و إذا كانت
الهيولى واحدة بالعدد وجب أن يكون صورة العالم الجوهريّة واحدة بالعدد أيضا، لأنّ
تعدد الصور يلازم تعدّد الهيولى إذ الهيولى في وحدتها و كثرتها تابعة للصورة، فإذن
ثبت انّ عالم المادّة حقيقة واحدة؛ ثمّ لمّا ثبت أنّ الصورة الجوهريّة متحرّكة ثبت
أنّ عالم المادّة الّذيهو حقيقة واحدة، سيّال متوجّه من القوّة المحضة إلى الفعليّة
المحضة.
فإن قلت: غاية ما يثبت بما تقدّم وجود الحركة الجوهريّة في بعض الأجسام لا في كلّها
لعدم ثبوت الحركات العرضيّة في جميع الأجسام.
قلت: الحركة الجوهريّة ليست صفة زائدة على ذات المتحرّك المادّيّ حتّى يمكن فرض
الجوهر المادّيّ بدون حركته الجوهريّة بل الحركة الجوهريّة عين ذاته المتحرّكة؛
لأنّ الصورة السيّالة الجوهريّة وجودها في نفسها عين وجودها لنفسها، فهي ناعتة
لنفسها، لا لغيرها، فالذوات الجوهريّة المادّيّة حركة و متحرّكة بوجود واحد، ففرض
سلب الحركة الجوهريّة عن الذوات المادّيّة مساوق لنفي ذواتها المادّيّة فلا يوجد
جوهر مادّي ساكن، و ببيان آخر: إنّ الحركة عين الجوهر المادّي المتحرّك فلو كان
هناك جوهر مادّيّ ساكن للزم أن لا تكون الحركة عين الجوهر المادّيّ المتحرّك، لأنّ
الجوهريّة المادّيّة مشتركة بينهما و الحركة غير مشتركة بينهما و غير المشترك غير
المشترك .
فإن قلت: غاية ما يلزم ممّا تقدّم هو أنّ العالم المادّيّ متحرّك متوجّه من النقص
إلى الكمال فما الدليل أنّه على متوجّه إلى الفعليّة المحضة و ما الدليل على أنّه
يصل إلى هذه الغاية النهائيّة؟
قلت: أمّا أنّه متوجّه إلى الفعليّة المحضة فلانّ الهيولى قوّة محضة ففيها استعداد
كلّ فعليّة، فلو لم يكن العالم المادّيّ متوجّها إلى الفعليّة المحضة لكانت
الإستعدادات الموجودة في هيولى العالم باطلة ضائعة و هو ينافي حكمته تعالى.
و أمّا أنّه واصل إلى الفعليّة المحضة، فلأنّ المتحرّك لا يصل إلى غايته المطلوبة
بسبب موانع و عوائق مزاحمة و الموانع موجودة في متن العالم المادّيّ فقط أمّا
العالم المادّي جملة الذي هو قافلة واحدة فلا مانع له من خارجه حتّى يمنعه عن
الوصول إلى كماله النهائيّ، فإذن ثبت أنّ العالم السيّال المادّيّ متوجّه و متحرّك
إلى دار القرار و سيصل إلى دار البقاء «يا قوم إنّما هذه الحيوة الدنيا متاع و إنّ
الاخرة هى دار القرار».(1)
1. سورة الغافر، الآية 39.
لمّا كانت الصورة السابقة و الصورة اللاحقة ممّا لاتجتمعتان (لأنّ السابقة في عرضاللاحقة) وجب ان تُخلع الصورة السابقة عن المادّة عند لحوق الصّورة الجديدة، فلا تصير الصورة السابقة عند لحوق الصورة الجديدة من مراتب وجود المادّة، فلذا لا يتحقّق اشتداد في وجود المادّة بل المادّة في طول الحركة ثابتة فهي في آخر الحركة عين ما كانت في أوّل الحركة من دون اشتداد فيها، مثلاً الصورة الجماديّة و الصورة النباتيّة لاتجتمعتان فإذا تحرّك التراب و هو الجسم الجامد إلى النبات و هو الجسم النامي تُخلع الصورة الجماديّة عن الجسم و هو الموضوع و تأتي مكانها الصورة النباتيّة فيصير جسما ناميا و المادّة عند الصّورة الجماديّة و النباتيّة واحدة وهي الجسم.
لأنّ الصورة السابقة عند لحوق الصورة الجديدة لا تُخلع عن المادّة، لأنّ الصورة الجديدة في طول الصورة السابقة فهما ممّا تجتمعان، بل مادّة الصورة السابقة و الصورة السابقة معا تصيران مادّة للصورة الجديدة فعند اشتداد الصورة آنا فآنا اشتدّت المادّة آنا فآنا و لذا كانت الحركة في هذا القسم مركّبة من اشتدادين اشتداد نفس الصورة بتجدّدها آنا فآنا و اشتداد المادّة بسبب لحوق الصور بالمادّة آنا فآنا بخلاف الحــركة في القسم السابق، فإنّ فيها اشتدادا واحدا و هي اشتداد الصورة آنا فآنا.
لأنّ الصورة هي الفصل إن أخذت لا بشرط و الفصل الأخير محمول على الفصول و الأجناس السابقة فلكلّها وجود واحد فقط و إلاّ لا يمكن الحمل بينها.
قد عرفت أنّ لكلّ فعليّة لاحقة وجودا آخر قبلها لا يترتّب عليه آثارها، متّحدا
مع الفعليّة الموجودة و هذا هو الذي يسمّى قوّة بالنسبة إلى الفعليّة اللاحقة.
إذا تذكّرت هذا نقول: لو تحقّقت الحركة النزوليّة لكانت الفعليّة الموجودة قوّة
للفعليّة النازلة اللاحقة و الفعليّة النازلة نفسها قوّة للفعليّة الموجودة
المفروضة (و لذا قد تبدّلت فيما قبل إلى الفعليّة الموجودة المفروضة) فتصير
الفعليّة الموجودة قوّة لقوّة الفعليّة الموجودة، هذا بيان الملازمة، أمّا بيان
بطلان اللازم فلأنّه يلزم منه التناقض، لأنّ الفعليّة الموجودة باعتبار كونها
فعليّة لنفسها يجب أن يترتّب عليها آثارها و باعتبار كونها قوّة لنفسها يجب أن لا
يترتّب عليها آثارها و هو التناقض.
اعلم أنّ البرهان المذكور يثبت استحالة الحركة النزوليّة الّتي هي بمعنى تبدّل الفعليّة الموجودة إلى نفس الفعليّة السابقة الّتي هي حاملة لقوّة نفس الفعليّة الموجودة و أمّا الحركة النزوليّة الّتي هي بمعنى تبدّل الفعليّة الموجودة إلى فعليّة أخرى مشابهة للفعليّة السابقة في الضعف، فالبرهان المذكور لا يثبت استحالتها و ذلك لأنّ لازم الحركة النزوليّة بالمعنى الأوّل ، التناقض كما تقدّم أمّا الحركة النزوليّة بالمعنى الثاني لا تلزم منها التناقض، لأنّ فعليّة الشيء تجتمع مع قوّة غيره إذ مقتضي الفعليّة ترتّب آثارها و مقتضى قوّة الغير عدم ترتّب آثار الغير و من الضروريّ انّهما يجتمعان؛ و الإستدلال بأنّ الحركة هي الخروج من القوّة إلى الفعل و من النقص إلى الكمال فلا يمكن وقوع الحركة النزوليّة مطلقا، مندفع بأنّ غاية مايلزم من تعريف الحركة هو أنّ فعليّة كلّ قوّة متبدّلة يجب أن تكون أقوى و أكمل من نفس تلك القوّة المتبدّلة؛ أمّا أنّ الفعليّة اللاحقة يجب أن تكون أقوى و أكمل من الفعليّة السابقة الّتي هي حاملة لقوّة الفعليّة اللاحقه، لا يلزم من التعريف فإذن الحركة النزوليّة بالمعنى الثاني ممكنة بل واقعة فما يترائى من الحركة النزوليّة كالذبول حركة حقيقة لا حركة بالعرض.
لأنّ المجموع و الأبعاض مماثلان في طبيعة السيلان و حكم الأمثال فيما يجوز و لا يجوز واحد.
لأنّ الجزء بهذا المعنى آنىّ الوقوع؛ و الخروج من القوّة إلى الفعل ـ و هو
الحركة ـ تدريجيّ الوقوع.
و ذلك لما تقدّم أنّ وجود الجوهر في نفسه عين وجوده لنفسه، فالجوهر ناعت لنفسه لا لغيره فالحركة إذا كانت جوهريّة كانت ناعتة لنفسها، فإذن الحركة الجوهريّة في عين أنّها حركة ، متحرّكة و هذا نظير ما نقل عن بهمنيار من «أنّ الحرارة لو كانت جوهرا لكانت حارّة وحرارة معا» .
لأنّ المتحرّك عين الحركة كما تقدّم فلو كان المتحرّك موجدا للحركة للزم أن يكون المتحرّك موجدا لنفسه.
لمّا ثبت أنّ العالم المادّيّ حقيقة واحدة متحرّكة بالحركة الجوهريّة و ثبت أنّ المحرّك يجب أن يكون غير المتحرّك وجب أن يكون المحرّك خارجا عن العالم المادّيّ فيكون جوهرا مفارقا و هو المطلوب.
أي في الفصل السادس من المرحلة السادسة.
اعلم أنّ المدّعى هنا عبارة عن أنّ المحرّك في الحركات اللازمة العرضيّة ليس نفس
المتحرّك الذي هو موضوع الحركة و البرهان الذي ثبت به المصنّف هذا المدّعى هو أنّ
الموضوع لهذه الأعراض اللازمة موجود مادّيّ و الفاعل المادّيّ يحتاج في التأثير إلى
الوضع مع أن لا وضع بين الموضوع و عرضه اللازم فالموضوع لهذه الحركات و هو المتحرّك
لا يكون محرّكا لهذه الحركات و هو المطلوب.
أقول: في الدليل و المدّعى نظر، أمّا الدليل فلأنّ هذا الدليل متوقّف على قاعدة
«أنّ الفاعل المادّيّ يحتاج في التأثير إلى الوضع» لكن هذه القاعدة لم يتمّ برهانها
لما تقدّم في الفصل الخامس عشر من المرحلة الثامنة و المصنّف نفسه تلقّاها بنوع من
الترديد، ثمّ لو سلّم تماميّتها لا نسلّم أنّ هذه القاعدة جارية فيما إذا كان أثر
الفاعل عرضا من أعراض الفاعل، بل القاعدة تجري فيما يتعلّق أثر الفاعل بمنفعل مغاير
ذاته لذات الفاعل و لأنّ دليل القاعدة كان هكذا:«إنّ إيجاد الفاعل المادّيّ متفرّع
على وجوده و وجوده وجود وضعيّ فإيجاده أيضا وضعيّ»؛ و من الواضح أنّ كبرى هذا
الدليل صادقة فيما ذكرناه فقط إذ الوضع يتحقّق بين وجود الفاعل و الأشياء الخارجة
عنه لا بينه و بين أعراضه، فالوجود المادّيّ وضعيّ بالنسبة إلى الأشياء الخارجة عنه
لا بالنسبة إلى أعراضه؛ فإذن إيجاد الفاعل المادّيّ لأعراضه لا يكون وضعيّا؛ لأنّ
الإيجاد متفرّع على الوجود، فكما أنّ بين وجود الفاعل المادّيّ و أعراضه لا يتخلّل
الوضع، فكذلك بين إيجاده لأعراضه و أعراضه لا يتخلّل الوضع؛ و المؤيّد لما ذكرنا هو
أنّ الحكماء قالوا: إنّ الطبيعة فاعلة مباشرة للأعراض الأربعة السيّالة مع أنّه لا
يمكن تخلّل الوضع بين الطبيعة و أعراضها، فهذه المقالة منهم تكشف عن أنّ مجرى
القاعدة ما إذا تعلّق أثر الفاعل بمنفعل مغاير ذاته لذات الفاعل.
و أمّا المدّعى، فلأنّ الموضوع لولم يكن فاعلاً لعرضه اللازم لكان فاعله إمّا فاعل
الموضوع أو غيره، فإنّ كان فاعله فاعل الموضوع لزم صدور الكثير عن الواحد و هو باطل
و إن كان فاعله غير فاعل الموضوع أمكن انفكاك الملزوم عن لازمه، إذ من الممكن أن
يؤثّر فاعل الموضوع من دون أن يؤثّر فاعل العرض اللازم، فيتحقّق الملزوم بدون تحقّق
عرضه اللازم و هو محال .
فإن قلت: لو كان فاعل العرض اللازم نفس موضوعه للزم اتّحاد الفاعل و القابل و هو
محال.
قلت: أوّلاً إنّ اتحاد الفاعل و القابل محال فيما كان النسبة بين القابل و المقبول
بالإمكان و هذا الشرط منتف هنا، لأنّ النسبة بين اللازم و ملزومه بالوجوب و ثانيا
إنّ الموضوع يقبل العرض بمادته و يفعل العرض بصورته فلا اتّحاد بين القابل و
الفاعل.
الضمير «هي» راجع إلى المبدأ و أنّث باعتبار كون المبدأ هي الطبيعة. و احترز بما الموصولة عن المبادى الصناعيّة، فإنّها مبدأ للحركة لكن لا لحركة ما يكون المبدأ فيه، بل لحركة غيره، فإنّ القوّة المحرّكة في يد البنّاء مثلاً مبدأ لحركة يده ولحركة الآجر فهي بالنسبة إلى حركة اليد طبيعة و بالنسبة إلى حركة الآجر مبدأ صناعيّ، ثمّ إنّ الطبيعة ليست علّة تامّة للحركة و إلاّ لا يمكن أن تكون مبدأ للسكون بل هي علّة فاعلة للحركة أو السكون يحتاج تماميّتها إلى الأشياء الأخر.
أي كلّ واحد من الفاعلين المباشرين في القسم الأوّل و القسم الثانياللذين لا شعور لهما في فعلهما إمّا أن يكون فعله ملائما لنفسه بحيث لو خلّي و نفسه لفعله و هو الحركة الطبيعيّة و إمّا أن لا يكون كذلك و هو الحركة القسريّة و هذان قسمان من الحركة، فإذا أضيف إليهما الحركة النفسانيّة و هي الحركة الّتي يكون فاعلها ذا إرادة في فعله ، صارت الأقسام ثلاثة.
مثلاً إنّ للأجسام القابلة للامتداد كالتكّة (وهي رباط السراويل) كمّيّة بحسب طبيعتها، فإذا مددناها عرض لها كمّيّة غير ملائمة و هيأة منافرة لطبيعتها لكن طبيعتها طالبة لكمّيّتها الطبيعيّة فهذا الطلب الجبلّيّ في الطبيعة موجب لحركتها إلى كمّه الطبيعيّ.
فلا يلزم اتّحاد الفاعل و القابل من جهة واحدة.
فإن قلت: «يمكن أن يقال: إنّ القاسر بالذات أمر يدخل في المقسور و يبقى فيه
مادامت الحركة باقية و يؤيّده ما يقول علماء الفيزياء اليوم من انتقال الطاقة إلى
الجسم المتحرّك».
قلت: إنّ الطاقة بحسب التفسير الفلسفيّ إن كانت من الجواهر فذلك الجوهر ينطبق على
الطبيعة المقسورة، لأنّ الطبيعة الأولى قد بطلت و الحركة على خلاف مقتضاها؛ و إن
كانت من الأعراض فلابدّ أن يكون متجدّدا حتّى يكون سببا للحركة القسريّة فنقلنا
الكلام في تجدّدها فلابدّ أن ينتهي إلى ما هو متجدّد بالذات و هو الطبيعة كما تقدّم
بحثه في الفصل الثامن.
و ذلك لأنّ الزمان سيّال فيجب أن يكون موضوعه سيّالاً فليس الموضوع إلاّ الحركة، فإذن كلّما رفعنا الحركة ارتفع الزمان و إذا وضعناها ثبت.
فيه أنّ السيلان وعدم القرار إن كان لوجود الزمان كما هو الحق(1) لزم أن لا يكون
هذا التعريف ماهيّة للزمان، لأنّ الوجود زائد على الماهيّة و إن كان لماهيّته، لزم
التشكيك في الماهيّة و ذلك لأنّ السيلان في ماهيّة الزمان يوجب أن يكون تقدّم بعض
أجزاء الزمان على البعض بحسب نفس الماهيّة و هذا هو التشكيك في الماهيّة و هو باطل
عندهم.
فالحقّ أنّ الزمان ليس من الماهيّات، لأنّ الزمان من العوارض التحليليّة للحركة(2)
و العوارض التحليليّة لا وجود لها في الخارج إلاّ بنفس وجود معروضاتها، إذ لا
عارضيّة و لا معروضيّة بينها إلاّ بحسب الاعتبار الذهنيّ، فلا مصداق بالذات للزّمان
في الخارج حتّى ينتزع عنه ماهيّة الزمان بل الزمان من أنحاء الوجود، لأنّه متّحد
الهويّة مع الحركة و الحركة من أنحاء الوجود لا من الماهيّات.
1. راجع: تعليقة المصنّف رحمهالله على الأسفار، ج 3، ص 264.
2. راجع: الأسفار، ج 3، ص 141 و 245.
أي كما أنّ الجسم بما هو جسم لا تعيّن له بحسب المقدار (لأنّ التعيّن المقداريّ عارض له فهو في مرتبة ذاته لا تعيّن له) بل يعيّنه المقدار العارض له كذلك الحركة لا تعيّن له بحسب المقدار لما تقدّم، بل يعيّنها الزمان العارض لها، لكن تقدّم أنّ هذا الكلام في الجسم الطبيعيّ و التعليميّ و أمثاله مبنيّ على رأي الجمهور من أنّ تشخّص الشيء بأعراضه و إلاّ أنّ العرض المتأخر وجوده عن وجود موضوعه لا يمكن أن يعيّن موضوعه.
لأنّ الآن حدّ للزمان و حدّ الشيء انتهاء وجوده فهو نفي وجود الزمان.
لمّا كان تحقّق الآن بتحقّق الزمان و بانتهائه فإذن لو لم يكن بين الآن الأوّل و الآن الثاني زمان، لم يتحقّق الآن الثاني حتّى يتحقّق التتالي و لو كان بينهما زمان لتحقّق الآن الثاني لكن لا يتحقّق التتالي لأنّ التتالي؛ عبارة عن وقوع الآن الثاني بعد الآن الأوّل من دون فصل.
لأنّ الحركة القطعيّة منقسمة إلى الأجزاء، فينطبق كلّ جزء منها على جزء من الزمان.
الإتّصال و الإنفصال مطاوعة الوصول و الترك، ثم إنّ وصول كلّ نقطة من الجسم الواصل إلى نقطة أخرى لم يكن في الزمان بل في الآن، لأنّ النقطة لا تنقسم و ليس لها بُعد حتّى يحتاج في وصولها إلى نقطة أخرى إلى الزمان و كذا المتحرّك يصل إلى كلّ حدّ من حدود المسافة الآنيّة في الآن، لأنّ الحدّ المفروض لا ينقسم حتّى يحتاج إلى الزمان في الوصول إليه و كذا الأمر في الترك و الاتّصال و الانفصال .
الحركة التوسّطيّة بسيطة لا جزء لها حتّى ينطبق كلّ جزء منها على جزء من الزمان، نعم لمّا كانت الحركة التوسّطيّة متّحدة الوجود مع الحركة القطعيّة و الحركة القطعيّة ينطبق أجزائها المفروضة على أجزاء الزمان صحّ أن يقال: إنّ الحركة التوسّطيّة منطبقة على الزّمان لكنّه على سبيل المجاز، إذ يحتاج في الانطباق عليه إلى واسطة و هي الحركة القطعيّة.
قالوا كما أنّ الحركة التوسّطيّة ترسم بسيلانها الحركة القطعيّة كذلك الآن يرسم بسيلانها الزمان و كما أنّ الزمان وعاء للحركة القطعيّة و تنطبق عليه بلا واسطة كذلك الآن السيّال وعاء للحركة التوسّطيّة و تنطبق عليه بلا واسطة.
توضيحه: أنّ الزمان حقيقة ممتدّة، فما لم يفرض هناك امتداد لا يتحقّق الزمان و الآن لا امتداد فيه حتّى يتحقّق به الزمان و أمّا سيلانه فمتوقّف على وجوده و وجوده متوقّف على الزمان، فلو توقّف وجود الزمان على سيلانه للزم منه الدور.
توضيحه: أنّ الوحدة في وجودها مستقلّة عن العدد فيمكن فرض الوحدة أوّلاً ثمّ تكرارها ثانيا فيتحقّق بتكرارها الأعداد، لكن الآن في وجوده متوقّف على الزمان، فلا يمكن فرض الآن قبل تحقّق الزمان حتّى يتحقّق به الزمان و إلاّ لزم منه الدور كما تقدّم.
أي الأمر في النقطة كالأمر في الآن فلا امتداد لها بنفسها فلا يتحقّق بها الخطّ الممتدّ و أمّا سيلانها فيلزم منه الدور كما تقدّم.
إذ ليس للزمان زمان آخر حتّى يتقدّم على الزمان شيء بالزمان.
أقول: بناءاً على ما تقدّم من أنّ لكلّ حركة زمانا خاصّا بها و أنّ الحركات في
الأعراض حركات ثانية عارضة على حركات موضوعها، يمكن أن يتحقّق للزمان زمان آخر،
فإنّ الزّمان الناشيء من الحركة الثانية العارضة ينطبق على الزمان الناشي من حركة
موضوعها، فيمكن تصوير تقدّم شيء على الزمان بتقدّم زمانيّ. نعم ما ذكره المصنّف
رحمهالله صحيح في الزمان الناشي من الحركة الجوهريّة العامّة إذ ليس لذلك الزمان
زمان آخر حتّى يتقدّم عليه شيء بتقدّم زمانيّ.
أي يجب أن يكون زمانهما واحدا بحسب الذات و إن كان أحدهما مقدّما على الآخر بحسب الرتبة و الدليل عليه أنّ التقدّم و التأخّر في الزمانيّات بعرض التقدّم و التأخّر في الزمان و الزمان حقيقة مشكّكة و الحقيقة المشكّكة واحدة بحسب ذاتها، مختلفة بحسب مراتبها، فزمان المتقدّم و المتأخّر الزمانيّين واحد بحسب الذات، مختلف بحسب الرتبة.
الأوّل كما في تقدّم أجزاء الحركة العرضيّة بعضها على البعض، و الثانيكما في تقدّم متحرّك جوهريّ على متحرّك جوهريّ آخر، فإنّ الحركة و المتحرّك في الجواهر شيء واحد كما تقدّم و أجزاء الحركة الجوهريّة متقدّم بعضها على البعض، فالمتحرّك الجوهريّ متقدّم بعضه على بعض.
إنّ الزمان في وحدته و كثرته تابع للحركة الّتي هي منشأه، فاشتراك الشيئين في
زمان واحد يستدعي اشتراكهما في حركة واحدة، و إشتراكهما في حركة واحدة يستدعي
اشتراكهما في مادّة واحدة .
فإن قلت: «بناءاً على أنّ زمان كلّ متحرّك قائم بنفس ذلك المتحرّك، لايبقى للزّمان
المشترك بين الحركتين إلاّ زمان متحرّك آخر أطول امتدادا منهما، فينطبق زمان كلّ
منهما على جزئه، فكيف استلزم ذلك لوجود مادّة مشتركة بينهما»؟
قلت: كما أنّ جميع حركات العالم على كثرتها راجعة إلى حركة واحدة جوهريّة عامّة و
أنّ تلك الحركات المتكثرّة من شؤون حركة جوهريّة عامّة(1) كذلك جميع الأزمنة
المختلفة على كثرتها راجعة إلى زمان واحد و هو الزمان الناشي عن الحركة الجوهريّة
العامّة و إذا رجعت إلى زمان واحد كانت تلك الأزمنة من شؤون ذلك الزمان الواحد و
ذلك الزمان الواحد يستدعي حركة واحدة و متحرّك واحد.
1. قد تقدّم بحثه في آخر الفصل الثامن.
لا شكّ أنّ لبعض الأشياء بالنسبة إلى بعض معيّة، و هي قد تكون بين متغيّر و
متغيّر آخر و قد تكون بين ثابت و متغيّر و قد تكون بين ثابت و ثابت آخر، فإن كانت
المعيّة بين المتغيّرين كانت زمانا و إن كانت بين ثابت و متغيّر سمّيت دهرا و إن
كانت بين الثابتين سمّيت سرمدا.
ثمّ إنّ المعيّة بين الشيئين إمّا أن تكون بالذات أو بالعرض و المعيّة بالذات يجب
أن تكون عين الذات الّتي تحقّقت لها المعيّة و إلاّ كانت معيّة تلك الذات بغيرها،
فننقل الكلام فيه، فيذهب الأمر إلى غير النهاية، فيلزم التسلسل و هو محال، فإذن
المعيّة في الذات الّتي تحقّقت لها المعيّة بالذات هو نفس تلك الذات، و هذا نظير
التقدّم و التأخّر في أجزاء الزمان، فإنّ المتقدّم في الزمان متقدّم بنفس ذاته لا
بتقدّم زائد علي ذاته، فالتقدّم في الزمان نفس المتقدّم و كذا الأمر في التأخّر.
إذا عرفت هذا نقول: لمّا كانت المعيّة في الزمانيّات بعرض المعيّة في الزمان و كانت
المعيّة في الزمان بالذات، كانت المعيّة في الزمان نفس الزمان و كذا الأمر في
المعيّة الدهريّة و السرمديّة، فإنّ المعيّة الدهريّة إذا كانت بالذات كانت نفس
وجود الثابتات إذا قيست إلى المتغيّرات و كذا المعيّة السرمديّة إذا كانت بالذات
كانت نفس وجود الثابتات إذا قيست إلى ثابتات أخرى، فالدهر و هو المعيّة بين الثابت
و المتغيّر عبارة عن وجود الثابتات إذا قيست إلى المتغيّرات و السرمد و هو المعيّة
بين الثابتين عبارة عن وجود الثابتات إذا قيست إلى ثابتات أخرى.
أي و لا في حال الحركة، أي ليست متحرّكة.
أمّا أنّهما إضافيّان فلأنّ السرعة عبارة عن قطع مسافة كثيرة في زمان قليل، كما
أنّ البطؤ عبارة عن قطع مسافة قليلة في زمان كثير، فالقلّة و الكثرة اللتان هما من
المعاني الإضافيّة، معتبرتان في السرعة و البطؤ، فيلزم أن يكون السرعة و البطؤ
إضافيّتين أيضا.
أمّا أنّهما غير متقابلين، فلأنّ الاختلاف بينهما اختلاف تشكيكيّ و ذلك لأنّ الصفة
الثابتة الواقعيّة للحركة السرعة فحسب و هي حالة المرور و الانقضاء الّتي في كلّ
حركة و هي لمّا كانت مختلفة في الحركات نسب بعض مصاديقها إلى بعض فحصلت السرعة و
البطؤ النسبيّتان، فما من سرعة إلاّ و هي بطؤ بالقياس إلى أخرى و كذا الحال في جانب
البطؤ.
فالسرعة و هي حالة المرور و السيلان مساوقة للحركة مع أنّ الحركة تنقسم إلى السريعة
و البطيئة فالحركة السريعة و البطيئة كلّ منهما مصداق للسرعة، فيكون ما به الاختلاف
بينهما راجعا إلى ما به الاتّحاد، إذ الحركة السريعة و البطيئة مشتركتان في السرعة
الّتي هي حالة المرور و مختلفتان فيها لإنّ السريعة أشدّ مرورا من البطيئة و هذا هو
التشكيك(1) فإذا ثبت أنّ الإختلاف بينهما اختلاف تشكيكيّ ثبت أنّهما غير متقابلين
لأنّ المتقابلين، ممّا لايجتمعان إذ بينهما تطارد ذاتيّ على ما تقدّم لكن المختلفين
بالإختلاف التشكيكيّ ممّا يجتمعان في الوجود لإنّهما مختلفان بحسب المرتبة و مرتبة
الشيء لا يباينه بحسب أصل الوجود بل متّحد معه.
1. راجع: تعليقة المصنّف على الأسفار ج 3، ص 198.
أي في الفصل الثاني و حاصله أنّه تقدّم أنّ لكلّ فعليّة لاحقة في الحركة وجودا لا يترتّب عليه الآثار و هو عين وجوده الذي يترتّب عليه الآثار بحسب أصل الوجود و إن اختلفا بحسب المرتبة و هذا هو الذي يسمّي بقوّة الشيء و تقدّم أيضا أنّ قوّة الشيء مقدّمة عليه بالزمان فإذن وجب أن يكون هناك وجود واحد ممتدّ منطبق على الزمان و هذا هو الاتّصال.
أمّا عدم تلازمهما في الوجود الخارجيّ فلأنّ قطع مسافة مأة كيلومتر في الساعة
الواحدة، سرعة بالنسبة إلى قطع تلك المسافة في الساعتين مع أنّ كلاًّ منهما يمكن أن
يوجد بدون الآخر و أمّا عدم تلازمهما في الوجود الذهنيّ و التعقّل فلأنّ قطع مسافة
مأة كيلومتر في الساعة الواحدة، سرعة بالنسبة إلى قطع تلك المسافة في الساعتين كما
تقدّم مع أنّ كلاً منهما يمكن أن يعقل بدون الآخر.
هذا و لكن هذا صحيح إذا كان المراد من القليل و الكثير المعتبرين في السرعة والبطؤ
معروض القلّة و الكثرة أي نفس المقدار الذي يعرضه القلّة و الكثرة. فإنّ الساعة
الواحدة أقلّ من الساعتين و تعقل ذات كلّ منهما بدون الآخر ممكن؛ أمّا إذا كان
المراد معروض القلّة مع القلّة و معروض الكثرة مع الكثرة لا يمكن تعقّل أحدهما بدون
الآخر، لانّهما مضائفان و كذا السرعة والبطؤ فتدبّر.
إذ ما من زمان إلاّ و يمكن أن يفرض زمان أصغر منه، فالحركة فيه في المسافة المساوية أسرع .
إذ ما من مسافة إلاّ و يمكن أن يفرض مسافة أصغر منها، فالحركة فيها في الزمان
المساوي أبطأ.
لمّا كان المراد هنا بيان مفهوم السكون اعتمد على المرتكزات الذهنيّة من السكون، فقال: و ليس الوجودات الثابتة و هي المجرّدات بسكون و لا ذوات سكون، فانّ الواجب مثلاً لا يطلق عليه السكون و لا الساكن و من هذا يعلم أنّ المعنى المرتكز في الذهن من السكون ليس معنى ثبوتيّا و إلاّ يمكن إطلاقه على المجرّدات.
فإن قلت: إنّا أثبتنا الحركة الجوهريّة من طريق حركة الأعراض و من الضروريّ عدم
ثبوت الحركات العرضيّة في جميع الأجسام فإذن غاية مايثبت بتلك البيانات وجود الحركة
الجوهريّة في بعض الأجسام لا في كلّها، فيمكن أن يكون للسكون مصداق في شيء من
الجواهر المادّيّة.
قلت: الحركة الجوهريّة ليست صفة زائدة على ذات المتحرّك في الجواهر المادّيّة حتّى
يمكن فرض الجواهر المادّية بدون حركتها الجوهريّة بل الحركة الجوهريّة عين ذواتها
المتحرّكة كما تقدّم فالذوات الجوهريّة المادّيّة حركة و متحرّكة بوجود واحد، ففرض
سلب الحركة الجوهريّة عن الذوات المادّيّة مساوق لنفي ذواتها المادّيّة، فإذن لا
يوجد في الذوات المادّيّة شيء هو مصداق للسكون.
و هو الّذي يحصل من انتهاء الحركة في الحركة، فتنحلّ الحركة المركّبة إلى الحركة
البسيطة، فإنّ تجدّد الأين الحاصل من تجدّد الجوهر و من الانتقال من مكان إلى مكان،
ينحلّ بعد الاستقرار في المكان الثاني إلى التجدّد الحاصل من تجدّد الجوهر فقط.
كانّ هذا التعبير اعتراض على الحكماء في التقسيم المذكور و ذلكلأنّ الفاعل في الحركة النفسانيّة في طول الفاعل في الحركة الطبيعيّة و القسريّة، فالحركة النفسانيّة مجتمعة الوجود مع الحركة الطبيعيّة و القسريّة مع أنّ مقتضى التقسيم كون كلّ قسم في عرض القسم الآخر غير مجتمع مع القسم الآخر.
توسّط الميل بين الطبيعة و الحركة عند التحريك لا يخرج الطبيعة عن كونها مبدأ قريبا، لأنّ الميل بمنزلة آلة لها، فإذا أخذت الطبيعة أن تُحرّك الجسم يُحدث أوّلاً الميل إلى الحركة، ثمّ يصدر عنها الحركة بواسطته؛ قالوا: سبب الاحتياج إلى وساطة الميل هو انّ الحركة تختلف بالشدّة و الضعف و الطبيعة لا تختلف بهما، لأنّها جوهر، و الجوهر لا يقبل الاشتداد و التضعّف عندهم، فيجب أن لا يكون اختلاف الحركة من الطبيعة بالذات بل بتوسّط أمر يقبل الشدّة و الضعف و هو الميل فتدبّر.
انّما قيّد القدرة بكونها للحيوان، لأنّ قدرة الواجب لا يعتبر فيه المشيّة و الإرادة كما سيأتي في المرحلة الثانية عشرة.
أي إذا اعتبرنا الإنسان الكامل في العلم مثلاً مبدءا و قايسنا العالم و الجاهل إليه، وجدنا اختلافا بين العالم و الجاهل في النسبة إلى ذلك المبدأ، فما للجاهل من نسبة القرب إلى ذلك المبدأ فهو موجود للعالم و لكن ليس ما كان للعالم من نسبة القرب إليه، للجاهل فالعالم مقدّم على الجاهل و كذا إذا اعتبرنا الإنسان الكامل في الشجاعة مبدءًا و قايسنا الشجاع و الجبان إليه وجدنا اختلافا بينهما في النسبة إلى ذلك المبدأ، فما للجبان من نسبة القرب إلى ذلك المبدأ فهو موجود للشجاع و لكن ليس ما كان للشجاع من نسبة القرب إليه ،للجبان فالشجاع مقدّم على الجبان.
الزمان وجود سيّال و الوجودات السيّالة كلّ جزء سابق منها يحمل قوّة الأجزاء اللاحقة كما تقدّم في بحث الحركة، فاليوم و الأمس يحملان قوّة الأجزاء اللاحقة بهما، فهما مشتركان في حمل قوّة الأجزاء اللاحقة لكن كلّ ما يحمله اليوم من القوى المحمولة يحمله الأمس و ليس كلّ ما يحمله الأمس يحمله اليوم، لأنّ الأمس يحمل قوّة اليوم (إذ اليوم من الأجزاء اللاحقة بالأمس) لكن اليوم لا يحمل قوّة اليوم لأنّ قوّة الشيء لا يجامع فعليّته، إذ الفعليّة يترتّب عليها الآثار و القوّة لا يترتّب عليها الآثار فلو اجتمعتا اجتمع النقيضان و هو محال، فالأمس مقدّم على اليوم.
أي لمّا كان قوّة الأجزاء اللاحقة محمولة بالأجزاء السابقة و قوّة الشيء لا تجامع فعليّته فالأجزاء السابقة الّتي تجامع قوّة الأجزاء اللاحقة، لا تجامع الأجزاء اللاحقة.
إذا كان الترتّب بين المقدّم و المؤخّر بوضع الواضع، فالتقدّم و التأخّر اعتباريّان كالتقدّم و التأخّر بالرتبة الوضعيّة فإنّ المقدّم فيه يمكن جعله مؤخّرا و بالعكس، و إذا كان الترتّب بين المقدّم والمؤخّر حقيقيّا لا بوضع الواضع فالتقدّم و التأخّر حقيقيّان و إن كان المقدّم و المؤخّر من الأمور الإعتباريّة كالتقدّم بالتجوهر فإنّ لأجزاء الماهيّة تقدّما عليها حقيقة لا بوضعنا و جعلنا، بمعنى أنّ الماهيّة لو تقرّرت لكان تقرّر أجزائها مقدّما على تقرّرها حقيقة، فإنّ هذا التقدّم حقيقيّ مبنيّ على ملازمة حقيقيّة بين طرفي هذه الشرطيّة و لا منافات بين كون هذا التقدّم حقيقيّا و كون الماهيّة و أجزائها اعتباريّة؛ لأنّ صدق الشرطيّة لا ينافي كذب طرفيها. ثمّ على هذا المعيار التقدّم و التأخّر في التقدّم و التأخّر بالرتبة من قبيل التقدّم و التأخّر الاعتباريّين و البواقي كلّها من قبيل التقدّم و التأخّر الحقيقيّين.
عطف على تقدّم العلّة الناقصة.
بل بناءًا على أصالة الوجود أيضا هذا التقدّم ثابت، لأنّ معناه أنّه لو جاز بفرض المحال تقرّر الماهيّة منفكّة عن كافّة الوجودات، لكانت ماهيّة الجنس و الفصل متقدّمتين على الماهيّة المركّبة منهما و هذه القضيّة الشرطيّة حقّة صادقة و إن كذب طرفاها كما تقدّم.
لمّا كانت العلّة أقوى وجودا من معلولها لم يكن المعلول في مرتبة وجود علّته، فالمعلول بمرتبته الخاصّة و مع حدّه المعيّن مسلوب عن تلك المرتبة، فالعلّة موجودة في تلك المرتبة و المعلول بحدّه الخاصّ غير موجود فيها، فيحصل الإنفكاك بين العلّة و المعلول في تلك المرتبة.
سيجيء في المرحلة الثانية عشرة أنّ العوالم الكلّيّة ثلاثة: عالم العقل و عالم المثال و عالم المادّة؛ و أنّ عالم العقل علّة لعالم المثال و عالم المثال علّة لعالم المادّة فبناءاً على هذا، إنّ عالم المادّة أخسّ وجودا من عالم العقل لكونه معلولاً لمعلول عالم العقل و المعلول أخسّ وجودا من العلّة، فليست نشأة المادّة من حيث مراتب الكمال الوجوديّة في مرتبة نشأة التجرّد العقليّ، فتكون مرتبة وجودها متأخّرة عن مرتبة وجود عالم العقل.
و هو مغاير لساير الأقسام، لأنّ المتأخّر في ساير الأقسام متّصف بملاك التقدّم و التأخّر بالحقيقة و لا يصحّ سلب الاتّصاف عنه و المتأخّر هنا لا يوصف بالملاك حقيقة بل بالمجاز و يصحّ سلب الاتّصاف عنه حقيقة.
لمّا كان تفسير العلّيّة و المعلوليّة عند صدر المتألّهين رحمهالله غير ما كان
عند جمهور الحكماء فهذا التقدّم و التأخّر غير التقدّم و التأخّر بالعلّيّة.
بيان ذلك: أنّ المعلول عند صدر المتألّهين ليس له ذات منحازة عن ذات العلّة بأن كان
هناك ذاتان ذات للعلّة و ذات للمعلول بل المعلول عنده من شؤون وجود علّته المفيضة،
لأنّ المعلول عين الربط بالعلّة لا ذات ثبت لها الربط بالعلّة و إذا كان كذلك لا
يمكن أن يكون له ذات وراء ذات العلّة و منحازة عنها كما تقدّم بيانه مرارا و إذا لم
يكن له ذات منحازة عن ذات العلّة بل هو من شؤون وجود العلّة فالعلّيّة والمعلوليّة
ترجع إلى التشأن لا إلى ما يقوله الحكماء من أنّ للعلّة ذاتا و للمعلول ذاتا أخرى
مغايرة لذات العلّة، فبناءًا على هذا، الفرق بين التقدّم بالعلّيّة و التقدّم بالحق
هو أنّ التقدّم بالعلّيّة تقدّم ذات على ذات أخرى مغايرة لذات المقدّم، و التقدّم
بالحق تقدّم شأن على شأن آخر غير مغاير للمقدّم بحسب الذات.
أي ليس بينهما التأثير و التأثّر المعهودان عند الحكماء بأن تكون العلّة و
المعلول مغايرين بحسب الذات.
فإنّ الجوهر مقدّم على الجسم و هو مقدّم على الجسم النامي و هو مقدّم على الحيوان و هو مقدّم على الإنسان، هذا إذا كان المبدأ الجوهر و إذا كان المبدأ الإنسان فالأمر بالعكس.
فإنّ للجبان حظّا من الشجاعة و لا أقلّ من شأنه أن يكون شجاعا لكن شأنيّة الشجاعة من مراتب الشجاعة فالشجاع و الجبان مشتركان في فضيلة الشجاعة(1) لكن كلّ ما كان من الشجاعة للجبان فهو حاصل للشجاع و ليس كلّ ما كان من الشجاعة للشجاع حاصلاً للجبان.
لمّا كان الزمان من العوارض التحليليّة على الحركة، كان موجودا بوجود الحركة و الحركة من المبدأ الى المنتهى وجود واحد متّصل، فالزمان المتّحد مع الحركة أيضا وجود واحد متّصل، فالأجزاء المفروضة في الزمان مشتركة في هذا الوجود الواحد المتّصل و هذا الوجود الواحد المتّصل مختلط فيه القوّة و الفعل بحيث كلّ جزء
مفروض منه قوّة للفعليّة اللاحقة و فعليّة للقوّة السابقة و ذلك لأنّ الحركة الّتي هي متّحدة مع الزمان كان كذلك فإذا فرضنا جزئين مفروضين من الزمان كاليوم و الغد، كان كلّ منهما قوّة للأجزاء اللاحقه فاليوم و الغد مشتركان في كونهما قوّة للأجزاء اللاحقة، لكن كلّ ما كان الغد قوّة له كان اليوم قوّة له (لأنّ الأجزاء اللاحقة بالغد لاحقة باليوم أيضا) و ليس الغد قوّة لكلّ ما كان اليوم قوّة له، (لانّ الغد ليس قوّة لنفس الغد لكنّ اليوم قوّة للغد)، و الحاصل أنّ ملاك التقدّم و التأخّر في الزمان عبارة عن الوجود الواحد المتّصل للزمان من حيث كونه قوّة للأجزاء المفروضة اللاحقة، لأنّ هذا المعنى مشترك في المتقدّمات و المتأخّرات بالزمان و كلّ ما كان للمتأخّر من هذا الملاك فهو موجود للمتقدّم بدون العكس.
1. و هناك شعر بالّلغة الفارسية:
گربه شير است در برابر موش
ليك موش است در مصاف پلنگ
أي لازم توقّف المتأخّر في الوجود على المتقدّم هو أنّه كلّما تحقّق وجود المتأخّر تحقّق وجود المتقدّم و ليس كلّما تحقّق وجود المتقدّم تحقّق وجود المتأخّر.
و ذلك لأنّ قوّة الشيء كما تقدّم في المرحلة السابقة هي وجود الشيء الضعيف بحيث لا يترتّب عليه آثاره المطلوبة و فعليّته هي وجوده القويّ بحيث يترتّب عليه الآثار فلو اجتمع قوّة الشيء و فعليّته لاجتمع النقيضان.
إنّ التقدّم و التأخّر في بعض الأقسام ذاتيّ و في بعض الأقسام عرضيّ و الأوّل كالتقدّم و التأخّر في أجزاء الزمان عند الأكثر و الثاني كالتقدّم و التأخّر في الحوادث الزمانيّة، فإنّ التقدّم و التأخّر فيها بعرض التقدّم و التأخّر في أجزاء الزمان لا بحسب ذاتها، و التقدّم و التأخّر في أجزاء الزمان عند شيخ الإشراق من القسم الثّاني أي عرضيّ و ذلك؛ لأنّ المقدّم من الزمان بما أنّه علّة ناقصة لوجود المؤخّر، مقدّم عليه لا بما انّ الزمان نفسه و مع قطع النظر عن التوقّف الوجوديّ بين أجزائه يقتضي تقدّم بعض أجزائه على بعض و المصنّف رحمهالله و إن وافق و أيّد مذهب الشيخ في كون التقدّم و التأخّر في الزمان راجعين إلى التقدّم و التأخّر بالطبع إلاّ أنّه لا يسلّم كون التقدّم و التأخّر في الزمان عرضيّا كما عليه الشيخ و ذلك لأنّ المسلّم من كون التقدّم و التأخر ذاتيّا هو كونهما لازمين لوجود المقدّم و المؤخّر؛ أي الذاتيّ المراد هنا هو الذاتيّ في كتاب البرهان و هو محقّق في اجزاء الزمان و ذلك لأنّ التوقّف الوجوديّ الذي بين أجزاء الزمان هو من لوازم الوجود المقدّم و المؤخّر؛ لأنّ فعليّة كلّ جزء من الزمان يتوقّف على قوّتها السابقة عليها و القوّة السابقة متّحدة الوجود مع الجزء السابق، فكون الجزء السابق متوقّفا عليه، من لوازم وجوده بل عينه بوجه، فإذن أجزاء الزمان و إن كانت بلحاظ التوقّف الوجوديّ بينها، بعضها مقدّم على بعض لكن لمّا كان هذا التوقّف لازما لوجود الأجزاء و اللازم ذاتيّ في كتاب البرهان كان التقدّم و التأخّر في أجزاء الزمان ذاتيّا.
المعلول واجب الوجود بالعلّة فوجوبه بالغير لكن العلّة واجب الوجود لا بالعلّة، فلا يكون وجوبه بالغير أي لايحتاج وجوب وجودها إلى العلّة الّتي يجب بها وجود المعلول، و ببيان آخر وجوب وجود العلّة لا يتوقّف على نفس العلّة لكن وجوب وجود المعلول يتوقّف على العلّة، فإذن يوجد في المعلول وجوبا غيريّا لا يوجد في العلّة؛ فبهذا اللحـاظ وجـوب العلّة بالـذات (و إن أمـكن لهـا وجوب غيريّ آخر) و وجوب المعلول بالغير.
أي لمّا كان أحدهما متوقّفا في وجوده على الآخر و ذلك الآخر غير متوقّف على نفسه كان المتوقّف ناقصا من حيث المراتب الوجوديّة بالنسبة إلى المتوقّف عليه؛ فليس المتوقّف في مرتبة وجود المتوقّف عليه ففي تلك المرتبة، المتوقّف عليه موجود و المتوقّف غير موجود، فلا يجامع المتوقّف مع المتوقّف عليه في تلك المرتبة.
فإنّ كلّ شأن حاصل للمعلول من الوجود فهو حاصل للعلّة من دون عكس إذ المعلول عين
الفقر والحاجة فلا استقلال له من دون العلّة، فما حصل له من الشؤون و
الحيثيّات فهو من شؤون علّته المفيضة من دون عكس.
لأنّ الجواهر المفارقة لا حركة فيها فلا زمان لها فلا تكون لها المعيّة أو التقدّم و التأخّر بحسب الزمان .
هذا تعريف باللازم، لأنّ المفروض أنّ المعيّة عدم الملكة، فالمعيّة من سنخ الأعدام فهي عبارة عن عدم اختلاف أمرين في معنى من شأنهما الاختلاف فيه، لكن لازم عدم اختلافهما في ذلك المعنى الاشتراك فيه، فيكون التعريف بالّلازم.
قيّد بالمتساويين لانّه لولا التساوي لما تحقّق المعيّة بينهما، فإنّ الجزء الأصغر جزء من الجزء الأكبر فيتقدّم الأصغر على الأكبر فلا معيّة بينهما، هذا إذا كان الأصغر جزء من الأكبر أمّا إذا كان الأصغر خارجا عن الأكبر تتحقّق المعيّة بينهما أيضا.
فيه نظر، إذ لو لم يتحقّق معيّة بين أجزاء الزمان لم يمكن أن يتحقّق معيّة بين
الحوادث الزمانيّة؛ لأنّ معيّة الحوادث الزمانيّة بعرض المعيّة في أجزاء الزمان و
ما بالعرض يجب أن ينتهي إلى ما بالذات فانتفاء ما بالذات يستلزم انتفاء ما بالعرض،
فإذن كما أنّ التقدّم و التأخّر في الحوادث الزمانيّة ينتهيان إلى التقدّم و
التأخّر في أجزاء الزمان كذلك المعيّة في الحوادث الزمانيّة يجب أن تنتهي إلى
المعيّة في أجزاء الزمان و ما قاله المصنّف رحمهالله من «انّه لا يخلو جزآن منه من
التقدّم و التأخّر» ممنوع؛ فإنّ الزمان الناشيء من حركة اليد و الزمان الناشيء من
حركة المفتاح مثلاً معان و لا تقدّم و لا تأخّر لأحدهما بالنسبة إلى الاخر.
فإن قلت: ما ذكرتم صحيح في الأزمنة الناشية من الحركات العرضيّة الخاصّة لكن كلام
المصنّف ناظر إلى أجزاء الزمان الناشيء من الحركة الجوهريّة العامّة، فانّه لا يخلو
جزان منه من التقدّم و التأخّر.
قلت: إذا تحقّقت المعيّة في الأزمنة الناشية من الحركات العرضيّة الخاصّة يجب أن
تتحقّق في الزمان الناشيء من الحركة الجوهريّة العامّة؛ لأنّ ما بالعرض يجب أن
ينتهي إلى ما بالذات، فلابدّ من تحقّق المعيّة في ذلك الزمان الذي إليه ينتهي أمر
الأزمنة العرضيّة، و تصوير المعيّة هناك بأن يقال إنّ القطعة الّتي ينطبق عليها
زمان حركة اليد و زمان حركة المفتاح مثلاً، متكثّرة في عين كونها واحدة، أمّا كونها
واحدة فلمّا فرضناها قطعة واحدة و أمّا كونها متكثرة، فلأنّ زماني حركة اليد و حركة
المفتاح من شؤون ذلك الزمان بناءاً على ما تقدّم من أنّ الحركات العرضيّة و أزمنتها
الناشية منها من شؤون الحركة الجوهريّة العامّة و زمانها الناشيء منه، فلو لم يكن
ذلك الزمان في مرتبة ذاته متكثّرا لم يمكن أن يظهر منه الأزمنة المتكثّرة، فإذن ثبت
أنّ القطعة الّتي ينطبق عليها زمانا حركة اليد و المفتاح متكثّرة في عين كونها
واحدة و إذا ثبت هذا نقـول إنّ المعيّة تتحقّق في تلك القطعة، لأنّ تلك القطعة
قطعتان من دون تقدّم و تأخّر (لرجوعهما إلى قطعة واحدة) و هذا هو المعيّة.
قد تقدّم أنّ المعيّة عبارة عن اشتراك أمرين في معنى من شأنهما الإختلاف فيه بالتقدّم و التأخّر فبناءاً على هذا لا يمكن أن يكون بين معلولي علّة واحدة معيّة بالعلّيّة؛ إذ لا يكون من شأن معلولي علّة واحدة التقدّم و التأخّر، إذ معنى شأنيّتهما للتقدّم و التأخّر شأنيّة علّيّة أحدها للآخر فلا يكونان معلولين لعلّة واحدة بل أحدهما علّة للآخر و هذا خلاف المفروض و إذا ثبت أن لايكون من شأنهما التقدّم و التأخّر بالعلّيّة ثبت أن لا يكون بينهما معيّة بالعلّيّة؛ لأنّ موضوع العدم من شأنه الاتّصاف بالملكة و هنا ليس الأمر كذلك، فإذن الحق أنّه لا معيّة بالعلّيّة بين معلولي علّة واحدة كما أنّه لا معيّة بالعلّيّة بين العلّتين التامّتين الّلهم إلاّ أن يقال إنّ الشأنيّة هنا ليست بحسب الشخص بل بحسب النوع فإنّ وجوب الوجود الذي هو الملاك في التقدّم و التأخّر بالعلّيّة معنى من شأنه التقدّم و التأخّر فيه و لو كانت الشأنيّة في ضمن مورد آخر غير مورد معلولي علّة واحدة.
توضيحه: أنّ العلّتين التامّتين إمّا أن تكونا علّتين لمعلول واحد أو لمعلولين و الأوّل باطل، لامتناع توارد العلّتين المستقلّتين على معلول واحد فلا تتحقّق معيّة بينهما، و الثاني ممكن لكن لا معيّة بالعلّيّة بينهما إذ لا يكون من شأن العلّتين المستقلّتين التقدّم و التأخّر بالعلّيّة لأنّ معنى شأنيّتهما للتقدّم و التأخّر شأنيّة علّية أحديهما للأخرى؛ فلا تكونان علّتين مستقلّتين بل إحديهما صارت علّة للأخرى و هذا خلاف المفروض و إذا ثبت أن لا يكون من شأنهما التقدّم و التأخّر بالعلّيّة ثبت أن لا يكون بينهما معيّة بالعلّيّة لأنّ موضوع العدم من شأنه الاتّصاف بالملكة و هنا ليس الأمر كذلك؛ اللّهم إلاّ أن يقال إنّ الشأنيّة هنا بحسب النوع، فإنّ وجوب الوجود الّذيهو الملاك في التقدّم و التأخّر بالعلّيّة معنى من شأنه التقدّم و التأخّر فيه و لو كانت الشأنيّة في ضمن مورد آخر غير مورد العلّتين المستقلّتين. و بالجملة إنّ الشأنيّة إن كانت بحسب الشخص لم يتحقّق المعيّة بالعلّيّة لا بين معلولي علّة واحدة و لا بين علّتين تامّتين و إن كانت بحسب النوع تحقّقت المعيّة بين معلولي علّة واحدة و كذا بين علّتين تامّتين لمعلولين.
أي كما أنّ المعيّة بالعلّيّة في جانب المعلول ممكنة و في جانب العلّة غير ممكنة
كذلك المعيّة بالحقيقه و المجاز في جانب المجاز ممكنة و في جانب الحقيقة غير ممكنة؛
و أيضا المعيّة بالحقّ في جانب المعلول ممكنة و في جانب العلّة غير ممكنة،
أمّا إمكان المعيّة في جانب المجاز في المعيّة بالحقيقة و المجاز فلأنّ اتّصاف
أمرين بالمعنى الواحد مجازا ممكن كما في اتّصاف الماهيّة الجنسيّة والفصليّة
بالموجودية بعرض اتّصاف وجود النوع بالموجوديّة و أمّا عدم إمكان المعيّة في جانب
الحقيقه فلأنّ معنى المعيّة بالحقيقة عبارة عن اتّصاف أمرين بوصف واحد حقيقة من غير
تفاضل بينهما، لكن هذا محال لأنّه من قبيل اتّصاف الكثير بما هو كثير بالمعنى
الواحد بما هو واحد و هو ممتنع و إلاّ كان الكثير واحدا و هو محال.
و أمّا إمكان المعيّة بالحقّ في جانب المعلول، فلأنّ معلولي علّة واحدة مشتركان في
كونهما من شوؤن وجود العلّة، فهما معان في كونهما رابطين و شأنين من شؤون وجود
العلّة، و أمّا عدم إمكان المعيّة بالحقّ في جانب العلّة، فلأنّ توارد العلّتين
المستقلّتين على معلول واحد محال فلا يكون هناك علّتان تامّتان حتّى اشتركتا في
كونهما علّتين لمعلول واحد.
أقول: الإشكال السابق في المعيّة بالعلّيّة جارٍ في المعيّة بالحقيقة و المجاز و في
المعيّة بالحق، لأنّ موضوع العدم يعتبر فيه الشأنيّة للملكة و الأمر فيهما ليس كذلك
فتدبّر.
كما في العقول العرضيّة على قول الإشراقيّين، فإنّهم قائلون بأنّ في عالم
المجرّدات النوريّة عقولاً عرضيّة، أي ليس بعضها علّة لبعض و لا معلولاً لبعض بل
هما معلولان لعلّة ثالثة، فعلى قولهم إنّ بين تلك العقول المعيّة بالدهر إذ لا تكون
مرتبة بعضها أقدم من البعض بحسب متن الواقعيّة.
بأن جعل الموضوع في الحدوث و القدم ، الموجود بما هو موجود لا الموجود المقيّد و ذلك لأنّ الواجب في الأبحاث الفلسفيّة البحث عن أحوال الموجود بما هو موجود.
بأن كان السبق فيهما حقيقيّا كالسبق بالعلّيّة، لا وضعيّا اعتباريّا كالسبق بالرتبة.
و ذلك لما تقدّم من أنّ الواجب هنا رعاية شرطين: الأوّل أن يكون موضوع الحدوث و
القدم الموجود بما هو موجود و يتحقّق هذا الشرط إذا كان موضوع السبق و اللحوق
المؤخوذين في القدم و الحدوث، الموجود بما هو موجود و إلاّ تقيّد الحدوث و القدم
بسبب تقيّد السبق و اللحوق، فيجوز ارتفاع الحدوث و القدم عن الموجود بما هو موجود
فلا يكونان من أحوال الموجود بما هو موجود، و الثاني أن يكون السبق حقيقيّا واقعيّا
لا وضعيّا اعتباريّا، فبناءاً على هذين الشرطين لا يصحّ أن يؤخذ في تعريف الحدوث و
القدم إلاّ أربعة أنواع من معاني السبق و اللحوق.
بيان ذلك: أمّا في السبق بالتجوهر، فلأنّ موضوع السبق و اللحوق فيه الماهيّة
الإعتباريّة؛ و أمّا في السبق و اللحوق بالحقيقة و المجاز فلانّ موضوع اللحوق فيه
الماهيّة الموجودة مجازا؛ و أمّا في السبق بالرتبة فلانّ السبق فيه وضعيّ غير
حقيقيّ و أمّا السبق بالشرف فلأنّ الموضوع فيه ليس الموجود بما هو موجود بل الموجود
المحدود، لأنّ كمالات كلّ نوع موضوعها النوع و هو الموجود المحدود؛ و أمّا السبق
بالطبع فلأنّ الموضوع فيه ليس الموجود بما هو موجود و لذا يمكن خلوّ بعض الموجودات
عن السبق و اللحوق بالطبع كوجود الواجب، فانّه ليس سابقا ولا لاحقا بالطبع فتدبّر.
العدم السابق المعتبر في كلّ حدوث إمّا أن يكون مجامعا مع الوجود اللاحق و إمّا أن يكون غير مجامع معه؛ و الأوّل كالعدم المعتبر في الحدوث الزمانيّ، فإنّ العدم السابق فيه لا يجامع الوجود اللاحق لانّ التقدّم و التأخّر الزمانيّين يكونان بحسب التقدّم و التأخّر في أجزاء الزمان و تقدّم أنّ الأجزاء اللاحقة من الزمان لا تجامع الأجزاء السابقة (ولامتناع اجتماع القوّة و الفعل)، و الثانيكالعدم المعتبر في الحدوث الذاتيّ، فإنّ العدم السابق فيه يجامع الوجود اللاحق، لأنّ خلوّ الماهيّة في مرتبة ذاتها عن الوجود لا ينافي اتّصافها بالوجود في مرتبة زائدة على ذاتها كما سيأتي فهذا العدم السابق يجامع الوجود اللاحق؛ ثمّ لنا في هذا البحث كلام سيأتي في آخر المرحلة.
لأنّ العدم بما هو عدم لا ذات له حتّى يحكم عليه بحكم مّا، فإذا حكم عليه بحكم مّا فهو بحسب وجود ما يضاف إليه العدم و بلحاظ سراية بعض أحكامه إليه، فلو لم يكن الوجود زمانيّا لا يسري الزمانيّة إلى العدم و قد فرض أنّ العدم زمانيّا هذا خلف.
قد عرفت أنّ الحدوث عبارة عن كون الشيء مسبوق الوجود بعدم زمانيّ كما أنّ القدم
عبارة عن عدم كون الشيء مسبوق الوجود بعدم زمانيّ، فالحدوث و القدم متقابلان
بالضرورة، ثم هذا التقابل إمّا أن يكون بالسلب و الإيجاب أو بالعدم و الملكة.
فإن كان بالسلب و الإيجاب فواضح أنّ نفس الزمان قديم زمانيّ، لأنّ ارتفاع النقيضين
محال، فإذا لم يكن الزمان حادثا زمانيّا وجب أن يكون قديما زمانيّا، لكن لمّا كان
للحادث الزمانيّ زمان متناه في جانب الماضي وجب أن لا يكون للقديم الزمانيّ، الزمان
المتناهي و سلب الزمان المتناهي عن القديم إمّا بأن لا يكون له زمان اصلاً أو بأن
يكون له زمان لكنّه غير متناه؛ فللقديم الزمانيّ فردان: فرد لا يكون له زمان أصلاً
كنفس الزمان و كالعقول المفارقة و فرد يكون له زمان لكنّه غير متناه كالعالم
الجسمانيّ.
و إن كان تقابلهما بالعدم و الملكة فواضح أيضا أنّ نفس الزمان لا يتّصف بالحدوث و
القدم الزمانيّين، فيجب حينئذٍ أن يكون من شأن القديم و الحادث الإستقرار في الزمان
و الانطباق عليه لكن ليس للزمان زمان حتّى ينطبق عليه، فيكون قديما أو حادثا و كذا
العقول المفارقة ليست زمانيّة حتّى تكون قديمة أو حادثة بالزمان. ثمّ المصنّف سلك
في البداية(1) الطريق الأوّل و هنا الطريق الثاني.
أي عدم وجوده الذي يترتّب عليه الآثار، فلا يقال إنّ هذا ينافي ما تقدّم من أنّ كلّ جزء لاحق موجود بوجود الجزء السابق و ذلك لأنّ ذلك الوجود وجوده الذي لا يترتّب عليه الآثار والوجود المنفيّ عنه هنا وجوده الذي يترتّب عليه الآثار.
و ذلك لأنّ حقيقة الكلّ عين حقيقة الجزء، و ببيان آخر: الكلّ جزئيّ من جزئيّات طبيعة الجزء و فرد من أفرادها و ذلك لأنّ الحقائق المتّصلة كالخطّ و غيره الكلّ كالجزء في كونه فردا من أفراد الطبيعة فحكم الكلّ حكم ساير أفراد تلك الحقيقة، إذ حكم الأمثال فيما يجوز و لا يجوز واحد، فإذا ثبت أنّ أجزاء الزمان حادثة بالحدوث الزمانيّ ثبت أيضا أنّ كلّ الزمان حادث بالحدوث الزمانيّ.
1. بداية الحكمة، الفصل الثالث، من المرحلة التاسعة.
فإن قلت: «إذا فرض الزمان غير متناه من جهة البدأ فلا يتصوّر مسبوقيّة بجزء
زمانيّ آخر، كما لا يتصوّر له مبدء آنيّ، فقياس الكلّ على الأجزاء هيهنا في غير
محلّه إلاّ على القول بتناهيه حيث يتصوّر له حينئذٍ مبدأ آنيّ».
قلت: توضيح المراد بحيث يندفع به هذه الشبهة و أمثالها يتوقّف على أمرين:
الأوّل أنّ أجزاء الزمان حادثة بالحدوث الزمانيّ و ذلك لأنّ الزمان مقدار الحركة و
كلّ جزء من الحركة حادثة بالحدوث الزمانيّ؛ لأنّ فعليّة كلّ جزء لاحق من الحركة
مسبوقة بقوّتها السابقة و القوّة السابقة مصداق لعدم فعليّته، ففعليّة كلّ جزء لاحق
من الحركة مسبوقة بعدمها، فإذن كلّ جزء من الحركة حادث بالحدوث الزمانيّ و كذا
الزمان لأنّ الزمان مقـدار الحركة بل متّحد مع الحركة فحدوث أجزاء الحركة يلازم
حدوث أجزاء الزمان.
الثاني أنّ حدوث كلّ حقيقة ممتدّة كالخطّ و الحركة و الزمان و غيرها ليس في
ابتدائها بل في انتهائها و ذلك لأنّ الحدوث وصف الوجود فهو متأخّر عنه و وجود
الممتدّات يتحقّق بعد انتهائها، إذ قبل الانتهاء لم يوجد بعدُ، فالممتدّ لا يكون
حادثا إلاّ بعـد انتهـائه فحـدوث عامنـا هذا (مثلاً و هو عام الف و أربعمائة و عشر
من الهجرة النبويّة صلىاللهعليهوآله ) ليس في ابتداء المحرّم بل في انتهاء ذي
الحجة.
إذا عرفت هذين الأمرين نقول: إنّ مجموع الزمان و إن فرض عدم تناهيه من جهة البدأ،
لكنّه حادث بالحدوث الزمانيّ، لأنّ مجموع الزمان من الأزل إلى كلّ حدّ مفروض، مسبوق
الوجود بعدمه الذي مصداقه مجموع الزمان من الأزل إلى كلّ حدّ سابق علىالحدّ
المفروض و هذا العدم السابق لمجموع الزمان لا يجامع وجوده اللاحق، لأنّ مجموع
الزمان من الأزل إلى كلّ حدّ سابقٍ على ذلك الحدّ المفروض، وجود بالقوّة لمجموع
الزمان من الأزل إلى ذلك الحدّ المفروض و قوّة الشيء لا تجامع فعليّته ففعليّة
مجموع الزمان من الأزل إلى ذلك الحدّ المفروض مسبوق الوجود بعدمه السابق الذي لا
يجامعها فهي حادثة بالحدوث الزمانيّ، مثلاً إنّ مجموع الزمان من الأزل إلى يومنا
هذا، حادث بالحدوث الزمانيّ لأنّ هذا المجموع قبل تحقّق اليوم موجود بالقوّة، إذ لم
يوجد بعدُ بتمام وجوده الذي يترتّب عليه آثاره و وجوده بالقوّة متّحد المصداق مع
مجموع الزمان من الأزل إلى الأمس مثلاً و مجموع الزمان من الأزل إلى الأمس لا يجامع
مجموع الزمان من الأزل إلى يومنا و هو ظاهر، فمجموع الزمان من الأزل إلى يومنا
مسبوق الوجود بعدمه السابق الذي لا يجامعه، فمجموع الزمان من الأزل إلى يومنا حادث
بالحدوث الزمانيّ لكن ليعلم أنّ حدوث هذا المجموع ليس في الأزل حتّى يقال: «لا
يتصوّر مسبوقيّته بجزء زماني آخر» بل حدوثه في اليوم كما عرفت في الأمر الثاني،
فتصوّر مسبوقيّته بالعدم السابق ممكن فتدبّر و اغتنم هذا البيان البكر فإنّ المدّعى
من مزال أقدام الفكر و الحمدللّه.
و ذلك بأن كان للزمان مبدأ يبتدأ منه و كان العدم السابق سابقا على ذلك المبدأ بالزمان، فإنّ الحدوث الزمانيّ بهذا المعنى للزمان محال لاستلزامه التناقض، إذ لابدّ لهذا الحدوث من زمان هو ظرف للعدم السابق على ذلك المبدأ مع أنّ المفروض أن لا وجود للزمان قبل ذلك المبدأ و هذا هو التناقض و هذا بخلاف الحدوث التجدّديّ للزمان كما تقدّم، فإنّ العدم السابق على مجموع الزمان من الأزل إلى يومنا مثلاً، ينتزع من وجود مجموع الزمان من الأزل إلى الأمس مثلاً؛ فإنّ هذا المجموع وجود بالقوّة لذلك المجموع و قوّة الشيء عين الشيء بوجه (و إن كانت غيره بوجه آخر بمعنى أنّه لا يصدق عليها الشيء بحدّه) فالعدم السابق في الحدوث التجدّديّ ليس خارجا عن وجود الشيء بل ينتزع من مرتبة من مراتب وجود الشيء الحادث و مصداقه عبارة عن وجود المراتب السابقة على ذلك المجموع الحادث المفروض لكن وجود تلك المراتب السابقة عين وجود المجموع الحادث بوجه.
إذ كلّما فرضنا بداية للزمان وجب أن نفرض زمانا آخر قبل ذلك المبدأ حتّى يكون هو ظرفا للعدم السابق لكن ذلك الزمان السابق أيضا حادث على الفرض فوجب أن نفرض مبدأ آخر له و زمانا سابقا على ذلك المبدأ و هلمّ جرّا فيذهب الأمر إلى غير النهاية و هذا هو القدم.
أي كما أنّ زمان الحركة العامّة الجوهريّة للعالم يستحيل أن يكون أوسع منالحركة
الراسمة للزمان و لذا لايمكن الحدوث الزمانيّ للعالم بمعنى أن يكون العالم معدوما
في زمان يرسمه، كذلك الزمان للحركات الجزئيّة الموجودة في العالم تستحيل أن تكون
أوسع من نفس تلك الحركات الراسمة لتلك الأزمان و لذا لا يمكن حدوث هذه الحركات
بمعنى أن تكون هذه الحركات معدومة قبل تحقّقها في زمان ترسمه نفس هذه الحركات، إذ
قبل وجود تلك الحركات لا يوجد الزمان الّذي ترسمه هذه الحركات حتّى تكون عدم
الحركات في تلك الأزمان فهذه الحركات ليست حادثة بحسب الأزمان الّتي ترسمها هذه
الحركات و اذا لم تكن حادثة بحسب تلك الأزمان فهي قديمة بحسبها، أي إنّ وجوداتها
غير مسبوقة بالعدم الزمانيّ لكن بحسب الزمان الّذي ترسمه تلك الحركات.
تقدّم أنّ الماهيّة من حيث هي هي ليست إلاّ هي لا موجودة و لا معدومة؛
ببين ماهيتت را بى كم و بيش نه موجود و نه معدوم است در خويش
فإذن ليس في متن الماهيّة و حريم ذاتها ، الوجود و هذا السلب ذاتيّ للماهيّة إذ لا
يحتاج في الاتّصاف به إلى أمر زائد على الماهيّة بخلاف اتّصاف الماهيّة بالوجود
الزائد فانّه ليس ذاتيّا لاحتياجه إلى أمر زائد على الماهيّة و هو العلّة ثمّ ما
بالذات مقدّم على ما بالغير، فيكون وجود الماهيّة مسبوقا بالعدم المتقرّر في مرتبة
ذاتها و هذا هو الحدوث الذاتيّ.
لعلّ هذا التعبير إشارة إلى اعتراض أورده عليهم و هو أنّ المطلوب في الحدوث الذاتيّ ليس عبارة عن كون استحقاق الماهيّة للوجود مسبوقا بلا استحقاق الوجود بل المطلوب عبارة عن كون وجود الماهيّة مسبوقابعدمها الذاتيّ، لكن دفع هذا الإشكال بأنّ المراد أنّ الوجود محمول على الماهيّة و الماهيّة موضوعة له و الموضوع بحسب النظر العقليّ مقدّم على المحمول بالضرورة.(1)
1. راجع: تعليقته على الأسفار، 3 / 247.
قول الحكماء: «إنّ كلّ ممكن يستحقّ العدم لذاته» قضيّة موجبة، فتوهّم المعترض من ظاهرها أنّ استحقاق الممكن للعدم من قبل ذاته، فقال كما أنّ استحقاق الممكن للوجود من قبل العلّة كذلك استحقاقه للعدم من قبل العلّة و إلاّ صار الممكن ممتنعا بالذات، و الجواب أنّ المراد من قولهم؛ «الممكن يستحقّ العدم لذاته» هو قولهم «الممكن لا يستحقّ الوجود لذاته» و هذه القضيّة سالبة محصّلة و إن عبرّوا عن معناها المراد بالقضيّة الموجبة المعدولة حيث حمل استحقاق العدم على الممكن لكن لمّا كان المراد منها، عدم استحقاق الوجود لا استحقاق العدم و هذا المعنى المراد ثابت للمكن من قبل ذاته لا من قبل العلّة كما تقدّم توضيحه، اندفع الإشكال.
للحدوث الذاتيّ تعريفان: الأوّل كون وجود الشيء مسبوقا بعدمه لذاته، و الثاني كون وجود الشيء مسبوقا بالغير لذاته. و الحجّة الأولى مبنيّة على التعريف الأوّل كما أنّ الحجة الثانية مبنيّة على التعريف الثاني، و التعريف الثاني يلازم التعريف الأوّل؛ لأنّ مسبوقيّة الشيء بالغير لذاته تلازم مسبوقيّته بالعدم المتقرّر في ذاته، إذ الوجود لو لم يكن مسلوبا عن مرتبة ذات الشيء لكان ذلك الشيء واجبا بالذات و هذا خلاف المفروض إذ المفروض أنّ ذلك الشيء ممكن محتاج في وجوده الى الغير.
أي كان وجوده مسبوقا بغيره و منشأ هذه المسبوقيّة ذاته الخالية في مرتبتها عن الوجود.
و ذلك لما تقدّم من أنّ مسبوقيّة الشيء بالغير لذاته تلازم مسبوقيّته بالعدم المتقرّر في ذاته و إلاّ كان ذلك الشيء واجبا بالذات هذا خلف.
و ذلك لأنّ كلّ ممكن حادث ذاتيّ فينعكس بعكس النقيض إلى قولنا: «كلّ ما ليس
حادثا ذاتيّا بل قديم بالذات فليس بممكن بل واجب الوجود» و أيضا أنّ كلّ ذي ماهيّة
حادث ذاتيّ فينعكس إلى قولنا: «كلّ ماليس حادثا ذاتيّا بل قديم بالذات، فليس بذي
ماهيّة».
لمّا زاد صدر المتألّهين على أقسام التقدّم و التأخّر قسما آخر و هو التقدّم و التأخّر بالحقّ اقترح بأن يصطلح قديم و حادث على أساس هذا التقدّم و التأخّر فقال: «لا بأس بأن يصطلح في القديم والحادث على هذا المعنى و إن لم يشتهر من القوم»(1)؛ فهذا التعريف إجابة من المصنّف رحمهالله لا قتراح صدر المتألّهين.
إنّما فسّره بمسبوقيّة وجود المعلول بوجود العلّة لا بعدم نفس المعلول لأنّ العدم لا تقرّر له في الأعيان حقيقة إلاّ بحسب انتزاع العقل العدم من وجود غيره، فلا يُسبق الوجود بالعدم حقيقة، فمسبوقيّة وجود المعلول بعدمه راجعة بحسب الدقّة إلى مسبوقيّة وجود المعلول بوجود العلّة الّذي يُنتزع منه عدم المعلول.
1. الأسفار: 3 / 250.
هذه إشارة إلى وجه الفرق بين الحدوث و القدم بالحقّ و الحدوث و القدم الذاتيّين و هو أنّ وصفي الحدوث و القدم بالحقّ وصفان بالذات و لا مع الواسطة و في الحدوث و القدم الذاتيّين وصفان بالعرض و مع الواسطة، و ذلك لأنّ وصفي الحدوث و القدم وصفان للوجود أوّلاً و بالذات و للماهيّة الموجودة ثانيا و بالعرض و الموصوف بهما في الحدوث و القدم بالحقّ نفس وجود المعلول و وجود العلّة و في الحدوث والقدم الذاتيّين الماهيّة الموجودة للمعلول و للعلّة، فالحـدوث و القدم في الأوّل بالذات و لا مع الواسطة و في الثاني بالعرض و مع الواسطة.
لمّا لم يوجد في العلّة المسبوقيّة الّتي توجد في معلولها (و ذلك لأنّ المعلول
مسبوق الوجود بوجود هذه العلّة لكن العلّة ليست مسبوقة الوجود بوجود نفسها) كانت
العلّة قديمة بالنسبة إلى معلولها و إن كانت حادثة بالنسبة إلى علّتها إذا كان لها
علّة أخرى.
لمّا كانت العلّة أقوى وجودا من معلولها لم يكن المعلول في مرتبة وجود علّته فالمعلول بمرتبته الخاصّة و مع حدّه المعيّن مسلوب عن تلك المرتبة و العلّة موجودة فيها، فإذن تَقرّر في مرتبة العلّة وجود العلّة و عدم المعلول بحدّه و لمّا كانت العلّة أقدم وجودا من المعلول وجب أن يكون عدم المعلول المتقرّر في مرتبة وجود العلّة أقدم من وجود المعلول فعدم المعلول، بحدّه سابق على وجوده فوجود المعلول مسبوق بعدمه المتقرّر في مرتبة علّته و هذا هو الحدوث الدهريّ.
العبارة في النسخ الموجودة عندنا هكذا، لكنّ الصحيح «فعلّتها قبلها».
لمّا كان عدم المعلول بحدّه متقرّرا في مرتبة وجود العلّة لا يمكن أن يتقرّر وجوده بحدّه في تلك المرتبة و إلاّ اجتمع النقيضان، فإذن عدم المعلول بحدّه، السابق على وجوده لا يجامع وجوده اللاحق.
هذا المعنى للقدم و إن كان ثابتا لوجود العلّة حيث إنّ العلّة غير مسبوقة بوجود
معلولها إلاّ أنّ الظاهر أنّ المراد من القدم الدهريّ ليس هذا و ذلك لوجهين:
الأوّل قال المحقّق الداماد: «القدم الدهريّ و يعبّر عنه بالازليّة السرمديّة هو
كون الوجود الحاصل بالفعل غير مسبوق بالعدم الصريح في متن الدهر».(1)
هذه العبارة صريحة في أنّ العدم المسلوب سبقه في القدم الدهريّ، وعائه الدهر و إذا كان كذلك وجب أن يكون الوجود الذي يتقرّر في مرتبته هذا العدم وعائه الدهر أيضا، لكن إذا جعل هذا الوجود وجود المعلول (كما فعل المصنّف في التعريف) لا يكون وعاء ذلك العدم الدهر؛ لأنّ عالم المادّة مثلاً الذي هو معلول لعالم العقل، وعائه الزمان لا الدهر، فلو اعتبر عدم مسبوقيّة العلّة بهذا الوجود لكان العدم المتقرّر في مرتبة هذا الوجود ، وعائه الزمان لا الدهر و هذا خلف.
1. القبسات، ص 18.
الثاني لمّا كانت المسبوقيّة في الحدوث الدهريّ بالقياس إلى وجود العلّة كان
الواجب أن يكون عدم المسبوقيّة في القدم الدهريّ بالقياس إلى وجود العلّة أيضا.
فإذن ينبغي تعريف القدم الدهريّ بكون الماهيّة الموجودة غير مسبوقة بوجود العلّة
الّتي هي سابقة في الحدوث الدهريّ، ثمّ بقي الكلام في أنّ الحدوث و القدم الدهريّين
هل هما غير الحدوث و القدم بالحقّ بالتغاير النوعيّ أو لا؟ الحقّ هو الثاني لأنّ
الفرق بينهما هو الفرق بين الموصوف بالذات و الموصوف بالعرض و ذلك لأنّ الحدوث و
القدم وصفان لوجود المعلول و لوجود العلّة أوّلاً و بالذات كما في الحدوث و القدم
بالحقّ و هما وصفان للماهيّة الموجودة للمعلول و للماهيّة الموجودة للعلّة ثانيا و
بالعرض كما في الحدوث و القدم الدهريّين.
حاصله: أنّا إذا قلنا إنّ المعلول لا يكون موجودا في مرتبة وجود العلّة ليس معناه أنّ مرتبة وجود العلّة خالية عن وجود المعلول (لانّ ذلك محــال، إذ فاقد الشيء لايكون معطيا له) بل المراد أنّ المعلول مع حدّه الخاصّ مسلوب عن العلّة و بعبارة أخرى العلّة يسلب عنها المعلول بالحمل الشايع و يصدق عليها المعلول بالحمل الحقيقة و الرقيقة فلا منافاة بينهما.
أقول: كلّ قسم من الأقسام التسعة للتقدّم و التأخّر، المتقدّم فيه لا يجتمع المتأخّر بحسب نفس الملاك الموجود في ذلك القسم و ذلك لما تقدّم في ملاك التقدّم و التأخّر من أنّ المتأخّر في كلّ قسم كلّ ما يوجد له من الملاك فهو يوجد للمتقدّم و ليس كلّ ما يوجد للمتقدّم منه يوجد للمتأخّر فإذن المرتبة الّتي يكتسبها المتقدّم من ملاك كلّ قسم لم يكتسبها المتأخّر فالمتقدّم و المتأخّر لا يجتمعان في شيء من الأقسام التسعة سواء كانا بالزمان أو بالحقّ أو بالدهر أو بغيرها، فما يقال من أنّ عدم الإجتماع من خواصّ التقدّم و التأخّر بالزمان كما تقدّم في الفصل الأوّل و الخامس، فهو في غير محلّه، نعم المتقدّم و المتأخّر في كلّ قسم من الأقسام يمكن اجتماعهما بلحاظ ملاك قسم آخر كالمتقدّم و المتأخّر بالطبع أو بالشرف أو بالرتبة أو غيرها، فانّهما فيها يمكن اجتماعهما بلحاظ ملاك التقدّم و التأخّر بالزمان لا بلحاظ الملاك الموجود في كلّ منها.
استدلّ عليه بأنّ علم الإنسان بعالميّته بديهيّ وجدانيّ؛ و العلم المطلق جزء هذا المقيّد و جزء البديهيّ بديهيّ.
و ذلك لما سيأتي من أنّ إدراك النفس ذاتها ليس بأمر زائد على ذاتها بل إدراك
النفس لذاتها بنفس ذاتها فذاتها دائمة الإدراك لذاتها؛ لأنّ النفس لا تزول عن نفسها
و ممّا يؤيّد ذلك أنّ الإنسان إذا تتبّع أحواله وجد من نفسه أنّ إدراكه لنفسه دائم
أبدا، فإنّ الإنسان (حتّى النائم في نومه) إذا انقبضت نفسه من مكروه لم يكن
انقباضها من المكروه مطلقا، بل من مكروه أصابه و وصل إلى ذاته فالإنسان يدرك أوّلاً
وصول المكروه إلى نفسه ثمّ تنقبض نفسه و الإدراك بوصول المكروه إليه متفرع على
إدراك ذاته و كذا الإنسان إذا انبسطت نفسه من لذيذ لم يكن انبساطها من لذيذ مطلقا
بل من لذيذ أصابه و وصل إلى ذاته، فالإنسان يدرك أوّلاً وصول اللذيذ إلى نفسه ثمّ
تنبسط نفسها و الإدراك بوصول اللذيذ إليه متفرّع على ادراك ذاته و بالجملة متى
يحاول الإنسان فعلاً إدراكيّا أو تحريكيّا لم يكن قصده إلى الإدراك المطلق و إلى
التحريك المطلق بل إلى إدراك يصدر منه و يحصل له و كذلك القول في التحريك و كلّ ذلك
متفرّع على علمه بذاته؛ لأنّ ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له، فظاهر بيّن أنّ علم
الإنسان بنفسه و ذاته دائم حاضر أبدا.
فإن قلت: الإنسان عند ما صار مدهوشا لا يدرك ذاته .
قلت: كلاّ، فإنّ الإنسان عند ما صار مدهوشا لا يدرك ما يصل إلى بدنه لا أنّه لا
يدرك نفسه و ذاته المجرّدة و لذا كثيرا مّا يرى المدهوش في حال كونه مدهوشا مناظر
كالمناظر المناميّة و إدراكه لتلك المناظر متفرّع على إدراك ذاته كما تقدّم.
و ذلك لأنّ المفهوم بما هو مفهوم ، مرآة بها ينظر إلى المصداق فلا شيئيّة له إلاّ شيئيّة المصداق، فلو كان آبيا عن الصدق على كثيرين كان ذلك بلحاظ اباء المصداق لا بلحاظ نفسه و لذا لو أمكن تكثّر المصداق الشخصيّ بأن كان لزيد الشخصيّ مثلاً وجودات متكثّرة بلا امتياز بينها لم يأب المفهوم الجزئيّ المنتزع من ذلك الوجود الشخصيّ الصدق على تلك الوجودات، فإذن إباء المفهوم الجزئيّ عن الصدق على كثيرين ليس بلحاظ نفسه، فالمفهوم بالنظر إلى نفسه لا يأبى عن الصدق على كثيرين فتدبّر.
فإن قلت: حضور الماهيّة عند ذاتنا علم حصوليّ و المعلوم بالعلم الحصوليّ يحمل
عليه ذاته و ذاتيّاته بالحمل الأوليّ فالماهيّة المعلومة ذاتنا بالحمل الأوليّ و
الماهيّة القائمة بوجودنا ذاتنا بالحمل الشايع فلا يلزم اجتماع المثلين .
قلت: نمنع كون المعلوم في علمنا بذاتنا، ماهيّة ذاتنا بالحمل الأوّلي و ذلك لأنّ
العلم المفروض هو العلم بذاتنا بهويّتنا الجزئيّة الّتي يترتّب عليها آثاره،
فالمعلوم في هذا العلم عبارة عن ماهيّة ذاتنا بحيث يترتّب عليها آثارها كالإرادة و
الكراهة والحبّ و البغض و غيرها و الآثار تترتّب على الماهيّة إذا كانت تلك
الماهيّة مصداقا للماهيّة بالحمل الشايع و إذا كان كذلك لزم اجتماع المثلين ألبتة؛
إذ المفروض أنّ هناك ماهيّتين قائمتين بوجودنا الشخصيّ غير متميّز أحدهما عن الآخر
لا بالماهيّة و لا بلوازمها و لا بشيء من العوارض بل كلاهما ماهيّة شخصيّة واحدة
لذاتنا.
ثمّ بهذا البيان يندفع ما قيل من أنّه «يرد عليه النقض بالعلم الحصوليّ بالنفس
فانّه ليس لأحد إنكار ذلك زائدا على العلم الحضوريّ بها».
و ذلك لأنّ المعلوم في هذا العلم الحصوليّ ذاتنا بحيث لا يترتّب عليه الآثار بخلاف
المعلوم في ذلك العلم السابق، فإنّ المعلوم هناك عبارة عن ذاتنا بحيث يترتّب عليه
الآثار و بينهما بون بعيد فلا يكون هذا نقضا لذلك.
أي سواء كانت كلّيّة عقليّة أو جزئيّة محسوسة أو متخيّلة.
أي إنّ الصورة السابقة و إن فرضنا فيها التغيّر لكنّها لم يتغيّر حقيقة بل حصل لنا صورة جديدة مباينة للصورة السابقة الباقية على ما كانت و لذا نشير إليها إشارة ذهنيّة و نقول ـ مثلاً ـ إنّ الصورة السابقة كذا و كذا و لو لم يكن باقية في الذهن على ما كانت لم يمكن لنا أن نشير اليها.
لكن تغيّره بتغيّر الزمان محال و إلاّ لا نذكر المعلومات السابقة بعين ما حصلت في أذهاننا في السنين السابقة و أيضا إذا استمعنا إلى ناطق يقول: زيد قائم ـ مثلاً ـ لا يمكن لنا أن نصدّق هذه القضيّة، إذ عند ما حصل الموضوع في أذهاننا لم يأت المحمول بعدُ و إذا جاء المحمول يذهب الموضوع بذهاب الزمان فلا يمكن أن نحمل المحمول على الموضوع و هو خلاف الضرورة.
لكن حلوله في المكان محال؛ إذ لو حلّ في مكان و هو ذهننا لم يمكن حلول جسم آخر فيه مع أنّه يمكن تصوّر أجسام كثيرة و حصولها في الذهن في آن واحد.
قالوا إنّ كلّ جزء من أجزاء الدماغ يختصّ بنوع من الإحساس أو الذكر أو الحفظ أو غيرها بحيث يختلّ كلّ واحد منها باختلال ذلك الجزء الخاصّ به.
توضيح الإشكال هو أنّ الصورة الحاصلة من جسم الشجر مثلاً صورة صغيرة في الذهن
لكن نقايس بعض الأجزاء إلى البعض، و الكلّ إلى البعض فتحصل النسب الّتي بين
الأجزاء، و بين الكلّ و البعض، ثمّ نضرب هذه النسب في ضريب كالمأة فتحصل لنا كبر
الجسم و بعض الأجزاء و صغر بعض الأجزاء.
و الجواب أوّلاً: أنّ هذا خلاف ما نجده في أنفسنا، فإنّا لا نجد عند الإدراك إلاّ
صورة الشجر و أمّا هذه المقايسات و الضرب في الضريب فانّا نغفل عنها .
و ثانيا سلّمنا لكن بعد الضرب في الضريب ندرك الجسم بكبره فينطبع الكبير في الصغير
وهو محال.
و ثالثا بعد الضرب في الضريب لا يحصل لنا مقدار الجسم على ما هو في الخارج بل حصل
لنا صورة جسم تناسب الجسم الموجود في الخارج، أي النسب الموجودة بين أجزائه كالنسب
الموجودة بين أجزاء الجسم الخارجيّ و أمّا أنّ مقدار هذا الجسم الخارجي كم هو فلا
يتعيّن بهذه النسب.
هكذا تكون العبارة في النسخ الموجودة عندنا، لكن الصحيح «ليس من التقسيم» بحذف الواو لأنّها خبر لقوله «و الإشارة الذهنيّة».
هذه العبارة في النسخ الموجودة عندنا كتبت منفصلة عمّا قبلها مع زيادة الفاء في أوّلها، لكن الصحيح اتّصالها بالعبارة السابقة مع حذف الفاء لانّها فاعلة لقوله «يظهر».
فإن قلت: إذا يتكرّر الفلم التلفزيونيّ عندنا بعد أمد بعيد نحكم بأنّ هذا هو
الّذي قد رأيناه سابقا مع كونه ماديّا فلم لا يجـوز أن تكـون الصـور العلميّة من
هذا القبيل؟
قلت: أوّلاً الفلم بجوهره و صوره المنتقشة عليه كلّه متحرّك متبدّل، على ما تقدّم
في بحث الحركة فلا نسلم ثباته على ما كان ، نعم صوره المنتقشة عليه عند التكرار
مشابهة لصوره السابقة.
و ثانيا إنّ حكمنا «بأنّ هذا هو الّذي قد سبق» يستدعي أن تكون الصورة المحسوسة في
المرّة الأولى باقية عند الذهن على ما كانت، إذ لولا بقائها في الذهن لايمكن تطبيق
الصورة المحسوسة عند التكرار على الصورة السابقة حتّى نحكم بأنّ هذا هو الّذي قد
سبق و لذا عند عروض النسيان التامّ لا نحكم بأنّ هذا هو الّذيقد رأيناه سابقا.
بعد ما أثبت المصنّف رحمهالله تجرّد الصور العلميّة سواء كانت كلّيّة عقليّة أو
جزئيّة محسوسة أو متخيّلة، شرع في بيان ما ادّعاه سابقا من أنّ العلم الحصوليّ
ينتهي إلى العلم الحضوريّ و توضيحه يتوقّف على أمور.
الأوّل أنّ هذه الصور العلميّة مجرّدة لما تقدّم من الأدلّة.
الثاني أنّ هذه الصور المجرّدة موجودات خارجيّة، لأنّ الآثار مترتّبة عليها و هي
آثار تجرّدها و إن لم يترتّب عليها آثار الموجودات المادّيّة المحكيّة عنها.
الثالث أنّ هذه الصور المجرّدة مستقلّة عن النفس، أي إنّ وجوداتها ليست بإنشاء
النفس و بإيجادها و ذلك لأنّ النفس قابلة لتلك الصور، فلو كانت النفس مع ذلك فاعلة
لها لاستلزم ذلك كون الشيء الواحد فاعلاً و قابلاً معا (كما سيأتي في الفصل السابع)
و هو محال و أيضا إنّ النفس تستكمل بهذه الصور فوجودات الصور أكمل من وجود النفس
فلا يمكن أن تكون تلك الصور مستندة إلى وجود النفس الّتي هي أضعف وجودا منها.(1)
1. راجع: بداية الحكمة، المرحلة الحاديةعشرة، الفصل العاشر.
إذا عرفت هذه نقول: لمّا كانت هذه الصور المجرّدة موجودات خارجيّة و مستقلاّت عن
النفس و إنشائها كان من الواجب أن يكون لها عالم خارجيّ آخر مستقلّ عن النفس و
إنشائها و هو عالم المثال إن كانت تلك الصور جزئيّة أو عالم العقول إن كانت كلّيّة
و النفس إذا اتّصلت من طريق الحواسّ بالموجود الخارجيّ المادّيّ استعدّت لأن تشاهد
هذا الموجود المثاليّ في عالم المثال أو الموجود العقليّ في عالم العقل، فالمعلوم
للنفس عند الإدراك و الحاضر لها، ليس إلاّ موجودا خارجيّا مثاليا أو عقليّا فيكون
هذا العلم علما حضوريّا لا علما حصوليّا لكن النفس لاتّصالها من طريق الحسّ إلى
الموجود الخارجيّ المادّيّ تنتظرُ أن يترتّب على معلومها الحاضر الآثار المطلوبة من
ذلك الموجود المادّيّ، ثمّ لا تجد تلك الآثار من معلومها الحاضر فتتوهّم أنّ
معلومها الحاضر عبارة عن ماهيّة ذلك الموجود المادّيّ بدون الأثر، فتحكم بأنّ هذا
المعلوم معلوم بالعلم الحصوليّ.
هذا توضيح مراد المصنّف رحمهالله لكن هنا محل نظر من وجوه:
الأوّل أنّ لنا مفاهيم معلومة بالعلم الحصوليّ كمفهوم شريك الباري و مفهوم اجتماع
النقيضين و مفهوم العدم المطلق و غيرها ممّا لا يمكن لها وجود خارجيّ فلو كان
المعلوم بالعلم الحصوليّ موجودا خارجيّا مثاليّا أو عقليّا لاستلزم ذلك وجود هذه
الممتنعات في عالم المثال أو العقل.
الثاني أنّ معلوميّة تلك المجرّدات المثاليّة أو العقليّة لنفوسنا، ممكنة و كلّ ما
أمكن للمجرد التامّ فهو له بالفعل دائما (إذ ليس في المجرّد التامّ الحالة
المنتظرة) فلا بدّ أن تكون تلك المجرّدات معلومة لنا دائما (و إلاّ كان معلوميّتها
لنا ملحقة على وجوداتها و هو محال) مع انّ معلوماتنا الحصوليّة حاصلة لنا بعد
الإكتساب فلا تكون دائمة الحصول لنا.
فإن قلت: إنّ تلك المجرّدات المثاليّة أو العقليّة حاضرات لنفوسنا دائما لكن النفس
لضعف وجودها و عدم تجرّدها فعلاً لا تجد هذا الحضور فعدم معلوميّة تلك الصور
المجـرّدة ليـس بلحاظ عدم حضورها لنا بل لأنّ النفـس لا تقـدر على درك حضورها.
قلت: العاقليّة و المعقوليّة متضائفان فيكونان متكافئين في الوجود و العدم و في
القوة و الفعل فإذا كان العاقليّة لنفوسنا بالقوة وجب أن يكون المعقوليّة لتلك
الصور بالقوّة و هو ينافي تجرّدها التامّ.
الثالث إذا كان المعلوم بالعلم الحصوليّ موجودا مثاليّا أو عقليّا دائما فمن أين
علمت النفس أنّ آثار الموجود المادّيّ لا يترتّب على معلومها الحاضرلها، فإنّ حكم
النفس بأنّ معلومها الحاضر لا يترتّب عليه آثار الموجود المادّيّ، متوقّف على علمها
بالموجود الخارجيّ المادّي كما هو موجود في عالم المادّة لا كما هو موجود في عالم
المثال أو العقل مع أنّ المفروض أنّ الحاضر عند النفس دائما ليس إلاّ الشيء بوجوده
المثاليّ أو العقليّ، فلا سبيل للنفس إلى العلم بالشيء كما هو موجود في عالم
المادّة فكيف قلتم إنّ النفس لمّا لم تجد ترتّب الآثار المطلوبة من الموجود
المادّيّ على معلومها الحاضر حكمت بأنّ معلومها الحاضر هو نفس الموجود المادّيّ من
دون الأثر.
الإحساس عبارة عن حصول صورة جزئيّة للنفس عند اتّصالها بالمعلوم الخارجيّ من طريق الحسّ؛ و التخيّل عبارة عن حصول تلك الصورة الجزئيّة لها بعد انقطاعها عنالخارج؛ و التعقّل عبارة عن حصول الصورة الكلّيّة لها كما سيّأتي في الفصل الثالث.
سيّأتي في المرحلة الثانية عشرة أنّ كثرة العقول تتصوّر بأحد وجهين طوليّ و عرضيّ؛ فالأوّل و هو حصول الكثرة طولاً أن يوجد عقل ثم يصدر منه عقل آخر ثم يصدر من العقل الثاني عقل ثالث و هكذا، فالعالي في الكثرة الطولية علّة للداني كما أنّ الداني معلول للعالي ، الثاني و هو حصول الكثرة عرضا بأن ينتهي العقول الطوليّة إلى عقول لا علّيّة و لا معلوليّة بينها، أي لا يكون أحدها علّة و لا معلولاً للآخر بل هما معلولان لعلّة ثالثة و المصنّف رحمهالله كما سيأتي لم يعتقد بالعقول العرضيّة بل اعتقد بالعقول الطوليّة فقط، فإذن إذا كان المعلوم عند العلم الحصوليّ بأمر مادّيّ، موجودا مجرّدا عقليّا فلا بدّ أن يكون ذلك الموجود المجرّد العقليّ من علل ذلك الأمر المادّيّ، إذ سيّأتي أنّ عالم العقول علّة للعالم المادّي و المفروض أنّه ليس هناك عقول لا علّيّة و لا معلوليّة بينها بل كلّ عقل علّة لما بعده حتّى تنتهي سلسلة العقول إلى عقل أخير هو علّة للعالم المادّيّ، فإذن العقل المشهود عند العلم بأمر مادّيّ إمّا أن يكون العقل الأخير أو علّة للعقل الأخير لكن علّة العلّة علّة، فعلى أيّ تقدير العقل المشهود علّة لذلك الأمر المادّيّ و هو المطلوب هذا و لكن تماميّة هذا البيان في مورد عالم المثال مشروطة بأن لا يكون هناك موجودات مثاليّة عرضيّة، إذ لو وجد هناك موجودات مثاليّة في عرض موجودات مثالية أخرى لاحتمل أن لا يكون ذلك الموجود المثاليّ المشهود من علل ذلك الأمر المادّيّ فتدبّر.
أقول: إذا لم يكن الحاضر عند النفس حين الإدراك إلاّ الشيء بوجوده المثاليّ أو
العقليّ فلا سبيل للنفس إلى العلم بماهيّة الشيء المنتزعة من وجوده المادّيّ و
خاصّة على مبنى المصنّف رحمهالله في أرباب الأنواع من أنّ العقول ليست متّحدة
الماهيّة مع الموجودات المادّيّة فحضور تلك المجرّدات الّتي ماهيّاتها مغايرة
لماهيّات الموجودات المادّيّة للنفس، لا يوجب العلم بماهيّات الأشياء كما هي موجودة
في عالم المادّة.
فإن قلت: أنّ الكمالات الّتي بها تكون الموجودات المادّيّة هي هي، موجودة في تلك
المجرّدات فالعلم بها علم بتلك الموجودات المادّيّة.
قلت: إنّ الموجودات المادّيّة بحدّها الخاصّ و مع تعيّنها الماهويّ لاتوجد
فيالمجرّدات حتّى تكون العلم بها علما بتلك المادّيات، مع أنّ المفروض العلم
بماهيّات المادّيات لا بوجوداتها الّلهم إلاّ أن يقال إنّ وجودات تلك المجرّدات
المثاليّة أو العقليّة و إن كانت مسلوبة عنها ماهيّات الموجودات المادّيّة إلاّ
انّها مُظهر لتلك الماهيّات المادّية و فرق بين كون الوجود مُظهرا لماهيّة من
الماهيّات و بين كونه وجودا لها فتدبّر.
أي انّ النفس لأجل اتّصالها من طريق الحسّ إلى الموجود الخارجيّ المادّيّ تنتظرُ أن يترتّب على معلومها الحاضر الآثار المطلوبة من ذلك الموجود المادّيّ ثمّ لاتجد الآثار من معلومها الحاضر فتضطرّ الى العلم الحصوليّ بأن تتوهّم أنّ معلومها الحاضر هو ماهيّة الموجود الخارجيّ من دون الآثار.
و ذلك لأنّ النفس بواسطة تعلّقها بالمادّة في فعلها لا يتيسّر لها مشاهدة تامّة لتلك المجرّدات المثاليّة و العقليّة بل مشاهدتها ايّاها مشاهدة ضعيفة و ملاحظة ناقصة كإبصارنا في هواء مغبّر من بُعد.
لأنّ العلم المفروض إمّا أن يكون جوهرا أو يكون عرضا، فإن كان جوهرا كان موجودا لنفسه بحكم جوهريّته و المفروض أنّه موجود للعالم فيلزم أن يكون العالم نـفس العلم، إذ لو كان العالم غيره لزم أن يكون موجودا لنفسه و لغيره و هو محال، و العلم مجرّد كما هو المفروض فيلزم أن يكون العالم الّذي هو نفس العلم مجرّدا، و إن كان عرضا كان وجوده لموضوعه و المفروض أنّه موجود للعالم فليزم أن يكون العالم عين موضوعه لأنّ العرض الواحد لا يوجد لموضوعين و حينئذٍ لو كان العالم و هو الموضوع مادّيّا للزم أن يكون العلم مادّيّا لأنّ له تغيّرا و انقساما بتبع تغيّر موضوعه المادّيّ و انقسامه فيكون مادّيّا لا مجرّدا و هذا خلف.
إن قلت: «إن أريد بالكمالات الممكنة ما يعمّ الكمالات الثانية كما هو الظاهر،
فهي غير حاصلة لجميع النفوس و إن أريد بها خصوص الكمالات الأوّليّة المقوّمة للنوع
فهي لا تختصّ بالمجرّدات بل الأنواع المادّيّة أيضا واجدة لها».
قلت: أريد بها الكمالات الأوّليّة و الفرق بين النفس و الأنواع المادّيّة أنّ
الهيولى و هي القابلة للكمالات اللاحقة كانت خارجة عن ذات النفس، لأنّ النفس مجرّدة
في ذاتها فليس في حريم ذاتها حيثيّة للقبول، فلو لحق بها كمال جديد كان القابل
هيولى البدن الخارجة عن حريم النفس فلا يكون لحوق الكمال الجديد تغيّرا في حريم
النفس بخلاف الأنواع المادّية حيث كانت الهيولى داخلة في حريم ذواتها الناقصة.
ليس المراد من المعلوم، المعلوم بالعرض (و هو الّذي وجوده العينيّ غير وجوده العلميّ كالفرس الخارجيّ) بل المراد منه المعلوم بالذات (و هو الّذي وجوده العينيّ عين وجوده العلميّ كالصور الحاضرة عند النفس) و أيضا ليس المراد من اتّحاد العالم بالمعلوم اتّحادهما في المفهوم ضرورة أنّ كلّ مفهوم غير الآخر فمفهوم العالم غير مفهوم المعلوم بالضرورة بل المراد منه اتّحادهما بحسب الوجود بأحد الوجهين: أحدهما أن يكون للعالم و المعلوم بالذات وجود واحد مع اختلاف في المرتبة كعلم كلّ من العلّة و المعلول بالآخر، فإنّ العلّة و المعلول و إن كان لهما وجود واحد إلاّ إنّ لكلٍّ مرتبة من الوجود غير ما للآخر و ثانيهما أن يكون لهما وجود واحد من غير اختلاف في المرتبة كعلم الإنسان بنفسه.
و التفاوت بينهما هو التفاوت بين الوجود و الماهيّة فهو باعتبار الوجود علم و بإعتبار الماهيّة معلوم.
توضيحه: أنّ المعلوم يجب أن يكون وجوده للعالم لأنّ العلم عبارة عن حصول المجرّد
للمجرّد، إذا عرفت هذا نقول: المعلوم إمّا أن يكون جوهرا موجودا لنفسه و أمّا أن
يكون عرضا موجودا لموضوعه، فإن كان جوهرا، كان موجودا لنفسه بحكم جوهريّته و موجودا
للعالم بحكم معلوميّته، فيلزم أن يكون العالم نفسه إذ لو كان العالم غيره لزم أن
يكون موجودا لنفسه و لغيره و هو محال لما تقدّم من أنّ الوجود في نفسه إمّا أن يكون
لنفسه أو لغيره فهما قسمان متقابلان لايجتمعان.
و إن كان عرضا كان موجودا لموضوعه بحكم عرضيّته و موجودا للعالم بحكم معلوميّته،
فيلزم أن يكون العالم هو الموضوع لأنّ العرض الواحد لا يوجد في موضوعين، فيجب أن
يكون العالم متّحدا مع الموضوع ثم العرض متّحد مع موضوعه و ذلك لما تقدّم من أنّ
وجود كلّ عرض من شؤون وجود موضوعه(1) فالعرض متّحد مع موضوعه و موضوعه عين العالم
كما تقدّم فالعرض المعلوم متّحد مع العالم و هو المطلوب.
فإن قلت: لو كانت المعلوميّة عبارة عن وجود المعلوم للعالم لوجب أن لا يكون الجوهر
معلوما لغيره لأنّ مقتضى معلوميّته للغير أن يكون وجوده للغير و مقتضى جوهريّته أن
يكون وجوده لنفسه و هما لا يجتمعان فالجوهر لا يكون معلوما للغير مع أنّه سيّأتي
أنّ الجواهر المجرّدة كلّها عاقلة و معقولة للآخر، مضافا إلى أنّه لا يساعد ما ذهب
إليه المصنّف من رجوع العلم الحصوليّ إلى الحضوريّ و أنّه مشاهدة للصور المجرّدة
المستقلّة فإنّ وجودها لأنفسها لا لنفوسنا، فلا يمكن أن تكون تلك الصور المجرّدة
معلومة لنا.
قلت: يمكن تصوير معلوميّة الجواهر لغيرها إذا تحقّقت بين العالم و المعلوم العلّيّة
و المعلوليّة بأن يقال: إنّ الجواهر المجرّدة و إن كانت موجودة لأنفسها إلاّ أنّها
لمّا كانت رابطة بالنسبة إلى عللها كانت فانية في وجود عللها و العلّة موجودة
لنفسها فهي معلومة لنفسها و المعلول غير خارج من وجود العلّة فهو معلوم بمعلوميّة
العلّة لنفسها و كذا العلّة عالمة بنفسها و
المعلول غير خارج من وجود العلّة فالمعلول عالم بالعلّة بعالميّة العلّة بنفسها.
1. راجع: الفصل الثالث من المرحلة الثانية و الفصل الثامن من المرحلة التاسعة.
حاصل الإشكال هو: أنّ المعلوم بالذات لا يصدق عليه الجوهريّة و لا الكمّيّة و لا الكيفيّة و لا غيرها بالحمل الشايع فليس الفرس المعقول مثلاً جوهرا و لا حجمه كمّا و لا لونه كيفا حقيقة و إذا كان الأمر هكذا فالإستدلال السابق على اتّحاد العاقل و المعقول عقيم، لأنّه يتوقّف على جوهريّة المعقول أو عرضيّته و هما ممنوعان كما تقدّم.
و ذلك لأنّ الشيء المفروض يصدق عليه العلّيّة والمعلوليّة فباعتبار كونه علّة لنفسه و العلّة متقدّمة بالوجود لزم تقدّمه على نفسه بالوجود و باعتبار كونه معلولاً لنفسه و المعلول متأخّر بالوجود لزم تأخّره عن نفسه بالوجود.
قد تقدّم البحث عنه في الفصلين الأوّلين من المرحلة الثانية فراجع إن شئت.
هذه العبارة و إن كانت لدفع ما تقدّم من الإشكال على اتّحاد العالم و المعلوم في العلم الحضوريّ غير أنّ نفسها إشكال آخر في مسألة العلم إذا كان العالم علّة و المعلوم معلولاً؛ و حاصل الإشكال هو: أنّ الشيء إذا كان معلوما لعلّته وجب أن يكون موجودا للعلّة إذ من شرط كون الشيء معلوما أن يكون موجودا للعالم كما تقدّم لكن المعلول لا يكون موجودا للعلّة، لأنّ الوجود للعلّة من أقسام الوجود المستقلّ لا الرابط والمعلول بالنسبة إلى علّته وجود رابط لا مستقلّ.
هذه العبارة جواب للإشكال المتقدّم بيانه و حاصله: أنّ المعلول لمّا كان رابطا بالنسبة إلى علّته كان من شؤون وجود علّته فليس وجوده خارجا من وجود علّته و العلّة موجودة لنفسها فهي معلومة لنفسها لكن المعلول ليس خارجا عن وجود علّته فهو معلوم للعلّة بمعلوميّة العلّة لنفسها.
حمل الحقيقة و الرقيقة هو الحمل الّذيكان الموضوع و المحمول متّحدين في أصل الوجود مختلفين في مرتبة الوجود، فإذا قلنا العلّة هو المعلول، معناه أنّهما متّحدان في الوجود مختلفان في المرتبة و لهذا الحمل نوعان حمل الضعيف على القويّ كما فيما نحن فيه و حمل القويّ على الضعيف كما في حمل العلّة على المعلول كما سيأتي.
كما في الرابط الّذي في القضيّة، فإنّ العلم به يتمّ بالعلم بمقوّمه الّذي هو الموضوع و المحمول.
هذه أيضا إشكال في مسألة العلم إذا كان العالم معلولاً و المعلوم علّته و حاصله:
أنّ من شرط كون الشيء معلوما أن يكون موجودا للعالم لكن العلّة لا تكون موجودة
لمعلولها حتّى تصير معلومة لمعلولها و ذلك لأنّ المعلول بالنسبة إلى العلّة وجود
رابط و من المستحيل أن يوجد للوجود الرابط شيء أقوى منه.
و حاصل الجواب: أنّ العلّة عالمة بنفسها لحضور ذاته المجرّدة لذاتها و المعلول ليس
خارجا من وجود العلّة بل هو من شؤون وجود العلّة فهو عالم بالعلّة بعالميّة العلّة
بنفسها.
لمّا كان مقتضى المعلوليّة هو الوجود الرابط و مقتضى المعلوميّة هو الوجود للعالم الّذي هو نوع من الوجود المستقلّ كان من الواجب كما تقدّم أن يؤوّل علم المعلول بالعلّة و علم العلّة بالمعلول إلى علم العلّة بنفسها إلاّ أنّ مآل علم المعلول بالعلّة إلى علم العلّة مع اعتبار أنّ المعلول من شؤون وجودها بنفس العلّة مع قطع النظر عن كون المعلول من شؤون وجودها و مآل علم العلّة بالمعلول إلى علم العلّة مع قطع النظر عن كون المعلول من شؤون وجودها بنفس العلّة مع اعتبار أنّ المعلول من شؤون وجودها.
لأنّ الانقلاب بهذا المعنى محال إذ بعد الانقلاب إن كان كلّ واحد من الشخصين موجودا فهما إثنان متميّزان لا شخصا واحدا و إن انعدم أحدهما و بقي الآخر ليس ذلك من الانقلاب المفروض بل انعدام لأحدهما و بقاء للآخر و إن انعدم كلّ واحد منهما ليس ذلك من الانقلاب أيضا بل انعدام لهما و حدوث شخص ثالث مغاير لهما.
تقدّم أنّ وجود المعلول ليس مغايرا لوجود العلّة بل هما متّحدان بحسب الوجود مختلفان بحسب المرتبة، فإذن المراد من الاتّحاد هنا عبارة عن أنّ هناك وجودا واحدا ذا مراتب و المرتبة العالية منه لوجود العلّة و المرتبتين النازلتين لوجود المعلولين، فالعلّة و كلّ واحد من المعلولين متّحدة في أصل الوجود مختلفة في المرتبة فمن المرتبة العالية ينتزع مفهوم العلّة و من المرتبتين النازلتين ينتزع مفهوم المعلولين اللذين هما العالم و المعلوم.
و ذلك لأنّ الاتّحاد المذكور اتّحاد الحقيقة و الرقيقة، بمعنى أنّ العالم و
المعلوم و إن كانا متّحدين في أصل الوجود لكنّهما مختلفان في المرتبة و بسبب
اختلافهما في المرتبة تحفظ شخصيّة العالم و المعلوم و نظير هذا الاتّحاد فيما نحن
فيه اتّحاد العرض و موضوعه الجوهريّ، فإنّ لهما وجودا واحدا بناءاً على ما هو
التحقيق من أنّ العرض من مراتب وجود الجوهر لكن مع ذلك تحفظ شخصيّة العرض و الجوهر
بسبب اختلافهما في مرتبة الوجود.
قد تقدّم في المرحلة الخامسة أنّ الكلّيّة و الجزئيّة وصفان حقيقيّان يوجدان في كلّ من الوجود و الماهيّة، إذ الكلّيّة عبارة عن حيثيّة الصدق على كثيرين و الجزئيّة عبارة عن حيثيّة عدم الصدق على كثيرين و صدق الشيء على الشيء ليـس إلاّ اتّحاده معه، فالكلّيّة عبارة عن اتّحاد حقيقة واحدة مع كثيرين و الجزئيّة عبارة عن عدم اتّحادها مع كثيرين، و حيث إنّ الاتّحاد قد يكون بحسب الخارج و قد يكون بحسب الذهن و قد يكون بحسب التقرّر الماهويّ فلا محاله الكلّيّة و الجزئيّة قد تكونان بحسب الخارج و قد تكونان بحسب الذهن و قد تكونان بحسب التقرّر الماهويّ؛ أمّا الأوّل كالوجود، فإنّ حقيقة الوجود باعتبار كونها حقيقة واحدة مشتركة بين الوجودات الخارجيّة متّحدة مع كلّ منها، كلّيّة تصدق على كثيرين و باعتبار ظهورها في وجودات خاصّة ممتازة كلّ منها عن الآخر جزئيّة غير صادقة كلّ منها على الآخر، و أمّا الثاني كمفهوم الوجود و هو ظاهر و أمّا الثالث كالماهيّة الجنسيّة بالنسبة إلى أنواعها، فإنّ الجنس حقيقة واحدة مشتركة بين أنواع كثيرة متّحدة مع كلّ منها بحسب التقرّر الماهويّ، فيكون كلّيا ماهويّا و أمّا الماهيّة المنتزعة من الوجود المتشخّص، فانّها متشخّصة آبية عن الإشتراك حقيقة لأنّها حدّ منتزع من الوجود المتشخّص الآبي عن الإشتراك و الحدّ تابع في السعة و الضيق لمحدوده، فكما أنّ الوجود الخاصّ متشخّص آبٍ عن الإشتراك كذلك الماهيّة المنتزعة منه متشخّصة آبية عن الإشتراك و إلاّ استقلّ الحدّ عن المحدود في سعته و هو باطل بالضرورة، فإذن جعل العلم الحصوليّ مقسما للكلّيّة والجزئيّة ليس في محلّه.
أي بحضور المادّة عند آلة الإحساس.
و ذلك لأنّ الصور العلميّة مطلقا مجرّدة، فلا يتصوّر فيها التغيّر بأيّ نحو كان، فلا معنى للتقشير و أمثال ذلك فيها.
و ذلك بأنّ النفس بعد إدراك أكثر من فرد واحد تقيس بعضها مع بعض، فتحصل لها الخصوصيّات الشخصيّة في تلك الأفراد ثمّ تصرف نظرها عن تلك الخصوصيّات الشخصيّة، فتستعدّ لأن تنظر إلى نفس المشتركات الماهويّة فتتوجّه إليها بعلم جديد مستأنف لا بتغيّر في الصورة الشخصيّة السابقة، لأنّ تلك الصور بعد تعقّل الماهيّة الكلّيّة باقية على ما كانت.
إذ كما أن لا ارتباط و لا علاقة بين تلك الصورة المدركة و غير مصداقها، كذلك لا علاقة بينها و بين مصداقها على ما هو المفروض، فإذن يجب إمّا أن تصدق على كلّ شيء أو لا تصدق على شيء و إلاّ لزم الترجيح بلا مرجّح و هو محال.
قالوا: إنّ الحواسّ الباطنة للإنسان كالحواس الظاهرة خمسة و هي الحسّ المشترك و الخيال و الواهمة و الحافظة و المتصرّفة؛ و الأوّل هي القوة الّتي بها تدرك النفس الصور المحسوسة؛ و الثاني هي القوّة الّتي بها تحفظ الصور المحسوسة، و الثالث هي القوّة الّتي بها تدرك المعاني الجزئيّة كالحبّ والبغض؛ و الرابع هي القوة الّتي بها تحفظ المعاني الجزئيّة؛ و الخامس هي القوّة الّتي بها تركّب الصور المحسوسة بعضها مع بعض أو المعاني الجزئيّة كذلك أو الصور المحسوسة مع المعاني أو تفصّلها.
بل الاتّصال فيها أشدّ، لأنّ الحبّ و البغض و الإرادة و الحزن و السرور و غيرها، من الأمور النفسانيّة الّتي هي معلومة بالعلم الحضوريّ، فحقايقها الخارجيّة عين صورها المعلومة للنفس فالنفس تتّصل بحقايقها الخارجيّة من غير واسطة بخلاف الصور الذهنيّة المأخوذة بالحواسّ الظاهرة، فإنّ النفس تتّصل بحقائقها الخارجيّة مع وساطة الصور الذهنيّة و الفعل و الإنفعال المادّيّين.
أي على ما تقدّم في الفصل الأوّل من هذه المرحلة من انتهاء العلم الحصوليّ إلى العلم الحضوريّ.
تقدّم أنّ وجود العرض في نفسه عين وجوده لموضوعه بمعنى أنّ ارتباط وجود العرض
بموضوعه و حاجته إليه ليس أمرا عارضا على وجود العرض بل كان عين وجوده، إذ لو كان
ارتباطه بموضوعه و حاجته إليه عارضا على وجود العرض لكان معناه أنّ وجود العرض في
مرتبة ذاته مستغنيا عن موضوعه، فليس في مرتبة ذاته عرضا بل كان جوهرا هذا خلف، فإذن
ثبت أنّ وجود العرض عين الحاجة إلى موضوعه الجوهريّ.
إذا تذكّرت هذا فنقول: لمّا كان وجود صفات النفس معلوما للنفس بالعلم الحضوريّ و
وجود تلك الصفات نفسها عين حاجتها إلى موضوعها كانت حاجة الصفات إلى موضوعها مشهودا
للنفس بعين مشهوديّة وجود الصفات، أي كما أنّ النفس تشاهد وجود تلك الصفات بالعلم
الحضوريّ تشاهد أيضا حاجتها إلى النفس الموضوعة له بعين ذلك العلم، فحيثيّة
الإتّكاء إلى الغير و الحاجة إلى الموضوع الّتي هي حقيقة العرضيّة معلومة للنفس
بالعلم الحضوريّ أولاً ثمّ إنّها تأخذ من هذا المعلوم الحضوريّ صورة ذهنيّة مطابقة
له و هو مفهوم العرض ثمّ إنّ النفس إذا عرفَت صفات للأشياء تحكم بأنّ لها موضوعا
كما أنّ لصفاتها موضوعا فتحكم بأنّ تلك الصفات من مصاديق مفهوم العرض.
حاصله: أنّ النفس تشاهد ذاتها و صفاتها القائمة بها بالعلم الحضوريّ ثم تقيس علمها الحضوريّ بذاتها و علمها الحضوريّ بصفاتها، فتجد أنّ الثاني يحتاج إلى الموضوع و هذا هو العلم الحضوري بعرضيّة صفاتها و الأوّل لا يحتاج إلى الموضوع و هذا هو العلم الحضوريّ بجوهريّة ذاتها ثمّ تأخذ من هذين العلمين الحضوريّين مفهوم العرض و الجوهر.
إذ تقدّم أنّ الإدراك ثلاثة أقسام و هي الإحساس و التخيّل و التعقّل، فالعلم الإحساسيّ يدلّ على أنّ وراء إدراكاتنا حقايق موجودة يمكن حضورها عند آلاتنا الحسّيّة، فتستعدّ بذلك النفس لإدراكها لكن حيث لايكون إدراكها بذاتها بل بواسطة صورة أخرى مجرّدة يعلم أنّ تلك الحقايق ليست مجرّدة، إذ لو كانت مجرّدة لأمكن إدراكها من غير واسطة، فثبت أنّ وراء إدراكاتنا حقايق مادّية و هو عالم المادّة، و التخيّل يدلّ على عالم المثال، و التعقّل يدلّ على وجود عالم العقل و ذلك لما تقدّم في الفصل الأوّل من انّ الصور المدركة الجزئيّة و الكلّيّة موجودات مجرّدة مستقلّة عن النفس و إنشائها فهناك موجودات مجرّدة عن المادّة و آثارها و هو عالم العقل و موجودات مجرّدة عن المادّة دون آثارها من الشكل و المقدار و الوضع و غيرها و هو عالم المثال.
و يقال له: «الخيال المنفصل» كما أنّه يقال للمثال الأصغر: «الخيال المتّصل».
أي عالم العقل علّة لعالم المثال و عالم المثال علّة لعالم المادّة و ذلكلأنّ عالم المثال لو لم يصدر من عالم العقل لوجب أن يصدر عن العلّة الّتي صدر منها عالم العقل و هو الواجب تعالي فلزم صدور المعلولين عن العلّة الواحدة و هو محال؛ و كذا لو لم يصدر عالم المادّة عن عالم المثال لوجب أن يصدر عن العلّة الّتي صدر عنها عالم المثال و هو آخر العقول الطوليّة كما سيّأتي فلزم صدور المعلولين عن العلّة الواحدة أيضا فتأمّل.
الشرّ عبارة عن زوال كمال أوّل أو ثانٍ عمّا من شأنه وجدان ذلك الكمال؛ و حيث كان الزوال يتصوّر في عالم المادّة فقط الّذي هو عالم التغيّر دون عالم المثال و العقل اللذين هما مجرّدان و لا تغيّر فيهما، فالشرّ لا يتصوّر إلاّ في عالم المادّة.
أي إمكان الزوال و التغير.
إنّ العلم الحصوليّ قد يحصل من طريق الانفعال من الخارج و قد يحصل لا من هذا الطريق؛ فإن حصل من طريق الإنفعال من الخارج كانت الصورة الحاصلة في الذهن في تحقّقها و ثباتها و تغيّرها تابعة للمعلوم الخارجيّ فبقاء المعلوم الخارجيّ و تغيّره يؤثّران في بقاء الصورة الذهنيّة و تغيّرها و هذا هو العلم الجزئيّ كعلمنا من طريق الرؤية مثلاً فإذا رأينا زيدا القائم انطبع في ذهننا صورته قائما، فإذا قعد انطبع في ذهننا صورة جديدة و هي صورته قاعدا و كذا إذا نام انطبع في ذهننا صورة جديدة و هي صورته نائما، و إن حصل لا من طريق الإنفعال من الخارج فالصورة الحاصلة في الذهن ليست تابعة للمعلوم الخارجيّ، لأنّها لا تأخذ منه و لذا تحقّقُ المعلوم الخارجيّ و ثباته و تغيّره لا تؤثّر في الصورة الذهنيّة و هذا هو العلم الكلّيّ كعلم المنجم؛ فإنّ المنجم يعلم أنّ القمر في ساعة كذا من يوم كذا ينخسف، لأنّه يعلم على أساس قواعد النجوم أنّ الأرض يحول بين الشمس و القمر في تلك الساعة فعلمه بالخسوف كلّيّ؛ لأنّ علمه بالخسوف قد حصل له لا من طريق الإنفعال من الخارج مثل الرؤية بل من طريق العلم بعلّة الخسوف و هي حيلولة الأرض بين الشمس و القمر، فزوال الخسوف في الخارج لا يؤثّر في زوال علمه بالخسوف، إذ علمه بالخسوف لا يحصل من الخارج حتّى يؤثّر زوال الخسوف في الخارج في زوال علمه بالخسوف.
لأنّ العلم بالشيء من طريق علّته محقّق و إن لم يتحقّق الشيء في الخارج، فليس هذا العلم حاصلاً من الانفعال من الخارج حتّى يتغيّر بتغيّر المعلوم الخارجيّ، فلا يكون جزئيّا بل هو كلّيّ.
توضيحه: أنّ «الف» إذا كانت علّة تامة لوجود «ب» فكونها علّة تامّة له لا تزول عنها لأنّ العلّة علّة بنفس ذاتها لا بوصف زائد عليها حتّى يمكن زوال وصفها و بقاء ذاتها و إلاّ لم تكن العلّة علّة حقيقة، هذا خلف، و لمّا كان العلم مطابقا للمعلوم (و إلاّ لم يكن العلم علما بل كان جهلاً مركّبا) و كان المعلوم ـ و هو علّيّة «الف» لوجود «ب» ـ ثابتا لا يتغيّر، كان العلم به ثابتا لا يتغيّر فإذا علم الإنسان بعلّيّة شيء كان علمه بعلّية ذلك الشيء ثابتا باقيا ببقاء العلّيّة لذلك الشيء، أي معيار بقاء هذا العلم بقاء العلّيّة لذلك الشيء لا تحقّق العلّيّة حال العلم بحيث يكون انتفائها موجبا لإنتفاء العلم، فهذا العلم كلّيّ إذ لا دخل للمعلوم في تحقّق هذا العلم حتّى يتغيّر العلم بتغيّر معلومه، ثمّ لمّا كان العلم بالمعلول حاصلاً من طريق العلّة كما هو المفروض كان معيار بقاء هذا العلم أمرين: الأوّل العلم بوجود العلّة في وعاء تحقّق المعلول؛ و الثاني بقاء علّيّة العلّة لوجود المعلول في ذلك الوعاء؛ و الأوّل مفروض الوجود، و الثاني قد تقدّم برهانه فالعلم بالمعلول في حال العلم بالعلّة باق سواء كان المعلول نفسه حين العلم به معدوما في الخارج أو موجودا باقيا أو موجودا زائلاً، فالعلم بالمعلول من طريق العلّة كلّيّ إذ قد ثبت أن لا دخل للمعلوم في تحقّق ذلك العلم حتّى يتغيّر بتغيّر معلومه.
إنّ هيهنا إشكالين: الأوّل أنّ الاعتراف بتغيّر الصورة العلميّة الجزئيّة بتبع
المعلوم الخارجيّ ينافي البناء على تجرّد العلم مطلقا، و الثاني أنّ العلم كيف
يتعلّق بالتغيّر و الحركة مع أنّ العلم عبارة عن حضور صورة مجرّدة للمدرك.
و الجواب عن الإشكال الأوّل أن يقال: إنّ المراد بتغيّر العلم بتبع المعلوم
الخارجيّ حصول صورة جديدة من المعلوم للنفس لا التبدّل و التغيّر في صورته الحاصلة
للنفس، لأنّ صورته الحاصلة باقية على ما كانت حتّى بعد الحركة و لذا نذكرها بعينه
بعد انقضاء الحركة، نعم لمّا كانت العلوم الإنفعاليّة لا تفارق اعمالاً مادّيّة
صادرة عن مظاهر القوى النفسانيّة كالعين و الأذن و غيرهما كان ظهورها للنفس تابعة
للفعل و الإنفعال المادّيّين الواقعين في تلك المظاهر و بانقطاعهما ينقطع الظهور،
فالتغيّر إنّما يقع في مرحلة المظاهر البدنيّة(1) لا في نفس الصور العلميّة.
و الجواب عن الإشكال الثاني: أنّ لوجود التغيّر وجها من الثبات لأنّ التغيّر ثابت
في تغيّره، و ثباته و تغيّره و إن كانا متّحدين بحسب الوجود لكن الغلبة لوجهه
المتغيّر في النشأة المادّيّة و لوجهه الثابت في نشأة المجرّدات، و النفس عند
الإستعداد لإدراك الحركة يحضر عندها وجود الحركة بوجهه الثابت لا بوجهه المتغيّر.
1. راجع: تعليقة المصنّف على الأسفار: 3 / 408.
توضيحه: أنّ المعلول معلوم للعلّة بالعلم الحضوريّ بوجهين: أحدهما علم العلّة
بالمعلول في مرتبة ذات العلّة، و ثانيهما علمها به في مرتبة ذات المعلول؛ أمّا
الأوّل فلأنّ العلّة في مرتبة ذاتها واجدة لوجود المعلول، فاذا كانت العلّة عالمة
بنفسها بسبب حضور ذاتها لذاتها و المعلول غير خارج من ذاتها كان المعلول معلوما
للعلّة بنفس ذلك العلم، ثم لمّا كان المعلول معلوما للعلّة بنفس علم العلّة بذاتها
و علم العلّة بذاتها عين ذاتها كانت مرتبة علم العلّة بالمعلول، في هذا الوجه مرتبة
وجود العلّة و من الواضح أنّ مرتبة وجود العلّة متقدّمة على مرتبة المعلول بوجوده
الخاصّ به، فإذن علم العلّة بالمعلول في هذا الوجه ثابت قبل وجود المعلول، فليس هذا
العلم تابعا لوجود المعلول حتّى يتغيّر بتغيّر المعلول و لذا كان هذا العلم كلّيّا.
و أمّا الثاني فلأنّ المعلول بوجوده الخاصّ به رابط بالنسبة إلى العلّة فهو حاضر
الوجود للعلّة، فيكون معلوما للعلّة بنفس وجوده الخاصّ به، ثم لمّا كان العلم و
المعلوم هنا شيء واحد كان التغيّر في المعلوم تغيّرا في العلم، فإذا تغيّر المعلوم
تغيّر العلم و لذا كان هذا العلم جزئيّا.
هذا توضيح الكلام و لكن في تعميم التقسيم بحيث يشمل العلم الحضوريّ تأمّل؛ و ذلك
لأنّ المعلوم الحضوريّ لا يتطرّق إليه التغيّر حتّى يكون تغيّره موجبا لتغيّر
العلم، لأنّ المعلوم في العلم الحضوريّ عين العلم و العلم مجرّد مطلقا، فلا يتطرّق
إليه التغيّر حتّى يكون جزئيّا. نعم بناءاً على ماذهب إليه الإشراقيّون من إمكان
العلم الحضوريّ في المادّيّات يمكن التعميم المذكور فتدبّر.
هذا تقسيم للعقل باعتبار أنحاء وجود المعقولات للعقل، فإنّ المعقولات إمّا أن تكون موجودة للعقل بالقوّة أو تكون موجودة له بالفعل؛ و الثاني إمّا أن تكون موجودة له بالوجود التفصيليّ بحيث يكون كلّ معقول متميّزا عن غيره أو تكون موجودة له بالوجود الإجماليّ، أي يكون لكلّها وجود واحد بسيط، فالعقل بالإعتبار الأوّل يسمّى عقلاً بالقوّة و بالاعتبار الثاني يسمّى عقلاً تفصيليّا و بالإعتبار الثالث يسمّى عقلاً إجماليّا.
أي كما أنّه لم يعقل شيئا من المعقولات بالفعل كذلك لا يكون نفسه معقولاً
بالفعل، إذ لو كان معقولاً بالفعل لكان عاقلاً بالفعل لاتّحاد العاقل و المعقول و
قد فرض عدم تعقّله شيئا من المعقولات بالفعل هذا خلف.
فإن قلت: إنّ المجرّد عاقل لنفسه دائما فكيف قلتم إنّ العقل بالقوة بالنسبة إلى
عامّة المعقولات.
قلت: المراد من المعقول هنا المعلوم بالعلم الحصوليّ لا الحضوريّ و النفس إذا كانت
عقلاً بالقوة خالية عن العلم الحصوليّ مطلقا حتّى بالنسبة إلى نفسها.
ليس المراد من الإجمال الإبهام المفهوميّ بل المراد بساطة وجود العقل الجامع للمعقولات.
توضيحه يتوقّف على أمرين:
الأوّل أنّه تقدّم أنّ المعقول في العلم الحصوليّ عبارة عن موجود مجرّد عقليّ يحضر
بوجوده الخارجيّ عند المدرك في حال التعقّل.
الثاني أنّ لكلّ ممكن نحوين من الوجود أحدهما وجوده التفصيليّ و هو وجوده الخاصّ به
و ثانيهما وجوده الإجماليّ و هو وجوده المنطوي في وجود علّته، فإنّ كلّ معلول قبل
وجوده الخاصّ به موجود بوجود علّته و هو وجود جامع للمراتب النازلة في عين بساطته،
فإذن إنّ لكلّ عقل نحوين من الوجود: أحدهما وجوده التفصيليّ و هو وجوده الخاصّ به و
ثانيهما وجوده الإجماليّ و هو وجوده المنطوي في العقول الّتي فوقه. فإنّ العقل
الأوّل مثلاً جامع لكلّ العقول الّتي بعده بوجوده البسيط فالعقول النازلة موجودة
بوجود بسيط جامع و هو وجود العقل الأوّل، فبناءاً على مراعات ما تقدّم نقول في
التقسيم: المدرِك إمّا أن يحضره الموجود المجرّد العقليّ أو لا يحضره ذلك فإن لم
يحضره الموجود المجرد العقليّ فالمدرِك عقل بالقوة و إن حضره ذلك فالحاضر امّا ان
يكون حاضرا بوجوده التفصيليّ و إما أن يكون حاضرا بوجوده الإجماليّ، فإن كان الأوّل
فالمدرك هو العقل التفصيليّ و إن كان الثاني فالمدرك هو العقل الإجماليّ.
هذا تقسيم باعتبار ترتيب حصول المعقولات له، فإنّ النفس في الابتداء خالية عن جميع المعقولات ثم تعقل البديهيّات ثانيّا ثم تعقل النظريّات باستنتاجها من البديهيّات، ثالثا ثم إذا تجرّدت تجرّدا تامّا عقليّا اتّحدت مع العقل الفعّال الّذي هو جامع للحقايق كلّها بوجوده البسيط، فتعقل الحقائق كلّها بالاتّحاد مع العقل الفعّال.
سمّي به لأنّ قوة الإدراك في المرتبة الأولى عدم و الإدراك في هذه المرتبة ملكة ذلك العدم.
توضيحه يتوقّف على أمرين: الأوّل أنّه تقدّم أنّ التعقل انّما هو باتّحاد العاقل
و المعقول، الثاني أنّه تقدّم أيضا أنّ العقول المفارقة جامعة بوجودها البسيط
للحقائق الّتي دونها و ذلك لأنّ العقول في طول علل ساير الممكنات و العلّة جامعة
بوجودها لمعلولها ولمعلول معلولها و هكذا.
إذا عرفت هذين نقول: إنّ النفس إذا تجرّدت تجرّدا تامّا عقليّا، فإنّها لتمام ذاتها
و كونها فعليّة محضة يمكن أن تعقل جميع ما يمكن أن يُعقل و كلّ ما كان للمجرّد
بالإمكان فهو له بالفعل، فالنفس إذا تجرّدت تجرّدا تامّا تعقل بالفعل جميع ما يمكن
أن يُعقل و ممّا يمكن أن يُعقل هو العقل الفعّال الّذي هو بوجوده البسيط المجرّد
جامع للحقائق كلّها (كما تقدّم في الأمر الثاني) فالنفس عند التجرّد التامّ تعقل
العقل الفعّال لكن التعقّل إنّما هو باتّحاد العاقل و المعقول (كما تقدّم في الأمر
الأوّل) فالنفس عند التجرّد التامّ تتّحد مع العقل الفعّال و هو جامع بوجوده البسيط
لكلّ الحقائق فالمتّحد معه (و هو النفس) جامع للحقائق كلّها، فهي عالَم علميّ مضاهٍ
للحقائق العينيّ و هو المطلوب.
هذا معارض لما تقدّم في آخر الفصل الثالث من أنّ النفس تنشيء أحيانا صورا حقّة صالحة و أحيانا صورا جزافيّة تعبث بها فتدبّر.
تقدّم في آخر المرحلة الثامنة أنّ العلل الجسمانيّة لا تفعل إلاّ مع وضع خاصّ بينها و بين المادّة المنفعلة، فلو فرض أنّ الأمر المادّيّ يفيض هذه الصور المجرّدة للنفس لوجب ان يتخلّل بين ذلك الأمر المادّيّ و النفس المنفعلّة وضع خاصّ لكن لمّا كانت النفس مجرّدة و لا وضع بينها و بين غيرها كان شرط تأثير الأمر المادّيّ مفقودا فلا يمكن أن تكون المفيض أمرا مادّيّا.
لأنّ العقل المفيض من العلل العالية لسائر الممكنات (كما تقدّم في الفصل الثالث) و العلّة جامعة بوجودها لمعلولها و لمعلول معلولها، فالعقل المفيض جامع بوجوده البسيط المجرّد لحقائق الممكنات، فحقائق الممكنات معقولة له عقلا إجماليّا بسبب حضور ذاتها البسيطة الجامعة لحقاتق الممكنات لذاتها.
فإن قلت: الصورة العقليّة المفاضة إن كانت نفس ما تتّحد معه النفس الّذي هو
العقل المفيض كان العقل المفيض و الصورة العقليّة المفاضة على النفس شيئا واحدا و
هو محال، لاستلزامه تقدّم الشيء على نفسه.
و إن كانت غير ما تتّحد معه النفس كان هذا منافيا لما سبق من أنّ التعقل عبارة عن
اتّحاد العاقل و المعقول؛ فإنّ النفس في هذا الفرض تتّحد مع العقل المفيض لكنّها
تعقل صورة أخرى غيرما تتّحد معه.
قلت: يمكن الجواب عنه بأن يقال: إنّا نختار أنّ الصورة العقليّة المفاضة نفس ما
تتّحد معه النفس لكن نمنع استلزامه تقدّم الشيء على نفسه، لأنّ للعقل المفيض
المسمّى بالعقل الفعّال وجودا لنفسه و وجودا لأنفسنا، و بعبارة أخرى: إنّ المفاض
على النفس و المتّحد معه النفس ظهوراته لنا و ظهور الشيء عين الشيء بوجه و غيره
بوجه و المفيض على النفس وجه منه و هو وجوده لنفسه و المفاض على النفس و المتّحد
معها وجه آخر منه و هو وجوده و ظهوره لأنفسنا، فلا يلزم تقدّم الشيء على نفسه.
أي في الفصل السابق من المرحلة الخامسة ، ثمّ إنّ انحصار النوع المجرد في الفرد بعد تماميّة برهانه لايلزم منه أن تكون سلسلة العقول طوليّة لجواز أن يكون في كلّ حلقة عقول كثيرة مختلفة الماهيّة منحصرة في الفرد.
إنّ كثرة العقول المتبائنة تتصوّر على أحد وجهين: طوليّ و عرضيّ، و الأوّل و هو الكثرة الطوليّة أن يوجد عقل ثم يصدر منه عقل آخر ثم يصدر من العقل الثاني عقل ثالث و هكذا و كلّما وجد عقل زادت جهة أو جهات فيه حتّى ينتهي إلى عقل تتحقّق فيه جهات من الكثرة بحيث يفي بصدور النشأة الّتي بعد نشأة العقل، و الثاني و هو الكثرة العرضيّة أن ينتهي العقول الطوليّة إلى عقول لا علّيّة و لا معلوليّة بينها بحذاء الأنواع المادّيّة يدبّر كلّ منها ما بحذائه من النوع المادّيّ و تسمّى هذه العقول ارباب الأنواع و المثل الأفلاطونيّة.
لأنّ جهات الكثرة في العقل الأخير يفي بصدور الكثرات المادّيّة بخلاف العقول
العالية.
هذه تفسير لقوله «معلوم واحد»، فالمراد من وحدة المعلوم في التصوّر عدم تقارنه للإيجاب أو السلب لا عدم تعدّد التصوّرات كما توهّم فلا يرد عليه أنّ من التصوّر ما هو مركّب تركيبا ناقصا لا يصحّ السكوت عليه كالتركيب الإنضماميّ و مقدّم الشرطيّة، فلا تغفل.
لمّا كان التصديق قسما من العلوم الحصوليّة عرّفه المصنّف بأنّه هو الصورة
الذهنيّة الّتي معها إيجاب أو سلب و هذا بخلاف مذهب الحكماء حيث قالوا إنّ التصديق
نفس الحكم مع أنّ الحكم من العلوم الحضوريّة لا الحصوليّة.
قال صدر المتألّهين: «إنّ هيهنا أمورا ثلثة: أحدها نفس الحكم أي الإيقاع و الإنتزاع
و هو فعل نفسانيّ ليس من قبيل العلم الحصوليّ و الصورة الذهنيّة، و ثانيها تصوّر
هذا الحكم و هو أيضا من قبيل العلم الحصوليّ الصوريّ لكنّه ليس بتصديق بل من أفراد
مقابل التصديق ... و ثالثها التصوّر الّذي لا ينفكّ عن الحكم بل يستلزمه و هذا هو
التصديق المقابل للتصوّر القسيم له».(1)
1. راجع: رسالة التصوّر و التصديق لصدر المتألّهين.
فيه أنّ الموضوع و المحمول في الهليّات البسيطة شيء واحد في الخارج و لذا لا نسبة هناك؛ إذ لا معنى لتخلّل النسبة بين الشيء و نفسه، أمّا في الذهن فإنّهما متغايران و إلاّ لكانت القضيّة في الهليّات البسيطة مركّبة من جزئين و هما الموضوع و الحكم لا من أجزاء ثلاثة لكن التالي باطل فالمقدّم مثله، فإذن النسبة بين الموضوع و المحمول في الهليّات البسيطة متخلّلة، إذ وعاء القضيّة هو الذهن لا الخارج فالمعيار في تعداد أجزائها هو الذهن لا الخارج.
هكذا تكون العبارة في النسخ الموجودة عندنا لكن الظاهر أنّ العبارة الصحيحة هكذا: «إنّ القضيّة الحمليّة السالبة مؤلّفة من الموضوع و المحمول و النسبة الحكميّة الإيجابيّة و لا حكم فيها ...»؛ لأنّ السالبة ترفع ما تثبت الموجبة و إلاّ لم تكن السالبة نقيضا للموجبة، فالنسبة الموجودة في القضيّة السالبة هي النسبة الموجودة في الموجبة، أضف إلى هذا أنّ هذه العبارة المصحّحة موافقة للعبارة الموجودة في بداية الحكمة فراجع.
لمّا كان التقابل بين القضيّة الموجبة و السالبة تناقضا و كان مفاد القضيّة
الموجبة هو الحكم باتّحاد الموضوع و المحمول كان من الواجب أن تكون القضيّة السالبة
فاقدة للحكم لأنّ نقيض كلّ شيء رفعه، فالقضيّة السالبة ترفع فيها الحكم فتكون فاقدة
للحكم هذا من جانب و من جانب آخر إنّ القضيّة السالبة وجب أن يكون لها الحكم
لوجهين:
الأوّل أنّه لو لم يكن في السالبة حكم لم تكن تامّة أي لم يصحّ السكوت عليها لكن
التالي باطل بالضرورة (فانّ السوالب تصحّ السكوت عليها كالموجبات) فالمقدّم مثله.
الثانيأنّه لو لم يكن في السوالب حكم لم يبق فرق بين القضايا السالبة و المشكوكة،
فإنّ السالبة و المشكوكة مشتركتان في تصوّر الموضوع و المحمول و النسبة بينهما، فلو
لم يكن افتراقهما بوجود الحكم في السالبة و عدم الحكم في المشكوكة لم يبق فرق،
بينهما لكن هذا التالي باطل بالضرورة (فإنّ بين العلم بعدم قيام زيد مثلاً و الشكّ
في قيامه فرقا بالضرورة) فكذا المقدّم، فإذن البرهان قائم بوجود الحكم و بعدمه معا
في السوالب، فهذه عويصة وجب حلّها، فنقول بعون اللّه إنّ القضايا السالبة فاقدة
للحكم بالذات واجدة له بالعرض.
بيان ذلك: أنّ القضيّة السالبة بما هي سالبة لا حكم فيها، لأنّ السالبة نقيض
الموجبة و مفاد الموجبة هو الحكم بالاتّحاد بين الموضوع و المحمول و نقيض الحكم
بالاتّحاد (الّذي هو مفاد السالبة) عدم الحكم بالاتّحاد، فإذن السالبة فاقدة للحكم
لكن النفس بعد مقايسة الموضوع و المحمول في السالبة تدرك مغايرتهما بحسب الوجود،
فتحكم بقضيّة أخرى موجبة، فإنّ النفس بعد مقايسة الإنسان و الحجر مثلاً تدرك
مغايرتهما وجودا، فتحكم بقضيّة «الإنسان مغاير للحجر»، فهذه قضيّة موجبة تحكم فيها
باتّحاد موضوعها و هو «الإنسان» ومحمولها و هو «مغاير للحجر»، ثم لمّا كانت قضيّة
«الإنسان مغاير للحجر» تلزمها قضيّة «الإنسان ليس بحجر»، (لأن الحكم بالمغايرة
يلزمه عدم الحكم بالاتّحاد) جعلت النفس هذا اللازم مكان الملزوم، فتوهّم انّ
القضيّة اللازمة (و هي السالبة) واجدة للحكم، ففي الحقيقة الحكم موجود في تلك
الموجبة لكن لمّا كانت تلك الموجبة ملازمة للسالبة توهّمت النفس أنّ الحكم موجود في
السالبة، فظهر أنّ السالبة لا حكم فيها بالذات و ان كان فيها موجودا بالعرض؛ و
تبيّن ممّا تقدّم: أوّلاً أنّ صحّة السكوت في السالبة إنّما هي بلحاظ كونها واجدة
للحكم بالعرض .
ثانيا أنّ الفرق بين السالبة و المشكوكة حاصل، لأنّ المشكوكة لا حكم فيها أصلاً لا
بالذات و لا بالعرض بخلاف السالبة، فإنّ فيها حكما بالعرض.
و ثالثا أنّ كلّ قضيّة سالبة لازم لقضيّة موجبة أخرى موضوعها موضوع السالبة و
محمولها عنوان «المغاير» منسوبا إلى المحمول المذكور في السالبة، كقولنا: «مغاير
للحجر» في المثال السابق.
و إلاّ لم يكن تقابل السلب و الإيجاب تقابل التناقض بل تقابل التضاد .
إذا كان المعيار في الحاجة إلى تصوّر النسبة هو الحكم فهذا المعيار موجود في
الهليّات البسيطة لأنّ من أجزائها الحكم كما اعترف به المصنّف رحمهالله فالنسبة في
الهليّات البسيطة متخلّلة و إن لم تكن من أجزائها.
فإن قلت: إنّ النسبة الحكميّة إنّما هي تصاحب القضايا من جهة كون المحمولات في
الهليّات المركّبة موجودة للموضوعات، فيضطرّ الذهن إلى تصوّر ارتباطها
بالموضوعات(1) أمّا الهليّات البسيطة لمّا لم تكن المحمولات فيها موجودة للموضوعات
بل إنّها عين الموضوعات فلا اضطرار للذهن إلى تصوّر ارتباطها بالموضوعات.
قلت: إنّ وجود الأشياء غير زائد على ماهيّاتها في الخارج، و أمّا في الذهن فإنّ
الوجود زائد على الماهيّة فليس المحمول عين الموضوع في الذهن، ففي الذهن الّذيهو
وعاء القضيّة تتخلّل النسبة بين الموضوع و المحمول (لأنّ المعيار و هو الحكم موجود)
و إن كان التخلّل في الخارج محإلاّ إذ لا معنى لتخلّل النسبة بين الشيء و نفسه.
1. راجع: تعليقة المصنّف على الأسفار: 1 / 366.
توضيحه: أنّ للموضوع «كزيد» و المحمول «كالقائم» اتّحادا بحسب الوجود في الخارج و النفس عند ما تتلقّى زيدا القائم يحصل لها منه صورة واحدة و هي صورة زيد القائم، ثم إنّ النفس قد تجد زيدا قاعدا فيحصل لها منه صورة أخرى و هي صورة زيد القاعد، ثم تقيس النفس هاتين الصورتين فترى أنّهما مشتركتان في زيد و مختلفتان في القيام و القعود، فتستعدّ بذلك أن تفهم أنّ زيدا القائم ليس شيئا واحدا فحسب، بل له جهة كثرة في عين كونه شيئا واحدا، و بتعبير آخر: إنّ النفس قبل المقايسة تجد زيدا القائم شيئا واحدا و بعد المقايسة تجد ذلك الشيء الواحد معنونا بعنوانين: عنوان زيد و عنوان القائم، فتُجزّي ذلك الشيء الواحد إلى عنواني زيد والقائم، فإذن قد حصل هنا للنفس أمران: الأوّل أنّ ذلك الشيء الواحد ينحلّ إلى زيد و القائم، و الثاني أنّ زيدا و القائم متّحدان في الوجود؛ لأنّ النفس قد رأتهما صادقين على ذلك الشيء الواحد ثمّ النفس إذا أرادت حكاية ما وجدته من الخارج (و هو الاتّحاد بين زيد و القائم) أخذت زيدا و القائم المخزونين عندها فجعلتهما واحدا بعد ما وجدتهما كذلك في الخارج، فهذا الجعل المسبوق بإدراك الإتّحاد بين الموضوع و المحمول هو الحكم.
إنّ الحكم مسبوق بإدراك الإتّحاد بين الموضوع و المحمول، لأنّ النفس لا تجعل
الموضوع و المحمول واحدا من غير توجّه إلى ما وجدته من الخارج، بل النفس تجعلهما
واحدا بعد ما وجدتهما كذلك في الخارج و لذا نرى أنّ النفس عند الشكّ لا تحكم بحكم
أصلاً، فإذن الحكم فعل يصدره النفس مطابقا لما وجدته من الخارج فيكون حاكيا عن
الخارج و هذا بخلاف ساير أفعال النفس، فإنّ الارادة مثلاً فعل صادر من النفس لكنّها
لا تحكي عن الخارج، لأنّ النفس أوجدتها من غير توجّه إلى ما وجدته من الخارج.
المفهوم كلّما كان أعمّ كان أجزائه المأخوذة فيه عند التحليل أقلّ، فكان وضوحه عند الذهن أكثر و خفائه أقلّ و لذا كان المفاهيم العامّة الّتي لا أعمّ منها كالوجود و الشيء و الوحدة و غيرها أبده المفاهيم و لذا مثّل المصنّف بهذه المفاهيم.
لا يخفى أنّ الوجدانيّات ليست قسما برأسه بل هي قسم من المحسوسات و أيضا أنّ الحدسيّات و هي قسم من الأقسام الستّة لم تذكر في كلام المصنّف رحمهالله و لذا نقول «كما قالوا» إنّ البديهيّات ستة: الأوّل الأوّليّات و هي القضايا الّتي يحكم بها العقل بمجرّد تصوّر طرفيها كالكلّ أعظم من الجزء، الثاني المحسوسات و يقال لها المشاهدات أيضا و هي القضايا الّتي يحكم بها العقل بواسطة الإحساس إمّا بواسطة الحسّ الظاهر و تسمّى الحسّيّات كالعلم بأنّ الشمس مضيئة و امّا بواسطة الحسّ الباطن و تسمّى الوجدانيّات كالعلم بأنّ لنا خوفا، و الثالث المتواترات و هي القضايا الّتي يحكم بها العقل بواسطة السماع من جمع كثير أحال العقل تواطئهم على الكذب كالمكّة موجودة، و الرابع التجربيّات و هي القضايا الّتي يحكم بها العقل بمشاهدة متكرّرة مفيدة لليقين كالحديد ينبسط عند التسخّن، و الخامس الفطريّات و هي القضايا الّتي يحكم بها العقل بواسطة لا تغيب عن الذهن عند تصوّر حدودها كالأربعة زوج، فانّ من يتصوّر الأربعة و الزوج يتصوّر الإنقسام بمتساويين في الحال و يرتّب في ذهنه أنّ الأربعة منقسمة بمتساويين و كلّ منقسم بمتساويين فهو زوج فالأربعة زوج ، و السادس الحدسيّات و هي القضايا الّتي يحكم بها العقل بحدس قويّ من النفس مفيد للعلم كالحكم بأنّ نور القمر مستفاد من الشمس لاختلاف تشكّلاته النوريّة بحسب اختلاف أوضاعه من الشمس.
و لذا لا يمكن البرهان على هذه القضيّة البديهيّة إذ كلّ قضيّة مأخوذة في البرهان انّما صحّ أن يستدلّ بها اذا كانت يقينيّة الصدق حتّى تنتج اليقين، لكن إذا لم تمنع القضيّة من نقيضها كان ذلك النقيض محتمل الصدق و احتمال صدق النقيض يوجب احتمال كذب الأصل فلا يكون يقينيّ الصدق حتّى ينتج البرهان المركّب منها يقينا، و بعبارة أخرى: صدق القضيّة المأخوذة في برهانه متوقّف على صدق هذه القضيّة البديهيّة (إذ لولاها لكان نقيضها محتمل الصدق، فيوجب أن يكون أصل القضيّة محتمل الكذب فلا ينتج البرهان منها يقينا) فيلزم الدور.
و هو مركّب من مقدّمتين: إحديهما شرطيّة و الأخرى وضع أو رفع لأحد جزئي الشرطيّة و لمّا كانت الشرطيّة هنا منفصلة حقيقيّة أنتج وضع المقدّم رفع التالي و وضع التالي رفع المقدّم و رفع المقدّم وضع التالي و رفع التالي وضع المقدّم بأن نقول: إمّا أن يكون الإيجاب صادقا أو يكون السلب صادقا لكن الإيجاب صادق فليس السلب صادقا، أو نقول: لكن السلب صادق فليس الإيجاب صادقا، أو نقول: لكن الإيجاب ليس بصادق فالسلب صادق أو نقول لكن السلب ليس بصادق فالإيجاب صادق.
لأنّ الشكّ في قولنا: «إمّا أن تكون القضيّة صادقة أو نقيضها» معناه أنّ النقيض محتمل الصدق عند صدق الأصل لكن احتمال صدق النقيض يوجب احتمال كذب الأصل بالضرورة فلا يكون الأصل معلوم الصدق بل هو مشكوك الصدق.
و إلاّ أمكن كذب النقيضين عند صدق الواسطة و هو باطل بالضرورة.
تقدّم البحث عنه في الفصل السادس من المرحلة السابعة فراجع إن شئت.
كالعلم بانّ كلّ قضيّتين متناقصتينفإنّ إحديهما باطلة كاذبة و العلم بأنّهما لا يجتمعان و لا يرتفعان و كالعلم بوجود القضايا و أجزائها، لأنّ حكمه بصدق قضيّة أو كذبها فرع وجود القضيّة في موطنها الخاصّ فاُلزم بوجود القضيّة و أجزائها و موطنها الّذي هو الذهن، ثم لمّا كان الصدق و الكذب عبارة عن تطابق القضيّة و عدم تطابقها مع الواقع اُلزم بوجود الواقعيّات حتّى تكون القضيّة مطابقة أو غير مطابقة لها فتكون صادقة أو كاذبة.
فإن اعترف بالألم في بدنه فقد اعترف بعلم مّا فيضاف إليه تسليمه لقضيّة أولى الأوائل و تعقب ذلك علوم أخرى كما مرّ و إن لم يعترف بالألم، فليضرب ثانيا حتّى الإعتراف، هذا جواب له بالعمل أمّا الجواب العلميّ فنقول: إنّ إظهار الشكّ في الشكّ اعتراف بالشكّ أيضا، لأنّ الشكّ في الشكّ شكّ أيضا، فإظهاره اعتراف بالشكّ، و ثانيا إنّ الإنسان لو شكّ في شيء لم يمكن أن يشكّ في ذلك الشكّ، إذ فرض الشكّ في شيء عين فرض العلم بوجود ذلك الشكّ، لأنّ الشكّ معلوم بالعلم الحضوريّ و العلم الحضوريّ عين وجود المعلوم، ففرض الشكّ في الشيء عين فرض معلوميّة الشكّ فلا يمكن أن يكون الإنسان شاكّا في شكّه.
هكذا تكون العبارة في النسخ الموجودة عندنا لكن الصحيح هكذا: «فتسلم طرفي النقيض في المسألة بعد المسألة» كما في بداية الحكمة.
أي كما أنّ علمهم بوجود الأناسيّ كاشف عن وجود الأناسيّ في الخارج، كذلك علمهم بوجود الأشجار مثلاً كاشف عن وجود الأشجار في الخارج و لا فرق بينهما حتّى يقال: إنّ الأوّل كاشف عن وجود الأناسيّ في الخارج و الثاني غير كاشف عن وجود الأشجار.
فإنّ الباصرة ترى قرص القمر مثلاً أصغر بمراتب من مقداره الحقيقيّ و اللامسة تحسّ الحرارة من ماء، إذا كان مسبوقا بإحساس البرودة و تحسّ البرودة من نفس ذلك الماء إذا كان مسبوقا بإحساس الحرارة .
لأنّ الصدق و الكذب عبارة عن تطابق المدركات و عدمها مع الحقائق الخارجيّة، فلو لم تكن هناك حقائق خارجيّة تطابقها المدركات أو لا تطابقها، ليس للصدق و الكذب والصواب و الخطاء معنى.
الفرق بين هذا القول و الأقوال السابقة أنّ القائل بهذا القول يعترف بوجود الحقائق الخارجيّة وراء الإدراك لكن يقول إنّ إدراكاتنا لا تكون كاشفة عنها بخلاف الأقوال السابقة، فإنّ القائلين بالأقوال السابقة ينكرون الحقائق الخارجيّة وراء الإدراك أو يظهرون الشكّ فيها.
فإنّ قولكم: «لا شيء من المعلوم يطابق الخارج» نفسه قضيّة معلومة فهو محكوم بعدم المطابقة مع الواقع، فمن أين جاء اعتقادكم بصحّة هذا القول، و أيضا الحكم بعدم المطابقة فرع العلم بالواقع على ما هو عليه، لأنّ الإنسان لو لم يعلم الواقع لم يعلم أنّ الصورة الحاصلة في ذهنه مطابقة للواقع أو غير مطابقة له، فلازم الحكم بعدم كاشفيّة العلم عن الواقع الكاشفيّة عن الواقع و هذا هو التناقض المحال و استحالة التناقض تستلزم استحالة عدم كاشفيّة العلم عن الواقع.
قد تقدّم أنّ القائل بهذا القول يعترف بأنّ هناك حقائق خارجيّة وراء الإدراك لكن يقول انّ ادراكاتنا لا تكون كاشفة عنها، فنقول إنّ عدم كاشفيّة العلم يوجب الشكّ في جميع الأمور حتّى في قولكم: «إنّ هناك حقائق وراء الإدراك»، فمأل قولكم إنكار مطلق العلم الّذيهو السفسطة.
قد فسّر بعض المعاصرين القائلين بهذا القول، شرائط الوجود بالتغيّرات الحاصلة في
العلوم فإنّه قال إنّ التغيّر في كلّ علم يوجب التغيّر في كلّ المعارف البشريّة،
فالقضيّة الصادقة في زمان صارت كاذبة إذا ترقّت المعارف البشريّة، و يردّ هذا القول
امور:
الأوّل أنّ هذا القول يناقض نفسه كما سيأتي بيانه .
الثاني أنّ التغيّر في علم لو كان موجبا للتغيّر في جميع المعارف البشريّة للزم
الخلف أو التسلسل أو الدور، لأنّ حدوث حالة في علم إن لم يكن بسبب حدوث حالة أخرى
في علم آخر لم يكن زوال تلك الحالة في العلم المفروض بزوال حالة في سائر العلوم
لأنّ الشيء إذا لم يكن وجوده معلولاً لوجود شيء لم يكن عدمه معلولاً لعدم ذلك
الشيء، فتلك الحالة في العلم المفروض باقية ثابتة و إن زال عن سائر العلوم حالاتها،
فالعلم المفروض مصون عن التغيّر و إن حصل التغيّر في سائر العلوم و هذا خلف، إذ
المفروض أنّ التغيّر في كلّ علم يوجب التغيّر في جميع المعارف البشريّة، و إن كان
بسبب حدوث حالة في علم آخر نقلنا الكلام في تغيّر ذلك العلم الآخر و نقول: إنّ حدوث
حالة فيه أيضا بسبب حدوث حالة في علم آخر على الفرض و هلمّ جرّا، فإمّا أن يذهب
الأمر إلى غير النهاية و هو التسلسل أو يرجع إلى حدوث تلك الحالة الأولى في العلم
المفروض و هو الدور و التالى بشقوقه باطل فكذا المقدّم.
الثالث أنّ كاشفيّة العلم عن الواقع صفة لازمة ضروريّة الثبوت له، أي العلم بذاته
من دون دخل شيء آخر كاشف عن الواقع حاك عن الخارج بالضرورة و البرهان عليه أنّ
العلم لو لم يكن بذاته كاشفا عن الواقع للزم التناقض و التالي باطل بالضرورة فكذا
المقدّم، أمّا بيان الملازمة فإنّا إذا فرضنا أنّ «ج» معيار تامّ لثبوت «ب» لـ «ج»
كان «ج» «ب» بالضرورة؛ لأنّ تخلّف المعلول عن علّته التامّة محال، ثم إنّا إذا
فرضنا حصول العلم بانّ «ج» «ب» فإن كان علمنا بذلك مطابقا للواقع من دون دخل للغير
في المطابقة كان العلم بذاته كاشفا عن الواقع من دون دخل للغيّر في كاشفيّته و هو
المطلوب، و إن لم يكن علمنا بأنّ «ج» «ب» مطابقا للواقع لزم أن يكون الواقع خلاف ما
اعتقدناه من انّ «ج» «ب» فيجب أن لا يكون «ج» «ب» في الواقع، لكن لمّا كان «ج»
معيارا تامّا لثبوت «ب» لـ «ج» كان من الواجب أن يكون «ج» «ب» في الواقع فيجب أن
يكون «ج» «ب» و أن لا يكون «ج» «ب» و هذا هو التناقض، فإذن ثبت أنّ العلم بذاته مـن
دون دخل للغير كاشف عن الواقع.
برهان آخر إنّ العلم لو لم يكن بذاته كاشفا عن الواقع لكان جهلاً و التالي باطل
فكذا المقدّم أمّا الملازمة: فلأنّ الجهل ليس إلاّ عدم انكشاف الواقع للمدرك و
المفروض هنا أنّ الشيء كما هو عليه في الواقع لا ينكشف بنفس العلم فيكون العلم
بالشيء جهلاً به و أمّا بطلان التالي فلانّ العلم و الجهل متقابلان و المتقابلان لا
يمكن اجتماعهما في شيء واحد، فلا يمكن أن يكون العلم بالشيء جهلاً به فإذن ثبت أنّ
العلم بذاته كاشف عن الواقع ففرض تحقّق العلم بالشيء مساوق لفرض انكشاف ذلك الشيء
كما هو عليه في الواقع فلا يمكن تحقّق العلم بشيء بدون انكشاف ذلك الشيء كما هو
عليه في الواقع.
فإن قلت: الواقعيّات الخارجيّة متبدّلة دائما فلو كان العلم ثابتا لا يتغيّر للزم
عدم انطباق العلم على الواقع، فيكون كاذبا فلم يكن كاشفا عن الواقع فتغيّر العلم
بتبع تغيّر الواقع شرط في كاشفيّة العلم فلم يكن العلم بذاته كاشفا عن الواقع.
قلت: ليس معنى تغيّر العلم بتبع تغيّر الواقع بطلان العلم السابق و زوال صدقه بل
معناه حصول علم جديد بواقعيّة جديدة من دون أن يصير العلم السابق كاذبا، فانّا إذا
علمنا بقيام زيد في ساعة كان هذا العلم أي العلم بانّ زيدا قائم في تلك الساعة
صادقا كاشفا عن قيام زيد في تلك الساعة و لو لم يكن زيد قائما فيما بعد تلك الساعة.
ثم إذا ثبت أنّ العلم بذاته كاشف عن الواقع ثبت أنّ القضية المعلومة بما هي معلومة
ضروريّة الصدق، لأنّ الصدق عبارة عن مطابقة العلم للمعلوم الخارجيّ و العلم إذا كان
بذاته كاشفا عن الشيء كما هو عليه في الواقع كان مطابقا للواقع بالضرورة، فكلّ
قضيّة معلومة وجب أن تكون صادقة و إلاّ لم تكن كاشفة عن الواقع فلم تكن معلومة و
هذا خلف؛ فالصدق كالكاشفيّة صفة لازمة ضروريّة الثبوت للقضيّة المعلومة و إذا ثبت
أنّ الصدق صفة لازمة ضروريّة الثبوت للقضيّة المعلومة ثبت أنّ زواله عن القضيّة
المعلومة محال، لأنّ زوال اللازم الضروريّ عن ملزومه محال، فإذن القضيّة إذا كانت
صادقة في ظرف كما هو المفروض فهي صادقة دائما فلا يمكن أن تكون صادقة في ظرف و
كاذبة في ظرف آخر، فالترقّي في سائر المعارف البشريّة لا يؤثّر في صدق قضيّة معلومة
أصلاً، إذ لو أثّر لم يكن العلم بذاته صادقا مطابقا للواقع بل يحتاج فيه إلى الغير
فلم يكن بذاته كاشفا و قد تقدّم بطلانه، فإذن القول بانّ صدق العلم نسبيّ باطل، نعم
الإنسان قد يخطأ فيزعم ما ليس بعلم علما فيلتزم بصدق قضيّة ثمّ ينكشف له خطائه في
ذلك، فيلتزم بكذبها لكن هذا لا يضرّ بما تقدّم من أنّ التغيّر في صدق القضيّة
المعلولة محال لأنّ الواقع في تلك القضيّة المفروضة مجهول حقيقة و لا علم لنا بذلك
فالتغيّر فيه ليس تغيّرا في صدق قضيّة معلومة.
الدوام و الكلّيّة و الضرورة هنا بمعنى الدوام والكلّيّة و الضرورة في الصدق، أي المراد بها الدوام و الكلّيّة والضرورة في باب البرهان لا في باب القضايا و سيأتي تفسيرها في الفصل اللاحق.
إذ لو كان قولكم: «العلوم نسبيّة» نفسه من العلوم النسبيّة لكان اللازم أن يكون هذا القول صادقا في بعض الشرائط و غير صادق في بعض آخر و إذا لم يكن صادقا في بعض الشرائط كان اللازم أن يصدق نقيضه في تلك الشرائط و هو قولنا: «بعض العلوم ليس نسبيّا» فيكون ذلك البعض صادقا مطلقا فيناقض قولكم «العلوم نسبيّة».
سيأتي في الفصل اللاحق أنّ الإنسان يعتبر المفاهيم النفس الأمريّة الحقيقيّة
لأنواع الأعمال التي هي حركات مختلفة و متعلّقاتها، للحصول على غايات حيويّة مطلوبة
كاعتبار الرئاسة لرئيس القوم ليكون من الجماعة بمنزلة الرأس من البدن في تدبير
أموره، فهذه المفاهيم تابعة في اعتبارها للغايات المترتبة عليها فتكون نسبيّة.
لأنّ الخارجيّة و الذهنيّة ليستا عين ذات الماهيّة بل الماهيّة لمكان عدم أصالتها فرع للوجود، فإن كان خارجيّا فخارجيّة تترتّب عليها الآثار و إن كان ذهنيّا فذهنيّة لا تترتّب عليها الآثار، ثم قيّد الماهيّة بقوله «المقولة ...» لأنّ الماهيّة بالمعنى الأعمّ (أي ما به الشيء هو هو) شامل لبعض الإعتباريّات كالوجود.
فإنّ الوجود مثلاً إن ترتّب عليه الآثار كان خارجيّا فلم يدخل الذهن الّذي حيثيّته حيثيّة عدم ترتّب الآثار، و إن لم يترتّب عليه الآثار كان ذهنيّا لكن ليس هذا نفس حقيقة الوجود الخارجيّ؛ لأنّ ترتّب الآثار نفس حقيقة الوجود الخارجيّ فلو سلب ترتّب الآثار عن الوجود انقلب عن حقيقته و عمّا هو عليه، فليس الداخل في الذهن نفس حقيقة الوجود فإذن لا يمكن دخول حقيقة الوجود في الذهن.
«عنقاء شكار كس نشود دام بازگير».
و هي الصفات الّتي تتّحد مع الوجود مصداقا و تخالفه مفهوما فتكون من عوارض الوجود بتحليل الذهن.
لأنّ الوجود الذهنيّ وجود عارض على نفس ما يقبل الوجود الخارجيّ (و إلاّ لزم السفسطة كما تقدّم المرحلة الثالثة) و إنّما التفاوت في ترتّب الآثار و عدم ترتّب الآثار، فإنّ ما يعرضه الوجود الخارجيّ يترتّب عليه الآثار و ما يعرضه الوجود الذهنيّ لا يترتّب عليه الآثار، فلو فرض للعدم حيثيّة يعرضها الوجود الذهنيّ لوجب أن تكون تلك الحيثيّة نفس ما يقبل الوجود الخارجيّ مع أنّ المفروض أنّ العدم عين حيثيّة أنّه ليس في الخارج فلا يمكن أن يقبل الوجود إلاّ بانقلابه عن حيثيّته المفروضة له.
لما تقدّم من أنّ الوجود الذهنيّ عارض على نفس ما يقبل الوجود الخارجيّ، فلو لم يكن للشيء حيثيّة تقبل الوجود الخارجيّ لم يكن له وجود ذهنيّ و أيضا أنّ الوجود الذهنيّ وجود حاك فلو لم يكن للشيء وجود خارجيّ (و لو بالتقدير) يحكي عنه الوجود الذهنيّ لم يكن الوجود الذهنيّ وجودا ذهنيّا.
فإن قلت: على ما تقدّم من «أن لا وجود ذهنيّا لما لا وجود خارجيّا له» كيف يمكن
أن تكون لهذه المفاهيم مصاديق ذهنيّة فقط، فإنّه لو كان لهذه المفاهيم مصاديق
ذهنيّة لوجب أن يكون لها مصاديق خارجيّة و إلاّ بطلت القاعدة المتقدّمة.
قلت: إنّ القاعدة المتقدّمة تقول: إنّ الوجود الخارجيّ ثابت لما ثبت له الوجود
الذهنيّ، و الحيوان مثلاً بما أنّه مصداق لمفهوم الجنس ليس موجودا ذهنيّا و إن كان
موجودا في صقع النفس لكن ليس كلّ ما يوجد في النفس وجودا ذهنيّا لأنّ حيثيّة الوجود
الذهنيّ حيثيّة الحكاية عن الغير، فلا بدّ أن يكون ما به يُنظر إلى الغير لا ما
يُنظر إليه نفسه و الحيوان بما أنّه مصداق لمفهوم الجنس ليس ما به ينظر إلى مصاديقه
بل هو مصداق لمفهوم الجنس، فيُنظر إليه نفسه فإذن الحيوان الموجود في الذهن بهذا
الإعتبار ليس موجودا ذهنيّا حتّى يقال: إنّ ما كان له الوجود الذهنيّ لابدّ أن يكون
له الوجود الخارجيّ فتدبّر.
أي إنّ مصداقه يوجد في الذهن فقط و إن لم يكن هذا المصداق من الموجودات الذهنيّة لما تقدّم في الحاشية السابقة.
فانّ العلوم الحصوليّة منتزعة من المصاديق لما تقدّم في الفصل الثالث.
حاصله: أنّ النفس تحكم باتّحاد الموضوع و المحمول و الحكم الّذيهو فعل النفس وجود رابط تنشأه النفس بين الموضوع و المحمول، لأن تجعلهما واحدا ثم إنّ للنفس أن تنظر إلى فعله الّذيهو وجود رابط نظرا استقلاليّا مضافا إلى موصوفه بأن تتصوّر ثبوت المحمول للموضوع مستقلاًّ، كما أنّ للنفس أن تنظر إلى المعاني الحرفيّة نظرا استقلاليّا بأن تتصوّر معنى اسميّا كالابتداء لِمِن مثلاً، ثمّ إنّ النفس تجرّد هذا المعنى المضاف عن مايضاف إليه فتتصوّر الثبوت مفردا من غير إضافة و بهذا، تمّ انتزاع مفهوم الثبوت و الوجود عن مصداقه الموجود في صقع النفس.
تقدّم في الفصل الثامن أنّ النفس لا تجعل الموضوع و المحمول واحدا من غير توجّه إلى ما وجدته من الخارج بل النفس تجعل الموضوع و المحمول واحدا بعد ما وجدتهما واحدا في الخارج و لذا عند الشكّ لا تحكم بالاتّحاد، فإذن الحكم فعل من النفس يبيّن ما وجدته من الخارج فهو حاك عن الخارج.
أي ما صدق عليه مفهوم الوجود مثلاً و إن كان مصداقا لمفهوم الوجود لكن مصاديق الوجود ليست بأفراد ذاتيّة للوجود بل بالعرض بخلاف أفراد الماهيّات؛ فإنّ الأفراد الخارجيّة للماهيّات أفراد ذاتيّة لها، لانحفاظ الماهيّة في موطن الذهن و الخارج فصدق مفهوم الإنسان مثلاً على فرده الخارجيّ صدق على نفس حقيقته لا على أمر خارج من حقيقته، فمصداقه الخارجيّ مصداق حقيقيّ له لكن الأفراد الخارجيّة للوجود ليست أفرادا ذاتيّة للوجود، لأنّ الحاصل في الذهن من الوجود ليس هو حقيقة الوجود (لمامرّ توضيحه) فليس الوجود الخارجيّ متّحد الحقيقة مع الحاصل في الذهن من الوجود حتّى يكون صدقه على فرده الخارجيّ صدقا على فرده الحقيقيّ، فإذن ليس صدق الوجود على أفراده نظير صدق الماهيّة على أفرادها بل نظير صدق مفهوم الأبيض على أفراد الإنسان، فإنّ زيدا و عمروا و غيرهما ليسوا أفرادا ذاتيّة للأبيض بما هو البيض بل أفراد له بالعرض.
أمّا الوجوب فإنّ النفس إذا حكمت بثبوت الشيء لنفسه في قضيّة «الإنسان إنسان»
مثلاً تجد بالضرورة أنّ هذا الثبوت ثبوت ضروريّ و لمّا كان هذا الثبوت الّذي هو
وجود رابط تنشأه النفس بين الموضوع و المحمول معلوما للنفس بالعلم الحضوريّ كان
الوجوب و الضرورة الّذي هو وصف ذلك الثبوت معلوما للنفس بالعلم الحضوريّ أيضا ثمّ
إنّ النفس تأخذ من هذا المعلوم الحضوريّ مفهوم الوجوب و الضرورة.
و أمّا الوحدة فإنّ النفس جعلت الموضوع و المحمول واحدا في القضيّة الموجبة فتجد من
فعلها (و هو الحكم) واقعيّة الوحدة ثمّ تأخذ منها مفهوم الوحدة و كذا النفس في
القضيّة السالبة تجد مغايرة و تطاردا بين الموضوع و المحمول فتأخذ منها مفهوم
الكثرة.
و أمّا الفعل و هو حيثيّة ترتّب الآثار المطلوبة على الشيء، فإنّ النفس تجد ترتّب
آثار نفسها على ذاتها فتأخذ من هذا الترتّب (المعلوم بالعلم الحضوريّ) و أمثاله
مفهوم الفعل؛ و أمّا القوّة ففيها خفاء، لأنّ طريق حصول المفهوم للذهن كما تقدّم
عبارة عن إنتزاع الصورة الذهنيّة عن واقعيّة المدرك الّذي هو معلوم للنفس بالعلم
الحضوريّ و القوّة الّتي هي حيثيّة عدم ترتّب الآثار المطلوبة على الشيء غير موجودة
بواقعيتها عند النفس؛ إذ كلّما حضر واقعيّتها للنفس فهو مجرّد و لازم تجرّده ترتّب
جميع آثاره عليه، فلا يكون عند النفس وجود بالقوّة حتّى تأخذ منه مفهوم القوّة.
و يمكن أن يقال: إنّ النفس لمّا كانت متّحدة مع البدن المادّي تجد البدن المادّيّ
بالعلم الحضوريّ فتجد إمكانات البدن و إستعداداته للكمالات أيضا بتبع وجدانها البدن
ثم تأخذ من هذا المعلوم الحضوريّ الأخير مفهوم القوّة فتدبّر.
تقدّم في الفصل الثامن أنّ القضايا السالبة لا حكم فيها إلاّ بالعرض، بمعنى أنّ
السالبة بما هي سالبة لاحكم فيها لكن لمّا كان كلّ قضيّة سالبة لازما لقضيّة موجبة
أخرى و الموجبة واجدة للحكم جعلت النفس هذا اللازم مكان الملزوم فتوهّمت أنّ
السالبة، واجدة للحكم مع أنّ الحكم في الحقيقة للموجبة الّتي هي ملزومة للسالبة لا
لنفس السالبة بما هي سالبة فإذن النفس و إن لم تحكم في القضيّة السالبة بحكم لكنّها
اعتبرت عدم حكمها حكما مجازا بعلاقة اللزوم بين الموجبة الملزومة و السالبة اللازمة
و إذا اعتبرت عدم حكمها حكما تُجري خواصّ الحكم على عدم حكمها، لأنّها اعتبرته حكما
و من جملة خواصّ الحكم أنّه فعل النفس (كما تقدّم) فإذن كما اعتبرت عدم حكمها في
السالبة حكما كذلك تعتبر عدم حكمها فعلاً.
ثم لمّا اعتبرت عدم حكمها فعلاً أمكن أن تأخذ منه صورة ذهنيّة، لأنّ العدم بما هو
عدم لا شيئيّة له حتّى يمكن أخذ المفهوم عنه لكن النفس إذا اعتبرت عدم حكمها فعلاً
يخرج عدم الحكم عن كونه عدما محضا، فيصير موجودا و لو اعتبارا فيمكن أخذ الصورة عنه
و لذا تأخذ النفس صورة ذهنيّة من هذا العدم الّذي اعتبرته فعلاً، كما أنّها تأخذ
صورة ذهنيّة من حكمها الّذي هو فعل لها حقيقة، و هذه الصورة المأخوذة هي مفهوم سلب
المحمول عن الموضوع ثم إنّ النفس تحذف المضاف إليه عن هذا المفهوم فتتصوّر السلب و
العدم مطلقا.
لأنّ الحدّ يتركّب من الجنس و الفصل و الجنس و الفصل من أجزاء الماهيّة، فيكونان من سنخ الماهيّات فإذن الحدّ للماهيّة و بالماهيّة لكن المفاهيم الإعتباريّة ليست من الماهيّات حتّى يكون لها حدّ أو تؤخذ في حدّ.
فانّ المفهوم الكلّيّ عبارة عن ما لايأبى عن الصدق على كثيرين و لمّا كان أفراد الماهيّات أفرادا لها بالذات (لانحفاظ حقيقتها في الذهن و الخارج) كان صدق الماهيّة على أفرادها صدقا حقيقيّا، فكان اتّصاف الماهيّات بالكلّيّة اتّصافا حقيقيّا و بالذات و أمّا المفاهيم الإعتباريّة فلمّا لم يكن أفرادها أفرادا بالذات (لاختلافها مع أفرداها في الحقيقة) لم يكن صدقها على أفرادها صدقا حقيقيّا بل مجازيّا و بالعرض، فإذن اتّصاف المفاهيم الإعتباريّة بالكلّيّة اتّصاف مجازي و بالعرض.
فإنّ الإضافة موجودة بوجود طرفيها، إذ لو وجدت بوجود منحاز لوجب أن تتقوّم بموضوعها، لأنّها عرض و العرض متقوّم بموضوعه لكن التقوم بالموضوع نفسه من مقولة الإضافة فيعرض على الإضافة إضافة أخرى و هذه الإضافة أيضا وجودها منحاز على الفرض فيعرضها التقوم بالموضوع أيضا و هلمّ جرّا فيتسلسل.
و ببيان آخر: إنّ الاعتبار هو إعطاء حدّ الشيء أو حكمه لشيء آخر بتصرّف الوهم.(1)
فإنّ الزوجيّة بين الرجل و المرئة مثلاً إذا كانت بالاستعارة و المجاز يصحّ سلبها عنهما حقيقة و إذا صحّ سلبها عنهما حقيقة صحّ سلب حدّ الزوجيّة عنهما حقيقة، لأنّ النسبة بين الحدّ و المحدود التساوي فلا يصدق الحدّ فيما لا يصدق المحدود، فإذن الحدّ منتفٍ في المعاني الإعتباريّة. نعم كما أنّ الزوجيّة بين الرجل و المرئة صادقة عليهما بالإستعارة و المجاز، كذلك حدّ الزوجية صادقة عليهما بالإستعارة و المجاز.
1. راجع: الرسائل السبعة للمصنّف، ص 129.
إعلم أنّ المراد من الضرورة و الدوام و الكلّيّة في باب البرهان غير ما يراد
منها في باب القضايا، فإنّ المراد من الضرورة في باب البرهان الضرورة في الصدق
بمعنى أنّ القضيّة يجب أن تكون واجبة الصدق و ممتنعة الكذب لا بمعنى وجوب ثبوت
المحمول للموضوع كما هو معنى الضرورة في باب القضايا، فإذن ربّما تكون القضيّة
ضروريّة بحسب ضرورة باب البرهان و هي غير ضروريّة بحسب ضرورة باب القضايا كقولنا:
«الإنسان موجود بالإمكان» هذه القضيّة و إن كانت ممكنة بحسب باب القضايا لكنّها
ضروريّة بحسب باب البرهان لأنّها واجبة الصدق و ممتنعة الكذب، و المراد من الدوام
في باب البرهان الدوام في الصدق أيضا بمعنى أنّ القضيّة يجب أن تكون دائمة الصدق لا
بمعنى دوام ثبوت المحمول للموضوع كما هو معنى الدوام في باب القضايا، فإذن ربّما
تكون القضيّة دائمة بحسب دوام باب البرهان و هي غير دائمة بحسب دوام باب القضايا
كقولنا: «كلّ إنسان متنفّس بالفعل» فإنّ ثبوت التنفّس للإنسان و إن كان في بعض
الأوقات لكن هذا القول صادق في جميع الأوقات، أي يصحّ في كلّ زمان أن يقال: الإنسان
متنفّس في بعض أوقات وجوده بخلاف قضيّة «القمر منخسف»، فإنّ هذه القضية غير دائمة
في باب البرهان، لأنّ انخساف القمر ليس دائم الصدق بل يكون صدقه في بعض الأوقات و
هو وقت حيلولة الارض بين الشمس و القمر، فإذن قضيّة «القمر منخسف» صادقة بحسب وقت
الحيلولة فقط لا في جميع الأوقات ، و المراد من الكلّيّة في باب البرهان الكلّيّة
في الصدق أيضا بمعنى أنّ القضيّة يجب أن تكون صادقة في جميع الأفراد المذكورة في
القضيّة و في جميع أحوال تلك الأفراد لا بمعنى ثبوت المحمول للموضوع لكلّ أفراد
الموضوع كما هو معنى الكلّيّة في باب القضايا، فإذن ربّما تكون القضيّة كلّيّة بحسب
كلّيّة باب البرهان و هي غير كلّيّة بحسب باب القضايا كقولنا: «بعض الحيوان ناطق»
فإنّ هذه القضيّة و إن كانت جزئيّة في باب القضايا لكنّها كلّيّة في باب البرهان،
لأنّ هذه القضيّة صادقة في جميع أحوال بعض الحيوان، فإنّ الإنسان (و هو بعض
الحيوان) في جميع أحواله ناطق بخلاف قضيّة «كلّ كاتب متحرّك الأصابع»، فإنّ هذه
القضيّة و إن كانت كلّيّة في باب القضايا (لأنّ المراد منها أنّ كلّ ذات ثبت لها
الكتابة وقتا مّا ثبت لها تحرّك الأصابع) إلاّ أنّها جزئيّة في باب البرهان؛ لأنّ
هذه القضية صادقة في حال ثبوت الكتابة لذات الموضوع لا في جميع الأحوال، فإنّ أفراد
الكاتب في حال النوم مثلاً لا يحرّكون أصابعهم.
ثم إنّ مقدمات البرهان يجب أن تكون ضروريّة و دائمة و كلّيّة؛ لأنّ اليقين الّذي
لابدّ منه في البرهان لا يحصل إلاّ بهذه القيود؛ إذ لو لم تكن المقدّمة ضروريّة
الصدق لكانت محتملة الكذب فليست يقينيّة و لو لم تكن دائمة الصدق لكانت كاذبة في
بعض الأوقات، فلم يبق لنا اليقين بمفادها و لو لم تكن كلّيّة الصدق لكانت كاذبة في
بعض الأحوال فلم يبق لنا اليقين أيضا.
و ذلك لأنّ المعاني الإعتباريّة بما أنّها استعارات ، يصحّ سلبها عن مصاديقها فلا تكون المقدّمة الّتي أخذت فيها الإعتباريّات، صادقة حقيقة، فضلاً عن كون صدقها ضروريّا أو دائميّا أو كلّيّا.
و ذلك لأنّ اعتبار تلك المعاني يكون للحصول على غايات نافعة في المجتمعات الإنسانيّة فغاياتها النافعة للمجتمعات توجب أن يعتبرها أفراد المجتمع كلّهم أو بعضهم فتطابق على الإعتقاد بها آرائهم أو آراء طائفة خاصّة منهم فتكون من المشهورات و يكون القياس المؤلّف منها جدلاً.
هذه هي النسبيّة الّتي ذكرها المصنّف رحمهالله و وعدها في الفصل السابق، فإنّ
القضايا المأخوذة فيها الإعتباريّات، صادقة عند من اعتبر معانيها الإعتباريّة و
كاذبة عند من لا يعتبرها؛ فإنّ قضية «زيد رئيس» صادقة عند من اعتبر أن يكون زيد
رئيسا بالنسبة إلى القوم و كاذبة عند من لا يعتبره كذلك و أيضا قضية «زيد مالك
بالنسبة إلى ما حازه من الربا» صادقة عند الآكلين للربا المجوّزين له و كاذبة عند
الشرع.
تقدّم أنّ معيار المعلوميّة عبارة عن موجوديّة شيء مجرّد لشيء مجرّد و هذا
المعيار موجود في علم الجواهر المجرّدة بنفسها، لأنّ كلّ جوهر مجرّد موجود لنفسه
حاضر لذاته بالضرورة فهو عالم بنفسه علما حضوريّا، لكن الالتزام بهذا المعيار في
علم العلّة بالمعلول يوجب إشكالاً؛ و ذلك لأنّ معلوميّة المعلول للعلّة على هذا
المعيار تقتضي أن يكون المعلول موجودا للعلّة لكنّ المعلول لا يكون موجودا للعلّة،
لأنّ الوجود للعلّة من أقسام الوجود للغير و الوجود للغير من أقسام الوجود المستقلّ
و المعلول بالنسبة إلى علّته ليس من الوجودات المستقلّة بل هو رابط بالنسبة إليها،
فلا يكون المعلول موجودا للعلّة حتّى يكون معلوما للعلّة؛ و المصنّف تفصّى عن هذا
الإشكال بإرجاع علم العلّة بالمعلول إلى علم العلّة بنفسها (كما تقدّم في الفصل
الثاني).
بيان ذلك: إنّ المعلول لمّاكان وجودا رابطا بالنسبة إلى علّته كان متّحد الوجود مع
علّته فليس وجوده خارجا عن وجود علّته و العلّة موجودة لنفسها، فإذن لمّا كانت
العلّة موجودة لنفسها و المعلول غير خارج عنها كان من الواجب أن يكون المعلول
موجودا للعلّة و بذلك تحقّق معيار المعلوميّة في علم العلّة بالمعلول.
أقول: علم العلّة بالمعلول له مرتبتان؛ لأنّ المعلول كما أنّه موجود في مرتبته
الخاصّة كذلك موجود في مرتبة وجود علّته، فيكون العلم الحضوريّ بالمعلول الّذي هو
عين وجود المعلول ذا مرتبتين: الأولى علم العلّة بالمعلول في مرتبة وجود المعلول، و
الثانية علم العلّة بالمعلول في مرتبة وجود العلّة.
إذا عرفت هذا نقول: إنّ الطريق الّذي سلكه المصنّف لدفع الإشكال وجيه في علم العلّة
بالمعلول في مرتبة وجود العلّة و أمّا في علم العلّة بالمعلول في مرتبة وجود
المعلول فلا، و ذلك لأنّ علم العلّة بنفسها عين وجود العلّة فليس لعلم العلّة
بنفسها مرتبتان، بل له مرتبة واحدة و هي مرتبة وجود العلّة فإذن إرجاع علم العلّة
بالمعلول إلى علم العلّة بنفسها ممكن إذا كان العلم المرجوع في مرتبة العلم
المرجوع، إليه كما في علم العلّة بالمعلول في مرتبة وجود العلّة، فإنّ هذا العلم
حيث كان في مرتبة علم العلّة بنفسها صحّ إرجاعه إلى علم العلّة بنفسها لكن علم
العلّة بالمعلول في مرتبة المعلول حيث لم يكن في مرتبة علم العلّة بنفسها لم يصحّ
إرجاعه إلى علم العلّة بنفسها.
و ببيان آخر: إنّ المعلول إن كان معلوما بمرتبته الخاصّة الّتي هي مرتبة الوجود
الرابط يرد عليه أنّ الوجود الرابط لايكون موجودا للغير حتّى يكون معلوما و إن كان
معلوما بمرتبة العلّة الّتي هي مرتبة الوجود المستقلّ يرد عليه أنّ المعلول بمرتبته
الخاصّة الخارجة عن العلّة لايكون في مرتبة العلّة حتّى يكون معلوما.
تقدّم في الفصل الثاني كيفيّة حضور العلّة للمعلول ببيان أنّ العلّة موجودة
لنفسها حاضرة لذاتها فهي عالمة بنفسها و المعلول غيرخارج عن العلّة العالمة بنفسها،
فيكون العلّة حاضرة للمعلول موجودة له بواسطة حضور العلّة لذاتها العالمة الّتي
لايكون المعلول خارجا عنها.
أقول: الإشكال السابق في علم العلّة بالمعلول جارٍ هنا أيضا، لأنّ المعلول إن كان
عالما بمرتبته الخاصّة الّتي هي مرتبة الوجود الرابط يرد عليه أنّ من المستحيل أن
يوجد للوجود الرابط شيء و إن كان عالما بمرتبة العلّة الّتي هي مرتبة الوجود
المستقلّ يرد عليه أنّ المعلول بمرتبته الخاصّة الخارجة عن العلّة لايكون في تلك
المرتبة حتّى يكون عالما.
تقدّم في الفصل الأوّل أنّ المعلوم عند العلم الحصوليّ موجود مجرّد مثالي أو
عقليّ يحضر بوجوده الخارجيّ للمدرك، فعلى ذلك المبنى علم الإنسان بالفرس مثلاً علم
حضوريّ مغاير للأقسام الثلاثة المتقدّمة فأقسام العلم الحضوريّ أربعة بزيادة قسم
على الأقسام الثلاثة.
توضيحه: أنّ المجرّد لتمام ذاته يمكن أن يكون معقولاً، لأنّ المانع من المعقوليّة هي المادّيّة فإذا فرض كون الشيء مجرّدا صارت المعقوليّة ممكنة و كلّما كان للمجرّد بالإمكان فهو له بالفعل (إذ لا حالة منتظرة في المجرّد و إلاّ لم يكن مجرّدا) فالمجرّد معقول بالفعل و هو المطلوب.
لأنّ التفاوت بينهما بالاعتبار، فإنّ مايعقل باعتبار وجوده سمّي عقلاً و بإعتبار ماهيّته سمّي معقولاً.
أقول: هذا طريق سهل السلوك لإثبات كون المجرّد عاقلاً لذاته و كونه معقولاً لذاته الّذي هو المدّعى السابق بأن يقال: إنّ المجرّد لمّا كان حاضرا لذاته التامّة و موجودا لنفسه المجرّدة بالضرورة كان عاقلاً و معقولاً لذاته، لأنّ العلم عبارة عن حضور مجرّد لمجرّد.
بأن يقال إنّ المجرّد لتمام ذاته يمكن أن يكون معقولاً لغيره و كلّما كان
للمجرّد بالإمكان فهو له بالفعل فينتج أنّ المجرّد معقول بالفعل لغيره و كذا إنّ
المجرّد لتمام ذاته يمكن أن يكون عاقلا لغيره و كلّما كان للمجرّد بالإمكان فهوله
بالفعل، فينتج أنّ المجرّد عاقل بالفعل لغيره و لمّا كان العقل متّحدا مع المعقول
كان المجرّد عقلاً أيضا، فثبت أنّ المجرّد عقل و عاقل و معقول لغيره.
أقول: إنّ هيهنا إشكالاً يمنع من جريان البرهان المذكور في كون المجرّد عاقلاً و
معقولاً لغيره.
بيان ذلك: أنّ تقسيم الوجود إلى ما لنفسه و ما لغيره يوجب التباين بينهما و لازم
ذلك أن يمتنع معقوليّة الجوهر المجرّد لغيره لأنّ الجوهر المجرّد موجود لنفسه
فيمتنع أن يكون موجودا لغيره و إذا امتنع أن يكون موجودا لغيره امتنع أن يكون
معقولاً لغيره، لأنّ معقوليّة الشيء للغير فرع وجوده لذلك الغير و إذا امتنع
معقوليّة الجوهر المجرّد لغيره صارت صغرى البرهان المذكور كاذبة فلا ينتج المطلوب و
مجرّد تجرّد المجرّد لايجدي في إمكان المعقوليّة للغير كما يجدي في المعقوليّة
للذات، لأنّ المانع لا ينحصر في المادّيّة حتّى يكون رفعه موجبا لإمكان المعقوليّة؛
نعم لمّا لم يكن في المعقوليّة للذات مانع غيرالمادّيّة كان رفعها موجبا لإمكان
المعقوليّة؛ بخلاف مانحن فيه، فإنّ هنا مانعا آخر من المعقوليّة و هو عدم إمكان كون
الموجود لنفسه موجودا لغيره.
ثم أنّه إذا ثبت امتناع المعقوليّة للغير ثبت أيضا امتناع العاقليّة للغير، لأنّ
العاقليّة و المعقوليّة متضائفتان فامتناع إحديهما امتناع للأخرى.
ثمّ إنّ المصنّف قال:(1) إنّ الإشكال المذكور مندفع فيما يتحقّق العلّيّة بين
العاقل و المعقول فإنّ العلّة و إن كانت موجودة لنفسها فلها نوع وجود لمعلولها و
المعلول و إن كان موجودا لنفسه فله نوع وجود لعلّته.
أقول: قد تقدّم توضيح وجود العلّة للمعلول و وجود المعلول للعلّة في الفصل السابق و
تقدّم أيضا أنّ في علم العلّة بالمعلول و علم المعلول بالعلّة إشكالاً لم يندفع بما
ذكره المصنّف، فراجع إن شئت.
1. راجع: تعليقته على الأسفار: 3 / 354.
توضيح الجواب: إنّ المجرّد التامّ لا حالة منتظرة فيه، لا بحسب ذاته و لا بحسب
فعله، فإذا أمكن له شيء كان الشيء الممكن له موجودا له بالفعل بالضرورة و إلاّ لم
يكن المجرّد المفروض تامّا هذا خلف لكن النفس حيث لم يكن تجرّدها تامّا يوجد لها
حالات منتظرة بحسب أفعالها، الّتي منها تعقّلها فلا يصحّ أن يقال كلّما كان للنفس
بالإمكان فهو لها بالفعل، فإذن كبرى البرهان المذكور صادقة في المجرّدات التامّة و
كاذبة في النفس، فلا ينتج البرهان المذكور أنّ النفس عاقلة لكلّ مجرّد مفروض.
أقول: الإشكال المذكور و إن اندفع بما ذكر، لكن يمكن ايراده بحيث لا يندفع بما ذكر
و هو أن يقال: إنّ المجرّدات التامّة لتمام ذاتها يمكن أن تكون معقولة للنفس و
كلّما كان للمجرّد التامّ بالإمكان فهو له بالفعل؛ أمّا الكبرى فواضحة ممّا مرّ، و
أمّا الصغرى فلما تسلّمه المستدلّ من أنّ التجرّد يوجب إمكان المعقوليّة فينتج أنّ
المجرّدات التامّة معقولة للنفس بالفعل، ثم لمّا كانت العاقليّة و المعقوليّة
متضائفتين و ثبت أنّ المجرّدات معقولة للنفس بالفعل كان من الواجب أن تكون النفس
عاقلة للمجرّدات بالفعل فثبت أنّ النفس عاقلة لكلّ مجرّد مفروض و هو خلاف الضرورة.
المشار إليه بهذا هو قوله السابق أي قوله: « و إذ كانت ذاته موجودة لذاته فهو عاقل لذاته»، فإنّ هذا البيان لا يجري في الأعراض لأنّ الأعراض ليست موجودة لذواتها بل لموضوعاتها فليس العاقل لها ذواتها بل العاقل لها موضوعاتها الّتي كانت الأعراض موجودة لها.
فإنّ النسب موجودة في غيرها فإذا كان ذلك الغير موجودا مجرّدا كان ذاته معقولة
لذاته و النسب غير خارجة من تلك الذات المعقولة فتكون معقولة لذلك الغير بواسطة
معقوليّة ذلك الغير لذاته.
أي ما يرتبط بالسبب لأن يصير السبب تامّا موجبا لصدور ذي السبب، و ببيان آخر: إنّ العلم بالمعلول لا يحصل إلاّ من طريق العلم بعلته التامّة، فإنّ المعلول كما أنّه لايوجد إلاّ من طريق علّته التامّة كذلك لا يعلم إلاّ من طريق علّته التامّة لما سيأتي من الدليل.
أي إنّ هذا البحث يتعلّق بالعلّة بعنوان أنّها علّة، و كون العلّة من الوجودات أو من الماهيّات لا يكون دخيلاً في البحث حتّى يكون هذا الحكم صادقا في العلل الوجوديّة مثلاً دون العلل الماهويّة، فإنّ المعلول سواء كان معلولاً للماهيّة أو معلولاً للوجود لايعلم إلاّ من طريق علّته التامّة.
1. راجع: الفصل الثامن من المقالة الاولى في كتاب البرهان.
2 الأسفار: 3 / 396.
إعلم إنّ لإثبات هذا المدّعى طريقين: طريق سلكه الشيخ في الشفاء(1) و طريق سلكه
صدرالمتألّهين في الأسفار(2)؛ أمّا طريق الشيخ فقد تقدّم بيانه في مدخل الكتاب في
ذيل قول المصنّف: «إنّ السلوك من المعلول إلى العلّة لا يفيد يقينا». و أمّا طريق
صدر المتألّهين فقد سلكه المصنّف رحمهالله هنا و إن كان الظاهر من تعليقاته على
الأسفار(1) عدم الرضا بهذا الطريق. و بالجملة توضيح هذا الطريق يتوقّف على تذكّر
مقدّمة و هي أنّ الماهيّة الذهنيّة عين الماهيّة الخارجيّة و إنمّا التفاوت بينهما
بالوجود الزائد على الماهيّة الذهنيّة و الخارجيّة فالإنسان الموجود في الذهن مثلاً
عين الإنسان الموجود في الخارج بحسب الماهيّة لا بحسب الوجود الزائد على الماهيّة.
إذ تذكرّت هذه نقول: إنّ العلم بالشيء إن كان علما حضوريّا فواضح أنّ هذا العلم
لايحصل إلاّ من طريق العلم بعلّته؛ لأنّ العلم الحضوريّ بالشيء عين وجود الشيء،
فكما أنّ الشيء لايحصل إلاّ من طريق علّته كذلك العلم الحضوريّ بالشيء الّذي هو عين
الشيء لايحصل إلاّ من طريق علّته، و ببيان آخر: انّ حضور المعلول للعالم عين وجود
المعلول للعالم و وجود المعلول تابع لوجود العلّة إذ لا استقلال للمعلول من علّته
فلولم تكن العلّة حاضرة الوجود للعالم لم يكن المعلول حاضر الوجود للعالم فإذن
العلم الحضوريّ بالمعلول لا يحصل إلاّ من طريق العلم الحضوريّ بالعلّة.
1. الأسفار: 3 / 396.
و إن كان العلم بالشيء علما حصوليّا فواضح أيضا أنّه لا يحصل إلاّ من طريق العلم
بعلّته لأنّ المفروض في العلم الحصوليّ (كما تقدّم في المقدّمة) أنّ الماهيّة
الذهنيّة من حيث الماهيّة عين الماهيّة الخارجيّة فهما مثلان في الماهيّة و حكم
الأمثال فيما يجوز و لا يجوز واحد فالأحكام الجارية على الماهيّة الخارجيّة بما هي
ماهيّة لا بما هي خارجيّة، جارية على الماهيّة الذهنيّة أيضا فكما أنّ الماهيّة
الخارجيّة معلولة لغيرها على الفرض كذلك الماهيّة الذهنيّة معلولة لغيرها و اذا
كانت معلولة لغيرها لزم أن لايحصل إلاّ من طريق علّتها (و إلاّ يلزم أن يكون لمعلول
واحد علّتان مستقلّتان و هو محال)، فإذن تبيّن أنّ الماهيّة الذهنيّة لا تحصل في
الذهن الاّ من طريق حصول علّتها.
ثم نقول إنّ العلّة الّتي لايحصل الماهيّة الذهنيّة إلاّ من طريقها، يجب أن تكون
متّصفة بصفتين: الأولى كونها من الموجودات الذهنيّة، و الثانية اتّحادها مع علّة
الماهيّة الخارجيّة بحسب الحقيقة أمّا الأولى فلأنّ المعلول مسانخ مع علّته في وعاء
التقرّر (لأنّهما متلازمان ففي أيّ وعاء تقرّر أحدهما تقرر الآخر في ذلك الوعاء)
فحينئذٍ إذا كانت الماهيّة المعلولة موجودة ذهنيّة كما هو المفروض، وجب أن تكون
علّتها موجودة ذهنيّة أيضا. و أمّا الثانية فلأنّ الماهيّة الذهنيّة و الخارجيّة
مثلان، فهما مشتركتان في الأحكام، فأيّ علّة يستدعيها الماهيّة الخارجيّة بلحاظ
كونها ماهيّة معلولة، يستدعيها نفسها الماهيّة الذهنيّة أيضا فالحقيقة الّتي تكون
علّة للماهيّة الخارجيّة هي نفسها علّة للماهيّة الذهنيّة، فإذن ثبت أنّ تلك العلّة
الّتي لايحصل الماهيّة الذهنيّة إلاّ من طريقها، موجودة ذهنيّة و متّحدة مع علّة
الماهيّة الخارجيّة بحسب الحقيقة و معنى هذا أنّ تلك العلّة وجود علميّ لعلّة
الماهيّة الخارجيّة، فإذن ثبت أنّ الماهيّة المعلولة لا تحصل في الذهن إلاّ من طريق
العلم بعلّة الماهيّة، مثلاً إنّ الماهيّة الإنسانيّة في الخارج معلولة في قوامها
لأجزائها الماهويّة كالحيوان و الناطق، فنقول: كما أنّ الإنسان الخارجيّ متقوّم
بالحيوان و الناطق، كذلك الإنسان الذهنيّ متقوّم بهما، و كما أنّ الإنسان الخارجيّ
لايحصل ذاتها إلاّ من طريق حصول الحيوان و الناطق في الخارج، كذلك الإنسان الذهنيّ
لايحصل ذاتها إلاّ من طريق حصول الحيوان و الناطق في الذهن، فالعلم بالإنسان لايحصل
إلاّ بالعلم بأجزائه الّتي هي علل قوامه و أيضا إنّ زوجيّة الأربعة مثلاً معلولة
للأربعة، فنقول: كما أنّ زوجيّة الأربعة في الخارج معلولة للأربعة كذلك زوجيّة
الأربعة في الذهن معلولة للأربعة بحكم تماثلهما كما تقدّم، و كما أنّ زوجيّة
الأربعة في الخارج لايحصل إلاّ من طريق الأربعة كذلك زوجيّة الأربعة في الذهن
لايحصل إلاّ من طريق الأربعة إلاّ أنّ الأربعة الّتي علّة للزوجيّة الخارجيّة
خارجيّة و الأربعة الّتي هي علّة للزوجيّة الذهنيّة ذهنيّة، و ذلك لما تقدّم من أنّ
المعلول مسانخ مع علّته في وعاء التقرّر فالعلم بزوجيّة الأربعة لايحصل إلاّ من
طريق العلم بعلّتها الّتي هي الأربعة.
قيل: «هذه إشارة إلى قاعدة امتناع صدور الواحد عن الكثير وقد عرفت منع شمولها
لمثل العلل المركّبة و لو كانت جارية فيها لكان الدليل أيضا مفيدا لليقين مطلقا على
أنّ هذه المقدّمة مستغنى عنها؛ لأنّ العلم بأحد السببين التامّين أيضا يوجب العلم
بالمسبّب كما أنّ النسبة بينه و بين معلوله ضروريّة فافهم».
قلت: ليس مراد المصنّف من هذا الكلام الإشارة إلى قاعدة امتناع صدور الواحد عن
الكثير كما توهّمه المستشكل بل المراد منه أنّ المعلول لايمكن أن يتحقّق من طريقين:
من طريق علّته (سواء كانت العلّة واحدة أو متعدّدة) و من طريق ما ليس علّته، فإنّ
هذا الفرض محال بالضرورة سواء كان صدور الواحد عن العلل الكثيرة ممتنعا أو لا؛ لأنّ
الحصول من طريق ما ليس علّة يلازم التناقض، لأنّ المعلول إذا حصل من طريق شيء كان
ذلك الشيء علّة له و قد فرض انّه ليس بعلّة و هذا هو التناقض فإذا تبيّن هذا نقول
كما أنّ الماهيّة الخارجيّة لا تحصل إلاّ من طريق علّتها كذلك الماهيّة الذهنيّة لا
تحصل إلاّ من طريق علّتها إلى آخر البرهان ... .
أقول: هذا الإشكال مندفع بنفس ماتقدّم في برهان المدعى من دون أن يحتاج دفعه إلى
ما ذكره المصنّف رحمهالله .
بيان ذلك: أنّ البرهان المذكور كان مبنيّا على مقدّمة و هي أنّ الصورة العلميّة من
الشيء عين ذلك الشيء بحسب الحقيقة و مطابق له ذاتا، فحيث تكون هذه المقدّمة صادقة
يكون البرهان المذكور منتجا كما في الماهيّات، فإنّ الماهيّة الذهنيّة عين الماهيّة
الخارجيّة كما تقدّم فالبرهان المذكور جارٍ في العلم بالماهيّات المسبّبة ـ كما
تقدّم بيانه ـ ، و حيث لا تكون هذه المقدّمة صادقة لا يكون البرهان المذكور منتجا
كما في العلم بالوجودات و صفاتها الحقيقيّة فإنّ الصورة العلميّة من الوجودات و
صفاتها الحقيقيّة لا تكون متّحدة الحقيقة مع الوجودات الخارجيّة و صفاتها ـ كما
تقدّم في الفصل العاشر من هذه المرحلة و الفصل الثاني من المرحلة الأولى ـ ، و إذا
لم تكن الصورة العلميّة من الوجودات متّحدة الحقيقة مع الوجودات كان من الجايز أن
تكون لها علّة مغايرة الحقيقة مع علّة الوجودات لأنّ تلك الصور لم تكن مثل الوجودات
في الحقيقة حتّى يقال: «حكم الأمثال فيما يجوز و لا يجوز واحد، فإذن يجوز أن يحصل
في الذهن الصورة العلميّة من طريق علّة مغايرة الحقيقة مع علّة الوجودات الخارجيّة
و معنى هذا انّه يجوز حصول الصورة العلميّة من الوجودات من دون أن يحصل في الذهن
حقيقة علّة الوجودات أي يجوز العلم بوجود الشيء من غير طريق العلم بعلّة وجوده، و
ببيان آخر: إنّ الوجودات الخارجيّة و إن كانت لها أسباب إلاّ أنّ الصورة العلميّة
منها ليست علما بها حقيقة حتّى يقال: إنّ هذا العلم علم بذي السبب و العلم بذي
السبب لايحصل إلاّ من طريق العلم بسببه، و ببيان ثالث: إنّ مجرى برهان هذه القاعدة
علمان: الأوّل العلم الحضوريّ و الثانيالعلم بالماهيّات المعلولة و العلم بوجود
المحسوس ليس من هذين العلمين حتّى يكون ناقضا للقاعدة.
توضيح الجواب: أنّ الشيء إذا كان معلولاً لغيره فالعلم به لايحصل إلاّ من طريق
العلم بعلّته، لكن إذا لم يكن معلولاً لغيره فالعلم به يحصل من طريق الملازمة الّتي
بينه و بين شيء آخر لا من طريق العلّة، إذ لا علّة له على الفرض حتّى يحصل العلم به
من طريقها و هذا نظير الأحكام الجارية على الوجود بما هو وجود، فإنّ الأحكام
الجارية على الوجود بما هو وجود لا سبب لها، لأنّ ثبوت تلك الأحكام بعين ثبوت
الوجود لا بوجود زائد و الوجود بما هو وجود لا سبب له، إذ لا غير حتّى يكون سببا له
فالأحكام الجارية على الوجود، بما هو وجود لا سبب لها أيضا، فإذا كان بعض تلك
الأحكام معلوما لنا و ملازما لحكم آخر أمكن لنا السلوك من الحكم المعلوم إلى الحكم
المجهول.
مثال ذلك: أنّ حقيقة الوجود صرف، إذ لا غير حتّى يتخلّل في حقيقته و الصرافة تلازم
الوحدة و لذلك نقول إنّ حقيقة الوجود صرف و صرف الشيء واحد لايتكرّر فينتج أنّ
حقيقة الوجود واحدة لاتتكرّر ففي هذا البرهان سلكنا عن أحد الملازمين غير المعلولين
و هو الصرافة إلى الملازم الآخر و هو الوحدة.
إذا عرفت هذا نقول: إنّ العلم بوجود المحسوس في الخارج قدحصل لنا من الطريق الثاني
لا من الطريق الأوّل فلا ينتقض بهذا العلم القاعدة القائلة بأنّ العلم بذي السبب
لايحصل إلاّ من طريق العلم بسببه.
بيان ذلك: أنّ الاستقلال عن شيء مّا و عدم الاحتياج إلى بعض الأشياء، حكم من أحكام
الوجود بما هو وجود لأنّه حكم عامّ و صفة شاملة لكلّ الموجودات فإنّ كلّ موجود
لايحتاج إلى جميع الأشياء بل هو مستقلّ عن شيء مّا بالضرورة، ثمّ استقلال شيء عن
شيء يلازم الموجوديّة، لأنّ ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له، فإذن نقول المحسوس
الّذي يناله الإنسان مستقلّ عن نفوسنا مثلاً، إذ لاصنع لنفوسنا فيه و كلّ مستقلّ عن
شيء مّا موجود، فينتج أنّ المحسوس موجود فإذن إنّا قد سلكنا في هذا البرهان من أحد
الملازمين العامّين و هو الإستقلال عن شيء مّا إلى الآخر و هو الوجود، و الاستقلال
عن شيء مّا و الوجود ممّا لا سبب لهما كما تقدّم، فالعلم بوجود المحسوس في الخارج
لايكون ناقضا للقاعدة السابقة، هذا توضيح الجواب لكن في هذا الجواب نظر من وجهين:
الأوّل: أنّ المحسوس الّذي يناله الإنسان (و هو الموضوع في الصغرى) إن كان معلوم
الوجود قبل إسناد الاستقلال إليه الّذي هو الحدّ الأوسط فالبرهان لغو، لأنّ النتيجة
قبل إقامة البرهان حاصلة و معلومة بل البرهان مصادرة على المطلوب لأنّ النتيجة قد
أخذت في مقدّمات البرهان و إن كان مشكوك الوجود قبل إسناد الإستقلال إليه لزم أن
تكون الصغرى مشكوكة الصدق، لأنّ الشكّ في وجود الموضوع يلزم منه الشكّ في ثبوت
المحمول للموضوع، إذ ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له و إذا كانت الصغرى مشكوكة
الصدق فالبرهان المركّب منها و من غيرها عقيم.
و الثاني: أنّ للمستشكل أن يقول إنّ المدعى هو العلم بوجود المحسوس في الخارج بوجود
خاصّ و كون هذا الوجود الخاصّ ممّا لا سبب له ممنوع بل باطل قطعا، فقولكم «هذا سلوك
من أحد الملازمين غير المعلولين إلى الآخر» ممنوع.
فإذن الحق في الجواب أن يقال (كما تقدّم): إنّ مجرى البرهان في هذه القاعدة علمان:
الأوّل العلم الحضوريّ، و الثاني العلم بالماهيّات المعلولة الّتي هي حاصلة في
الذهن بأنفسها و العلم بوجود المحسوس ليس من هذين العلمين حتّى يكون ناقضا للقاعدة.
أو يقال في الجواب: إنّا نمنع أن يحصل لنا العلم بوجود المحسوس من طريق الحسّ، لأنّ
خطاء الحس غير مأمون، فلا علم و لا يقين لنا بوجود المحسوس من هذا الطريق، و لأنّ
العلم بعلّة المحسوس لو لم يكن حاصلاً قبل العلم بوجود المحسوس كما هو المفروض لكان
وجود العلّة مشكوكا و الشكّ في وجود العلّة يستلزم الشكّ في وجود معلولها فلا يكون
العلم بوجود المحسوس حاصلاً لنا حتّى يكون هذا العلم ناقضا للقاعدة.
أقول: إنّ السلوك من أحد الملازمين إلى الآخر في الشكل الأوّل هو بأن يجعل أحد الملازمين محمولاً على الأصغر و الآخر محمولاً على الأوسط فبناءا على هذا أنّ القياس الّذي يتشكّل من كون الشيء مستقلاًّ عن شيء مّا و كونه مغايرا لذلك يكون هكذا: «المحسوس الّذي يناله الإنسان مستقلّ عن شيء مّا و كلّ مستقلّ عن شيء مّا مغاير له فينتج أنّ المحسوس مغاير له» و هذا القياس كما ترى مغاير للقياس الّذي ذكره في صدر الجواب، لأنّ الملازمين في القياس السابق عبارة عن الاستقلال عن شيء مّا و الموجوديّة، و في هذا القياس عبارة عن الاستقلال عن شيء مّا و المغايرة و لعلّ التشويش في العبارة ناشٍ عن عدم تماميّة الجواب بهذا البيان و على أيّ تقدير هذا الجواب غير تامّ أمّا على فرض كون الملازمين الإستقلال و الموجوديّة، فلمّا ذكرناه في الحاشيّة السابقة من المصادرة و غيرها و أمّا على فرض كون الملازمين الإستقلال و المغايرة، فلأنّ السلوك من الإستقلال إلى المغايرة ينتج العلم بمغايرة المحسوس لنفوسنا و الخصم لم يدّع العلم بمغايرة المحسوس لنفوسنا حتّى يقال في جوابه: إنّ هذا العلم حاصل من طريق الملازمات العامّة بل ادّعى العلم بوجود المحسوس في الخارج من غيرطريق العلم بعلّته، فعلى المجيب أن يحلّ العقدة الّتي ذكرها الخصم و القياس الثاني بعد فرض تماميّته لايفيد حلّ هذه العقدة.
لأنّهما من أحكام الوجود بما هو وجود و أحكام الوجود بما هو وجود لا سبب لها كما تقدّم بيانه.
لأنّ وجود المحسوس موضوع في الصغرى و في النتيجة، فيحمل عليه أحد الملازمين في الصغرى و الآخر في النتيجة فيكون من مصاديق هذين الملازمين.
لأنّ العلم بالمعلول لايحصل إلاّ من طريق العلم بالعلّة فلو حصل العلم بالعلّة
من طريق العلم بالمعلول لدار.
المراد من ذاتيّة العلوم للنفس هو أن تكون النسبة بين النفس و علومها نسبة
الضرورة و الوجوب بمعنى أنّه لا يمكن وجود النفس من دون أن يحصل لها علومها بالفعل.
ثمّ أنّه احتجّ على ذاتيّة العلوم للنفس بأنّ العلوم لولم تكن حاصلة للنفس بالفعل
لاحتجنا في حصولها إلى الطلب لكن طلب المجهول محال، لأنّ الطالب إذا وجده لايمكن أن
يعرف أنّه هو الّذي كان مطلوبا له، فإنّ الّذي لا يعرف العبد الآبق إذا وجده كيف
يعرف أنّه هو ذلك العبد.
و الجواب: أنّ المطلوب إن كان مجهولاً مطلقا لايمكن طلبه لما ذكر أمّا إذا كان
مجهولاً من وجه و معلوما من وجه آخر يمكن طلبه؛ فإنّ العبد الآبق إذا كانت له علامة
لا يشاركه فيها غيره فالعالم بتلك العلاّمة إذا وجد تلك العلاّمة لابدّ أن يعرف ذلك
العبد و كذا إنّا إذا جهلنا بأنّ العالم حادث لكن علمنا بانّه متغيّر في ذاته و
علمنا بأنّ المتغيّر في ذاته حادث أمكن لنا حصول العلم بحدوث العالم.
أي إنّ علاقة النفس بالبدن الّتي هي علاقة التدبير ليست صفة عارضة على هويّة
النفس بل هذه العلاقة و الإرتباط عين هويّة النفس لأنّ ارتباط النفس بالبدن لو كانت
صفة عارضة على هويّة النفس للزم أن تكون النفس موجودة قبل تعلّقها بالبدن لأنّ
مرتبة وجود المعروض قبل وصفه العارض عليه لكن هذا التالي باطل؛ لأنّ النفس في تلك
المرتبة السابقة على تعلّقها بالبدن المادّيّ يجب أن تكون مجرّدة؛ إذ المفروض أنّ
النفس فيالمرتبة السابقة لا علاقة لها مع البدن المادّيّ فنقول: إنّ النفس المجرّدة
في تلك المرتبة السابقة إمّا أن تكون قديمة بالزمان و إمّا أن تكون حادثة بالزمان و
الأوّل باطل لما سيأتي في جواب الأفلاطون و الثاني باطل أيضا لأنّ كلّ حادث زماني
يسبقه المادّة الحاملة للإستعداد و النفس المجرّدة لا مادّة لها حتّى تحمل
استعدادها فإذن التالي بشقيه باطل فالمقدّم، مثله فثبت أنّ علاقة النفس بالبدن عين
هويّة النفس.
فإن قلت: «عدّ تدبير البدن أمرا ذاتيّا بمعنى كونها علّة تامّة له ينافي القول
بقدمها كما ينافي القول ببقائها بعد مفارقة البدن، لاستلزامها تخلّف الذاتيّ عن
الذات فلابدّ من تأويله إلى الاقتضاء و عليه فلا منافاة بين تزاحمه مع الإلتفات إلى
علومه».
قلت: أوّلاً إنّ تعلق التّدبير ذاتيّ للنفس ليس معناه ما فسّرته من أنّ النفس علّة
تامّة للتعلّق، و إلاّ لزم أن تكون النفس متقدّمة على تعلّقها بالبدن فكانت في تلك
المرتبة المتقدّمة إمّا قديمة أو حادثة و قد تقدّم بطلانهما، بل المراد من الذاتيّة
أنّ تعلق التدبير عين وجود النفس و نفس هويّتها.(1)
و ثانيا ليس المراد ببقاء النفس بعد المفارقة بقائها حالكونها نفسا حتّى يلزم من
الذاتيّة تخلف الذاتيّ عن الذات، فإنّ النفس بعد المفارقة عن البدن مطلقا ليست نفسا
بل هي عقل في ذلك المقام و إنّما التعلّق ذاتيّ للنفس في مرتبتها النفسيّة و أمّا
في مرتبتها العقليّة فالتعلّق و النفسيّة كلاهما مسلوبان، نعم إنّ نفسيّة النفس بعد
المفارقة عن البدن المادّي باقية لكن لا ضير فيه، لأنّ التعلّق بالبدن المثاليّ
باق؛ فإنّ لوجود النفس مراتب و درجات و التعلّق بالبدن المادّيّ ذاتيّ لمرتبة منه و
التعلّق بالبدن المثاليّ ذاتيّ لمرتبة أخرى، فاذا فارقت من البدن مطلقا خرجت من
المرتبة النفسيّة و صارت عقلاً.
1. راجع: الاسفار: 8 / 13.
لأنّ مقتضى ذاتيّة العلوم للنفس هو أنّ النفس بذاتها لاتكون علّة للغفلة عن علومها الذاتيّة (لأنّ الغفلة نوع من البعد و الشيء لايبعّد لازمه الذاتيّ) و مقتضى كون التعلّق بالبدن علّة للغفلة هو أنّ النفس بذاتها علّة للغفلة، لأنّ التعلّق بالبدن عين هويّة النفس ـ كما تقدّم ـ فيلزم أن تكون النفس بذاتها علّة للغفلة و أن لاتكون علّة للغفلة و هو التناقض، نعم بناءاً على ما ذهب إليه الأفلاطون من أنّ النفس قديمة و أنّ تعلق النفس بالبدن حادثة و عارضة على وجود النفس يتّجه أن يقال: إنّ علّة الغفلة هو التعلّق بالبدن لأنّ تعلق النفس بالبدن في هذا المبنى ليس عين هويّة النفس (لأنّ التعلّق حادثة و النفس قديمة) فلا يمكن أن يقال: إنّ مقتضى كون التعلّق بالبدن علّة للغفلة أنّ النفس بذاتها علّة للغفلة، فإذن إشكال التناقض لا يأتي هنا فيتّجه ذلك القول.
بيانه: أنّ النفس قبل تعلّقها بالبدن إمّا أن تكون واحدة أو كثيرة، فإن كانت واحدة لزم أن تكون النفس الواحدة نفسا لكلّ بدن و هو باطل و إلاّ كان ما علمه إنسان علمه كلّ إنسان؛ و ما جهله إنسان جهله كلّ إنسان و إن كانت قبل التعلّق كثيرة فلابدّ و أن يمتاز كلّ واحدة منها عن صاحبها إمّا بالماهيّة أو بلوازمها أو بعوارضها و الأوّل و الثاني محالان لأنّ النفوس الإنسانيّة متّحدة بالنوع فيتساوى جميع أفرادها في جميع الذاتيّات و لوازمها فلا يمكن وقوع الإمتياز بها، و أمّا العوارض اللاحقة فحدوثها مسبوق بمادّة حاملة لإستعداد تلك العوارض و قبل تعلّق النفس بالبدن لا مادّة لها حتّى تكون حاملة لإستعداد تلك العوارض، فلا يمكن أن يحدث هناك عوارض لاحقة، فثبت أنّه يمتنع وجود النفس قبل البدن واحدة كانت أو كثيرة فإذن القول بقدمها باطل فتدبر.
و الفرق بين هذا القول الّذي هو قول صدر المتألّهين و القول السابق أنّ النفس حادثة في المادّة على هذا القول و حادثة مع المادّة على القول السابق، و ببيان: آخر إنّ النطفة و ما يجري مجريها كالعلقة على هذا القول حاملة لاستعداد النفس أوّلاً ثم تخرج إلى الفعليّة فتصير نفسا بالفعل بعد ما كانت بالقوّة بخلاف القول الثاني، فإنّ النطفة ليست حاملة لاستعداد النفس.
الموجِّه هو صدرالمتألّهين؛ و توضيحه: أنّ للأشياء الموجودة في هذه النشأة وجودا عقليّا سابقا على وجودها المادّيّ (و قد تقدّم هذه المقدّمة في الفصل الثالث) فإذن إنّ للنفس الموجودة في هذه النشأة وجودا عقليّا سابقا على وجودها في هذه النشأة و ذلك الوجود لمّا كان من العالم العقليّ لم يمكن أن يكون حادثا بالحدوث الزمانيّ، لأنّ كلّ حادث زمانيّ مسبوق بمادّة حاملة الإستعداد الحادث لكن العالم العقلي منزّه عن المادّة، فإذن النفس الإنسانيّة بلحاظ مرتبتها العقليّة قديمة.
لأنّ علوم النفس في مرتبتها العقليّة و إن كانت ذاتيّة (حيث إنّ كلّ صفة ممكنة
للعقل فهي له بالفعل) إلاّ أنّ ذاتيّة العلوم للنفس في مرتبتها العقليّة لايلزم
منها ذاتيّة العلوم للنفس في مرتبتها النفسيّة و مورد البحث النفس بلحاظ مرتبتها
النفسيّة لا بلحاظ مرتبتها العقليّة.
أقول: تقدّم أنّ المعلوم عند العلم الحصوليّ عبارة عن موجود مجرّد مثاليّ أو عقليّ
يحضر بوجوده الخارجيّ للمدرك ثمّ العقل يأخذ من ذلك الموجود المجرّد صورة ذهنيّة و
هي العلم الحصوليّ.
إذا تذكّرت هذه نقول: إنّا إذا التزمنا بهذه المقدّمة وجب علينا أن نلتزم بأنّ
العلوم ذاتيّة للنفوس، و معلوميّة تلك المجرّدات المثاليّة أو العقليّة للنفوس
ممكنة و كلّ ما أمكن للمجرّد التامّ فهو له بالفعل (إذ ليس في المجرّد التامّ حالة
منتظرة) فلابدّ أن تكون المجرّدات معلومة لنا بالفعل (و إلاّ كانت معلوميّتها لنا
ملحقة على وجوداتها و هو محال في المجرّد التام) نعم إنّ النفس إذا اتّصلت من طريق
الحواس بالخارج المادّيّ استعدت لأنّ تأخذ من ذلك المجرّد المثاليّ أو العقليّ صورة
ذهنيّة فما لم تتّصل بالخارج لايحصل لها تلك الصورة الذهنيّة و الجهل المشهود من
الإنسان ينشأ من عدم أخذ الصورة الذهنيّة من معلومها المثاليّ أو العقليّ، فإذن إذا
التزمنا بانتهاء العلوم الحصوليّة إلى العلوم الحضوريّة و كان مراد القائلين
بذاتيّة العلوم للنفوس ذاتيّة العلوم الحضوريّة (كما هو الظاهر) كان الحقّ معهم، و
إلى هذا المقام أشار الحافظ في قوله.
سالها دل طلب جام جم از ما مىكرد آنچه خود داشت ز بيگانه تمنّا مىكرد
و في الحديث عن مولانا أمير المؤمنين عليهالسلام أنّه قال: «ليس العلم في السماء فينزل عليكم و لا في تخوم الأرض فيخرج لكم و لكن العلم مجبول في قلوبكم تأدّبوا بآداب الروحانيّين يظهرلكم».(1)
1. بحر المعارف، ص 292.
لأنّ العلم من الحقائق الموجودة فهو إمّا من الوجودات و إمّا من الماهيّات الموجودة بالوجود، لكن الثاني باطل لأنّ العلم محمول على الواجب و الممكن و يوجد في أكثر من مقولة واحدة ـ كما سيأتي ـ فلايكون من الماهيّات فيكون من الوجودات.
إذ الجنسيّة و النوعيّة من أحكام الماهيّات و الوجود ليس من الماهيّات.
لأنّ العلم وجود و الوجود متشخّص و بسيط.
لأنّ النفس متّحدة مع الجوهر المعلوم و الجوهر المعلوم متّحد مع صفاته العرضيّة، فالنفس متّحدة مع تلك الصفات العرضيّة و إذا اتّحدت النفس مع تلك الصفات صارت الصفات معلومة للنفس لأنّ العلم هو الاتّحاد مع المعلوم ـ كما تقدّم ـ .
لأنّ العلم إمّا أن يكون مبدأ لحصول المعلوم في الخارج أو لا، فإن كان الأوّل فهو العلم الفعليّ و ذلك مثل المهندس إذا ارتسم في خياله شكل معيّن بهيئة معيّنة، فإنّ ذلك التصوّر يصير مبدءا لحصول المعلوم في الخارج، و الثاني لا يخلو إمّا أن يكون المعلوم في الخارج مبدءا لحصوله في الذهن أو لا، فإن كان الأوّل فهو العلم الإنفعاليّ، مثل من نظر إلى البناءا و تصوّر منه صورة فذلك التصوّر علم إنفعاليّ؛ و إن كان الثاني فهو العلم الّذي ليس فعليّا و لا انفعاليّا مثل علم الذوات العاقلة بأنفسها، فإنّ الشيء لا يؤثّر في نفسه و لا يتأثّر من نفسه و مثل علم الذوات العاقلة بالأمور الّتي لا تغيب عنها فانّ تلك الأمور معلومة للذوات العاقلة بالعلم الحضوريّ و العلم الحضوريّ عين المعلوم في الخارج فلا معنى لأن يكون هذا العلم مبدءا للمعلوم في الخارج و لا لأن يكون المعلوم في الخارج مبدءا للعلم، لأنّ الشيء لا يؤثر في نفسه و لا يتأثر من نفسه.
و هذا نظير الشمس، فإنّ شدّة ظهور الشمس و جلائها تمنع عن رؤيتها، فجهة خفائها
علينا بعينها جهة ظهورها و جلائها و كذا الواجب تعالى فإنّ شدة ظهوره و جلائه تمنع
عن إداركه و نعم ما قاله الحكيم السبزواري في المقام:
يامن هو اختفى لفرط نوره الظاهر الباطن في ظهوره
لأنّ العلم بحقيقة العلّة عين وجود العلّة (لأنّ هذا العلم علم حضوريّ و العلم و المعلوم متّحد فيه) و وجود العلّة أشدّ و أولى و أقدم من وجود معلولها و كذا الأمر في العلم بحقيقة الجوهر و العرض، فإنّ وجود الجوهر علّة لوجود العرض فيأتي فيه ما تقدّم من أنّ العلم بحقيقة العلّة أشدّ و أولى و أقدم بالقياس إلى العلم بحقيقة معلولها.
عزّ اسمه من المباحث
و هي في الحقيقة مسائل متعلّقة بمرحلة الوجوب و الإمكان، أفردوا للكلام فيها مرحلةً
مستقلّةً اهتماما بها و اعتناءً بشرافة موضوعها
و فيها أربعةوعشرون فصلاً
لأنّ السلوك إليه من ناحية حقيقة الوجود لايحتاج إلى إبطال التسلسل ـ كما سيأتي ـ بخلاف سائر البراهين، و لأنّ حقيقة الوجود عين الوجوب الذاتيّ لا أجنبيّة عنه بخلاف ساير البراهين، فإنّ السلوك فيها إليه من وجود الممكن الّذي هو أجنبيّ عنه بوجه.
لأنّ الواجب لا علّة له حتّى يسلك إليه من ناحية علّته فلا يجري في إثباته البرهان اللمّي، و أمّا البرهان الإنّيّ الّذي يسلك فيه من المعلول إلى العلّة فقد تقدّم أنّ العلم بالمعلول لا يحصل إلاّ من طريق العلم بالعلّة فلوحصل العلم بالعلّة، من طريق العلم بالمعلول لدار، فإذن لايمكن السلوك إليه إلاّ من طريق البرهان الإنّي الّذي يسلك فيه من أحد اللوازم العامّة إلى اللازم الآخر.
منها: أنّ صرف حقيقة الوجود ( الّتي هي بذاتها طاردة للعدم) واجب بالذات، إذ صرف
الشيء جامع لجميع ما هو من سنخه، فلا وجود وراء صرف حقيقة الوجود حتّى يتعلّق به و
يحتاج إليه فإذن المطلوب ثابت.
فإن قلت: «إنّ ما ثبت بالأبحاث الفلسفيّة هو أصالة الوجود و كونه ذا مراتب و أمّا
أنّ هناك حقيقة صرفة لايخالطها مهيّة و ليس لها حدّ عدميّ و أنّها غيرقابلة للتكرار
و التكثّر فليست ببينّة و لا مبيّنة في البرهان».
قلت: إنّ تحقّق حقيقة الوجود و صرافتها من الأمور المبيّنة بالبرهان؛ أمّا تحقّقها
فلأنّه ثبت في المرحلة الأولى أنّ الوجودات الخاصّة أصيلة و متحقّقة بالذات و أنّ
للوجود حقيقة واحدة فبناءا على هاتين المقدّمتين وجب أن نسلّم أنّ أصالة الوجودات
الخاصّة و تحقّقها راجعة إلى أصالة تلك الحقيقة الواحدة للوجود و إلاّ لزم أن يكون
للوجود حقائق متكثرة و قد ثبت بطلانه.
و أمّا صرافتها فلأنّ الوجود و الواقعيّة بما هو كذلك ليس إلاّ الوجود و الواقعيّة
فليس في حريم الوجود و في متن الواقعيّة إلاّ الوجود و الواقعيّة، فالعدم الّتي
حيثيّة ذاته المفروضة حيثيّة نفي الوجود و طرد الواقعيّة لا سبيل له إلى حقيقة
الوجود و كذا الماهيّة الّتي حيثيّة ذاتها حيثيّة عدم الإباء عن العدم لا سبيل لها
في حقيقة الوجود الّتي حيثيّة ذاتها حيثيّة الإباء عن العدم، فحقيقة الوجود بما هو
وجود غيرمشوب بغير الوجود و هذا هو الصرافة و بالجملة لا غير حتّى يكون خليطا
للوجود فيخرج بذلك عن الصرافة.
ثمّ إنّ الصرافة قد أخذت في البرهان حتّى يستنتج منها أنّه ليس وراء حقيقة الوجود
شيء آخر تتعلّق به حقيقة الوجود و هذه النتيجة حاصلة ممّا تقدّم في المرحلة الأولى
من أنّ للوجود حقيقة واحدة فقط فلايكون وراء هذه الحقيقة شيء آخر حتّى تتعلّق به
حقيقة الوجود، فعلى فرض عدم الالتزام بصرافة الوجود، المطلوب النهائيّ حاصل.
و منها أنّ صرف الوجود الجامع لجميع ما هو من سنخه لو لم يكن واجبا بالذات لزم أن
يكون كلّه حقيقة واحدة ربطيّة من دون أن يكون ورائه وجود مستقلّ يرتبط به، إذ ليس
وراء صرف الوجود وجود أصلاً لكن التالي باطل بالضرورة فإنّ الحقيقة الربطيّة لا
تتحقّق بدون الوجود المستقلّ و إلاّ صارت مستقلّة، فكذا المقدّم؛ و الفرق بين هذا
التقرير و التقرير السابق أنّ هذا برهان خلفيّ و ذلك برهان استقاميّ.
و منها: أنّ كلّ شيء مفروض ما لم يكن له حظّ من حقيقة الوجود و لم يكن له مرتبة
منها لم يكن موجودا و هذا ظاهر، فلو لم تكن حقيقة الوجود واجبة بذاتها لاحتاجت في
واقعيّتها إلى الغير و ذلك الغير إمّا أن يكون موجودا أو معدوما و الثاني باطل
بالضرورة و الأوّل لزم منه الدور؛ لأنّ ذلك الغير ما لم يكن له حظّ من الوجود
لم يكن موجودا، فموجوديّته متوقّفة على الوجود و المفروض أنّ الوجود موجود بذلك
الغير فيلزم الدور و منها الوجوه الّتي ذكرت في المتن كما سيأتي.
بيان الاستلزام أنّ حقيقة الوجود لو لم تكن نفسها أو مرتبة منها واجبة بالذات لكانت تلك الحقيقة الواحدة بتمامها صرف الربط و التعلّق، فوجب أن تكون متعلّقة بغيرها و ذلك الغير لا يمكن أن يكون من الحقائق الربطيّة المتعلقة بما ورائها؛ لأنّ حقيقة الوجود صرف الربط على هذا الفرض و صرف الربط جامع لكلّ الحقائق الربطيّة، فلا يكون ورائه وجود ربطيّ آخر، فوجب أن يكون ذلك الغير حقيقة مستقلّة بالذات و هو المطلوب و هذا البيان كما ترى لا يتوقّف على إبطال الدور و التسلسل (بل هذا دليل على إبطال التسلسل) فلا يرجع هذا البرهان إلى البرهان المنقول من الشيخ الّذي سيأتي بيانه في الفصل الآتي كما توهّم فلا تغفل.
هذا البيان و إن قرّره الحكيم السبزواريّ في تعليقاته عل الأسفار(1) إلاّ أنّه أخذ من كتب العرفاء كتمهيد القواعد لابن التركة.(2)
1. ج 6، ص 16.
2. ص 59.
في هذه العبارة إشارة إلى مقدّمتين لابدّ منهما لإثبات المدّعى و هما ارسال
حقيقة الوجود و أصالتها، فلابدّ لنا التعرّض لبيانهما و إثباتهما.
أمّا الأمر الأوّل: فنقول إنّ حقيقة الوجود مرسلة أي ليست محدودة بحدّ بل هي مطلقة
من كلّ قيد و حدّ و ذلك لأنّ حقيقة الوجود بسيطة (و قد تقدّم بيانه في المرحلة
الأولى) و لا شيء من المحدود ببسيط، إذ كلّ محدود مركّب من وجدان شيء و فقدان شيء
آخر، فينتج من الشكل الثاني أنّ حقيقة الوجود ليست محدودة و أيضا أنّ محدوديّة
الشيء تنشأ من تطرّق العدم و الفقدان في حقيقته لكن حقيقة الوجود لايتطرّق فيها
العدم اصلاً، لأنّ الّذي يناقض الوجود هو العدم لا العدم مع شيء آخر فالمناقض
للوجود العدم الصرف الّذي لا يخالطه غيره و العدم الصرف جامع للأعدام كلّها، ثم إنّ
النقيض يطرد النقيض فالوجود يطرد نقيضه و هو العدم الصرف الجامع للأعدام كلّها فلا
يبقى في حريم الوجود عدم و لا نقص أصلاً فلا تكون حقيقة الوجود محدودة.
فإن قلت: هذا الدليل ينتقض بوجود الممكن، فإنّ المناقض لوجود الممكن العدم لا العدم
مع شيء آخر، فيكون عدم الممكن عدما صرفا فينتج بذلك البيان أنّ وجود الممكن غير
محدود و هو باطل بالضرورة.
قلت: المناقض لوجود الممكن و إن كان عدما صرفا في حدّ نفسه إلاّ أنّه بعد طريانه
على موضوعه المقيّد كالإنسان خرج عن الصرافة و صار مقيّدا فلا يكون عدم الإنسان
جامعا للأعدام كلّها، فالوجود الّذي يطرد هذا المحدود محدود.
و أمّا الأمر الثاني: فنقول إنّ حقيقة الوجود المرسلة أصيلة متحقّقة بالذات و ذلك
لأنّ ما به الإشتراك بين الوجودات عين ما به الامتياز و ما به الامتباز الّذي هو
المرتبة الخاصّة لكلّ وجود أصيل متحقّق بالذات فينتج أنّ ما به الاشتراك بين
الوجودات الخاصّة أصيل متحقّق بالذات، ثمّ إنّ ما به الإشتراك بين الوجودات هو
الحقيقة المرسلة، إذ لو لم يكن الحقيقةَ المرسلة لزم أن يكون محدودا بحدّ و متعيّنا
بتعيّن فصار من الوجودات الخاصّة الّتي تمتاز عن غيرها فلا يكون مشتركا و هذا خلف؛
فثبت أنّ حقيقة الوجود المرسلة أصيلة متحقّقة بالذات و ببيان آخر إنّ الوجودات
الخاصّة أصيلة فلو لم يرجع هذه الوجودات الخاصّة المتعدّدة إلى حقيقة مرسلة واحدة
لزم أن تكون للوجود حقائق ـ متعدّدة و قد تقدّم بطلانه في المرحلة الأولى ـ .
لأنّ حقيقة الوجود المرسلة موجودة إذ هي أصيلة متحققة بالذات و موجوديّتها
بالوجوب، لأنّ الوجود مقابل العدم و المقابل يستحيل أن يقبل مقابله (لأنّ المقبول
يجتمع مع قابله و المقابل لا يجتمع مع مقابله) فحقيقة الوجود تستحيل أن تقبل العدم
فهي واجبة الوجود و وجوبها بالذات، إذ لا غير وراء حقيقة الوجود المرسلة و إلاّ
لزم أن تكون محدودة (إذ المفروض أنّه لايصل شعاع تلك
الحقيقة إلى ذلك الوجود الخارج فصارت منقطعة محدودة و هذا خلاف إرسالها و إطلاقها)
فلا يكون وجوبها بالغير فثبت أنّ حقيقة الوجود واجبة بالذات و هو المطلوب.
ثمّ اعلم أنّ هذا التقرير غير التقرير الأوّل الّذي ذكرناه سابقا، لأنّ هذا التقرير
يبتني على إرسال حقيقة الوجود و التقرير السابق يبتني على صرافتها، و إرسال حقيقة
الوجود غير صرافتها لأنّ الإرسال هي الإطلاق و اللابشرطيّة و الصرافة هي التقيّد
بالتجرّد عن الأغيار، فإنّ حقيقة الوجود إذا أخذت لا بشرط هي الحقيقة المرسلة و إذا
اخذت بشرط لا هي الحقيقة الصرفة، نعم إنّ الحقيقة الصرفة عين الحقيقة المرسلة
مصداقا، لأنّ الوجود الصرف لو كان مقيدا كان متقوّم الذات من وجدان شيء و فقدان شيء
آخر فلم يكن صرفا.
أي قولكم: «امتناع العدم على الوجود لايوجب كونه واجبا بالذات» صحيح في الوجودات الممكنة لا في حقيقة الوجود المرسلة، و ذلك لأنّ للتقرير المذكور ثلاث مقدّمات: الأوّل أنّ حقيقة الوجود موجودة، و الثاني أنّ موجوديّتها بالوجوب، و الثالث أنّ وجوبها بالذات لا بالغير؛ و الوجودات الممكنة و إن صدق فيها المقدّمتان الأوليان لكن المقدّمة الثالثة ليست صادقة فيها، لأنّ كلّ وجود إمكانيّ محدود و إذا كان محدودا صحّ فرض وجود آخر ورائه، فيصحّ أن يكون وجوبه بالغير لا بالذات بخلاف حقيقة الوجود المرسلة، فإنّه لايصحّ فرض وجود ورائها و إلاّ صارت محدودة، فإذن لايصحّ أن يكون وجوبها بالغير فالتقرير المذكور منتج في حقيقة الوجود المرسلة و عقيم في الوجودات الممكنة.
توضيحه: أنّ حقيقة الوجود إمّا أن تكون تامّة غير مشوبة بالنقص و إمّا أن تكون ناقصة، فإن كانت تامّة فهي واجبة بالذات إذ لو لم تكن واجبة بالذات لكانت معلولة لغيرها و المعلول ناقص بالنسبة إلى علّتها و قد فرض أنّ تلك الحقيقة تامّة غير مشوبة بالنقص و هذا خلف؛ و إن كانت ناقصة فهي مستلزمة للواجب بالذات لأنّ النقص الملحوظ فيها ليس لأجل أنّ تلك الحقيقة وجود لأنّ حيثيّة الوجود بما هو وجود حيثيّة طرد العدم و دفع النقص (و قد تقدّم بيانه في البرهان السابق) فلا يتصوّر لحقيقة الوجود بما هي وجود، عدم و لا نقص بل النقص الملحوظ فيها يأتي من ناحية المعلوليّة و التعلّق بالغير، إذ لو لم تتعلّق بغيرها لكانت واجبة و الواجب تامّ، هذا خلف، فإذن ثبت أنّ حقيقة الوجود المفروض أنّها ناقصة، معلولة متعلقة بغيرها، ثمّ نقول: إنّ التعلق في تلك الحقيقة ليس وصفا عارضا عليها بل التعلق عين تلك الحقيقة لأنّ المعلول عين التعلق بالعلّة لا ذات عرض لها التعلق بالعلّة و إذا كانت عين التعلق ثبت لنا أمران: الأوّل أنّ هناك شيء آخر تتعلّق به حقيقة الوجود لأنّ الحقيقة التعلقيّة لاتوجد إلاّ بغيرها و هذا ظاهر؛ و الثاني أنّ ذلك الشيء الآخر لا يمكن أن يكون من الحقائق التعلقيّة، لأنّ حقيقة الوجود إذا كانت عين التعلّق لزم أن تكون صرف التعلّق، إذ لو لم تكن صرف التعلق بل مشوبة بغير التعلق للزم أن يكون التعلق جزءا لحقيقة الوجود لا عينا لها و هذا خلاف المفروض، فإذن ثبت أنّ حقيقة الوجود (المفروض أنّها ناقصة) صرف التعلّق فلا يمكن أن يكون ذلك الشيء الآخر الّذي تتعلّق به حقيقة الوجود من الوجودات التعلقية لأنّ صرف الشيء لا يتثنّي و لا يتكرّر، فيجب أن يكون ذلك الشيء حقيقة مستقلّة بالذات فإذن ثبت أنّ حقيقة الوجود إذا كانت ناقصة فهي مستلزمة للواجب بالذات، ثمّ هذا البرهان بعد تلخيصها و إيجازها يصير هو البرهان الّذي تقدّم في صدر البحث من أنّ حقيقة الوجود إمّا واجبة الوجود بالذات أو تستلزمها.(1)
1. ظهر لي تقرير آخر لهذا البرهان هو أوفق بعبارة صدرالمتألّهين و
له مقدّمات:
الأولى أنّ الوجود بحقيقته المطلقة اللابشرطيّة أي كليّه الطبيعيّ حقيقة عينيّة
خارجيّة و هذه المقدّمة هي التي يعبّر عنها بأصالة حقيقة الوجود (و هي غير أصالة
أفرادها و مراتبها).
الثانية أنّ هذه الحقيقة الخارجيّة حقيقة واحدة مشكّكة لا فرق بين أفرادها و
مراتبها إلاّ بالشدّة و الضعفو الكمال و النقص و هذه المقدّمة هي التي يعبّر عنها
بتشكيك حقيقة الوجود، و هاتين المقدّمتين قد أثبتهما صدر المتألّهين في الأمور
العامّة من الأسفار (جلد 1).
الثالثة أنّ غاية كمال هذه الحقيقة المشكّكة ما لا أتمّ منه و هو ظاهر و لا يكون
متعلقا بالغير، إذ لو تعلّق بالغير لكان علّته أتمّ منه و المفروض أنّه الأتمّ، هذا
خلف.
و لا يتصوّر أتمّ منه، إذ النـاقص متعلّق بالغير لأنّ تمـام الشيء قبل نقصه قبليّة
العلّة على المعلول، لأنّ النـاقص هو التامّ مقيدا فلابدّ من وجود التامّ و حضوره
في الناقص و إلاّ لم يكن الناقص ناقصا لذلك التـامّ بل أجنبيّ عنه، هذا خلف؛
فالناقص يحتاج إلى التـامّ حاجة المعلول إلى علّته فإذن كلّ نـاقص متعلّق بتمـامه،
فلو تصوّر ما هو أتمّ من غاية كمال هذه الحقيقة لكانت هذه الغاية الموجودة ناقصة
متعلّقة بتمامها و قد تقدّم أنّ غاية كمال هذه الحقيقة لا تتعلّق بالغير هذا خلف،
فإذن ثبت أنّ الغاية الموجودة في هذه الحقيقة لا يتصوّر أتمّ منها و قول صدر
المتألّهين: «و قد تبيّن فيما سبق أنّ التمام قبل النقص» دليل على قوله: «كلّ ناقص
متعلّق بغيره مفتقر إلى تمامه».
الرابعة أنّ تمـام الشيء هو الشيء ذاتـا و غيره رتبة، لأنّ هذه نتيـجة المقدّمة
الثـانية فإنّ الوجودات مراتب مختلفة بالشدّة و الضعف و الكمـال و النقص لحقيقة
واحدة و واقعيّة فاردة، لا حقـائق مختلفة و واقعيّـات متباينة بينونة عزلة فكلّ
وجود عين الآخر ذاتا و غيره رتبة فلا فرق بين الناقص و الكمال من الوجودات بحسب
الذات بل الفرق بحسب الرتبة فقط فالتـامّ عين النـاقص ذاتـا مع فضل عليه كما أنّ
الناقص عين التـامّ ذاتا مع نقصـان بحسب المرتبة.
إذ عرفت هذه المقدّمات نقول: الوجود إمّا مستغن عن غيره و هو الواجب بالذات
لإستغناه في وجود عن الغير و إمّا مفتقر في ذاته إلى الغير الذي هو الواجب، إذ
الوجود المفتقر ليس ذاته مغايرة لذات الوجود التامّ المستغني، بناءا على المقدّمة
الثـانية و الرابعة، فـإذن لو وجد وجود نـاقص مفتقر فهو عين الوجود التـامّ
المستغني مع تنزّل بحسب المرتبة الوجوديّه فوجود الناقص المفتقر دليل على وجود
التامّ المستغني الذي لا أتمّ منه، لأنّ وجوده هو عين وجوده بلا تباين بحسب الذّات،
فإذن وجود الواجب لازم على التقديرين و هو المطلوب.
ثمّ إنّ البرهان بهذا القدر كاف في إثبات الواجب لكن صدر المتألّهين أراد في تتمة
البرهان (أي من قوله: و الأوّل هو واجب الوجود ... إلى آخر البرهان) إثبات غنى
الواجب و تماميّته و هذا زيادة في المطلوب و لا يتعلّق بنفس المطلوب الذي هو إثبات
أصل وجود الواجب.
إنّ في هذه العبارة ثلاث دعاوي: الأولى أنّ غاية كمال حقيقة الوجود مالا أتمّ
منه و هذه الدعوي ظاهرة واضحة، لأنّ حقيقة الوجود مشكّكة فغاية كمالها الموجود هي
المرتبة الّتي لا أتمّ منها؛ الثانية أنّ هذة المرتبة الّتي لايوجد أتمّ منها
لايكون متعلّقة بغيرها و هذه الدعوى أيضا ظاهرة واضحة، لأنّ غيرها أضعف منها و
لايتعلّق الأقوى بالاضعف فهي قائمة بذاتها؛ الثالثة أنّ هذه المرتبة الّتي لايوجد
أتمّ منها و لا يتعلّق بغيرها لايتصوّر ما هو أتمّ منها، أي لايمكن أن يوجد أتمّ
منها، إذ لو أمكن أن يوجد أتمّ منها لكان هذه المرتبة ناقصة بالنسبة إليها و كلّ
ناقص متعلّق بالغير، فيجب أن تكون هذه المرتبة متعلّقة بالغير و قد تقدّم في الدعوي
الثانية أنّ هذه المرتبة قائمة بذاتها مستقلّة عن غيرها، هذا خلف.
ثمّ إثبات هذه الدعاوي إنّما هو لأجل الإشارة إلى أنّ هذا البرهان كما أنّه يثبت
وجود الواجب بالذات كذلك يُثبت أنّ ذاته الواجبة تامّة
الهويّة و لايتطرّق إليها نقص أصلاً.
لما تقدّم من أنّ الّذي يناقض الوجود هو العدم لا العدم مع شيء آخر، فالمناقض
للوجود العدم الصرف الّذي لا يخالطه غيره و العدم الصرف جامع للأعدام كلّها و
النقيض، يطرد النقيض فالوجود يطرد مطلق العدم فلا يكون في حريم الوجود عدم و لا نقص
أصلاً.
أفرد هذه البراهين من البراهين السابقة، لأنّ وثاقة هذه البراهين ليست في رتبة البراهين السابقة لأنّ السلوك إلى الواجب بالذات من ناحية حقيقة الوجود لايحتاج إلى ابطال الدور و التسلسل بخلاف هذه البراهين ـ كما سيأتي ـ و لأنّ حقيقة الوجود عين الوجوب الذاتيّ كما تقدّم لا أجنبيّة عنه، فالسلوك فيها استشهاد على ذاته بذاته فيكون من الطرق الّتي أشير إليها في قول إمام الساجدين و زين العابدين: «بك عرفتك و أنت الّذي دللتني عليك و لو لا أنت لم أدر ما أنت» بخلاف هذه البراهين، فإنّ السلوك فيها إليه من ناحية ما يكون غير حقيقته بوجه.
حاصله: أنّ المعلول ما لم تكن علّته الخاصّة معلومة الوجود، مشكوك (لأنّ الشكّ في العلّة يلازم الشكّ في المعلول) و ما كان مشكوكا لايتركّب منه البرهان فلا يفيد يقينا.
لأنّ اللوازم العامّة الّتي هي أحكام الوجود بما هو وجود، عوارض تحليليّة للوجود فليس لها وجودات منحازة من وجود موضوعها الّذي هو الوجود بما هو وجود، بل إنّها موجودة بعين موجوديّة الوجود و الوجود بما هو وجود ليس له علّة إذ ليس ورائه شيء آخر حتّى يكون علّة له فليس لللوازم العامّة الّتي هي موجودة بعين الوجود، علّة و إذا لم يكن لها علّة جاز العلم و اليقين ببعضها، إذ ليس لها علّة حتّى يقال: الشكّ في علّتها يسري إلى الشكّ فيها و إذا جاز العلم و اليقين ببعضها جاز تركّب البرهان منها و البرهان يفيد اليقين و هو المطلوب.
راجع: برهان الشفاء، المقالة الأولى، الفصل الثامن، ص 87.
توضيح الجواب: أنّ هذا البرهان قد سلك فيه من موجود مّا إلى وجود الواجب و موجود مّا من اللوازم العامّة الّتي يعرض على الوجود بما هو وجود فإنّ كلّ وجود صدق عليه أنّه موجود مّا و إذا كان من عوارض الوجود بما هو وجود فلا محالة ليس له بما هو كذلك علّة لما تقدّم من أنّ عوارض الوجود كالوجود ليس لها علّة، و لأنّ معيار الإحتياج إلى العلّة هو الإمكان و موجود مّا بما هو كذلك لا يلازم الامكان و إذا لم يكن لموجود مّا بما هو كذلك علّة جاز أن يحصل لنا اليقين بوجود موجود مّا، المفروض أنّه ليس له علّة حتّى يلازم الشكّ في علّته الشكّ في وجوده و إذا جاز لنا اليقين بوجود موجود مّا جاز تركّب البرهان منه.
هكذا تكون العبارة في النسخ الموجودة عندنا، لكن الظاهر أنّ الصحيح هكذا: «من حال لازمة و هو مفهوم موجود مّا ...» لأنّ هذا البرهان قد سلك فيه من نفس موجود مّا لا من حال لازمة له لانّه يقال فيه موجود مّا إمّا واجب أو مستلزم للواجب و إلاّ لزم الدور و التسلسل.
الإشكال السابق جارٍ هنا و لايندفع بما تقدّم، لأنّ الحركة و غيرها ممّا يأتي ليست من اللوازم العامّة، لأنّها ليست من عوارض الوجود، بما هو وجود فليس هذا الدليل و ما بعده برهانا مفيدا لليقين فتدبّر.
انّما كان بريئا من المادّة لأنّه لو كان مادّيّا لكان متحرّكا: «إذ كلّ موجود مادّيّ متحرّك بجوهره و أعراضه) مع أنّ المفروض أنّه غير متحرّك و هذا الدليل لو كان تامّا لدلّ على وجود الواجب و تجرّده معا.
أي لا بما هي عقل فإنّها بما هي عقل ليست حادثة بل قديمة، ثم توضيح البرهان على حدوث النفس بحدوث البدن هو أنّ النفس لو لم تكن حادثة بحدوث البدن لكانت موجودة قبل البدن و لو كانت كذلك لكانت واحدة أو متكثرة، فإن كانت واحدة كانت النفس الواحدة نفسا لكلّ بدن و لو كانت كذلك لكان ما علمه إنسان علمه كلّ إنسان و ما جهله إنسان جهله كلّ إنسان و هو باطل، و إن كانت متكثرة احتاج كلّ واحدة منها إلى ما به الإمتياز، و ما به الإمتياز ليس ذات النفس أو ذاتيّها أو لوازمها لإشتراكها في جميع الأفراد، فوجب أن يكون ما به الامتياز عرضا مفارقا لكن العرض المفارق لإمكان زواله و حدوثه يستدعي مادّة حاملة لاستعداده، فإن كانت تلك المادّة الحاملة هذا البدن الموجود لزم أن تكون النفس حادثة بحدوث البدن و هو المطلوب، لأنّ البدن الموجود حادث و إن كانت غير هذا البدن لزم التناسخ لأنّ المفروض أنّ النفس بعرضها المفارق تمتاز عن غيرها من النفوس و العرض المفارق موجود على الفرض في بدن سابق على هذا البدن، فيجب أن تتعلّق النفس أولاً بذلك البدن السابق ثمّ تتعلّق بالبدن الموجود و هذا هو التناسخ المحال فتدبّر.
التناسخ و هو انتقال النفس من بدن الى بدن آخر منفصل عن الأوّل، محال إذ تقدّم في الفصل الرابع عشر من المرحلة السابقة أنّ تعلّق النفس بالبدن ليس وصفا عارضا على هويّة النفس بل إضافة النفس و تعلقها بالبدن عين هويّة النفس، فبناءا على هذا لو فرض هناك بدنان تعلّق بهما النفس الواحدة لوجب أن يكون هناك تعلّقان و إضافتان لأنّ البدن الّذي هو طرف الإضافة و التعلّق متعدّد على الفرض و الإضافة تتعدّد بتعدّد طرفها، فوجب أن يكون هناك تعلّقان و إضافتان و إذا كان هناك تعلّقان كان هناك نفسان لأنّ كلّ تعلّق نفس و قد فرض أنّ النفس واحدة هذا خلف.
فإن قلت: النفس لا تحتاج في ذاتها إلى المادّة فلا يجري فيها البرهان الّذي أقيم
على إشتراط تأثير العلل الجسمانيّة بتوسط الوضع.
قلت: ذلك البرهان و إن لم يجر في النفس حيث إنّ النفس لاتحتاج في ذاتها إلى المادّة
حتّى يقال فيها إنّها لمّا أحتاجت في ذاتها إلى المادّة احتاجت في تأثيرها اليها،
إلاّ أنّه قد برهن في محلّه أنّ النفس مادّيّة فعلاً فتحتاج في تأثيرها إلى المادّة
و قد تقدّم أنّ الاحتياج في التأثير إلى المادّة هو أن يحصل للعلّة بسبب المادّة
وضع خاصّ مع معلولها.
أقول: هذا الدليل و إن كان سلوكا من المعلول إلى العلّة الّذي تقدّم أنّه لايفيد اليقين إلاّ أنّه يمكن تتميمه بحيث يفيد اليقين بأن يقال: إنّ المعلول الّذي يسلك منه في هذا البرهان إلى وجود الواجب هو النفس المجرّدة لكلّ إنسان و النفس في كلّ فرد معلومة الوجود لنفس ذلك الفرد بالعلم الحضوريّ و العلم الحضوريّ لا يزول بالشكّ، لأنّ العلم الحضوريّ عين واقعيّة المعلوم و واقعيّة الشيء لايزول بالشكّ فيه بل الّذي يزول بالشكّ هو العلم الحصوليّ بالشيء الّذي هو غير نفس الشيء و إذا لم يزل العلم الحضوريّ بالشيء بالشكّ فيه فلا يجري فيه ما كان جاريا في البرهان الإنّي من «أنّ الشكّ في العلّة يلازم الشكّ في المعلول و المعلول المشكوك لايتركّب منه البرهان» و ذلك لأنّ الشكّ في الواجب و إن كان ملازما للشكّ في وجود معلوله الّذي هو وجود النفس إلاّ أنّ هذا الشكّ أي الشكّ في وجود النفس لاينافي العلم الحضوريّ بوجود النفس، لأنّ الشك يزيل العلم الحصوليّ بالشيء لا نفس واقعيّة الشيء الّذي هو عين العلم الحضوريّ و الشاهد على ذلك أنّا إذا شككنا في وجود نفوسنا ننسب ذلك الشكّ إلى نفوسنا، فنقول عند الشكّ «أنا شاكّ في وجود نفسى» فلو لم يكن وجود «أنا» معلوما بالعلم الحضوريّ عند الشكّ فيه لم يجز نسبة ذلك الشكّ إلى «أنا» لأنّ ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له، فإذن العلم الحضوريّ بوجود النفس باق على حاله و إن كان وجود الواجب و وجود النفس مشكوكين، و ممّا تقدّم ظهر أنّ نفس كلّ إنسان و شؤونها المعلومة بالعلم الحضوريّ هي النقطة الوحيدة من بين الممكنات للشروع في السلوك البرهاني إلى وجود الواجب، فإذن «من عرف نفسه فقد عرف ربّه».
لأنّ العالم المادّي بجواهره و أعراضه حادث بالحدوث التجدّديّ بناءا على الحركة
الجوهريّة كما تقدّم في المرحلة العاشرة.
أي بعكس النقيض، ثم يرد على هذا البرهان أنّ الّذي تقدّم إثباته هناك(1) قولنا: «كلّ ماهيّة فهي ممكنة و هو ينعكس إلى قولنا: «كلّ ما ليس بممكن ليس ماهيّة» و ليس هذا هو المطلوب.
هذا الدليل و إن استحسنه المصنّف رحمهالله بقوله الآتي إلاّ أنّه ساقط لايفيد
المطلوب و ذلك لوجهين:
الأوّل أنّا نمنع أنّه لو كانت للواجب ماهيّة وراء وجوده الخاصّ لاحتاجت ماهيّته في
تلبسها بالوجود إلى سبب و ذلك لأنّ المجعوليّة في اتّصاف الماهيّة بالوجود ليست
بالذات بل بعرض الوجود كما تقدّم في الفصل الأوّل من المرحلة الثامنة، فإن كان
الوجود في ذاته محتاجا إلى جعل جاعل كان اتّصاف الماهيّة بالوجود محتاجا أيضا إلى
الجعل بالعرض و إن كان الوجود في ذاته غير محتاج إلى جعل جاعل كان اتّصاف الماهيّة
بالوجود غير محتاج إلى الجعل أيضا و لمّا كان وجود الواجب غير محتاج إلى الجاعل كان
اتّصاف ماهيّته المفروضة بالوجود و تلبّسها به غير محتاج إلى الجاعل، فالحجّة غير
مفيدة.
1. راجع: المرحلة الرابعة، الفصل الاوّل.
الثاني أنّ هذا الدليل ينتقض بوحدة الواجب، فإنّ وحدة الواجب في الخارج عين
وجوده لكن الذهن يحلّل هذا الأمر الواحد إلى مفهومين مفهوم الوجود و مفهوم الوحدة،
فلوكان هذا الدليل تامّا في نفي الماهيّة عن الواجب لجرى نظيره في نفي الوحدة عن
الواجب تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
بيان ذلك: أنّه لو كان واقعيّة الواجب بحيث يمكن تحليلها إلى حيثيّة الوجود و
حيثيّة الوحدة المغايرة لوجوده لكان وجوده في ذاته لا واحدا و لا غير واحد، فيحتاج
في تلبّسه بالوحدة إلى سبب و السبب إمّا نفس الوجود أو أمر خارج عنه و كلا الشقّين
محالان: أمّا استحالة كون وجوده سببا لوحدته فلأنّ السبب مقدّم على مسبّبه بالوجود
فوجوده مقدّم على وحدته العارضه له لكن الوجود المقدّم على الوحدة العارضة يستدعي
وحدة سابقة على تلك الوحدة العارضة لأنّ، الوحدة تساوق الوجود تدور حيثما دار، ففي
أيّ مرتبة تحقّق الوجود فيها تحقّقت الوحدة فيها، فإن كان هذه الوحدة السابقة نفس
الوحدة العارضة لزم تقدّم الشيء على نفسه و إن كانت غيرها نقلنا الكلام فيها فيذهب
الأمر إلى غير النهاية و هو باطل؛ و أمّا استحالة كون غير الوجود سببا لوحدته
فلانّه يستلزم أن يكون الواجب ممكنا كما تقدّم بيانه في إثبات قاعدة: «واجب الوجود
بالذات واجب الوجود بالذات من جميع الجهات».
هذا إذا كان الوجود المقدّم هو نفس الوجود العارض على الماهيّة و أمّا إذا كان غيره نقلنا الكلام فيه، فيذهب الأمر إلى غير النهاية و هو محال.
هذا بحسب نفس الأمر صحيح لكن إذا التزمنا بالملازمة الّتي ادّعيتم في صدر الدليل يجب علينا أن نلتزم بأنّ الماهيّة مقدّمة بالوجود على تلبّسها بالوجود و ذلك لأنّ التلبس بالوجود معنى نسبيّ قائم بطرفيه، فلو كان تلبّس الماهيّة بالوجود مجعولاً بالذات محتاجا إلى جعل جاعل لكان التلبّس موجودا حقيقيّا قائما حقيقة بطرفيه، فلزم أن تكون الماهيّة الّتي هي إحدى طرفيه مقدّمة عليه بالوجود حقيقة، فيرد النقض المذكور.
فإن قلت: «يمكن المناقشة في هذه الحجة بأنّ حصر جميع الماهيّات في المقولات
ممنوع، و قد صرّح صدر المتألّهين بأنّ الاندراج في المقولات يختصّ بالماهيّات
المركّبة من الأجناس و الفصول فلا مانع عقلاً من فرض ماهيّة بسيطة غير مركّبة من
الجنس و الفصل و لا داخلة في شيء من المقولات مضافا إلى ما مرّ من أنّ الجوهر و
العرض ليسا مفهومين جنسيّين، بل هما من المعقولات الثانيّة كما اختار شيخ الإشراق
نفسه في بعض كتبه».
قلت: عدم انحصار الماهيّات في المقولات المشهورة لايضرّ بالمطلوب كما صرّح به
المصنّف في المتن، لأنّ كل ماهيّة مفروضة إمّا أن تكون بحيث إذا وجدت وجدت لا في
الموضوع و إمّا أن لاتكون كذلك؛ و هذا حصر عقليّ دائر بين النفي و الإثبات و الثاني
باطل لأنّ الماهيّات المتقوّمة بالموضوع محتاجة و الإحتياج ينافي الوجوب الذاتيّ و
لا فرق في البطلان بين عدد معيّن و عدد آخر فيجب أن تكون الماهيّة المفروضة للواجب
من القسم الأوّل، فيكون جوهرا لامحالة و الجوهر جنس لما كانت تحته ـ كما تقدّم في
الفصل الثاني من المرحلة السادسة ـ فلابدّ أن يتخصّص الماهيّة المفروضة للواجب بفصل
بعد إشتراكها مع غيرها من الأنواع الجوهريّة، فتحتاج إلى المخصّص و الإحتياج ينافي
الوجوب الذاتيّ.
لأنّ المسلوب عن الأخصّ مسلوب عن الأعمّ، إذ الأعمّ موجود بعين وجود الأخصّ فلو لم يسلب عن الأعمّ ما سلب عن الأخصّ لاجتمع النقيضان في شيء واحد، فبناءا على هذا نقول إنّ بعض الأنواع الجوهريّة ممكن، أي جاز وجوده و عدمه فيكون ضرورة الوجود و العدم مسلوبة عن ذلك البعض و إذا كان ضرورة الوجود و العدم مسلوبة عن نوع من الأنواع الجوهريّة لزم أن تكون الضرورة مسلوبة عن الجوهر الّذي هو أعمّ من نوعه، فالجوهر الجنسيّ جاز وجوده و عدمه.
لأنّ الثابت على الأعمّ ثابت على الأخصّ، لأنّ الأعمّ موجود بعين الأخصّ فلو لم يثبت للأخصّ ما ثبت للأعمّ لاجتمع النقيضان؛ فبناءًا على هذا نقول: لو ثبت ضرورة الوجود أو ضرورة العدم على الجوهر مثلاً للزم أن تثبت لأنواعه، فإذن الواجب أو الممتنع على الجنس واجب أو ممتنع على كلّ نوع تحته.
هذا الوجه غير مفيد للمطلوب و ذلك لأنّ الجائز على النوع و إن كان جائزا على الجنس لما تقدّم من البرهان إلاّ أنّ الجواز على الجنس لايلزم منه الجواز على كلّ نوع تحته، مثلاً الكتابة بالأصابع جائز على الإنسان و الجائز على الإنسان جائز على الحيوان فالكتابة بالأصابع جائز على الحيوان لكن ليس معنى هذا أنّ كلّ حيوان جائز له الكتابة بالأصابع، فإنّ الجواز على الأعمّ صادق بصدق فرد منه لا بصدق جميع أفراده لزوما، فإنّ بعض أنواع الحيوان كالحيّة محال له الكتابة بالأصابع، إذ لا إصبع لها حتّى يمكن لها الكتابة بالأصابع؛ و أيضا الانخساف جائز الوجود و العدم على القمر ليلة البدر و الجائز على القمر ليلة البدر جائز على القمر لما تقدّم لكن لايلزم من الجواز على الأعمّ الجواز على كلّ فرد خاصّ بالنسبة إليه، فإنّ الانخساف ليس جائز الوجود و العدم على القمر وقت الحيلولة بل كان واجبا ضروريّا له و الأمر فيما نحن فيه من هذا القبيل، فإنّ بعض الأنواع الجوهريّة جائز الوجود و العدم و الجائز على النوع جائز على الجنس، فالجوهر جائز الوجود و العدم لكن لايلزم من الجواز على الجوهر الجواز على كلّ نوع تحت الجوهر حتّى يقال: لو دخل الواجب تحت مقولة الجوهر للزم أن يكون الواجب بالذات جائز الوجود و العدم باعتبار جنسه فلم يكن واجبا بل ممكنا، أضف إلى ذلك أنّ الجنس بما هو جنس مبهم و المبهم لا حكم له بالجواز أو الضرورة بل الجواز أو الضرورة حكم نوعه المتعيّن، فإذا كان جائز الوجود كان الجنس جائز الوجود أيضا، فبناءا على هذا لايمكن أن يقال: الواجب باعتبار جنسه جائز الوجود فلم يكن واجبا بل ممكنا، لأنّ حكم الجنس مأخوذ من حكم نوعه، فلو كان حكم نوعه مأخوذا من حكم جنسه لدار مثلاً الحيوان بما أنّه معنى جنسيّ لايكون ضروريّ النطق و إلاّ كان الفرس الّذي هو حيوان ضروريّ النطق و لا لاضروريّ النطق و إلاّ كان الإنسان الّذي هو حيوان، لا ضروريّ النطق، بل الحيوان ضروريّ النطق بما أنّه إنسان و لاضروريّ النطق بما أنّه فرس مثلاً، فحكم ضرورة النطق للحيوان مأخوذ من حكم ضرورة النطق للإنسان، فلو كان هذا الحكم في الإنسان مأخوذا من حكم ضرورة النطق للحيوان لدار و كذا حكم لاضرورة النطق للحيوان مأخوذ من حكم لاضرورة النطق للفرس مثلاً فلو كان هذا الحكم في الفرس مأخوذا من حكم لاضرورة النطق للحيوان لدار.
الضرورة الأزليّة كما تقدّم في الفصل الأوّل من المرحلة الرابعة هي كون المحمول
ضروريّا للموضوع لذاته من دون أيّ قيد و شرط حتّى وجود الموضوع كقولنا: «الواجب
بالذات موجود بالضرورة الأزليّة» فإنّ المحمول في هذه القضية ضروريّ للموضوع من دون
أيّ قيد و شرط حتّى شرط وجود الموضوع، فإنّ شرط وجود الموضوع إنّما يتصوّر فيما كان
الموضوع غير حقيقة الوجود أمّا في هذه القضيّة فالموضوع نفس حقيقة الوجود و لا معنى
لأن يكون الشيء شرطا لنفسه.
بيانه: أنّ المادّة و الصورة الخارجيّتين ينتزع منهما المادّة و الصورة العقليّتين و المادّة و الصورة العقليّتين عين الجنس و الفصل بحسب الذات و التفاوت بالاعتبار، فلو كان للواجب مادّة و صورة خارجيّتان للزم أن يكون للواجب جنس و فصل و هو باطل.
و إلاّ كان كلّ جزء بالنسبة إلى جزء آخر كحجر موضوع في جنب إنسان و من المعلوم أنّ التركيب بهذا المعنى ليس تركيبا حقيقيّا ذا أثر جديد وراء آثار كلّ واحد من الأجزاء.
إشارة إلى أنّ بعض هذه البراهين كافية في نفي الأجزاء المقداريّة كالبرهان الأوّل، فإنّ الواجب لمّا لم يكن له ماهيّة لم يكن له مقدار (إذ المقدار من الماهيّات) و إذا لم يكن له مقدار لم يكن له الأجزاء المقداريّة إذ الأجزاء المقداريّة متفرعة على المقدار، لأنّ الوهم بعد وجود مقدار مّا يفرض فيه الانقسام فيحصل بذلك الفرض الأجزاء المقداريّة فما لم يكن مقدار لم يكن جزء مقداريّ.
هذا الدليل غير تامّ عند المصنّف(1) و لذا عبرّ عنه بـ «قد قيل» و ذلك لأنّ
الواجب بالذات إمّا أن يكون له ماهيّة وراء وجوده أو لايكون له الماهيّة، فإن كان
له ماهيّة وراء وجوده، فلنا أن نجعل تلك الماهيّة المقدار ثم نمنع تخالف الجزء و
الكلّ في الحقيقة و أمّا إن لم يكن له ماهيّة وراء وجوده، فلنا أن نقول المطلوب
حاصل في هذا التقدير قبل إجراء الدليل فالدليل لغو لأنّ نفي الماهيّة عنه يلازم نفي
المقدار عنه و نفي المقدار عنه يلازم نفي الأجزاء المقداريّة عنه، و ببيان آخر
أخصر: إنّ تخالف الجزء و الكلّ في الشقّ الأوّل من الترديد غير مسلّم إلاّ على
القول بنفي الماهيّة عن الواجب و مع القول بنفي الماهيّة عنه المطلوب حاصل قبل
إجراء الدليل فالدليل لغو.
ثمّ توضيح الدليل: إنّ الجزء المقداريّ المفروض للواجب إمّا أن يكون ممكنا أو
واجبا، فإن كان ممكنا لزم أن يكون هذا الجزء مخالفا لكلّه في حقيقته مع أنّ الجزء
المقداريّ متّحد الحقيقة مع كلّه، فإنّ جزء الخطّ خطّ أيضا و إن كان الجزء واجبا
بالذات لزم أن يكون ذلك الجزء الواجب بالذات موجودا بالقوة و الفرض، لأنّ الأجزاء
المقداريّة موجودة بالقوة و الفرض و هذا ينافي وجوب ذلك الجزء.
من نشأيّة، أي الاتّصاف بالتركّب ينشأ من ناحية السلوب.
هذا البيان بيان أنّ من التركب ما يحصل من ناحية السلوب لا بيان أنّ الواجب منفيّ عنه هذا التركّب.
1. راجع: تعليقة المصنّف على الأسفار: 6 / 101.
لا ريب أنّ ثبوت شيء مغايرٌ لنفي غيره عنه بحسب المفهوم لكن هل كان لهذين المفهومين مصداق واحد حتّى لايلزم التركّب في الخارج أو كان لكلّ منهما مصداق على حدة؟ المصنّف ادّعى الضرورة على الثاني و على فرض نظريّته يمكن أن يستدلّ عليه بأن يقال: لو لم يضمّ عدم مّا إلى ثبوت الشيء لكان ذلك الثبوت ثبوتا صرفا و وجودا محضا، إذ المفروض أنّ ذلك الثبوت غير مقارن لعدم مّا فيكون ثبوتا صرفا و الثبوت الصرف لمّا كان جامعا لجميع الوجودات لم يمكن أن يسلب عنه شيء مع أنّ المفروض أنّ ذلك الشيء يسلب عنه شيء مّا و هذا خلف، فإذن ثبت أنّ كلّ هويّة صحّ أن يسلب عنها شيء فهي مركّبة في الخارج من حيثيّتين مختلفتي المصداق.
بعد أن أثبت أنّ من التركّب ما هو حاصل من تطرّق السلوب في ذات الشيء شرع في أصل الدعوى و أنّ هذا النوع من التركّب منفيّ عن الواجب بالذات، فقال: «و الواجب بالذات وجود بحت لا سبيل للعدم إلى ذاته ...».
هذا شروع في إثبات أصل الدعوى، توضيحه: أنّه لو أمكن أن يتحقّق كمال لجاز فرض
وجوده و لو جاز فرض وجوده لكان وجوده المفروض مستندا إلى الواجب بالذات (لأنّ تعدّد
المبدأ الأوّل محال كما سيأتي) فينتج من الشكل الأوّل: «أنّه لو أمكن أن يتحقّق
كمال لكان وجوده المفروض مستندا إلى الواجب بالذات» ثمّ ننضمّ إلى هذه النتيجة
قضيّة أخرى و نقول هكذا:
لو أمكن أن يتحقّق كمال لكان وجوده المفروض مستندا إلى الواجب بالذات و كلّ ما كان
وجوده المفروض مستندا إلى الواجب بالذات وجب أن يكون الواجب واجدا له (لأنّ معطي
الشيء لايكون فاقدا له) فينتج من الشكل الأوّل «لو أمكن أن يتحقّق كمال وجب أن يكون
الواجب واجدا له» فثبت أنّ الواجب بالذات واجد لكلّ كمال ممكن و إن لم يصل ذلك
الكمال المفروض إلى مرحلة التحقّق، و بهذا البيان يندفع ما قيل من أنّ «غاية ما
يثبت بهذا البيان أنّ له تعالى كلّ الكمالات الحاصلة للممكنات على وجه أتمّ و أعلى،
لا أنّ له كلّ كمال مفروض و بعبارة اُخرى: لاينافي هذا البرهان فقد الواجب لكمال لم
تحصل و لن تحصل مرتبة منه للممكنات أيضا».
إشارة إلى أنّ سلب السلب و إن كان لازمه الوجود إلاّ أنّه ليس بالوجود و سلب النقص و إن كان لازمه الكمال إلاّ أنّ ليس بالكمال فإذن الحق في الجواب أن يقال: إنّ صدق الصفات السلبيّة على الواجب بالذات ليس صدقا حقيقيّا و بالذات بل بالعرض و المجاز لأنّ الواجب بالذات الّذي هو وجود صرف و كمال محض أعظم شأنا من أن يكون مصداقا للسلب حقيقة و لو كان ذلك السلب سلبا للسلب نعم لمّا كانت ذاته المتعالية مصداقا بالذات للوجود الصرف و الوجود الصرف ملازم لسلب النقايص و الفقدانات كانت مصداقا بالعرض لسلب النقص أيضا.
و ذلك لأنّ الموضوع في الحمل الشايع فرد للمحمول و الشيء ينطبق على فرده بكلتي
جهتي إيجابه و سلبه و إلاّ لم يكن فردا حقيقيّا له ـ مثلاً ـ إذا قلنا: «زيد
إنسان»، فزيد لمّا كان فردا حقيقيّا للإنسان كان الثابت للماهيّة الإنسانيّة ثابتا
لزيد و المسلوب عن الماهيّة الإنسانيّة مسلوبا عن زيد، فالإنسان صادق على زيد بكلتي
جهتي إيجابه و سلبه.
فإن قلت: النسبة بين فرد الماهيّة و الماهيّة نسبة العموم و الخصوص مطلقا و قد
تقدّم أنّ المسلوب عن الأعمّ لايجب أن يكون مسلوبا عن الأخصّ فإنّ الأسوديّة مثلاً
مسلوبة عن الإنسان بما هو إنسان فيقال الإنسان ليس أسود لكن مع ذلك صحّ أن يقال زيد
أسود.
قلت: المراد ممّا تقدّم من أنّ المسلوب عن الماهيّة مسلوب عن فردها، هو أنّ
الماهيّة في حدّ نفسها لو اقتضت سلب شيء عنها اقتضى فردها ذلك السلب، لأنّ تلك
الماهيّة موجودة في فردها فالإنسان مثلاً إذا اقتضى طرد الفرسيّة عن نفسه و سلبَها
عنها اقتضى فرده ذلك الطرد و السلب فزيد كالإنسان مسلوب عنه الفرسيّة مثلاً.
لأنّ الحمل بينهما حمل الحقيقة و الرقيقة و الموضوع و المحمول في حمل الحقيقة و الرقيقة متّحدان في أصل الوجود مختلفان في مرتبة الوجود، فمن اتّحادهما في أصل الوجود يستنتج أنّ الحقيقة واجدة للكمالات الموجودة في رقائقها و من اختلافهما في مرتبة الوجود يستنتج أنّ الحقيقة لاتكون محدودة بحدود رقائقها و إذا لم تكن محدودة بحدود رقائقها كانت المباينة من هذه الجهة حاصلة بينهما و لذا امتنع الحمل بينهما بالحمل الشايع.
أي تماميّة كلّ شيء بمرتبته الّتي هي موجودة بعين وجود الواجب، فإنّ لوجود كلّ شيء مراتب فمرتبة منه في عالم المادّة، و أتمّ من هذه المرتبة مرتبته المثاليّة لأنّها علّة للمرتبة المادّيّة، و أتمّ من المرتبة المثاليّة مرتبته العقليّة لأنّها علّة للمرتبة المثاليّة، و أتمّ من المرتبة العقليّة مرتبته الموجودة في النظام الربّاني لأنّها علّة للمرتبة العقليّة و هذه المرتبة لمّا كانت عين وجود الواجب و وجود الواجب أتمّ مراتب الوجود كانت أتمّ مراتب ذلك الشيء.
توضيح الدليل: أنّ الواجب بالذات صرف الوجود و صرف الوجود واحد بالوحدة الحقّة، فينتج من الشكل الأوّل أنّ الواجب بالذات واحد بالوحدة الحقّة، أمّا الصغرى فواضحة ـ ممّا مرّ في الفصل السابق ـ ، و أمّا الكبرى فهي تنحلّ إلى قضيتيّن: الأولى أنّ صرف الوجود واحد، و الثانية أنّ وحدة صرف الوجود وحدة حقّة؛ أمّا إثبات أنّ صرف الوجود واحد فلانّه لو تعدّد صرف الوجود لامتاز كلّ واحد من الأفراد بما ليس في الآخر، فيكون كلّ منها مركّبا من وجدان و فقدان و هذا ينافي صرافة الوجود في تلك الأفراد؛ و أمّا إثبات أنّ وحدة صرف الوجود وحدة حقّة، فلأنّ الواحد بالوحدة الحقّة هو الّذي ذات الواحد فيه عين الوحدة و وحدة صرف الوجود كانت من هذا القبيل لأنّ الوجود و الوحدة مساوقان ـ كما تقدّم في المرحلة السابعة ـ ، فلو كانت وحدة صرف الوجود زائدة على ذاته للزم أن يكون وجوده زائدا على ذاته بحكم التساوق بين الوجود و الوحدة؛ لكن التالي باطل لأنّ صرف الوجود موجود بنفس ذاته لابوجود آخر، إذ الوجود أصيل متحقّق بالذات، فالمقدّم مثله فثبت أنّ الواجب بالذات واحد بالوحدة الحقّة.
الظاهر أنّ هذا البرهان هو ملخّص البرهان الّذي ذكره الشيخ في الشفاء(1) و في
موضعين آخرين من التعليقات؛(2) فإنّه قال في التعليقات:(3)
«إن كان واجب الوجود إثنين فكلّ واحد منهما إمّا أن يكون وجوب الوجود و هويّته (أي
هويّته الشخصيّة) شيئًا واحدا فيكون كلّ ما هو واجب الوجود هو بعينه و إن كان وجوب
الوجود غير هويّته لكنّه يختصّ به و يقارنه (أي يقارن وجوب الوجود الخصوصيّة و
التشخّص) فاختصاصه به (و بعبارة أخرى: اتّصافه بالهوية الشخصيّة) أمّا لذاته أو
لعلّة، فإن كان لذاته و لأنّه واجب الوجود كان ما هو واجب الوجود، هو بعينه و إن
كان لسبب كان معلولاً» انتهي. و الحاصل انّ تشخّص الواجب إن كان عين ذاته فظاهر أنّ
الواجب لايتعدّد، لأنّ التشخص عبارة عن حيثيّة الاباء عن التعدّد، و إن كان غيرها
فاتّصاف الواجب بالتشخّص و بأن يكون هذا الفرد المتشخّص أمّا بسبب كون الواجب واجبا
فيلزم أن يكون كلّ ما هو واجب متشخّصا بهذا التشخّص المعيّن فلا واجب وراء هذا
الشخص؛ و إمّا بسبب غيره فيلزم معلوليّة الواجب للغير و هذا محال . ـ ثمّ لمّا كان
الحقّ في هذه الشقوق الثلاثة الشق الأوّل (بناءا على أنّ ذات الواجب عين الوجود و
الوجود عين التشخّص في الواجب على الأقل) حذف الشيخ الشقّين الأخيرين في تلك
العبارة فقال: «وجود الواجب عين هويّته (أي عين كونه هذا الفرد المتشخّص، فضمير
«هو» إشارة إلى الفرد المتشخّص) فلا يوجد وجود الواجب لذاته لغيره» لأنّ ذاته و
وجوده عين التشخّص و تشخّص الشيء يأبى عن التعدّد.
ثمّ إنّ صدر المتألّهين أورد على هذا البرهان إشكالاً، فقال: «مجرّد كونه متشخّصا
بنفس ذاته لايوجب استحالة واجب وجود آخر ... لاحتمال الوهم أن يكون هناك حقائق
متخالفة واجبة الوجود و تَعيّنُ كلّ منها عين حقيقته فلابدّ مع ذلك من استيناف
برهان على تفرّد واجب الوجود في معنى واجب الوجود».(4)
1. راجع: الفصل السابع من المقالة الاولى من الالهيات.
2. ص 61.
3. ص 184.
4. الاسفار: 1 / 129.
توضيح الإشكال: أنّ التعدّد قد يحصل من ناحية الأنواع المختلفة و قد يحصل من
ناحية الأفراد المختلفة لنوع واحد، و نفي التعدّد الحاصل من ناحيّة الأفراد
المختلفة لنوع لايلزم منه نفي التعدّد الحاصل من ناحية الأنواع المختلفة، مثلاً أنّ
كلّ عقل منحصر نوعه في الفرد و مع ذلك أنّ في عالم العقل عقولاً متعدّدة، فعدم
التعدّد الفرديّ لاينافي التعدّد النوعيّ و البرهان الّذي أقامه الشيخ يثبت أنّ ذات
الواجب لمّا كانت عين التشخّص كانت تلك الذات منحصرة في فرد متشخّص لكن انحصار تلك
الذات في ذلك الفرد لا ينفي أن يكون هناك ذات أخرى واجبة متشخّصة بذاتها و متباينة
للذات الأولى فإذن هذا البرهان لايتمّ إلاّ بعد البرهان على نفي التعدّد النوعيّ، و
عدم تماميّته قد صار موجبا لأن يوجّه المصنّف هذا البرهان بإرجاعه إلى الدليل
الأوّل المبتني على صرافة وجود الواجب، فقال لعلّ هذا هو مراد الشيخ بقوله في
التعليقات.
أقول: تلك العبارة المنقولة من التعليقات تأبى عن الرجوع إلى الدليل السابق لأنّ
الحدّ الأوسط في الدليل السابق عبارة عن صرف الوجود و لا إشارة في تلك العبارة إلى
صرف الوجود فضلاً عن الصراحة، فإذن الأولى إبقاء العبارة على ظاهرها ثمّ تتميم
البرهان بإبطال التعدّد النوعيّ بأن يقال: لو كان هناك ذاتان واجبتان متباينتان
بالنوع لكانتا مشتركتين في وجوب الوجود، فوجوب الوجود إمّا أن يكون تمام ذات كلّ
منهما و هو محال لأنّ الذاتين متمايزتان و وجوب الوجود مشترك بينهما و إمّا أن يكون
جزء ذاتهما و هو محال أيضا لاستلزامه التركّب و إمّا أن يكون خارجا عن ذاتهما و هو
محال أيضا؛ لأنّ ماينتزع منه وجوب الوجود إمّا أن يكون أمرا مشتركا بينهما فيلزم أن
يكون كلّ منهما مركّبا مما به الإشتراك و ما به الإمتياز و إمّا أن يكون أمرا غير
مشترك بينهما فيلزم إنتزاع مفهوم واحد عن الكثير بما هو كثير و هو محال، فإذن ثبت
أنّ تعدد الواجب بالنوع محال، فإذا ثبت هذا نقول: إنّ ذات الواجب الّتي واحدة بحسب
النوع، متشخّص بالذات و المتشخّص بالذات يأبى عن التعدّد، فينتج من الشكل الأوّل
أنّ ذات الواجب الّتي هي واحدة بحسب النوع آبية عن التعدّد فإذن ثبت أنّ الواجب
واحد نوعاً و شخصا فتمّ البرهان.
أقول: هذا الدليل عليل، لأنّا نختار أنّ تميّزهما بأمر خارج من ذاتهما، ثمّ نقول إنّ التعدّد قد ينشأ من تمايز النوعين و قد ينشأ من تمايز الفردين لنوع واحد، فإن كان مرادكم من التميّز الّذي لابدّ منه في التعدّد، التميز النوعيّ فغاية مايلزم من نفي هذا التميز بالبيان الّذي قلتم، نفي التعدّد النوعيّ لا التعدّد الفرديّ، فهذا البيان على هذا الفرض لاينفي أن يكون هناك واجبان بالذات متّحدان في الحقيقة؛ و إن كان مرادكم من التميّز التميّز الفرديّ نمنع ان يكون هذا التميز عرضيّا معلّلاً، لأنّ التميّز الفرديّ هو التشخّص و التشخّص عين الوجود و عروض وجود الواجب لماهيّته المفروضة لايكون معلّلاً، لأنّ ثبوت وجود الواجب لماهيّته المفروضة عين وجوده في نفسه و وجوده في نفسه لا يكون معلّلاً، فثبوت وجوده لماهيّته المفروضة لايكون معلّلاً، و كذا ثبوت تشخّصه عين وجوده الّذي لا يعلّل، فإذن ثبت أنّ هذا الدليل لايكون تامّا إلاّ لبيان نفي التعدّد الناشي من تمايز النوعين و لذا إن ضممنا هذا الدليل إلى الدليل المنقول من التعليقات الّذي ينفي التعدّد الفرديّ صار مجموعهما دليلاً واحدا للمطلوب.
الأصيل امّا الماهيّة أو الوجود؛ و على الثاني إمّا أن يكون للوجود حقائق متباينة أو يكون له حقيقة واحدة، فإن كان الأصيل الماهيّة فالشبهة واردة، لأنّ الماهيّات متكثرة فيمكن فرض ماهيّتين متباينتين بتمام ذاتهما البسيطة، كلّ واحد منهما واجب بالذات، فيحتاج دفع هذا الفرض إلى الدليل، و إن كان الأصيل الوجود و كان له حقائق متباينة فالشبهة أيضا واردة، لأنّ المفروض أنّ للوجود حقائق متباينة فيمكن أيضا فرض حقيقتين بسيطتين للواجب بالذات، فيحتاج دفعه إلى الدليل أيضا و أمّا إن كان الأصيل الوجود و كان له حقيقة واحدة، فإذا جعلت هذه الحقيقة الواحدة لأحد الواجبين فلا محالة يكون الواجب الثاني عدما صرفا، إذ المفروض في الشبهة أنّ الواجب الثاني متباين للواجب الأوّل بتمام ذاته البسيطة فبلحاظ كونه متباينا للواجب الأوّل الّذي هو حقيقة وجوديّة يجب كونه عدما و بلحاظ بساطة ذاته يجب أن يكون عدما صرفا لا مركّبا من العدم و الوجود و من المعلوم أن لا واقعيّة للعدم الصرف فلا واقعيّة للواجب الثاني.
توضيح الحجّة: أنّه لو تعدد الواجب بالذات كأن يفرض واجبان بالذات كان الواجبان مشتركين في وجوب الوجود فلابدّ لهما ممّا به يمتاز كلّ منهما عن الآخر فما به الامتياز في كلّ منهما إمّا أن يكون داخلاً في ذاتهما أو يكون خارجا عن ذاتهما أو يكون عين ذات كلّ منهما؛ و الإحتمالان الأوّلان باطلان لما ذكر في المتن و الإحتمال الثالث و هو الّذي ذكره ابن كمونة في شبهته باطل أيضا بناءا على أصالة الوجود و وحدة حقيقة الوجود، لأنّا نجعل تلك الحقيقة الواحدة حقيقة لأحد الواجبين فلا حقيقة ورائها حتّى تجعل للواجب الآخر.
أي الشبهة بعد احتمال ورودها بناءا على أصالة الماهيّة أو بناءا على أصالة الوجود و كون الوجود حقائق متباينة، مندفعة بأنّ وجوب الوجود مفهوم واحد و انتزاعه من الواجبين المتباينين بتمام الذات انتزاع لمفهوم واحد عن الكثير بما هو كثير و هو محال، لكن يبقى في المقام إشكال و هو أنّ القائلين بأصالة الوجود و كون الوجود حقائق متباينة يلتزمون بانتزاع مفهوم الوجود عن الحقائق المتباينة الوجوديّة، فلقائل أن يقول: إذا كان انتزاع مفهوم الوجود و هو مفهوم واحد، عن الحقائق المتباينة بما هي متباينة جائزا فليجز انتزاع مفهوم وجوب الوجود عن الواجبين المتباينين بتمام الذات، فالشبهة على هذا البناء باقية على حالها، فيحتاج دفعها إلى بيان آخر.
أي إذا ثبت أنّ بينهما الإمكان بالقياس لزم أن يكون لكلّ منهما حظّ من الوجود و مرتبة من الكمال ليس للآخر، إذ لو لم يكن كذلك لوجب أن يكون أحدهما واجدا لنفس ما للآخر من المرتبة الوجوديّة و حينئذٍ إمّا أن لايكون بينهما تمايز أصلاً أو يكون التمايز بالكمال و النقص، فعلى الأوّل لايكون هناك تعدّد أصلاً حتّى يكون هناك إمكان بالقياس و هذا خلاف المفروض، و على الثاني كان بينهما علاقة لزوميّة لأنّ الناقص من شؤون الكامل فيكون معلولاً له فيكون بينهما علاقة لزوميّة، و هذا خلاف المفروض أيضا.
أقول: يرد على هذا البيان إشكالان:
الأوّل: إنّا نختار الشقّ الثاني من الترديد و قولكم: «هو محال لاستلزامه الافتقار»
ممنوع، لجواز أن يكون سبب الكثرة اختلاف التشخّص في الواجبين، فإنّ التشخّص و إن
كان زائدا على الذات المفروضة للواجبين لكنّه عين وجود كل منهما و الوجود في الواجب
ليس له علّة فكذا التشخّص الّذيهو عين الوجود.
الثاني أنّ هذا البرهان بعد فرض تماميّته يثبت أنّ الذات المفروضة للواجب منحصرة في
فرد واحد لكن هذا لايرفع التعدّد الناشىء من اختلاف نوعين، فإنّه من الجايز أن
يوجد واجبان مختلفان في الماهيّة النوعيّة ثمّ كلّ واحد منهما منحصر نوعه في فرد
(لما قلتم من البرهان) فنحتاج في دفع هذا الإحتمال إلى برهان مستأنف.
البراهين المتقدّمة في الفصل السابق أثبتت أنّ واجب الوجود بالذات واحد لا شريك له في وجوب الوجود و الآن يريد المصنّف رحمهالله أن يبيّن أنّ ربّ العالم واحد لا شريك له في ربوبيّته، إذ مجرّد وحدة الواجب بالذات لا يوجب في أوّل النظر كون الربّ واحدا و لذا قالت المعتزلة بأنّ العباد مستقلّون في الخلق و الإيجاد مع أنّهم ملتزمون بوحدة واجب الوجود بالذات.
توضيحه يتوقّف على أمور: الأوّل أنّ عالمنا المشهود و هو عالم الطبيعة حقيقة واحدة مرتبط بعض أجزائه ببعض فلا يكون هناك موجود مادّيّ منعزل عن ساير الموجودات المادّيّة بل يتألّف من مجموعها حقيقة واحدة شخصيّة و المصنّف رحمهالله قد تمسّك أوّلاً لإثبات هذا الاصل بالاستقراء و الفحص البالغ، ثم أيّده بالبرهان الّذي تقدّم في مباحث الحركة على وحدة العالم المادّيّ.(1)
1. راجع: آخر الفصل الثامن من المرحلة التاسعة.
الثاني أنّ هذا العالم المادّيّ الواحد معلول لعالم نوريّ مجرّد إذ لو لم يكن
كذلك لكان معلولاً لموجود مادّيّ آخر و هو باطل، إذ ليس وراء هذا العالم المادّيّ
عالم مادّيّ آخر على ما تقدّم في الأمر الأوّل، فإذن هذا العالم المادّيّ معلول
لموجود مجرّد و هو أشرف وجودا من العالم المادّيّ، لأنّ العلّة واجدة للكمال
الموجود في المعلول بنحو أعلى و أشرف.
الثالث أنّ واجب الوجود بالذات لمّا كان واحدا كما تقدّم في الفصل الثالث كان ما
سواه ممكنا و الممكن إمّا أن يتقوّم بالواجب بدون الواسطة، أو يتقوّم به مع
الواسطة، لأنّ معلول معلول الشيء معلول لذلك الشيء فعالمنا المشهود و ما فوقه من
العوالم المجرّدة جميعا يتقوّم بمبدأ واحد، فثبت أنّ مبدأ جميع ما في العالم سواء
كان مادّيّا أو مجرّدا حقيقة واحدة و هو الواجب تعالى فهو المجري لهذا النظام
الجاري في عالمنا المشهود و النظام الجاري في العوالم المجرّدة.
أقول: المطلوب يتمّ بالمقدمة الثالثة و المقدمتان الأوليان لمزيد الإطّلاع على
حقيقة العالم.
أي في آخر الفصل الثامن من المرحلة التاسعة.
توضيح هذا البرهان يتوقّف على أمور: الأوّل أنّ العالم و جميع ما فيه من
الموجودات وجود واحد و ذلك لوجهين: أحدهما أنّ العالم أي ما سوى الواجب، وجود
معلوليّ صرف، و صرف الشيء واحد لايتعدّد فالعالم وجود واحد لايتعدّد، و ثانيهما
إنّا ننتزع ممّا سوى الواجب مفهوما واحدا و هو مفهوم الوجود المعلوليّ، فلو كان
هناك عوالم متعدّدة غير راجعة إلى وجود واحد كان اللازم منه أن ينتزع مفهوم واحد عن
الكثير بما هو كثير و هو محال.
الثاني أنّ التعدّد لا يتحقّق إلاّ بآحاد و الآحاد لا تتحقّق إلاّ بالتميّز و
التميّز لا يتحقّق إلاّ بوجدان كلّ واحد من الآحاد جهة يفقدها غيره.
الثالث أنّ المعلول مسانخ لعلّته في حقيقته و إلاّ كان فاقد الشيء معطيا له و هو
محال.
إذا عرفت هذه نقول: لو كان هناك أرباب متفرقون فإمّا أن تكون الحقائق الوجوديّة
للأرباب راجعة إلى حقيقة وجوديّة واحدة و إمّا أن لاترجع إلى حقيقة وجودية واحدة،
فإن رجعت إلى حقيقة وجوديّة واحدة لزم أن لايكون هناك أرباب متفرقون بل يكون هناك
ربّ واحد و تكون ربوبيّات الأرباب كلّها من شؤون ربوبيّة ذلك الربّ الواحد، و إن لم
ترجع حقائقها الوجوديّة إلى حقيقة وجوديّة واحدة كانت تلك الحقائق الوجوديّة
متمايزه بتمام الذات، إذ لا جزء للربّ المستقلّ حتّى يكون التمايز بجزء حقيقته
الوجوديّة و إذا كانت الحقائق الوجوديّة للأرباب متمايزة بتمام ذواتها غير راجعة
إلى حقيقة وجوديّة واحدة كان من الواجب أن تكون أفعال تلك الحقائق الوجوديّة
متمايزة بتمام ذواتها غير راجعة إلى حقيقة وجوديّة واحدة، لأنّ المعلول مسانخ
لعلّته في حقيقته الوجوديّة، فكما أنّ حقائق الأرباب لاترجع إلى حقيقة وجوديّة
واحدة كذلك حقائق الأفعال لاترجع إلى حقيقة وجوديّة واحدة لكن هذا التالي باطل محال
كما تقدّم في الأمر الأوّل فإذن ثبت أنّ ربّ العالم واحد.
فإن قلت: إن أريد بتميّز كلّ واحد من الأرباب المفروضين بكمال وجوديّ خاصّ، مايوجب
اختلاف سنخ الكمال فيها فإنّا نمنع وجوب التميز بهذا الوجه لانّه يكفي في حصول
التميّز اختلافها في التشخّص من غير اختلاف في السنخ و النوع؛ و إن أريد به ما يشمل
اختلاف الأشخاص مع وحدة نوع الكمال؛ فإنّا نمنع اختلاف حقائق الأفعال لجواز أن يكون
الأرباب من سنخ واحد فلا تتدافع أفعالها.
قلت: نختار الشقّ الثاني ثمّ نقول اتّحاد الأرباب في السنخ إن كان راجعا إلى اتّحاد
وجوداتها، فهناك ربّ واحد لا أرباب متفرّقون، و إن لم يكن راجعا إلى اتّحاد
وجوداتها فوجوداتها مختلفة لكن لمّا كان الفاعل مؤثّرا بوجوده (لأنّ الجاعل بالذات
هو الوجود) و كان وجودات الأرباب مختلفة كما هو المفروض كان اللازم منه أن يكون
أفعالها مختلفة متدافعة و هو باطل كما تقدّم في الأمر الأوّل.
حاصل الإشكال: أنّ الأرباب المفروضين عقلاء، علماء و العلم في الفاعل العلميّ
يوجب صدور الفعل عن مصلحة، فما المانع من توافقهم على نظام واحد ذي مصلحة على أساس
علمهم؟
و حاصل الجواب: أنّ العلم الموجود في الأرباب إن كان علما حصوليّا فهو لايفيد، لأنّ
العلم الحصوليّ منتزع من المعلوم الخارجيّ فهو متأخر عن المعلوم الخارجيّ الّذي هو
النظام العالميّ و لايمكن أن يصدر النظام العالميّ على أساس هذا العلم المتأخّر عنه
و إن كان علما حضوريّا لايخلو إمّا أن يكون هذا العلم عين الفعل أو يكون عين
الفاعل، فإن كان عين الفعل لايفيد أيضا لأنّ العلم الّذي يصدر النظام على وفقه يجب
أن يكون سابقا على الفعل لا عينا له و إن كان عين الفاعل و المفروض أنّ كلّ فاعل
مغاير للآخر بتمام حقيقته وجب أن يكون الفعل الصادر على وفق علم هذا الفاعل مغايرا
للفعل الصادر على وفق علم فاعل آخر، فلا توافق في الأفعال.
المفهوم إمّا أن يصدق على الواجب فقط أو يصدق على الواجب و غيره، فإن صدق على الواجب فقط فالواجب لا مشارك له في كونه مصداقا لذلك المفهوم، و إمّا إن صدق على الواجب و غيره فالواجب و إن كان له مشارك في كونه مصداقا لأصل المفهوم لكن المرتبة الّتي أحرزها المصداق الواجبيّ غير مشتركة بين الواجب و غيره كما سيأتي.
كالإمكان الّذيهو من لوازم الماهيّات.
فإنّ صفات الفعل لمّا كانت منتزعة من الفعل و الفعل متأخّر عن الذات، كانت متأخّرة عن الذات فالواجب في مرتبة ذاتها لايتصف بهذه الأوصاف الإضافيّة المتأخّرة عنها، نعم إنّ لهذه الأوصاف المتأخّرة أصلاً في الذات و الذات الواجبيّة في مرتبتها متّصفة بها، لكن أصل هذه الصفات ليس متأخّرا عن الذات بلعين الذات فلا تكون بين الذات و أصول هذه الصفات إضافة في تلك المرتبة.
سيأتي إثباته في الفصل الرابع عشر.
أي في الفصل الرابع من هذه المرحلة.
لا ما يقوله المعتزلة من نيابة الذات مناب الصفات.
أي الصفات السلبيّة ليست بأوصاف للواجب حقيقة، بل صفاته كلّها بالحقيقة ثبوتيّة و إن عبّر عنها بالصفات السلبيّة و ذلك لأنّ الصفات السلبيّة و إن كانت سلبا للسلب لكنّها من سنخ السلوب و السلوب كيفما فرضت لا تتطرّق إلى الواجب بالذات.
و هي الصفات الّتي ليست الإضافة مأخوذة في معانيها و هي إن كانت ملازمة للإضافة
فهي حقيقيّة ذات إضافة؛ و إن لم تكن ملازمة لها فهي حقيقيّة محضة.
المعاني اصطلاح خاصّ للاشاعرة تطلق على الصفات الزائدة على ذات الواجب القائمة بها.
هم طائفة من الأشاعرة منسوبون إلى الكرّام كشدّاد و هو إمامهم.
قد تقدّم توضيح هذا الدليل في الفصل الرابع من هذه المرحلة، فراجع إن شئت.
هذا دليل ثان على المطلوب حاصله: أنّ وجود الواجب صرف و بسيط، فصرافة وجوده تقتضي أن يكون وجوده جامعا لكلّ الكمالات الوجوديّة، لأنّ صرف الشيء جامع لكلّ ما هو من سنخه و إلاّ لم يكن صرفا بل كان مخالطا لغيره، و بساطة وجوده تقتضي أن تكون تلك الكمالات الموجودة فيه عين وجوده لا جزء له، فإذن ثبت أنّ الكمالات الوجوديّة كلّها موجودة في ذات الواجب بعين وجوده البسيط، فكلّ كمال وجوديّ مفروض عين ذاته و عين الكمال الآخر المفروض له.
إن قلت: كثرة المفاهيم تدلّ على كثرة مصاديقها، إذ كما أنّ المفهوم الواحد
لاينتزع من الكثير بما هو كثير كذلك المفاهيم الكثيرة لاتنتزع من الواحد بما هو
واحد ضرورة أنّ المفهوم يأخذ و ينتزع من المصداق، فالمصداق منشأ المفهوم فلو لم يكن
في المصداق حيثيّات كثيرة واقعيّة لم يمكن إنتزاع أكثر من مفهوم واحد منه.
قلت: هذا صحيح فيما إذا لم يكن الواحد جامعا للكثرات أمّا إذا كان الواحد بوجوده
البسيط جامعا للكمالات الكثيرة جاز انتزاع المفاهيم الكثيرة منه، لأنّ ذلك الواحد
عين الكثير فبلحاظ انطواء الكثرة فيه جاز انتزاع المفاهيم الكثيرة منه، مثلاً إنّ
وجود الصادر الأوّل كثير في عين أنّه واحد، لانّه يوجد فيه حيثيّة المعلوليّة
للواجب و حيثيّة العلّيّة للصادر الثاني و هما حيثيّتان متغايرتان في الواقع ـ كما
مرّ توضيحه منّا في الفصل الأوّل من المرحلة الثانيّة ـ و لذا جاز انتزاع المفاهيم
الكثيرة من وجوده الواحد الكثير، كمفهوم كونه علّة و مفهوم كونه معلولاً و ما نحن
فيه من هذا القبيل، فإنّ ذات الواجب بسيطة و بسيطة الحقيقة كلّ الأشياء الوجوديّة،
فالواجب بوجوده البسيط الواحد جامع لكلّ الحقائق الوجوديّة الممكنة بالإمكان العامّ
و جامعيّته للحقائق و الكمالات تصحّح إنتزاع المفاهيم الكثيرة منه.
هذا اعتراض على المقدّمة الاولى في البرهان الأوّل، فإنّ ذات الواجب عند المستشكل لم تكن علّة للكمالات الممكنة بل العلّة إرادته تعالى، فلا يمكن أن يقال: إنّ ذات الواجب لكونها علّة للكمالات الممكنة واجدة لها بنحو أعلى و أشرف.
قالوا: كلامه تعالى عبارة عن معنى قائم بذاته مغاير للعلم و الإرادة و غيرهما من الصفات، تدلّ عليه العبارات و هو المراد بالكلام النفسيّ و هو عندهم معنى واحد ليس بأمر و لا نهي و لا خبر و لا غير ذلك من أساليب الكلام لأنّه عندهم ليس من جنس الأصوات أو الحروف.
لأنّ المفروض أنّ ذاته تعالى تتّصف بالعلم مثلاً بواسطة ذلك العلم الزائد فما لم
يكن العلم الزائد موجودا لم تتّصف ذاته بالعلم و معلوم أنّ مرتبة إيجاد العلم قبل
وجود العلم، فإذن ذاته الفيّاضة في حال إيجاد العلم الّذيهو مقدّم على وجود العلم
خالية عن العلم، فاقدة له.
لأنّ أفعال الواجب على كثرتها ترجع إلى فعل واحد: «و ما أمرنا إلاّ واحدة»و قد تقدّم بيانه في الفصل السادس، فوجب أن تكون صفاته الفعليّة المتعدّدة راجعة إلى صفة فعليّة واحدة، لأنّ منشاء انتزاع الصفات المتعدّدة الأفعال المتعدّدة، فإذا كانت أفعاله المتعدّدة راجعة إلى فعل واحد كان هناك منشاء واحد للانتزاع، فوجب أن يرجع صفاته الفعليّة المتعدّدة إلى صفة فعليّة واحدة و هي صفة القيّوم لأنّ الرزق و الممات و الغفران و غيرها من شؤون الحقيقة الواحدة الّتي تقوم بذات الواجب، فرازقيّته و مميتيّته و غفاريّته و غيرها من شؤون قيوميّته.
لا ريب أنّ انتزاع الصفات الفعليّة و حملها على الواجب يتوقّف على اعتبار أمر زائد على ذات الواجب، بخلاف الصفات الذاتيّة حيث لا يتوقّف إنتزاعها إلاّ على اعتبار الذات، فإذن إذا وصفنا الواجب بانّه موجد و فرضنا أنّ موجديّته من صفات الفعل لا من صفات الذات ـ الّتي سيأتي بيانها في آخر الفصل ـ فلابدّ من اعتبار أمر زائد على ذاته و ذلك الأمر الزائد لايكون إلاّ معلولاً للواجب، إذ لا غير وراء الواجب إلاّ معلوله، و المعلول له اعتباران: اعتبار وجوده في نفسه و اعتبار انتساب وجوده إلى الغير، و الاعتبار الأوّل لاينتزع منه الصفتيّة للغير، إذ لا يلاحظ فيه ثبوته للغير لكن الاعتبار الثاني يلاحظ فيه ثبوته للغير، فيكون ناعتا له فيتّصف ذلك الغير بانّه موجد و هذا نظير مفهوم الكاتب، فإنّ هذه الصفة لاتنتزع من زيد فقط بل لابدّ من اعتبار أمر زائد و هو الكتابة، لكن الكتابة لها اعتباران: اعتبار وجودها في نفسها و اعتبار انتساب وجودها إلى الغير، و الاعتبار الثاني يوجب اتّصاف زيد بانّه كاتب.
إنّ الإيجاد الّذيينتزع منه الصفة الفعليّة ليس عين ذات الفاعل، لأنّه متأخّر عن ذات الفاعل فليس عينها، فهو إذن إمّا أن يكون عين الفعل أو مغايرا له و الثاني باطل و إلاّ احتاج إلى إيجاد آخر قبله، إذ الايجاد يكون ممكنا من الممكنات، فننقل الكلام فيه فيتسلسل و هو محال، فثبت أنّه عين الفعل ذاتا و إن كان غيره اعتبارا، فالفعل الصادر من الفاعل باعتبار نفسه لا باعتبار انتسابه إلى الفاعل كان وجودا للفعل و باعتبار انتسابه إلى الفاعل كان إيجادا للفاعل و وصفا له.
الإيجاد إذا كان إيجادا لأمر مجرّد كان إبداعا، و إذا كان إيجادا لأمر مادّيّ كان خلقا، و إذا كان إيجادا لأمر مسبوق بالعدم كان صنعا، و إذا كان إيجادا لأمر يحسن به إلى ذوي العقول كان نعمة، و إذا كان إيجادا لكمال معنويّ على أهل الأيمان كان رحمة.
الرزق إذا لم يعتبر فيه الإستحقاق كان عطيّة، و إذا كان إحسانا إلى ذوي العقول كان نعمة، و إذا كان بذل نفع لايجب بعوض كان موهبة، و إذا كان بذل نفع لايجب أو كان كفّ ضرر لايجب كان كرما، و إذا كان بذل مال لايجب كان جودا.
أي الصفات الفعليّة المنتزعة من مقام الفعل و إن كانت متأخّرة عن ذات الواجب غير صادقة على الذات حقيقة إلاّ أنّه يمكن إرجاعها إلى صفات منتزعة عن الذات فقط، صادقة على الذات حقيقة و ذلك بأن يقال: إنّ لكلّ أمر زائد على الذات أصلاً في مرتبة الذات، لأنّ ذاته المتعالية بسيطة و بسيطة الحقيقة كلّ الأشياء الوجوديّة، فذاته البسيطة واجدة للحقائق كلّها و إذا كان ثبوت كمال زائد لذاته المتعاليّة منشأ لانتزاع صفة متأخّرة عن الذات، كان ثبوت ذلك الكمال في مرتبة الذات أيضا منشأ لانتزاع تلك الصفة لمرتبة الذات، فالذات كما أنّها متّصفة بالخالقيّة و الرازقيّة و الغفّاريّة و غيرها من الصفات المتأخّرة عن الذات كذلك إنّها متّصفة بهذه الأوصاف في مرتبة ذاته البسيطة، فالواجب خالق إذ لا مخلوق و رازق إذ لا مرزوق و غفار إذ لا مغفور له، و في الحديث: «عالم إذ لا معلوم، ربّ إذ لا مربوب، قادر إذ لا مقدور».(1)
لأنّ هذه الصفات في مرتبة الذات موجودة بعين وجود الذات و الذات منزّهة عن الحدوث و التأخّر و غير هما من النقصانات.
1. نهج البلاغة، خطبة 152.
أي في الفصل الرابع.
توضيحه يتوقّف على أمرين: الأوّل أنّ الأشياء و الحقائق الوجوديّة كلّها موجودة
في مرتبة ذات الواجب بعين وجوده البسيط، لأنّ ذاته المتعاليّة بسيطة و بسيط الحقيقة
كلّ الأشياء الوجوديّة ـ كما تقدّم ـ فذاته المتعاليّة كلّ الأشياء الوجوديّة، فلا
كمال وجوديّا إلاّ أنّه موجود في مرتبة ذاته بعين وجوده البسيط الصرف.
الثاني أنّ ذاته الجامعة معلومة لذاته، لأنّ ذاته المجرّدة حاضرة الوجود لذاته.
إذا عرفت هذين نقول: لمّا كانت الحقائق موجودة في مرتبة ذاته البسيطة بعين وجوده و
كانت ذاته الجامعة معلومة لذاته المجرّدة، كان اللازم أن تكون الحقائق معلومة لذاته
المجرّدة بعين معلوميّة ذاته لذاته، فما به ينكشف ذاته لذاته هو بعينه ما به ينكشف
حقائق الأشياء لذاته و هو المطلوب.
بيان آخر: لمّا كان علمه بذاته عين ذاته و ذاته وجود صرف لا يتطرّق فيه العدم كان
اللازم أن يكون علمه بذاته علما صرفا لا يتطرّق فيه الجهل بشيء، إذ لو تطرّق فيه
الجهل بشيء لم تكن ذاته وجودا صرفا لأنّ الجهل عدم و هذا خلاف المفروض، فإذن ذاته
الصرفة عالمة بالحقائق كلّها بعين ذلك العلم الصرف و ذلك العلم مع وحدته و بساطته
علم بكلّ شيء.
ثمّ إنّ المراد بالعلم التفصيليّ هنا عبارة عن معلوميّة الأشياء كلّها بخصوصيّاتها
الّتي بها هي هي، بعين معلوميّة ذات الواجب لذاته.
توضيح ذلك يتوقّف على أمرين: الأوّل تقدّم أنّ وجود الواجب بوحدته جامع لوجود
الأشياء فالأشياء كلّها موجودة في مرتبة ذات الواجب بعين وجوده الجمعي. الثاني أنّ
التشخّص مساوق للوجود، يدور حيثما دار الوجود و بناءا على هذا إذا كان الأشياء
موجودة في مرتبة ذات الواجب بعين وجوده الجمعيّ البسيط كان تشخّصاتها الّتي بها
يكون كلّ شيء هو هو، موجودة بعين تشخّص ذات الواجب و إلاّ بطل التساوق بينهما هذا
خلف.
إذا عرفت هذين نقول: إذا كان الواجب عالما بذاته بحضور ذاته لذاته كان عالما
بالأشياء بخصوصيّاتها الّتي بها هي هي بعين علمه بذاته، إذ خصوصيّة كلّ شيء (أي ما
كان به الشيء ذلك الشيء المتشخّص الخاصّ) حاضرة لذات الواجب بحضور ذات الواجب
لذاته، فتلك الخصوصيّة معلومة للواجب بعين معلوميّة ذات الواجب لذاته و هذه
المعلوميّة هي المراد بالعلم التفصيليّ هنا.
لمّا كان العلم حضور شيء مجرّد لشيء مجرّد كان اللازم منه أن لاتكون الأشياء المادّيّة معلومة بانفسها، لكن لمّا كانت المجرّدات العقليّة و المثاليّة عللاً للأشياء المادّيّة و العلّة في مرتبة ذاتها واجدة لمعلولها كان العلم الحضوريّ بتلك المجرّدات العقليّة و المثاليّة علما حضوريّا بمعلولاتها المادّيّة الموجودة بوجودات تلك المجرّدات، فالأشياء المادّيّة معلومة للواجب بصورها المجرّدة.
إذ علمه بما سواه عين علمه بذاته (و ذلك لما تقدّم من أنّ وجوده البسيط جامع لجميع ما سواه من الوجودات، فما سواه حاضر له بحضور ذاته لذاته) و علمه بذاته سابق على جميع ما سواه، لكونه عين ذاته، فعلمه بما سواه سابق على ما سواه؛ قال أمير المؤمنين عليهالسلام : «عالم إذ لا معلوم».(1)
أمّا كون علمه تفصيليّا فلأنّ المراد هنا من كون العلم تفصيليّا امتياز كلّ علم عن الآخر في الوجود وحيث أنّ ما سوى ذاته متميّز بعضها عن بعض في وجوداتها فالعلم بكلّ منها الّذي هو عين وجوداتها غير العلم بالآخر وجودا، و أمّا كون هذا العلم في مرتبة ذوات الأشياء لا في مرتبة ذات الواجب، فلأنّ هذا العلم عين وجودات الأشياء، فمرتبة هذا العلم مرتبة وجوداتها إن كانت مجرّدة أو مرتبة عللها المجرّدة إن كانت مادّيّة.
و ذلك لأنّ علمه تعالى صرف العلم و صرف الشيء لايتثنّى و لا يتكرّر، فلا علم وراء علمه حتّى يكون علما لغيره، فإذن كلّ علم متقرّر في مراتب الممكنات، فإنّه من شؤون علمه.
لأنّ ذلك العلم علم بالمعلول في مرتبة ذات الواجب لا في مرتبة المعلول و العلم بالمعلول في مرتبة ذات الواجب لا يتوقّف إلاّ على وجود المعلول في مرتبة ذات الواجب و هو موجود بنفس وجوده الصرف الجامع لجميع ما هو من سنخه، فهو عالم إذ لا معلوم.
و هي العقول المجرّدة العرضيّة، المدبّر كلّ منها نوعا مادّيّا و تسمّى بالمثل الأفلاطونيّة أيضا.
كالتذكّر كما هو مذهب بعض الحكماء في علوم النفس و كالإضافة الإشراقيّة كما هو مذهب شيخ الإشراق.
1. نهجالبلاغة، خطبة 152؛ راجع: المشارع و المطارحات، ص 487؛ شرح حكمة الاشراق، ص 365.
أقول: الظاهر من كلمات شيخ الإشراق هو إنكار العلم الإجماليّ للواجب كما صرّح بذلك صدر المتألّهين(1) قال الشيخ في حكمة الإشراق: «أمّا ما يقال إنّ علمه بلازمه منطوٍ في علمه بذاته كلام لا طائل تحته»(2) و قال أيضا في المطارحات: «ثمّ قول القائل ينطوي علمه بلازمه في علمه بذاته فيه مساهلة».(3)
لأنّ العلم الحصوليّ اعتبار عقليّ يضطرّ إليه النفس بسبب اتّصال أدواتها الإدراكيّة بالمواد الخارجيّة ـ كما تقدّم بيانه في الفصل الأوّل من المرحلة السابقة ـ و هذا السبب غير موجود في العقول المجرّدة، لتجرّدها و انقطاعها عن المادّة ذاتا و فعلاً.
الظاهر من هذه العبارة و من جوابها أنّ مرتبة علمه التفصيليّ بالمعلول الأوّل هي مرتبة ذات الواجب، فالواجب عالم بمعلوله الأوّل بعين ذاته المتعاليّة، لكن المصنّف في تعليقاته على الأسفار(4) فسرّ هذا القول بحيث يكون علمه التفصيليّ بالمعلول الأوّل متأخّرا عن الذات، فقال رحمهالله : «المراد به كون علمه باقتضاء من مرتبة الذات دون استقراره فيها حتّى يكون عين الذات، بل هو علم حصوليّ لازم للذات من جهة العلم بالذات الّذي هو سبب للعلم بالمعلول الأوّل».
1.الأسفار: 6 / 261.
2. راجع: شرح حكمة الإشراق، ص 160.
3. ص 479.
4. الأسفار: 6 / 245.
أي يعقل الأشياء عقلاً بالفعل من غير أن يتميّز بعضها عن بعض و ذلك لأنّ ذاته تعالى بسيطة فلا يمكن أن ترتسم فيها صور الأشياء مفصّلة؛ قالوا: إنّ علم الواجب نظير علم من حصل له ملكة في علم بحيث كلّما أورد عليه مسألة من مسائل ذلك العلم حضره الجواب.
العلم العنائيّ هو العلم التفصيليّ بالنظام الأحسن المنشأ لصدور النظام من غير داع زائد.
توضيحه: أنّ للصور المرتسمة اعتبارين: أحدهما اعتبار ثبوتها في أنفسها من غير قياسها إلى الموجودات العينيّة الّتي هي ذوات الصور و هي بهذا الاعتبار (أي وجودها النفسيّ) وجودات خارجيّة. و ثانيهما اعتبار كونها مقيسة إلى الموجودات الخارجيّة الّتي هي ذوات الصور و هي بهذا الاعتبار (أي وجودها القياسيّ) وجودات ذهنيّة و من المعلوم أنّه إذا لم يكن هناك وجودات خارجيّة تقاس إليها الصور المرتسمة كما هو المفروض ـ إذ كلامنا في العلم قبل الإيجاد ـ لم يكن هناك وجود ذهنيّ فلم يبق للصور إلاّ اعتبار ثبوتها في أنفسها و تقدّم أنّها من هذه الجهة وجودات خارجيّة و هي لكونها وجودات خارجيّة و زائدة على الذات كما هو معتقدهم، لامحالة ترجع إلى القول الثاني و هو قول الأفلاطون، فإنّه قال: إنّ المثل النوريّة الّتي هي موجودات خارجيّة منفصلة عن الذات علم الواجب.
توضيح ذلك: أنّ حقيقة الوجود عند الصوفيّة إذا لم تؤخذ معها، أيّ لحاظ خاصّ حتّى لحاظ الإطلاق و اللابشرطيّة تسمّى بـ «الذات» و هذه المرتبة لمّا كانت مستجمعة لجميع الكمالات بنفس ذاتها البسيطة فلها بحسب كلّ كمال موجود فيه محمول عقلي و مفهوم كلّيّ، و الذات إذا أخذت مع كلّ من هذه المحمولات العقليّة و المفاهيم الكلّيّة يقال له: الإسم في عرفهم و نفس ذلك المحمول العقليّ يقال له: الصفة عندهم، مثلاً إذا أخذت الذات بما أنّها ظاهرة بنفسها و مظهرة لغيرها فهي اسم النور و إذا أخذت بما أنّها ما به ينكشف ذاتها لذاتها و كذا كلّ شيء لذاتها فهي اسم العالم، ثمّ إنّ الذات لمّا كانت مأخوذة في الأسماء و الذات جامعة للحقائق الإمكانيّة كلّها فلكلّ اسم خاص بحسب كلّ حقيقة إمكانيّة موجودة فيه، محمول عقليّ و مفهوم كلّيّ متناسبا لتعيّنه الوصفيّ و تلك المفاهيم هي الماهيّات الإمكانيّة الّتي تسمّى في عرفهم بالأعيان الثابتة.
ثمّ الأسماء و الصفات الّتي هي لوازم الذات و الأعيان الثابتة الّتي هي لوازم
الأسماء و الصفات ثابتة في مرتبة الذات قبل صدور كلّ شيٌ، فهي لوازم غير متأخّرة عن
ملزوماتها و ذلك لأنّ حقائق الأسماء و الصفات و كذا حقائق الممكنات موجودة في مرتبة
الذات بنفس وجود الذات فالمفاهيم الكلّيّة و الماهيّات العقليّة الّتي أخذت من تلك
الحقائق الموجودة بوجود الذات مرتبتها مرتبة الذات.
إذا عرفت هذا نقول: إنّ الأعيان الثابتة الّتي هي لوازم الأسماء و الصفات و غير
متأخّرة عن الذات هي الّتي تعلّق بها علم الواجب قبل الإيجاد عند الصوفيّة.
توضيحه: أنّ المراد بثبوت الماهيّات بتبع الأسماء إن كان هو ثبوت الماهيّات
بذاتها لا بعرض الوجود (كما هو الظاهر من قولهم) فذلك باطل على ما تقدّم من أصالة
الوجود و اعتباريّة الماهيّة و إن كان المراد ثبوت الماهيّات بعرض الوجود لا بذاتها
ففيه: أوّلاً أنّ ثبوت الماهيّة بهذا الوجه ثبوت اعتباريّ و بالعرض فلا يمكن أن
يكون متعلّقا لعلمه الواقعيّ، و ثانيا أنّ الوجود الّذي به تكون الماهيّات ثابتة إن
كان هو الوجود المختصّ بالماهيّة فذلك خلاف المفروض، لأنّ البحث في علم الواجب قبل
الإيجاد فلا وجود خاصّا حتّى تكون الماهيّات ثابتة به و إن كان هو الوجود البسيط
الجمعيّ لذاته و أسمائه ففيه: أنّ الماهيّة حدّ و نقص فلا تنتزع من الوجود الصرف
الّذي لا نقص فيه فتدبّر.
توضيح ذلك: أنّه إذا قضى القاضي بأنّ الحقّ لزيد ـ مثلاً ـ تحقّق هناك وجوبان:
وجوب علميّ و هو العلم بأنّ الحقّ لزيد بالضرورة و الوجوب، و وجوب عينيّ و هو رفع
التزلزل الموجود بين المتخاصمين في الخارج و لكل من هذين الوجوبين اعتباران: اعتبار
كلّ منهما في نفسه، و اعتبار انتساب كلّ منهما إلى القاضي؛ و بالاعتبار الثاني كان
الوجوب العلميّ إيجابا علميّا و الوجوب العينيّ إيجابا عينيّا.
ثمّ الإيجاب العلميّ (و هو العلم بوجوب الحقّ لزيد المستند إلى القاضي) يستتبع
الإيجاب العينيّ (و هو وجوب الحقّ لزيد المستند إلى القاضي) لأنّ الخصمين قد جعلا
القاضي حاكما بينهما، فحكم القاضي متّبع عندهما، فبحكمه يرتفع التنازع بينهما،
فيستقرّ الحقّ لأحدهما بعد تردّده بينهما، فإذن قضاء القاضي عبارة عن إيجاب علميّ
يتبعه إيجاب عينيّ و بعبارة أخرى القضاء عبارة عن العلم بالوجوب الغيريّ للشيء بحيث
يستلزم و يستتبع ذلك العلم الوجوب الغيريّ لذلك الشيء في الخارج.
قد تبيّن أنّ القضاء عبارة عن العلم بالوجوب الغيريّ للشيء بحيث يستلزم ذلك
العلم الوجوب الغيريّ لذلك الشيء في الخارج و هذا المعنى قد كان منطبقا على العلم
الذاتيّ و الفعليّ فللواجب قضاء ذاتيّ و قضاء فعليّ.
أمّا القضاء الذاتيّ، فلأنّ الأشياء الممكنة ما لم تجب بالغير لم توجد، فالأشياء
الممكنة كلّها متّصفة بالوجوب الغيريّ و الأشياء على ما هي عليه معلومة للواجب
بالعلم الذاتيّ، فوجوب الأشياء المستند إلى الغير معلوم للواجب بالعلم الذاتيّ الذي
هو عين الذات و ذاته المتعالية علّة موجبة للأشياء بلا واسطة أو معها، فإذن للواجب
علم ذاتيّ بوجوب الأشياء الغيريّ بحيث يستلزم وجوب الأشياء الغيريّ في الخارج فله
تعالى قضاء ذاتيّ.
و أمّا القضاء الفعليّ، فلأنّ الأشياء الممكنة كلّها متّصفة بالوجوب الغيريّ ـ كما
تقدّم ـ و الأشياء على ما عليه معلومة لعللها المجرّدة بالعلم، الّذي هو عين ذات
العلل، لأنّ العلّة واجدة لما عليه المعلول من الكمالات فإذا كانت العلّة مجرّدة
كانت عالمة بمعلولها و كمالاته بعين علمها بذاتها، فوجوب الأشياء معلوم لعللها
المجرّدة بالعلم الّذي هو عين ذات العلل و ذات العلل موجبة لمعاليلها، فإذن للعلل
المجرّدة علم في مرتبة ذواتها بوجوب الأشياء المعلولة لها بحيث يستلزم وجوب الأشياء
الغيريّ في الخارج و هذا العلم لمّا كان عين العلل، و العلل معلومة للواجب في مرتبة
ذواتها، فللواجب علم فعليّ في مرتبة العلل بوجوب الأشياء بحيث يستلزم وجوب الأشياء
في الخارج.
قوله: فما فيها من الإيجاب قضاء منه تعالى ...
أي فما في العلل المجرّدة من العلم بالوجوب الغيريّ لمعاليلها قضاء فعليّ للواجب،
لأنّ الأشياء و علومها معلومة للواجب في مرتبة ذواتها، فللواجب علم فعليّ بالوجوب
الغيريّ لمعاليل تلك العلل، و هذا العلم لمّا كان عين العلل و العلل موجبة لوجود
معاليلها كان مستتبعا لوجوب المعاليل في الخارج، فيكون هذا العلم علما فعليّا
للواجب بوجوب الأشياء الغيريّ بحيث يستتبع وجوبها الغيريّ في الخارج.
لأنّها موجودة بعين وجود ذاته تعالى فهي لامجعولة بلامجعوليّة الذات.
حاصله: أنّ الأشياء المادّيّة لاتوجد في أيّ وعاء و لا في أيّ زمان و لا في أيّ وضع، بل لكلّ شيء وعاء خاصّ و زمان معيّن و وضع مشخّص و هذا واضح؛ فإنّ للرؤية «مثلاً حدودا مخصّصة تخصّص وجودها بحال خاصّ و هذه الحدود تأتي من ناحية العلل الناقصة الّتي يخصّص كلّ منها اطلاق الشيء في صفاته و حالاته، و لهذه الحالات المخصّصة صور علميّة مجرّدة في عالم المثال، لأنّ عالم المثال علّة للعالم المادّيّ، فما يوجد في العالم المادّيّ فهي رقائق متنزّلة من حقائق عالم المثال، فلا يوجد في عالم الطبيعة إلاّ ما يعيّنه الحقائق العلميّة المثاليّة، قالاللّه الحكيم: «و إن من شىء إلاّ عندنا خزائنه و ما ننزّله إلاّ بقدر معلوم»(1) و هذا هو التقدير، لأنّ التقدير عبارة عن تعيين علميّ لحدود الشيء بحيث يتبعه الشيء في وقوعه.
فإذن قد قدّر انّ الإنسان يفعل أفعاله عن اختياره فلا يمكن له أن يتخلّف عن هذا التقدير.
لأنّ لحوق الصفات و الآثار يختصّ بما كان له استعداد لقبول تلك الصفات و هو عالم المادّة دون غيره.
فإنّ عالم المثال و هو عالم الّذي يقدّر فيه لعالم المادّة، معلول للواجب، فما فيه من المقدّرات فهي رقائق متنزّلة من الحقائق المنطوية في مرتبة ذاته المتعالية، فالواجب هو العلّة النهائيّة لتعيّنات الأشياء فليس الممكن مرخي العنان فيما يلحق به من الصفات.
1. سورة الحجر، الاية 21.
أي الفاعل علم أنّ الفعل خير له إذا فعله نفسه، فإنّ هذا العلم هو العلم الّذي يبعث الفاعل على الفعل بخلاف علم الإنسان بأنّ الفعل خير له إذا فعله غيره، فإنّ هذا العلم لايبعث الإنسان على الفعل.
فالاختيار عبارة عن تعيين الفاعل الفعل عن علمه بخيريّة الفعل.
فمتعلّق الحبّ هو الكمال سواء كان موجودا عند المحبّ أو مفقودا بخلاف متعلّق الشوق، فإنّه هو الكمال المفقود عند المشتاق.
إذ قد يعلم الإنسان بخيريّة الفعل و لايشتاق إليه كما أنّ المريض قد يعلم بخيريّة الدواء و لايشتاق إليه لمرارته مثلاً.
أمّا أنّ الإرادة غير العلم، فلأنّ الإنسان قد يعلم بخيريّة فعل و لايريده كما أنّ المسجون عالم بخيريّة الفرار عن السجن و مع ذلك لا يريده، لعدم مفرّ عنده، و أمّا أنّ الإرادة غير الشوق فلأنّ الإنسان قد يشتاق إلى ما لايريده كالصائم فإنّه شائق إلى شرب الماء و لا يريده.
أي الإرادة الّتي توجد فينا هي من صفات الفعل، لأنّها زائدة على ذواتنا و إذا كانت من صفات الفعل كانت عين المراد ذاتا، إذ لو كانت غير المراد ذاتا لكانت نفسها مرادة للفاعل فاحتاجت إلى إرادة فعليّة قبلها، فننقل الكلام إليها، فيذهب الأمر إلى غير النهاية و يتسلسل و هو محال، فالإرادة الفعليّة عين المراد ذاتا فلا توجد قبله أو بعده، و حينئذٍ لو اتّصف الواجب في مرتبة ذاته بهذه الإرادة و كان المراد من الأمور الكائنة الفاسدة لاستلزم أن يكون الواجب متغيّرا في ذاته المتعاليّة و هو محال، فالإرادة بهذا المعنى منتفٍ عن الواجب.
قد تقدّم أنّ الاختيار عبارة عن تعيين الفاعل الفعل عن علمه بخيريّة الفعل، و هذا المعنى موجود في الواجب، لأنّ الواجب عالم بالنظام الأحسن بالعلم الذاتيّ الّذي هو عين ذاته الفاعلة، فهو فاعل يعيّن فعله عن علمه الذاتيّ بخيريّة فعله من غير دخل غيره فيه، فهو مختار بالذات في فعله.
لأنّ قولهم «فَعَل» إشارة إلى المبدئيّة و قولهم: «إن شاء» إشارة إلى العلم لأنّهم يفسّرون الإرادة و مشيّة الواجب بأنّها علم بالنظام الأصلح و أمّا الاختيار فإنّه لازم ما تقدّم من المبدئيّة و العلم بالنظام الأصلح، لأنّ الواجب إذا علم بأصلحيّة النظام عيّنه للإيجاد عن علمه بخيريّة النظام لا بإجبار غيره عليه و هذا هو الإختيار.
لأنّ مفهوم الإرادة غير العلم و إلاّ كانا متّحدي المصداق فينا، و قد تقدّم أنّ العلم فينا غير الإرادة فإطلاق الإرادة و انطباقها على العلم في الواجب أشبه بالتسمية.
سيجيىء في آخر الفصل كيفيّة انتزاعها.
إذ الإرادة عين المراد في مقام الفعل كما تقدّم و المراد حقيقة جوهريّة في العقول المجرّدة مثلاً لا كيف نفسانيّ.
حاصله: أنّ الإرادة المنتزعة من مقام الفعل و إن كانت لها معنى أوسع من الكيفيّة النفسانيّة إلاّ أنّ ذلك المعنى ليس نفس الإرادة بحسب الحقيقة بل هو من لوازم معناها الحقيقيّ، فإنّ الإرادة الّتي فينا كيفيّة نفسانيّة و هي ماهيّة ممكنة و الواجب منزّه عن الإتّصاف بالماهيّة و الإمكان ـ كما تقدّم ـ لكنّه إنّا لانريد شيئا إلاّ إذا نرى أنّ شرائط وجوده موجودة، فبإرادتنا يتمّ أسباب الشيء فتماميّة الشيء من حيث السبب لازم من لوازم الإرادة فينا، فهذا اللازم هو المعنى الأوسع الّذي ننتزعه من مقام الفعل و نأخذه مكان نفس الإرادة و الواجب يتّصف بهذا المعنى، إذ تماميّة الشيء من حيث السبب إذا نسبت إلى الواجب سمّيت إرادة منه و يكون الواجب مريدا كما أنّها إذا نسبت إلى الفعل سمّيت إرادة له و يكون الفعل مرادا.
تقدّم أنّ الواجب لايتّصف بالإرادة بمعناها الحقيقيّ بل الّذي يمكن أن يتّصف
الواجب به لازم من لوازم الإرادة و المصنّف احتمل في هذا اللازم أمرين:
الأوّل نفس الفعل الّذي يوجد في الخارج، فإنّ لازم تعلّق الإرادة بالشيء تحقّق ذلك
الشيء، إذ الإرادة لا تتعلّق بالشيء إلاّ بعد وجود شرائطه، فتعلّق الإرادة بالشيء و
العزم عليه يوجب تحقّقه في الخارج و لذا يمكن أن نجعل الإرادة المنسوبة إلى الواجب
هذا اللازم، فالفعل الّذي يوجد في الخارج إرادة من الواجب.
و الثاني تماميّة الشيء من حيث السبب، فإنّ الإرادة لاتتعلّق بالشيء إلاّ بعد وجود
شرائطه فبالإرادة يتمّ أسباب الشيء و يحضر علّته التامّة، فتماميّة الشيء بلحاظ
سببه و حضور علّته التامّة هي من لوازم الإرادة، فنجعل الإرادة المنسوبة إلى الواجب
هذا اللازم.
إنّ المنكرين للتوحيد الأفعاليّ طائفتان فطائفة منهم يقولون بأنّ المبدأ الأوّل للممكنات متعدّد و هذا كالثنويّة، فإنّهم قائلون بأنّ للخيرات مبدأ أوّل و هو «يزدان» و للشرور مبدأ أوّل آخر و هو «أهريمن»؛ و طائفة منهم يقولون بأنّ المبدأ الأوّل واحد لكن معلولات ذلك المبدأ الواحد مستقلاّت في الفعل و هذا كالمعتزلة فإنّهم قائلون بأنّ الأفعال الاختياريّة مخلوقة للعباد و ليس للواجب تعالى فيها شأن، و المباحث الّتي في هذا الفصل تبطل مقالة الطائفة الثانيّة كما أنّ المباحث الّتي في الفصل السادس تبطل مقالة الطائفة الأولى.
توضيحه: أنّ الفاعل بالذات حيثيّة فاعليّته عين ذاته، إذ لو لم يكن عين ذاته
لكان فاعليّته في مرتبة مؤخّرة عن ذاته، فلم يكن الفاعل فاعلاً بالذّات بل يكون
فاعلاً بوصفه العارض المؤخّر عن ذاته و هذا خلاف المفروض.
فعلى هذا إذا كان الوجود الإمكانيّ موجدا لشيء كان حيثيّة فاعليّة عين ذاته لكن
ذاته وجود رابط بالنسبة إلى الواجب غير مستقلّ عنه فتكون فاعليّه التى هى عين ذاته
التعلّقيه أيضا غير مستقلّ عنه و عن فاعليّته التي هي عين ذاته المتعالية فإذن كما
أنّه لا استقلال لوجود الممكنات بل كانت وجوداتها من شؤون وجود الواجب فكذلك لا
استقلال لفاعليّة الممكنات بل كانت فاعليّتها من شؤون فاعليّة الواجب.
إذ قد تبيّن أنّ فاعليّة كلّ شيء من الممكنات من شؤون فاعليّة الواجب فهو الفاعل
الحقيقي لكلّ شيء.
حجّة أخرى أنّ الفاعل بالذات حيثيّة فاعليّته عين ذاته كما تقدّم آنفا ففاعليّة
الواجب عين ذاته و ذاته صرف غير مركّب من الوجدان و الفقدان ففاعليّة الواجب صرف
غير مركّب من الوجدان و الفقدان فلو كان الواجب فاعلاً قريبا للصادر الأوّل و لم
يكن فاعلاً قريبالسائر الممكنات لكان ذاته الفاعلة مركّبة من الفاعليّة و
اللافاعليّة و هذا ينافي صرافة وجوده البسيط فإذن الواجب بفاعليّته الواحدة فاعل
قريب لكلّ ممكنات فـ «ما من دابّة الاّ هو آخذ بناصيّتها».
فإن قلت هذا ينافي ما تقدّم من أنّ الواحد لا يصدر عنه الاّ الواحد.
قلت كما أنّ فاعليّة كلّ فاعل من شؤون فاعليّة الواجب كذلك معلوليّة كلّ معلول من
شؤون معلوليّة المعلول الصادر عن الواجب لانّ الواجب إذا كان علّة قريبة لكلّ شيء
كان كلّ شيء وجودا رابطا بالنسبة إلى الواجب بلا واسطة و لمّا كان هذا المعنى (أى
الربطيّة إلى الواجب) تمام هويّة كلّ شيء كان هذا المعنى صرفا غير مخلوط بغيره و
صرف الشيء واحد لا يتكرّر و جامع بوجوده الواحد لجميع ما هو من سنخه فهذا المعنى
واحد جامع بوجوده الواحد لجميع ما هو من سنخه فالمعاليل المتعدّدة المتكثّرة راجعة
إلى معلول واحد جامع فلم يصدر من الفاعل الواحد الجامع لكلّ الفواعل الاّ المعلول
الواحد الجامع لكلّ المعاليل فلا إشكال.
حسن روى تو به يك جلوه كه در آينه كرد
اين همه نقش بر آيينهى أوهام افتاد
اين همه عكس مى و نقش مخالف كه نمود
يك فروغ رخ ساقى است كه در جام افتاد
و ذلك لأنّ أوصافه الذاتيّة عين ذاته و ذاته وجود صرف غيرمركّب من الوجدان و الفقدان فلو لم يكن استقلال كلّ علّة إمكانيّة من شؤون استقلاله الذاتيّ لكان استقلاله الذاتيّ استقلالاً محدودا فلم يكن استقلالاً محضا و غنى صرفا بل هو مركّب من وجدان و فقدان و هذا ينافى صرافة وجوده البسيط الذى هو عين استقلاله الذاتيّ فإذن استقلال كلّ علّة إمكانيّة من شؤون الإستقلال الواجبيّ.
إذ التنافى عبارة عن تقابل الحكمين في موضوع مشترك بأن يقال زيد عالم و ليس بعالم مثلاً و ما نحن فيه ليس من هذا القبيل لأنّ البرهان الثاني قد سلك فيه من طريق نفي الموضوع في البرهان الأوّل لا من طريق نفي حكمه مع بقاء موضوعه إذ قد حكم في البرهان الأوّل بالترتّب و القرب و البعد و موضوع هذا الحكم هي النفسيّة و الإستقلال التي تعتبر فى البرهان الأوّل لوجود الماهيّات (إذ المدار في البرهان الأوّل الماهيّات و كلّ ماهيّة ممتازة و منحازة عن الأخرى فوجود كلّ ماهيّة ممتاز و منحاز عن الآخر فيعتبر لكلّ وجود منحاز استقلال بالنسبة إلى معلوله) و البرهان الثاني لم ينف فيه الترتّب و القرب و البعد مع حفظ النفسيّة و الاستقلال بل قد نفى فيه النفسيّة و الاستقلال التي هي شرط تحقّق الترتّب و موضوع له أي لا يكون هناك نفسيّات متعدّدة حتّى يحكم فيها بالترتّب و قرب بعضها بالنسبة إلى بعض و بعد بعضها بالنسبة إلى بعض و بالجملة البرهان الثانى ليس معارضا للبرهان الأوّل بل كان واردا عليه على اصطلاح الأصوليّين.
بيانه يتوقّف على أمرين.
الأوّل أنّ حقيقة الوجود كما تقدّم في المرحلة الأولى واحدة في عين أنّها كثيرة و
كثيرة في عين انّها واحدة فالوحدة و الكثرة كلتاهما متحقّقتان في حقيقة الوجود.
الثاني أنّ الفاعليّة من الحيثيّات التي هي عين وجود الفاعل بالذات و إلاّ لم يكن
الفاعل بالذات فاعلاً بالذات بل يكون فاعلاً بوصفه العارض المؤخّر عن ذاته و هذا
خلف.
إذا عرفت هذين نقول كما أنّ الوحدة و الكثرة متحقّقتان في حقيقة الوجود كذلك أنهما
متحقّقتان في حقيقة الفاعليّة إذ الفاعليّة عين وجود الفاعل فإذا كان وجودات
الفواعل متكثّرة بلحاظ تحقّق الكثرة في حقيقة الوجود و واحدة بلحاظ تحقّق الوحدة
فيها كانت حيثيّة الفاعليّة التي هي عين وجود الفاعل متكثّرة بلحاظ كثرة الوجود و
واحدة بلحاظ وحدة الوجود فحيثيّة الفاعليّة كحقيقة الوجود واحدة في عين أنّها كثيرة
و كثيرة في عين أنّها واحدة فبلحاظ الوحدة لم يكن فاعليّة العبد مغايرة
لفاعليّة الواحب بل فاعليّة بعين فاعليّت الواجب كما أنّ
وجوده بوجوده و بلحاظ الكثرة فاعليّة العبد مغايرة لفاعليّة الواجب كما أنّ وجوده
مغاير لوجوده ممتاز عنه و من هنا يمكن الجمع بين التوحيد الأفعاليّ و استحقاق العبد
للثواب و العقاب فانّ الوحدة فى حيثيّة الفاعليّة تستلزم التوحيد الافعالىّ كما أنّ
الكثرة فيها تستلزم إمتياز فاعليّة العبد عن فاعليّة الواجب فيكون العبد مستحقّا
للثواب و العقاب بفاعليّته لا بفاعليّة الواجب.
هذا محال لأنّ الإرادة لا تتعلّق بالمحال فلو لم يتعلّق إرادة العبد بفعل إراديّ كان ذلك الفعل الإراديّ ممتنع الوقوع بعدم تحقّق جزء من علّته و هو إرادة الإنسان و الممتنع و لو بالغير لا يتعلّق به الإرادة فلا يمكن تعلّق إرادة الواجب بفعل إراديّ لا يريده العبد.
أيّ الإنسان و فعله الصادر منه كلاهما فعل الواجب تعالى، ففاعليّة الإنسان في طول فاعليّة الواجب، لا في عرضه حتّى لا تجتمعا، فكما يصحّ أن يقال: إنّ الإنسان فاعل لفعله الصادر منه، كذلك يصحّ أن يقال: إنّ الواجب فاعل للفعل الصادر من الإنسان، لأنّ علّة علّة الشيء علّة لذلك الشيء.
توضيحه: إنّ الشيء ما لم يتشخّص لم يوجد وتشخّص الشيء هو وجوده الخاصّ به، و الوجود الخاصّ بالشيء رهين بمباديه الخاصّة القريبة و المتوسطة و البعيدة، إذ لا استقلال للمعلول من نفسه، فتعلّق الإرادة بكلّ فعل متشخّص لايمكن إلاّ بتعلّق الإرادة بمباديه الخاصّة و من المبادي في فعل الإنسان اختياره، فالإرادة الإلهيّة إذا تعلّقت بفعل الإنسان تعلّقت به من طريق اختيار الإنسان، فلا يلغو الإختيار في الإنسان بل هو دخيل في عمله.
فإنّ القدرة صفة ذاتيّة للواجب فهي عين ذاته و ذاته صرف الوجود غير مركّب من الوجدان و الفقدان، فلو كانت قدرته قدرة مقيّدة لكانت ذاته المتعالية الّتي هي متّحدة مع قدرته، مقيّدة فخرجت ذاته البسيطة عن صرافة الوجود و محوضته و هذا باطل كما تقدّم.
أي كما أنّ إيجاد العرض لايمكن إلاّ من طريق موضوع جوهريّ يتقوّم به، كذلك إيجاد أفعالنا لايمكن إلاّ من طريق استنادها بذواتنا المختارة.
إعلم أنّ الشرور قسمان: قسم يؤخذ في معناه الكمالات الحقيقيّة كالموت الّذي هو سلب الحياة و الحياة من الكمالات الحقيقيّة؛ و قسم يؤخذ في معناه الكمالات الإعتباريّة كالسرقة فانّها سلب مال الغير و الماليّة من الأمور الإعتباريّة الّتي لاوجود لها في الخارج، أمّا القسم الأوّل من الشرور فسيّأتي الجواب عنه في الفصل الثامن عشر مفصّلاً كما أشير إليه هنا مجملاً ـ ؛ و أمّا القسم الثاني منها فيمكن الجواب عنه بأنّ هذه الشرور بما هي شرور غيرموجودة في الخارج لأنّه أخذ في معانيها أمور اعتبارية لا وجود لها في الخارج، فإنّ السرقة مثلاً بما هي سرقة لا وجود حقيقيّا لها في الخارج، لأنّ الملكيّة المعتبرة في معناها من الأمور الإعتباريّة الّتي لا وجود حقيقيّا لها في الخارج، فلا وجود للسرقة بما هي سرقة بل الموجود في الخارج من أعمال السارق إنّما هي حركات فقط و كذا الزنا مثلاً، فإنّ الزنا بما هي زنا غير موجودة في الخارج، لأنّ معناها متوقّف على معنى الزوجيّة و هي من الأمور الإعتباريّة الّتي لا وجود لها في الخارج فإذن لا وجود حقيقة لهذه الشرور بما هي شرور حتّى يستند وجودها إلى الواجب فينافي طهارة ساحته عن كلّ نقص و شين، نعم إنّها لا بما هي شرور، حركات موجودة في الخارج و يمكن استنادها إلى الواجب كسائر الأفعال.
قد أثبتنا في الفصل السادس أنّ جميع ما في العالم مع كثرته يرجع إلى حقيقة واحدة، فالعالم وجود واحد، فكلّ جزء موجود في هذه الحقيقة الواحدة مرتبط بغيره ارتباطا يقيّد وجود بعض الأجزاء ببعض، فإيجاد كلّ جزءٍ من هذه الحقيقة الواحدة لا يتمّ إلاّ بوساطة سائر الأجزاء الّتي ارتبط بها ذلك الجزء، فوجود ذلك الجزء كما أنّه يتوقّف على فاعل الكلّ يتوقّف على سائر الأجزاء الّتي ارتبط بها وجوده، فهو كما أنّه معلول للواجب الّذي هو فاعل الكلّ، كذلك هو معلول لتلك الأجزاء أيضا.
إن كان المراد ممّا تقدّم ما ذكره المصنّف في الفصل الأوّل من المرحلة الثامنة
تحت عنوان «الفصل الأوّل في إثبات العلّيّة و المعلوليّة ...» كما هو الظاهر، ففيه
أنّ الأشاعرة لا ينكرون أصل العلّيّة و المعلوليّة بل أنكروا ذلك الأصل بين الأشياء
الممكنة و ما تقدّم في مرحلة العلّة و المعلول في ذلك الفصل إنّما أثبت أصل
العلّيّة و المعلوليّة و أمّا أنّ هذا الأصل جارٍ بين الممكنات فلم يثبت به، فلا
يكفي في دفع مقالتهم ما تقدّم هناك.
نعم ما تقدّم هناك بضميمة قاعدة صدور الواحد يبطل مقالتهم، فإنّ الواجب واحد
فلايصدرعنه إلاّ الواحد، فيجب أن يتحقّق أصل العلّيّة و المعلوليّة بين الصادر
الأوّل و شيء آخر من الممكنات و هو المطلوب.
فإنّ في عالم الممكنات أشياء كثيرة، فلا يمكن أن يصدر كلّها من الواجب، لأنّ الواحد لا يصدر منه إلاّ الواحد، فلو لم يكن تلك الأشياء صادرة من العلل الممكنة لاستلزم ذلك أن تكون تلك الأشياء الممكنة موجودة بلا علّة و لو جاز هذا لجاز وجودها من دون احتياج إلى الواجب، فلم يكن لنا سبيل إليه فتدبّر.
قال الخيام في البيتين المنسوبين إليه:
من مىخورم و هركه چو من أهل بود
مى خوردن من نزد خرد سهل بود
مى خوردن من حق ز أزل مىدانست
گر مى نخورم علم خدا جهل بود
يمكن الجواب عن استدلالهم بوجهين: أحدهما معارضة دليلهم بدليل آخر كما فعل المصنّف؛ و ثانيهما حلّ إشكالهم؛ أمّا الوجه الأوّل فيقال؛ إنّ فعل المعصية معلوم للواجب بجيمع خصوصيّاته و من خصوصيّاته أنّه فعل اختياريّ، فلو لم تقع المعصيّة عن اختيار لكان علمه جهلاً و هو محال. و أمّا الوجه الثاني فيقال: إنّا نمنع منافات ضرورة الوقوع لاختياريّة الفعل، فإنّ فعل المعصية معلوم للواجب بجميع خصوصيّاته و من خصوصيّاته أنّه فعل اختياريّ، فللواجب علم ازليّ بضرورة وقوع الفعل عن إختيار و هذا لاينافي الإختيار، لأنّ ضرورة وقوع الفعل عن الاختيار لا ينافي الإختيار.
و الحاصل: أنّ وجوب الفعل بالغير متوقّف على إيجاب الغير له، فلو أثّر وجوب
الفعل في المؤثّر بأن يلزمه عليه و يكون سببا لإيجابه له لدار و هو محال، فالواجب
بالذات موجب (بالكسر) لا موجب (بالفتح) و وجوب الفعل وجوب عن الواجب لا على الواجب.
فإنّ كون الشيء بحيث يدرك و يفعل ليس معناه فعليّة الإدراك و الفعل بل معناه
شأنيّة الإدراك و الفعل، فيمكن في بعض الأحيان أن لا يكون لذي الحياة الإدراك و
الفعل بالفعل.
إن قلت: إن كان العلم و القدرة من لوازم الحياة، فكيف يتصوّر مفارقتهما الحياة، و
اللازم لا يفارق الملزوم.
قلت: اللازم للحياة هو العلم بوجوده الشأنيّ لا بوجوده الفعليّ و ما يفارق الحياة
هو العلم بوجوده الفعليّ لا الشأنيّ، فلا تهافت بين الكلامين.
إن قلت: المدّعى عبارة عن تغاير الحياة والعلم الشأنيّ و الدليل يثبت تغاير الحياة
و العلم الفعليّ على ما قلتم، فالدليل لا يطابق المدّعى.
قلت: المدّعى عبارة عن التغاير بين حقيقتي الحياة و العلم، و إذا ثبت تغايرهما في
بعض الصور ثبت المطلوب، إذ لو كان العلم عين الحياة بحسب الحقيقة لا يمكن التفرقة
بينهما أصلاً.
لأنّ الواجب كان بحيث يدرك الأشياء بذاته و يوجدها بذاته، فله حيثيّة الحياة ثم
حياته موجودة في مرتبة ذاته، لأنّ إدراكه و قدرته موجودان في مرتبة ذاته، فحياته
الّتي هي ملاك لهما أولى بأن تكون في مرتبة ذاته فهو حيّ بذاته.
كان حاصله: أنّ الإرادة كيفيّة نفسانيّة و هي ماهيّة ممكنة و الواجب منزّه عن الإتّصاف بالماهيّة و الإمكان.
لأنّ اللفظ الموضوع وجود ادّعائيّ للمعنى و لذا يسري حسن المعنى و قبحه إليه، فاللفظ بلحاظ وضعه للمعنى موجود اعتباريّ و إن كان بلحاظ كونه صوتا من الموجودات الحقيقيّة.
لمّا كان وجوده بسيطا مطلقا و بسيط الحقيقة واجد في مرتبة ذاته لكلّ الصفات الكماليّة كان تفاصيل صفاته الكماليّة الّتي هي عين ذاته البسيطة كاشفة عن إجمال ذاته و بساطة هويّته، فهو متكلّم في مرتبة ذاته.
لأنّ منشأ كمالاته الذاتيّة الّتي هي كاشفة عن إجمال ذاته، نفس ذاته البسيطة
العالمة لأنّ ذاته بسيطة مطلقا و بسيطة الحقيقة واجدة لكلّ الكمالات في مرتبة
ذاتها، فمعنى أنّ الواجب متكلّم في مرتبة ذاته هو أنّ ذاته البسيطة العالمة مبدأ و
منشأ لكمالاته الذاتيّة الكاشفة و قد تقدّم أنّ المبدئيّة عن علم هي القدرة، فكلامه
الذاتيّ يرجع إلى قدرته الذاتيّة.
أي العلم بأحسنيّة الفعل بحيث يوجب اهتمام الفاعل به وصدوره عنه على الوجه الأحسن.
تقدّم أنّ العناية عبارة عن العلم بأحسنيّة الفعل بحيث يوجب اهتمام الفاعل به و صدوره عنه على الوجه الأحسن و هذا العلم موجود في الواجب؛ لأنّ له علما ذاتيّا بكلّ شيء فله علم بالخصوصيّات الّتي بها يصير النظام أحسن و هذا العلم لمّا كان عين ذاته و ذاته علّة لما سواها كان علمه الذاتيّ بالنظام الأحسن موجبا لصدور النظام على الوجه الأحسن، فله تعالى عناية بخلقه إلاّ أنّ بين العناية في الواجب و الفواعل الناقصة فرقا و هو أنّ الداعي في صدور الفعل و الإهتمام به في الفواعل الناقصة المستكملة هو رفع الحاجة و طرد النقص و لذا كلّما قويت الحاجة زاد الإهتمام، فإذا علم الفاعل بأنّ الفعل الفلانيّ يرفع عنه حاجة و يطرد عنه نقصا علم بخيريّة ذلك الفعل فيهتمّ به فيوجده لرفع حاجته و طرد نقصه و هذا بخلاف الواجب، فإنّه غنيّ بالذات و له كلّ كمال في مرتبة ذاته فلا غاية و لا داعي له وراء ذاته الكاملة و إلاّ صار ناقصا.
لأنّ المجرّد التامّ إذا أمكن له شيء بالإمكان العامّ فهو حاصل له بالوجوب، إذ ليس فيه حالة منتظرة، فإذا أمكن له الفاعليّة ثبت له هذه الفاعليّة بالوجوب، فلا يحتاج تحقّق فاعليّته إلى غاية زائدة على ذاته إذ لو أحتاج إلى غاية زائدة لكان فاعليّته بالإمكان الخاصّ لا بالوجوب و هذا ينافي فرض تمام ذاته.
لأنّ الغاية في فعل الواجب ذات الواجب و ذات الواجب صرف بسيط، فغاية الواجب صرف بسيط و صرف الشيء لا يتثنّى و لا يتكرّر، فلا يوجد هناك غايات متعدّدة بل يوجد في الحقيقة غاية واحدة و هي ذات الواجب فغايات الممكنات في أفعالها من شؤون غاية الواجب في فعله كما أنّ وجوداتها من شؤون وجوده.
فإنّ حقيقة الوجود حقيقة واحدة مشكّكة، فمراتبها الدانية من سنخ المراتب العالية و لا فرق بين حقيقة المراتب العاليّة و الدانية إلاّ بالشدّة و الضعف، فالكمالات الموجودة في المراتب العالية موجودة في المراتب الدانيّة بنحو أضعف. ثمّ إنّ الواجب الّذي هو المرتبة العالية في حقيقة الوجود، له كلّ كمال و جمال ممكن، فيجب أن يكون جميع تلك الكمالات و الجمالات موجودة في المراتب الإمكانيّة الّتي هي مراتب ضعيفة من المرتبة الّتي لها كلّ كمال و جمال ممكن فكما أنّ الواجب أجمل شيء في المرتبة الواجبيّة كذلك العوالم الإمكانيّة أجمل شيء في المراتب الإمكانيّة فالعالم العقليّ الّذي هو أعلى المراتب الإمكانيّة، أحسن نظام ممكن في مرتبة الوجود العقليّ ثمّ العالم المثاليّ الّذي هو أضعف من العالم العقليّ و أشدّ من العالم المادّيّ، أحسن نظام ممكن في مرتبة الوجود المثالي، ثمّ العالم المادّيّ الّذي هو أضعف المراتب، أحسن نظام ممكن في مرتبة الوجود المادّيّ.
تقدّم البحث عنه في الفصل الثالث من المرحلة الحاديّة عشرة و سيأتي في الفصل
التاسع عشر من هذه المرحلة.
الخير إمّا أن يكون بالقياس و هو ما يكون سببا لكمال وجوديّ في الغير و إمّا أن يكون بالذات و هو ما يكون كمالاً أوّلاً أو ثانيا للشيء نفسه، فكلّ علّة وجوديّة خير بالمعنيين، لأنّ كلّ علّة سبب لوجود معلولها و موجب لكماله الوجوديّ فهي خير بالقياس إلى معلولها و كذا كلّ علّة وجوديّة خير بالذات لأنّ وجودها لنفسها كمال أوّل لها فهي خير لنفسها. ثمّ لمّا كان الواجب وجودا صرفا غيرمشوب بالعدم و كمالاً محضا غير مركّب من الوجدان و الفقدان كان خيرا محضا بالذات و كذا لمّا كان الواجب علّة لجميع ما سواه فهو خير بالقياس إلى جميع ما سواه، فقول: المصنّف «الخيرما يطلبه و يقصده و يحبّه كلّ شيء» إشارة إلى الخير القياسيّ في الواجب، فإنّ الواجب هو الّذي يطلبه و يقصده و يحبّه كلّ شيء و يتوجّه إليه كلّ شيء بطبعه، لأنّ الواجب هو القيّوم الّذي يتقوّم به كلّ شيء في كمالاته الأوليّة و الثانويّة فكلّ شيء بإقتضاء جبليّ يطلبه لرفع عدمه و لطرد نقصه فهو خير بالقياس إلى كلّ شيء.
هذا تعريف للشرّ بالذات فلايرد عليه أنّ بعض الشرور من الأمور الوجوديّة لأنّ تلك الأمور خيرات بالذات و شرور بالعرض كما سيأتي توضيحه، فإنّ البرد المفسد للثمار مثلاً من كمالات الأجسام الطبيعية و الشرّ الحقيقيّ هو زوال الثمرة.
توضيحه: أنّ الشرّ لو كان أمرا وجوديّا لكان إمّا شرّا لنفسه أو شرّا لغيره، و
على أيّ تقدير إمّا أن يكون ذلك الأمر مضرّا للشيء الّذي هو شرّ بالنسبة إليه أو لا
يكون مضرّا له، فالشقوق المحتملة أربعة.
الأوّل و الثاني أن يكون ذلك الأمر الوجوديّ شرّا لنفسه أو لغيره، لكنّه غير مضرّ
لهما و هذان الاحتمالان باطلان بالضرورة؛ فإنّ الشيء لو لم يوجب ضررا في شيء بأن لم
يكن معدما لذاته و لا لكمال ذاته لم يكن شرّا بالنسبة إليه و لذا إذا سخّر الإنسان
السيل مثلاً بحيث لا يوجب هلاكا للعباد و لا خرابا للبلاد و غيرها، لم يكن شرّا بل
كان مفيدا.
و الثالث أن يكون ذلك الأمر الوجوديّ شرّا لنفسه و مضرّا لنفسه و هذا الإحتمال أيضا
باطل بالضرورة، لأنّ الشئ لا يضرّ بنفسه أي لايكون معدما لنفسه و الاّ يلزم من
وجوده عدمه، فلا يوجد من رأس و لا يكون معدما لكمال نفسه، إذ بين الشيء و كماله
رابطة وجوديّة، فإنّ الشيء مسانخ لكماله و ملائم له لا مطارد له و أيضا العناية
الإلهيّة توجب إيصال كلّ شيء إلى كماله، فكلّ شيء طالب بطبيعته لكماله لا طارد له.
و الإحتمال الرابع أن يكون ذلك الأمر شرّا للغير و مضرّا له بأن يكون معدما لذاته
أو لكمال ذاته و هذا الإحتمال باطل أيضا، لأنّ المفروض أنّ الشرّ هو ذلك الأمر
الوجوديّ لكنّه في الحقيقة الشرّ هو العدم الحاصل في الغير، إذ لو لا العدم في
الغير لم يكن هناك ضرر، فلم يكن هناك شرّ فملاك الشرّ هو العدم لا الوجود و قد فرض
خلافه.
فإن قلت: نختار أنّ السيل مثلاً شرّ بما أنّه معدم لكمال الغير، لكن الأعدام وصف
وجوديّ، لأنّ الإعدام عبارة عن سببية الشيء للعدم و السببيّة وصف وجوديّ.
قلت: إنّ الإعدام من الصفات الفعليّة الّتي يحتاج تحقّقها إلى اعتبار عدم شيء ممكن
و لذا لو لم يكن عدم لم يكن إعدام، فلوكان الإعدام وصفا وجوديّا لاحتيج إلى سببيّة
أخرى لإيجاده، و المفروض أنّ سببيّة السبب وصف وجوديّ زائد، لأنّها من صفات الفعل
فتحتاج إلى سببيّة أخرى و هلّم جرّا فيتسلسل؛ فإذن ثبت أنّ الأعدام
ليس وصفا وجوديّا بل هو عين العدم ذاتا، فإنّ المعدوم الممكن بإعتبار نفسه
كان عدما و بإعتبار إنتسابه إلى الغير كان إعداما كما أنّ الموجود الممكن باعتبار
نفسه كان وجودا و باعتبار انتسابه إلى الغير كان إيجادا كما تقدّم.
حاصل الإشكال: أنّ الألم ـ مع أنّه شرّ بالذات بالضرورة ـ أمر وجوديّ، لأنّه
إدراك زوال الاتّصال مثلاً لا نفس زوال الاتّصال الّذي هو أمر عدميّ، فكون هذا
الأمر الوجوديّ شرّا بالذات يناقض قول الحكماء: «إنّ الشرّ بالذات عدميّ» و هذا
الإشكال للمحقّق الدوانيّ و أجاب عنه صدر المتألّهين بأنّ الألم إدراك حضوريّ لا
حصوليّ و الإدراك الحضوريّ عين المدرك، فالألم الّذي هو إدراك زوال الاتّصال مثلاً
عين الزوال، فهو و إن كان نوعا من الإدراك لكنّه من أفراد العدم، فيكون شرّا بالذات
فلا ينتقض قولهم بأنّ الشرّ بالذات عدميّ.
و المصنّف اعترض على هذا الجواب(1) بأنّ كون الألم إدراكا حضوريّا غير مطّرد و
الشاهد عليه أنّ الحسّ كثيرا ما يخطي في مدركه اللذيذ أو المولم و لا معنى للخطاء
في المعلوم الحضوريّ. و أيضا إنّ الألم قد يحصل للإنسان من الإدراك بالتصديقات
الخياليّة غير الواقعيّة كالألم الّذي يحصل لمن إدرك موت حبيبه إدراكا تخيّليّا
كاذبا، فلو كان الألم علما حضوريّا لما حصل له الألم، إذ المدرك و هو موت الحبيب
غير موجود واقعا.
قال المحقّق السبزواريّ: ثمّ في قوله «لكن له ثبوت على نحو ثبوت أعدام الملكات» وقوع فيما هرب عنه، إذ حينئذٍ يكون الشرّ وجوديّا.
1. راجع: تعليقة المصنّف على الاسفار: 7 / 63 و: 6 / 160.
متعلّق بقوله «فقدها» أي النفس تدرك عند زوال الاتّصال فقد كمالها الموجود في
مرتبة النفس لا فقد كمال للبدن المادّيّ.
بيان ذلك: أنّ النفس لكونها صورة أخيرة للإنسان، جامعة لجميع كمالات النوع
الإنسانيّ فكمالات بدن الإنسان موجودة في مرتبة النفس بنحو تناسب وجود النفس،
فالإتّصال الموجود في العضو الّذي هو كمال للعضو، موجود في مرتبة النفس بنحو أعلى
فاذا زال الإتّصال بمرتبته المادّيّ عن البدن زال هذا الكمال بمرتبته الّتي تناسب
النفس عن النفس الجامعة، و هذا الكمال الزائل في مرتبة النفس الجامعة هو الّذي
يدركه النفس بالعلم الحضوريّ عند الألم لا الكمال الزائل في مرتبة البدن المادّيّة
ثم إنّ المدرَك إنّما يكون زوال الكمال بمرتبته النفسانيّة لا بمرتبته البدنيّة،
لأنّ المعلوم بالعلم الحضوريّ يجب أن يكون مجرّدا.
الشرّ عدم الكمال لكن لا عدم كلّ كمال بل عدم كمال من شأن موضوعه وجدان ذلك
الكمال، فإنّ عدم الحلاوة شرّ بالنسبة إلى التمر مثلاً الّذي من شأنه أن يكون ذا
حلاوة لا بالنسبة إلى الملح الّذي ليس من شانه أن يكون ذا حلاوة، فإذن الشرّ عدم
الكمال عمّا من شأنه وجدان ذلك الكمال.
و من هذا يتفرع أوّلاً أنّ العدم الّذي هو شرّ هو العدم المفارق لا العدم اللازم
للشيء، إذ الأعدام اللازمة هي الأعدام الّتي تقتضيها الأشياء بذواتها، فلايكون من
شأن الأشياء وجدان الكمال المقابل لذلك العدم.
و ثانيا أنّ الشرّ يقع في عالم المادّة فقط دون عالم المجرّدات التامّة، إذ قد ثبت
أنّ الشرّ هو العدم المفارق و المفارق مسبوق بالاستعداد و الاستعداد لايوجد إلاّ في
عالم المادّة دون المجرّدات التامّة.
إذ قد ثبت أنّ الشرور من قبيل الأعدام المفارقة و المفارق لايوجد في عالم المجردات التامّة فالمجرّدات التامّة خيرات محضة.
قد ثبت في الفصل السابق أنّ العوالم الإمكانيّة أحسن شيء في المراتب الإمكانية كما أنّ الواجب أحسن شيء في المرتبة الواجبيّة، فلو وجد في عالم المادّة ما شرّه غالب و ما خيره و شرّه متساويان، لم يكن عالم المادّة أحسن عالم ممكن، إذ العالم الّذي لا يوجد فيه ما شرّه غالب، أحسن من العالم الّذي يوجد فيه ذلك، بالضرورة و كذا العالم الّذي لا يوجد فيه ما خيره و شرّه متساويان، أحسن من العالم الّذي يوجد فيه ذلك، إذ العالم الثاني مشتمل على ما كان وجوده لغوا بخلاف العالم الأوّل.
قد تقدّم أنّ الشرور من قبيل أعدام الملكات و عدم الملكة و إن كان عدما لكن له
حظّ من الوجود، فالشرور بما أنّها أعدام مقصودة بالعرض، إذ العدم بما هو عدم لا
يتعلّق به القصد الحقيقيّ، و بما أنّ لها حظّا من الوجود مقصودة بالتبع و بالقصد
الثاني و من هنا يعلم أيضا أنّ ما اجاب به المعلم الأوّل عن الإشكال لا ينافي القول
بكون الشرّ عدميّا كما توهّم.
أي ما يتعلّق بالمادّة نوعا من التعلّق و هي الصور الجسمانيّة و الأعراض و النفوس.
يمكن أن يستدلّ على وجود عالم المثال و العقل بالصور الظاهرة لنفوسنا.
بيان ذلك: قد تقدّم في المرحلة الحاديةعشرة أنّ الصورة الظاهرة لنا موجودات
خارجيّة مجرّدة و تقدّم أيضا أنّ تلك الصور ليست بإنشاء النفس، لأنّ النفس قابلة
لها فلا يمكن أن تكون فاعلة لها، و لأنّ النفس تستكمل بتلك الصور فوجودات الصور
أكمل من وجود النفس فلايمكن أن تكون تلك الصور معلولة للنفس الّتي هي أضعف وجودا
منها، فيكون لتلك الوجودات الخارجيّة المجرّدة عالم آخر مستقلّ عن النفس و إنشائها
و هو عالم المثال إن كانت تلك الصور متمثّلة لنا بصفات الأجسام و عالم العقل إن لم
تكن كذلك.
أي إنّ التعاقب في الصور المثاليّة ليس زمانيّا حتّى يتوقّف تحقّق بعضها على زوال بعض آخر لأنّ الصور المثاليّة مجرّدات و المجرّد لا حركة و لا زمان فيه فلا يعقب بعضها بعضا على ما تعقب أجزاء الحركة بعضها لبعض بل التعاقب فيها بترتّب وجود بعضها على بعض، فللصور المثاليّة اجتماع في الوجود مع تعاقب بعضها لبعض، كما أنّ الصور الخياليّة كذلك، فإنّ حصول كلّ جزءٍ من الحركة في الذهن عند العلم الحسّيّ يتوقّف على حصول جزءٍ مقدّم عليه في الذهن لكن تلك الأجزاء المترتّب بعضها على بعض مجتمعة في الوجود عند الخيال.
لأنّ الحركة و السيلان عين وجود الجواهر المادّيّة ـ كما تبيّن في محله ـ ، فنفي الحركة عن الجوهر المادّي مساوق لنفي وجوده، فلا يمكن أن يوجد جوهر مادّيّ بدون الحركة، فعالم المادّة تستوعبه الحركة و السيلان.
إذ كلّ مرتبة من المراتب غير المرتبة الواجبيّة يتقوّم بعلّة مّا و العلّة فوق
معلولها في مراتب الوجود، فكلّ مرتبة من تلك المراتب يتقوّم بعلّة هي فوق تلك
المرتبة فعالم العقل متقوّم بما فوقه و هو الواجب تعالى و عالم المثال متقوّم بما
فوقه و هو عالم العقل، و كذا عالم المادّة متقوّم بما فوقه و هو عالم المثال، فإذن
عالم العقل علّة لعالم المثال و عالم المثال علّة لعالم المادّة و هذه هي النتيجة
الثانيّة الّتي استنتجها المصنّف رحمهالله من كون الوجود حقيقة مشكّكة يتقوّم كلّ
مرتبة منها بما فوقها.
لكن يرد على هذا الاستنتاج أنّ الدليل أعمّ من المدّعى، فلا يثبت به فإنّ المدّعى
في مورد العالم الماديّ عبارة عن أنّ هذا العالم متقوّم بعالم المثال، لكن الدليل
يدلّ على أنّ عالم المادّة متقوّم بما فوقه، و عالم المثال و إن كان فوق العالم
المادّيّ إلاّ أنّه ليس كلّ ما هو فوق شيء علّة له، فإنّ العقول العرضيّة مثلاً فوق
الأنواع المادّيّة مع أنّ كلّ عقل منها ليس علّة لكلّ نوع مادّيّ. و يمكن أن يستدلّ
على النتيجة الثانيّة بأن يقال: عالم المثال لولم يصدر من عالم العقل لوجب أن يصدر
عن العلّة الّتي صدر منها عالم العقل و هو الواجب تعالى، فلزم صدور المعلولين عن
العلّة الواحدة و هو محال و كذا لولم يصدر عالم المادّة عن عالم المثال لوجب أن
يصدر عن العلّة الّتي صدر منها عالم المثال و هو آخر العقول الطوليّة ـ كما سيأتي ـ
فلزم صدور المعلولين عن العلّة الواحدة أيضا، فإذن ثبت أنّ عالم العقل علّة لعالم
المثال و عالم المثال علّة لعالم المادّة لكن هذا الإستدلال و إن كان تامّا في مورد
عليّة عالم العقل لعالم المثال إلاّ أنّه في مورد علّيّة عالم المثال لعالم المادّة
محلّ تأمّل، لأنّ العقل الآخر ذو جهات كثيرة كما سيأتي، فيمكن صدور الكثير منه،
فلايلزم من فرض صدور عالم المثال و عالم المادّة عن العقل
الآخر محذور صدور الكثير عن العلّة الواحدة البسيطة فتدبّر.
فإنّ الواجب علّة لعالم العقل و العلّة واجدة لكمال معلولها بنحو أبسط و أشرف،
فالواجب واجد لكمال عالم العقل بنحو أبسط و أشرف، فعالم العقل رقيقة وجود الواجب
كما أنّ الواجب حقيقته و إنّما قال: «النظام الربّانيّ»، لأنّ الواجب من حيث
الربوبيّة علّة موجبة لوجود عالم العقل فهو من حيث الربوبيّة يطابقه عالم العقل.
قد تقدّم أنّ المراد من التفصيل جامعيّة وجوده لكلّ الكمالات الوجوديّة كما أنّ
المراد من الإجمال بساطة وجوده الجامعة، أي وجوده البسيط جامع لكلّ الكمالات و ذلك
لأنّ الواجب وجود صرف و كمال محض و الوجود الصرف وجود لكلّ ما هو من سنخه (و إلاّ
لم يكن صرفا) فوجوده الصرف و كماله المحض وجود لكلّ الوجودات و الكمالات و هذا هو
التفصيل في عين الإجمال.
قوله: لمكان المسانخة ...
فانّ المسانخة بين العلّة و المعلول تقضي بأنّ العلّة إذا كانت أقوى العلل كان
معلولها أقوى المعاليل، لأنّ المعلول يسانخ و يناسب علّته فقوّتها و ضعفها تسريان
إلى قوّة المعلول و ضعفه و على هذا لمّا كان الواجب أقوى العلل و له كلّ كمال و
جمال كان معلوله الصادر منه بلا واسطة أقوى المعاليل و له كلّ كمال فالصادر الأوّل
منزّه عن القوّة و الإستعداد، إذ لو كان بعض كمالاته بالقوّة لم يكن أقوى المعاليل
بل أقوى المعاليل ما كان واجدا لذلك الكمال بالفعل أيضا و هذا خلف، فتنزّه الصادر
الأوّل و كونه أقوى المعاليل يقضي بأن يكون عقلاً مجرّدا تامّا و هو المطلوب.
قد عرفت في آخر المرحلة الخامسة وجه الخلل في هذا البرهان، فإنّ هذه الشقوق
الأربعة شقوق للمحمول على الشيء و الكثرة لا تحمل على الماهيّة نفسها حتّى يأتي
فيها إحدى هذه الشقوق لأنّ موضوع الكثرة هي الذوات المختلفة بما هي مختلفة و
الماهيّة النوعيّة الواحدة من حيث نفسها مع قطع النظر عن أفرادها لا اختلاف فيها،
نعم أفرادها لمّا كانت متشخّصة بتشخّصات مختلفه كانت موضوعة للكثرة فيأتي فيها إحدى
الشقوق الأربعة و حينئذ للخصم أن يلتزم بكون الكثرة خارجة لازمة للأفراد المختلفة
لا للماهيّة نفسها فبما أنّ الكثرة لازمة لا مفارقة لا يحتاج إلى المادّة و بما أنّ
الكثرة لازمة للأفراد المختلفة لا للماهيّة نفسها لا يأتي محذور عدم تحقّق الفرد
للماهيّة، لأنّ الكثرة ليست من لوازم نفس الماهيّة حتّى يقال: كلّما وجد فرد لها
كان من الواجب أن يكون كثيرا.
و قد يستدلّ على المطلوب بأنّ المعنى الواحد لا يمكن أن يتكثّر بنفس ذاته ضرورة أنّ
صرف الشيء لا يتثنّى و لا يتكرّر، فلابدّ من أمور زائدة مقترنة به، و الأمور
الزائدة إمّا أن تكون لازمة لماهيّة النوع فتكون مشتركة بين الأفراد، فلا تكون سببا
لامتياز شخص عن شخص و إمّا أن تكون مفارقة لها فيحتاج عروضها إلى سبق مادّة فيكون
النوع مادّيّا، و فيه أنّا نختار الشقّ الثاني من الترديد و نقول إنّ تلك الأمور
الزائدة المفارقة عبارة عن التشخّصات المختلفة و قولكم: «فيحتاج عروضها إلى سبق
مادّة» ممنوع، إذ التشخّص عين الوجود الخاصّ و الوجود الخاصّ لا يحتاج عروضه على
الماهيّة إلى سبق مادّة إذ لا عروض حقيقة للوجود على الماهيّة.
فانّ له ماهيّة و وجودا و إمكانا بالذات و وجوبا بالغير و تعقّلاً لذاته و
تعقّلاً لمبدئه فهذه أمور ستّة في الصادر الأوّل فيصحّ بها صدور أكثر من معلول واحد
عنه.
فإن قلت: إنّ هذه الأمور لو كانت موجودة في الخارج لزم صدور الكثير في مرتبة واحدة
عن الواحد الحقيقيّ و إن كانت أمورا اعتباريّة فكيف تكون عللاً لمعلولات الكثيرة
الموجودة في الخارج.
قلت: نختار إنّها أمور اعتباريّة لكن لا الإعتباريّة المحضة بحيث لو لم يعتبرها
معتبر لم يكن لها تحقّق في نفس الأمر أصلاً بل بمعنى أنّها حيثيّات متحقّقة في ذات
العقل الأوّل مجعولات بعين جعل العقل، فالمجعول بالذات ليس إلاّ أمرا واحداً و هو
وجود العقل لكن فيه حيثيّات أخرى منطوية في وجوده كتعقّله لذاته و تعقّله لمبدئه،
فالعقل باعتبار وحدة وجوده صادر عن الواجب و باعتبار انطواء الكثرة فيه كان مصدرا
لأمور كثيرة.
فإن قلت: انطواء الكثرة في الوحدة موجود في الواجب أيضا فلم لايجوز صدور الكثير
عنه؟
قلت: إنّ الكثرة و إن كانت منطوية في وجوده البسيط حيث إنّ بسيط الحقيقة كلّ
الأشياء إلاّ أنّ الوجود كلّما كان أشدّ كان أحكام الوحدة أظهر، فلا يصدر عن وجوده
الواحد البسيط إلاّ الواحد.
إذ لو احتاج في صدوره عن العلّة إلى شيء آخر وراء إمكانه الذاتيّ لكانت الفاعليّة لفاعله المفيض بالإمكان الخاصّ لا بالوجوب، لكن التالي باطل فكذا المقدّم؛ أمّا الملازمة فلأنّ الفاعل المفروض يصير جزءا للعلّة التامّة و الفاعليّة لجزء العلّة بالإمكان الخاصّ لا بالوجوب؛ و أمّا بطلان التالي فلأنّ فاعل العقول مجرّد تامّ و المجرّد التامّ كلّما كان له بالإمكان العامّ فهو له بالوجوب لا بالإمكان الخاصّ.
قالوا: إنّ العقل الأوّل يصدرعنه العقل الثاني و الفلك الأوّل ثمّ العقل الثاني يصدر عنه العقل الثالث و الفلك الثاني و هكذا إلى أن ينتهي إلى العقل التاسع، فإنّه يصدر عنه العقل العاشر و الفلك التاسع فالعقول عشرة و الأفلاك تسعة.(1)
1. راجع: التحصيل الفصل الثالث من كتاب السماء والعالم، ص 648.
قال ميرفندرسكي في قصيدته:
چرخ با اين اختران نغز وخوش و زيباستى صورتىدر زير دارد آنچه در بالاستى
صورت زيرين اگر با نردبان معرفت بر رود بالا همي با أصل خود يكتاستى صورت عقلى كه
بىپايان و جاويدان بود با همه و بىهمه مجموعه و يكتاستى
اين سخن در رمز دانايان پيشين سفتهاند پى برد در رمزها هركس كه او داناستى
درنيابد اين سخن را هيچ فهم ظاهرى گر ابونصرستى و گر بوعلىسيناستى
القوّة الغاذية هي قوّة تحليل الغذاء إلى مشابهة جوهر المتغذّي لتورده بدل ما يتحلّل؛ و القوّة النامية هي القوّة الّتي تزيد في أقطار الجسم المتغذّي على التناسب الطبيعيّ ليبلغ إلى تمام نشوه؛ و المولّدة هي القوّة الّتي تفصل جزءا من المادّة الّتي يحصّلها الغاذية وتجعله مادّة لشخص آخر.
هذا دليل لما تقدّم لا نتيجة له، أي النظام الجاري في الأنواع الطبيعيّة دائميّ أو أكثريّ (فإنّ الإنسان لايحصل إلاّ من الإنسان، و الفرس لايحصل إلاّ من الفرس) لكن الأمر الإتّفاقيّ لا يكون دائميّا و لا أكثريّا، فينتج من الشكل الثاني أنّ النظام الجاري في الأنواع الطبيعيّة لا يكون اتّفاقيّا فلها علل حقيقيّة.
توضيحه: أنّ المدّعى هنا عبارة عن وجود أفراد في عالم العقول متّحد كلّ منها مع
كلّ من الأنواع المادّيّة بحسب الماهيّة، و قاعدة إمكان الأشرف تثبت هذا المدّعى لو
كانت تدلّ على أنّ الأشرف متّحد الماهيّة مع الأخسّ، لكن القاعدة قاصرة عن الدلالة
على ذلك إذ غاية ما تثبت القاعدة هو أنّ الممكن الأخسّ إذا كان موجودا وجب أن يكون
الممكن الأشرف موجودا قبله لكن لا شيء في هذه القاعدة يدلّ على أنّ الأشرف متّحد
الماهيّة مع الأخسّ فإذن لاتثبت المدّعى.
نعم إنّ الأشرف لمّا كان واجدا لكمالات الأخسّ بنحو أتمّ صحّ أن يصدق مفهوم الأخسّ
كالإنسان على الأشرف باعتبار واجديّته كمال الإنسان، لكن مجرّد صدق مفهوم على
شيء بحسب ذلك، لا يدلّ على كون ذلك الشيء فردا لذلك المفهوم حقيقة، كما أنّ كلّ
علّة موجدة واجدة لجميع كمالات المعلول الّتي بها ذلك المعلول هو هو و لايجب مع ذلك
أن تكون العلّة متّحدة الماهيّة مع معلولها.
فإن قلت: المطلوب حاصل بهذه القاعدة إن كان مفاد القاعدة ما فسرّه المصنّف بقوله:
«فإذا وجد ممكن هو أخسّ وجودا من ممكن آخر وجب أن يكون الممكن الّذي هو أشرف منه
موجودا قبله»؛ لأنّ الممكن الآخر في هذا التفسير كلّيّ شامل لمتّحد الماهيّة مع
الأخسّ و لغيره، فإذن قد حكم في هذا التفسير بأنّ الأخسّ إذا وجد وجب وجود كلّ ما
هو أشرف منه قبله و من المعلوم أنّ الأفراد الموجودة من ماهيّة الإنسان في عالم
المادّة أخسّ وجودا من فرد آخر لماهيّة الإنسان و هو بالفعل في جميع الكمالات
الإنسانيّة، فوجود هذه الأفراد في عالم المادّة يدلّ على وجود ذلك الفرد في عالم
المجرّدات و هذا هو المطلوب.
قلت: سيأتي إنّ القاعدة أنّما تجري فيما وراء المادّيّات من المجرّدات الّتي لا
يزاحم مقتضياتها مزاحم و لا يمانعها ممانع، و أمّا المادّيّات فلا تجري فيها
القاعدة، إذ ربّما يمانع وجود الأشرف ممانع و يزاحمه مزاحم، فوجود الأخسّ لا يدلّ
على وجود الأشرف قبله.
إذا عرفت هذا نقول: إنّ الإنسان الّذي هو بالفعل في جميع كمالاته الإنسانيّة ليس
تجرّده قطعيّا حتّى تجري فيه القاعدة، لأنّ فعليّة الكمالات الإنسانيّة توجب بطلان
الإستعدادات الإنسانيّة لابطلان الإستعداد مطلقا، فلا يلزم من فعليّة الكمالات
الإنسانيّة التجرّد حتّى تجري فيه القاعدة.
أي جريان القاعدة بحيث تكون مثبتة للمطلوب، مشروط باتّحاد الأخسّ و الأشرف في الماهيّة حتّى يدلّ وجود الأخسّ في هذا العالم المادّيّ على وجود الأشرف المتّحد مع الأخسّ في الماهيّة إذ لو لم يكن مشروطا به لا يثبت المطلوب كما تقدّم.
ليس المراد من الإنسان الكلّيّ، الكلّيّ المفهوميّ بل المراد الكلّيّ السعيّ، أي ما هو بوجوده البسيط المجرّد جامع لجميع الكمالات الإنسانيّة و غيرها بنحو أتمّ.
إذ القاعدة حينئذٍ تقول إنّ الأخسّ إذا كان موجودا كان الأشرف موجودا، سواء كان الأشرف متّحد الماهيّة مع الأخسّ أو لم يكن، فوجود الأخسّ لا يدلّ على أشرف متّحد الماهيّة مع الأخسّ.
قال الشيخ الإشراقي: «و من القواعد الإشراقيّة قاعدة إمكان الأشرف و هي أنّ
الممكن الأخسّ إذا وجد فيلزم أن يكون الممكن الأشرف قد وجد»(1) قبله.
أقول: يمكن أن يفسّر هذه القاعدة بأربعة وجوه:
الأوّل أنّ الممكن الأخسّ إذا وجد وجب قبله وجود كلّ ممكن أشرف منه.
الثاني أنّ الممكن الأخسّ إذا وجد وجب قبله وجود ممكن مّا هو أشرف منه.
الثالث أنّه إذا قيس ممكن معيّن مع ممكن معيّن آخر، فإذا وجد الأخسّ وجب وجود ذلك
الأشرف المعيّن قبله.
الرابع أنّ الممكن الأخسّ إذا وجد وجب وجود أشرف موجودٍ ممكن قبله و الظاهر أنّ
مرادهم من القاعدة هو الوجه الأوّل لكن البرهانين الآتيين قاصران عن إفادة هذا
المعنى فانتظر.
قال المصنّف «هذا إنّما يجري في الصادر الأوّل و أمّا ما بعده من العلل المتوسّطة الّتي هي أشرف مما دونها فلا يستحيل صدور أكثر من واحد من عللها لتقرّر جهات كثيرة فيها»(2)؛ فيجوز أن يوجد الممكن الأخسّ و الأشرف معا عن العلل المتوسّطة، فوجود الأخسّ لايلزم منه وجود الأشرف قبله؛ فهذا البرهان بعد تماميّته يدلّ على أنّ الممكن الأخسّ إذا وجد وجب قبله وجود الصادر الأوّل و هو أشرف موجود ممكن، فإذن هذا البرهان يثبت الوجه الرابع.
1. شرح حكمة الاشراق، ص 367.
2. تعليقة المصنّف على الاسفار: 7 / 246.
قال شارح حكمة الإشراق في بيان هذا الشق: «لأنّ التقدير أنّ صدور الأخسّ عنه
بغير واسطة، إذ لو كان بواسطة معلول آخر للواجب و العلّة أشرف من المعلول و متقدّم
عليه بالذات فيكون قد وجد قبل هذا الأخسّ ما هو أشرف منه و هو المطلوب، فإذا جاز
صدور الأشرف بواسطة فلا شكّ أنّها الأخسّ لامحالة، فيكون قد جاز صدور الأشرف عن
الأخسّ و هو غير جائز بخلاف عكسه».(1)
أقول: قد فهم من هذا البيان أنّ المطلوب في القاعدة هو أنّ الممكن الأخسّ إذا وجد
وجب قبله وجود ما هو أشرف منه و إن لم يكن هذا الأشرف هو الأشرف الّذي قيس مع
الأخسّ أوّلاً و هذا هو الوجه الثاني من التفسير، فهذا البرهان بعد تماميّته يدلّ
أنّ الممكن الأخسّ إذا وجد وجب قبله وجود ممكن مّا هو أشرف من ذلك الأخسّ.
لأنّ المفروض أنّ الأشرف ممكن بالإمكان الذاتيّ و الممكن بالإمكان الذاتيّ في المجرّدات التامّة (الّتي مجري القاعدة كما سيأتى) ممكن بالإمكان الوقوعيّ، إذ لا يلزم من فرض وجود المجرّد محال، لأنّ إمكانه الذاتيّ كاف في صدوره عن العلّة، فلو لزم من فرض وجوده محال لم يكن إمكانه الذاتيّ كافيّا في صدوره عن العلّة بل وجوده يتوقّف أيضا على زوال ذلك المحال اللازم منه.
لأنّ كلامنا الآن مبنيّ على عدم جواز صدوره عنهما ...
حاصله: أنّ الشرافة و الخسّة راجعتان إلى العلّيّة و المعلوليّة، فكلّ موجود أشرف علّة للأخسّ منه، فلو وجد الأخسّ و لم يوجد الأشرف لكان الأخسّ مستقلاًّ و غير متقوّم بالأشرف و قد فرض كونه رابطا متقوّما به هذا خلف.
1. شرح حكمة الاشراق، ص 367.
أقول: المقدّمة ممنوعة إذ ليس كلّ موجود أشرف علّة لأخسّ منه لجواز صدور المعلولين عن العلّة الّتي فيها جهات كثيرة، فلو صدر عن «الف» معلولان مثل «ب» و «ج» ثم صدر عن «ج» مثلاً «د»، كان «ب» أشرف من «د» (لأنّه أقرب من المبدأ الأوّل) و مع ذلك ليس «ب» علّة لـ «د» فإذن ليس كلّ أشرف علّة لأخسّ منه حتّى يقال: لو فرض ممكنان أشرف و أخسّ كان من الواجب أن يوجد الأشرف قبل الأخسّ و إلاّ كان الأخسّ مستقلاًّ غير رابط و قد فرض كونه رابطا متقوّما به، فهذا البرهان لاينتج المطلوب نعم لمّا كان كلّ موجود أخسّ معلولاً لما هو أشرف منه كان اللازم من وجود الأخسّ وجود أشرف قبله و هذا الأشرف يجب أن يكون ممكنا لا واجبا بالذات، لما تقدّم في صدر الفصل من أنّ الصادر الأوّل أشرف موجودٍ ممكن فلا يكون الصادر من الواجب بلا واسطة ممكنا أخسّ، فعلّة الممكن الأخسّ ممكن آخر أشرف منه؛ فإذن هذا البرهان بضميمة ما تقدّم في صدر الفصل ينتج أنّ الممكن الأخسّ إذا وجد وجب قبله وجود ممكن مّا أشرف من ذلك الأخسّ.
قد عرفت أنّ المستفاد من الحجّتين أنّ كلّ ممكن أخسّ إذا وجد وجب قبله وجود ممكن مّا أشرف من ذلك الأخسّ فتذكرّ.
فإنّ الغاية العاليّة للإنسان مثلاً لو لم تتحقّق للإنسان لكان جعل الإستعداد فيه لغوا و هذا ينافي الحكمة الإلهيّة، ثمّ أنّ الإنسان المتحقّق فيه الغاية الإنسانيّة أشرف من الإنسان المادّيّ الّذي لم يتحقّق فيه الغاية الإنسانيّة. و ما كان أشرف فهو علّة للأخسّ و مقدم وجوده على وجود الأخسّ ـ على ما تقدّم من المصنّف في البرهان الثاني ـ ، فينتج أنّ الإنسان المتحقّق فيه الغاية الإنسانيّة موجود مقدّم على الإنسان الموجود في عالم المادّة، فإذن القاعدة بضميمة البرهان الدالّ على ثبوت الغاية لذويها تثبت أنّ بعض الأنواع المادّيّة إذا وجد وجب أن يكون ما هو أشرف منه و متّحد الماهيّة معه موجودا قبله.
لأنّ بلوغ كلّ فرد مادّيّ إلى كماله العقليّ ممكن أشرف مما بلغ إليه الفرد
المادّيّ، فالبلوغ إلى الكمال العقليّ وجب أن يكون محقّقا قبل المادّيّ قبليّة
ذاتيّة و إن كان مؤخّرا عنه بحسب الظاهر فتدبّر.
و البرهان على وجود هذا العالم ما تقدّم في المرحلة الحادية عشرة من أنّ الصور الجزئيّة المتمثّلة لنفوسنا موجودات مجرّدة خارجيّة و تقدّم أنّ تلك الوجودات ليست بإنشاء النفس (لأنّ النفس قابلة لها و القابل للشي، لايكون فاعلاً له و لأنّ وجوداتها أقوى من وجود النفس، فلا تصدر عن النفس الّتي تكون هي أضعف وجودا منها) فيكون لتلك الصور الجزئيّة المستقلّة عن النفس عالم آخر و هو عالم المثال.
لأنّ تمثله للغير بوجوده لغيره لا بوجوده لنفسه و لا منافات بين كون الشيء واحدا بوجوده النفسيّ و كونه متعدّدا بوجوده القياسيّ و هذا نظير الشبح المرئيّ من بعيد، فإنّ له هيأة واحدة من الشكل و الطول و العرض و غيرها لكن يختلف ظهوره للغير بحسب بعد المسافة و قربها.
أي بما أنّ ظهورها لنفسها قد يخالف ظهورها لغيرها قسّموا المثال إلى خيال منفصل
قائم بنفسه و هو ظهورها لنفسها و إلى خيال متّصل قائم بالنفوس الجزئيّة و هو ظهورها
لنفوسنا.
لما تقدّم(1) من أنّ العالم المادّيّ متحرّك بالحركة الجوهريّة و المتحرك و الحركة في الجواهر المادّيّة شيء واحد، فالعالم المادّيّ عين الحركة فيكون صرف الحركة و صرف الشي واحد لا يتثنّى و لا يتكرّر فالعالم المادّيّ واحد لا يتثنّى و لا يتكرّر.
1. راجع: آخر الفصل الثامن من المرحلة التاسعة.
و هو أنّ علّة المتجدّد يجب أن تكون متجدّدة، فإذن ننقل الكلام إلى تجدّد علّته
و هكذا إلى تجدّد علّة علّته، فيؤدّى ذلك إمّا إلى التسلسل لو ذهبت سلسلة
المتجدّدات إلى غير النهاية، أو إلى الدور لو رجعت إلى المتجدّد الأوّل أو إلى
التغيّر في ذات الواجب لو انتهت إلى الواجب بالذات.
و الجواب ما تقدّم من أنّ معيار الإحتياج إلى العلّة هو الإمكان فبناءا على هذا
نقول: إن كانت نسبة ثبوت التجدّد إلى منعوته الّذي هو المتجدّد بالإمكان، فواضح أنّ
ثبوته لمنعوته يحتاج إلى علّة موجبة كما في الحركات الأينيّة فإنّ ثبوت الحركة من
مكان إلى مكان آخر للجسم ممكن الوقوع و اللاوقوع فيحتاج إلى علّة توجب الوقوع، أمّا
إن كانت نسبة التجدّد إلى منعوته بالوجوب و الضرورة، فواضح أنّ ثبوته لمنعوته
لايحتاج إلى العلّة؛ لأنّ الوجوب و الضرورة ملاك الغناء عن العلّة ـ كما تقدّم في
محلّة ـ و التجدّد بالنسبة إلى الطبيعة الجوهريّة من هذا القبيل، لأنّ تجدّد الجوهر
عين الطبيعة المتجدّدة ـ كما تقدّم ـ فتكون نسبة التجدّد إلى الطبيعة الجوهريّة
عبارة عن نسبة الشيء إلى نفسه و نسبة الشيء إلى نفسه بالوجوب و الضرورة كما هو
واضح، فإذن ثبوت التجدّد للطبيعة الجوهريّة لايحتاج إلى علّة حتّى ينقل الكلام إلى
علّته، فيلزم إمّا التسلسل أو الدور أو التغيّر في الواجب.
قد تقدّم في المرحلة العاشرة أنّ الحدوث منقسم إلى الحدوث الذاتيّ و هو مسبوقيّة الشيء بالعدم المتقرّر في ذاته، و الحدوث الزمانيّ و هو مسبوقيّة الشيء بالعدم الزمانيّ، و الحدوث الدهريّ و هو مسبوقيّة الشيء بعدمه المتقرّر في مرتبة علّته، و الحدوث بالحقّ و هو مسبوقيّة الوجود الرابط بوجود علّته المستقلّة و المصنّف رحمهالله قد بيّن في هذا الفصل أنّ هذه الأقسام موجودة في العالم مطلقا أو في العالم الطبيعيّ.
هذه إشارة إلى الحدوث الدهريّ، فإنّ عدم الشيء بحدّه منتزع من علّته المتقدّمة عليه، فكلّ ماهيّة موجودة مسبوقة بالعدم المتقرّر في مرتبة علّتها فهي حادثة بالحدوث الدهريّ.
أي كان كلّ وجود إمكانيّ حادثا بالحدوث بالحقّ، لأنّ كلّ وجود إمكانيّ رابط بالنسبة إلى وجود الواجب الّذي هو العلّة المستقلّة الحقيقيّة، فالوجود الإمكانيّ الرابط مسبوق بوجود علّته المستقلّة فهو حادث بالحدوث بالحقّ.
أي كلّ قطعة من الحركة مسبوقة بقوّتها (الّتي هي عين الفعليّة السابقة) و قوّة الشيء لا تجامع فعليّته فتنتزع منها عدم فعليّته فكلّ قطعة من الحركة مسبوقة بعدمها الّذي ينتزع من الفعليّة السابقة فهي حادثة بالحدوث الزمانيّ.
قد تقدّم في الفصل الخامس من المرحلة العاشرة بيان سرّ هذه المسألة العويصة
مفصلاً و حاصله: أنّ حدوث الممتدّ ليس في ابتدائه حتّى يقال: انّ ما ليس له
الإبتداء كيف يكون حادثا مسبوقا بالعدم الزمانيّ، بل حدوث الممتدّ في آخره، إذ
الحدوث وصف الوجود و الممتدّ في ابتدائه لم يوجد بعدُ حتّى يتّصف بالحدوث بل يوجد
بعد إنتهائه فهو حادث بعد انتهائه لا عند ابتدائه.
إذا تذكّرت هذا نقول: إنّ مجموع الحركة حادث بالحدوث الزمانيّ لأنّ الحركة أمر
ممتدّ و هذا الأمر الممتدّ و إن لم يكن له بدء لكن لمّا كان هذا المجموع قبل فعليّة
جزئه الأخير معدوما (لأنّ المجموع ينتفي بانتفاء جزئه) كان مسبوقا بالعدم الزمانيّ
المنتزع من مجموع الفعليّات السابقة المحقّقة قبل جزئه الأخير، فهو حادث بالحدوث
الزمانيّ.
لأنّ كلّ مجموع يوجد بوجود جزئه الأخير و الجزء الأخير في كلّ مجموع حادث
بالحدوث الزمانيّ كما تقدّم فكلّ مجموع حادث بنفس حدوث جزئه الأخير.
لأنّ عليّة الواجب لما سواه غير محتاجة في التماميّة إلى شيء آخر وراء ذاته فهو بذاته علّة تامّة لما سواه و المعلول يجب وجوده عند وجود علّته التامّة و لمّا كان ذات الواجب أزليّة دائمة كان فيضه الفائض منه دائما بدوام ذاته و إحسانه الصادر منه قديما بقدم ذاته.
لمّا كان عالم الطبيعة حادثا في كلّ آن بحدوث جزئه الأخير ـ كما تقدّم ـ كان مسبوقا بالعدم الزمانيّ فليس لعالم الطبيعة وجود قبل آن حدوثه، فضلاً عن كونه دائما أزليّا، فإذن فيض الواجب و إن كان دائما أزليّا بدوام ذاته لكن المستفيض و هو عالم الطبيعة حادث في كلّ آن مسبوق بالعدم الزمانيّ.
قالوا: إنّ علوم النفوس الفلكيّة متناهية و الحوادث الّتي بإزائها لابدّ أن تكون غير متناهية، إذ الفيض غير منقطع فوجب تكرار معلوماتها في عالم الكون بحسب الأدوار، فتعود الحركات و الأوضاع الفلكيّة بعد عبور مدّة و هي عند بعضهم ستّة و ثلاثون ألفا و أربعمأة و خمسة و عشرون سنة.
حاصله: أنّ أدوار العالم المادّيّ متشابهة لأنّ الأفلاك ثابتة بأشخاصها، و
العناصر و الأنواع المادّيّة ثابتة بأنواعها نظرا إلى أنّ عللها مفارقة آبية عن
التغيّر، فما في العالم المادّي في أدواره المتعدّدة متشابهة بحسب النوع أو بحسب
الشخص.
و الجواب أنّه لا دليل يدلّ على أنّ العلل المفارقة الثابتة علل تامّة لما في
العالم المادّيّ بل يحتمل أنّ تأثير تلك العلل متوقّفة على شرائط و معدّات مختلفة
في الأدوار المختلفة و اختلافها يوجب اختلاف العناصر و الأنواع الّتي في العالم،
فلا تشابه في أدوار العالم مضافا إلى أنّ هذه الآراء مبنيّة على أصول موضوعة غير
مسلّمة الآن.
* * *
هذا ما أردنا إيراده و وقع الفراغ منه يوم الخميس و هو يوم الثاني و العشرون من
جمادي الثاني من سنة 1413 ق. المطابق لتاريخ 26/9/1371 ش. و الحمدللّه الّذي هدانا
لهذا و ما كنّا لنهتدي لولا ان هدانا اللّه.