دروس تمهيدية في القواعد الرجالية

القسم الثاني

بقلم

باقر الأيرواني

 

اشرف الخلق محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين

 

المدخل

 

إذا أراد الفقيه استنباط حكم معين رجع إلى مصادر التشريع الأربعة ، فإذا ما أراد التعرف على حكم الرياء مثلاً رَجَعَ إلى وسائل الشيعة الباب 12 من أبواب مقدمة العبادات فانه يجد الحر العاملي ينقل حديثاً بالشكل الثاني : «أحمد ابن محمد بن خالد البرقي في المحاسن عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : يقول الله عزّ وجلّ انا خير شريك فمن عمل لي ولغيري فهو لمن عمله غيري» .
ودلالة الرواية الشريفة على بطلان العمل المرآى به وان كانت واضحة إلاّ انه هل يجوز الأخذ بكل رواية أو لا يجوز ذلك إلاّ تحت ظل شروط معينة(1) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) طبيعي استنباط الحكم من رواية يحتاج إلى اُمور ثلاثة : ثبوت الظهور وحجيته وحجية السند كما تقدم في القسم الأول من الكتاب .

وقد اختلفت الأجوبة عن هذا التساؤل . ونحن نذكر بعضها : ـ

 

الآراء في مسألة حجية الخبر1 ـ ان الرواية إذا كانت متواترة أو محفوفة بقرينة قطعية جاز العمل بها و إلاّ فلا . وهذا الرأي منسوب إلى السيد المرتضى وجماعة آخرين .
2 ـ ان الرواية إذا كان قد عمل بها المشهور فهي حجة حتى ولو كانت ضعيفة السند يرويها غير الثقات ، و إذا لم يعمل بها المشهور فهي ليستحجة حتى ولو كانت صحيحة السند يرويها الثقات . وهذا الرأي منسوب إلى المحقق الحلي .
3 ـ ان الرواية إذا كانت موجودة في الكتب الأربعة(1) أخذ بها بلا تأمل في سندها باعتبار ان جميع ما في الكتب الأربعة قطعي الصدور عن الأئمة (عليهم السلام) . وهذا الرأي منسوب إلى بعض الاخباريين .
4 ـ ان الرواية إذا كانت موجودة في الكتب الأربعة اخذ بها بلا تأمل في سندها لا لأن جميع ما في الكتب الأربعة مقطوع الصدور بل لأن جميع ما فيها
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أي الكافي لمحمد بن يعقوب الكليني والاستبصار وتهذيب الأحكام لمحمد بن الحسن المعروف بالشيخ الطوسي وكتاب من لا يحضره الفقيه لمحمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي

معتبر ومقطوع الحجية . ولعل هذا الرأي هو المعروف بين الاخباريين ، بل ولربما يظهر اختياره من بعض الاُصوليين ، فالسيد الخوئي ينقل عن إستاذه الشيخ النائيني (قدس سرهما) انه كان يقول في مجلس درسه «المناقشة في اسناد روايات الكافي حرفة العاجز»(1) .
5 ـ ان رجال سند الرواية إذا كانوا عدولاً فهي حجة و إذا لم يكونوا عدولاً فهي ليست حجة حتى لو كانوا ثقات . وهذا الرأي منسوب إلى صاحب المدارك ، ولربما يظهر من بعض كلمات العلاّمة الحلي أيضاً .
6 ـ ان رجال سند الرواية إذا كانوا ثقات فهي حجة حتى ولو لم يكونوا عدولاً و إذا لم يكونوا ثقات فهي ليست حجة . وهذا الرأي هو المعروف بين المتأخرين من أعلامنا .
أجل هناك اختلاف بين أصحاب هذا الرأي في ان رجال سند الرواية إذالم يكونوا ثقات بَيْدَ ان المشهور قد عمل بها فهل عملهم بها يجبر ضعفهاالسندي أو لا ؟
والمعروف بين الأعلام في الفترة المتقدمة على عصر السيد الخوئي هو التسليم بكبرى الانجبار بينما صار المعروف من عصره انكار ذلك .

 

 ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) معجم رجال الحديث 1 : 87 .

تحقيق ما هو الصحيحوقد تكفل مبحث حجية الخبر من علم الاُصول تحقيق حال هذه الأقوال وبيان ما هو الصحيح منها بعد استعراض ادلتها .
وعلى سبيل الاجمال نقول : ان الصحيح من هذه الأقوال هو القول الأخير ، أي ان الحجة هو خبر الثقة لانعقاد سيرة العقلاء على العمل باخبار الثقات وعدم ردع من قِبَل الشارع عن ذلك فيستكشف الامضاء .

 

الحاجة إلى علم الرجالهناك اختلاف بين الاعلام في أن علم الرجال والرجوع إلى كلمات النجاشي والشيخ الطوسي لتمييز ان هذا ثقة وذاك ضعيف هل هو قضية ضرورية يحتاج الفقيه إليها حاجة ماسة أو ان ذلك قضية يمكن الاستغناء عنها ؟
اختار البعض عدم الحاجة إلى علم الرجال بل لربما مال بعض آخر إلى تحريمه بدعوى ان فيه كشفاً لعورات المؤمنين وان هذا ضعيف لا يؤخذ بحديثه وذاك كذّاب .
ويمكن ربط هذا الاختلاف في الحاجة إلى علم الرجال وعدمها بالأقوال المتقدمة ، فإذا بُني مثلاً على ان الخبر إذا عمل به المشهور فهو حجة حتى ولو لم يكن رواته ثقات فلا حاجة بناء على ذلك إلى علم الرجال إذ المدار على عمل المشهور وليس على وثاقة الراوي ليحتاج إلى تشخيص الوثاقة .
كما وان الحاجة إلى علم الرجال تضعف وان لم تنعدم بشكل كلي فيما إذا

بُني على كبرى انجبار ضعف السند بعمل المشهور ، إذ بناء على هذا الرأيلا تبقى حاجة إلى البحث عن وثاقة الرواة ما دمنا قد فرضنا عمل المشهور بالرواية ، وانما تبقى الحاجة إلى ذلك منحصرة في حدد الخبر الذي لميعمل به المشهور .
وحيث ان الصحيح عندنا حسبما تقدم هو حجية خبر الثقة وعدم كفاية الانجبار إذا لم يبلغ إلى المستوى المورث للاطمئنان بالصدق فتكون الحاجة إلى علم الرجال ثابتة وبشكل ماس .

ودعوى : ان ذلك محرم وفيه كشف لعورات المؤمنين .

مدفوعة : بان ذلك ما دام لغرض أهم ـ وهو تشخيص رواية الثقة وتمييزها عن غيرها ـ فهو مما لا محذور فيه ، كما هو الحال في باب القضاء ، فان جرح الشهود وبيان فسقهم أمر جائز بالاتفاق من باب توقف أمر أهم عليه .

 

عود على بدءذكرنا فيما سبق الرواية التي ينقلها صاحب الوسائل بالشكل التالي : أحمد ابن محمد بن خالد البرقي في المحاسن عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) . . . » .
و إذا أردنا التعرف على ان سند الرواية المذكورة معتبر أو لا فعليناملاحظة أمرين : ـ
أ ـ ملاحظة السند بين البرقي والإمام (عليه السلام) ، فإذا ثبت وثاقة جميع أفراد

السند فلا مشكلة من هذه الناحية .

أما كيف نثبت وثاقة أفراد السند المذكور ؟ يمكن ذلك من خلال تطبيق أحد طرق اثبات الوثاقة التي سنشير إليها بعد قليل .
ب ـ ملاحظة السند بين الحر العاملي والبرقي فانهما ليسا متعاصرين بل يوجد فاصل زمني كبير بينهما ، فإذا ثبتت وثاقة جميع أفراد السند المذكور فلا مشكلة من هذه الناحية أيضاً .
اما كيف نعرف سندَ الحر إلى البرقي أو بتعبير آخر كيف نعرف اسماء الرواة الذين يروي عنهم الحر كتاب البرقي ؟
يمكن ذلك بالبيان التالي : ان للشيخ الطوسي طريقاً إلى كتاب محاسن البرقي اشار له في كتابه الفهرست في ترجمة أحمد بن محمد بن خالد البرقي . وصاحب الوسائل له طرق إلى جميع الكتب التي رواها الشيخ الطوسي ، وقد سجّل تلك الطرق في آخر الوسائل . فاذا ضممنا هذا إلى ذاك فسوف يثبت لنا طريق للحر إلى البرقي .

 

تمرينات

س 1 : إذا أراد الفقيه استنباط حكم من رواية احتاج إلى اثبات ثلاثة أُمور . اذكرها مع بيان نكتة الحاجة إلى كل واحد منها .
س 2 : الخبر اما متواتر أو واحد . ما الفرق بينهما ؟ وايهما الذي اتفقعلى حجيته ؟

س 3 : ما هو رأي السيد المرتضى في باب حجية الخبر ؟

س 4 : اذكر رأي المحقق الحلي في باب حجية الخبر .

س 5 : اذكر الرأي المنسوب إلى الاخباريين في باب الأخبار .

س 6 : ما هو رأي صاحب المدارك في باب الاخبار .

س 7 : ما هو الرأي المعروف بين المتأخرين في باب حجية الخبرس 8 : ما المقصود بكبرى انجبار ضعف السند بالشهرة ؟

س 9 : ما هو رأي الشيخ النائيني في أحاديث كتاب الكافي ؟

س 10 : كيف نستدل على رأي المتأخرين في باب حجية الخبر ؟

س 11 : هل هناك حاجة إلى علم الرجال ؟

س 12 : لماذا حرّم بعضٌ علم الرجال ؟ وكيف ندفع ذلك ؟

؟

س 13 : يمكن ربط الحاجة إلى علم الرجال بالأقوال في مسألة حجية الخبر . أوضح ذلك .
س 14 : إذا أردنا التعرف على سند رواية وهل هو صحيح أو لا فما هي الطريقة التي يلزم اتباعها ؟
س 15 : ذكر صاحب الوسائل في الباب 3 من أبواب مقدمة العبادات رقم 1 حديثاً يرتبط ببيان أهمية العقل ودوره في ثبوت التكليف . هل سند الحديث المذكور صحيح ؟ أوضح ذلك .

س 16 : هل بالامكان التقليد في المباني الرجالية ؟ ولماذا ؟

 

منهجـة أبحاثنا

وبعد اتضاح المقدمة السابقة نأخذ بمنهجة المباحث التي

سنتعرض لها ضمن فصول أربعة : ـ

?الفصل الأول : البحث عما يرتبط بالتوثيق .

?الفصل الثاني : البحث عن أقسام الحديث .

?الفصل الثالث : نظرات بعض كتب الحديث .

?الفصل الرابع : نظرات في بعض الكتب الرجالية .

الفصـل الأول

وحديثنا عن الفصل الأول يقع ضمن نقاط ثلاث : ـ

? النقطة الأولى : البحث عن طرق اثبات وثاقة الراوي .

? النقطة الثانية : البحث عن التوثيقات العامة .

? النقطة الثالثة : البحث عن مدرك حجية قول الرجالي .

النقطة الأولى

طـرق إثبات وثاقة الـراوي

 

وفي مجال بحثنا عن النقطة الأولى نقول : ذُكرت عدة طرق لاثبات وثاقة الراوي(1) انهاها الوحيد البهبهاني إلى تسع وثلاثين طريقاً ، نتعرض إلىالمهم منها وهو : ـ

 

1 ـ نص احد المعصومين (عليهم السلام)

إذا نص المعصوم (عليه السلام) على وثاقة راو معين فلا اشكال في ثبوت الوثاقة بذلك .
وقد جمع الكشي في كتابه المعروف كثيراً من الروايات الواردة في حق
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سيتضح ان بعضها غير تام الطريقية كالثالث والسادس والثامن .

الرواة ، بل ان كتابه المذكور ليس إلاّ جمعاً لتلك الروايات .
مثال ذلك : ما ذكره ـ الكشي ـ في ترجمة محمد بن سنان تحت رقم 965 بسنده المنتهي إلى محمد بن اسماعيل بن بزيع : ان أبا جعفر (عليه السلام) كان يلعن صفوان ابن يحيى ومحمد بن سنان ، فقال انهما خالفا أمري . قال فلما كان من قابل قال أبو جعفر (عليه السلام) لمحمد بن سهل البحراني تولَّ صفوان بن يحيى ومحمد بن سنان فقد رضيت عنهما .
ان رضا الإمام (عليه السلام) عن صفوان ومحمد بن سنان قد يفهم منه الفقيه توثيق الشخصين المذكورين كما هو ليس ببعيد .
وينبغي الالتفات إلى ان الرواية التي تدل على توثيق شخص لا بدَّ وانلا يكون الراوي لها عن المعصوم (عليه السلام) نفس الشخص الذي يراد اثبات وثاقته و إلا كان ذلك أشبه بالدور .
مثال ذلك : ما ذكره الكشي في كتابه تحت رقم 758 في ترجمة علي بن أبي حمزة البطائني ـ الذي وقع الاختلاف الشديد في وثاقته ـ من ان أبا الحسن (عليه السلام) قال له : قد سألتُ الله ان يغفر لك .
ان الرواية المذكورة لا يمكن الاستناد إليها في اثبات وثاقة البطائني لأن الراوي لها عن الإمام (عليه السلام) هو نفسه .
ومن الغريب ما ذهب إليه بعض الأعلام من كفاية مثل ذلك في اثبات التوثيق اما بدعوى ان الشيعي لا يكذب على إمامه ولا ينسب له رواية كاذبة

أو بدعوى ان مثل الرواية المذكورة تفيد الظن بالوثاقة ، والظن حجة فيباب التوثيقات .
وممن يظهر منه تبني هذا المسلك المحدث النوري في ترجمة عمران ابن عبد الله القمي ، فانه قال ما لفظه : «روى الكشي خبرين فيهما مدح عظيملا يضر ضعف سندهما بعد حصول الظن منهما»(1) .
ويرد على الدعوى الأولى ان الإمامي غير الملتزم بخط الشريعة لا مانع له من الكذب على إمامه ، واقصى ما يحصل هو الظن بعدم صدور الكذب منه ، ومطلق الظن ليس حجة .
كما ويرد على الدعوى الثانية ان اثبات حجية الظن في باب التوثيقات يحتاج إلى دليل ، وهو مفقود .
2 ـ نص بعض الرجاليين المتقدمين الرجالي الذي يقوم بالتوثيق والتضعيف تارة يكون من المتقدمين كالنجاشي والشيخ الطوسي وأُخرى يكون من المتأخرين كالعلاّمة وابن طاووس .
والذي يراد الإشارة له الآن هو نص بعض الرجاليين المتقدمين على وثاقة شخص ، واما نص بعض المتأخرين فتأتي الإشارة له فيما بعد ان شاء الله تعالى .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) معجم رجال الحديث 1 : 39 .

والوجه في حجية توثيق المتقدمين ـ على ما قيل ـ هو ان مثل النجاشي ثقة ، وحيث ان خبر الثقة حجة بالسيرة العقلائية الممضاة من قبل الشارع بسبب عدم الردع فتثبت حجية توثيق مثل النجاشي .
والإخبار عن الوثاقة وان كان إخباراً عن موضوع من الموضوعات(1)وليس اخباراً عن حكم شرعي إلاّ ان دليل حجية خبر الثقة ـ وهو السيرة العقلائية  ـ عام للإخبار عن الموضوع أيضاً خلافاً لبعض حيث اختار اختصاص الحجية بما إذا كان الإخبار عن حكم .
لا يقال : إن خبر الثقة وان كان حجة بالسيرة العقلائية إلاّ ان ذلك فيما إذا كان الإخبار اخباراً عن حس دون ما إذا كان عن حدس واجتهاد ، ومن الواضح ان النجاشي حينما يوثّق زرارة مثلاً فحيث انه ليس معاصراً له كان اخباره عن وثاقته إخباراً عن حدس لا عن حس .
فانه يقال : إن النجاشي وان لم يكن معاصراً لزرارة إلاّ ان إخباره عن وثاقته يحتمل كونه إخباراً عن حس ، ومع احتمال كونه عن حس يلزم البناء على ذلك ـ أي كونه اخباراً عن حس ـ لإصالة الحس العقلائية عند دوران الإخبار بين كونه عن حس أو عن حدس .

اذن لنا دعويان لا بدَّ من اثباتهما : ـ

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فان وثاقة الراوي موضوع للحكم بوجوب تصديقه شرعاً ، فالحكم الشرعي هو وجوب التصديق ، والوثاقة موضوع له .

احداهما : ان إخبار النجاشي عن وثاقة زرارة يحتمل كونه عن حس .
ثانيتهما : لا بدَّ من البناء على الحس عند الدوران بينه وبين الحدس .
اما بالنسبة إلى الدعوى الأولى فيمكن ان يقال في اثباتها ان مجرد عدم المعاصرة الزمنية بين زرارة والنجاشي لا يستلزم كون اخباره عن وثاقته إخباراً عن حدس ، فنحن نخبر عن وثاقة الشيخ الطوسي والأنصاري والآخوند الخراساني ونظائرهم من علمائنا المتقدمين ، ولكن هل ان اخبارنا عن ذلك اخبار عن حدس ؟ كلا انه اخبار عن حسن ، فان وثاقة امثال هؤلاء الأعلام واضحة في زماننا كوضوح الشمس في رابعة النهار . ونفس الشي يمكن ان نقوله في توثيق النجاشي لزرارة فان الكتب الرجالية المعدَّة للتوثيق والتضعيف كانت كثيرة في الفترة التي عاشها النجاشي والشيخ الطوسي وحصل الوضوح نتيجة تلك الكتب .
ولعل أول من تصدَّى للتأليف في هذا المجال هو الحسن بن محبوب الراوي الجليل حيث ألفَّ كتابه المعروف بالمشيخة(1) وتلته كتب أخرى على ذلك المنوال .
وقد تصدى الشيخ أغا بزرك الطهراني (قدس سره) بجمع من الَّف في المجال المذكور في كتاب سماه بمصفى المقال ذكر فيه ما يزيد على مائة تأليف .
ومما يؤكد ما نقول تعبير الشيخ الطوسي في عدته حيث قال : «انا وجدنا
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) على وزن مفعلة . وهو جمع شيخ .

الطائفة ميزت الرجال الناقلة لهذه الأخبار فوثقت الثقات منهم وضعفت الضعفاء . . . وصنفوا في ذلك الكتب . . .» .
والنجاشي يعبر احياناً في ترجمة بعض الرواة ويقول : «ذكره اصحاب الرجال» .
واما بالنسبة إلى الدعوى الثانية فيمكن ان نقول في اثباتها ان العقلاء إذا اخبرهم ثقة بخبر فلا يأخذون بالتدقيق معه وان اخبارك عن حس أو عن حدس بل مادام يحتمل نشوؤه عن حس فهم يبنون عليه .

هكذا قيل في توجيه توثيقات المتقدمين(1) .

 

اشكال وجوابومن خلال ما ذكرناه يتضح اندفاع الاشكالين التاليين : ـ
1 ـ ما افاده الشيخ فخر الدين الطريحي في كتابه المعروف بتمييز المشتركات حيث ذكر ان توثيقات المتقدمين بما انها مبنية على الحدس دون الحس فيشكل الاعتماد عليها .
والجواب : ان احتمال نشوئها عن حس موجود للبيان المتقدم ، وبضم اصالة الحس العقلائية يتعين الحكم بكون منشأها الحس .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع معجم رجال الحديث 1 : 41 .

2 ـ ما اشير إليه في كثير من الكلمات من ان توثيقات المتقدمين وانسلم نشوئها عن حس ومن باب نقل ثقة عن ثقة وكابر عن كابر إلاّ ان النجاشي مثلاً حينما يوثق شخصاً لا يذكر اسماء سلسلة من يستند إليه في نقل التوثيق ،ومع عدم ذكره لاسمائهم يكون اخباره عن الوثاقة بمثابة الخبر المرسل ، وهو ليس حجة .
وان شئت قلت : ان النجاشي نفسه لو كان ينقل حكماً شرعياً عن الإمام بواسطة سلسلة من الثقات من دون اشارة لأسمائهم فهل يقبل نقله ؟ كلابل يكون اخباره مرسلاً وساقطاً عن الحجية لاحتمال ان احد رجال السندله جارح .
فاذا كان اخبار النجاشي لا يقبل في باب الأحكام إذا كان مرسلاً ومن دون تصريح باسم السلسلة فيلزم ان لا يقبل إذا نقل الوثاقة بشكل مرسل أيضاً لعدم الفرق .
وهذا الاشكال ظريف وقوي حتى قال البعض ان من قدَّم لي حلاً له قدَّمت له جائزة وكنت له شاكراً (1) .
والجواب عنه على ضوء ما تقدم : ان وثاقة امثال هؤلاء يمكن ان تكون واضحة كوضوح وثاقة الشيخ الأنصاري والآخوند عندنا ، ومع هذا الوضوح
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع كتاب بحوث في علم الرجال للمحسني : ص 45 .

لا تكون شهادة النجاشي بوثاقة زرارة اخباراً عن حدس حتى يرد الاشكال بلزوم رفضها لاستنادها إلى الحدس كما ولا تكون من باب اخبار شخص عن شخص ليكون اخباراً مرسلاً بعد جهالة الواسطة بل لشق ثالث غيرهما وهو الوضوح فيندفع الاشكال .
و إذا قيل بان الوضوح لا يمكن ان يكون هو المنشأ للإِخبار و إلاّ فكيف نفسر الاختلاف الحاصل بين الشيخ والنجاشي في بعض الحالات فالشيخ قد يوثّق شخصاً والنجاشي يضعفه أو بالعكس .
كان الجواب : ان هذا الاختلاف لا يدل على عدم الوضوح ، ففي زماننا هذا قد أختلف انا وأنت في شخص معين معاصر لنا فأحدنا يوثقه والآخر يفسقه وكل منا يرى وضوح ما يدعيه .
هذا ما قيل في دفع الاشكال المذكور ونعود ان شاء الله تعالى له ثانيةعند التحدث عن النقطة الثالثة المتكفلة للبحث عن الوجه في حجية قولالرجالي .

 

3 ـ نص أحد الأعلام المتأخرين وقع الاختلاف بين الأعلام في ان توثيقات المتأخرين ـ كالعلاّمة وابن طاووس وابن داود والشهيد الثاني ـ هل هي مقبولة أو لا ؟ المعروف قبولهاإلاّ ان البعض كالسيد الخوئي وآخرين اختاروا العدم . ولكل من الرأيينتوجيهه الخاص .

توجيه عدم حجية توثيقات المتأخريناما من رفض قبول توثيقات المتأخرين فاستدل على ذلك بان توثيقات مثل العلاّمة لا تخلو من احد أمرين فاما هي مستندة إلى توثيقات المتقدمينلو كان لهم توثيق أو هي مستندة إلى الحدس والاجتهاد لو لم يكن للمتقدمين توثيق ، وليست هي ناشئة من الحس والعثور على بعض الكتب الرجالية التي لم يعثر عليها المتقدمون .
والوجه في عدم نشوؤه عن حس : ان السلسلة قد انقطعت بعد الشيخ الطوسي ، واصبح كل من ينقل من بعد زمان الشيخ الطوسي شيئاً من التوثيق أو التضعيف معتمداً على الشيخ نفسه .
ومما يؤكد ما نقول ان المتأخرين لو كان لهم طريق وسلسلة لا تمرُّ بالشيخ الطوسي لذكروا ذلك الطريق والحال انا نجد ان كل ما لديهم من طرق تمرُّ بالشيخ الطوسي ، فالعلاّمة الحلي في اجازته الكبيرة لبني زهرة(1) يذكر طرقه إلى جميع الكتب التي ينقل عنها وجميعها ينتهي إلى الشيخ الطوسي (قدس سره) .
وهذا مما يدلل على عدم وجود طريق مستقل للعلاّمة يغاير طريق الشيخ الطوسي .
هذا مضافاً إلى استبعاد وجود طريق مستقل للمتأخرين لا يمر بالشيخ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) والتي ينقلها المجلسي في بحاره في مجلد الاجازات .

الطوسي فانه لو كان لا طلع عليه الشيخ نفسه .

 

توجيه قبول توثيقات المتأخرينوفي مقابل ما تقدم استدل اصحاب الرأي الآخر بان من المحتمل قوياً عثور مثل العلاّمة على بعض الكتب التي يذكر فيها توثيق بعض الرواة لم تصل بيد الشيخ والنجاشي ، فكم عثر المتأخرون على ما لم يعثر عليه المتقدمون .
فهذا ابن ادريس قد عثر على بعض الاُصول الاربعمائة واستخرج منها بعض الأحاديث والفَّ منها القسم الأخير من كتابه المسمى بمستطرفات السرائر .
والسيد رضي الدين ابن طاووس عثر على قسم آخر منها وسجل بعض ذلك في كتابه المسمى بكشف المحجة .
وفي عصرنا الأخير عثر السيد محمد الحجة المعروف بالسيد الكوهكمري على ستة عشر اصلاً قام بطبعها تحت عنوان الاُصول الستة عشر .
وينقل الشيخ النائيني في اجود التقريرات ج2 ص93 انه كان عند المحدث الشيخ ميرزا حسين النوري ما يقرب من خمسين اصلاً .
و إذا كان هذا ثابتاً في الاُصول الأربعمائة فمن الممكن حصولمثله في الكتب الرجالية أيضاً فيعثر على بعضها المتأخرون دونالمتقدمين .
واما دعوى انه لو كان هناك طريق للمتأخرين إلى تلك التوثيقات لا يمرُّ بالشيخ الطوسي لكان نفس الشيخ الطوسي مطلعاً عليه فهي مدفوعة بان لازم ما

ذكر الاشكال في توثيقات الشيخ نفسه لبعض الرواة إذا وثّقهم هو فقط دون النجاشي أو بالعكس ، فانه لو كان هناك طريق قد عثر عليه أحدهما فمن اللازم اطلاع الثاني عليه .

 

الصحيح من الرأيين والصحيح في نظرنا هو الرأي المنكر لحجية توثيقات المتأخرين .
ونركز حديثنا حول توثيقات العلاّمة الحلي الذي هو أهم المتأخرين في هذا المجال ، ومن خلال ذلك يتضح الحال في توثيقات غيره من المتأخرين .
وفي البداية نلفت النظر إلى ان الموارد التي اختص فيها العلاّمة بالتوثيق من دون مشاركة الشيخ الطوسي أو النجاشي اياه نادرة جداً .
وعليه فثمرة هذا البحث تختص بهذه الموارد النادرة ، إذ في موارد الاشتراك يحكم بالتوثيق من جهة شهادة الشيخ أو النجاشي بلا حاجة إلى التشبث بتوثيق العلاّمة .
والوجه في عدم حجية توثيقات العلاّمة : ان الاعتماد على شهادته اما من جهة جريان اصالة الحس في حقه بعد احتمال استناده إلى الحس أو من جهة كونه من أهل الخبرة . وكلاهما قابل للتأمل .
اما الأول : فلعدم الجزم بانعقاد سيرة العقلاء على الاعتماد على اصالة الحس في حق مثل العلاّمة الذي تلّوح كثير من كلماته اعتماده على الحدسفي التوثيق .

وعلى سبيل المثال نراه في ترجمة إبراهيم بن هاشم يقول : «لم اقف لأحد من أصحابنا على قول في القدح فيه ولا على تعديله بالتنصيص . والروايات عنه كثيرة . والارجح قبول قوله» .
ان التعبير بجملة «والأرجح قبول قوله» بعد اعترافه بخلو الكتب الرجالية من التوثيق يدل على اعمال الحدس والاجتهاد .
ويقول في ترجمة إبراهيم بن سليمان بن عبد الله «ضعّفه ابن الغضائري . . . والنجاشي وثّقه كالشيخ فيحنئذ يقوى عندي العمل بما يرويه» .
ان تعبيره بـ «يقوى . . .» بعد اعترافه بتعارض الجرح والتعديل يدل على اعماله الاجتهاد والحدس .
ويقول في ترجمة اسماعيل بن مهران : «والأقوى عندي قبول روايته لشهادة الشيخ ابي جعفر الطوسي والنجاشي له بالثقة» .
وفي ترجمة ادريس بن زياد يقول : «الأقرب عندي قبول روايته لتعديل النجاشي له . وقول ابن الغضائري لا يعارضه لأنه لم يجرحه في نفسه ولا طعن في عدالته» .
وفي ترجمة أحمد بن اسماعيل بن سمكة يقول : «لم ينص علماؤنا عليه بتعديل ولم يرد فيه جرح ، فالأقوى قبول روايته مع سلامتها عن المعارض» .
إلى غير ذلك من الموارد التي هي ظاهرة في اعماله الاجتهاد والنظر كما نعمل نحن ذلك في توثيق بعض الرواة .

واما الثاني : وهو الاعتماد عليه من باب كونه من أهل الخبرة ـ فلانا لا  نسلم بزيادة خبروية العلاّمة علينا بدرجة تصحح صدق عنوان أهل الخبرة عليه ، فان العنوان المذكور انما يصدق على الشخص فما لو غاص في الكتب والمكتبات وتوصل إلى ما لم نتوصل إليه ، اما إذا نظر إلى مقدار محدود من الكتب لا يزيد على ما وصل الينا ـ غايته اعمل رأيه كما نعمل نحن رأينا احياناً ـ فلا يصدق عليه ذلك ، فهل من الحق ان نحكم بخبروية العلاّمة حينما اعتمد على إبراهيم بن هاشم عندما قال : «لم اقف لأحد . . . والأرجح قبول قوله» أو حينما اعتمد على إبراهيم بن سلامة حينما قال : «وكيل من أصحاب الكاظم (عليه السلام) لم يقل فيه الشيخ غير ذلك . والأقوى عندي قبول روايته» .
ان العلاّمة غالباً ما وبدرجة 90% يعتمد على توثيقات الشيخ النجاشي ، وفي غيرها يعتمد على اعمال الحدس ، ومثل ذلك لا يصحح صدق الخبروية عليه لأننا نملك ذلك أيضاً دون أي فارق .
و إذا قيل بان العلاّمة كانت عنده كتب رجالية لا نملكها نحن من قبيل رجال ابن الغضائري أو رجال العقيقي أو رجال ابن عقدة فكيف لا تكون لهميزة علينا .
كان الجواب ان وصول مثل الكتب المذكورة للعلاّمة غير مهم ، لأن رجال ابن الغضائري لا نطمئن بوصول نسخة صحيحة وبطريق معتبر إليه ، كيف والشيخ الطوسي ينقل في مقدمة الفهرست ص 2 ان ابن الغضائري قد «عمل كتابين أحدهما ذكر فيه المصنفات والآخر ذكر فيه الاُصول واستوفاهما على مبلغ ما

واما الثاني : وهو الاعتماد عليه من باب كونه من أهل الخبرة ـ فلانا لا  نسلم بزيادة خبروية العلاّمة علينا بدرجة تصحح صدق عنوان أهل الخبرة عليه ، فان العنوان المذكور انما يصدق على الشخص فما لو غاص في الكتب والمكتبات وتوصل إلى ما لم نتوصل إليه ، اما إذا نظر إلى مقدار محدود من الكتب لا يزيد على ما وصل الينا ـ غايته اعمل رأيه كما نعمل نحن رأينا احياناً ـ فلا يصدق عليه ذلك ، فهل من الحق ان نحكم بخبروية العلاّمة حينما اعتمد على إبراهيم بن هاشم عندما قال : «لم اقف لأحد . . . والأرجح قبول قوله» أو حينما اعتمد على إبراهيم بن سلامة حينما قال : «وكيل من أصحاب الكاظم (عليه السلام) لم يقل فيه الشيخ غير ذلك . والأقوى عندي قبول روايته» .
ان العلاّمة غالباً ما وبدرجة 90% يعتمد على توثيقات الشيخ النجاشي ، وفي غيرها يعتمد على اعمال الحدس ، ومثل ذلك لا يصحح صدق الخبروية عليه لأننا نملك ذلك أيضاً دون أي فارق .
و إذا قيل بان العلاّمة كانت عنده كتب رجالية لا نملكها نحن من قبيل رجال ابن الغضائري أو رجال العقيقي أو رجال ابن عقدة فكيف لا تكون لهميزة علينا .
كان الجواب ان وصول مثل الكتب المذكورة للعلاّمة غير مهم ، لأن رجال ابن الغضائري لا نطمئن بوصول نسخة صحيحة وبطريق معتبر إليه ، كيف والشيخ الطوسي ينقل في مقدمة الفهرست ص 2 ان ابن الغضائري قد «عمل كتابين أحدهما ذكر فيه المصنفات والآخر ذكر فيه الاُصول واستوفاهما على مبلغ ما

ان حكمه بارجحية قبول قوله لا يتم إلاّ بناء على أصالة العدالة وثبوتها في حق من لم يرد في حقه ضعف ولا توثيق .
2 ـ ما ذكره في ترجمة أحمد بن إسماعيل بن سمكة ص 17 حيث قال ما نصه : «ولم ينص علماؤنا عليه بتعديل ، ولم يرد فيه جرح ، فالأقوى قبول روايته مع سلامتها عن المعارض» .
أقول : لعل أول من عُرف بتبنيه لأصالة العدالة هو ابن الجنيد ، فان الشيخ الأعظم في رسالة العدالة الملحقة بآخر المكاسب وفي ص 326 ذكر ان أحد معاني العدالة كونها بمعنى الإسلام وعدم ظهور الفسق حيث قال : وهو المحكي عن ابن الجنيد والمفيد في كتاب الاشراف والشيخ في الخلاف مدعياً عليه الاجماع .
هذا وعبارة العلاّمة في الموضعين المذكورين ليست صريحة في الاستناد إلى اصالة العدالة . وله عبائر اُخرى اوضح تدل على عدم اعتقاده باصالةالعدالة نذكر منها : ـ
قوله في ترجمة اسماعيل بن الخطاب ص 10 بعد ان ذكر ورود رواية يترحم فيها الإمام (عليه السلام) على إسماعيل بقوله رحم الله اسماعيل بن الخطاب : «ولم يثبت عندي صحة هذا الخبر ولا بطلانه فالاقوى الوقف في روايته» .

فلو كان يبني على أصالة العدالة فلماذا الوقف في روايته .

وقوله في ترجمة أحمد بن حمزة ص 18 : «روى الكشي عن حمدويه عن

اشياخه قال كان في عداد الوزراء ، وهذا لا يثبت عندي عدالته» .
وقوله في ترجمة بشير النبال ص 25 : «روى الكشي حديثا . . . ليس صريحاً في تعديله فانا في روايته متوقف» .
وقوله في ترجمة ثوير بن أبي فاخته ص 30 بعد نقل حديث في حقه : «وهذا لا يقتضي مدحاً ولا قدحاً فنحن في روايته من المتوقفين» .
إلى غير ذلك من الموارد التي يمكن العثور عليها بالتتبع في كلماته .
بل ان منهجته الخاصة لكتابه تدل على عدم اعتقاده باصالة العدالة حيث قسم كتابه إلى قسمين ففي القسم الأول يذكر من يعتمد على روايته وفي القسم الثاني يذكر من لا يعتمد على روايته اما لثبوت ضعفه عنده أو للاختلاف في توثيقه وتضعيفه أو لكونه مجهولاً عنده .
انه بناء على اعتقاده باصالة العدالة لا معنى لذكره مجهول الحال في القسم الثاني الذي خصصه لمن لا يعتمد على روايته بل لا بدَّ من ذكره في القسم الأول .

 

تمرينات

س 1 : طرق اثبات الوثاقة على قسمين بعضها يمكن بيانها في ضابط معين وبعضها لا يمكن فيه ذلك . اذكر بعض الامثلة لكل واحد من القسمين مع توضيح نكتة امكان بيان هذه في ضابط معين وعدم امكان بيان تلك .

س 2 : هل عنوان طرق اثبات الوثاقة يلازم كونها حجة ؟

س 3 : نص المعصوم (عليه السلام) على وثاقة شخص طريق لاثبات الوثاقة بَيْد ان ذلك ليس على اطلاقه بل بشرط . اذكر ذلك الشرط .
س 4 : تنازل بعض عن ذلك الشرط . اذكر وجه تنازله وكيفية مناقشته .
س 5 : نص أحد الرجاليين القدامى دليل على الوثاقة بخلاف نص المتأخرين . اذكر المقصود من المتقدمين والمتأخرين .

س 6 : ما هو الوجه في حجية نص احد المتقدمين على الوثاقة ؟

س 7 : اخبار الثقة تارة يكون في الموضوعات واُخرى في الأحكام . أوضح المقصود من ذلك .
س 8 : الاِخبار عن الوثاقة هل هو اخبار عن الحكم أو عن الموضوع ؟ ولماذا ؟

س 9 : ما المقصود من أصالة الحس ؟ وكيف يستدل عليها ؟

س 10 : هل خبر الثقة حجة إذا كان ناشئاً من الحدس ؟ ولماذا ؟

س 11 : النجاشي إذا لم يكن معاصراً لزرارة فكيف نقبل توثيقه له والحال ان شرط القبول كون الاِخبار ناشئاً عن الحس وهو مفقود في حالة عدم المعاصرة ؟
س 12 : ما هو اشكال الشيخ فخر الدين الطريحي على توثيقات القدماء ؟
س 13 : اُشكل على توثيقات القدماء بكونها مرسلة . أوضح الاشكال المذكور وكيفية دفعه .

س 14 : ما هو توجيه عدم حجية توثيقات المتأخرين ؟

س 15 : ما هو دليل القائل بحجية توثيقات المتأخرين ؟ وكيف يناقش ؟

س 16 : لماذا لا تجري أصالة الحس في توثيقات العلاّمة ؟

س 17 : إذا قيل بحجية توثيقات العلاّمة من باب كونه من أهل الخبرة فكيف ندفع ذلك ؟
س 18 : هل يمكن الاعتماد على نقل العلاّمة عن كتاب ابن الغضائري ؟ س 19 : هل يمكن الاعتماد على نقل العلاّمة عن السيد العقيقي ؟ ولماذا ؟
س 20 : لماذا لا تظهر الفائدة في نقل العلاّمة عن رجال ابن عقدةس 21 : ما المقصود من أصالة العدالة ؟ وكيف يوجه استناد العلاّمة إليها ؟

س 22 : كيف تدفع الشواهد على استناد العلاّمة إلى أصالة العدالة ؟

؟

س 23 : هل سند حديث 1 باب 17 من أبواب مقدمة العبادات في وسائل الشيعة صحيح ؟

 

تطبيقات عملية

 

1 ـ قال الحر العاملي في كتابه وسائل الشيعة في أول حديث ذكره بعد المقدمة ما نصه : محمد بن يعقوب الكليني (رضي الله عنه) عن ابي علي الأشعري عن الحسن ابن علي الكوفي عن عباس بن عامر عن إبان بن عثمان عن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر (عليه السلام) : بُني الإسلام على خمس : على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية .
ان الحديث المذكور ينقله الحرُّ العاملي من كتاب الكافي بقرينة قوله محمد ابن يعقوب الكليني .

وللتعرف على صحة السند المذكور لا بدَّ من دراسة رجاله .

أما محمد بن يعقوب الكليني فهو غني عن التعريف وكالشمس في رابعة النهار إلاّ انه لمزيد الاطلاع نذكر مقالة النجاشي في حقه : «شيخ اصحابنا في وقته بالري ووجههم ، وكان اوثق الناس في الحديث واثبتهم . صنف الكتاب الكبير المعروف بالكليني يسمى الكافي(1) في عشرين سنة . . . كنت اتردد إلى المسجد وجماعة من اصحابنا يقرأون كتاب الكافي على ابي الحسين أحمد بن محمد
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هكذا العبارة في رجال النجاشي . والظاهر وجود خلل فيها .

الكوفي الكاتب . . .»(1) .

واما أبو علي الأشعري فهو كنية لأحمد بن ادريس شيخ الكليني الذي يروي عنه في الكافي كثيراً . قال عنه النجاشي : «كان ثقة فقيهاً في اصحابنا كثير الحديث صحيح الرواية» . ونفس المضمون ذكره الشيخ الطوسي(2) .
واما الحسن بن علي الكوفي فهو الحسن بن علي بن عبد الله بن المغيرة البجلي . قال النجاشي عنه : «ثقة ثقة»(3) .
واما العباس بن عامر فقد قال عنه النجاشي : «الشيخ الصدوق الثقة كثير الحديث»(4) .
واما أبان بن عثمان فقد ذكره النجاشي والشيخ ولكنهما لم يوثقاه بَيْد انه يمكن اثبات وثاقته من خلال دعوى الكشي اجماع الطائفة على وثاقة ستة من
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) معجم رجال الحديث 18 : 50 .
(2) معجم رجال الحديث 2 : 41 .
وينبغي الالتفات إلى انه يكفينا توثيق أحد العلمين : النجاشي أو الشيخ ، ولا يلزم ثبوت توثيقهما معاً لجريان السيرة العقلائية على الاكتفاء بتوثيق الواحد في اثبات الوثاقة . أجل توثيق أحد العلمين يكفي بشرط عدم تضعيف الآخر و إلاّ سقط .
(3) معجم رجال الحديث 5 : 41 .
(4) المصدر السابق 9 : 227 .

أصحاب الصادق (عليه السلام) أحدهم أبان بن عثمان ، حيث عقد عنواناً بالشكل التالي : تسمية الفقهاء من اصحاب أبي عبد الله (عليه السلام) ثم قال : «اجمعت العصابة(1) على تصحيح ما يصح(2) عن هؤلاء وتصديقهم لما يقولون واقروا لهم بالفقه : جميل بن دراج وعبد الله بن مسكان وعبد الله بن بكير وحماد بن عثمان وحماد بن عيسى وأبان بن عثمان»(3) .
وتقريب حجية الاجماع المذكور ان يقال : ان الاجماع المذكور إذا كان حقاً وثابتاً في الواقع فهو دليل على وثاقة هؤلاء ، و إذا لم يكن ثابتاً واقعاً فيمكن ان يقال ان نفس دعوى الكشي الاجماع المذكور تستبطن شهادة ضمنية منه على وثاقة الستة المذكورة .
و إذا قيل ان قيام الاجماع على تصحيح رواية هؤلاء لا يستلزم الاجماع على الوثاقة ، لأن تصحيح الرواية يعني قبولها ، وقبول الرواية من شخص لا يعني توثيقه ، إذ لعلها تقبل من باب احتفافها بقرائن خاصة أوجبت العلم بصدقها .
كان الجواب ان هذا وجبه فيما لو انعقد الاجماع على قبول رواية معينة لشخص ، اما إذا انعقد على قبول جميع رواياته فذلك يساوق الحكم بوثاقته .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أي جماعة الشيعة .
(2) أي على عدِّ الخبر مقبولاً إذا ثبت وروده عن هؤلاء .
(3) معجم رجال الحديث 1 : 157 .

واما الفضيل بن يسار فقد وثّقه الشيخ والنجاشي . وقد روى الكشي في حقه جملة من الأحاديث منها ان الإمام الصادق (عليه السلام) كان إذا رأى الفضيل يقول : «بشر المخبتين . من أحبّ ان يرى رجلاً من أهل الجنة فلينظر إلى هذا» . وفي رواية اُخرى كان (عليه السلام) إذا رآه يقول : «مرحباً بمن تأنس به الأرض» .
وينقل عن الشخص المتصدي لتغسيل الفضيل عند موته إنه كان يقول : اني لاغسل الفضيل وان يده لتسبقني إلى عورته فخبّرت بذلك أبا عبد الله (عليه السلام) فقال لي رحم الله الفضيل بن يسار وهو منّا أهل البيت»(1) .
ومن خلال هذا كله يتضح ان جميع رجال السند ثقات وان الرواية حجة .
2 ـ والرواية الثانية نقلها الحرُّ العاملي بهذا الشكل : وعن علي بن إبراهيم عن ابيه وعبد الله بن الصلت جميعاً عن حماد بن عيسى عن حريز بن عبد الله عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : بني الإسلام . . .
والرواية المذكورة ينقلها الحرُّ عن الكافي بقرينة ابتداء السند بعلي بن إبراهيم ، فان الكليني هو الذي يروي في الكافي عن علي بن إبراهيم .
وعلي بن إبراهيم هو صاحب التفسير المعروف بتفسير القمي ، وهو غني عن التعريف . وقد قال النجاشي في حقه : «ثقة في الحديث ثبت معتمد صحيح
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) معجم رجال الحديث 13 : 335 .

المذهب . . . »(1) .

ويكفي في اثبات وثاقته ان الكليني قد نقل ما يقرب من ثلث روايات الكافي عنه ، ونحن لا نحتمل ان الكليني ينقل ثلث روايات كتابه عن شخصلا يعتقد بوثاقته ، انه ليس من شأن العاقل ذلك .
واما والد علي المعروف بإبراهيم بن هاشم فقد أكثر ولده النقل عنه ، وقد ذكره النجاشي والشيخ من دون توثيق . وغاية ما ذكرا في حقه انه كوفي انتقل إلى قم واصحابنا يقولون انه أول من نشر حديث الكوفيين بقم .
وقد استفيد من هذا التعبير مدح الرجل دون توثيقه ، ومن هنا تعدُّ الرواية التي يرد في سندها حسنة لا صحيحة(2) .
وقد تمسّك السيد الخوئي (قدس سره)لاثبات وثاقته برواية ولده عنه في تفسيره وقد قال ـ ولده ـ في مقدمة التفسير انه يروي تفسيره عن الثقات كما وتمسك لاثبات توثيقه بوروده في اسناد كامل الزيارات الذي شهد مؤلفه جعفر بن محمد ابن قولويه في المقدمة بوثاقة جميع من ورد اسمه فيه .
وهذا طريق جيد لمن يعتقد بالمبنى المذكور ، ولكن سيأتي منّا عند البحث عن التوثيقات العامة المناقشة في ذلك .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصدر السابق 11 : 193 .
(2) الحسنة هي الرواية التي يكون جميع رجال سندها أو بعضهم امامية ممدوحين بلا تعديل

والأنسب في نظرنا لاثبات توثيقه ان يقال : ـ

أ ـ ان نشر حديث الكوفيين في مدرسة قم المعروفة بالتشدد لا نحتمل امكان تحقيقه إلاّ من رجل جدير بقبول الأحاديث منه ، وهو ليس إلاّ من كان ثقة بل في أعلى درجاتها . وهل يحتمل قبول الأحاديث في أجواء تلك المدرسة المتشددة من شخص لم تثبت وثاقته .
ب ـ ان ولده قد أكثر الرواية عنه جدا ، ونحن لا نحتمل ان هذا الاكثار قد تحقق بالرغم من عدم الاعتقاد بالوثاقة .
واما عبدالله بن الصلت فقد قال عنه النجاشي:«ثقة مسكون إلى روايته»(1) .
وينبغي الالتفات إلى انه يكفينا وثاقة أحد الرجلين ـ أي إبراهيم بن هاشم أو عبد الله بن الصلت ـ ولا يلزم ثبوت وثاقتهما معاً وان كانا صدفة ثقتين .
واما حماد بن عيسى فهو الجهني غريق الجحفة . قال النجاشي عنه : «كان ثقة في حديثه صدوقا»(2) . وقد طلب من الإمام الكاظم (عليه السلام) ان يدعو له بان يرزقه الله داراً وزوجة وولداً وخادماً والحج كل سنة فقال (عليه السلام) : اللهم صلِ على محمد وآل محمد وارزقه داراً وزوجة وولداً وخادماً والحج خمسين سنة . قال حماد فلما اشترط خمسين سنة علمت اني لا أحج أكثر من خمسين سنة ، فقال حماد
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) معجم رجال الحديث 10 : 222 .
(2) معجم رجال الحديث 6 : 224 .

وحججت ثماني واربعين سنة ، وهذه داري قد رزقتها وهذه زوجتي وراء الستر تسمع كلامي وهذا ابني وهذا خادمي وقد رزقت كل ذلك . وحَحَ بعد ذلك حجتين تمام الخمسين ثم خرج بعد الخمسين حاجاً فلما صار في موضع الاحرام دخل يغتسل فجاء الوادي فحمله فغرق رحمه الله تعالى(1) .
واما حريز بن عبد الله فهو السجستاني . قال عنه الشيخ : «ثقة كوفي»(2) .
وقد قيل في سبب قتل حريز انه كان يسكن سجستان مع أصحاب له وكان الغالب على البلد المذكور الشراة(3) ، وكانوا يسمعون منهم ثلبَ أمير المؤمنين (عليه السلام)وسبه فيخبرون حريزاً ويستأمرونه في قتل من يسمعون منه ذلك فاذن لهم ، فلا يزال الشراة يجدون منهم القتيل بعد القتيل ولا يحتملون صدور ذلك من الشيعة لقلة عددهم وكانوا يتهمون المرجئة ويقاتلونهم ، ولما وقفوا على حقيقة الأمر اخذوا في طلب الشيعة فاجتمع حريز واصحابه في المسجد فعرقبوا عليهم المسجد وقلبوا أرضه عليهم رحمهم الله تعالى(4) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصدر السابق 6: 227 .
(2) المصدر السابق 4 : 249 .
(3) أي الخوارج .
(4) معجم رجال الحديث 4 : 252 .

ولحريز كتاب يعرف بكتاب الصلاة وهو من الكتب المشهورة والتي عليها المعول على ما ذكر الصدوق في مقدمة الفقيه ج1 ص3 .
ويدخل حماد بن عيسى يوماً على الإمام الصادق (عليه السلام) ويقول له : تحسن ان تصلي يا حماد ، فقال : يا سيدي انا احفظ كتاب حريز في الصلاة ، فقال (عليه السلام) :لا عليك قم صل ، فلما صلى صلاته التي لا تتناسب وشيعة جعفر الصادق (عليه السلام)قال (عليه السلام) : ما اقبح بالرجل منكم ان يأتي عليه ستون سنة أو سبعون سنة فما يقيم صلاة واحدة بحدودها تامة(1) .
ان الرواية المذكورة تدل على مدى أهمية كتاب حريز حتى ان حماداً كان يحفظه .
واما زرارة فهو غني عن التعريف . ويكفينا في تقريظه قول الإمام الصادق (عليه السلام) لجميل بن دراج : بشرّ المخبتين بالجنة : بريد بن معاوية العجلي وابا بصير ليث بن البختري المرادي ومحمد بن مسلم وزرارة أربعة نجباء امناء الله على حلاله وحرامه ، لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوة واندرست(2) .

 

 (1) وسائل الشيعة باب 1 من أبواب أفعال الصلاة حديث 1 .
(2) معجم رجال الحديث 7: 222 .

تنبيه

ذكر صاحب الوسائل عند نهاية الخبر المذكور ما نصه : «ورواه أحمد بن ابي عبد الله البرقي في المحاسن عن عبد الله بن الصلت بالاسناد المذكور» .
والمقصود من هذه العبارة الاشارة إلى ان الخبر المذكور لا يختص الشيخ الكليني بنقله بل قد نقله البرقي في كتابه المعروف بالمحاسن .
والبرقي ينقله عن عبد الله بن الصلت عن حماد بن عيسى عن حريز عن زرارة الذي هو الاسناد المتقدم في رواية الكليني .
ونلفت النظر إلى انه بعد ان ثبت لدينا صحة الطريق السابق للكليني فلا نحتاج بعد ذلك إلى اثبات صحة الطريق الثاني للبرقي . بَيْد انه لو فرضنا عدم صحة الطريق السابق فكيف نثبت صحة الطريق المذكور .
انه يلزمنا أولاً ان نعرف طريق صاحب الوسائل إلى البرقي ثم نعرف طريق البرقي إلى الإمام (عليه السلام) .
اما طريق صاحب الوسائل إلى البرقي فهو صحيح لانه ذكر في آخر الوسائل ان جميع الكتب التي ينقل عنها كالمحاسن وغيره قد وصلت اليه بعدة طرق تنتهي إلى الشيخ الطوسي .
و إذا رجعنا إلى فهرست الشيخ الطوسي في ترجمة البرقي وجدنا له طريقاً معتبراً إليه .

وبذلك يثبت صحة طريق الحرِّ إلى البرقي .

واما طريق البرقي إلى الإمام (عليه السلام) فقد تقدم عند بيان طريق الكليني انه

صحيح .

ويبقى علينا أيضاً ان نعرف حال البرقي ، وحيث انه ثقة فلا اشكال إذن في الطريق المذكور من هذه الناحية أيضاً .
3 ـ قال صاحب الوسائل في الرواية الثالثة ما نصه : «وعن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن علي بن النعمان عن ابن مسكان عن سليمان بن خالد عن أبي جعفر (عليه السلام) قال الا . . .
وهذه الرواية ينقلها الحرُّ عن الكافي أيضاً بقرينة انه ابتدأ السند بمحمد بن يحيى الذي هو شيخ الكليني ويروي عنه كثيراً .
هذا مضافاً إلى انه قد ذكرها بعد الروايتين السابقتين المنقولتين عن الكليني ، فلو اراد النقل عن الشيخ الطوسي مثلاً لابتدأ السند بمحمد بن الحسن الطوسي ، ولكنه مادام مستمراً في النقل عن الكليني فلا حاجة له إلى تكرار ذكر اسم الكليني كل مرة .

وللتعرف على حال السند المذكور نقول :

اما محمد بن يحيى فهو محمد بن يحيى العطار القمي الأشعري شيخ الكليني والذي يروي عنه كثيراً في الكافي . يقول عنه النجاشي : «شيخ اصحابنا في زمانه ثقة عين كثير الحديث»(1) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) معجم رجال الحديث 18 : 30 .

واما أحمد بن محمد فهو أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري الرجل العظيم المعروف بكثرة الرواية والوثاقة .
والاسم المذكور وان كان مشتركاً بين جماعة متعددين إلاّ اننا جزمنا بكونه ابن عيسى الأشعري من خلال رواية محمد بن يحيى عنه لأن محمد بن يحيى يروي عن أحمد بن محمد بن عيسى وهو تلميذه الملازم له .
قال عنه النجاشي : «أبو جعفر (رحمه الله) شيخ القميين ووجههم وفقيههم غير مدافع وكان أيضاً الرئيس الذي يلقي السلطان . ولقي الرضا (عليه السلام)»(1) .
واما علي بن النعمان فهو على ما قال النجاشي : «كان علي ثقة وجهاً ثبتاً صحيحاً واضح الطريقة»(2) .
وقد قيل انه اجتمع ثلاثة في المسجد الحرام هم صفوان بن يحيى وعبد الله ابن جندب وعلي بن النعمان فتعاقدوا جميعاً ان مات واحد منهم يصلي من بقي بعده صلاته ويصوم ويحج ويزكي عنه مادام حياً ، فمات علي وعبد الله وبقي صفوان بعدهما ، وكان يفي لهما بذلك(3) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصدر السابق 2: 296 .
(2) المصدر السابق 12 : 215 .
(3) المصدر السابق 9 : 124 .

واما ابن مسكان فهو عبد الله بن مسكان . قال عنه النجاشي : «ثقة عين» وهو احد اصحاب الاجماع الستة من أصحاب الصادق (عليه السلام) .
وقد قيل انه كان لا يدخل على الإمام الصادق (عليه السلام) خوف ان لا يعطي مقام الإمامة ما تستحق من إكبار وتبجيل(1) .
واما سليمان بن خالد فهو على ما قال النجاشي : «كان قارئاً فقيهاً وجهاً . . . وخرج مع زيد ، ولم يخرج معه من أصحاب ابي جعفر (عليه السلام) غيره ، فقطعت يده وكان الذي قطعها يوسف بن عمر بنفسه . ومات في حياة ابي عبد الله (عليه السلام) فتوجع لفقده ودعا لولده واوصى بهم اصحابه . . . »(2) .

 

اسانيد اُخرىقال صاحب الوسائل بعد فراغه من نقل الحديث الثالث ما نصه : «ورواه البرقي في المحاسن عن أبيه عن علي بن النعمان . ورواه الشيخ باسناده عن الحسن بن محمد بن سماعة عن ابن رباط عن ابن مسكان عن سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نحوه . ورواه الحسين بن سعيد في كتاب الزهد عن علي بن النعمان مثله إلى قوله الجهاد . وعن محمد بن يحيى عن أحمد ابن محمد بن عيسى عن ابن فضال عن ثعلبة عن علي بن عبد العزيز عن ابي عبد
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) معجم رجال الحديث 10 : 324 .
(2) المصدر السابق 8 : 245 .

الله (عليه السلام) نحوه . ورواه الشيخ باسناده عن محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى . ورواه الصدوق باسناده عن علي بن عبد العزيز . ورواه البرقي في المحاسن عن الحسن بن علي بن فضال مثله» .
ان مقصود الحرِّ العاملي من هذه العبارة الاشارة إلى وجود اسانيد وطرق اُخرى للحديث المذكور . و إذا اردنا ايضاحها بشكل أكمل امكن بيانها كما يلي :
الأول : نَقَلَ الحديث المذكور البرقي في محاسنه عن أبيه عن علي بن النعمان عن ابن مسكان عن سليمان بن خالد عن أبي جعفر (عليه السلام) . . .
ولم يشر الحر في هذا الطريق إلى الوسائط ما بين علي بن النعمان والإمام (عليه السلام) من جهة اشتراكها بين هذا الطريق والطريق السابق الثابت في الكافي ، فلاجل الاختصار حذف الوسائط المشتركة بين الطريقين .
وهذا الطريق صحيح أيضاً لأن سند الحر إلى البرقي صحيح كما تقدمت الإشارة إليه في ذيل الحديث الثاني .
والبرقي نفسه ثقة ووالده ثقة أيضاً . وبقية الرواة من علي بن النعمان وحتى الإمام (عليه السلام) كلهم ثقات أيضاً حسبما تقدم .
الثاني : روى الحديث المذكور أيضاً الشيخ الطوسي في التهذيب بسنده إلى الحسن بن محمد بن سماعة عن ابن رباط عن ابن مسكان عن سليمان بن خالد عن ابي عبد الله (عليه السلام) .
وللتعرف على حال الطريق المذكور لا بدَّ من التعرف على سند الشيخ الطوسي إلى الحسن بن محمد بن سماعة ، وذلك بمراجعة مشيخة التهذيب ج 10

ص 75 ، فانه قد ذكر طريقه إلى الرجل المذكور .

الثالث : روى الحديث المذكور أيضاً الحسين بن سعيد صاحب كتاب الزهد عن علي بن النعمان عن ابن مسكان عن سليمان بن خالد .
ولا بد من التعرف على سند الحر إلى الحسين بن سعيد ، وهو صحيح على ما في آخر الوسائل لانه ينتهي إلى الشيخ الطوسي وهو له طريق معتبر إلى الحسين بن سعيد على ما في الفهرست .
ويبقى ان نعرف السند من الحسين بن سعيد وحتى الإمام (عليه السلام) ، وهو صحيح .
الرابع : روى الحديث المذكور الكليني ثانية في مورد ثان عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن ابن فضال عن ثعلبة عن علي بن عبد  العزيز .
الخامس : روى الشيخ الطوسي الحديث ثانية في التهذيب عن الكليني في الكافي عن محمد بن يحيى . واما محمد بن يحيى فقد روى الحديث عن أحمد ابن محمد بن عيسى عن ابن فضال عن ثعلبة عن علي بن عبد العزيز . وحذف صاحب الوسائل ذلك اعتماداً على ما سبق .
السادس : روى الحديث المذكور أيضاً الصدوق في الفقيه عن علي بنعبد العزيز عن الإمام (عليه السلام) .
واما سند الصدوق إلى علي بن عبد العزيز فلا بد من مراجعته في مشيخة الفقيه .

السابع : روى الحديث المذكور أيضاً البرقي في محاسنه ثانية عن الحسن ابن علي بن فضال . واما ابن فضال فقد رواه عن ثعلبة عن علي بن عبد العزيز عن الإمام (عليه السلام) . وانما لم يذكر ذلك صاحب الوسائل اعتماداً على ما سبق .
4 ـ قال صاحب الوسائل : وعن علي بن إبراهيم عن ابيه وعن ابي علي الأشعري عن محمد بن عبد الجبار جميعاً عن صفوان عن عمرو بن حريث انه قال لأبي عبد الله (عليه السلام) ألا أقص عليك ديني . . .
ان الحديث المذكور قد سجّله الحرُّ من الكافي للقرينة المتقدمة فيالحديث الثاني .
والحديث المذكور ينقله الكليني عن صفوان عن عمرو بن حريث بطريقين هما :

أ ـ علي بن إبراهيم عن أبيه عن صفوان عن عمرو بن حريث .

ب ـ أبو علي الأشعري عن محمد بن عبد الجبار عن صفوان عن عمروابن حريث .
ومن خلال هذا يتضح ان قوله : «وعن ابي علي الأشعري عن محمد بن عبد الجبار» عطف على «وعن علي بن إبراهيم عن أبيه» .
وكلمة «جميعاً» تعني ان إبراهيم بن هاشم ومحمد بن عبد الجبار قد رويا الحديث عن صفوان .
كما ويتضح انه يكفي لصحة الحديث صحة أحد طريقيه ولا يلزم صحة

كليهما .

وفي تحقيق حال الطريقين نقول :

اما بالنسبة إلى الطريق الأول فقد تقدم الكلام عن علي بن إبراهيم ووالده وانهما ثقتان فراجع حديث 2 .
واما صفوان فهو وان كان مشتركاً بين عدة رواة إلاّ ان المشهور منهم والذي ينصرف إليه اسم صفوان إذا ورد مطلقاً هو اما صفوان بن يحيى بياع السابري أو صفوان بن مهران الجمال ، وكلاهما ثقة حسب شهادة النجاشي(1) ، ومعه فلا ثمرة في البحث عن تعيين ان المراد هذا أو ذاك .
واما عمرو بن حريث فهو أبو أحمد الصيرفي الأسدي الكوفي ثقة على ما ذكر النجاشي(2) .

وبهذا تثبت صحة هذا الطريق .

واما الطريق الثاني فهو صحيح أيضاً لأن أبا علي الأشعري قد تقدم في الحديث «1» انه أحمد بن ادريس الثقة شيخ الكليني .

واما صفوان وعمرو بن حريث فقد تقدم انهما ثقتان .

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) معجم رجال الحديث 9 : 121 ، 123 .
(2) المصدر السابق 13 : 85 .

فلا يبقى إلاّ محمد بن عبد الجبار وهو محمد بن أبي الصهبان وقد قال عنه الشيخ الطوسي : قمي ثقة(1) .
5 ـ وفي الحديث السادس قال الحرُّ ما نصه : «وعن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد . وعن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد جميعاً عن الحسن بن محبوب عن هشام بن سالم عن عبد الحميد بن أبي العلا عن أبي عبد الله (عليه السلام) في جملة حديث . . . » .
ان هذا الحديث قد نقله الحرُّ من كافي الكليني لما تقدّم من القرينةوفي هذه العبارة يبيّن لنا الكليني ان له طريقين إلى نقل الحديث المذكور .

.

وفي كلا الطريقين ينتهي النقل إلى الحسن بن محبوب عن هشام بن سالم عن عبد الحميد بن أبي العلا .
إذن التعدد في الطريق خاص بالواسطة المتخللة بين الكليني والحسن بن محبوب ، واما الطريق ما بين الحسن بن محبوب والإمام (عليه السلام) فلا تعدد فيه .

وعلى هذا يمكن بيان طريقي الرواية بالشكل التالي : ـ

أ ـ محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن الحسن بن محبوب عن هشام
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصدر السابق 14 : 263 .

ابن سالم عن عبد الحميد بن أبي العلا .

ب ـ عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن الحسن بن محبوب عن هشام ابن سالم عن عبد الحميد .
والطريق الأول صحيح لأن محمد بن يحيى وأحمد بن محمد قد تقدم في الحديث «3» انهما ثقتان جليلان .
واما الحسن بن محبوب فهو صاحب كتاب المشيخة . وقد قال عنه الشيخ الطوسي : كوفي ثقة(1) .

واما هشام بن سالم فهو على ما قال النجاشي : ثقة ثقة(2) .

واما عبد الحميد بن أبي العلاء فهو الازدي ثقة على ما قال النجاشي(3) .
واما الطريق الثاني فبدايته هو عدة من أصحابنا . وهذا المصطلح متداول لدى الكليني ولم يتداوله غيره ، ومعه فمتى ما ورد تعبير «عدة من اصحابنا» عرفنا ان الحديث منقول عن الكليني .
وقد وقع الكلام في المقصود من افراد العدة وكيفية اثبات توثيقها ، وسنقوم
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) معجم رجال الحديث 5 : 89 .
(2) المصدر السابق 19 : 297 .
(3) المصدر السابق 9 : 271 .

بدراسة ذلك عند بحثنا عن كتاب الكافي ان شاء الله تعالى .

والذي نقوله هنا باختصار : لا اشكال لدى الجميع في اعتبار العدة وانما الكلام في كيفية تخريج ذلك فنياً . وعلى هذا فبحثنا عن العدة لا يعني التشكيك في اعتبارها وانما يعني الاختلاف في التخريج الفني للاعتبار المتفق عليه .
واما سهل بن زياد فقد وقع محلاً لبحث طويل بين الأعلام . وننصح الطالب بكتابة بحث عنه ليكون ذلك مفتاحاً لمعلوماته الرجالية .

واما بقية افراد السند فقد تقدمت وثاقتهم .

وعليه فالطريق الثاني قابل للمناقشة من ناحية سهل ، إلاّ أن ذلك غير مهم بعد صحة الطريق الأول .

 

ملاحظـةان الأحاديث المتقدمة قد نقلها الحرُّ من كافي الكليني (رحمه الله) . وننتقل إلى أبواب اُخرى من الوسائل لمواجهة حاديث اُخرى ينقلها من غير الكافي .

ذكر (قدس سره) في الباب 1 من أبواب الماء المطلق ما نصه :

1 ـ «محمد بن علي بن الحسين بن بابويه (رضي الله عنه) باسانيده(1) عن محمد بن حمران وجميل بن دراج عن أبي عبد الله (عليه السلام) . . . » .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الصواب : باسناده ، كما ورد في الباب 23 من أبواب التيمم حديث 1 .

ان هذا الحديث قد نقله الحرُّ من الفقيه بقرينة قوله محمد بن علي بن الحسين الذي هو الصدوق .
وللتعرف على صحة الرواية لا بدَّ من مراجعة سند الصدوق إلى محمد بن حمران وجميل .
و إذا رجعنا إلى مشيخة الفقيه ج 4 ص 17 وجدناه يقول : «وما كان فيه عن محمد بن حمران وجميل بن دراج فقد رويته عن أبي (رضي الله عنه) عن سعد بن عبد الله عن يعقوب بن يزيد عن محمد بن أبي عمير عن محمد بن حمران وجميل بن دراج» .
والسند صحيح لأن والد الصدوق الذي اسمه علي بن الحسين بن بابويهلا يحتاج إلى تعريف فانه كما قال النجاشي : «شيخ القميين في عصره ومتقدمهم وفقيههم وثقتهم»(1) .
واما سعد بن عبد الله فهو الأشعري القمي . قال عنه النجاشى : «شيخ هذه الطائفة وفقيهها ووجهها»(2) . وقد كثر وروده في الروايات .

واما يعقوب بن يزيد فهو ثقة صدوق على ما ذكر النجاشي(3) .

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) معجم رجال الحديث 11 : 368 .
(2) المصدر السابق 8 : 74 .
(3) المصدر السابق 20 : 147 .

واما محمد بن أبي عمير فلا يحتاج إلى تعريف فهو جليل القدر عظيم المنزلة عندنا وعند المخالفين(1) .
وقد قيل ان هارون حبسه ليدل على مواضع الشيعة فدفنت اخته كتبه خوفاً عليه فتلفت . وقيل بل كانت في غرفة فسال المطر عليها فتلفت ، ومن هنا أخذ يحدث عن حفظه وكثرت مراسيله .
واما محمد بن حمران فقد ذكره الشيخ بعنوان محمد بن حمران بن اعين ولم يوثقه بينما النجاشي ذكره بعنوان محمد بن حمران النهدي وقال عنه ثقة .
وقد وقع الكلام في وحدته وتعدده ، ولكن ذلك غير مهم في المقام بعد وثاقة جميل بن دراج .
2 ـ قال الحر : «قال : وقال الصادق (عليه السلام) : كل ماء طاهر إلاّ ما علمتانه قذر» .

والمقصود : قال الصدوق : وقال الصادق (عليه السلام) . . .

والرواية مرسلة . وقد كثرت ظاهرة الارسال لدى الصدوق في كتابه الفقيه ، وذلك من الظواهر المختصة به .

ومن هنا وقع البحث في حجية مراسيله .

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصدر السابق 14 : 279 .

وهناك رأي يفصِّل بين ما إذا ارسل الصدوق عن الإمام (عليه السلام) بلسان قال الإمام (عليه السلام) وبين ما إذا ارسل بلسان رُوي عن الإمام (عليه السلام) فالأول حجة دون الثاني بدعوى انه متى ما ارسل عن الإمام (عليه السلام)بلسان قال دلَّ ذلك على جزمه بصدور الرواية عن الإمام (عليه السلام) ، ومع جزمه بذلك نقول : ان الجزم المذكور مردد بين كونه ناشئاً عن حس وبين كونه ناشئاً عن حدس ، وبواسطة اصالة الحس العقلائية يمكننا اثبات ان جزمه نشأ عن حس وبذلك يكون حجة .

ويأتي ان شاء الله تعالى عند البحث عن كتاب من لا يحضره الفقيه البحث عن ذلك بشكل تفصيلي .
3 ـ قال الحر : «قال : وقال (عليه السلام) . . .» ، وليس في ذلك شيء جديد .
4 ـ قال الحر : «محمد بن الحسن الطوسي (رضي الله عنه) باسناده عن محمد بن أحمد ابن يحيى عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن داود بن فرقد عن أبيعبد الله (عليه السلام) . . . » .
والملاحظ هنا ان الحرَّ حينما اراد في هذا الموضع النقل عن الشيخ الطوسي ابتدأ السند بقوله محمد بن الحسن الطوسي اشارة إلى عدوله عن النقل السابق الذي كان عن الصدوق .
ولا بدَّ من مراجعة مشيخة التهذيب ج 10 ص 71 (1) للتعرف على طريق
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كما وان بالامكان مراجعة الفهرست لذلك .

الشيخ إلى محمد بن احمد بن يحيى .

وقد ذكر (قدس سره) أربع طرق يكفينا صحة واحد منها وهو : «الشيخ أبو عبد الله والحسين بن عبيد الله وأحمد بن عبدون كلهم عن أبي محمد الحسن بن حمزة العلوي وأبي جعفر محمد ابن الحسين البزوفري جميعاً عن أحمد بن ادريس عن محمد بن أحمد بن يحيى» .
اما الشيخ أبو عبد الله فهو الشيخ المفيد ، وتكفينا وثاقته عن البحث عن وثاقة الحسين وأحمد .
واما الحسن بن حمزة العلوي فهو المعروف بالمرعش أو المرعشي من اجلاء هذه الطائفة وفقهائها على ما ذكر النجاشي(1) .
واما البزوفري فلم يذكره الشيخ ولا النجاشي(2) ولم تثبت وثاقته ولكن ذلك لا يضر بعد وثاقة الحسن بن حمزة .
واما احمد بن ادريس فقد تقدم انه ابو علي الأشعري الثقة الجليل شيخ الكليني .
واما محمد بن أحمد بن يحيى فهو ثقة في الحديث على ما ذكر النجاشى .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) معجم رجال الحديث 4 : 313 .
(2) المصدر السابق 15 : 290 .

وهو كثير الرواية ، وله كتاب نوادر الحكمة الذي يعرفه القميون بدبة شبيب .
وشبيب رجل بقم كانت له دبة ذات بيوت يعطي منها ما يطلب منه من دهن فشبهوا هذا الكتاب بتلك(1) .

واما يعقوب بن يزيد وابن ابي عمير فقد تقدم انهما ثقتان .

واما داود بن فرقد فهو كوفي ثقة على ما قال النجاشي(2) .

وعليه فالرواية صحيحة السند .

5 ـ قال الحرُّ في الحديث السابع : «محمد يعقوب الكليني (رضي الله عنه) عن علي ابن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) . . . » .

اما علي وابوه فقد تقدم الحديث عنهما وانهما ثقتان .

واما السكوني فلا طريق لتوثيقه سوى تعبير الشيخ الطوسي في العدة بان الطائفة قد عملت برواياته فان هذا تعبير آخر عن التوثيق .
واما النوفلي فهو الملازم للسكوني عادة والراوي عنه . ولم يرد في حقه توثيق بالخصوص .
أجل قد ورد اسمه في اسانيد تفسير القمي وكامل الزيارة ، فمن بنى على
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) معجم رجال الحديثر 15 : 44 .
(2) المصدر السابق 7 : 114 .

وثاقة كل من ورد اسمه في أحد الكتابين المذكورين بنى على وثاقة الرجل المذكور بَيْد ان المبنى المذكور مرفوض عندنا .
وهناك طريق آخر نسلكه في اثبات وثاقة الرجل المذكور ، وهو ان اتفاق الطائفة على العمل بروايات السكوني ملازم للبناء على توثيق النوفلي و إلاّ لما امكن العمل بروايات السكوني .

 

عود إلى صلب الموضوعكنا نتحدث سابقاً ـ قبل التعرض إلى التطبيقات ـ عن طرق اثبات الوثاقة . ونعود اليها من جديد .

 

4 ـ دعوى الاجماع على التصديق أو التوثيق

ومن جملة الطرق المدعاة لاثبات الوثاقة دعوى الاجماع على تصديق راو أو توثيقه . فالكشي ادعى اجماع الطائفة على تصديق ثمانية عشر راوياً من اصحاب الأئمة (عليه السلام) .
ستة منهم من أصحاب الباقر والصادق (عليهما السلام) وهم : زرارة ومعروف بن خرَّبوذ وبريد وأبو بصير الأسدي والفضيل بن يسار ومحمد بن مسلم الطائفي(1) .
وستة من أصحاب الصادق (عليه السلام) وهم : جميل بن دراج وعبد الله بن مسكان
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رجال الكشي : رقم 431 .

وعبد الله بن بكير وحماد بن عيسى وحماد بن عثمان وابان بن عثمان(1) .
وستة من اصحاب الكاظم والرضا (عليهما السلام) وهم : يونس بن عبد الرحمن وصفوان بن يحيى بياع السابري ومحمد بن أبي عمير وعبد الله بن المغيرة والحسن ابن محبوب وأحمد بن محمد بن نصر(2) .
وتقريب حجية الاجماع المذكور : ان الكشي إذا كان مصيباً في دعواه الاجماع وكانت الطائفة قد اجمعت حقاً على ذلك فهو المطلوب ، واذا لم يكن مصيباً ولم يكن هناك اجماع فتكفينا شهادة الكشي نفسه التي نستفيدها ضمناً من خلال نقله الاجماع المذكور ، فان نقله الاجماع يستبطن شهادته بحقانية المضمون الذي ينقله .
بَيْدَ ان هذا يتم لو كان الناقل للاجماع من الأعلام المتقدمين ، اما إذا كان من المتأخرين كنقل ابن طاووس الاتفاق على وثاقة إبراهيم بن هاشم فلا يتم ذلك لعدم حجية توثيق المتأخرين كما تقدم .
هذا إلاّ ان السيد الخوئي حاول تقريب الحجية في الحال المذكورة بان دعوى ابن طاووس تكشف على الأقل عن شهادة واحد من القدماء بوثاقة ذلك
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رجال الكشي : رقم 705 .
(2) المصدر السابق : رقم 1050الشخص ، وذلك يكفي في ثبوت التوثيق(1) .

ويرد ذلك : ان دعوى ابن طاووس إذا لم تكشف عن ثبوت الاتفاق واقعاً فيمكن ان لا تكشف حتى عن شهادة واحد من الأعلام المتقدمين بالوثاقة ، كما لو افترضنا ان دعوى ابن طاووس للاجماع ناشئة من ملاحظة وجود إبراهيم بن هاشم في اسناد تفسير القمي وتخيل ـ بسبب عبارة مقدمة التفسير ـ ان كل من ورد اسمه في ذلك فهو ثقة بالاتفاق في الوقت الذي قد يكون ذلك اجتهاداً خاصاً من ابن طاووس لا يقول به غيره .

 

5 ـ الوكالة عن الإمامومن أحد الطرق التي يمكن ان يدعى دلالتها على الوثاقة توكيل الإمام (عليه السلام)شخصاً في أمر من اُموره ، فانهم (عليهم السلام) كان لهم وكلاء بشكلين وكلاء لهم الممثلية العامة عن الإمام (عليه السلام) كما هو الحال في السفراء الأربعة رضوان الله تعالى عليهم ووكلاء لهم الممثلية الخاصة في مجال معين .
والوكالة بالشكل الأول لا إشكال في دلالتها على سمو منزلة الوكيل ورفعة شأنه . وانما الاشكال في الوكالة بالمعنى الثاني فان الأئمة (عليهم السلام) كان لهم وكلاء كثيرون بهذا الشكل قد اشير إليهم في الكتب الرجالية .
فبينما البعض يصر على دلالة التوكيل لا على الوثاقة فقط بل على العدالة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) معجم رجال الحديث 1 : 46 .

ويستدل على ذلك بان الوكيل إذا لم يكن عادلاً فتوكيله محرم لأنه نحو ركون إلى الظالم الذي نهت عنه الآية الكريمة (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار)(1) نجد آخرين ينكرون دلالة الوكالة على الوثاقة بحجة انا نجد كثيراً من وكلائهم (عليهم السلام) قد صدر الذم في حقهم .
وقد عقد الشيخ الطوسي (قدس سره) في كتابه الغيبة باباً خاصاً للوكلاء الذين صدر الذم في حقهم .
ويحدثنا عند تعرضه للواقفة ان أول من اظهر هذا الاعتقاد علي بن أبي حمزة البطائني وزياد بن مروان القندي وعثمان بن عيسى الرواسي طمعوا في الدنيا ومالوا إلى حطامها واستمالوا قوماً فبذلوا لهم شيئاً مما اختانوه من الأموال .
وقد روي عن الرضا (عليه السلام) ان البطائني اُقعد في قبره بعد ما دفن فسأل عن الأئمة (عليهم السلام) فاخبر باسمائهم حتى انتهى إليّ فسئل فوقف فضرب على رأسه ضربة امتلاء قبره ناراً (2) .
هذا والصحيح دلالة الوكالة على الوثاقة لأن السيرة العقلائية قد جرت على عدم توكيل شخص في قضية معينة إذا لم يحصل الوثوق الكامل بصدقه وعدم تعمده للكذب . وجرِّب ذلك من نفسك تجد صدق ما نقول .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هود : 113 .
(2) معجم رجال الحديث 11 : 217 .

و إذا قيل اذن كيف تفسرون الذم الصادر في حق كثير من الوكلاء ؟
اجبنا بان الانحراف قد حصل لهم بعد منحهم الوكالة فكم شخص نثق به ونمنحه الوكالة وبعد ذلك ينحرف .
و إذا قيل ان توكيل شخص في مجال معين يقتضي وثاقته في ذلك المجال دون غيره ، فتوكيل شخص في بيع دار يستلزم وثاقته وعدم كذبه في مجال بيع الدار فقط دون المجالات الاُخرى كمجال نقل الحديث الذي هو محل كلامنا .
كان الجواب ان العاقل إذا لم يحرز الوثاقة المطلقة في الوكيل فلا يقدم على توكيله لأنه مادام يحتمل كذبه في المجالات الاُخرى فلربما يسري ذلك إلى المجال الخاص الذي منح فيه الوكالة .
ولا اقل ليس من المناسب للإمام (عليه السلام)ايكال بعض اموره المهمة إلى من هو خائن في بعض المجالات .

 

6 ـ رواية الثقةرواية الثقة عن شخص هل تدل على وثاقته ؟ كلا ، فان الثقة كما يروي عن الثقة كذلك يروي عن غيره . وما أكثر ما يروي الثقات عن غير الثقات كما يتضح ذلك من خلال تصفح الروايات .
كيف ولو كانت رواية الثقة عن شخص دليلاً على وثاقته لزم وثاقة اغلب الرواة أو كلهم لأن الشيخ الطوسي (قدس سره) ثقة ، فاذا روى عن شخص كان ثقة أيضاً وكانت رواية الثاني دليلاً على وثاقة الثالث وهكذا حتى نهاية السلسلة .

وبهذا يتضح ان ما صار إليه الميرزا حسين النوري صاحب المستدرك من ان رواية الثقة عن شخص دليل وثاقته قابل للتأمل .
اجل إذا أَكَثَر اجلاء الثقات وكبّارهم الرواية عن شخص فلا يبعد كونهادليلاً على الوثاقة ـ خلافاً للسيد الخوئي وجماعة حيث لم يرضوا بذلك أيضاً ـ فان العاقل لا يقدم على الرواية عن شخص يعتقد بضعفه ، انه عمل سفهي لا نرىله وجهاً .
وهذه نقطة مهمة جديرة بالوقوف والتأمل الطويل عندها ، فانه لو قبلنا بكون اكثار الثقة الرواية دليلاً على الوثاقة فسوف تثبت وثاقة كثير من الرواة ويخرجون بذلك من حال الجهالة إلى حال الوثاقة .
وعلى سبيل المثال نذكر «محمد بن اسماعيل» ، فان الكليني قد أكثر الرواية عن محمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان . وقد وقع الكلام في المقصود من محمد بن اسماعيل ، انه لا يمكن ان يكون محمد بن اسماعيل بن بزيع الثقة الجليل لانه من أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام) وانى يمكن للكليني الرواية عنه فيتعين ان يكون المقصود غيره ، وحيث ان الغير لم تثبت وثاقته فتسقط روايات الكليني المذكورة عن الاعتبار بالرغم من كثرتها .
بينما لو قبلنا الرأي المتقدم وقلنا ليس من المناسب للكليني اكثار الرواية عن شخص يعتقد بضعفه خصوصاً وهو يودع تلك الروايات في كتابه الذي كتبه لتعمل به الأجيال . ان العاقل لا يرضى بايداع الروايات الضعيفة في كتابه فكيف إذا خطّط لكتابه منذ البداية ليكون مرجعاً للأجيال ، انه إذا قبلنا الرأي المتقدم

فسوف تثبت وثاقة محمد بن اسماعيل .

ومما يدعم ما نقول اننا إذا رجعنا إلى الكتب الرجالية لرأينا ان الروايةعن الضعفاء كانت عندهم من الاُمور القادحة في الشخص ، ولذا نجدهم ينبهون في ترجمة بعض الرواة بانه يروي عن الضعفاء كما ورد في ترجمة العياشي والكشي وغيرهما .
و إذا قرأنا ترجمة أحمد بن محمد بن خالد البرقي نلاحظ ان أحمد بن محمد بن عيسى قد اخرجه من قم لروايته عن الضعفاء .
و إذا قيل اننا نسلم ان الثقة لا يكثر الرواية عن الضعيف الذي يعتقد بنظره ضعفه ولكنه ما المانع وان يروي عن مجهول الحال ؟ انه بناء على هذا يكون بالامكان افتراض ان محمد بن اسماعيل كان مجهول الحال في نظر الكليني ، وبذلك لا تثبت وثاقته .
كان الجواب : ان مجهول الحال ما دام بحكم الضعيف في ردِّ روايته فاكثار العاقل الرواية عنه لا يكون مناسباً أيضاً .
و إذا رجعنا إلى الكتب الرجالية وجدنا ان الرواية عن المجاهيل كانت عندهم بمثابة الرواية عن الضعفاء ولا فرق بينهما . فانظر إلى كلام النجاشي في ترجمة محمد بن مالك تجده يقول : «قال أحمد بن الحسين كان يضع الحديث وضعاً ويروي عن المجاهيل . وسمعت من قال كان أيضاً فاسد المذهب والرواية . ولا أدري كيف روى عنه شيخنا النبيل الثقة أبو علي بن همام وشيخنا الجليل الثقة أبو غالب الزراري رحمهما الله» .

هذا كله مضافاً إلى ان اكثار الرواية يلازم احياناً طول الصحبة التي لا يحتمل معها بقاء الشخص مجهول الحال .
و إذا قيل ان اكثار الرواية إذا كان دليلاً على الوثاقة فكيف نرى ان بعض الضعفاء قد أكثر الأجلاء الرواية عنه كمحمد بن سنان وسهل بن زياد والبطائني وغيرهم ممن أكثر الأجلاء الرواية عنهم .
كان الجواب : ما المانع من الالتزام بان هؤلاء كانوا ثقات بنظر الأجلاء ولذا اكثروا الرواية عنهم ويكون المورد بذلك من موارد تعارض التعديل والجرح ، ولا يصح تسجيل ذلك نقضاً علينا .
أجل يصح النقض بما إذا كان الشخص ضعيفاً في نظر الجميع وبالرغم من ذلك أكثر الأجلاء الرواية عنه وليس ضعيفاً بنظر خصوص الشيخ والنجاشي ، واين تحصيل ضعيف بهذا الشكل ؟
و إذا قيل : ان اكثار الثقة كالكليني عن محمد بن اسماعيل مثلاً لعله ليس من جهة وثاقته عند الكليني بل لاطمئنانه بحقانية الروايات التي رواها له ، ومن أجل ذلك الاطمئنان تساهل في النقل عن محمد بن اسماعيل واكثر عنه .
و إذا كنّا نحتمل استناد الكليني إلى اطمئنانه وليس إلى احرازه وثاقة محمد ابن اسماعيل ضمننا إلى ذلك مقدمة ثانية ، وهي ان اطمئنان كل شخص حجة على نفسه فقط ولا يكون حجة على الآخرين ، إذ لعل تلك القرائن التي استند إليها في تحصيل اطمئنانه لا تكون موجبة لحصول الاطمئنان لنا لو اطلعنا عليها .
كان الجواب : ان أهم قرينة يمكن الاستناد إليها في تحصيل الاطمئنان هيوجود الرواية في أصل يعتمد عليه الأصحاب ، وواضح ان وجود الرواية في الأصل فرع احراز وثاقة محمد بن اسماعيل و إلاّ كان من المحتمل كذبه وتزويره بتسجيلها في ذلك الأصل .
واحتمال وجود قرائن اُخرى قد استند إليها الكليني لا يتوقف تطبيقها على الاحراز المسبق لوثاقة محمد بن اسماعيل وان كان موجوداً إلاّ انه مجرد احتمال نظري لا يعتنى به ، فان القرينة المهمة عندهم هي وجود الرواية في كتاب معتمدلا غير ، ولذا نرى الصدوق يقول في مقدمة كتابه : وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعتمد ، فلو كانت هناك قرينة اُخرى أقوى أو مساوية لما ذكر لاشار لها .
واذا قيل : لعل الكليني استند في اكثاره الرواية عن محمد بن اسماعيل إلى اصالة العدالة وليس إلى احراز وثاقته ، وحيث ان اصالة العدالة مرفوضة عندنا فلا يمكن الاعتماد على اكثاره واستكشاف وثاقة محمد بن اسماعيل منه .
كان الجواب : لا نحتمل اعتماد الكليني على اصالة العدالة ، لان معنى الاعتماد عليها بعبارة ثانية هو ان الكليني وجد شخصاً لا يعرف عنه شيئاً ودفع إليه كتاباً فيه أحاديث واخذه الكليني وسجَّل منه كتابه الكافي الذي اراد منه ان يكون مرجعاً شرعياً للشيعة في احكام دينهم ، صنع الكليني ذلك لانه لم يعرف الفسق من محمد بن اسماعيل الذي دفع اليه الكتاب واعتمد على اصالة عدالته .

ان مثل هذا لا يحتمل في حق الكليني .

 

7 ـ شيخوخة الاجازةاخذ الرواية من شخص له صور متعددة ، فتارة يسمع التلميذ الرواية من الاستاذ ، واُخرى يقرأ الاستاذ الرواية على التلميذ ، وثالثة يجيز الاستاذ التلميذ ، بان يدفع له الكتاب الذي سجل فيه الروايات وجمعها فيه ويقول له اجزتك في ان تروي عني الروايات الموجودة فيه .
ويصطلح على هذا الشكل الثالث بتحمل الرواية بنحو الاجازة . كما ويصطلح على صاحب الكتاب الذي صدرت الاجازة منه بشيخ الاجازة .
وقد وقع البحث في ان كون الشخص من مشايخ الاجازة هل يكفي لاثبات وثاقته .
والبحث عن هذه النقطة مهم جداً ، فان الشيخ الطوسي قد وصلته كثير من الاُصول الحديثية التي الَّف منها كتابيه التهذيب والاستبصار بتوسط اشخاص لم يوثقوا بالخصوص وانما هم من مشايخ الاجازة لا أكثر من قبيل أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد الذي يروي عنه الشيخ الطوسي بعض الاُصول بواسطة الشيخ المفيد . وهكذا أحمد بن محمد بن يحيى ، وأحمد بن عبد الواحد المعروف بابن عبدون أو بابن الحاشر ، وعلي بن محمد بن الزبير القرشي ، وأبي الحسين بن أبيجيد وغيرهم .
ان شيخوخة الاجازة إذا لم تكف لاثبات الوثاقة فسوف يشكل الأمر في كثير من الروايات بسبب هؤلاء ، الأمر الذى صار سبباً للتفكير في ابداع طرق

جديدة للتغلب على المشكلة من ناحية هؤلاء . وسنتعرض إلى بعض هذه الطرق في أواخر هذا الكتاب ان شاء الله تعالى .
وممن اختار كفاية شيخوخة الاجازة في اثبات التوثيق الشيخ البحراني في حدائقه ج 6 ص 48 والشيخ اغا رضا الهمداني في صلاته ص 12 وغيرهما بل لعل الرأي المشهور والسائد هو ذلك .
إلاّ ان بعض المتأخين كالسيد الخوئي والسيد الشهيد رفضوا ذلك وقالوا بان شيخوخة الاجازة لا تدل على الوثاقة .
وقرَّب السيد الخوئي ذلك بان فائدة الاجازة ليست إلاّ ان الشيخ المفيد مثلاً سوف يحق له بسبب الاجازة ان يقول اخبرني احمد بن محمد بن الحسن ابن الوليد بهذه الاخبار الموجودة في الكتاب الذي اجازني روايته وكأنه يصير قد سمع الرواية منه .
وحيث ان سماع الثقة الرواية عن شخص ونقلها عنه لا يدل على وثاقته ـ  لما تقدم من ان رواية الثقة عن شخص لا تدل على توثيقه ـ فلا يمكن ان تكون شيخوخة الاجازة دليلاً على التوثيق(1) .
ويمكن ان نقول في مناقشة ذلك : ان شيخ الاجازة إذا كان ممن يعرف بكثرة اخذ الاجازة عنه فذلك يكفي في الدلالة على التوثيق ، إذ من البعيد ان
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) معجم رجال الحديث 1 : 77 .

يذهب اعاظم الثقات إلى شخص ويستجيزونه في رواية كتاب وهو ليس بمحرز الوثاقة عندهم . وجرِّب ذلك من نفسك ، فهل تذهب إلى شخص وتأخذ منه الاجازة في رواية احاديث كتاب أو كتابين وانت لا تحرز وثاقته ؟ ! !
واذا قلت : ان ما ذكرته من الاستبعاد منتقض بما ينقله الشيخ الصدوق في كتابه عيون اخبار الرضا (عليه السلام) ج 2 ص 279 من ان احد مشايخه المسمى بأحمد ابن الحسين بن أحمد بن عبيد النيسابوري المرواني كان ناصبياً ولم يلقَ انصب منه ، وبلغ من نصبه انه كان يقول اللهم صلِ على محمد فرداً ويمتنع من الصلاة على آله الطيبين الطاهرين .
كان الجواب : ان هذا يدل على فساد العقيدة ، وهو لا يتنافى والوثاقة .
على ان ما ذكرناه من الاستبعاد مختص بمشايخ الاجازة الذين هم من الخاصة دون ما إذا كانوا من العامة فان الاجلاء قد يأخذون الاجازة من العامة لبعض الأغراض الخاصة كما ينقل عن الشهيد الأول (رحمه الله) حيث قيل بان له اجازات كثيرة من العامة .
واذا قلت : اذا كانت الشيخوخة كافيه في اثبات الوثاقة فلماذا لم ينص الشيخ والنجاشي على وثاقة أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد وامثاله . ان عدم التنصيص على وثاقتهم يدل على عدم ثبوتها عندهما .
قلت : اجاب السيد البروجردي عن ذلك بان الكتب الرجالية هي : رجال النجاشي ، ورجال الكشي ، ورجال الشيخاما رجال النجاشي فهو موضوع لاستقصاء اصحاب الكتب ، ولعل أحمد ابن محمد وامثاله ليس لهم كتب .
واما رجال الكشي فلانه موضوع لذكر من توجد رواية في حقه ، وهؤلاء ليس في حقهم رواية .
واما رجال الشيخ فالظاهر انه كان بصورة المسودة وكان غرض الشيخ الرجوع اليه ثانياً لتنظيمه وترتيبه وتوضيح حال بعض المذكورين فيه كما يشهد لذلك اقتصاره في بعض الرواة على مجرد ذكر اسمه واسم أبيه من دون تعرض لبيان حاله أكثر من ذلك . وكذا ذكره لبعض الرواة مكرراً وغير ذلك مما يوجب الظن بعدم بلوغ الكتاب إلى مستواه المطلوب ، وما ذاك إلاّ لكثرة اشتغال الشيخ بكثرة التأليف والتصنيف بحيث لو قسمت مدة حياته على تأليفاته لا يقع مقابل كتابة رجاله إلاّ ساعات معدودة(1) .

 

مسلك السيد بحر العلوم وجماعةوتغلباً على مشكلة مشايخ الاجازة ـ بناء على عدم كفاية الشيخوخة في اثبات الوثاقة ـ سلك السيد بحر العلوم وجماعة مسلكاً آخر ، فقد ذكر ـ بحر العلوم ـ في رجاله عند البحث عن سهل بن زياد ج 3 ص 25 : ان الرواية التي يشتمل سندها على احد مشايخ الاجازة صحيحة وحجة ولكن لا من جهة ان
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نهاية التقرير 2 : 270 .

شيخوخة الاجازة تكشف عن الوثاقة بل من جهة ان الكتب المأخوذ منها الرواية معلومة ومتواترة كتواتر الكتب الأربعة في زماننا هذا ، فكما ان الكتب الأربعة في زماننا معلومة النسبة إلى مؤلفيها ولا يحتاج اخذ الرواية منها إلى وجود طريق معتبر اللهم إلاّ من باب التبرك والتيمن فكذلك الحال في الاُصول المأخوذ منها الروايات في ذلك الزمان هي معلومة النسبة إلى اصحابها ولا يحتاج أخذ الرواية منها إلى طريق صحيح ، ومعه فلا يضر وجود احد مشايخ الاجازة أو غيرهم ممن لم يوثق في الطريق مادام المقصود من الطريق التبرك والتيمن لا  أكثر .
واضاف (قدس سره) قائلاً : وينبه على ذلك طريقة الشيخ طاب ثراه ، فانه ربما يذكر تمام السند كما هو عادة القدماء وربما يسقط المشايخ ويقتصر على ايراد الروايات ، وليس ذلك إلاّ لعدم اختلاف حال السند بذكر المشايخ واهمالهم .
وقد اشار الشيخ النوري في مستدركه ج 3 ص 373 في أول الفائدة الثالثة إلى هذه الطريقة ونسبها إلى الشهيد الثاني وغيره .
وممن اختارها الحر العاملي في وسائل الشيعة في أول الفائدة الخامسة . وذكر في الفائدة التاسعة بعض القرائن الدالة على صحة الكتب المأخوذ منها الروايات وتواترها وانهاها إلى اثنتين وعشرين قرينة .
ولربما تظهر أيضاً من الشيخ التستري (رحمه الله) في قاموس رجاله فراجع .
ونحن سوف نتعرض ان شاء الله تعالى إلى هذه الطريقة في موضع ثان مناسب وكيفية مناقشتها إلاّ انه مؤقتاً نقول : ان نفس السيد بحر العلومفي ج 4 ص 47 عند تعرضه لبعض الفوائد ذكر ان تلك الكتب ليست متواترة واقام

بعض الشواهد على ذلك ، ومعه تبقى الحاجة إلى سند صحيح على حالها .

 

8 ـ الوقوع في سند محكوم عليه بالصحةإذا كان لدينا سند إلى كتاب أو راو معين وحكم عليه بعض الأعلام الذين يقبل قولهم في التوثيق بالصحة وفرض ان احد الرواة الواردين في ذلك السند لم ينص عليه بتوثيق أو تضعيف فهل يحكم على ذلك الراوي بالوثاقة بسبب الحكم بالصحة على السند الذي هو واقع فيه ؟
ذهب البعض إلى ذلك ، أي إلى استكشاف وثاقة ذلك الرجل من الحكم بصحة السند الذي وقع فيه .
وعلى سبيل المثال ينقل عن محمد بن الحسن بن الوليد ـ الذي هو استاذ الصدوق ومن الوجهاء والأعاظم ـ انه حكم بصحة الروايات المنقولة عن محمد ابن أحمد بن يحيى ـ الذي هو من الأجلاء أيضاً ـ بأي سند كان إلاّ بعض الروايات الخاصة الواردة باسانيد معينة .
انه بناء على المسلك المذكور القائل باستكشاف الوثاقة من الحكم بصحة السند يلزم الحكم بوثاقة جميع الأشخاص الذين وقعوا في سند الروايات المنقولة عن محمد بن أحمد بن يحيى فيما إذا لم يكونوا ممن استثنوا .
وقد يورد على ذلك بان الحكم بصحة الرواية لدى الأعلام المتقدمين يعني العمل بها ، وواضح ان العمل برواية معينة كما يمكن ان يكون لأجل كون رواتها من الثقات كذلك يمكن ان يكون لأجل اعتقاد العامل بها احتفافها ببعض القرائن

الخاصة . ومن المحتمل ان تلك القرائن لو اطلعتا عليها لم تكن معتبرة في نظرنا .
والصحيح ان هذا الايراد غير تام ـ في المثال المتقدم وان كان وجيهاً في غيره ـ بقرينة ان ابن الوليد لم يستثنِ رويات معينة ، وانما استثنى اشخاصاً معينين ، فهو لم يقل اني أعمل بجميع روايات محمد بن احمد يحيى إلاّ هذه الرواية أو تلك ، وانما قال إلاّ روايات فلان وفلان ، فلو كان عمله بالروايات التي لم يستثنِ أصحابها وليدَ القرائن لكان المناسب استثناء الروايات لأنها المحفوفة بالقرائن دون نفس الاشخاص .
واورد السيد الخوئي على هذا الطريق بان حكم ابن الوليد بصحة طريقلا يدل على وثاقة رواته ، إذ لعله اعتمد على اصالة العدالة واعتقد بحجية كل رواية يرويها مؤمن ولم يظهر منه فسق(1) .
وقد يدفع الايراد المذكور بان هذا الاحتمال لئن كان موجوداً في كلام ابن الوليد لكنه ليس بموجود في كلام ابن نوح .
توضيح ذلك : ان النجاشي قال في فهرسته في ترجمة محمد بن أحمد بن يحيى : وكان محمد بن الحسن بن الوليد يستثني من رواية محمد بن أحمد بن يحيى ما رواه عن محمد بن موسى الهمداني وما رواه عن رجل أو يقول بعض اصحابنا أو عن محمد بن يحيى المعاذي . . . أو عن محمد بن عيسى بن عبيد . . . ثم
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) معجم رجال الحديث 1 : 74 .

اضاف قائلاً ما نصه :

«قال أبو العباس بن نوح(1) : وقد اصاب شيخنا أبو جعفر محمد بن الحسن ابن الوليد في ذلك كله ، وتبعه أبو جعفر بن بابويه (رحمه الله) على ذلك إلاّ في محمد بن عيسى بن عبيد فلا أدري ما رأيه فيه ، لأنه كان على ظاهر العدالة والوثاقة» .
ان كلام ابن نوح يدل على شهادته بعدالة جميع من يروي عنه محمد بن أحمد بن يحيى بما في ذلك محمد بن عيسى بن عبيد حيث قال : «لأنه كان على ظاهر العدالة والوثاقة» فلو كان المدار عند ابن نوح على أصالة العدالة لكانمن المناسب ان يقول لأنه لم يثبت ضعفه ، ولم تكن حاجة إلى التعليل بقولهلأنه كان . . .
هذا مضافاً إلى انه لو كان يعتمد على اصالة العدالة لكان من المناسب الحكم بعدالة البقية أيضاً لأن عدم كونهم على ظاهر العدالة لا يمنع من الحكم بعدالتهم من باب الاعتماد على اصالة العدالة .

والصحيح بطلان كلا البيانين .

اما الأول فلانه كما يصح التعليل بانه لم يثبت ضعفه كذلك يصح بانه على ظاهر العدالة ، فانه مع وجود تعليل أقوى لا وجه للمصير إلى الأضعف .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال النجاشي في حقه : «أحمد بن نوح بن علي بن العباس بن نوح السيرافيـ نزيل البصرة ـ كان ثقة في حديثه متقناً لما يرويه فقيهاً بصيراً بالحديث والرواية ،وهو استاذنا وشيخنا ومن استفدنا منه» .

واما الثاني فلان دعوى ان محمد بن عيسى كان على ظاهر العدالة لا يدل على ان غيره من افراد المستثنى لم يكن على ظاهر الفسق بل لعله كان على ظاهر الفسق أيضاً ، ولذا لم يجر فيهم أصالة العدالة .

 

طرق اُخرى لاثبات الوثاقةهذه ثمانى طرق ادعيت لاثبات الوثاقة . وقد اتضح عدم تمامية الثالث والسادس والثامن منها .
وهناك طرق اُخرى ـ من قبيل ذكر طريق إلى شخص في مشيخة الصدوق أو الترحم عليه بلسان رحمه الله أو مصاحبة المعصوم (عليه السلام) أو تأليف كتاب أو اصل ونحو ذلك ـ نعرض عنها لعدم حجيتها وخوف الاطالة .
والذي نلفت النظر إليه هو وجود طرق اُخرى لا يمكن حصرها في ضابط معين من قبيل استفادة توثيق إبراهيم بن هاشم من خلال نشره لحديث الكوفيين باعتبار ان الشخص الذي لم يعرف بالوثاقة لا تقبل منه الأحاديث وبالتاليلا يمكنه نقل أحاديث مدرسة إلى مدرسة ثانية .
ومن قبيل توثيق السكوني بواسطة دعوى الشيخ في العدة عمل الطائفة برواياته ، فقد ذكر في مبحث حجية الخبر ان انحراف الراوي في عقيدته لا يضر في الأخذ برواياته ، واستشهد على ذلك بقوله : ولأجل ما قلناه عملت الطائفة بما رواه حفص بن غياث وغياث بن كلوب ونوح بن دراج والسكوني وغيرهم من

العامة عن أئمتنا (عليهم السلام)(1) .

ومن قبيل توثيق النوفلي ـ الملازم في روايته عادةً للسكوني ـ فان المعروف بين الأعلام عدم قبول روايته لعدم ثبوت وثاقته إلاّ من خلال كامل الزيارة أو تفسير القمي بَيْد ان بالامكان اثبات وثاقته من طريق آخر بان يقال : ان عمل الطائفة بروايات السكوني يلازم عملها بروايات النوفلي إذ الناقل لروايات السكوني عادة هو النوفلي فإذا لم تقبل روايات النوفلي يلزم عدم قبول روايات السكوني أيضاً .
إلى غير ذلك من الطرق التي يمكن الحصول عليها من خلال التتبع والمراجعة .

 

تمرينات

 

س 1 : من هم اصحاب الاجماع ؟ وكيف يستدل بالاجماع على وثاقتهم ؟
س 2 : اختار السيد الخوئي حجية الاجماع حتى لو كان مدعيه من المتأخرين . اذكر التقريب الذي تمسك به وكيفية مناقشته .
س 3 : الوكالة عن المعصوم (عليه السلام) لها شكلان . اذكرهما مع بيان ان أي شكل وقع الكلام في دلالته على الوثاقة .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) معجم رجال الحديث 3 : 106 .

س 4 : ما هو دليل القائلين بدلالة الوكالة على الوثاقة وما هو دليل المنكرين لذلك ؟
س 5 : ما هو مختارك في الوكالة هل تدل على الوثاقة ؟ اذكر ذلك مع التوجيه الذي تطمئن إليه .
س 6 : إذا كانت الوكالة تدل على الوثاقة فكيف تُفسر الذم الصادر في حق بعض الوكلاء ؟
س 7 : هل رواية الثقة عن شخص تدل على وثاقته ؟ اذكر ذلك مع الدليل .
س 8 : من هو الذي يختار ان رواية الثقة عن شخص تدل على وثاقته ؟
س 9 : هل اكثار الثقة الرواية عن شخص تدل على وثاقته بنظرك ؟ ولماذا ؟
س 10 : اذكر مثالاً للثمرة في البحث عن دلالة اكثار الثقة الرواية عن شخص على وثاقته .
س 11 : إذا قيل بان الثقة وان كان لا يكثر الرواية عن الضعيف ولكنه قد يكثر الرواية عن مجهول الحال فكيف ندفع ذلك ؟
س 12 : إذا قيل بان اكثار الثقة لا يدل على الوثاقة بدليل ان الاجلاء قد اكثروا الرواية عن بعض الضعفاء فكيف ندفع ذلك ؟
س 13 : إذا قيل بان اكثار الكليني عن محمد بن اسماعيل قد يكون من جهة اطمئنانه بحقانية روايته وليس من جهة احرازه لوثاقته فكيف ندفع ذلك ؟
س 14 : إذا قيل بان اكثار الكليني عن محمد بن اسماعيل لعله من جهة

اعتماده على اصالة العدالة وليس من جهة احرازه لوثاقته فكيف ندفع ذلك ؟

س 15 : أخذ الرواية وتحملها له ثلاثة اشكال . اذكرها .

س 16 : ما المقصود من مشايخ الاجازة ؟

س 17 : لماذا كان البحث عن كفاية شيخوخة الاجازة في اثبات الوثاقة مهماً ؟
س 18 : اذكر بعض الأمثلة لمشايخ الاجازة الذين لم تثبت وثاقتهم .
س 19 : ما هو التقريب الذي تمسك به السيد الخوئي لاثبات عدم دلالة شيخوخة الاجازة على الوثاقة وكيف يدفع ذلك ؟
س 20 : قد يستدل على عدم دلالة شيخوخة الاجازة على الوثاقة بان بعض مشايخ الصدوق كان ناصبياً . كيف يدفع الاستدلال المذكور ؟
س 21 : ما هي الطريقة التي تمسك بها السيد بحر العلوم وجماعة للتغلب على مشكلة مشايخ الاجازة ؟
س 22 : قيل بان وقوع الراوي في سند محكوم عليه بالصحة يدل على وثاقته . اوضح المقصود من ذلك مع المثال .
س 23 : قد يقال بان حكم ابن الوليد بصحة روايات محمد بن أحمد بن يحيى لعله من جهة اعتقاده بصحة تلك الروايات لبعض القرائن وليس من جهة وثاقة من يروي عنه محمد بن أحمد بن يحيى . كيف تدفع ذلك ؟

س 24 : ذكر السيد الخوئي ان حكم ابن الوليد بصحة روايات محمد بن أحمد بن يحيى لا يدل على وثاقة الرواة . اذكر مستنده .
س 25 : قد يتمسك بشهادة ابن نوح على وثاقة جميع مشايخ محمد بن أحمد بن يحيى . اذكر توجيه ذلك مع مناقشته .
س 26 : طرق اثبات الوثاقة كثيرة . اذكرها مع بيان التام منها بنظركوغير التام .
س 27 : اذكر بعض طرق اثبات الوثاقة الاُخرى التي لا يمكن ان تدخل في ضابط معين .
س 28 : هل سند الحديث 1 الباب 18 من أبواب مقدمة العبادات صحيح ؟

 

النقطة الثانية

التوثيقـات العامـة

التوثيق تارة يكون متعلقاً بشخص واحد أو أشخاص معينين واُخرى يكون متعلقاً بعنوان كلي .

مثال الأول : قول النجاشي في حق حماد مثلاً : ثقة في حديثه .

مثال الثاني : ما يدعى في حق علي بن إبراهيم من انه وثّق كل من ورد في اسانيد الروايات التي نقلها في تفسيره .

والتوثيقات العامة كثيرة نذكر منها : ـ

1 ـ رواة تفسير القمي

تفسير القمي تفسير روائي(1) لرجل عظيم من أصحابنا عاصر الإمام العسكري (عليه السلام) يعرف بعلي بن إبراهيم القمي المتوفى سنة 217 هـ .
وللكتاب المذكور الذي طبع مؤخراً طبعة ثانية في النجف الأشرف مقدمة طويلة ذكر فيها القمي جملة استفاد منها بعض الأعلام توثيقه لجميع الرواة الواردين في تفسيره .
والعبارة كما يلي : «ونحن ذاكرون ومخبرون بما ينتهي الينا ، ورواه مشايخنا وثقاتنا عن الذين فرض الله طاعتهم واوجب ولايتهم . . . » .
وقد استفاد صاحب الوسائل من العبارة المذكورة توثيق القمي لجميع من ورد في التفسير المذكور بشرط انتهاء السند إلى المعصوم (عليه السلام) .
قال في الوسائل ج 20 ص 68 : «وقد شهد علي بن إبراهيم أيضاً بثبوت احاديث تفسيره وانها مروية عن الثقات عن الأئمة (عليهم السلام) » .

وقد اختار ذلك أيضاً السيد الخوئي في المعجم ج 1 ص 49 .

ولو تَمَ ما ذكر لأصبح 260 رجلاً من الثقات كما قيل . ومن هنا نعرف مدى أهمية البحث المذكور .
وهناك احتمال آخر في العبارة المتقدمة ، وهو ان يكون القمي بصدد توثيق خصوص مشايخه المباشرين دون كل من ورد في سند الروايات .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أي تفسير بواسطة الروايات .

وردَّ السيد الخوئي هذا الاحتمال بان القمي بصدد اثبات صحة تفسيره وهو يتوقف على توثيق كل من ورد فيه لا خصوص من يروي عنه بالمباشرة .
وعلى ضوء ذلك حكم (قدس سره) بان كل من ورد في التفسير المذكور ثقة ما لم يضعَّف من قبل النجاشي أو غيره فيسقط التوثيق عن الاعتبار لأن شرط قبول التوثيق عدم المعارضة بالجرح كما هو واضح .

هذا حصيلة ما قيل في توجيه حجية رواة تفسير القمي .

وقد يناقش بما يلي : ـ

1 ـ ان الراوي للتفسير المذكور هو أبو الفضل العباس بن محمد بن القاسم ابن حمزة بن الإمام موسى بن جعفر سلام الله عليه كما يتضح ذلك من خلال مراجعة التفسير نفسه . والشخص المذكور مجهول الحال ولا يعرف عنه شيء . ومعه فيسقط الكتاب عن الاعتبار لجهالة الراوي له .
وفيه : ان الشيخ الطوسي في فهرسته يذكر طريقاً صحيحاً إلى جميع كتب علي بن ابراهيم والتي منا تفسيره ويصل في ذلك الطريق إلى القمي نفسه .
ومع افتراض ان القمي نفسه قد اجاز الشيخ الطوسي بالوسائط في نقل تفسيره عنه فلا تضر بعد هذا جهالة أبي الفضل .
2 ـ ان مقدمة الكتاب المذكور التي هي مقدمة طويلة لم يثبت كونها من القمي ، فانه بعد الاستمرار في سرد المقدمة ورد اثنائها ما نصه : قال أبو الحسن علي بن إبراهيم الهاشمي القمي فالقرآن منه ناسخ ومنه منسوخ . . .

وهذا يولّد احتمال ان المقدمة لم تكن من بدايتها للقمي وانما يبتدأ كلام القمي من جملة : فالقرآن منه ناسخ . . .
والعبارة السابقة التي يراد الاستشهاد بها ـ ونحن ذاكرون ومخبرون بما ينتهي . . . ـ مذكورة قبل ذلك ، أي قبل جملة : قال أبو الحسن . . . ومعه فلا يمكن الاستشهاد بها لعدم الجزم بكونها من كلام القمي .
وفيه : ان الجملة السابقة التي يراد الاستشهاد بها قد نقلها صاحب الوسائل في وسائله ، وهو له طريق صحيح إلى الشيخ الطوسي وبالتالي إلى القمي نفسه ، فيثبت بذلك ان القمي قد ذكر الجملة السابقة واوصلها إلى صاحب الوسائل من خلال الشيخ الطوسي .
3 ـ ان بعض من ورد في تفسير القمي مادام قد ضُعِّف من قبل النجاشي أو الشيخ فذلك يدل على ان القمي لا يقصد توثيق جميع من ورد في تفسيره .
وفيه : لعل من ضُعِّف هو ثقة في نظر القمي فيكون المورد من موارد التعارض بين التعديل والجرح ولا يكون التضعيف قرينة على ان القمي لا يريد توثيق كل من ورد في تفسيره .
أجل لو كان الضعف مسلماً لدى الجميع وواضحاً امكن ان يجعل ما ذكر قرينة ولكن اين وجود مثل ذلك .

إذن المناقشات المذكورة غير واردة .

والمهم ان يقال : ـ

1 ـ ان القمي وان كان له كتاب باسم التفسير ولا يمكن التشكيك في ذلك باعتبار ان النجاشي والطوسي قد نصا على وجود التفسير المذكور وذكرا إليه طريقاً صحيحاً ولكننا نشكك في كون التفسير المتداول اليوم هو نفس تفسير القمي ، ونحتمل عدم كونه للقمي رأساً أو لا أقل بعضه للقمي والبعض الآخرقد دُسَّ فيه .
ومما يؤكد ما نقول التعبير التالي : «رجع إلى تفسير علي بن إبراهيم» أو «رجعٌ إلى رواية علي بن إبراهيم» أو «رجع الحديث إلى علي بن إبراهيم» أو «في رواية علي بن إبراهيم» .
ويمكن مراجعة ذلك في ج 1 ص 271 ، 272 ، 389 ، 299 ، 313 ، 389 ، 292 ، 294 . . .
2 ـ ان في التفسير بعض القرائن التي تشهد بان القمي ليس بصدد توثيق جميع رواة كتابه . ففي ج 1 ص 66 يقول : حدثني ابي رفع قال : قال الصادق (عليه السلام) . وفي ج 1 ص 99 يقول : وحدثني محمد بن يحيى البغدادي رفع الحديث إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) . وفي ج 1 ص 214 يقول : وحدثني ابي عن الحسين بن سعيد عن بعض رجاله عن أبي عبد الله (عليه السلام) إلى غير ذلك من الموارد التي لا يمكنه فيها التوثيق لعدم تشخص رواة السند .
بل في بعض الموارد ورد اسم من لا يمكن ان يكون من الثقات كيحيى ابن اكثم مثلاً كما في ج 1 ص 356 .

 

2 ـ رواة كامل الزيارةكامل الزيارة كتاب مؤلف لجمع الزيارات . ومؤلفه هو الثقة الجليل جعفر ابن محمد بن قولويه الذي هو من اعلامنا المتقدمين .
وقد ذكر هذا الشيخ الجليل لكتابه مقدمة صغيرة ذكر ضمنها العبارة التالية : «وقد علمنا بانا لا نحيط بجميع ما روي عنهم في هذا المعنى ولا في غيره لكن ما وقع لنا من جهة الثقات من اصحابنا رحمهم الله برحمته ولا اخرجت فيه حديثاً روي عن الشذاذ من الرجال . . . »(1) .
وقد استفاد الشيخ النوري في كتابه مستدرك الوسائل ج 3 ص 522 انابن قولويه يقصد توثيق خصوص من يروي عنه بالمباشرة . وقد بلغوا بعد الاستقراء 31 شيخاً .

وفهم صاحب الوسائل منها كونه بصدد توثيق جميع مشايخه(2) .

وممن اختار ذلك أيضاً السيد الخوئي على ما في المعجم ج 1 ص 50 حيث ذهب إلى ان كل من ورد في اسانيد كامل الزيارة فهو ثقة إلاّ إذا عورض بتضعيف
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كامل الزيارة : ص 4 . والمقصود من العبارة المذكورة : انا لا نحيط بجميع ما روي عن أهل البيت (عليهم السلام) في مجال الزيارات ولا في المجالات الاُخرى ، ولكننا نذكر خصوص ما وصلنا من الرواة الثقات ولم اذكر الأحاديث المروية عن الرجال الشواذ .
(2) وسائل الشيعة : ج20 الفائدة 6 .

من قبل آخرين طبقاً للضابط الكلي في كل توثيق حيث يؤخذ به بشرط عدم المعارضة بتضعيف .
وبناء على هذا الرأي سوف تثبت وثاقة 388 راوياً على ما قيل(1) .
ويرد عليه : ان استفادة توثيق جميع الرواة أمر مشكل جداً بل المناسب استفادة توثيق خصوص المباشريين ، فان العبارة المتقدمة مجملة من هذه الناحية ، والقدر المتيقن منها ارادة توثيق خصوص المباشريين .
ومما يؤكد ما نقول ان ابن قولويه ذكر رواة لا يعرفهم حتى هو ، ففي الحديث الثالث من الباب الأول يقول : عمن ذكره عن محمد بن سنان عن محمد بن علي رفعه .
وفي الحديث الرابع من الباب السابق يقول : عن بعض اصحابنا رفعه . وفي الحديث الثاني من الباب الرابع يقول : عمن حدّثه .

وهناك موارد اُخرى من هذا القبيل كثيرة .

بل قد يقال(2) بامكان الترقي وانكار استفادة توثيق مشايخه المباشريين
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ونلفت النظر إلى ان السيد الخوئي (قدس سره) كان في بداية امره لا يعتقد بوثاقة رجالكامل الزيارة حتى المباشريين منهم ـ كما يشير لذلك في فقه الشيعة ج3 ص27 ـ وبعد ذلكوفي الفترة التي كنّا نحضر عليه فيها صار يعتقد بوثاقة الجميع حتى غير المباشريين منهم ،ثم في اُخريات حياته اختار التفصيل وخصّص التوثيق بخصوص المباشريين .
(2) القائل هو السيد السيستاني دام ظله في قاعدة لا ضرر : ص 21 .

أيضاً ، إذ يحتمل ان يكون مقصوده من العبارة المتقدمة : انا لا نحيط بجميع الروايات ولكن ننقل الروايات التي سجلها خصوص من لهم خبروية بالحديث ويعدون من نقادّه .
وعلى هذا يكون مراده من الثقات الاشارة إلى ذلك ، أي إلى نقادّ الحديث ، ولا يريد ان يقول اني اسجل الروايات التي وردتني من مشايخي الثقات ، بل يريد ان يقول اني اذكر الروايات التي سجلها في كتبهم نقاد الحديث الذين قد يكونون تارة من المشايخ المباشريين له واُخرى من مشايخ مشايخه .
لِمَ تراجع السيد الخوئي عن كامل الزيارة بالخصوصتراجع السيد الخوئي اُخريات حياته عن استفادة توثيق جميع رواةكامل الزيارة وخصّص ذلك بخصوص المباشريين ، ولكنه لم يتراجع عن رجال تفسير القمي .
وهنا يخطر إلى الذهن السؤال عن سبب تخصيص التراجع بكامل الزيارة .
والجواب : ان ذلك من جهة ان القمي قال في عبارته السابقة : «ونحن ذاكرون بما رواه مشايخنا وثقاتنا عن الذين فرض الله طاعتهم . . . » . ان ذكر «ثقاتنا» بعد قوله : «عن الذين فرض الله طاعتهم» يدل على ان الرواة ثقات إلى ان يصلوا إلى الأئمة (عليهم السلام) الذين فرض الله طاعتهم . بينما مثل هذا التعبير لم يرد في عبارة ابن قولويه .

 

3 ـ مشايخ النجاشيذكر النجاشي في ترجمة بعض الرواة ما يستفاد منه عدم روايته عن الضعفاء ، ففي ترجمة محمد بن عبيد الله بن الحسن الجوهرى يقول : «رأيت هذا الشيخ وكان صديقاً لي ولوالدي وسمعت منه شيئاً كثيراً ورأيت شيوخنا يضعفونه فلم أروِ عنه شيئاً وتجنبته . . . » .
وذكر في ترجمة محمد بن عبد الله بن محمد بن عبيد الله بن البهلول : «وكان في أول أمره ثبتاً ثم خلط ، ورأيت جلَّ اصحابنا يغمزونه ويضعفونه . . . رأيت هذا الشيخ وسمعت منه كثيراً ثم توقفت عن الرواية عنه إلاّ بواسطة بيني وبينه» .
وذكر في ترجمة جعفر بن محمد بن مالك : «كان ضعيفاً في الحديث . قال أحمد بن الحسين : كان يضع الحديث وضعاً ويروي عن المجاهيل . وسمعت من قال : كان أيضاً فاسد المذهب والرواية . ولا أدري كيف روى عنه شيخنا النبيل الثقة أبو علي بن همام وشيخنا الجليل الثقة أبو غالب الزراري» .
وقد استفاد بعض الأعلام من هذه الموارد ان النجاشي يوثق جميع مشايخه وانه لا يروي إلاّ عمن يوثقه .

وقد نسب هذا الرأي إلى الشيخ البهائي والسيد بحر العلوم(1) .

وممن اختاره من المتأخرين السيد الخوئي .

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تنقيح المقال 1 : 58 .

وقد يشكل على ذلك بان غاية ما يستفاد من عبارة النجاشي تحرزه عن الضعفاء الذين رأى الأصحاب يضعفونهم دون من هو مجهول الحال لديهويمكن دفع ذلك بما يلي : ـ

.

أ ـ ان تحرز النجاشي من الرواية عمن ضُعِّفَ ليس لأمر تعبدي بل لعدم حجية رواية الضعيف ، وواضح ان المجهول كالضعيف ، ولذا يعطفون المجاهيل على الضعفاء في لزوم التحرز عن روايتهم .
ب ـ ان النجاشي بعد معاشرته لمشايخه لا يحتمل بقاء حالهم مجهولة لديه ، فيدور الأمر بين كونهم ضعافاً عنده ، وهو باطل ، وبين ان يكونوا ثقاة ،وهو المطلوب .
وببركة هذا الطريق يمكن توثيق بعض مشايخ الاجازة الذين وصلت بعض الاُصول إلى الشيخ الطوسي بواسطتهم كأحمد بن عبدون وابي الحسين بن أبي جيد فانهما من مشايخ الشيخ الطوسي ولم يوثقا بالخصوص إلاّ انه باعتبار كونهما من مشايخ النجاشي أيضاً فيمكن توثيقهما من خلال ذلك .
4 ـ الوقوع في سند أصحاب الاجماعذكر الكشي في رجاله المعروف ان الطائفة قد اجمعت على تصحيح ما يصح عن جماعة . ستة من اصحاب الإمام الباقر (عليه السلام) وستة من اصحاب الصادق (عليه السلام) وستة من اصحاب الإمام الكاظم (عليه السلام) .

قال ص 238 من طبع دانشگاه : «اجتمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأولين من اصحاب أبي جعفر (عليه السلام) وأبي عبد الله (عليه السلام) وانقادوا لهم بالفقه فقالوا افقه الأولين ستة : زرارة ومعروف بن خرّبوذ وبريد وأبو بصير الأسدي والفضيل بن يسار ومحمد بن مسلم الطائفي» .
وقال ص 375 : «اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح عن هؤلاء وتصديقهم لما يقولون واقروا لهم بالفقه من دون اولئك الستة الذين عددناهم وسميناهم ، ستة نفر : جميل بن دراج وعبد الله بن مسكان وعبد الله بن بكير وحماد بن عيسى وحماد بن عثمان وابان بن عثمان» .
وقال ص 556 : «اجمع اصحابنا على تصحيح ما يصح عن هؤلاء وتصديقهم واقروا لهم بالفقه والعلم . وهم ستة نفر اُخر دون الستة نفر الذين ذكرناهم في أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام) منهم : يونس بن عبد الرحمن وصفوان بن يحيى بياع السابري ومحمد بن أبي عمير وعبد الله بن المغيرة والحسن بن محبوب وأحمد بن محمد بن أبي نصر» .
وقد اختلف فَهْمُ الأعلام لهذه العبائر فقيل متى ما وقع واحد من هؤلاء اثناء السند فاذا كان الطريق من الشيخ الطوسي ـ الذي يروي لنا الحديث مثلاً ـ إليه معتبراً فلا تضر جهالة الوسائط بينه وبين الإمام (عليه السلام) .
ونسب هذا الرأي إلى الشهيد الثاني والشيخ المجلسي والبهائي وغيرهم .
وذهب صاحب الوسائل(1) إلى أكثر من ذلك فقال : ان الوسائط المذكورة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 20 : 80 ـ 81 من الطبع القديم .

كما لا تضر جهالتها كذلك لا يضر تضعيفها .

والصحيح ان غاية ما يستفاد من العبائر السابقة الاجماع على جلالة المذكورين وحسن حالهم ، وكأنه يراد ان يقال انه متى ما وقع أحد هؤلاء في السند فالرواية من ناحيته لا خلل فيها ، واما من قبله أو بعده فلا نظر إليه .

 

5 ـ وقوع بني فضال في السندبنو فضال ـ وهم الحسن بن علي بن فضال وأحمد بن الحسن بن علي بن فضال وعلي بن الحسن بن علي بن فضال ـ جماعة من الفطحية .
والفطحية فرقة تقول بامامة عبد الله الأفطح ابن الإمام الصادق (عليه السلام)وكان لبني فضال المعروفين بالوثاقة والعبادة أحاديث كثيرة .

.

ولكثرة احاديثهم وفساد عقيدتهم وَجَّهَ بعض الشيعة سؤالاً إلى الإمام العسكري (عليه السلام) . عن الموقف الذي ينبغي اتخاذه اتجاه تلك الأحاديث .
ففي كتاب الغيبة للشيخ الطوسي رواية ينقلها عن عبد الله الكوفي خادم الشيخ النوبختي رضوان الله تعالى عليه يقول فيها : سُئل الشيخ يعني الحسين بن روح عن كتب ابن أبي العزاقر بعد ما ذُم وخرجت فيه اللعنة فقيل له فكيف نعمل بكتبه وبيوتنا منها ملاء ؟ فقال : اقول فيها ما قاله أبو محمد الحسن بن علي

صلوات الله عليهما وقد سُئل عن كتب بني فضال فقالوا كيف نعمل بكتبهم وبيوتنا منها ملاء فقال صلوات الله عليه : خذوا ما رووا وذروا ما رأوا»(1) .
ولاجل هذه الرواية اختار جمع من الأعلام منهم الشيخ الأنصاري في كتاب الصلاة(2) ان أي رواية ورد في سندها بعض بني فضال فهي حجة ويعمل بها حتى لو اشتملت على ضعف في بعض رجالها بين بني فضال والإمام (عليه السلام).
يقول (قدس سره) في أوائل كتاب الصلاة عند ذكره لرواية داود بن فرقد عن بعض اصحابنا : «وهذه الرواية وان كانت مرسلة إلاّ ان سندها إلى الحسن بن فضال صحيح(3) . وبنو فضال ممن امرنا بالأخذ بكتبهم ورواياتهم» .
وفيه : ان الرواية المذكورة قابلة للمناقشة من حيث السند والدلالة .
اما من حيث السند فباعتبار ان الكوفي خادم الشيخ النوبختي مجهوللا يعرف عنه شيء .
هذا مضافاً إلى ان الشيخ الطوسي ينقلها عن ابي الحسين ابن تمام عن عبد الله الكوفي ، وابن تمام مجهول أيضاً .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الغيبة : ص239 .
(2) ص 2 .
(3) فان الرواية ينقلها الشيخ الطوسي بسنده المعتبر إلى الحسن بن علي بن فضال عن داود بن فرقد عن بعض اصحابنا عن ابي عبدالله (عليه السلام) . الوسائل باب 4 من أبواب المواقيت حديث 7 .

واما من ناحية الدلالة فلان في المقصود منها احتمالين : ـ

أ ـ الشهادة بصحة جميع روايات بني فضال نظير شهادة الإمام العسكري (عليه السلام) بصحة جميع ما ورد في كتاب يوم وليلة ليونس بن عبد الرحمن حينما ادخله أبو هاشم الجعفري على الإمام العسكري (عليه السلام) واخذ يتصفحه وقرَّضه بقوله : «هذا ديني ودين آبائي وهو الحق كله»(1) .
وبناء على هذا الاحتمال يتم ما افاده الشيخ الأنصاري حيث انه بعد شهادة الإمام (عليه السلام) بصحة جميع روايات بني فضال لا يبقى مجال للتدقيق في السند .

ب ـ بيان ان فساد عقيدة الراوي لا يمنع من الأخذ بروايته .

وبناء على هذا لا يتم ما افاده الشيخ الأنصاري ، إذ ليس المقصود الشهادة بصحة جميع روايات بني فضال بل بيان عدم وجود موجب للتوقف من ناحية بني فضال لا أكثر .
ونحن ان لم ندعِ اظهرية الاحتمال الثاني فيكفينا احتماله ، إذ الاحتمال يكفي لبطلان الاستدلال في مثل هذا المورد .

 

6 ـ رواية أحد المشايخ الثلاثة قيل بان أحد المشايخ الثلاثة ـ محمد بن أبي عمير وصفوان بن يحيى
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رجال الكشي : ص484 رقم 915 .

وأحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي ـ إذا روى عن شخص كان ذلك دليل وثاقته.
واُستند في ذلك إلى عبارة الشيخ الطوسي في كتابه عدة الاُصول حيث قال : «و إذا كان أحد الراويين مسنِداً والآخر مرسِلاً نُظر في حال المرسل فان كان ممن يعلم انه لا يرسل إلاّ عن ثقة موثوق به فلا ترجيح لخبر غيره على خبره ، ولأجل ذلك سوت الطائفة بين ما يرويه محمد بن أبي عمير وصفوان بن يحيى وأحمد بن محمد بن أبي نصر وغيرهم من الثقات الذين عرفوا بانهم لا يروونولا يرسلون إلاّ عمن يوثق به وبين ما اسنده غيرهم . . . » .
ولعل حجية مراسيل هؤلاء الثلاثة هو الرأي المشهور استناداً إلىعبارة العدة .
هذا ولكن السيد الخوئي رفض ذلك لعدة وجوه من قبيل ان نسبة الشيخ التسوية إلى الأصحاب قد استند فيها إلى حدسه واجتهاده وليس إلى حسه بدليل انها لو كانت صحيحة ومعروفة لدى الأصحاب لذكرت في كلمات القدماء غير الشيخ والحال انه ليس منها عين ولا أثر .
ومن قبيل ان عدم رواية هؤلاء إلاّ عن ثقة قضية لا يمكن الاطلاع عليها إلاّ من قبلهم ، وهم لم يصرحوا بذلك و إلاّ لنقل ذلك عنهم وان مثل ابن أبي عمير قد اعلن عن التزامه بعدم الرواية عن غير الثقة .
ان هذه الاعتراضات وامثالها يمكن التغلب عليها بان نقل الشيخ الطوسي تسوية الطائفة معللاً بعدم روايتهم عن غير الثقة يستبطن ضمناً شهادة الشيخ نفسه بوثاقة جميع مشايخ الثلاثة .

و إذا قيل بان شهادة الشيخ هذه مستندة إلى الحدس فلا تكون حجة .
كان الجواب : ان احتمال استنادها إلى الحس موجود ـ ومعه يبنى على اصالة الحس ـ ولكن لا بسبب تصريحهم حتى يقال لو كان لهم تصريح لنقل بل لمعرفة ذلك من حالهم من خلال معاشرتهم فانه قد يعرف التزام بعض الأشخاص بقضية معينة من خلال معاشرتهم . والشيخ الطوسي قد تلقى هذا الالتزام والوضوح يداً بيد ، وبسببه ادلى بشهادته الضمنية .

واذا قيل كيف خفي ذلك على النجاشي ؟

كان الجواب : ان هذا كسائر الموارد التي يشهد فيه احدهما بالوثاقةدون الآخر .
ونلفت النظر إلى ان رواية ابن أبي عمير مثلاً لها اشكال ثلاثة : ـ
1 ـ ان يصرح باسم المروي عنه . وفي مثله يحكم بوثاقته ـ لشهادة الشيخ الضمنية ـ بشرط عدم وجود معارض لها .
2 ـ ان يقول عن بعض اصحابنا . وفي مثله لا يحكم بالوثاقة لأن بعض مشايخ ابن أبي عمير هو من غير الثقات ويحتمل ان هذا البعض هو منهؤلاء الضعاف .
3 ـ ان يقول عن غير واحد من اصحابنا (1) . وفي مثله يمكن الحكم بقبول
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حيث تداول لدى ابن أبي عمير روايته «عن غير واحد من اصحابنا» .

الرواية لأننا إذا قمنا بعملية احصاء لمشايخ ابن أبي عمير لوجدنا ان مقدارهم يقرب من 400 رجل ، والضعاف منهم 5 والباقي ثقات . و إذا ضممنا إلى ذلك قضية ثانية وهي ان التعبير بكلمة : «عن غير واحد» يدل عرفاً على ما لا يقل عن ثلاثة فسوف يثبت ان احتمال كون مجموع الثلاثة هم من الخمسة الضعاف وليس احدهم من البقية البالغة 395 ضعيف جداً .

ولو اردنا استخراج قيمة الاحتمال المذكور امكننا ان نقول :

ان قيمة احتمال كون كلواحد من الثلاثة هو من الخمسة = 4005 = 801(1) .
واحتمال كون مجموع الثلاثة هم من الخمسة وليس احدهم منالبقية = 801 × 801 × 801 = 5120001 .
وعليه فاحتمال كون مجموع الثلاثة هم من الخمسة وليس احدهم من البقية يساوي احتمالاً واحداً من بين 512000 احتمال . وهو ضعيف جداًلا يعتني له العقلاء(2) .

 

نتيجة ما تقدمــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أي احتمال واحد من بين ثمانين احتمالاً .
(2) وتطبيق حساب الاحتمال في مجال الرجال وفي علم الاُصول والفقه في بعض ابحاثهما ينبغي ان يعدَّ من الأفكار الرائعة جداً .

والنتيجة مما تقدم ان ابن أبي عمير إذا صرّح باسم شيخه حكم بوثاقته فيما إذا لم يكن له معارض .

و إذا عبّر بكلمة بعض اصحابنا فلا يحكم بالوثاقة .

ولو عبّر بكلمة «غير واحد» حكم باعتبار السند .

 

توثيقات عامة اُخرىوالتوثيقات العامة ـ التي عرفنا صحة بعضها لا جميعها ـ لا تنحصر بما ذكر بل لها مصاديق اُخرى نعرض عنها خوف الاطالة .

تمرينات

س 1 : ما المقصود من التوثيق العام ؟ اذكر بعض الأمثلة لذلك .
س 2 : ما هي العبارة المذكورة في مقدمة تفسير القمي التي استفيد منها وثاقة جميع من ذكر فيه ؟
س 3 : اذكر بعض الأعلام الذي اختار وثاقة جميع رواة تفسير القمي .
س 4 : قد يقال بان مقصود القمي توثيق خصوص من يروي عنه بالمباشرة . اذكر مناقشة السيد الخوئي لهذا الاحتمال .
س 5 : هناك ثلاث مناقشات غير تامة بالنسبة إلى تفسير القمي . اذكرها مع بيان وجه عدم تماميتهما .

س 6 : ما هما المناقشتان التامتان حول تفسير القمي ؟

س 7 : لماذا قيل بوثاقة جميع رواة كامل الزيارة ؟

س 8 : كيف يدفع الرأي القائل بوثاقة جميع رواة كامل الزيارة ؟
س 9 : لِمَ تراجع السيد الخوئي عن خصوص رواة كامل الزيارة دون تفسير القمي ؟

س 10 : قيل بوثاقة جميع مشايخ النجاشي . اذكر مستند ذلك .

س 11 : اُشكل على استفادة وثاقة مشايخ النجاشي . اذكر الاشكال والجواب عنه .

س 12 : ما هي عبارة الكشي في اصحاب الاجماع ؟

س 13 : اختلف فهم العلماء للاجماع المدعى في كلام الكشي . اوضح الاختلاف المذكور .
س 14 : جاء ذكر أصحاب الاجماع مرتين : مرة في التوثيقات الخاصة واُخرى في التوثيقات العامة . هل ترى في ذلك نحو تكرار أو تهافت أو لا ترى شيئاً من ذلك ؟ أوضح ذلك .

س 15 : من هم بنو فضال ؟

س 16 : لماذا قيل بوثاقة جميع افراد السند المشتمل على بعض بنى فضال ؟

س 17 : كيف يناقش القول المتقدم ؟

س 18 : قيل بوثاقة جميع مشايخ الثقات الثلاثة . اذكر مستند ذلك .
س 19 : للسيد الخوئي عدة مناقشات للرأي القائل بوثاقة جميع مشايخ الثلاثة . اذكر مناقشة واحدة .

س 20 : كيف تدفع مناقشات السيد الخوئي .

س 21 : طبّق فكرة حساب الاحتمال على مراسيل ابن أبي عمير بعد تشخيصك الحالة التي يمكن فيها ذلك .

س 22 : أوضح الطريقة الرياضية لاستخراج قيمة احتمال كون مجموع الثلاثة هم من الخمسة الضعاف فقط .
س 23 : هل سند حديث 1 باب 19 من أبواب مقدمة العبادات في وسائل الشيعة صحيح ؟ أوضح ذلك .

النقطة الثالثة

مدرك حجية قول الرجالي

عرفنا فيما تقدم وجود عدة طرق لاثبات وثاقة الراوي وكان العمدة منها توثيق الرجالي .
وفي هذه النقطة نريد التعرف على مدرك حجية قول الرجالي . وفيما يلي نذكر عدة وجوه :
1 ـ ان يكون ذلك من باب الشهادة ، فكما ان الأخبار لدى الحاكم بان الدار الفلانية لزيد شهادة ويكون ذلك حجة من باب حجية الشهادة كذلك اخبار الرجالي بوثاقة الراوي شهادة ، ويكون حجة من باب حجية الشهادة .
وقد اختار ذلك جماعة من الأعلام منهم صاحب المعالم في معالمه(1) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الطبع القديم : ص 194 .

وأورد على ذلك بان لازمه عدم قبول شهادة مثل النجاشي والشيخ الطوسي بالوثاقة ، لأن شرط قبول قول الشاهد كونه حياً وليس بميت .
كما وانه يلزم عدم قبول شهادة كل واحد منهما فيما إذا كان منفرداً ، لأن شرط قبول الشهادة تعدد الشاهد وكونه اثنين .
كما وانه يلزم عدم قبول توثيق غير الإمامي الاثنى عشري ، لأن شرط قبول شهادة الشاهد عدالته ولا تكفي وثاقته . وعليه يلزم رفض توثيقات بني فضال التي ينقل الكشي بعضها لأنهم فطحية ، وذلك بعيد .
2 ـ ان يكون ذلك من باب حجية قول أهل الخبرة ، فكما ان قول الدلال الذي يحدد قيم الأشياء حجة من باب كونه من أهل الخبرة فكذلك اخبار النجاشي مثلاً بوثاقة الرواة حجة من الجهة المذكورة .
ويرده : ان المورد لا يكون من موارد شهادة أهل الخبرة إلاّ إذا احتاج إلى اعمال الاجتهاد والنظر ، وواضح ان اخبار النجاشي بالوثاقة لا يتوقف على ذلك لأن الوثاقة هي من الاُمور المحسوسة أو القريبة من الحس .
وان شئت قلت : ان الكتب الرجالية كانت متوفرة زمن النجاشي وكان بواسطتها يحكم بوثاقة هذا وذاك ، ومجرد هذا لا يصيره من أهل الخبرة ، إذ هو نظير من كان واقفاً على مرتفع وينظر إلى مجئ هذا وذاك ثم يخبرنا بذلك فهل ترى اننا نقبل اخباره من باب كونه من أهل الخبرة ؟ كلا .

3 ـ ان يكون ذلك من جهة حصول الاطمئنان من قول الرجالي ، وحيثان الاطمئنان حجة بالسيرة العقلائية التي لم يثبت الردع عنها فيثبت حجيةقول الرجالي .

ويرده : ان حصول الاطمئنان من قول الرجالي نادر جداً .

ومن الغريب ما ينقل عن بعض اعلام مدرسة النجف الأشرف من حصول القطع له بوثاقة من يوثقه الشيخ الطوسي (قدس سره) .
4 ـ ان يكون ذلك من باب حجية خبر الثقة بتقريب ان سيرة العقلاء قد جرت على التمسك بخبر الثقة في جميع المجالات . وهي حجة ما لم يثبت الردع عنها في مورد خاص كما هو الحال في الزنا فانه قد دلَّ الدليل على عدم ثبوته إلاّ بأربعة شهود ، وكما في السرقة حيث دلَّ الدليل على عدم ثبوتها إلاّ بشاهدين .
وبناء على هذا الرأي لا يشترط في الموثّق العدالة بل يكفي كونه ثقة متحرزاً عن الكذب . كما وانه لا يشترط التعدد بل يكفي اخبار الواحد . كما وانهلا تشترط حياته .
كل ذلك من جهة انعقاد السيرة العقلائية على التمسك بخبر الثقة من دون اشتراط التعدد والعدالة والحياة .

وممن اختار هذا الرأي من المتأخرين السيد الخوئي (قدس سره) .

 

مشكلة الارسال في التوثيقات

هناك اشكال ظريف ـ اشرنا له سابقاً ـ يرد بناء على الرأي الأخير

بالخصوص .

وحاصله : ان النجاشي حينما يخبر بوثاقة شخص معين فهو يخبر عن ذلك من باب وصوله له يداً بيد وثقة عن ثقة ، فاخباره على هذا عن الوثاقة اخبار يمرُّ بسلسلة من الثقات .
وبناء على هذا يقال : لو كان النجاشي يخبرنا عن حكم الإمام الصادق (عليه السلام)بقضية معينة لما كنّا نقبل اخباره إلاّ بعد ان يخبرنا بسلسلة الرواة الذينيعتمد عليهم في النقل . ولا نكتفي منه لو قال في الجواب ان جميع افراد السلسلة ثقات . اننا نرفض ذلك منه لاحتمال كون بعض من يشهد بوثاقتهم له جارح يشهد بضعفه فما لم يصرح باسم افراد السلسلة يبقى هذا الاحتمال مانعاً من الأخذ بشهادته بالوثاقة .
ومن هنا كانت المراسيل في باب الأخبار عن الأحكام الشرعية مرفوضة من جهة النكتة المذكورة .
ونفس هذا يرد في توثيقات النجاشي نفسه فهو حينما يخبر عن وثاقة راو معين يكون اخباره من خلال سلسلة الثقات ، وحيث ان اسماء افراد السلسلةلا ينقلها فنحتمل وجود جارح لبعضهم .
وبكلمة مختصرة : كما ان النجاشي لو قال : قال الصادق (عليه السلام) الخمر نجسلا نقبل اخباره لأنه مرسل فكذلك اخباره عن الوثاقة حيث انه مرسل فلا يقبل .
وهذا الاشكال يرد ـ كما قلنا ـ على خصوص الرأي الأخير دونه على بقية الآراء ، إذ بناء عليها لا يكون قول الرجالي حجة من باب الاخبار ليقال ان

الاخبار المرسل ليس حجة .

وقد ذكرنا فيما سبق جواباً عن هذا الاشكال يرجع حاصله إلى ان الكتب الرجالية حيث كانت كثيرة زمن النجاشي والشيخ الطوسي فهما بذلك يكونان قد واجها جواً من الوضوح في وثاقة هذا وذاك ، وقد استندا إلى هذا الجو من الوضوح وليس إلى نقل كابر عن كابر كي يقال بحاجة جميع السلسلة إلى اثبات الوثاقة بغير معارض وهو غير ممكن مع عدم معرفة اسماء الوسائط .

وهذا الجواب ان تمَ فبها و إلاّ فبامكاننا تقديم جوابين :

1 ـ نسلم بكون الوجه في حجية قول الرجالي دخوله تحت كبرى حجية خبر الثقة . ولا يضر الارسال في التوثيق لبيان مركب من مقدمتين : ـ
أ ـ ان السيرة العقلائية قد جرت على ان الثقة لو قال اخبرني ثقة بكذا قُبل ذلك منه ولا يقال له من هو الثقة الذي اخبرك فلعلك مشتبه وله جارح .
ب ـ ان الثقة حينما ينقل لنا توثيق شخص فهو ملتزم بانه ينقل التوثيق عن الثقات و إلاّ فما فائدة اخباره بوثاقة شخص عن غير الثقات .
وبضم احدى المقدمتين للاُخرى يثبت ان الشيخ الطوسي حينما ينقل الوثاقة عن شخص فهو ملتزم ويشهد بكونه ثقة ، وهذا الثقة الثاني يشهد بكون من ينقل عنه ثقة ، وهكذا .
2 ـ ان بالامكان تقديم مدرك جديد وهو الشهادة ، بان يقال يوجد لدينا أمران : شهادة الثقة واخبار الثقة . والسيرة العقلائية قد جرت على قبول

شهادة الثقة من دون تفحص عن مدركه وبدون فرق بين كون الشاهد حياً أولا ، عادلاً أو ثقة ، واحداً أو متعدداً . وحيث ان السيرة المذكورة لا ردع عنها شرعاً فهي حجة .
اجل نستدرك لنقول ان العقلاء يقبلون شهادة الثقة بشرط احتمال استنادها إلى الحس احتمالاً معتداً به .
وهذا الاحتمال ثابت في حق النجاشي والشيخ لكثرة الكتب الرجاليةفي زمانهما .
و إذا سألت عن الفرق بين هذا الجواب والجواب الأول من الأجوبة الأربعة المتقدمة .
كان الجواب ان ما سبق كان ناظراً إلى الشهادة بمعناها الشرعي الذي هو متقوم بتعدد الشاهد وحياته وعدالته ، بينما هذا الجواب ناظر إلى الشهادة بمعنىً ثان انعقدت عليه سيرة العقلاء وهو ان الثقة الواحد إذا شهد بشيء قبلت شهادته وان لم يكن حياً ولا عادلاً .

و إذا قيل ما الفرق بين اخبار الثقة وشهادة الثقة ؟

كان الجواب : ان الملحوظ في اخبار الثقة مجرد كونه ناقلاً بدون ان يفترض حكمه الخاص بينما الملحوظ في شهادة الثقة نقله للشيء مع افتراض حكمه على طبقة واعماله لرأيه . فالثقة تارة ينقل الوثاقة بدون تبن لها واُخرى ينقلها مع تبنيه لها وحكمه على طبقها . والأول يدخل تحت عنوان اخبار الثقة

والثاني يدخل تحت عنوان شهادة الثقة .

تطبيقات

نعود إلى التطبيقات من جديد .

ذكر الحرُّ العاملي في الوسائل الباب 3 من أبواب الماء المطلق ما نصه : ـ
1 ـ محمد بن الحسن عن محمد بن محمد بن النعمان المفيد عن ابي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد وعبد الرحمن بن أبي نجران عن حماد بن عيسى عن حريز بن عبد الله عن أبي عبد الله (عليه السلام) . . .
ان الرواية المذكورة نقلها الحر عن احد كتابي الشيخ الطوسي بقرينة قوله محمد بن الحسن وهو الشيخ الطوسي .
والرواية صحيحة السند لوثاقة جميع افراد السند . وقد تقدمت الاشارة لهم فيما سبق .
ونلفت النظر إلى ان الرواية المذكورة بالرغم من صحتها بطريق الشيخ الطوسي لا يمكن الاعتماد عليها لأن الحر قال بعد ذلك : ورواه الكليني عن علي ابن إبراهيم عن أبيه وعن محمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان جميعاً عن حماد عن حريز عمن اخبره عن ابي عبد الله (عليه السلام) مثله . وهذا يدل على وجود واسطة مجهولة بين حريز والإمام (عليه السلام) ، وحيث لا نحتمل تعدد الرواية فتسقط عن الاعتبار لاحتمال وجود واسطة مجهولة .

2 ـ وباسناده عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حماد يعني ابن عثمان عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) . . .

أي وباسناد الشيخ الطوسي عن علي بن إبراهيم .

والرواية صحيحة السند لأن سند الشيخ إلى علي بن إبراهيم صحيح فراجع المشيخة . وبقية افراد السند ثقات .

اما علي ووالده وابن ابي عمير فقد تقدموا .

واما حماد فهو من اصحاب الاجماع .

واما الحلبي فهو عبيد الله بن علي بن أبي شعبة الحلبي . قال النجاشي : كان يتجر هو وابوه واخوته إلى حلب فغلب عليهم النسبة إلى حلب . وآل أبي شعبة في الكوفة بيت مذكور من اصحابنا . . وكانوا جميعاً ثقات مرجوعاً إلى ما يقولون وكان عبيد الله كبيرهم ووجههم . وصنف الكتاب المنسوب إليه وعرضه على ابي عبد الله (عليه السلام) وصححه . قال عند قراءته : اترى لمثل هؤلاء مثل هذا(1) .

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) معجم رجال الحديث 11 : 77 .

تمرينات

 

س 1 : هناك عدة مدارك لاعتبار قول الرجالي . اذكر المدرك الأول منها مع مناقشته .

س 2 : هل المدرك الثاني لاعتبار قول الرجالي حجة بنظرك ؟

س 3 : اوضح المدرك الرابع مع توجيهه .

س 4 : اوضح اشكال الارسال في التوثيقات ؟

س 5 : لماذا يختص اشكال الارسال في التوثيقات بخصوص المدرك الرابع ؟
س 6 : اذكر الجواب السابق الذي نقلناه عن مشكلة الارسال في التوثيقات .
س 7 : اوضح الجواب الأول الذي ذكرناه من اشكال الارسال في التوثيقات .

س 8 : اوضح الجواب الثاني عن ذلك .

س 9 : ما الفرق بين الجواب الثاني الذي ذكرناه والجواب الأول من الأجوبة الأربعة المتقدمة ؟

س 10 : ما الفرق بين اخبار الثقة وشهادة الثقة ؟

س 11 : هل حديث 1 الباب 20 من أبواب مقدمة العبادات في وسائل الشيعة صحيح السند ؟ أوضح ذلك ببيان كامل .

الفصـل الثاني

البحث عن اقسام الحديث

قُسِّم الحديث إلى أربعة أقسام :

1 ـ الصحيح : وهو ما كان جميع رواته عدولاً امامية .

2 ـ الموثق : وهو ما كان رواته كلهم أو بعضهم من غير الإماميةولكنهم وثقوا .
3 ـ الحسن : وهو ما كان رواته كلهم أو بعضهم من الإمامية ولكنهم لم يوثقوا بل مدحوا فقط .
4 ـ الضعيف : وهو ما لم يكن واحداً من الأقسام الثلاثة بان كان رواته مجهولين أو قد ضعفوا .
وهذه الأقسام الأربعة قد تقسم بدورها إلى أقسام اُخر لا يهم التعرض لها .
وقيل بان القدماء لم يكن هذا التقسيم الرباعي متداولاً بينهم بل كان التقسيم عندهم ثنائياً ، أي قسموا الحديث إلى قسمين : صحيح وضعيف . والصحيح في

مصطلحهم هو الخبر الذي يلزم العمل به نتيجة احتفافه بقرائن تفيد القطع أو الاطمئنان بصدوره . والضعيف هو ما لم يكن كذلك .
وقد شجب الاخباريون ـ كصاحب الحدائق وصاحب الوسائل والفيض الكاشاني ـ التقسيم الرباعي وانكروا على أول من نسب إليه ابتكار ذلك وهو العلاّمة الحلي(1) .
وحجة الاخباريين في ذلك ان الكتب الجامعة لاحاديثنا متواترة وقد قامت القرائن على صحتها . وانهى صاحب الوسائل تلك القرائن الدالة على صحة تلك الكتب إلى 22 قرينة كما يتضح ذلك لمن راجع الفائدة التاسعة المذكورة في الجزء الأخير من الوسائل .
قال (قدس سره) في جملة كلامه : «ويظهر من ذلك ضعف الاصطلاح الجديد على تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وموثق وضعيف الذي تجدد في زمن العلاّمة وشيخه أحمد بن طاووس» .
وسوف يأتي في الأبحاث المقبلة ان شاء الله بطلان هذه الدعوى القائلة بصحة جميع ما في كتبنا الحديثية . وبعد بطلانها يكون التقسيم الرباعيالمذكور وجيهاً .
وهناك عدة ابحاث ترتبط بالأقسام الأربعة المذكورة للخبر نذكرها
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وقيل بل هو السيد أحمد بن طاووس شيخ العلاّمة الحلي . وقيل بل ان التقسيم كان ثابتاً لدى القدماء قبل العلاّمة وابن طاووس .

ضمن نقاط : ـ

الشهرة على خلاف الخبر الصحيح1 ـ إذا كان الخبر صحيح السند فالمعروف حجيته بَيْد ان هناك تساؤلاً معروفاً وهو انه لو كانت الشهرة الفتوائية بين الفقهاء على خلاف مضمون الخبر الصحيح فهل يسقطه ذلك عن الحجية أو لا ؟ المعروف سقوطه عن الاعتبار(1) .
ويمكن توجيه ذلك بان الطبقة المتقدمة من اعلامنا كالكليني والصدوق ومن شاكلهما إذا اعرضوا عن رواية فذلك يكشف عن وجود خلل في بعض جهاتها و إلاّ فلماذا اعرضوا عنها .
ولعل السيرة العقلائية تؤيد ذلك فانه لو اخبر الثقة بخبر واعرضت الطبقة ذات الخبرة عن مضمونه فالبقية تتوقف عن العمل به .
وبالامكان ان يضاف إلى توجيه سقوط الخبر المعرض عنه عن الاعتبار بان أهم دليل على حجية الخبر هو السيرة العقلائية ، وحيث انها دليل لبي فيقتصر على القدر المتيقن منها وهو خبر الثقة الذي لم تعرض عنه الطبقة المعاصرة له من ذوي الخبرة .
ونستدرك لنقول : ان اعراض الاصحاب عن رواية انما يكون مسقطاً لها
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) خلافاً للسيد الخوئي حيث اختار عدم سقوطه عن الحجية باعتبار ان الخبر إذاكان في نفسه حجة فلا وجه لرفع اليد عن حجيته بمجرد مخالفة المشهور له . راجعمصباح الاُصول ج2 ص203 .

عن الحجية بشرطين : ـ

أ ـ ان يكون الأعراض ثابتاً لدى قدماء الاصحاب المقارب عصرهم لعصر الغيبة الصغرى كالشيخ الكليني والصدوق دون المتأخرين ، فان اعراض المتقدمين لأجل قرب عصرهم من عصر صدور الرواية يكشف عن وجود خلل في بعض جهاتها دون اعراض المتأخرين .
ب ـ ان لا يكون الأعراض الثابت بين المتقدمين وليدَ اعمال نظرهم واجتهادهم ، إذ اجتهادهم حجة عليهم لا علينا .
ومن هنا يصح ان نقول ان الخبر كلما ازداد صحة ازداد وهناً باعراض المشهور ، لأن ازدياد صحته يضعِّف من احتمال كون سبب الأعراض عنههو الاجتهاد .
ونلفت النظر إلى ان اعراض الطبقة المتقدمة وان كان موجباً للسقوطعن الاعتبار إلاّ ان احراز ذلك ـ اعراض الطبقة المتقدمة ـ صعب في كثيرمن الأحيان .

 

خبر الثقة أو خبر العادل2 ـ المعروف بين الأعلام ان الحجة ليس خصوص خبر العادل بل خبر الثقة حجة أيضاً خلافاً لمثل صاحب المدارك الذي اختار حجية خصوص خبر العادل .
والوجه في حجية خبر الثقة وعدم اشتراط عدالته السيرة العقلائية المنعقدة على العمل به . وهي ممضاة شرعاً بسبب عدم الردع عنها .

و إذا قيل ان أية النبأ تدل بمنطوقها على عدم حجية خبر الفاسق حيثتقول ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا . . . وعنوان الفاسق صادق على الثقة الذيهو غير عادل .
كان الجواب : ان المقصود من الفاسق في الآية الكريمة غير المتحرز عن الكذب لقرينتين :
أ ـ مناسبة الحكم والموضوع فان المناسب للحكم بعدم الحجية هو خبرمن لا يتحرز عن الكذب دون المتحرز عن الكذب الذي قد يرتكب بعض المحرمات الاُخرى .
ب ـ التعليل بالندم المذكور في ذيل الآية الكريمة ـ ان تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ـ فان الندم يتحقق عند الأخذ بخبر غير المتحرز عن الكذب دون المتحرز الذي قد يزاول الذنوب بجوارحه .

 

خبر الثقة أو الموثوق به3 ـ وهل الحجة مطلق خبر الثقة أو بشرط افادته الوثوق والاطمئنان ؟
مال الشيخ الأعظم في الرسائل بعد فراغه من الاستدلال بآية النبأ وقبل شروعه في الاستدلال بالسنة إلى اعتبار الوثوق تمسكاً بالتعليل الواردفي آية النبأ فان خوف الوقوع في الندم ثابت في الأخذ بالخبر مادام لم يحصلمنه وثوق .
والصحيح عدم اعتبار ذلك وكفاية وثاقة الراوي لصحيحة عبد العزيز بن

و إذا قيل ان أية النبأ تدل بمنطوقها على عدم حجية خبر الفاسق حيثتقول ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا . . . وعنوان الفاسق صادق على الثقة الذيهو غير عادل .
كان الجواب : ان المقصود من الفاسق في الآية الكريمة غير المتحرز عن الكذب لقرينتين :
أ ـ مناسبة الحكم والموضوع فان المناسب للحكم بعدم الحجية هو خبرمن لا يتحرز عن الكذب دون المتحرز عن الكذب الذي قد يرتكب بعض المحرمات الاُخرى .
ب ـ التعليل بالندم المذكور في ذيل الآية الكريمة ـ ان تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ـ فان الندم يتحقق عند الأخذ بخبر غير المتحرز عن الكذب دون المتحرز الذي قد يزاول الذنوب بجوارحه .

 

خبر الثقة أو الموثوق به3 ـ وهل الحجة مطلق خبر الثقة أو بشرط افادته الوثوق والاطمئنان ؟
مال الشيخ الأعظم في الرسائل بعد فراغه من الاستدلال بآية النبأ وقبل شروعه في الاستدلال بالسنة إلى اعتبار الوثوق تمسكاً بالتعليل الواردفي آية النبأ فان خوف الوقوع في الندم ثابت في الأخذ بالخبر مادام لم يحصلمنه وثوق .
والصحيح عدم اعتبار ذلك وكفاية وثاقة الراوي لصحيحة عبد العزيز بن

واستدل في مصباح الاُصول(1) على ذلك بالسيرة العقلائية بدعوى انها قائمة على ان امر المولى الموجّه لعبده إذا وصل بنقل امامي ممدوح لم يظهر فسقه ولا عدالته يعمل به كما هي قائمة على العمل بالخبر الواصل بنقل الإمامي العادل .

ويرده : ان مدح الشخص اما ان يستفاد منه توثيقه أو لا .

فعلى الأول يدخل الخبر تحت خبر الثقة ويخرج عن الحسن .

وعلى الثاني وان كان لا يدخل تحت خبر الثقة إلاّ ان الجزم بانعقاد السيرة على العمل به مشكل جدا إذ مع عدم استفادة التوثيق من المدح يكون احتمال تعمد الكذب ثابتاً ، وكيف يدعى عمل العقلاء بخبر شخص يحتمل تعمده الكذب ! !

 

الخبر الضعيف5 ـ المعروف بين المتأخرين عدم حجية الخبر الضعيف بَيْد ان هناك تساؤلاً يقول ان الخبر الضعيف هل يمكن ان يرتقي إلى مستوى الحجية عند موافقة الشهرة الفتوائية له ، بمعنى ان الخبر إذا كان ضعيف السند إلاّ ان مشهور الفقهاء قد افتوا على طبقه فهل فتواهم تجبر ضعف سنده ؟

المعروف انجباره بها .

وقبل ان نذكر الوجوه التي يمكن الاستدلال بها على ذلك نلفت النظر إلى ان
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مصباح الاُصول 2 : 200 .

المسألة المذكورة مهمة جداً ، فانه بناء على جابرية الشهرة سوف تدخل مجموعة كبيرة من الأخبار في دائرة الحجية بعد ما كانت خارجة عنها بناء على عدم جابرية الشهرة .
كما وانه بناء على قبول كبرى جابرية الشهرة سوف تقل حاجتنا إلى علم الرجال ، إذ الخبر حتى لو كان ضعيف السند يمكن البناء على حجيته لو كان المشهور قد افتى على طبقه بلا حاجة إلى البحث عن وثاقة رواته .

والأدلة على جابرية الشهرة لضعف السند متعددة . وهي :

أ ـ ان موافقة الشهرة الفتوائية للخبر نحو تبين عن صدقه ، وهو ممايكفي في ثبوت الحجية لأن الآية الكريمة قالت : ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ، والمفهوم منها انه مع التبين عن خبر الفاسق واتضاح انه صادق يكون حجة ويجب الأخذ به .
واورد السيد الخوئي في مصباح الاُصول(1) على ذلك بان الشهرة الفتوائية إذا لم تكن في نفسها حجة فضمها إلى الخبر لا يوجب تحقق التبين عنه ، لأن التبين لا يتحقق إلاّ بما هو حجة .
ب ـ ان عمل المشهور بخبر يكشف عن توثيقهم لرواته و إلاّ لم يعملوا به ، ومع توثيقهم لرواته يكون حجة .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مصباح الاُصول 2 : 201 .

وفيه : ان عمل المشهور بخبر لا يدل على توثيقهم لرواته ، إذ عملهم به يمكن ان يكون من ناحية اقترانه في نظرهم ببعض القرائن التي لو اطلعنا عليها لرفضناها .

جـ ـ ان شهرة العمل برواية توجب الاطمئنان بصدورها وصحتها .

وهذا الكلام جيد إذا كانت شهرة العمل ثابتة لدى الطبقة المتقدمة من علمائنا الذين عاصروا الغيبة الصغرى أو قاربوا عصرها .
إلاّ ان المشكلة في كيفية احراز استنادهم اليها ، فالطبقة المتقدمة لواستندت إلى الخبر أمكن حصول الاطمئنان ولكن كيف نحرز ذلك ؟ فان مجرد مطابقة فتواهم للرواية لا يدل على استنادهم إليها بل لعل لهم مستنداً آخر لم نطلع عليه ، فان كتبهم الاستدلالية ليست بايدينا حتى نعرف ان مستندهم هو الرواية أو امرٌ آخر . فالحسن بن عقيل المعروف بالعماني له كتاب فقهي استدلالي يسمى بالمستمسك بحبل آل الرسول (صلى الله عليه وآله) ، وقد قال النجاشي عنه : «كتاب مشهور في الطائفة . وقيل ما ورد الحاج من خراسان إلاّ طلب واشترى منه نسخاً» .
وهذا الكتاب مفقود الآن وبالتالي فلا يمكن التعرف على مستندات الفقيه المذكـور .
وابن الجنيد ينقل ان له كتاباً كبيراً يسمى بتهذيب الشيعة لاحكام الشريعة واختصره بعد ذلك وسماه بالأحمدي في الفقه المحمدي .

بل قيل ان أول كتاب فقهي استدلالي وصل الينا هو المبسوط

للشيخ الطوسي .

 

الخبر المضمر6 ـ للخبر الضعيف عدة مصاديق احدها الخبر المضمر . وقد وقع الكلام في حجيته وعدمها .
والخبر المضمر هو الخبر الذي لا يصرح فيه بكون المسؤول الإمام (عليه السلام) بل يذكر ضمير يحتمل رجوعه إلى الإمام (عليه السلام) و إلى غيره كأن يقول سماعة مثلاً : «سألته عن العصير العنبي فقال . . . » انه لم يصرّح بكون المسؤول هو الإمام (عليه السلام)ويحتمل كونه غيره . ومن هنا قد يحكم بعدم حجية الروايات المضمرة لاحتمال كون المسؤول غير الإمام (عليه السلام) .
وقد ذهب كثير من الأعلام إلى التفصيل بين ما إذا كان المضمر من اجلاء الأصحاب الذين لا تليق بهم الرواية عن غير الإمام (عليه السلام) كزرارة ومحمد بن مسلم مثلاً وبين غيرهم فمضمرات القسم الأول حجة دون الثاني .
ووجه التفصيل المذكور واضح ، فان مثل زرارة حيث لا تليق به الرواية عن غير الإمام (عليه السلام)فيتعين كون الشخص المسؤول هو الإمام (عليه السلام) ، وهذا بخلاف ما إذا لم يكن المضمر من امثاله فانه حيث لا يتعين في حقه السؤال عن الإمام (عليه السلام)فلا تكون روايته حجة .
هذا وبامكاننا تقديم بيان نثبت من خلاله حجية جميع المضمرات من دون تفصيل .

وحاصل البيان المذكور ان يقال : ان ذكر الضمير بدون مرجع قضية غير مألوفة في اللغة العربية ، فلا يليق بالعارف باساليب الكلام العربي إذا دخل على جماعة من الناس ان يقول سألته من دون ذكر المرجع .
وعليه ففي موارد ذكر الضمير بدون مرجع لا بدَّ من وجود عهد خاص بين الطرفين لمرجع الضمير اعتمدا عليه في تشخيص المرجع ، وبسبب ذلك ذكر الضمير .
ثم نضم إلى ذلك مقدمة اُخرى وهي انه لا يوجد شخص يليق ان يكون معهوداً إلاّ الإمام (عليه السلام) فانه المعهود في الأوساط الشيعية بتوجيه الأسئلة اليه .
وبذلك يثبت كون المسؤول هو الإمام (عليه السلام) بدون حاجة إلى تفصيل .
و إذا قال قائل لعل هناك شخصاً غير الإمام (عليه السلام) كان معهوداً بين الطرفين اعتمدا على عهده في ذكر الضمير ولا يتعين كون المعهود هو الإمام (عليه السلام).
كان جوابنا ان المضمِر كسماعة مثلاً حيث انه لم يحتكر الرواية على نفسه بل حدّث بها غيره أو سجّلها في كتابه فذلك يدل انه اراد نقلها لجميع الأجيال ، وحيث لا يوجد شخص تعهده الأجيال جميعاً إلاّ الإمام (عليه السلام) فيثبت بذلك كون الضمير راجعاً إلى الإمام (عليه السلام) .

 

منشأ الاضمارقد يقال ان التعرف على منشأ الاضمار يساعد على الحكم بحجية جميع

المضمرات بدون تفصيل .

والمنشأ ان الاصحاب كانوا يسألون احياناً الأئمة (عليهم السلام) اسئله متعددة وفي مجالات مختلفة . وحينما ارادوا نقل تلك الاسئلة والأجوبة بعد ذلك اكتفوا بذكر الإمام (عليه السلام)في صدر الاسئلة وارجاع الضمير إليه بعد ذلك ، فزرارة مثلاً يقول : سألت الإمام الصادق (عليه السلام) عن حكم الشك في الصلاة فقال كذا وسألته عن حكم العصير فقال كذا وسألته عن حكم الفقاع . . .
وبعد ذلك وبمرور الزمن بوبت الأحاديث وذكرت كل فقرة في الباب المناسب لها ، فعقد باب للفقاع مثلاً وذكر تحته : روى زرارة سألته عن حكم الفقاع فقال كذا من دون اشارة إلى كون المسؤول في صدر الأسئلة هو الإمام (عليه السلام) .
ان منشأ الاضمار هذا قد يستدل به على الحكم بحجية جميع المضمرات بدون تفصيل .
ويمكن مناقشته باعتبار احتمال كون الشخص المسؤول في صدر الأسئلة هو غير الإمام (عليه السلام) .

 

الخبر المرسلالخبر المرسل هو الخبر الذي لا يذكر فيه اسم بعض رجال السند ، كما إذا قيل في اثناء السند «عن رجل» أو «عن بعض اصحابنا» أو «عن غير واحد»ونحو ذلك .
وقد وقع الكلام في حجية المراسيل وعدمها . والأقوال في ذلك كما يلي :

أ ـ عدم حجية الحديث المرسل باعتبار ان الواسطة المبهمة لا نحرز وثاقتها ، وعلى تقدير وثاقتها نحتمل وجود الجارح لها .

واصالة عدم وجود الجارح ليس لها أساس .

ب ـ حجية الخبر المرسل إذا كان سنده يشتمل على بعض اصحاب الاجماع الثمانية عشر ، لأن الكشي ادعى اجماع العصابة على تصحيح ما يصح عن اصحاب الاجماع .
ويرده : ما تقدم من ان المقصود من الاجماع المذكور الاجماع على وثاقة الاصحاب الثمانية عشر وجلالة مقامهم وانهم في مرتبة اجمعت الطائفة على وثاقتهم وعلو شأنهم بدون نظر إلى حال غيرهم .
جـ ـ حجية الخبر المرسل إذا كان المرسل مثل ابن أبي عمير وصفوان والبزنطي لبيان تقدم ، وتقدم أيضاً ان المناسب هو التفصيل في مثل ذلك .
د ـ التفصيل بين ما إذا ارسل الصدوق الرواية عن الإمام (عليه السلام) بلسان قال الإمام الصادق (عليه السلام) مثلاً وبين ما إذا قال روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) فالأول حجة دون الثاني .
والوجه في ذلك : ان التعبير بجملة قال الإمام الصادق (عليه السلام) تدل على جزم الصدوق بصدور الرواية عن الإمام (عليه السلام) و إلاّ فلا تجوز له نسبة الرواية إليه (عليه السلام) .
ومع فرض جزم الصدوق نقول : ان الجزم المذكور مردد بين كونه ناشئاًمن حس أو حدس ، وباصالة الحس يثبت كونه ناشئاً من حس ، أي بسبب

نقل المضمون المنسوب للإمام (عليه السلام) بشكل متكرر ومتكثر . وبذلك يكون نقلهحجة علينا .
وهذا كله بخلاف ما إذا قال الصدوق روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) ، فان التعبير المذكور لا يدل على جزم الصدوق حتى تطبق اصالة الحس .
ومن خلال هذا التوجيه يتضح ان هذا التفصيل لا يختص بحق الصدوق فقط و إنما خصص بالذكر من جهة كثرة تداول الارسال في فقيهه تارة بلسان قال واُخرى بلسان روي .
ويرده : ان التعبير بجملة «قال» لو سلمنا دلالته على جزم الصدوق إلاّ انهلا يلزم ان يكون ذلك من جهة النقل المتكرر عن الإمام (عليه السلام) ـ بل ذلك ضعيف ، إذ لو كان هناك نقل متكرر لنقل الصدوق نفسه أو غيره قسماً من تلك الروايات ـ بل من المحتمل ان يكون جزم الصدوق وليدَ قرائن خاصة احتفت بالمضمون المنقول لو اطلعنا عليها لم تورث لنا الجزم ولحكمنا ببطلانها .

 

تمرينات

 

س 1 : ما هي الأقسام الأربعة للحديث ؟ اذكرها مع الايضاح الكامل .

س 2 : ما الفرق بين تقسيم القدماء للحديث وتقسم العلاّمة ؟

س 3 : لماذا شجب الاخباريون التقسيم الرباعي ؟

س 4 : قيل ان الشهرة الفتوائية على خلاف الخبر الصحيح تسقطه عن الحجية . ما المقصود من ذلك ؟
س 5 : كيف نستدل على سقوط الخبر الصحيح عن الحجية بمخالفته للشهرة الفتوائية ؟
س 6 : هناك شرطان لسقوط الخبر عن الحجية باعراض المشهور.اذكرهما .
س 7 : لماذا كلما ازداد الخبر صحةً ازداد وهناً باعراض المشهور ؟
س 8 : اعراض الطبقة المتقدمة عن رواية موجب لسقوطها عن الاعتبار ولكن . . . اكمل العبارة .

س 9 : ما الفرق بين خبر العادل وخبر الثقة ؟

س 10 : من هو القائل بحجية خصوص خبر العادل ؟

س 11 : ما الدليل على حجية خبر الثقه وعدم اشتراط العدالة ؟

س 12 : قد يقال بان أية النبأ تدل على عدم حجية خبر الثقة غير العادل . كيف ندفع ذلك ؟
س 13 : هل أية النبأ تدل على عدم حجية خبر الثقة غير العادل بمنطوقها أو بمفهومها ؟

س 14 : ما الفرق بين خبر الثقة والخبر الموثوق به ؟

س 15 : هل الشيخ الأعظم يرى حجية خبر الثقة أو الخبر الموثوق به ؟
س 16 : ما الدليل على حجية خبر الثقة بدون اشتراط افادته الوثوق ؟
س 17 : كيف استدل السيد الخوئي على حجية الخبر الحسن ؟ وكيف نناقش ذلك الدليل ؟

س 18 : ما معنى انجبار الخبر الضعيف بالشهرة الفتوائية ؟

س 19 : لماذا كان البحث عن مسألة انجبار الخبر الضعيف بالشهرة مهماً ؟

س 20 : كيف تؤثر مسألة الانجبار على الحاجة إلى علم الرجال ؟

س 21 : اوضح الدليل الأول على انجبار الخبر الضعيف بالشهرة وكيف ناقشه السيد الخوئي ؟

س 22 : اوضح الدليل الثاني على الانجبار ومناقشته .

س 23 : اوضح الدليل الثالث على الانجبار . وما هي المشكلة التي تواجهه ؟

س 24 : ما المقصود من الخبر المضمر ؟

س 25 : اذكر التفصيل الذي تبناه كثير من الأعلام في حجية المضمرات .
س 26 : اوضح البيان الذى تمسكنا به لاتيان حجية جميع المضمرات بدون تفصيل .

س 27 : ما هو سبب الاضمار في الروايات ؟

س 28 : كيف يساعد التعرف على سبب الاضمار في الحكم بحجية جميع المضمرات ؟ وكيف نناقش ذلك ؟

س 29 : ما هو الخبر المرسل ؟

س 30 : اذكر القول الأول في باب حجية المراسيل . وكيف يستدل عليه ؟
س 31 : اوضح القول الثاني في باب حجية المراسيل مع توجيهه وكيف نناقش ذلك التوجيه ؟

س 32 : اذكر القول الثالث في حجية المراسيل مع توجيهه .

س 33 : اوضح القول الرابع في حجية المراسيل مع توجيهه بايضاح تام .

س 34 : كيف نناقش القول الرابع في حجية المراسيل ؟

س 35 : قال الشيخ الحر في الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة حديث 1 ما نصه : «محمد بن الحسن باسناده عن أحمد بن محمد عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن حماد بن عيس عن حريز بن عبد الله عن زرارة قلت لأبي

عبد الله (عليه السلام) . . . » هل السند المذكور تام ؟ أوضح ذلك جيداً .
س 36 : وقال في نفس الباب حديث 2 ما نصه : «وباسناده عن الحسين ابن سعيد عن النضر عن محمد بن أبي حمزة عن عبد الرحمن بن الحجاج وعلي جميعاً عن أبي إبراهيم (عليه السلام)في . . . » . هل السند المذكور تام ؟ اوضح ذلك . واوضح ماذا يقصد من كلمة «جميعاً» الواردة في السند .

س 37 : هل سند الحديث 3 المذكور في نفس الباب السابق تام ؟

 

الفصـل الثالث

نظرات في بعض كتب الحديث

قبل التحدث عن كل كتاب من كتب الحديث نشير إلى دعوى مهمة نسبت إلى الأخباريين واختارها بشكل جزئي بعض الاُصوليين .
وتلك الدعوى : ان جميع أحاديث الكتب الأربعة قطعية الصحة والاعتبار ولا مجال للتأمل في رجال اسنادها بل كل رواية مذكورة فيها ينبغي الأخذبها بلا توقف .
ولاثبات صحة هذه الدعوى يتمسك تارة بتعابير وردت في مقدمةهذه الكتب استفيد منها توثيق اصحاب تلك الكتب لجميع افراد الرواةالمذكورين فيها .
ويأتي توضيح ذلك عند التعرض إلى التحدث عن كل واحد منتلك الكتب .
واخرى يتمسك ببعض الوجوه التي تعم جميع الكتب الأربعة ولا تختص

ببعض منها دون آخر من قبيل الوجوه التي تمسك بها صاحب الوسائل وهي 22 وجهاً ذكرها ضمن بعض الفوائد التي سجلها في آخر كتابه .
ولعل أقوى تلك الوجوه هو الوجه الأول الذي يرجع محصله إلى ان اصحاب الأئمة (عليهم السلام) قد اتعبوا انفسهم لضبط الاحاديث وتدوينها والحفاظ عليها إلى زمن المحمدين الثلاثة وقام المحمدون بدورهم بتدوين تلك الأحاديث في كتبهم الأربعة .
وهذا الاهتمام الأكيد يولّد بحسب العادة العلم بصدور الأحاديث المودعة في تلك الكتب .
وهذا الاهتمام له شواهد متعددة ، فالشلمغاني حينما ألَّف كتاب التكليف قال الشيخ الجليل سفير الناحية المقدسة الحسين بن روح رحمه الله تعالى : اطلبوا الكتاب لي لانظره ، فقرأه من أوله لآخره وقال : ما فيه شي إلاّ وقد روي عن الأئمة (عليهم السلام) إلاّ موضعين أو ثلاثة فانه كذب عليهم .
بل ان الشيخ الجليل نفسه حينما ألَّف كتابه المعروف بكتاب التأديب أرسله إلى مدرسة قم ، وطلب من فقهائها النظر فيه ، فايدوا كل ما فيه إلاّ ما ذكره من ان زكاة الفطرة تساوي نصف صاع من طعام والمناسب صاع من طعام .
ويعرض كتاب يوم وليلة الذي هو تأليف يونس بن عبد الرحمن على الإمام أبي محمد صاحب العسكر (عليه السلام) فيقرضه بقوله : اعطاه الله بكل حرف نوراً يوم القيامة .

هذه بعض الشواهد التي تدل على اهتمام الأصحاب بالأحاديث .

والشيخ الأعظم في الرسائل في مبحث حجية الخبر نقل قسماً وافراً من تلك الشواهد فراجع .
ان الوجه المهم من تلك الوجوه المتكثرة التي ذكرها الحرُّ العاملي هو هذا الوجه و إلاّ فبقية الوجوه قد تكون واضحة التأمل .
وعلى سبيل المثال يقول في الوجه الثالث : ان مقتضى الحكمة الربانية وشفقة أهل البيت (عليهم السلام) بالشيعة تمهيد اصول معتمدة لهم يعملون بها زمن الغيبة ، وليست هي إلاّ المصادر التي اعتمد عليها وجمع منها كتاب وسائله .
ومن قبيل ما ذكره في الوجه السابع من ان احاديث كتابه إذا لم تكن صحيحة يلزم وقوع الشيعة في الضلال إلى يوم القيامة ، والعادة قاضية ببطلان ذلك ، وائمة أهل البيت (عليهم السلام) لا يرضون بذلك .
ومن قبيل ما ذكره في الوجه الثاني عشر من ان التقسيم الرباعي للحديث مأخوذ من كتب العامة ، وقد امرنا باجتناب طريقتهم .
ومن قبيل ما ذكره في الوجه السادس عشر من ان التقسيم الرباعي مستحدث من قبل العلاّمة وابن طاووس ، وهو لا يعدو الاجتهاد والظن ، وقد امرنا باجتناب الظن . وقد ورد عنهم (عليهم السلام) : شرُّ الاُمور محدثاتها وعليكم بالتلاد .

هذا بالنسبة إلى صاحب الوسائل .

واما بالنسبة إلى غيره فاضاف السيد بحر العلوم وجماعة آخرون دعوى اُخرى وهي ان الاُصول الحديثية التي نقل منها المحمدون الثلاثة أحاديثكتبهم متواترة ومعلومة النسبة إلى اصحابها كمعلومية نسبة الكتب الأربعة اليومإلى اصحابها .
وفرّعوا على ذلك عدم الحاجة إلى وجود طريق صحيح بين المحمدين الثلاثة واصحاب تلك الاُصول وبالتالي لا يكون وجود بعض مشايخ الاجازة الذين لم تثبت وثاقتهم في الطريق ـ كأحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد وأحمد ابن محمد بن يحيى وعلي بن محمد بن الزبير القرشي والحسين بن أبي جيد وأحمد بن عبدون و . . . ـ مانعاً من الأخذ بالرواية .

 

ليس جميع ما في الكتب الأربعة صحيحاًوبعد التعرف على توجيه صاحب الوسائل ومتابعيه لدعوى صحة جميع ما في الكتب الأربعة ناخذ بمناقشة ذلك بما يلي :
1 ـ ان اهتمام الأصحاب بالأخبار لا يولّد اليقين بصحة جميعها بل غاية ما يقتضيه هو العلم بصحة كثير منها ، لأنه لا يمكن عادة ذهاب جميع تلك الاتعاب سدى وبلا نتيجة مثمرة .
2 ـ ان المحمدين الثلاثة انفسهم لا قطع لهم بصحة جميع الأحاديث التي اودعوها في كتبهم فكيف يكون القطع المذكور ثابتاً لغيرهم .
والذي يدل على عدم حصول القطع لهم مناقشتهم في بعض روايات الكتب

الأربعة ، فالشيخ الطوسي في الجزء الثاني من الاستبصار حديث 230 ، 231 يقول : ان راوي الحديثين المذكورين هو عمران الزعفراني وهو مجهول مضافاً إلى وجود قوم ضعفاء في سنديهما .
وفي الجزء الثالث حديث 933 ، 935 يقول ما نصه : «أول ما في هذه الأخبار ان الخبرين منهما وهما الأخيران مرسلان ، والمراسيل لا يعترض بها على الأخبار المسندة لما بيناه في غير موضع . واما الخبر الأول فراويه أبو سعيد الادمي ـ سهل بن زياد ـ وهو ضعيف جداً عند نقاد الأخبار» .
والشيخ المفيد قد تعرض إلى الأخبار الدالة على ان شهر رمضان لا ينقص ابداً التي هي مودعة في الكافي والفقيه وناقشها من حيث السند .
والشيخ الصدوق قال في باب الوصي يمنع الوارث : «ما وجدت هذا الحديث إلاّ في كتاب محمد بن يعقوب ولا رويته إلاّ من طريقه» .
وهذا التعبير لا يصح الابناء على عدم قطعية جميع ما في الكتب الأربعة و إلاّ فلا أثر لروايتها من عدة طرق أو من خصوص الكليني .
وفي التهذيب ج 9 ص 40 ينقل الشيخ خبراً عن الكافي ينتهي إلى ابي سعيد الخدري ثم يعلق عليه بقوله : «فما تضمن هذا الحديث من تحريم لحم الحمار الأهلي موافق للعامة . والرجال الذين رووا هذا الخبر أكثرهم من العامة . وما يختصون بنقله لا يلتفت إليه» .
3 ـ انه لو سلمنا بان جميع الاُصول المنقول منها روايات الكتب الأربعةقطعية الصدور أو متواترة النسبة لاصحابها فهذا لا يعني عدم الحاجة إلى وجود طريق معتبر ، فان قطعية اصل الكتاب وتواتر نسبته لصاحبه لا يستلزم قطعية جميع نسخه . فالكافي مثلاً قطعي النسبة إلى الكليني ولكن ذلك لا يستلزم ان كل نسخة من نسخ الكافي هي قطعية وليس فيها أي اختلاف مع الأصل الذي كتبه الكليني بل لربما تشتمل بعض النسخ على زيادة أو نقصان او تحريف فنحتاج ـ  على هذا ـ إلى طريق معتبر إلى نفس صاحب الكتاب لنأمن من هذه المحاذير .

وبكلمة اُخرى : ان تواتر الكتب نفسها لا يعني تواتر نسخها .

وفائدة اجازة صاحب الكتاب رواية الكتاب عنه تظهر في هذا المجال . فصاحب الكتاب يدفع نسخة من كتابه إلى تلميذه ويقول له اجزتك رواية هذه النسخة عني ، والتلميذ يدفعها بدوره إلى تلميذه ويجيزه روايتها عنه والثالث يدفعها إلى الرابع . وهكذا كل واحد يدفعها إلى الآخر ويجيز روايتها عنه . وبذلك تكون قد وصلت الينا نسخة من مؤلف الكتاب سالمة من انحاء الخلل . ولولا تناقل النسخة المقرونة باجازة كل سابق للاحقه لم نحصل على ذلك .
4 ـ انه بناء على قطعية جميع ما في الكتب الأربعة لا حاجة لتسجيل الشيخ الطوسي والصدوق للمشيخة في آخر كتابهما وذكر طرقهما إلى الاُصول التي نقلا منها الأحاديث . ولا معنى أيضاً لما ذكره الشيخ الطوسي في مقدمة المشيخة من اني اذكر هذه المشيخة لتخرج احاديثي من الارسال إلى الاسناد .
واذا قيل بان غرضهما من ذكر الطرق هو التبرك وايصال السند إلىالإمام (عليه السلام) .

اجبنا بانه بناء على هذا لا حاجة إلى الاكثار من الطرق وذكر اكثر من طريق واحد إلى صاحب الأصل بل كان من المناسب الاقتصار على طريق واحد إلى صاحب الأصل بلا حاجة إلى ذكر طريق ثان ، لان التبرك يتأتى بذكر طريق واحد ، والحال اننا نجد ان الشيخ الطوسي مثلاً يذكر إلى بعض الاُصول أكثر من طريق واحد .
بل يمكن ان نقول أكثر من هذا : انه بناء على فكرة التبرك لا حاجة إلى تسجيل الطرق في كراس وتسميته بالمشيخة وعرضه على الناس بل يكفي لحصول الغرض المذكور تسجيل الطرق في ورقة واحتفاظ الشيخ أو الصدوق بها لنفسه بل لا حاجة إلى تسجيلها في روقة ويكفي الاحتفاظ بها في القلب .
ان التبرك بايصال السند إلى الامام (عليه السلام) يحصل بذلك أيضاً ، ويكون تسجيلها في كتاب بعنوان المشيخة اتلافاً للأوراق والحبر وتبذيراً لهما بلا مبرر .
ولاستيضاح ما نقول أكثر لاحظ حالتنا اليوم ، فلو فرض ان شخصاً اراد التبرك بايصال سنده الى الإمام (عليه السلام) فهل يصح له كتابة كتاب يذكر فيه طرقه إلى الشيخ اغا بزرك الطهراني أو السيد المرعشي النجفي (قدس سرهما) ويذكر أيضاً طرق هذين إلى الشيخ الطوسي ؟ ان العقلاء يضحكون عليه جزماً ويقولون له احتفظ بهذه الطرق في قلبك أو ورقة لنفسك .
5 ـ ان النجاشي تحرز من الرواية عن الضعفاء على ما ذكر في بعض

مواضع كتابه(1) ، وهذا لا معنى له على تقدير تواتر الكتب المنقول عنها .
وأحمد بن محمد بن عيسى يطلب من الحسن بن علي الوشا ـ على ما نقل النجاشي ـ اخراج كتاب ابان الأحمر له ، ويطلب منه سماعه منه ، فعابه على استعجاله وقال له : اذهب فاستنسخه ثم اسمعه مني فقال : لا آمن الحدثان .
ان الحاجة إلى السماع والتعليل بقوله : «لا آمن الحدثان» لا وجه له بعد تواتر تلك الكتب .
6 ـ ان في الكتب الأربعة احاديث قد لا يمكن التصديق بصدورها . من قبيل ما ذكره في الكافي في كتاب الطلاق من ان أمير المؤمنين (عليه السلام)ارتقى المنبر وقال : لا تزوجوا ولدي الحسن (عليه السلام) فانه مطلاق(2) .
اننا لا نرضى بتقديس كتاب الكافي بثمن باهض يحط فيه من كرامة امامنا الحسن (عليه السلام) .
وفي الكافي أيضاً عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل : «وانه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون» رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذكر وأهل بيته المسؤولون «وهم أهل الذكر»(3) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لملاحظة ذلك راجع ما سجلناه سابقاً عند البحث عن التوثيقات العامة .
(2) الكافي 6 : 56 .
(3) الجزء الأول من اصول الكافي : ص211 حديث 4 .

ان صدور الرواية بهذا الشكل مما يقطع بعدمه لاختلال التركيب .
واذا قيل بان امثال هذه الأحاديث لا بدَّ من رفع اليد عن ظاهرها وتاويلها بشكل من الاشكال من قبيل تأويل الحديث الأول بان بعض العوائل الكوفية كانت تحاول تزويج الإمام الحسن (عليه السلام) من بعض بناتها وكان أمير المؤمنين (عليه السلام)يحذر على ولده من تلك البنات فارتقى المنبر وقال : لا تزوجوا ولدي الحسن فانه مطلاق حذراً منه على ولده .
اجبنا ما الفائدة في الحفاظ على الصدور والغاء الظهور ؟ ! ! ان تقديس أهل البيت (عليهم السلام) واخبارهم يلزم ان يدعونا للحفاظ عليها صدوراً وظهوراً ، اما التسليم بصدورها مع عدم العمل بظهورها فهو رفع بالتالي لليد عن اخبار أهل البيت (عليهم السلام)ويعني عدم عملنا بها .

 

مناقشات خاصةهذه بعض المناقشات في دعوى قطعية جميع ما في الكتب الأربعة . وهي مناقشات عامة .
وسوف نذكر عند التحدث عن كل واحد من الكتب الأربعة المناقشات الخاصة التي تخص كل واحد منها .

 

مستندات مرفوضة

ربما يتمسك لتصحيح دعوى قطعية اعتبار جميع ما في الكتب الأربعة ببعض الروايات من قبيل رواية علي بن حنظلة عن الإمام الصادق (عليه السلام) : «اعرفوا منازل الرجال منا على قدر رواياتهم عنا»(1) .
ورواية محمد بن الحسن بن أبي خالد قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام) :
جعلت فداك رووا عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) وكانت التقية شديدة فكتموا كتبهم ولم تُرو عنهم فلما ماتوا صارت الكتب الينا فقال : حدثوا بها فانها حق(2) .
والتأمل في دلالة الروايات المذكورة واضح ، فانها وان دلت على حجية نقل الأخبار ووجوب قبوله في الجملة ـ و إلاّ فلا معنى لجعل منزلة الرجلدائرة مدار قدر روايته ولما كان معنى للحث على نقلها بلسان حدِّثوا بهافانها حق ـ إلاّ انها لا تدل على حجية كل نقل . وهل يحتمل ان أهل البيت (عليهم السلام)يأمروننا باتباع كل خبر بما في ذلك خبر الفاسق والقرآن الكريم يقول : ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا .
و إذا قيل ان قوله (عليه السلام) «حدثوا بها فانها حق» يدل على حقانية جميع الأحاديث الموجودة في كتب الأصحاب المتقدمين .
كان الجواب : ان الرواية تدل على ان جميع ما صدر من الإمامين الباقرين (عليهما السلام) واودع في الكتب فهو حق . وهذا امر صحيح نلتزم به . وهل يحتمل
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي 1 : 50 .
(2) المصدر السابق : ص53 .

ان شيعياً لا يلتزم بحقانية ما صدر عن أئمته (عليهم السلام) ! ! !
إلاّ ان المشكلة هي انه كيف نثبت ان جميع ما هو موجود في الكتب الأربعة قد صدر من الأئمة (عليهم السلام) وهو حق ويجب التحدث به ؟ ان الحديث السابق يدل على ان ما صدر عنهم (عليهم السلام) فهو حق لا ان كل ما هو موجود في الكتب الأربعة حق وصدر منهم (عليهم السلام) .
دعوى معاكسةوقد تخطر للذهن دعوى ثانية معاكسة وهى ان ما اودعه الشيخ الصدوق والطوسي في كتبهم ليس حجة باعتبار ان الطرق المذكورة في المشيخة هي طرق إلى اصحاب الكتب ، وبكلمة اُخرى إلى اصل الكتاب دون النسخة الموجودة عند الشيخ الطوسي أو الصدوق التي ينقل عنها الأحاديث في كتابه . ومعه تكون الروايات المذكورة مرسلة ويلزم القول بانسداد باب العلم والعلمي .

ويرد ذلك : ـ

1 ـ ان لازم هذه الدعوى لغوية تسجيل الشيخ للطرق التي ذكرها في المشيخة ويكون ذلك منه اتلافاً لوقته وللحبر والأوراق . وفكرة التبرك باطلة لان التبرك لا يحتاج إلى هذه الطرق الكثيرة .
2 ـ ان تعبير الشيخ في المشيخة باني اذكر الطرق لتخرج الأحاديث عن الارسال إلى الاسناد يردُّ ما ذكر .
3 ـ ان الشيخ ذكر في الفهرست في ترجمة العلاء بن زرين ان لكتابه اربع نسخ ويروي كل نسخة بطريق خاص بها ثم ذكر الطريق إلى كل نسخة .

ان هذا يدل على ان طرقه التي يذكرها هي إلى النسخة الموجودة عنده وليس إلى اصل الكتاب .
4 ـ قال الشيخ في الفهرست عند ذكره للمفيد واستعراض كتبه : «سمعنا منه هذه الكتب كلها بعضها قراءة عليه وبعضها نقرأ عليه غير مرة وهو يسمع» . وهذا يدل على تمركز الجهود على نسخة معينة تقرأ أو تسمع .
5 ـ ان الشيخ ذكر في ترجمة ابن مهزيار طرقه إلى كتبه ثم قال إلاّ كتاب المثالب فان العباس روى نصفه عن علي بن مهزيار .
وذكر في ترجمة محمد بن الحسن الصفار ان الصدوق روى كتبه كلها إلاّ كتاب بصائر الدرجات .
وذكر في ترجمة الشلمغاني : اخبرنا جماعة بكتاب التكليف إلاّ حديثاً واحداً في باب الشهادة .
إلى غير ذلك من الموارد التي استثنى فيها حديث واحد أو كتاب واحد .
ان الاستثناء المذكور يدل على ان الطريق الذي يذكره الشيخ طريقإلى النسخة وليس إلى اصل الكتاب و إلاّ فلا وجه لاستثناء حديث واحدأو حديثين .
ان هذا يدلل على ان الاجازة أو القراءة أو السماع كان متعلقاً بنسخةمعينة فقرأت جميع أحاديث تلك النسخة أو سمعت أو أجيزت دون حديث واحد أو حديثين .

وهكذا لا معنى لاستثناء كتاب واحد برمته لان طريق الشيخ إذا كانإلى أصل الكتاب فهذا معناه ان طريقه بالتالي طريق إلى صاحبالكتاب . ومادام للشيخ طريق إلى صاحب الكتاب كابن مهزيار فلا وجه لاستثناء بعض كتبه .

 

 

تمرينات

س 1 : قيل بقطعية اعتبار جميع احاديث الكتب الأربعة . ما المقصود من الدعوى المذكورة ؟ وكيف يستدل عليها ؟
س 2 : اذكر الوجه الثالث الذي تمسك به الحر لاثبات حجية احاديث الكتب الأربعة .

س 3 : اذكر الوجه السابع لذلك .

س 4 : اذكر الوجه الثاني عشر لذلك .

س 5 : اذكر الوجه السادس عشر لذلك .

س 6 : ما هي دعوى السيد بحر العلوم بالنسبة للاُصول الحديثيةس 7 : ما وجه ارتباط دعوى السيد بحر العلوم بدعوى صاحب الوسائل ؟
س 8 : اذكر المناقشة الأولى لدعوى صحة جميع ما في الكتب الأربعة .

س 9 : اذكر المناقشة الثانية للدعوى المذكورة .

س 10 : اذكر المناقشة الثالثة لذلك .

س 11 : اذكر المناقشة الرابعة لذلك .

س 12 : اذكر المناقشة الخامسة لذلك .

س 13 : اذكر المناقشة السادسة لذلك .

؟

س 14 : هناك مستندات مرفوضة قد يتمسك بها لاثبات صحة جميع ما في الكتب الأربعة . اذكرها مع المناقشة .
س 15 : قد يخطر للذهن شبهة تقول بعدم حجية ما اودعه الشيخ الصدوق والطوسي في كتبهم الثلاثة . اوضح تلك الشبهة .

س 16 : اذكر المناقشة الأولى لتلك الشبهة .

س 17 : اذكر المناقشة الثانية لذلك .

س 18 : اذكر المناقشة الثالثة لذلك .

س 19 : اذكر المناقشة الرابعة لذلك .

س 20 : اذكر المناقشة الخامسة لذلك .

س 21 : راجع الحديث 1 من باب 1 من أبواب الخلل في الصلاة في وسائل

الشيعة واوضح الحال في سندهنظرات في كتاب الكافي

كتاب الكافي هو للشيخ الجليل محمد بن يعقوب الكليني(1) المكنى بابي جعفر الاعور المتوفى سنة 328 هـ .
ألَّف كتابه الشريف فترة عشرين سنة على ما نقل النجاشي في ترجمته .
وقد عاش هذا الشيخ الجليل زمان الغيبة الصغرى وعاصر السفراء العظام للناحية المقدسة . وتوفي قبل وفاة السفير الرابع وهو علي بن محمد السمري ، فان هذا السفير العظيم توفي سنة 329 بينما الكليني توفي سنة 328 هـ . ونقل انه توفي سنة 329 هـ فتكون سنة وفاتهما على هذا واحدة .
وقد نقل البحراني في كتابه لؤلؤه البحرين عن السيد هاشم البحراني عن بعض الثقات ان بعض حكام بغداد رأى بناء قبر الكليني فسأل عنه فقيل هو قبر بعض الشيعة فامر بهدمه وحفر قبره ورآه بكفنه لم يتغير وقد دفن معه آخر صغير بكفنه أيضاً فاعاد بنائه بعد بناء قبة عليه .
ونقل ان بعض الحكام في بغداد حمله التعصب على الأمر بحفر قبر الإمام الكاظم (عليه السلام) فقيل له ان هنا رجلاً من علمائهم يعني الكليني يكفيك الاعتبار بحفر
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كلين على وزن زبير قرية من قرى الري . وقيل هي على وزن أمير .

قبره فأمر بحفر قبره فوجده بهيئته كأنه قد دفن في تلك الساعة فأمر ببناء قبة عظيمة عليه وصار مزاراً مشهوراً .
وكتاب الكافي مركب من ثلاثة أقسام : كتاب الروضة والاُصول والفروع .
اما كتاب الروضة فقد طبع في حزء واحد . ويتضمن بعض خطب الأئمة (عليهم السلام) ومواعظهم وبعض القضايا التاريخية المرتبطة بهم وبغيرهم .
وقد ذكر البعض(1) ان الكليني لما أكمل كتابه وأتمَّ ردَّ موارده إلى فصولها بقيت زيادات كثيرة من خطب أهل البيت ورسائل الأئمة (عليهم السلام) وآداب الصالحين وطرائف الحكم مما لا ينبغي تركه فأ لَّف كتاباً يجمع ذلك وسماه بالروضة ، لأن الروضة منبت أنواع التمر .
وهناك كلام في ان كتاب الروضة من تأليف الكليني أو لا ، فقد ذهب البعض إلى انه من تأليف ابن ادريس .
وقد نقل الشيخ النورى في مستدركه(2) عن رياض العلماء عن المولى خليل القزويني انه كان يرى ذلك ، أي ان الروضة هي من تأليف ابن ادريس .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وهو الدكتور حسين علي محفوظ في كلمة له مذكورة في مقدمة الكافي .
(2) راجع 3 : 546 .

وربما نسب ذلك إلى الشهيد الثاني .

وردَّ الشيخ النوري ذلك بعد تصريح الأعلام بكونها من تأليف الكليني باتحاد سياق الروضة وسائر كتب الكافي .
ولعل مقصوده من الأعلام الاشارة إلى مثل النجاشي والشيخ الطوسي فانهما ذكرا ان الروضة هي من جملة تأليفات الكليني فكيف تكون من تأليف ابن ادريس الذي جاء بعد ذلك بفترة .
واما الاُصول فقد طبع في جزئين كل جزء يتضمن أربعة كتب . فالجزء الأول يتضمن كتاب العقل والجهل ويبحث عما يرتبط بالعقل والجهل ، وكتاب فضل العلم ويبحث عما يرتبط بالعلم وفضله ، وكتاب التوحيد ويبحث عن التوحيد ، وكتاب الحجة ويبحث عما يرتبط بالمعصومين (عليهم السلام) كالبحث عن علمهم وتايخ حياتهم وغير ذلك مما يرتبط بهم .
واما الجزء الثاني فيتضمن كتاب الايمان والكفر وكتاب الدعاء وكتاب فضل القرآن وكتاب العشرة .
واما الفروع فقد طبعت في خمسة اجزاء كلها يتعرض للاحاديث الواردة في الفروع الفقهية .

وقد أولت الشيعة اهتماماً كبيراً للكافي وظافرت جهودها عليه بحثاً وقراءة ومطالعة منذ الزمن السالف وحتى يومنا هذا .
يقول النجاشي : كنت اتردد إلى المسجد المعروف بمسجد اللؤلؤي وهو مسجد نفطويه النحوي اقرأ القرآن على صاحب المسجد وجماعة من اصحابنا يقرأون كتاب الكافي على أبي الحسين أحمد بن أحمد الكوفي الكاتب حدثكم محمد بن يعقوب الكليني ورأيت أبا الحسن العقرائي يرويه عنه .
ومجموع أحاديث الكافي على ما قيل يزيد على مجموع أحاديث الصحاح الستة للعامة ، فان مجموع أحاديث الكافي 16199 حديثاً بينما مجموع أحاديث الصحاح 9483 حديثاً .
ومن هنا تتجلى لنا عظمة الكتاب المذكور ومدى الأتعاب التي بذلها مؤلفه . جزاه الله على تلك الجهود خير ما يجزي به عباده الصالحين .

 

نقاط أربعهناك عدة أبحاث ترتبط بكتاب الكافي نختار أربعة منها .
طريقة الكليني1 ـ ان بعض اصحاب الأئمة (عليهم السلام) سجل الأحاديث التي سمعها منهم (عليهم السلام)في كراريس بلغ عددها 400 كراساً سميت بعد ذلك بالاُصول الأربعمائة .
وقد عمد الكليني والصدوق والطوسي إلى تلك الاُصول وبوبوها إلى أبواب معينة ووضعوا كل حديث في بابه المناسب . وبذلوا في هذا المجال جهوداً

لا تثمن . وبرزت نتيجة لتلك الجهود الكتب الأربعة المتداولة بايدينا اليوم . وهي الكافي ومن لا يحضره الفقيه والتهذيب والاستبصار .
وقد سهّل علينا هؤلاء الأعلام وعبّدوا لنا طريق الاجتهاد والاستنباط ، فالفقيه إذا اراد استنباط حكم ورَامَ التعرف على وجود حديث يرتبط به راجع الكتب المذكورة في الباب المناسب لذلك الحكم .
وطريقة أصحاب هذه الكتب مختلفة ، فالكليني حينما ينقل الأحاديث من الاُصول ينقلها غالباً مع ذكر تمام السند فيقول مثلاً : حدثني علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن الإمام (عليه السلام) ، ونادراً ما يحذف بعض السند .
نعم قد يحذف بعض السند اعتماداً على السند السابق وهو ما يصطلح عليه بالتعليق ، وهذا أمر متداول لديه (قدس سره) .
ولتوضيح ذلك نذكر المثال التالي المذكور في الفروع ج4 ص176 يقول (قدس سره) .
1 ـ عدة من اصحابنا عن سهل بن زياد عن الحسن بن محبوب عن عمر بن يزيد قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) . . .
2 ـ سهل بن زياد عن أحمد بن محمد عن داود بن سرحان عن أبيعبد الله (عليه السلام) . . .
نحن نعرف من خلال مراجعاتنا ان الكليني لا يروي عن سهل مباشرة فلا بدَّ وان يكون ابتداؤه السند في الحديث الثاني بسهل هو من باب الاعتماد

والتعليق على السند السابق فكأنه يريد ان يقول : انا اروي الحديث الثانيعن عدة من اصحابنا عن سهل بَيْدَ انه حذف كلمة العدة من باب الاعتماد على السند السابق .
وهذا امر قد يخفى على المبتدئ فيتخيل ان الكليني يروي عن سهل وان سهلاً من مشايخ الكليني .
وقد يروي بعض الأحيان عن سهل مباشرة ومن دون تعليق على السند السابق كما في الفروع ج 3 ص 154 ، 155 ، 165 ، . . .
وفي مثل هذه الحالة يكون الحديث غير معتبر من حيث السند لعدم معرفة الواسطة بين الكليني وسهل إلاّ إذا حصل الاطمئنان بانها نفس الواسطة التي يذكرها في سائر الموارد .
وما ذكره في سهل وحذف الواسطة هو من باب المثال و إلاّ فقد نعثر على نظائر له وامثلة اُخرى .

هذا بالنسبة إلى الكليني .

واما بالنسبة إلى الشيخ الطوسي والصدوق فالغالب عليهما عدم نقل تمام سند الحديث بل يحذفان بعضه ونادراً ما يذكرانه بتمامه . وسوف نوضح ذلك ان شاء الله تعالى عند التعرض للفقيه والتهذيبين .

صحة جميع أحاديث الكافي

2 ـ قيل بان جميع ما في الكافي صحيح ومعتبر . وقد استدل الشيخ النوري في الفائدة الرابعة من مستدركه على ذلك باربعة وجوه نذكر منها اثنين :
أ ـ ان الكليني كان معاصراً للسفراء الأربعة الكرام ، ومن البعيد جداً عدم عرض كتابه على احدهم خصوصاً وان الكليني قد أ لَّف الكتاب المذكور ليكون مرجعاً للشيعة على ما صرح في المقدمة .

وعرض الكتب على أحد السفراء كان امراً متعارفاً .

وينبغي الالتفات إلى عدم كون المقصود من وراء هذا تصحيح ما هو المتداول على بعض الألسن من ان الإمام الحجة (عليه السلام) قال الكافي كاف لشيعتنا ، فان هذا لا أصلَ له في مؤلفات اصحابنا بل صرح بعدمه المحدث الاسترابادي وانما المقصود دعوى الاطمئنان بعرض الكتاب على أحد السفراء الكرام .
ويرده : ان دعوى حصول الاطمئنان بعرض الكتاب بل ودعوى الظن أيضاً في غير محلها ، فان الداعي عادة لعرض الكتاب على أحد السفراء هو انحراف مؤلفه كما في الشلمغاني وبني فضال ، فان السؤال عن كتبهم أو عرضها على أحد السفراء كان من ناحية انحراف السلوك أو العقيدة الأمر الذي قد يخيل للبعض ان الانحراف المذكور يمنع من الأخذ بالرواية فكان الداعي على هذا للسؤال أو للعرض موجوداً ، واما مثل الكليني الذي قال النجاشي عنه : شيخ اصحابنا في وقته ووجههم واوثق الناس في الحديث فأي داع لعرض كتابه على أحد النواب .
وان شئت قلت : اما ان يدعى ان المناسب للكليني نفسه عرض كتابه أو ان المناسب لغيره عرض الكتاب .

والأول مدفوع بعدم ثبوت سيرة لمؤلفي الكتب على عرضهاوالثاني مدفوع بما تقدم .

.

ب ـ التمسك بما ذكره الكليني في مقدمة اُصول الكافي ، حيث طلب البعض منه تأليف كتاب الكافي فاجابه بقوله : «قلت انك تحب ان يكون عندك كتاب كاف يجمع فيه من جميع فنون علم الدين ما يكتفي به المتعلم ويرجع إليه المسترشد ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل بالآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام) . . . وقد يسَّر الله وله الحمد تأليف ما سألت إلى ان قال : ووسعنا قليلاً كتاب الحجة وان لم نكمله على استحقاقه . . . » .
ان العبارة المذكورة تدل انه طُلب منه تأليف كتاب يرجع إليه من يريد العمل بالاثار الصحيحة . وقد اجاب (قدس سره) الطلب المذكور وشهد بتحققه حيث قال : وقد يسَّر الله تأليف ما سألت .
والظاهر ان المقدمة المذكورة قد كتبها الكليني بعد اتمام تأليفه للكافي حيث قال : وقد يسَّر الله تأليف ما سألت ، وقال أيضاً : ووسعنا قليلاً كتاب الحجة .
ومعه فلا يحق لأحد احتمال ان الكليني وان طلب منه تأليف كتاب يحتوي على الآثار الصحيحة إلاّ انه لا يعلم بانه قد وفى بما وعد فكثيراً ما يبني الشخص حين شروعه في التأليف على شيء وفي الاثناء يعدل عنه .
ويرد ذلك : ان الكليني لم يقل لا اذكر فيه إلاّ الآثار الصحيحة بل قال

يحتوي على الآثار الصحيحة وهذا لا ينافي احتوائه على غيرها .

على ان الصحيح في مصطلح القدماء لا يعني خصوص الخبر الذي تكون رواته عدولاً بل الخبر الذي يجب العمل به ولو لاقترانه ببعض القرائن التي لو اطلعنا عليها فلربما لا تورث لنا العلم .
أجل لو كان الكليني يقول : والعمل باثار الثقات عن الصادقين لتم ما ذكر لأن ذلك شهادة بوثاقة رواة الأحاديث لكنه عبَّر بالآثار الصحيحة ، والشهادة بصحة الأحاديث لا تلازم الشهادة بوثاقة الرواة .
ومن هنا نرى ان الشيخ الطوسي يناقش في بعض روايات الكافي ويردها من ناحية ضعف السند كما تقدمت الاشارة إلى بعض ذلك عند البحث عن صحة جميع ما في الكتب الأربعة .

 

عدة من اصحابنا3 ـ ان للكليني مشايخ متعددين يروي عنهم أحاديث كتابه الكافي قد يربو عددهم على الثلاثين إلاّ ان بعضاً منه يكثر عنه الرواية وبعضاً يقل عنه ذلك وثالثاً متوسط بينهما .
والذين يروي عنهم كثيراً : علي بن إبراهيم ومحمد بن يحيى وأحمد بن ادريس والحسين بن محمد وحميد بن زياد ومحمد بن اسماعيل .
ويأتي علي بن إبراهيم في الدرجة الأولى حيث روى عنه ما يقرب من

ثلث أحاديث كتابه فقد روى عنه 4957 حديثاً (1) .

ويأتي بالدرجة الثانية محمد بن يحيى فانه روى عنه ربع أحاديث كتابه حيث روى عنه 3114 حديثاً .

وتأتي درجة البقية بعد ذلك مع تفاوت يسير .

ومن حسن الصدفة ان يكون جميع هؤلاء من الثقات الأجلة(2) .

وهناك ظاهرة اختصت بالكليني ، وهي روايته عن عدة من اصحابنا فقد أكثر في بداية السند من قوله عدة من اصحابنا عن أحمد بن محمد بن عيسى أو عدة من اصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد البرقي أو عدة من اصحابنا عن سهل بن زياد .
ان هذا قد كثر في الكافي ، فالعدة تروي اما عن أحمد بن محمد بن عيس أو عن البرقي أو عن سهل .
ومن النادر روايتها عن أحمد بن محمد بن أبي نصر أو عن سعد بن عبد الله .
وقد وقع البحث في المقصود من العدة وان السند من ناحيتها هل هو صحيح أو لا .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عدد أحاديث الكافي على ما تقدم 16199 .
(2) إلاّ محمد بن اسماعيل فان فيه كلاماً . والمختار وثاقته

واُلفت في هذا المجال بعض الرسائل منها رسالة السيد محمد باقر الاصفهاني الشفتي الملقب بحجة الإسلام .

والآراء في ذلك كما يلي :

1 ـ ما ذكره العلاّمة (قدس سره) في الفائدة الثالثة من الفوائد التي سجلها في آخر كتابه الرجالي المسمى بخلاصة الأقوال حيث قال : ان الكليني قال ان المراد بقولي عدة من اصحابنا عن أحمد بن محمد بن عيسى هو محمد بن يحيى وعلي ابن موسى الكمنداني و . . . والمراد بقولي عدة من اصحابنا عن أحمد بن محمد ابن خالد البرقي هو علي بن إبراهيم و . . . والمراد بقولي عدة من اصحابنا عن سهل بن زياد هو علي بن محمد بن علاَّن و . . .
وذكر النجاشي في ترجمة أحمد بن محمد بن عيسى ان الكليني قال : كل ما في كتابي هذا عدة من اصحابنا عن أحمد بن محمد بن عيسى فهم محمد بن يحيى إلى آخر ما ذكره العلاّمة .

ونقْلُ النجاشي يختص بالعدة عن أحمد بن محمد بن عيسى .

وبناء على التفسير المذكور للعلاّمة يرتفع الاشكال عن العدة لان كل واحدة من العِدَد الثلاث تشتمل على شخص واحد ثقة ، وهو يكفي في صحة العدة ، فاحداها تشتمل على محمد بن يحيى الثقه وثانيتها على علي بن إبراهيم الثقة وثالثتها على ابن علاّن الثقة .
وكثير من الأعلام اعتمد على تفسير العلاّمة هذا خصوصاً وهو مؤيد بنقل

النجاشي في احدى العدد الثلاث .

والتأمل في هذا الرأي واضح ، إذ العلاّمة أو النجاشي ليسا معاصرين للكليني حتى يكونا قد سمعا عنه بالمباشرة فلا بدَّ من وجود وسائط محذوفة ، وحيث انها مجهولة فيلزم عدم حجية النقل المذكور .
2 ـ ان الكليني ذكر في الحديث الأول من اصول الكافي ما نصه : «اخبرنا أبو جعفر محمد بن يعقوب قال حدثني عدة من اصحابنا منهم محمد بن يحيى العطار عن أحمد بن محمد عن . . .
ان هذه الفقرة ظاهرة في ان الكليني متى ما استعمل كلمة العدة فاحدهم محمد بن يحيى العطار الثقة الجليل .
هذا ما ذكره السيد الخوئي (قدس سره) حينما سألناه عن رأيه في العدة .
وعلى هذا المنوال يمكن ان يضاف بان الكليني ذكر في الباب التاسع من كتاب العتق ما نصه : عدة من اصحابنا علي بن إبراهيم ومحمد بن جعفر ومحمد ابن يحيى وعلي بن محمد بن عبد الله القمي وأحمد بن عبد الله وعلي بن الحسين جميعاً عن أحمد بن محمد بن خالد . . .
إلاّ ان هذا لا يوجد في جميع نسخ الكافي ، ففي بعضها هكذا : عدة من اصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد . ومعه فيسقط النقل المذكور عن الاعتبار وينحصر الاستشهاد بالنقل الأول .
وكيف كان فهذا الرأي قابل للتأمل باعتبار ان ما ذكر لا يشكلّ قرينة عامة

في جميع الموارد .

3 ـ ان يقال بان أقل أفراد العدة ثلاثة . ومن البعيد اجتماع ثلاثة من مشايخ الكليني للتواطئ على الكذب .

وهذا جيد لمن يحصل له الاطمئنان بما ذكر .

4 ـ ما نختاره في حلِّ المشكلة ، وهو انه لو استعرضنا مشايخ الكليني لرأينا ان عددهم يبلغ ـ بعد عدِّ من تكرر اسمه بالفاظ متعددة واحداً ـثلاثين شخصاً .
و إذا قمنا باحصاء روايات الكليني عن كل واحد لوجدنا انه يروي عن علي بن إبراهيم في 4957 موضعاً وعن محمد بن يحيى في 3114 وعن حميد ابن زياد في 361 وعن أحمد بن ادريس الذي هو أبو علي الأشعري في 803 وعن الحسين بن محمد في 663 وعن محمد بن اسماعيل في 513 .
وهذا يعني ان ما يساوي ثلثي الكافي قد رواه عن هؤلاء الستة الثقات ، فان عدد أحاديث الكافي على ما تقدم 16199 حديثاً .
و إذا رجعنا إلى بقية مشايخه وجدنا ان قسماً كبيراً منهم هم من الثقات أيضاً والبقية مركب من قسمين قسم كبير يعبر عنه بكلمة «عدة من اصحابنا» وقسم صغير هم ممن لم تثبت وثاقتهم .
وبعد هذا نضم مقدمة اُخرى وهي ان التعبير بالعدة يراد به ثلاثة فما فوق .

وبضم هذه المقدمة إلى تلك يثبت ان احتمال كون مجموع كل افراد العدة الثلاثة هم من البقية المجهولة التي لم تثبت وثاقتها وليس واحد منهم من اولئك الستة التي روى عنها أكثر من 000/10 موضعاً ضعيف جداً ويتولد اطمئنان بكون واحد على الأقل هو من تلك الستة الثقات .
ثم انه لو اخذنا شيئاً آخر بنظر الأعتبار كان حصول الاطمئنان بوثاقة احد افراد العدة اقوى وذلك بان يقال : ان العدة المذكورة في الكافي لها ثلاثة اشكال : العدة عن أحمد بن محمد بن عيسى والعدة عن البرقي والعدة عن سهل .
اما العدة عن ابن عيسى فيمكن تحصيل الاطمئنان يكون احدهم محمد بن يحيى باعتبار ان محمد بن يحيى يروي عن أبن عيسى كثيراً وقلما يذكر اسم بن عيسى بدون ان يقترن معه محمد بن يحيى الذي هو من الأجلة الثقات .
واما العدة عن البرقي فيمكن تحصيل الاطمئنان بكون احدهم علي بن محمد بن بندار الذي هو ثقة باعتبار ان ابن بندار يروي عن البرقي كثيراً .
واما العدة عن سهل فيمكن تحصيل الاطمئنان بكون احدهم ابن بندار أيضاً لكثرة روايته عن سهل .
ثم انه يمكن ضم مقدمة اُخرى تسرِّع من حصول الاطمئنان وهي ان اجتماع ثلاثة من مشايخ الكليني ـ الذي أ لَّف كتابه ليكون مرجعاً للشيعة إلى يوم القيامة ـ على الكذب بعيد جداً .
وبالجملة ان ضم بعض هذه القرائن إلى الآخر يولِّد بلا اشكال اطمئناناً

بوثاقة أحد افراد العدة ، وهو المطلوب .

 

مشايخ الكليني

4 ـ للكليني (قدس سره) عدة مشايخ نقل عنهم احاديث كتابه الكافي نذكر من عثرنا عليه حسب استقرائنا الناقص .
وقد صنع البعض جدولاً باسمائهم ذكر في أول الروضة . والعلاّمة الحلي ذكر في بعض الفوائد التي سجلها آخر كتابه بعض المشايخ للكليني وفسَّر بهم كلمة «عدة من اصحابنا» التي اكثر منها في الكافي ، ولكننا لم نعثر على اسماء بعضهم في الكافي كمشايخ للكليني .
ونلفت النظر إلى ان الكليني قد يذكر احياناً شيخاً واحداً باسماء مختلفة فيظن الناظر انهم متعددون والحال انهم واحد .

ونذكر في الجدول التالي اسماء المشايخ .

التسلسل لاسماء المشايخ موارد الرواية

1-علي بن إبراهيمروى عنه في4957 مورداً. وهو الثقة الجليل صاحب    التفسير المعروف بتفسير القمي . وهو اكثر من روى    عنه في كتاب الكافي.
2-محمد بن يحيىروى عنه في 3114 مورداً . وهو المعروف بمحمد بن   يحيى العطار الأشعري الثقة الجليل .

3-حميد بن زيادروى عنه في 361 مورداً . وهو من الثقات .

 

4-أحمد بن ادريسروى عنه الكليني تارة باسم أحمد بن ادريس في    أبو علي الأشعري120 مورداً .
واُخرى باسم أبو علي الأشعري في 683 مورداً . وهو    من الثقات الأجلة .
وقد ذكرالعلاّمة في الخلاصة ان الكنية المذكورة تطلق   على محمد بن عيسى بن عبد الله بن سعد بن مالك    شيخ القميين . وهو غير مهم بعد وثاقة كلا الرجلين .

التسلسل لاسماء المشايخ موارد الرواية

5-الحسين بن محمدروى عنه في 663 مورداً . وهو من الثقات .

 

6-محمد بن اسماعيلروى عنه في 513 مورداً . وهو يروي عن الفضل بن    شاذان ، وقد اكثر الكليني الرواية عن محمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان .
وقد وقع البحث في المراد من محمد بن اسماعيل هذا  فانه يطلق على ثلاثة اشخاص ، فيطلق على ابن بزيع الثقة وعلى البرمكي الثقة وعلى البندقي الذي لم  يوثق .
فعلى تقدير كون المقصود منه محمد بن اسماعيل بن  بزيع أو محمد بن اسماعيل البرمكي فهو ثقة وعلى تقدير كون المقصود منه محمد بن اسماعيل البندقي فهو مجهول الحال .

والظاهر انه لا يراد منه ابن بزيع ـ وان اصرَّ على ذلك 

السيد حسن الصدر صاحب تأسيس الشيعة لعلوم    الإسلام في رسالة الَّفها لاثبات ذلك ـ لان ابن بزيع    يروي عن الإمام الرضا (عليه السلام) ويروي عنه الكليني    بواسطتين كما في الاُصول ج 1 ص 436 وفي الفروع ج 3 ص47 ، 152 .
كما انه ليس المراد منه البرمكي لأن الكليني يروي عنه بواسطة واحدة فيتعين ان يراد منه الثالث .
ومن هنا قد يضعَّف السند من ناحيته إلاّ ان يتغلب على ذلك بوروده في كامل الزيارة ـ حيث ورد فيه

التسلسل لاسماء المشايخ موارد الرواية

محمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان ـ بناء على    كفاية ذلك في اثبات الوثاقة أو يقال بان اكثار الكليني الرواية عنه يكفي في اثبات وثاقته أيضاً .

 

7-محمد بن جعفرروى الكليني عن شيخه هذا في عدة موارد وباسماء الرزاز الكوفي مختلفة، ففي بعضها روى عنه بالاسم المذكور كما في الفروع ج 4 ص 578 ، وفي آخر باسم محمد بن جعفر أبو العباس كما في الفروع ج 6 ص 59 ، 64 ، وفي ثالث أبو العباس الرزاز كما في الفروع ج6 ص84 ، وفي   رابع محمدبن جعفرالكوفي كمافي الاُصول ج1 ص325 . ولعله هو نفس محمد بن أبي عبد الله الكوفي الذي روى   عنه في موارد متعددة منها في الفروع ج 6 ص 160 .
وقد وقع البحث في وثاقة الرجل المذكور فان النجاشي قال : محمد بن جعفر بن محمد بن عون

الأسدي أبوالحسن الكوفي ساكن الري يقال له محمد    ابن أبي عبد الله ، كان ثقة صحيح الحديث انتهى .
وقد قيل بان الرجل المذكور هو عين الرزاز الذي    يروي عنه الكليني وبذلك تثبت وثاقته.وقيل لا مثبت  لوحدة الرزاز والأسدي فلا يمكن الحكم بوثاقته .

8-أحمد بن محمدهكذا ورد في الروضة ص 17 . ويروي عنه اُخرى .

بن احمدباسم أحمد بن محمد العاصي كما في الفروع ج 6 ص 6 ،    الكوفي وهو العاصمي وثالثة باسم أحمد بن محمد كما في الفروع  ج 4 ص 44 ، 45 ، 133 ، وهو من الثقات .

التسلسل لاسماء المشايخ موارد الرواية

9-علي بن محمدروى عنه تارة بالعنوان المذكور كما في الفروع ج 3    بن بندارص 23 ، 123 ، واُخرى باسم علي بن محمد كما في    الاُصول ج 1 ص 396 والروضة ص 231 ، 255 ، وثالثة   باسم علي بن محمدبن عبدالله كمافي الاُصول ج 1ص 275.

 

10-أحمد بن مهرانوقد روى عنه الكليني كثيراً وروى هو بدوره كثيراً    عن عبد العظيم الحسني . ولم تثبت وثاقته إلاّ إذا اكتفي      باكثار الكليني عنه .

 

11-محمد بن أحمدروى عنه الكليني تارة بالاسم المذكور كما في الروضة   بن الصلتص 390 ، واُخرى باسم محمد بن أحمد بن عبد الله    الصلت كما في الروضة ص 302 ، وثالثة باسم محمد بن    أحمد القمي كما في الروضة ص 334 ، 304 .

ويمكن الحكم بوثاقته باعتبار ان الصدوق ذكر في كتابه

اكمال الدين واكمال النعمة : كان ابي يروي عنه ويصف علمه وفضله وزهده وعبادته .

(الحسين)

12-الحسن بن علي ورد في الفروع ج 4 ص 146 . وهو مجهول .

الهاشمي

13-الحسين بن عليورد في الاُصول ج 1 ص 372 ، 523 وفي الفروع ج3        العلويص 62 . وهو مجهول .

 

14-الحسين بن الحسنورد في الاُصول ج 1 ص 299 . وهو مجهول .

الحسني

التسلسل لاسماء المشايخ موارد الرواية

15-الحسين بن الحسنورد في الاُصول ج 1 ص 525 . وهو مجهول . ويحتمل العلويات حاده مع السابق .

16-الحسن بن خفيفورد في الاُصول ج 1 ص 525 . وهو مجهول .

 

17-أبو داودورد في الفروع ج 3 ص 49 ، 51 ، 265 ، 304 ، 314 وهو مجهول .

 

18-محمد بن عبد اللهالمراد من محمد بن يحيى هو محمد بن يحيى العطار    ومحمد بن يحيىالمتقدم في رقم 2 . واما محمد بن عبد الله فلا يبعد كونه    محمد بن عبدالله بن جفعر الحميري الذي هو ثقة ومن   الأجلة . والقرينة على كونه ذاك روايتهما عن عبد الله بن    جعفرالحميري الثقة الجليل كما في الاُصول ج1 ص329 .
وعلى أي حال تكفينا وثاقة محمدبن يحيى بلا حاجة إلى    توثيق محمد بن عبد الله

واما عبدالله بن جعفر الحميري الذي هو من اجلة اصحابنا    فلا يروي عنه الكليني مباشرة بل بواسطة ولده محمد أو   غيره . و إذا فرض انه ابتدا السند به احياناً فيلزم حمل ذلك على كونه من باب التعليق .
19-أحمد بن عبد اللهورد في الفروع ج 4 ص 54 . ولا يبعد اتحاده مع أحمد      ابن عبدالله بن اُمية وهكذا مع أحمد بن عبدالله ابن أحمد.     وكيف كان هو مجهول الحال .

 

20-أبو عبد الله الأشعريورد في الفروع ج 6 ص 282 . وهو مجهول الحال .

التسلسل لاسماء المشايخ موارد الرواية

21-علي بن موسىهو شيخ الصدوق أيضاً . لم يثبت توثيقه .

الكمنداني

 

22-محمد بن عليورد في الروضة ص 18 ، 31 . وهو مجهول الحال .

بن معمر

23-علي بن محمد بنورد في الروضة 178 . وهو مجهول الحال .

علي بن العباس

24-علي بن الحسينورد في الروضة ص 352 ، 187 ، 170 . وهو مجهول المؤدب الحال
25-سعد بن عبد الله وعبدوردا في الاصول ج2 ص402، 421، ج1 ص457 وقد  الله بن جعفر الحميريتكرر ذكرهما في أواخر الجزء الأول من الاُصول  وكلاهما من الثقات الأجلة إلاّان الظاهر انهما ليسا من المشايخ المباشريين للكليني . وذكرهما في بداية السند

لا بد من حمله على كونه من باب التعليق .

26-أبو محمد القاسمورد في الاُصول ج1 ص198 . قيل هو من وكلاءالناحية  بن العلاءالناحية المقدسة ، و إذا ثبت ذلك حكم بوثاقته .

 

27-محمد بن عقيلورد في الفروع ج 4 ص 224 . وهو مجهول الحال .

28-محمد بن الحسناختلف فيه وانه الصفار أو البرناني أو غيرهما . ومع عدم ثبوت كونه الصفار يحكم بجهالته .
29-أحمد بن محمدهو المعروف بابن عقدة . وهو وان قيل بكونه زيدياً  بن سعيد الكوفي إلاّ انه ثقة .

تمرينات

س 1 : في أي فترة عاش الكليني ؟

س 2 : إلى كم قسم ينقسم كتاب الكافي . اذكر الأقسام مع ايضاح موجز لكل قسم .
س 3 : هناك شبهة ترتبط بنسبة الروضة إلى الكليني . اذكرها مع مناقشتها .
س 4 : طريقة الشيخ الكليني في نقل الأحاديث تختلف عن طريقة الشيخ الصدوق والشيخ الطوسي . أوضح ذلك .
س 5 : اذكر الوجه الأول من الوجهين الذين استدل بهما الشيخ النوري على حجية جميع أحاديث الكافي . واذكر مناقشته .

س 6 : اذكر الوجه الثاني لذلك مع المناقشة .

س 7 : يروي الكليني عن . . . . . . بالدرجة الأولى وعن . . . . . بالدرجة الثانية . أكمل الفراغ .

س 8 : هناك ظاهرة اختصت بالكليني . اذكرها .

س 9 : هناك عدة آراء في توجيه اعتبار العدة التي يروي عنها الكليني . اذكر الرأي الأول مع مناقشته .

س 10 : اذكر الرأي الثاني مع مناقشته .

س 11 : اذكر الرأي الثالث مع مناقشته .

س 12 : اذكر حصيلة الرأي الرابع المختار .

س 13 : اذكر خمسة من مشايخ الكليني مع بيان حالهم من حيث الوثاقة وعدمها .
س 14 : روى الكليني عن محمد بن اسماعيل كثيراً . وقد اختلف في شأنه . اذكر ما يمكن التمسك به لاثبات وثاقته في نظرك .
س 15 : راجع وسائل الشيعة باب 1 من أبواب صلاة جعفر حديث 1 . وأوضح حال سند الحديث .

 

نظرات في كتاب من لا يحضره الفقيه

كتاب من لا يحضره الفقيه هو للشيخ الجليل محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المشهور بالشيخ الصدوق .
والمعروف ولادة الشيخ المذكور بدعاء الإمام الحجة ارواحنا له الفداء ، فقد ذكر النجاشي في ترجمة علي بن الحسين بن بابويه والد الشيخ الصدوق انه قدم العراق واجتمع مع أبي القاسم الحسين بن روح ـ رضوان الله تعالى عليه ـ وسأله مسائل ثم كاتبه بعد ذلك يسأله ان يوصل له رقعة إلى الصاحب (عليه السلام)ويسأله فيها الولد فكتب اليه قد دعونا الله لك بذلك وسترزق ولدين ذكرين خيّرين فولد له أبو جعفر وأبو عبد الله . وكان أبو جعفر ـ يعني الشيخ الصدوق ـ يقول انا وُلدت بدعوة صاحب الأمر ويفتخر بذلك . انتهى .

والشيخ الصدوق نفسه ينقل هذه القصة في اكمال الدين ص276 .

وفي روضات الجنات ينقل ان الإمام العسكري (عليه السلام) كان له مكاتبة مع علي ابن الحسين وفي ضمنها يقول : وفّقك الله لمراضيه وجعل من صلبك أولاداً صالحين برحمته بتقوى الله و إقام الصلاة وايتاء الزكاة . . . وعليك بانتظار الفرج فان النبي (صلى الله عليه وآله) قال : أفضل أعمال امتي انتظار الفرج ، ولا يزال شيعتنا في حزن حتى يظهر ولدي .

وقد ذكر الشيخ الصدوق في مقدمة كتابه سبب تأليفه الكتاب المذكور ، وهو انه لما ساقه القضاء إلى بلاد الغربة ونزل أرض بلخ من قصبة ايلاق(1) وردها الشريف أبو عبد الله محمد بن الحسن المعروف بنعمة وطلب منه ان يصنف كتاباً في الفقه والحلال والحرام ويسميه بكتاب من لا يحضره الفقيه كما صنّف الطبيب الرازي محمد بن زكريا كتاباً فيى الطب باسم كتاب من لا يحضره الطبيب فاجاب ما سأله وأ لَّف الكتاب المذكور(2) .
وقد طبع الكتاب المذكور في النجف الأشرف سنة 1376 هـ في أربعة أجزاء بعد ان طبع ثلاث مرات قبل ذلك احداها في لكنهو الهند واُخرى بتبريز وثالثة بطهران .

والطبعة المتداولة اليوم هي تصوير عن طبعة النجف الأشرف .

والشيخ الجليل المذكور قد خدم المذهب بكتبه التي الّفها والتي تقرب من 200 مؤلفاً .
ومن احد مؤلفاته كتاب مدينة العلم الذي يبلغ عشرة اجزاء . وهو أكبر من كتاب الفقيه ولكنه مع الأسف لا أثر منه اليوم .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وايلاق هي المعروفة اليوم بجمهورية تركستان أو تركمنستان .
(2) نلفت النظر إلى ان كلمة كتاب ينبغي ان تكون جزء من الاسم ، فاسم كتاب الفقيه ليس هو «من لا يحضره الفقيه» بل «كتاب من لا يحضره الفقيه» .

يقول الشيخ البهائي في درايته : «واصولنا الخمسة : الكافي ومدينة العلم ومن لا يحضره الفقيه والتهذيب والاستبصار» .
ويقول الشيخ آقا بزرك الطهراني في الذريعة : «فالاسف على ضياع هذه النعمة العظمى من بين اظهرنا وايدينا من لدن عصر والد الشيخ البهائي الذي مرت عبارته الظاهرة في وجوده عنده . . . حتى ان العلاّمة المجلسي صرف اموالاً جزيلة في طلبه وما ظفر به . . . نعم ينقل عنه ابن طاووس في فلاح السائل وغيره من كتبه . . . »(1) .
وقد توفي الشيخ الجليل المذكور سنة 381 هـ . ودفن بالري بالقرب من قبر السيد عبد العظيم الحسني .
وقد قيل انه حدث انشقاق في قبره الشريف بسبب طغيان المطر فوجد جثمانه الطاهر لم يتغير حتى اثر الحناء الذي كان على اظفاره بالرغم من مرور 857 سنة على دفنه .

والكلام حول الكتاب المذكور يقع ضمن عدة نقاط :

 

النقطة الأولى

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 20 : 252 .

ذكرنا سابقاً ان طريقة الشيخ الكليني في كتابه الكافي جرت على ذكر تمام السند غالباً ولم يشذ عن ذلك إلاّ نادراً . بينما طريقة الشيخ الصدوق جرت على العكس ، فهو غالباً يحذف السند ويكتفي بذكر الراوي المباشر عن الإمام (عليه السلام)فيقول مثلاً : زرارة أو روى زرارة عن الإمام الباقر (عليه السلام) . ونادراً ما يذكر تمام السند . وعلل ذلك في المقدمة بقوله : وصنفت هذا الكتاب بحذف الاسانيد لئلا تكثر طرقه وان كثرت فوائده .
ومن هنا احتاج إلى ان يذكر آخر الكتاب طرقه إلى من يبتدأ بهم السند فيقول مثلاً : وما رويته عن زرارة فقد حدثني به أبي عن . . .

وتسمى تلك الطرق بالمشيخة جمع شيخ .

ومن المؤسف عدم ذكره طرقه إلى بعض من ابتدأ بهم السند . ومن هنا تصبح الأحاديث المذكورة مرسلة .

 

النقطة الثانية

ان الصدوق لم يألف كتابه كجامع لأحاديث أهل البيت (عليهم السلام)وانما الّفه كمرجع عملي للشيعة وليس كمرجع حديثي ويظهر ذلك من بعض فقرات المقدمة ومن اسلوب الكتاب نفسه .
ومن هنا برزت ظاهرة فيه ، وهي انه حينما يذكر بعض الأحاديث باخذ بالتفسير أو التعليق عليها ويذكر ذلك متصلاً بالحديث . ولربما يخفى ذلك على المراجع احياناً ويتخيل ان الجميع هو حديث واحد والحال ان بعضه حديث

الإمام (عليه السلام) والبعض الآخر من كلام الصدوق .

وعلى سبيل المثال ذكر الصدوق في الحديث الثاني من الجزء الأول ما نصه : «وقال (عليه السلام) الماء يطهِّر ولا يطهَّر . فمتى وجدتَ ماء ولم تعلم فيه نجاسة فتوضأ منه واشرب . وانِّ وجدت فيه ما ينجسه فلا تتوضأ منه ولا تشرب إلاّ في حال الاضطرار فتشرب منه ولا تتوضأ منه وتيمم . . . » .
ان المراجع يظن ان جميع الفقرات المذكورة هي من كلام الإمام (عليه السلام)والحال ان كلام الإمام (عليه السلام) فقط هو جملة : الماء يطهر ولا يطهر . والباقي هو من كلام الصدوق .

 

النقطة الثالثةهناك رأي مشهور يرى حجية جميع الأحاديث المذكورة في الفقيه بدون حاجة إلى التدقيق في اسنادها .

ويستند في ذلك إلى احد الوجهين التاليين :

1 ـ بعض الفقرات المذكورة في المقدمة حيث قال الصدوق : «ولم اقصد فيه قصد المصنفين في ايراد جميع ما رووه بل قصدت إلى ايراد ما افتي به واحكم بصحته واعتقد فيه انه حجة فيما بيني وبين ربي تقدس ذكره» .
ان العبارة المذكورة صريحة في انه لا يذكر إلاّ الأحاديث الصحيحة . ومعه فيلزم الأخذ بكل حديث مذكور في الفقيه .

ويرده : ان الصدوق وان التزم ان لا يذكر إلاّ الخبر الصحيح إلاّ ان الصحيح في مصطلح المتقدمين غيره في مصطلح المتأخرين ، فهو فى مصطلح المتأخرين عبارة عن الحديث الذي رواته عدول إمامية بينما في مصطلح المتقدمين عبارة عن كل حديث يجب العمل به ولو لبعض القرائن المحتفة به والموجبة للاطمئنان بحقانيته حتى ولو فرض فسق رواته وعدم وثاقتهم .
و إذا كان هذا هو مقصود الصدوق من الخبر الصحيح فلا يكون ذكره للخبر في كتابه مستلزماً لحجيته علينا ، إذ لعل تلك القرائن لو اطلعنا عليها لم توجب لنا الاطمئنان .
هذا مضافاً إلى ان للصدوق طريقة خاصة في تصحيح الأحاديث ، وهي ان كل حديث صححه شيخه محمد بن الحسن بن الوليد فهو صحيح عنده ، وكل حديث لم يصححه شيخه فلا يكون صحيحاً عنده .
وقد صرح بهذه الطريقة في بعض الموارد . ومعه فكيف تكون شهادته بصحة أحاديث كتابه موجبة لاعتبارها في حقنا ؟
2 ـ ذكر الصدوق في مقدمة كتابه عبارة اُخرى غير العبارة المتقدمةوهي قوله : «وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعول و إليها المرجع مثل كتاب حريز بن عبد الله السجستاني وكتاب عبيد الله بن عليالحلبي و . . .» .
ان أحاديث الفقيه مادامت مستخرجة من كتب مشهورة وعليها اعتماد

الأصحاب فلا تبقى حاجة إلى وجود طريق صحيح بين الصدوق وصاحب الكتاب الذي ينقل عنه الحديث . اجل نحتاج إلى طريق صحيح بين صاحب الكتاب والإمام (عليه السلام) .

وقد تقدمت الاشارة إلى هذا الرأي فيما سبق(1) .

ويـرده :

أولاً : ان ما ذكر يتم على تقدير افتراض ان كل من ابتدأ الصدوق السند باسمه فقد اخذ الحديث من كتابه ، وهذا غير ثابت ، فانه لم يصرح في مقدمة كتابه أو في المشيخة بذلك .
أجل الشيخ الطوسي صرح بذلك في مقدمة مشيخة التهذيبين دون الصدوق .
ومما يؤكد عدم التزام الصدوق بذلك ذكره في المشيخة طريقاً إلى إبراهيم ابن سفيان واسماعيل بن عيسى وانس بن محمد وجعفر بن القاسم وغيرهم والحال عدم وجود كتب لهم بقرينة عدم ذكر النجاشي والشيخ لهما في فهرستهما الموضوع لاستعراض اصحاب الكتب .
بل ان الصدوق ذكر طريقاً له إلى اسماء بنت عميس والحال ان من البعيد وجود كتاب لها .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وقد قيل ان من جملة من يختار الرأي المذكور السيد البروجردي (قدس سره) .

واكثر من هذا قد يذكر الصدوق في المشيخة طريقاً إلى رواية معينة خاصة كالرواية التي تنقل مجئ نفر من اليهود إلى النبي (صلى الله عليه وآله) .
ان قلت : إذا لم يكن من ابتدأ به الصدوق السند له كتاب فكيف قال جميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة ؟
قلت : لا غضاضة في التعبير المذكور ، فبالامكان ان نفترض ان ابان بن تغلب يبتدأ الصدوق به السند وليس له كتاب وانما اخذ حديثه من كتاب شيخه محمد بن الحسن بن الوليد . وكتاب شيخه وان كان مشهوراً ولكن اقصى ما يستلزم ذلك هو عدم الحاجة إلى طريق صحيح بينه وبين كتاب شيخه لا بينه وبين من ابتدأ به السند وهو ابان .
وثانياً : ان شهرة الكتاب والتعويل عليه لا يغني عن الحاجة إلى طريق معتبر إذ قد تكون للكتاب نسخ متعددة في بعضها زيادة أو نقيصة أو تحريف ، فان شهرة كتاب والتعويل عليه لا يساوق انتفاء الاحتمالات المذكورة ، فالكافي مثلاً في زماننا هذا يصدق عليه انه من الكتب المشهورة التي عليها المعول ولكنهلا يعني ذلك صحة جميع نسخه ومأمونيتها من الزيادة والنقيصة .
ومع التسليم بما ذكرناه نكون بحاجة إلى طريق معتبر يثبت من خلاله صحة النسخة بان يقول الصدوق ان شيخي قد اجازني رواية نسخة معينة من كتاب حريز مثلاً ، وشيخة بدوره قد اجازه شيخه أيضاً حتى تصل سلسلة اجازات الثقات إلى حريز نفسه . فحريز نفسه لا بدَّ قد دفع نسخة معينة من كتابه إلى ثقة واجازه روايتها ، وهو بدوره دفعها إلى ثالث واجازه روايتها وهكذا حتى وصلتإلى الصدوق .

وثالثاً : ان شهرة الكتاب والتعويل عليه لا يعني التعويل على جميع احاديثه بدون استثناء وانما يعني ان التعويل عليه هو الطابع العام عليه ، فكتاب الكافي مثلاً يصدق عليه انه من الكتب المشهورة لدى الشيعة والمعول عليها بَيْد ان ذلك لا يعني صحة جميع احاديثه والعمل بكل واحد منها .

 

النقطة الرابعةان كتاب الفقيه يشتمل على 5963 حديثاً على ما قيل . بَيْدَ ان قسماً كبيراً منها يبلغ 2050 حديثاً هو من المراسيل .
ومن هنا تنشأ الحاجة إلى التفكير في طريقة يمكن بها تصحيح المراسيل المذكورة .
وقد ذهب البعض إلى حجيتها وان مراسيل الصدوق في الفقيه كمراسيل ابن أبي عمير في الحجية والاعتبار .
ويمكن توجيه حجيتها اما ببيان ان الصدوق ذكر في المقدمة انه لا يذكرفي كتابه إلاّ ما يحكم بصحته ويفتي به ويكون حجة بينه وبين ربه ، او منجهة انه ذكر في المقدمة أيضاً ان جميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعتمد والمعول .

وكلا البيانين المذكورين قد تقدمت الاشارة إلى مناقشته .

وهناك رأي ذهب اليه غير واحد من الأعلام يفصِّل بين ما إذا عبّر الصدوق بكلمة «قال» كأن ذكر هكذا : قال الصادق (عليه السلام) : كل ماء طاهر حتى تعلم انه قذر وبين ما إذا عبّر بكلمة رُوي ، بان قال : روي عن الصادق : كل ماء . . . ، فالأول حجة دون الثاني .
ومن جملة من اختار التفصيل المذكور السيد الخوئي (قدس سره)في بعض دورات بحثه الاُصولي القديمة بتقريب ان الصدوق إذا عبّر بكلمة «قال» دلَّ ذلك على جزمه بصحة الحديث وحجيته و إلاّ لما عبّر بكلمة «قال» الدالة على جزمه بصدور مضمون الرواية عن الإمام (عليه السلام)(1) .
والتأمل في ذلك واضح حيث ان تعبير الصدوق بكلمة «قال» وان دلَّ على جزمه بصحة الرواية وحجيتها إلاّ ان ذلك لا يعني شهادته بوثاقة رجال السند بل قد يكون ذلك لاحتفافها بقرائن توجب العلم بصدقها في نظره دون نظرناومن هنا تراجع عنه (قدس سره) في الدورات المتأخرة(2) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع الدراسات : ص322 .
(2) راجع مصباح الاُصول 2 : 520 .

تمرينات

س 1 : ما المقصود من المشيخة ؟ ولماذا احتاج الشيخ الصدوق إلى ذكر المشيخة في آخر كتابه ؟
س 2 : هناك ظاهرة تختص بالصدوق اشرنا إليها تحت عنوان النقطة الثانية . أوضحها .
س 3 : اذكر الوجه الأول الذي يمكن التمسك به لاثبات حجية جميع أحاديث الفقيه بدون حاجة إلى التدقيق في سندها . واذكر مناقشة ذلكس 4 : اذكر الوجه الثاني لذلك مع المناقشة الأولى له .

س 5 : اذكر المناقشة الثانية للوجه الثاني .

س 6 : اذكر المناقشة الثالثة للوجه الثاني .

.

س 7 : اكثر الصدوق من ذكر الروايات المرسلة في كتابه . وقيل بحجية جميع تلك المراسيل لبيانين . اذكرهما .

س 8 : هناك تفصيل في حجية مراسيل الصدوق . اذكره مع توجيهه .

س 9 : كيف نناقش التفصيل المذكور ؟

س 10 : راجع الحديث 1 من باب 14 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة .

واوضح حال سنده .

نظـرات في التهذيبين

التهذيب والاستبصار هما كتابان للشيخ الطوسي (قدس سره) .

اما كتاب تهذيب الأحكام فقد الّفه شيخ الطائفة كشرح لكتاب استاذه الشيخ المفيد المسمى بالمقنعة .
وقد قام بعملية الشرح والاستدلال في أوائل الكتاب فيذكر عبارة استاذه أولاً ما بين قوسين ويقوم بشرحها والاستدلال على ما فيها من أحكام . ولكنه بعد ذلك أخذ بالاقتصار على سرد الأحاديث . وقد نبه على ذلك نفسه في أول المشيخة . وعلل ذلك بخوف استلزام البسط الخروج عن الغرض وصيرورة الكتاب مبتوراً غير مستوفى .
وعليه فكتاب التهذيب ليس كتاباً حديثياً محضاً وانما هو كتاب فقهي استدلالي حديثي .
وقد قيل ان هذا الكتاب الجليل هو أول تأليف لشيخ الطائفة الّفه وعمره آنذاك خمسة أو ستة وعشرون عاماً .
والناظر في هذا الكتاب يمكن ان يستفيد ان قسماً منه الّفه الشيخ في حياة استاذه المفيد والقسم الباقي منه الّفه بعد وفاة استاذه . فمن أول الكتاب إلى أواخر كتاب الصلاة حينما يريد ان يذكر عبارة شيخه يقول : قال الشيخ أيده الله تعالى

ولكنه من بعد ذلك الموضع يقول : قال الشيخ (رحمه الله) .

وقد طبع هذا الكتاب اخيراً في النجف الأشرف في عشرة اجزاء .

وقد احصيت مجموع احاديث هذا الكتاب فبلغت (13590) حديثاً على ما ذكر الشيخ النوري(1) .
ولصاحب الحدائق (قدس سره) كلمة حول التهذيب تحمل شيئاً من القسوة أو المبالغة حيث ذكر في حدائقه(2) : انه قلما يخلو حديث من أحاديث التهذيب من التحريف أو التصحيف أو الزيارة والنقصان في متنه أو سنده .
واما كتاب الاستبصار فقد الّفه الشيخ الطوسي بسبب تعيير جماعة الشيعة باختلاف احاديثهم وتعارضها فأ لّف هذا الكتاب وحاول ان يدفع التعارض الذي قد يبدو بين كل خبر وآخر ، فهو موضوع ومؤلف لذكر الأخبار المتعارضة وبيان طريقة الجمع بينها . ومن هنا جاءت تسمية الكتاب بالاستبصار فيما اختلفمن الأخبار .

وقد طبع هذا الكتاب اخيراً في النجف الأشرف في أربعة اجزاء .

وقد حصر الشيخ نفسه أحاديث الكتاب المذكور في 5511 حديثاً . ذكر
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع مستدرك الوسائل 3 : 757 .
(2) الحدائق الناظرة 4 : 209 .

ذلك في آخر الكتاب وقال حصرتها لئلا تقع فيها زيادة أو نقيصة .

وكلامنا حول هذين الكتابين يقع ضمن نقاط .

طريقة الشيخ1 ـ ان طريقة الشيخ في نقل الحديث في هذين الكتابين مختلفة ، فتارة ينقل تمام السند واُخرى ينقل بعض السند ، وليس الطابع الغالب عليه نقل تمام السند كما هو في الكافي ولا نقل بعض السند كما هو الحال في الفقيه .
ومن هنا احتاج إلى تأليف المشيخة لتسجيل طرقه إلى من ينقل عنهم الأحاديث لتخرج بذلك من الارسال إلى الاسناد .
والمشيخة المذكورة آخر التهذيب متطابقة غالباً مع مشيخة الاستبصار .

 

صحة جميع أحاديث الكتابين2 ـ ذهب بعض إلى صحة جميع أحاديث التهذيبين . ويمكن توجيه ذلك باحد بيانين : ـ
أ ـ التمسك بما حكي عن الفيض الكاشاني في الوافي عن عدة الاُصول للشيخ من انه قال : «ان ما اورده في كتابي الأخبار انما آخذه من الاُصول المعتمد عليها» . ومع أخذ الأخبار من الكتب المعتمد عليها لا حاجة إلى وجود طريق صحيح بين الشيخ وصاحب الكتاب .
ويرد ذلك : ان العبارة المذكورة لم يتضح ثبوتها في العدة . وعلى تقدير التسليم بثبوتها فيمكن ان يجاب بان كون الأصل معتمداً عليه لا يعني الاعتماد

على جميع احاديثه بدون استثناء وانما يعني ان ذلك هو الطابع العام عليه .
ومما يؤكد ان هذا هو المقصود مناقشة الشيخ نفسه في سند مجموعة من الأحاديث التي سجلها في كتابه . و إذا لم تكن تلك الأحاديث صحيحة في نظر الشيخ نفسه فكيف يتوقع ان تكون صحيحة عندنا .
ب ـ ما ذكره السيد مصطفى التفريشي على ما نقل عنه صاحب جامع الرواة(1) من ان الشيخ الطوسي صرح في أول المشيخة بان الأحاديث ينقلها من نفس كتب واُصول الأصحاب . ثم اضاف إلى ذلك مقدمة ثانية وهي ان تلك الكتب والاُصول كانت معروفة ونسبتها إلى اصحابها معلومة ولا شك فيها كنسبة الكتب الأربعة إلى اصحابها يومنا هذا . ومعه فلا نحتاج إلى طريق صحيح بين الشيخ وبين اصحاب تلك الكتب .
ويرد ذلك : ما تقدم سابقاً من ان في كلام الشيخ في أول المشيخة قرينة على بطلان دعوى شهرة تلك الكتب بحيث لا يحتاج النقل منها إلى طريق صحيح.
وتلك القرينة قوله اني اذكر الطرق إلى اصحاب الكتب لتخرج الأحاديث التي انقلها من الارسال إلى الاسناد .
هذا مضافاً إلى ما تقدم من ان شهرة الكتاب لا تستلزم شهرة جميع نسخه . ولعل بعض النسخ مغلوطة فيحتاج إلى وجود طريق معتبر ليؤمن من الغلط .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع جامع الرواة 2 : 48 .

على ان لازم الدعوى المذكورة لغوية كتابة الشيخ للمشيخة وصرف قسم من عمره في ذلك ، اللهم إلاّ ان يكون غرضه التبرك بايصال سنده إلىالإمام (عليه السلام)بَيْد انه ضعيف باعتبار ان التبرك لا يحتاج إلى الاكثار من ذكرالطرق ، كما ولا حاجة إلى تسجيلها في مؤَلَف بل يكفي الاحتفاظ بها في القلبأو ورقة خاصة .

 

التعويض عن الطريق الضعيف3 ـ ذكر الشيخ في أول المشيخة ان كل من ابتدأ باسمه السند فقد اخذ الحديث من كتابه .
و إذا رجعنا إلى المشيخة للتعرف على الطريق لصاحب الكتاب فقد لا نجد الشيخ يذكر طريقاً إليه أو ان طريقه إليه ضعيف .
وفي مثل هذه الحالة يمكن الرجوع إلى الفهرست الذي الّفه لجمع اسماء اصحاب الكتب من الشيعة وبيان طرقه اليهم .
وفي هذا الكتاب يذكر طرقاً اكثر مما ذكره في المشيخة ، فلربما يذكرفي المشيخة طريقاً واحداً إلى صاحب الكتاب بينما في الفهرست يذكر طريقيناو ثلاثاً بل ربما لا يذكر في المشيخة طريقاً إلى شخص ويذكر له طريقاًفي الفهرست .
وعليه فاذا كان الطريق في المشيخة ضعيفاً وكان بعض الطرق المذكورةفي الفهرست صحيحاً امكن التعويض والاستعانة بالطريق الصحيح المذكور

في الفهرست .

والوجه في ذلك : ان الشيخ في الفهرست يعبر عادة عند فراغه من ذكر اسم الشخص وكتبه هكذا : اخبرنا بجميع كتبه ورواياته فلان عن فلان عن . . . وهذا التعبير يفهم منه ان كل ما يرويه ببعض تلك الطرق فهو يرويه بالطريق الآخر لا انه يروي بعض رويات الشخص ببعض تلك الطرق والبعض الآخر من رواياته بطريق آخر .
ان الوجه في التعويض بطرق الفهرست واضح على ضوء ما ذكرناه . نعم المشكلة تبقى فيما إذا كانت طرق الفهرست ضعيفة أيضاً ، فهل هناك طرق اُخرى يمكن الاستعانة بها للتغلب على المشكلة ؟

وفيما يلى نذكر قسماً من الطرق الجديدة .

 

طريقة الشيخ الأردبيلي

للشيخ محمد الأردبيلي ـ الذي هو من احد تلامذة الشيخ المجلسي والمؤلف للكتاب المعروف بجامع الرواة ـ رسالة غير مطبوعة سماها برسالة تصحيح الاسانيد .
وقد ذكر في مقدمة الرسالة المذكورة طريقة للتغلب على ضعف بعض الأسانيد .
وقد سجّل حصيلة تلك الطرييقة في الفائدة السابعة من الفوائد التي ذكرها في آخر كتابه جامع الرواة .
والطريقة التي ذكرها ينتابها شيء من الغموض . واوضحها السيد البروجردي بشكل جيد .
ولتوضيحها نذكر المثال التالي : روى الشيخ في التهذيب عدة روايات عن علي بن الحسن الطاطري الذي هو من الثقات الأجلة .
ففي التهذيب ج 2 حديث 549 قال ما نصه : علي بن الحسن الطاطريقال حدثني عبد الله بن وضاح عن سماعة بن مهران قال قال لي ابو عبد الله (عليه السلام) : اياك ان تصلي قبل ان تزول فانك تصلي في وقت العصر خير لك ان تصليقبل ان تزول .

و إذا رجعنا إلى المشيخة لمعرفة طريق الشيخ إلى الطاطري وجدناه يقول : «وما ذكرته عن علي بن الحسن الطاطري فقد اخبرني به أحمد بن عبدون عن علي بن محمد بن الزبير عن أبي الملك أحمد بن عمر بن كيسبة عن علي بن الحسن الطاطري» .
ان هذه الجملة تدل على ان طريق الشيخ إلى الطاطري يشتمل على ثلاث وسائط : أحمد بن عبدون ، علي بن محمد بن الزبير ، ابي الملك .
وهذه الوسائط الثلاث لم يرد في حقها توثيق فيكون الطريق ضعيفاً وبالتالي تكون جميع الروايات المبدوءة بالطاطري ـ والتي تبلغ 34 رواية ـ ضعيفة مطروحة .
والأردبيلي في مقام تصحيح سند هذه الروايات قال : اني راجعت التهذيب في أبواب مختلفة فرأيت في باب الطواف ان الشيخ يذكر أربع روايات بالشكل التالي : موسى بن القاسم عن علي بن الحسن الطاطري عن درست بن أبي منصور عن ابن مسكان عن أبي عبد الله (عليه السلام) .

وجميع هؤلاء الأربعة ثقات .

ثم قام بشيء ثان وهو انه راجع طريق الشيخ إلى موسى بن القاسم فى الفهرست أو المشيخة فوجده صحيحاً حيث انه بالشكل التالي : المفيد عن ابن بابويه عن محمد بن الحسن بن الوليد عن الصفار عن أحمد بن محمد بن عيسى عن موسى بن القاسم .
وبهذا نحصل على طريق جديد إلى الطاطري نتيجة ضم الأمر الأول إلى

الثاني ، وهو بالشكل التالي : المفيد عن ابن بابويه عن محمد بن الحسن بن الوليد عن الصفّار عن أحمد بن محمد بن عيسى عن موسى بن القاسم عن علي بن الحسن الطاطري . وهو طريق معتبر .
ويرد على الطريقة المذكورة إنها تتم على تقدير وجود كتاب الطاطريعند موسى بن القاسم حينما نقل منه الروايات الأربع المذكورة . انه بناءعلى هذا تكون جميع روايات الطاطري قد وصلت إلى موسى بن القاسم ،وحيث ان للشيخ اليه طريقاً معتبراً فتكون جميع روايات الطاطري واصلةلنا بطريق معتبر .
إلاّ ان من المحتمل عدم وجود كتاب الطاطري عند موسى بن القاسم وانما كان عنده كتاب الراوي السابق على الطاطري كدرست أو ابن مسكان . فدرست مثلاً كان عنده كتاب توجد فيه روايات كثيرة من ضمنها الروايات الأربعالسابقة ، ودرست قال للطاطري اجزتك ان تروي كتابي هذا ، والطاطريقال بدوره لموسى بن القاسم اجزتك ان تروي كتاب درست ، وموسى بن القاسم اخذ من كتاب درست الروايات الأربع السابقة وسجلها في كتاب له يجمع فيه الأحاديث .
انه بناء على هذا لا يكون موسى بن القاسم راوياً لجميع رواياتالطاطري بل يكون راوياً لكتاب درست الذي وصل إليه بواسطة الطاطري ، ويصح لموسى ان يقول بناء على هذا حدثني الطاطري عن درست بهذهالروايات الأربع .

طريقة الشيخ المجلسي

ينسب إلى الشيخ المجلسي في كتابه الأربعين الطريقة التالية : إذا كان طريق الشيخ الطوسي إلى صاحب كتاب ضعيفاً فمتى ما كان للشيخ الصدوق إلى صاحب ذلك الكتاب طريق صحيح امكن التعويل على طريق الشيخ الصدوق والتعويض به عن طريق الشيخ الطوسي .
والوجه في ذلك : ان الشيخ الطوسي له طريق صحيح إلى جميع روايات الشيخ الصدوق فانه يروي جميع روايات الشيخ الصدوق بواسطة الشيخ المفيد . فاذا كان للشيخ الطوسي طريق صحيح إلى جميع روايات الشيخ الصدوق والمفروض ان الشيخ الصدوق له طريق صحيح أيضاً إلى روايات صاحب الكتاب الذي ينقل عنه الشيخ الطوسي فيثبت بذلك وجود طريق صحيح للشيخ الطوسي إلى صاحب الكتاب .
فمتى ما روى الشيخ الطوسي رواية عن صاحب الأصل ولم يذكر الشيخ الصدوق تلك الرواية ولكن كان له طريق صحيح إلى صاحب الكتاب امكن التعويض المذكور والحصول على طريق صحيح إلى تلك الرواية .
ويرد ذلك : ان هذا يتم لو فرض اننا لا نحتمل وجود نسختين مختلفتين للكتاب احداهما يرويها الشيخ بطريقه الضعيف والاُخرى يرويها الصدوق بطريقه الصحيح . اما مع هذا الاحتمال ـ الذي هو ثابت ولا يمكن نفيه ـ فلا يمكن

الاستعانة بالطريقة المذكورة لاحتمال ان الحديث الذي يرويه الشيخ الطوسي موجود في نسخته دون نسخة الشيخ الصدوق .
ومما يؤكد احتمال تعدد النسخ ان الشيخ الطوسي ذكر في فهرسته ص 112 في ترجمة العلاء بن رزين ان له كتاباً ذا نسخ أربع وله إلى كل نسخة طريقاً خاصاً يغاير الطريق إلى النسخة الاُخرى .

 

طريقة ثالثـة

إذا كانت لدنيا رواية واحدة وصلتنا بطريقين مختلفين . وكل منهما يشتمل على ضعف من ناحية خاصة فبالامكان التلفيق بين الطريقين والحصول على طريق ثالث .
مثال ذلك : ان الشيخ الطوسي روى رواية بالسند التالي : المفيد عن أحمد ابن محمد عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد عن الحسين عن الحسن عن زرعة عن سماعة عن الإمام الصادق (عليه السلام) . . .(1)
ونفس الرواية رواها الكليني كما يلي : محمد بن يحيى عن أحمد بنمحمد عن علي بن اسماعيل عن عثمان بن عيسى عن زرعة عن سماعة عن الإمام (عليه السلام) (2) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رجال هذا الطريق كلهم ثقات ما عدا أحمد بن محمد شيخ المفيد الذي هو أحمد بن محمد ابن الحسن بن الوليد بناء على عدم كفاية شيخوخة الاجازة في اثبات الوثاقة .
واما محمد بن يحيى وسعد وأحمد بن محمد ـ الذي هو أحمد بن محمد بن عيسى ـ والحسين بن سعيد الأهوازي والحسن بن سعيد الأهوازي وزرعة وسماعة فكلهم ثقات .
(2) رجال هذا الطريق كلهم ثقات ما عدا علي بن اسماعيل ، فان محمد بن يحيى العطار هو شيخ الكليني المعروف بالوثاقة والجلالة . واما أحمد بن محمد بن عيسى والبقية فهم ثقات .

ان الطريق الأول يشتمل على ضعف من ناحية أحمد بن محمد الذي يروي عنه المفيد لأنه أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد الذي هو من مشايخ الاجازة ولم تثبت وثاقته .
واما الطريق الثاني فهو يشتمل على ضعف من ناحية علي بن اسماعيل .
اما الضعف الموجود في الطريق الأول فيمكن التغلب عليه باعتبار ان المحذور الذي يولّده وجود أحمد بن محمد بن الحسن هو الشك في ان والد أحمد هل حدّت حقاً ولدَه أحمد بالحديث المذكور أو ان أحمد تقوَّل على والده ونسب إليه الحديث كذباً وزوراً ، فان أحمد لو كان ثقة فبواسطة وثاقته يمكن ان نحرز ان والده قد اخبره بالخبر ولم يتقوّل على والده ، وحيث لم نحرز وثاقته فنحتمل تقوّله على والده .
والمشكلة من هذه الناحية يمكن التغلب عليها بواسطة الطريق الثاني ، فان المفروض ان الكليني في الطريق الثاني يقول ان محمد بن يحيى قد حدّثني بالحديث المذكور من دون تخلل أحمد في الوسط .
واما الضعف في الطريق الثاني الذي هو من ناحية علي بن اسماعيل فيمكن التغلب عليه بواسطة الطريق الأول فانه إذا ثبت ان محمد بن يحيىقد حدَّث الكليني بالخبر فنأخذ بالطريق الأول ويحصل بذلك التغلب على المحذور من ناحية علي بن اسماعيل . وبعد هذا التلفيق بين السندين يمكن الأخذ بالرواية .

ويرد ذلك : اننا نحتمل ان أحمد بن محمد بن الحسن قد اختلق رجال السند الذين بينه وبين الإمام (عليه السلام) . ولا نريد ان ندعي بهذا انه اختلق الرواية بل ندعي ان من المحتمل اختلاقه للسند ، ومعه فلا يبقى بايدينا إلاّ السند الثاني ، والمفروض وجود علي بن اسماعيل فيه الذي لم تثبت وثاقته .

 

طريقة الميرزا محمد الاسترابادي

ذكر الميرزا محمد الاسترابادى ـ صاحب الكتاب الرجالي المعروف بمنهج المقال ـ طريقة لتصحيح بعض الاسانيد الضعيفة .
ومحصلها : ان طريق الصدوق إلى عبيد بن زرارة مثلاً ضعيف بسبب وجود الحكم بن مسكين(1) . ويمكن استخراج طريق صحيح للصدوق إلى عبيد بعد التوجه إلى أمرين : ـ
أحدهما : ان النجاشي له طريق صحيح إلى عبيد حيث ذكر في ترجمة عبيد ما نصه : «له كتاب يرويه جماعة عنه . اخبرنا عدة من اصحابنا عن أحمد ابن محمد بن يحيى عن عبد الله بن جعفر عن ابيى الخطاب ومحمد بن عبد الجبار وأحمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن اسماعيل بن بزيع عن حماد ابن عثمان عن عبيد بكتابه» .
ثانيهما : انه اتضح من خلال مراجعة طريق النجاشي إلى عبيد ان احد الرواة الواقعين في طريق النجاشي هو عبد الله بن جعفر(2) . و إذا رجعنا إلى
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع مشيخة الفقيه : ص31 .
(2) وهو عبد الله بن جعفر الحميري الثقة الجليل .

فهرست الشيخ الطوسي وجدناه يذكر طريقاً له إلى عبد الله بن جعفر بالشكل التالي : اخبرنا بجميع كتبه ورواياته الشيخ المفيد (رحمه الله) عن ابي جعفر ابن بابويه عن أبيه ومحمد بن الحسن عنه .
إذن من خلال هذا نعرف ان الصدوق يروي بطريق صحيح جميع روايات الحميري .
وباتضاح هذين الأمرين يتضح ان بالامكان تحصيل طريق للصدوق إلى عبيد لانه من خلال الأمر الثاني عرفنا ان الصدوق يروي بطريق صحيح جميع روايات الحميري والمفروض انّا عرفنا في الأمر الأول ان الحميري يروي روايات عبيد بطريق صحيح فيثبت من ذلك ان الصدوق يروي بالتالي بطريق صحيح إلى عبيد جميع رواياته .
والطريق الجديد هكذا : الصدوق عن ابيه ومحمد بن الحسن عن الحميري عن ابي الخطاب ومحمد بن عبد الجبار وأحمد بن محمد بن عيسى عن محمد ابن اسماعيل بن بزيع عن حماد بن عثمان عن عبيد .

هذه حصيلة الطريقة المذكورة .

ويردها : انه بهذه الطريقة يمكن تصحيح كل رواية ثبت وجودها في كتاب عبيد وانها من جملة رواياته إلاّ انه كيف يمكن اثبات ان الرواية التي نقلها الصدوق في كتابه الفقيه والتي وقع في طريقها الحكم بن مسكين هي موجودة في كتاب عبيد ومن جملة رواياته ، فان المفروض ان الصدوق نقلها بواسطة الحكم

ابن مسكين ، ومن المحتمل ان الحكم ـ باعتبار عدم ثبوت وثاقته ـ قد اختلق تلك الرواية أو زاد فيها .
اجل لو فرض ان الصدوق قد اخذ الرواية من كتاب الحميري لا من كتاب عبيد تمت الطريقة المذكورة ، ولكننا نحتمل ان الصدوق قد اخذها من كتاب عبيد الذي وصله بواسطة الحكم بن مسكين .

 

طريقة للسيد الخوئي

نقل الشيخ الطوسي (قدس سره) جملة من الروايات عن علي بن الحسن بن فضال .
و إذا رجعنا إلى الفهرست وجدنا الشيخ يقول ما نصه : «اخبرنا بجميع كتبه قراءة عليه اكثرها والباقي اجازة أحمد بن عبدون عن علي بن محمد بن الزبير سماعاً واجازة عنه» .
ان أحمد بن عبدون وان لم يوثقه الشيخ والنجاشي صريحاً إلاّ انه يمكن توثيقه من جهة كونه من مشايخ النجاشي . وقد تقدم في ابحاث سابقة امكان توثيق جميع مشايخ النجاشي(1) .
وانما المشكلة من ناحية علي بن محمد بن الزبير حيث انه لم يوثق .
ولازم هذا سقوط جميع الروايات التي رواها الشيخ عن كتاب علي بن الحسن بن فضال من جهة ابن الزبير .
وحاول السيد الخوئي (قدس سره)(2) التغلب على مشكلة ابن الزبير بالبيان التالي :
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع : ص50 .
(2) معجم رجال الحديث 1 : 82 .

اننا لو رجعنا إلى رجال النجاشي في ترجمة علي بن الحسن بن فضال وجدنا ان النجاشي يروي جميع روايات ابن فضال بطريق يبتدأ بابن عبدون ولا يتوسطه ابن الزبير ، أي انه طريق صحيح .
انه من خلال هذا نفهم ان استاذ الشيخ الطوسي والنجاشي الذي ينقلان عنه روايات ابن فضال هو ابن عبدون .
و إذا ثبت ان طريق النجاشي صحيح تثبت بذلك صحة جميع الروايات التي نقلها الشيخ عن ابن فضال لان استاذهما مادام واحداً ـ والمفروض انه ثقة ـ فلازم ذلك ان ما ينقله لتلميذيه ـ الشيخ والنجاشي ـ واحدُ ، إذ لو لم يكن واحداً فلازم ذلك ان يكون كاذباً في احد نقليه ، وهو خلف فرض وثاقته .
و إذا ثبت وحدة النقل وعدم اختلافه فحيث ان ذلك النقل الواحد قد وصل إلى ابن عبدون بطريق صحيح ـ وهو الطريق الثاني الذي ينقله النجاشي ـ فيلزم من ذلك صحة الروايات التي ينقلها الشيخ عن ابن فضال .
وباختصار : ان كتاب ابن فضال مادام قد وصل لابن عبدون بطريقين احدهما صحيح فكل ما ينقله الشيخ من روايات ابن فضال بتوسط ابن عبدون يلزم ان يكون حجة .
والضابط العام لهذه الطريقة : انه إذا كان طريق الشيخ إلى كتاب راو معين ضعيفاً في الفهرست والمشيخة معاً فمتى ما كان طريق النجاشي إلى ذلك الكتاب صحيحاً وكان شيخهما الذي يرويان عنه ذلك الكتاب واحداً فبالامكان التعويضبطريق النجاشي الصحيح عن طريق الشيخ الضعيف .

وقد تبنى قبل السيد الخوئي هذه الطريقة السيد بحر العلوم في رجاله حيث قال ما نصه : «وقد يعلم ذلك(1) من كتاب النجاشي فانه كان معاصراً للشيخ مشاركاً له في أكثر المشايخ كالمفيد والحسين بن عبيد الله وأحمد ابن عبدون وغيرهم ، فاذا علم روايته للاصل أو الكتاب بتوسط أحدهم كان ذلك طريقاً للشيخ»(2) .

ويمكن التأمل في الطريقة المذكورة من ناحيتين : ـ

أ ـ ان من المحتمل ان ابن عبدون كانت لديه نسختان من كتاب ابن فضال احداهما تختلف عن الاُخرى ، ونقل احدى النسختين للشيخ الطوسي بواسطة ابن الزبير والنسخة الاُخرى للنجاشي بواسطة غيره . ومع وجود هذا الاحتمال فلا يمكن الجزم بان كل ما حدث به ابنُ عبدون النجاشيَ فقد حدث به الشيخَ الطوسي . ولا يلزم من اختلاف نقله كذبُه مادامت النسخة مختلفة .
و إذا قلت : ان أحاديث ابن فضال التي سمعها من الإمام (عليه السلام) مادامت واحدة فمن أين جاء اختلاف النسختين ؟
قلت : ان ذلك له مناشئ منها ان يكون ابن الزبير باعتبار عدم ثبوت وثاقته
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أي طريق الشيخ الطوسي .
(2) رجال السيد بحر العلوم 4 : 75 .

قد زاد في نسخته التي استلمها من ابن فضال أو حرّفها .

ب ـ ان الطريقة المذكورة لو تمت كبرويا فهي ليست تامة صغرويا ، أي ان الاستشهاد لها بالمثال المتقدم غير تام لعدم كون استاذ الشيخ النجاشي في روايات ابن فضال واحداً فان طريق الشيخ إلى ابن فضال وان كان بالشكل التالي : ابن عبدون عن علي بن محمد بن الزبير عن ابن فضال إلاّ ان طريق النجاشي بشكل آخر وكالتالي : «قرأ أحمد بن الحسين(1) كتاب الصلاة والزكاة ومناسك الحج و . . . على أحمد بن عبد الواحد(2) في مدة سمعتها معه . وقرأت انا كتاب الصيام عليه في مشهد العقيقة عن ابن الزبير(3) عن علي بن الحسن . واخبرنا بساير كتب ابن فضال بهذه الطريق . واخبرنا محمد بن جعفر في آخرين(4) عن أحمد بن محمد بن سعيد عن علي بن الحسن بكتبه» .
ان المستفاد من هذه الفقرات ان للنجاشي طريقين إلى ابن فضال :

1 ـ ابن عبدون عن ابن الزبير عن علي بن الحسن .

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وهو المعروف بابن الغضائري ، وكان من زملاء النجاشي والشيخ الطوسي .
(2) وهو ابن عبدون .
(3) وهو علي بن محمد بن الزبير .
(4) هو اسم مكان معين .

2 ـ محمد بن جعفر عن أحمد بن محمد بن سعيد عن علي بن الحسن .
والطريق الأول لا ينفع لانه وان ابتدأ بابن عبدون إلاّ انه يشتمل على ابن الزبير كما يشتمل عليه طريق الشيخ .
والطريق الثاني وان لم يشتمل على ابن الزبير إلاّ انه لا يبتدأ بابن عبدون .
فكلا الطريقين اذن لا ينفع ، فان الذي ينفع هو الطريق الذي يبتدأ بابن عبدون ولا يشتمل في وسطه على ابن الزبير ، إذ لو لم يبتدا بابن عبدون لم يكن شيخ النجاشي والشيخ الطوسي واحداً . ولو اشتمل وسطه على ابن الزبير لم يرتفع المحذور الموجود في طريق الشيخ الذي نريد التخلص منه .

 

طريقة اُخرى للسيد الخوئي

هناك طريقة اخرى للسيد الخوئي (قدس سره) حاول التغلب بها على مشكلة أحمد ابن محمد بن يحيى وغيره ممن لم تثبت وثاقته .
ولتوضيحها نذكر المثال التالي : ان الشيخ الطوسي في الاستبصار ج 1 ص 23 ذكر رواية بالسند التالي : الحسين بن عبيد الله عن أحمد بن محمد بن يحيى عن ابيه عن محمد بن أحمد بن يحيى عن العمركي عن علي بن جعفر .
ان السند المذكور لا خدشة فيه إلاّ من جهة أحمد بن محمد بن يحيى حيث لم تثبت وثاقته بناء على عدم كفاية شيخوخة الاجازة لاثبات الوثاقةوللتغلب على مشكلته يمكننا ان نختار أي رجل آخر ممن يكون بين.
أحمد والإمام (عليه السلام) . ولنفرض اننا اخترنا محمد بن أحمد بن يحيى . وبعد ذلك نراجع كتاب الفهرست للشيخ ، فاذا وجدنا ان للشيخ طريقاً صحيحاً إلىمحمد ابن أحمد بن يحيى نعوِّض بذلك الطريق الصحيح عن تلك السلسلة الضعيفة في السند السابق(1) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) و إذا رجعنا إلى الفهرست ص144 وجدنا ان الشيخ الطوسي يذكر طريقين إلى محمد بن أحمد بن يحيى أحدهما صحيح والآخر ضعيف . اما الضعيف فهو نفس الطريق السابق الذي نريد التخلص منه ، وهو هكذا : «الحسين بن عبيد الله عن أحمد بن محمد بن يحيى عن أبيه عن محمد بن أحمد بن يحيى» . واما الصحيح فهو هكذا : «أخبرنا جماعة عن محمد بن علي ابن الحسين عن أبيه عن أحمد بن ادريس عن محمد بن أحمد بن يحيى» .

والتوجيه الفني لفكرة التعويض هذه هي ان الشيخ الطوسي يقول بعد ذكره لاسم صاحب الترجمة واستعراض كتبه ما نصه : اخبرنا بجميع كتبه ورواياته فلان عن . . . وفلان عن . . .
ان محمد بن أحمد بن يحيى ما دمنا قد افترضناه في وسط السند فيصدق ان الرواية المبحوث عن سندها هي من جملة رواياته . واذا صدق انها من جملة رواياته شملها التعبير العام المتقدم ـ اخبرنا بجميع كتبه ورواياته ـ وامكن تصحيحها بواحد من تلك الطرق المذكورة في الفهرست في ترجمة محمد بن أحمد بن يحيى ، فان ظاهر تعبير الشيخ الطوسي حينما يقول أخبرنا بجميع كتبه ورواياته . . . ان كل ما وصل اليه باحد الطريقين فقد وصل اليه بالطريق الثاني ، فالرواية المنقولة عن محمد بن أحمد بن يحيى بالطريق الضعيف قد وصلت إلى الشيخ بالطريق الآخر الصحيح أيضاً .
وبذلك سوف نحصل على سند صحيح بالشكل التالي : جماعة عن محمد ابن علي بن الحسين عن أبيه عن أحمد بن ادريس عن محمد بن أحمد بن يحيى عن العمركي عن علي بن جعفر .
وينبغي الالتفات إلى ان الشخص الذي نحاول انتخابه من بين افراد

السند يلزم ان يكون واقعاً قبل أحمد بن محمد بن يحيى ، أي واقعاًبينه وبين الإمام (عليه السلام)ولا ينفع كونه بعد أحمد و إلاّ لم نتخلص من مشكلتهكما هو واضح .
كما وينبغي ان يكون ذلك الشخص الذي تَمَ انتخابه قد ذكره الشيخ في الفهرست وذكر اليه طرقاً بعضها صحيح(1) .
والسيد الشهيد (قدس سره) تعرض إلى هذه الطريقة في بعض كلماته(2) وارتضاها بشرطين : ـ
أ ـ ان يكون قبل الشخص الضعيف ـ الذي يراد التخلص من مشكلته ـ شخص ثقة ، وللشيخ الطوسي اليه طريق صحيح .
وفي مثالنا السابق كان محمد بن أحمد بن يحيى شخصاً ثقة قبل أحمد ، وللشيخ اليه طريق صحيح(3) .
ب ـ ان يكون الطريق الضعيف الذي يراد التخلص منه مذكوراً كاحد
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هذه الطريقة ذكرها السيد الخوئي في مواضع متعددة من ابحاثه القديمة فراجعالتنقيح ج2 ص463 ، ج3 ص486 . ولكننا لم نسمعها مه طيلة فترة تلمذنا عنده ، وذلك يدل على عدوله عنها .
(2) راجع كتاب بحوث في شرح العروة الوثقى ج3 : ص125 ، ج4 ص51 .
(3) ينبغي الالتفات إلى ان هذا الشرط ليس شيئاً جديداً وزيادة على ما ذكره السيد الخوئيالطرق إلى محمد بن أحمد بن يحيى .

ففي المثال السابق كان الطريق الضعيف الذي يراد تعويضه ـ وهو الحسين ابن عبيد الله عن أحمد بن محمد بن يحيى عن ابيه ـ مذكوراً في الفهرست كاحد الطريقين إلى روايات محمد بن أحمد بن يحيى .
والوجه في اعتبار الشرط المذكور : ان السند الذي يراد التخلص منه إذا لم يكن احد الطريقين بان كان المذكور طريقاً او طريقين اجنبيين عن الطريق الضعيف فلا يمكن ان نستفيد ان ما رواه الشيخ بالطريق الضعيف قد رواه بالطريق الصحيح بل من المحتمل ان يكون قد رواه بالطريق الضعيف فقط . اما إذا ذكره كاحد الطريقين فلا يأتي الاحتمال المذكور ، لأن ظاهر تعبير الشيخ ـ اخبرنا بجميع كتبه ورواياته فلان عن . . . وفلان عن . . . ـ ان كل ما رواه باحد الطرق فقد رواه ببقية الطرق ولا يقصد من ذلك ان بعض الروايات رواها ببعض تلك الطرق والبعض الآخر رواه بالطرق الاُخرى .
هذه حصيلة الطريقة المذكورة . وهي لو تمت لكانت نافعة وسيالة في كثير من الموارد .
وقد يخطر للذهن مناقشتها بما يلي : ان مجرد ورود محمد بن أحمد بن يحيى في السند لا يوجب الجزم بكون الرواية هي من جملة رواياته حتى يشملها تعبير الشيخ الطوسي ـ اخبرنا بجميع رواياته وكتبه فلان عن . . . وفلان عن . . . ـ لاحتمال ان أحمد بن محمد بن يحيى قد اختلق الرواية بالسند المذكور ونسبها إلى والده ومحمد بن أحمد بن يحيى وهما من ذلك براء .

وان شئت قلت : ان تطبيق الطريقة المذكورة فرع الجزم بصدق كون الرواية هي من جملة روايات محمد بن أحمد بن يحيى ، والجزم بذلك فرع الجزم بعدم كذب أحمد في اختلاق الرواية بالسند المذكور . و إذا جزمنا بعدم كذب أحمد فلا نكون بحاجة بعد ذلك إلى هذه الطريقة والاستعانة بفكرة التعويض .

هكذا قد تناقش الطريقة المذكورة .

بَيْدُ انها تندفع بالشرط الثاني الذي اضافه السيد الشهيد ، فان الطريق الضعيف الذي نريد الاستعاضة عنه إذا كان أحد الطريقين الذين ذكرهما الشيخ الطوسي فلازمه ان كل رواية إذا رويت بالطريق الضعيف فهي مروية بالطريق الثاني الصحيح ، وحيث ان الرواية التي بايدينا والتي نريد تحصيل سند جديدلها هي مما رويت بالطريق الأول الضعيف فهي مروية حتماً بالطريق الثاني الصحيح ولا يبقى لاحتمال كذب أحمد قيمة ، لأن الشيخ بنفسه يصرِّح اني ارويها بالطريق الأول الضعيف وكل رواية ارويها بالطريق الضعيف فانا ارويها بالطريق الثاني الصحيح .
والصحيح في المناقشة ان يقال : اننا نحتمل ان الشيخ الطوسي حينما قال «اخبرنا بجميع رواياته وكتبه فلان . . . » فهو يقصد ان محمد بن احمد بن يحيى متى ما ابتدأتُ به السند فانا اروي عنه بهذه الطرق المتعددة ولا يقصد اني أروي بهذه الطرق عن محمد بن أحمد بن يحيى حتى لو وقع في اثناء السند . ان هذا الاحتمال موجود ، ومع وجوده فلا يمكن تطبيق الطريقة المذكورة(1) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كانت هذه المناقشة تخطر في ذهننا حتى رايناها في كلمات السيد الشهيد نفسه فراجع تقرير بحثه الاُصولي 5 : 60 ، 436 .

تطبيقات عملية

1 ـ ورد في الوسائل الباب 5 من أبواب القيام من كتاب الصلاة ح 5 ما نصه : «علي بن جعفر في كتابه عن أخيه قال : سألته عن المريض . . . » .
ان هذه الرواية يرويها الحرُّ عن كتاب علي بن جعفر ، فان كتاب علي بن جعفر كان عند الحر ، وهو أحد مصادر أحاديث وسائل الشيعة .
والطريق إليه صحيح ، لأن صاحب الوسائل يروي جميع المصادر التي اعتمدها بطرق كثيرة معتبرة تنتهي إلى الشيخ الطوسي ، والشيح الطوسي له طريق معتبر إلى علي بن جعفر .
اما ان الحر له طرق معتبرة تنتهي إلى الشيخ الطوسي فيتضح ذلك من خلال مراجعة آخر الوسائل حيث ذكر جملة من الفوائد ، وضمن بعضها(1) ذكر طرقه إلى تلك المصادر ، وهي طرق كثيرة تتشكل من علمائنا الأبرار .
واما ان طريق الشيخ الطوسي إلى علي بن جعفر صحيح فلان طريقه في المشيخة وان كان ضعيفاً حيث قال : «وما ذكرته عن علي بن جعفر فقد اخبرني به الحسين بن عبيد الله عن أحمد بن محمد بن يحيى عن أبيه محمد بن يحيى عن العمركي النيسابوري البوفكي عن علي بن جعفر» . وأحمد بن محمد بن يحيى لم
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وهي الفائدة الخامسة .

تثبت وثاقته بناء على عدم كفاية شيخوخة الاجازة في اثبات الوثاقة .
وبالجملة طريق الشيخ في المشيخة وان كان ضعيفاً إلاّ انه في الفهرست صحيح حيث قال : «اخبرنا بذلك جماعة عن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن محمد بن يحيى عن العمركي الخراساني البوفكي عن علي بن جعفر عن أخيه موسى الكاظم (عليه السلام) . ورواه أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه عن أبيه عن سعد والحميري وأحمد بن ادريس وعلي بن موسى عن أحمد بن محمد عن موسى بن القاسم البجلي عنه» .
انه في هذه العبارة يذكر الشيخ إلى علي بن جعفر طريقين هما : ـ
أ ـ جماعة عن محمد بن علي بن الحسين عن ابيه عن محمد بن يحيى عن العمركي عن علي بن جعفر .

وهذا طريق صحيح .

اما الجماعة فلان اقلها ثلاثة ، ولا نحتمل اجتماع ثلاثة من مشايخ الشيخ الطوسي على الكذب خصوصاً وبالامكان تحصيل الاطمئنان بان أحد الثلاثة هو المفيد او الحسين بن عبد الله الغضائري حيث يكثر الشيخ عنهما النقل في الفهرست .
واما محمد بن علي وابوه فهما الصدوق الابن والصدوق الأب ، وهما غنيان عن التوثيق .
واما محمد بن يحيى فهو العطار شيخ الكليني وهو من الثقات الاجلة .

واما العمركي فهو ثقة أيضاً حيث وثّقه الشيخ الطوسي .

ب ـ محمد بن علي عن ابيه عن سعد والحميري وأحمد بن ادريس وعلي ابن موسى عن أحمد بن محمد عن موسى بن القاسم البجلي عنه .
وهذا الطريق صحيح أيضاً . وتكفينا صحة الطريق الأول عن اثبات صحة هذا الطريق .
2 ـ ذكر الحرُّ العاملي في كتاب الصلاة من وسائله الباب 9 من أبواب نافلة شهر رمضان الحديث الأول ما نصه : «محمد بن الحسن باسناده عن الحسين بن سعيد عن صفوان عن ابن مسكان عن الحلبي قال . . . » .
ثم قال بعد فراغه من ذكر الرواية ما نصه : «ورواه الصدوق باسناده عن ابن مسكان .
ان عبارة الحرِّ هذه تدل على ان الحديث المذكور قد رواه كل من الشيخ الطوسي والشيخ الصدوق .
ويكفينا للحكم بصحة الرواية صحة أحد الطريقين ، فلا يلزم صحة كل من طريق الشيخ والصدوق بل يكفي صحة احدهما .
وحيث ان طريق الشيخ صحيح فلا حاجة إلى تحقيق حال طريق الصدوق .

ولاثبات صحة طريق الشيخ نقول :

اما الحسين بن سعيد والبقية إلى الإمام (عليه السلام) فكلهم ثقات اجلاء .
والمهم تحقيق حال طريق الشيخ إلى الحسين بن سعيد وقد ذكر (قدس سره) في

المشيخة(1) . عبارة معقّدة بالشكل التالي : «وما ذكرته في هذا الكتاب عن الحسين بن سعيد فقد اخبرني به الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان والحسين بن عبيد الله وأحمد بن عبدون كلهم عن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد عن أبيه محمد بن الحسن بن الوليد .
واخبرني به أيضاً أبو الحسين بن أبي جيد القمي عن محمد بن الحسن بن الوليد عن الحسين بن الحسن بن ابان عن الحسين بن سعيد .
ورواه أيضاً محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد»(2) .
ان العبارة المذكورة تدل على ان الشيخ يروي أحاديث ابن سعيد بطريق يتوسطه محمد بن الحسن بن الوليد .
كما وتشير إلى ان للشيخ إلى ابن الوليد طريقين ، وان لابن الوليد طريقين إلى ابن سعيد .

اما الطريقان من الشيخ إلى ابن الوليد فهما : ـ

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع : ص63 من المشيخة المذكورة آخر التهذيب .
(2) وذكر الشيخ بعد تلك العبارة المتقدمة ما نصه : «وما ذكرته عن الحسين بن سعيدعن الحسن عن زرعة عن سماعة وفضالة . . . » . وهذه العبارة لا تريد التعرض إلى بيان طرق اُخرى إلى الحسين بن سعيد كما لا يخفى على من راجعها .

أ ـ المفيد وابن الغضائري وابن عبدون كلهم عن أحمد بن محمد عن ابيه .

ب ـ ابن أبي جيد عن ابن الوليد .

واما الطريقان من ابن الوليد إلى أبن سعيد فهما : ـ

أ ـ ابن الوليد عن الحسين بن الحسن بن ابان عن ابن سعيد .

ب ـ ابن الوليد عن الصفار عن أحمد بن محمد بن عيسى عن ابن سعيد .

ويمكن ايضاح ذلك بالشكل التالي : ـ

الشيخ الطوسي ابن أبي جيدالثلاثة عن أحمد محمد بن الحسن بن الوليد الصفار عن ابن عيسىالحسين بن الحسن بن ابان ابن سعيد
ولاثبات صحة طريق الشيخ إلى ابن سعيد يلزم اثبات صحة أحد الطريقين الأولين إلى ابن الوليد ، كما ويلزم اثبات صحة أحد الطريقين الأخيرين إلىابن سعيد .
اما بالنسبة إلى الطريقين الأولين فالأول منهما يمكن التأمل فيه باعتبار أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد بناء على عدم كفاية شيخوخة الاجازة لاثبات الوثاقة .
واما الطريق الثاني فيمكن تصحيحه باعتبار ان ابن أبي جيد وان لم يوثق توثيقاً خاصاً إلاّ انه من مشايخ النجاشي ، وقد تقدم في باب التوثيقات العامة امكان توثيق جميع مشايخ النجاشي تمسكاً ببعض عبائره .

واما بالنسبة إلى الطريقين الأخيرين فالأول منهما وان كان قد يناقش فيه باعتبار الحسين بن الحسن بن ابان حيث لم يرد في حقه توثيق خاص(1) إلاّ ان الثاني منهما صحيح لان الصفار وأحمد بن محمد بن عيسى ثقتان جليلان .
إذن طريق الشيخ إلى ابن سعيد صحيح لأن أحد الطريقين الأولين وأحد الطريقين الأخيرين صحيح .

 

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وقد يوثّق ببيان ان الحسين بن سعيد حينما ورد قم نزل دار الحسين بن الحسن بن ابان ومرض في داره وقبل ان يموت اوصى بكتبه إلى الحسين بن الحسن . والايصاء اليه بكتبه التي تمثل تراثاً حديثياً شيعياً مهماً تحمل الاتعاب والمشاق في تحصيله ويجب عليه حفظه للاجيال إلى يوم القيامة يكشف عن كامل وثاقته عنده و إلاّ فهل يحتمل بالعاقل المؤمن التفريط بهذه الثروة المهمة بايداعها لدى شخص غير ثقة .

تمرينات

س 1 : الّف الشيخ الطوسي كتاب التهذيب كشرح . . . . . . اكمل العبارة .
س 2 : ما هي الكلمة القاسية لصاحب الحدائق في حق التهذيبس 3 : ما هو السبب الذي دعا الشيخ الطوسي لتأليف كتاب الاستبصار ؟

س 4 : ما هي طريقة الشيخ الطوسي في نقل الأحاديث في كتابيه ؟

؟

س 5 : اذكر البيان الأول لاثبات صحة كل ما في التهذيبين من أحاديث مع المناقشة .

س 6 : اذكر البيان الثاني لذلك مع المناقشة .

س 7 : ما المقصود من نظرية التعويض عن الطريق الضعيف ؟

س 8 : إذا رجعنا إلى مشيخة التهذيب أو الاستبصار للاطلاع على طريق الشيخ إلى راوي الحديث وكان ضعيفاً فماذا نفعل ؟
س 9 : اذكر حصيلة طريقة الشيخ الأردبيلي في باب التعويضس 10 : كيف تناقش تلك الطريقة ؟

س 11 : ما هي طريقة الشيخ المجلسي في باب التعويض ؟

س 12 : كيف تناقش تلك الطريقة ؟

س 13 : اوضح الطريقة الثالثة في باب التعويض ؟

س 14 : كيف تناقش تلك الطريقة ؟

س 15 : اوضح طريقة الاسترابادي في باب التعويض ؟

س 16 : كيف تناقش تلك الطريقة ؟

س 17 : ما هي طريقة السيد الخوئي لتصحيح السند إلى ابن فضال ؟

س 18 : كيف نناقش الطريقة المذكورة ؟

س 19 : ما هي الطريقة الثانية للسيد الخوئي في باب التعويض ؟

س 20 : كيف نناقش الطريقة المذكورة ؟

.

س 21 : ما هما الشرطان اللذان ذكرهما السيد الشهيد لقبول الطريقة الثانية للسيد الخوئي ؟

 

نظرات في وسائل الشيعة

كتاب وسائل الشيعة هو للشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي المعاصر للعلاّمة المجلسي .
جمع الشيخ الحر كتابه الوسائل من مصادر متعددة أهمها الكتب الأربعة . وقد ذكر (قدس سره) مصادر كتابه في المقدمة والخاتمة ، وقد بلغت (180) مصدراً تقريباً .

وقد ذكر في خاتمة الكتاب عدة فوائد بلغت (12) فائدة .

وقد طبع قديماً طبعة حجرية في ثلاثة مجلدات . وطبع بعد ذلك في ايران في (20) جزءاً . ومن ثم طبع مؤخراً من قبل مؤسسة آل البيت طبعة تشتمل على تحقيق اكثر في (30) جزءاً .
وقد بوّب الحر كل كتاب إلى أبواب متعددة ، فكتاب الطهارة بوّبه إلى أبواب متعددة وقد وضع كل حديث في بابه المناسب بحسب ما يفهمه (قدس سره) من الحديث .

وقد استفرق تأليف الكتاب (20) سنة .

ونلفت النظر إلى ان المعجزة إذا صَحَ اطلاقها في مثل زماننا فمن أحد افرادها تأليف الحر للوسائل ، فان كل حديث يسجله يراجع الكتب الأربعة كلها لمحاولة التعرف على وجوده ، فاذا كان موجوداً نبّه على ذلك بقوله : وروى مثله الصدوق أو الشيخ أو الكليني .

بل لم يقتصر على مراجعة الكتب الأربعة عند تسجيله لكل حديث وانما يراجع جميع المصادر التي تبلغ (180) مصدراً على ما تقدم .
فعند كتابته لحديث يرتبط بباب من أبواب الطهارة يراجع الكتب الأربعة وكتاب علي بن جعفر والخصال ونهج البلاغة وعيون أخبار الرضا (عليه السلام)والاختصاص وثواب الأعمال وغيرها من المصادر .
كما ويحاول التدقيق في كل حديث عند تسجيله للتعرف على الأحكام التي تستفاد منه .
كما وان أي مجموعة من الأحاديث إذا اشتركت في الدلالة على حكم معين عَقَدَ لذلك الحكم باباً معيناً وذكر تحته الأحاديث التي تدل عليه .
ومثل هذا العمل الشاق يستدعي وقوع اغلاط كثيرة عند نقل السند أو المتن خصوصاً والاسماء متشابكة في الأسانيد والحال انه لا نرى مثل ذلك في الوسائل . ولا نقصد من وراء هذا ان ندعي انه لا يشتمل على اخطاء اصلاًوانما ندعي ان الأخطاء الواقعة فيه هي أقل بكثير مما يتوقع في مثل هذاالعمل الواسع والشاق .

 

ملاحظات على وسائل الشيعةونحن إذ نثمّن الجهود الجسيمة والثمينة التي بذلها الحر في تأليف كتابه العظيم الذي عبّد فيه طريق الاستنباط للمجتهدين وازال كثيراً من العقبات والعراقيل عن الطريق المذكور .

نحن في نفس الوقت الذي نعتقد فيه ان مثل هذا العمل الجبار لا يمكن لشخص القيام باعباءه بدون ان يحاط بالتسديد والعناية الإلهية .
نحن في نفس الوقت الذي نعتقد فيه ان من ضمن العنايات الربانية التي تكلل بها كتاب الوسائل هو ان تكون مكتبة كل طالب علم في زماننا هذا وما قبله مشتملة عليه ويُراجع كل يوم مرات متعددة من قبل الآلاف من طلبة العلوم الدينية ويذكر اسم صاحب الوسائل مقروناً بالترحم والترضي والاستغفار .
نحن بالرغم من كل هذا لا نعدم بعض الملاحظات الجانبية التي لا يخلو منها أي كتاب عادة نسجلها كما يلي : ـ
1 ـ قام (قدس سره) بتقطيع الأحاديث ، بمعنى ان الحديث الواحد إذا اشتمل على فقرات متعددة فلا يذكر جميع الفقرات في باب واحد بل يذكر كل فقرة في بابها المناسب بل قد لا يشير احياناً إلى ان هذه الفقرة ليست حديثاً كاملاً وانما هي فقرة من فقرات حديث واحد .
وهذا قد يكون له اثره السلبي احياناً لأن الفقرات لو اجتمعت وضم بعضها إلى بعض فلربما استفيد منها غير ما يستفاد لو كانت متفرقة .
2 ـ ان المراجع قد يعسر عليه احياناً استخراج سند الرواية ، فمثلاً حينما ينقل عدة أحاديث يقول في الحديث الأول هكذا : محمد بن الحسن باسناده عن الحسين بن سعيد عن محمد بن ابي عمير . . . وحينما ينقل السند الثاني يقول هكذا : وعنه عن صفوان عن منصور . . .
والمراجع قد يخفى عليه المراد من الضمير في كلمة «عنه» ويتخيلانه راجع إلى الشيخ الطوسي والحال انه راجع إلى الحسين بن سعيد وانالمراد هكذا : محمد بن الحسن الطوسي باسناده عن الحسين بن سعيد عن صفوان عن منصور .
هذا وشبهه في الوسائل كثير . ولربما يخفى المقصود بدون مراجعة المصدر الأصلي .
3 ـ حينما ينقل حديثاً عن الشيخ الطوسي مثلاً فذلك الحديث إذا كان قد نقل الشيخ الكليني ما يقرب منه فعند نهاية الحديث يقول : ونقل مثله الكليني ، والحال ان ما ينقله الكليني قد يختلف قليلاً عما ينقله الشيخ الطوسي من دون ان يشير إلى مورد الاختلاف وكيفيته .
4 ـ عدم ضبطه الأحاديث حين نقلها من حيث السند أو المتن فالشخص إذا رجع إلى المصدر الأصلي قد يجد اختلافاً بين ما ينقله الحر وبين ما في المصدر الأصلي . وهذا مما قد يقضي بضرورة مراجعة الفقيه المصدر الأصلي وعدم الاكتفاء بمراجعة الوسائل .
5 ـ انه إذا نقل عن مصدر معين فلا يشير الى اختلاف ذلك المصدر ان كان هناك اختلاف . ومن هنا تكون مراجعة المصدر الأصلي ضرورية للفقيه في مقام الاستنباط .
6 ـ عدم تشخيصه للمصدر من حيث رقم الصفحة أو رقم الباب أو رقم الحديث ، فالمراجع قد يصرف وقتاً طويلاً لتشخيص مصدر النقل من هذه الجهة .

بل إذا كان ينقل عن الشيخ الطوسي فلا يشير إلى مصدر النقل وانه التهذيبأو الاستبصار .
7 ـ يحذف احياناً الحرُّ بعض الأحاديث المرتبطة بالباب ويشير إليها بقوله : وتقدمت بعض الأحاديث المرتبطة بالباب أو تأتي من دون بيانتلك الأحاديث المتقدمة أو الآتية . ولذلك قام بعض الأعلام(1) بمهمة تشخيص تلك الأحاديث وكتب كتاباً باسم الاشارات والدلائل إلى ما تقدم ويأتيفي الوسائل .
8 ـ لم يقم الحرُّ بذكر الآيات القرآنية المناسبة لكل باب ان كانت ويقتصر على ذكر الروايات .
ولتفادي هذه الملاحظات قام السيد البروجردي (قدس سره)بتأليف لجنة من تلاميذه وطلب منها تأليف كتاب حديثي باسم جامع أحاديث الشيعة لا يحتوي على الملاحظات السابقة بل مع اشتماله على مزايا اُخرى كذكره لأحاديث اُخرى لم يذكرها صاحب الوسائل وهي الأحاديث التي استدركها عليه الشيخ النوري في كتابه مستدرك الوسائل .
وقام السيد البروجردي نفسه بالاشراف على تلك اللجنة وتَمَ تأليف الكتاب في حياته وطبع الجزء الأول منه ، وبعد وفاته استمر طبع بقية الأجزاء
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وهو الشيخ عبد الصاحب الجواهري رحمه الله تعالىجزاهم الله جميعاً خير ما يجزي به المحسنين .

مستدرك الوسائلهناك بعض المصادر الحديثية لم ينقل منها الحر كدعائم الإسلام والاشعثيات و . . . وقام الميرزا حسين النوري الطبرسي (قدس سره) بالاستدراك عليه والّف كتاباً باسم مستدرك الوسائل وذكر الأبواب التي اشار لها الحر دون أي تغيير وذكر تحت كل باب الأحاديث التي لم يذكرها صاحب الوسائل ولا يكرر ذكر الأحاديث التي يشير إليها الحر .
والنوري وان كان يشكر على عمله الجليل هذا إلاّ ان غالب المصادر التي اعتمدها ليست معتمدة لدى الأصحاب . ولعله من هذه الجهة لم يعتمدها الحر كمصادر في كتابه فان من البعيد عدم عثوره عليها أو غفلته عنها وانما ذلك من جهة ضعفها في نظره .
وقد قام النوري بقضية مهمة في كتابه وهو اشارته لفوائد رجالية مهمةلا يستغني عنها الباحث المحقق الحقها بآخر الكتاب . ولعل أهمية مستدرك الوسائل تكمن في الفوائد المذكورة .
وقد طبع الكتاب طبعة حجرية قديمة في ثلاثة أجزاء ضخمة . وضَمَ أكثر الجزء الثالث تلك الفوائد الرجالية .

وطبع جديداً طبعة محققة في أجزاء متعددة .

 

الوافـي

كتاب الوافي كتاب حديثي قام بتأليفه الفيض الكاشاني المعروف بمحمد ابن محسن صاحب كتاب المحجة البيضاء والتفسير المعروف بتفسير الصافي(1) .
وقد جمع فيه أحاديث الكتب الأربعة ولا يحتوي على أحاديثمن غيرها .
والميزة التي أعطت لهذا الكتاب أهمية هي بياناته ، فانه إذا ذكر حديثاً يشتمل على شيء من الغموض من حيث معناه أو بعض مفرداته اللغوية أو من جهات اُخرى يذكر آخره كلمة «بيان» ثم يأخذ بتوضيح تلك الغوامض الأمر الذي ينبأ عن سعة اطلاع الفيض (قدس سره) ومدى دقته .
وقد رتب كتابه على مقدمة و14 كتاباً وخاتمة . ولكل كتاب مقدمة وخاتمة .
وقد طبع قديماً في ثلاثة مجلدات ضخمة . وطبع حديثاً في اجزاء متعددة .

 

بحار الأنواركتاب بحار الأنوار هو للشيخ محمد باقر المجلسي المتوفىسنة 1111 هـ .
كان هذا الشيخ الجليل معاصراً للشيخ الحر صاحب الوسائل . الّف أحدهما الوسائل والآخر البحار . وكل واحد منهما معجزة في بابه . وامتاز البحار بكونه
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وهو صهر الفيلسوف المعروف بصدر الدين الشيرازي صاحب كتاب الاسفار الأربعة .

دائرة معارف اسلامية فهو يجمع من الفقه واصوله والتفسير والتاريخ والفلك والفلسفة و . . . الشيء الكثير .
ويتخيل البعض ان ما قام به المجلسي من انجاز لا يعدو التجميع من مصادر متعددة ، وذلك مخالف للانصاف . انه الّف كتابه في (25) مجلداً من المجلدات الضخمة القديمة(1) منها ثمانية مجلدات خصصها لتاريخ أهل البيت (عليهم السلام) ومنها خمسة مجلدات في مختلف الأحكام الشرعية وبقية المجلدات في مختلف العلوم الاُخرى .
وهو حينما يذكر كل باب يذكر الآيات المرتبطة بذلك الباب ويقوم بتفسيرها ثم يأخذ بايضاح القضايا المعقدّة في كل حديث مما ينبئ عن تظلعه الكامل في مختلف الفنون الإسلامية .
وهو يدهش القارئ إذا ما تصفح اجزاء الكتاب فكيف وَسِعَهُ الوقت لجمع هذا التراث العظيم وكيف امكنه التأمل في كل حديث وايضاح ما التبس فيه وكيف امكنه الدخول في كل فن وكأنه صاحب ذلك الفن لا غير . انه بحق معجزة عصره بل مدى العصور .
وانّا نعتقد ان مثل هذا العمل الجبار لا يمكن لشخص انجازه إلاّ إذا كان مكللاً بالعنايات الإلهية ومشمولاً لادعية مولانا وامام زماننا الحجة بن الحسن العسكري روحي وارواح العالمين له الفداء .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وطبع مؤخراً طبعة جديدة محققة فيما يتجاوز عن مائة مجلد .

ولم يكن غرض هذا الرجل العظيم من تأليف هذا الكتاب إلاّ جمع تراث أهل البيت (عليهم السلام) وحفظه من الضياع ويبقى على المراجع تحقيق حال ذلك التراث واخذ ما هو الصحيح منه وهجر الضعيف فهو يصرح في مقدمة كتابه عند استعراض المصادر التي اعتمدها بضعف جملة منها ولكن بالرغم من ذلك احتفظ بهافي كتابه كما يحتفظ البحر بالجوهر وغيره وعلى الغائص التمييز واخذ الأول وهجر الثاني .
فمن عبائره التي نفهم منها عدم اعتماده على جميع المصادر قوله ص 14 من الجزء الأول «وكتاب مصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة المنسوب إلى مولانا الصادق (عليه السلام) » .
ان تعبيره بكلمة «المنسوب» يدل على عدم اعتقاده الكامل بصحة الكتاب .
وقوله ص 16 : «والكتاب العتيق الذي وجدناه في الغري صلوات الله على مشرِّفه تأليف بعض قدماء المحدثين في الدعوات . وسميناه بالكتاب الغروي» .

وقوله ص 17 : «وكتاب التمحيص لبعض قدمائنا» .

إلى غير ذلك من المواضع .

وعلى هذا لا يصح ان نحكم على ما هو المذكور في البحار بالصحة بنحو الايجاب الكلي كما ولا يمكن الحكم بعدم الصحة بنحو السلب الكلي .
أجل بما ان المصادر المعتبرة التي اعتمد عليها المجلسي كالكتبالأربعة وغيرها موجودة بايدينا فيكفينا مراجعتها بلا حاجة إلى مراجعةالبحار إلاّ من جهة الايضاحات والبيانات التي قام بها (قدس سره) . وتبقى بقية

المصادر التي ليست بايدينا حيث انها ضعيفة فلا نكون بحاجة إلى مراجعة البحار من ناحيتها

الفصـل الرابـع

نظرات في كتبنا الرجالية

ذكرنا عند التعرض لكتب الحديث ان اصحاب الأئمة (عليهم السلام) قاموا بجمع ما سمعوه من الأئمة (عليهم السلام) في كراريس بلغت (400) كراساً سميت بعد ذلك بالاصول الاربعمائة وقام بعد ذلك المحمدون الثلاثة رضوان الله عليهم بجمع تلك الاُصول وتبويبها فخرجت من ذلك الكتب الأربعة .
وشبيه هذا المعنى وقع في باب الرجال ، فان بعض اصحاب الأئمة (عليهم السلام) قام بتأليف كتب في الرجال . وطريقة البعض في كيفية تأليف الكتاب تختلف عن طريقة البعض الآخر ، فبعض الّف كتاباً لاحصاء اصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) الذين اشتركوا مع الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في حروبه . وبعض الّف كتاباً لذكر مثالب ومناقب رواة الحديث . وبعض الّف كتاباً لذكر طبقات اصحاب المعصومين (عليهم السلام)من النبي (صلى الله عليه وآله) وحتى آخر المعصومين .
ولعل اقدم من كتب في الرجال هو عبيد الله بن أبي رافع الذي كان كاتباً

لأمير المؤمنين (عليه السلام) حيث قام بتأليف كتاب ذكر فيه اسماء من كان مع امير المؤمنين (عليه السلام) من صحابة النبي (صلى الله عليه وآله) في حروبه .
وقام بعد ذلك النجاشي والكشي والشيخ الطوسي بجمع تلك الكتب وتأليف كتب رجالية جديدة وهي الكتب الرجالية الأربعة المعروفة .

وسوف نتحدث عن كل واحد منها باختصار .

نظرات في رجـال الكشي

رجال الكشي هو للشيخ الجليل محمد بن عمر بن عبد العزيز الكَشَّي(1)المكنى بابي عمرو .
كان هذا الشيخ الجليل معاصراً للشيخ الكليني ويعدُّ في طبقته .
وقد قيل في حقه : ثقة عين بصير بالأخبار وبالرجال غير انه يروي عن الضفعاء كثيراً .
كان هذا الشيخ الجليل من تلامذة العياشي . فقد ذكر النجاشي ان الكشي صحب العياشي وتخرج عليه وفي داره التي كانت مرتعاً للشيعة وأهل العلم .
قام هذا الشيخ بتأليف كتاب يتضمن ذكر الروايات المادحة أو الذامة لبعض الرواة فهو لا يذكر عادة ان هذا ثقة أو ضعيف وانما يذكر اسم الراوي أولاً ثم يذكر رواية أو أكثر مما ورد في شأنه . فهو على هذا لا يذكر جميع الرواة ولا غالبهم وانما يذكر من ورد في حقه بعض الروايات .
ومن هنا يكون عدد الرواة المذكورين فيه قليلاً . وقيل بانهم يبلغون(520) شخصاً .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قيل بان الكَشّي بفتح الكاف وتشديد الشين نسبة إلى كَشّ ـ بفتح الكاف وتشديد الشين ـ الذي هو من بلدان ما وراء النهر ويبعد عن سمرقند بمراحل .
هذا ولكنا كنّا نسمع السيد الخوئي (قدس سره) يقرأها كَشي ، أي بفتح الكاف وتخفيف الشين .

والمعروف ان رجال الكشي الأصلي غير موجود اليوم في الايدي وانما الموجود هو ما عمد اليه الشيخ الطوسي وهذّبهه واصلحه . ومن هنا يعرف الموجود اليوم باختيار معرفة الرجال ، فاسم الكتاب الأصلي «معرفة الرجال» ، وما نتج عن جهود الشيخ الطوسي هو اختيار معرفة الرجال باعتبار انه ما اختاره الشيخ من ذلك الكتاب .
وقد وقع الكلام في عملية الاصلاح التي قام بها الشيخ الطوسي ، فيحتمل ان اصل الكتاب كان يشتمل على رجال العامة ، والشيخ الطوسي قام بتجريده عن ذلك وجعله مختصاً برجال الشيعة .
ويحتمل انه كان يشتمل على زوائد وفضول ، والشيخ قام بتجريده منها .
وينقل البعض انه عثر على نسخة من الكتاب كانت راجعة إلى الشيخ حسن صاحب المعالم . واثنى عليها ووصف الكتاب بالسعة لدرجة قد توحي بمغايرته لما هو المتداول اليوم ، وكأن السابق كان اشبه بدائرة معارف اسلامية ويحتل الرجال بعض فصول الكتاب .
وقد طبع الكتاب مرات متعددة لعل احسنها طبعة دانشگاه التي قام بتحقيقها الشيخ حسن المصطفوي .
ومن الجدير مراجعة الكتاب لاحتواءه على عرض الشي الكثير من أحوال الرواة وتراجمهم من خلال الروايات الواردة في شأنهم .

رجـال الشيخ الطوسي

للشيخ الطوسي كتابان احدهما في الرجال ، وهو ما نريد التحدث عنه الآن ويعرف برجال الشيخ الطوسي .
وقد قام الشيخ في هذا الكتاب بذكر اسماء اصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) اولاً ثم اصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) ثم اصحاب بقية الأئمة صلوات الله وسلامه عليهم . وفي النهاية ذكر فهرستاً باسماء من لم يرو عنهم (عليهم السلام) .
والطابع الغالب على الشيخ في هذا الكتاب انه حينما يذكر اسم الراويلا يذكر كونه ثقة أو ضعيفاً وان حصل منه ذلك في مواضع قليلة .
وعلى هذا الأساس تظهر فائدة الكتاب المذكور في التعرف على طبقة الراوي وانه يعيش في أي مرحلة زمنية ومن اصحاب أي امام .
وهناك نقطتان ترتبطهان بالكتاب المذكور تستحقان التوقف القصير .

 

النقطة الأولىان الشيخ ذكر في مقدمة الكتاب اني اذكر أولاً اسماء من روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) أو أحد الأئمة الطاهرين ثم اذكر ثانياً اسماء من لم يرو عنهم سواء كان معاصراً لهم ولم يرو عنهم أو كان غير معاصر لهم .
وهذا ليس مقصودنا وانما المقصود الاشارة إلى ان الشيخ اتفق له في بعض

الموارد ذكر اسم شخص واحد مرتين ، مرة في باب من روى عن الإمام الصادق (عليه السلام) مثلاً واخرى في باب من لم يرو عنهم ، كما هو الحال في القاسم بن محمد الجوهري وفضالة بن أيوب ومحمد بن عيسى العبيدي و . . .
والتهافت في ذلك واضح فان الشخص الواحد إذا كان قد ادرك أحد الأئمة (عليهم السلام) وروى عنهم فالمناسب ذكره في الباب الأول فقط وعدم تكرار اسمه في باب من لم يروِ عنهم ، و إذا لم يدرك أحد الأئمة (عليهم السلام) فالمناسب ذكره في الباب الثاني فقط ، فذكره على هذا في البابين يلزم منه التهافت وكون الشخص الواحد راوياً عنهم (عليهم السلام) وعدم كونه راوياً عنهم .

وقد ذكرت لدفع الاشكال المذكور وجوه : ـ

1 ـ ان المقصود من ذكر الشخص في اصحاب أحد الأئمة (عليهم السلام) الإشارة إلى كونه معاصراً لهم سواء كان قد روى عنهم أم لا . انه بناء على هذا يصح ذكر الشخص الواحد في كلا البابين ، فيذكر في باب اصحاب الأئمة (عليهم السلام) من باب انه من اصحابهم ومعاصريهم وان لم يرو عنهم ، ويذكر في الباب الثاني من باب انه وان كان معاصراً لهم (عليهم السلام) إلاّ انه لم يرو عنهم .

 

ويـرده :

أولاً : ان ما ذكر خلاف ما صرّح به الشيخ نفسه في المقدمة حيث قال اني اذكر اولاً اسماء من روى عن احد الأئمة (عليهم السلام) واذكر ثانياً اسماء من لم يرو عنهم ، ولم يقل اني اذكر أولاً اسماء من كان من اصحابهم وان لم يروِ عنهم .

ثانياً : إذا راجعنا الأسماء التي تكرر ذكرها في البابين نجد ان بعضها لا يتم فيها التوجيه المذكور لأنه ممن يروي عن المعصوم لا انه فقط من اصحابهم ولم يرو عنهم .
2 ـ ان الشخص إذا كان يروي عن الأئمة (عليهم السلام) تارة بالمباشرة ومن دون واسطة راو واُخرى بتوسط راو آخر صَحَ ذكره في كلا البابين ، فباعتبار انه يروي في بعض الأحيان بلا واسطة يصح ذكره في باب من روى عن أحد الأئمة (عليهم السلام)وباعتبار انه لا يروي بالمباشرة في بعض الأحيان الاُخرى يصح ذكره في باب من لم يروِ عنهم (عليهم السلام) .

 

ويـرده :

أولاً : ان الشخص مادام قد روى ولو في بعض الأحيان عن الأئمة (عليهم السلام)بالمباشرة فلا يصح ذكره في باب من لم يرو عنهم لأنه يصدق عليه حقيقة انه ممن روى عنهم وانه حقيقة ليس ممن لم يرو عنهم .
ثانياً : ان لازم التوجيه المذكور ان يذكر الشيخ اغلب الرواة في كلا البابين لان اغلب الرواة كما يروي عن الإمام بالمباشرة في بعض الأحيان يروي عنهمع الواسطة في بعض الأحيان الاُخرى ، والحال ان التكرار حصل في بعض قليل من الرواة .
3 ـ الالتزام بتعدد الراوي بان يقال ان الاسم الواحد المذكور في البابين هو اسم لشخصين ، ففي القاسم بن محمد الجوهري مثلاً يلتزم بانه يوجد شخصان

يسمى كل واحد منهما بالقاسم بن محمد الجوهري احدهما يروي عن الأئمة (عليهم السلام)والآخر لا يروي عنهم .
وهذا الوجه بعيد لان من النادر اتفاق شخصين في اسمهما واسم ابيهما ولقبهما . و إذا امكن تحقق هذا مرة أو مرتين فمن البعيد تحققه مرات متعددة .
وباتضاح بطلان هذه الوجوه نقول : ان من القريب ان يكون صدور مثل هذا من الشيخ من باب الغفلة والاشتباه فان باب الرجال يساعد على ذلك لكثرة الأسماء وتشابهها .
هذا مضافاً إلى سعة دائرة اعمال الشيخ (قدس سره) ، فهو المرجع للشيعة في وقته ، وهو الاستاذ الأعظم الذي يلقي محاضراته كل يوم على تلاميذه ، وهو المؤلف لموسوعات كبيرة يحتاج تأليف كل واحد منها إلى لجنة كبيرة فانظر إلى التهذيب تارة و إلى الاستبصار اُخرى وإلى النهاية والمبسوط والتبيان والفهرست ورجاله والعدة في الاُصول والخلاف وتلخيص الشافي و . . .
ان مثل هذا الشخص إذا افترضنا وقوع ذلك المقدار من الاشتباه منه فهو قليل في حقه(1) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بعد كتابة هذا الموضوع عثرنا على كلام للسيد البروجردي (قدس سره) في تقرير درسه الفقهي المسمى بنهاية التقرير ج 2 ص 270 يقول فيه : الظاهر ان رجال الشيخ كان بصورة المسودة وكان غرض الشيخ الرجوع اليه ثانياً لتنظيمه وترتيبه وتوضيح حال بعض المذكورين فيه كما يشهد لذلك اقتصاره في بعض الرواة على مجرد ذكر اسمه واسم ابيه من دون تعرض لبيان حاله من حيث الوثاقة وغيرها ، وكذا ذكر بعض الرواة مكرراً . . . ان كل ذلك مستند إلى كثرة اشغاله بالتأليف والتصنيف . . . بحيث لو قسمت مدة حياته على تأليفاته لا يقع في مقابل كتابه هذا إلاّ ساعات محدودة .

النقطة الثانية تكرر من الشيخ (قدس سره) في باب اصحاب الصادق (عليه السلام) انه حينما يذكر اسم راو يذكر بعده هذه الكلمة «اسند عنه» .
وقد وقع الكلام في المراد من الكلمة المذكورة وفي كيفية قرائتها وهلتقرأ بصيغة المبني للمجهول ، أي «اُسنِد عنه» أو بصيغة المبني المعلوم ،أي : «اَسند عنه» .

وقد ذكروا في هذا المجال وجوهاً متعددة نذكر بعضها : ـ

1 ـ المقصود ان الراوي المعين لم يروِ عن الإمام (عليه السلام) مباشرة وانما يروي عن الإمام (عليه السلام) مع الواسطة ، فالراوي المعين اسند عنه أي روى بواسطة السند والواسطة عن الإمام (عليه السلام) .
ويرده : ان التعبير المذكور ذكر في حق اشخاص رووا عن الإمام (عليه السلام)بالمباشرة كمحمد بن مسلم وجابر الجعفي وغيرهما .
2 ـ المقصود ان الأعاظم قد رووا عنه مع اعتمادهم عليه . وعلى هذا يكون المناسب قرائتها بنحو المبني للمجهول ، فاُسند عنه أي رُوي عنه على وجه الاستناد والاعتماد .

ويرده : ان التفسير المذكور لا يستفاد من ظاهر الكلمة المتقدمةعلى ان الكلمة ذكرت في حق بعض الرواة المجاهيل .
هذا كله مضافاً إلى ان المناسب على التفسير المذكور ذكر الكلمة.
المتقدمة في حق جميع الثقات الاجلاء من اصحاب الصادق (عليه السلام) والحال إنّا نجد ذكرها في حق بعضهم .
3 ـ المقصود ان الراوي المعين لا يروي إلاّ عن الإمام الصادق (عليه السلام)ولا يروي عن غيره من الأئمة (عليهم السلام) فاحاديثه يسندها إلى الإمام الصادق (عليه السلام)ولا يسندها إلى غيره .
ويرده : ان التفسير المذكور مضافاً إلى كونه مخالفاً للظاهر لا يتلائم وذكر الشيخ الكلمة المتقدمة في حق بعض الرواة الذين رووا عن غير الإمام (عليه السلام) أيضاً كمحمد ابن مسلم وغيره(1) .

وعليه تبقى الكلمة المذكورة مجملة لم يتضح المراد منها .

 

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فروى محمد بن مسلم مثلاً عن زرارة كما في الكافي 2 : 630 ح12 . وروى أيضاً عن حمران كما في الكافي 4 : 157 .

فهرست الشيخ الطوسي

للشيخ الطوسي كتاب آخر باسم الفهرست يتضمن ذكر من له كتاب من الرواة الإمامية .
وفرق هذا الكتاب عن كتابه السابق المسمى بالرجال ان الكتاب السابق متكفل لذكر اصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) سواء كان لهم كتاب أم لا ، اما هذا الكتاب فهو يتضمن ذكر من له كتاب فقط من الشيعة ، ومن ليس له كتاب لا يذكره ولو كان من أحد اصحاب المعصومين (عليهم السلام) فهو على هذا فهرست لخصوص المصنفين من الشيعة .
وقد ذكر (قدس سره) في مقدمة الكتاب ان كل شخص يذكره فهو ملتزم بان يذكر بعده ما قيل في حقه من تعديل أو جرح ، وانه يُعتمد على رواياته أو لا ، وان اعتقاده موافق للحق أو لا .

هكذا ذكر (قدس سره) ولكنه لم يفِ بما وعد إلاّ في حق قليل .

ولربما يُبرر عدم توثيقه للبعض بان ذلك من جهة وضوح وثاقته ، فمثل زرارة وسلمان وغيرهما لا يحتاجون إلى توثيق .
ويورد عليه انه أهمل توثيق بعض من يحتاج إلى توثيق لعدم وضوح حاله كعمّار الساباطي فانه من جهة كونه فطحياً يمكن القول بعدم الاعتماد على روايته وبالرغم من ذلك أهمل توثيقه .

هذا من جهة . ومن جهة اُخرى نرى انه وثّق اشخاصاً لا يحتاجون إلى توثيق كالشيخ الكليني وابن أبي عمير .
على ان وضوح حال الشخص وكونه ثقة عطيماً لا يحصل إلاّ من جهة ذكر الشيخ والنجاشي وغيرهما له باحسان وانه ثقة جليل ، ومعه فكيف يقال ان عدم ذكر الشيخ لشخص لعله من جهة وضوح جلالته .

 

مصطلح الجماعةثم ان الشيخ حينما يذكر اسم شخص وان له كتاباً يذكر غالباً طريقه إلى الكتاب . وحين ذكره للطريق يقول في بعض الأحيان : اخبرنا بالكتاب جماعة من اصحابنا عن فلان عن . . .
ولربما يستشكل في صحة الطريق المذكور من جهة عدم تعيين المقصود من الجماعة .
ولكن يرده ان أكثر من ينقل عنه الشيخ ويروي عنه كتب الأصحابهو الشيخ المفيد والحسين بن عبيد الله الغضائري وأحمد بن عبدون وغيرهم ، وهم معروفون بالوثاقة . ومعه فيحنما يقول اخبرنا جماعة من اصحابنا عن فلان عن فلان . . . فسوف يحصل الجزم بان أحد أفراد الجماعة هو أحد الثقات المتقدم ذكرهم الذين يروي عنهم كثيراً في بقية الموارد ويصرّح باسمائهم .
هذا مضافاً إلى انه يصرح في موارد متعددة بانه اخبرني جماعة منهم المفيد والحسين بن عبيد الله الغضائري وابن عبدون ، ومعه فلا يبقى للاشكال أي مجال .

رجـال النجاشي

رجال النجاشي هو للشيخ الجليل أحمد بن علي بن العباس النجاشي . وكنيته أبو العباس .
كان هذا الشيخ الجليل معاصراً للشيخ الطوسي . وكانا في بعض الأحيان يشتركان في الحضور على استاذ واحد .
وقد قيل في مدح هذا الشيخ الجليل الشيء الكثير . وجلالة قدره وعظم شأنه في الطائفة اشهر من ان تحتاج إلى نقل .
وقد الّف هذا الشيخ كتابه لجمع اصحاب الكتب فقط ، فهو لا يذكر إلاّ من له كتاب ثم يذكر طريقه إليه . وهو في هذا على منوال فهرست الشيخ الطوسي .
وقد كتب في المقدمة السبب الذي دعاه لتأليفه وانه تعيير قوم من المخالفين بانه لا سلف لكم ولا مصنف .
وقد قام بترتيب هذا الكتاب طبق الحروف الهجائية . ولكن قبل ان يذكر الأسماء على الحروف الهجائية ذكر جماعة من المتقدمين من اصحاب النبي (صلى الله عليه وآله)والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ممن قاموا بتأليف كتاب وسماهم بالطبقة الأولى وكان عددهم أقل من عشرة .
وبعد ان ذكر هذه الطبقة الأولى شرع في ذكر اسماء أصحاب الإمام

الباقر (عليه السلام) ومن بعده من الأئمة (عليهم السلام) طبق الحروف الهجائية .
ولم يلتزم (قدس سره) في المقدمة بالاشارة إلى وثاقة الشخص وضعفه ولكنه في اثناء الكتاب أخذ يذكر ذلك ولم يهمله إلاّ نادراً .
ويعدُّ هذا الكتاب من أهم وارجح ما كتب في هذا الفن . بل قيل انهعند المعارضة بين كلام الشيخ والنجاشي في توثيق شخص وتضعيفه يقدّمكلام النجاشي .
والوجه في ارجحية هذا الكتاب تتجلى لمن يلقي نظرة عليه ، فان الملاحظ للكتاب المذكور يجد فيه الشيء الكثير من الدقة والاطلاع الواسع بالانساب واخبار القبائل فتجده حينما يذكر بعض الاشخاص يذكر أولاده واخوانه واجداده واحوالهم حتى كأنه واحد منهم .
وكيف لا يكون كذلك وأكثر الرواة من الكوفة ونواحيها والنجاشي كوفي ومن وجوه أهلها ومن بيت معروف فيها .
هذا مضافاً إلى ما تقدم من تشعب علوم الشيخ وكثرة تأليفاته وتراكم اشغاله بخلاف النجاشي فهو اشبه بصاحب الاختصاص في حقل معين .

 

لماذا التأليف الثانييبقى ما الداعي للنجاشي إلى تأليف كتابه بعد ما فرض ان الشيخ قد قام بمهمة ذكر اصحاب الكتب والمصنفات في كتابه المعروف بالفهرست ؟ ان

الفهرست وكتاب الرجال للشيخ الطوسي اسبق تأليفاً من رجال النجاشي بدليل ان النجاشي عند ذكره للشيخ الطوسي في كتابه اشار إلى ان من جملة تأليفات الشيخ الطوسي هو الفهرست وكتاب الرجال .
وفي الجواب عن هذا السؤال ينقل عن السيد البروجردي (قدس سره) انه كان يرجح في نظره ان النجاشي الّف كتابه كمحاولة لتصحيح ما في فهرست الشيخ(1) .
ويمكن ان نضيف إلى ذلك ان كتاب النجاشي يمتاز عن فهرست الشيخ بالتوسع في بيان حال الأشخاص الذين يذكرهم الأمر الذي يبرر تأليفكتاب ثان .

 

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ مقدمة كتاب رجال الكشي طبع دانشگاه .

رجـال البرقي وابن الغضائري

هناك كتابان آخران متقدمان من حيث التأليف على الكتب الأربعة المتقدمة .

احدهما : رجال البرقي .

وقد وقع الكلام في انه لمحمد بن خالد البرقي أو لولده أحمد أو هو لبرقي ثالث غيرهما .

اختار بعض المتأخرين(1) الاحتمال الأخير .

إلاّ ان الخلاف المذكور غير مهم لأن الكتاب المذكور لا يتعرض للتوثيق أو الجرح وانما يتعرض إلى بيان طبقات الرواة كرجال الشيخ الطوسي تماماً .

وقد طبع الكتاب أخيراً منضماً إلى رجال ابن داود .

ثانيهما : رجال ابن الغضائري .

ابن الغضائري هو أحمد بن الحسين بن عبيد الله الغضائري . وأحمد هذا كان من زملاء الشيخ الطوسي والنجاشي . وكان الثلاثة من تلاميذ والد أحمد ، أي
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وهو الشيخ محمد تقي التستري في قاموس الرجال 1 : 31 .

الحسين بن عبيد الله الغضائري .

وقد ذكر الشيخ الطوسي في مقدمة الفهرست ان لأحمد كتابين أحدهما في ذكر المصنفات والآخر في ذكر الاُصول . ثم عقّب قائلاً ان هذين الكتابين لم ينسخهما احد من اصحابنا واخترم هو (رحمه الله) وعمد بعض ورثته إلى اهلاك الكتابين وغيرهما من الكتب على ما حكى بعضهم عنه .
هذا ولكن العلاّمة والسيد ابن طاووس ينقلان عن الكتاب المذكور احياناً كما يتضح ذلك من خلال مراجعة رجال العلاّمة الحلي .
إلاّ ان النقل المذكور لا يمكن الاعتماد عليه إذ كيف وصل إليهما رجال ابن الغضائري بعد ما نقله الشيخ الطوسي من تلف الكتابين .
ومع غض النظر عن ذلك لا يمكن الاعتماد على النقل المذكور لجهالة الطريق إلى الكتاب المذكور لانهما ـ العلاّمة وابن طاووس ـ لم يذكرا طريقهما إليه ليلاحظ انه صحيح قابل للاعتماد أو لا .
ثم انه قد قيل بان ابن الغضائري قد اكثر من القدح في الأشخاص بل قيل انه قلّما سلم أحد من قدحه .

ومن هنا يتأمل البعض في الأخذ بتضعيفاته من هذه الناحية .

إلاّ ان الكلام حول ذلك غير مهم بعد ما ذكرناه من تلف الكتاب وجهالة الطريق إليه .

كتب رجاليـة اُخـرى

ان الكتب الرجالية الأربعة المتقدم ذكرها ـ رجال الكشي والنجاشي والطوسي والفهرست ـ تعرف بالاُصول الرجالية لأنها الاُصل والمعتمد في هذا المجال ، وكل ما اُ لّف بعدها فهو عيال عليها ومقتبس منها .
ومن أهم تلك الكتب المتأخرة رجال العلاّمة الحلي المعروف بخلاصة الأقوال .
ان العلاّمة قسّم كتابه هذا إلى قسمين . خصّص القسم الأول لمن يعتمد على روايته والقسم الثاني للضعاف الذين لا يعتمد على روايتهم .
وغالباً ما يعتمد العلاّمة في كتابه على الكتب الأربعة المتقدمة حيث يذكر نص الفاظها . واما الموارد القليلة التي لا يعتمد فيها على الكتب الأربعة المتقدمة فقد تقدم الاشكال في الاعتماد على توثيقاته فيها في اوائل الكتاب تحت عنوان توثيقات المتأخرين .
ومن جملة الكتب المتأخرة أيضاً رجال بن داود . وهو غالباً ما يعتمد على الكتب الأربعة المتقدمة .

وقد اُ لّفت في الآونة الأخيرة كتب رجالية اُخرى من قبيل :

رجال الميرزا محمد الاسترابادي المعروف بمنهج المقال .

ورجال السيد بحر العلوم المعروف بالفوائد الرجالية .

ورجال الشيخ عناية الله القهبائي المعروف بمجمع الرجال .

ورجال الشيخ ابي علي الحائري المعروف بمنتهى المقال .

ورجال السيد مصطفى التفريشي المعروف بنقد الرجال .

ورجال الشيخ محمد الأردبيلي المعروف بجامع الرواة .

ورجال الشيخ محمد طه نجف المعروف باتقان المقال .

ورجال الشيخ عبد الله المامقاني المعروف بتنقيح المقال .

إلى غير ذلك من الكتب الرجالية .

وبعض هذه الكتب قام بجمع كلمات الشيخ الطوسي والنجاشي والكشي والعلاّمة لا أكثر .
وقام البعض الآخر باجراء عملية تحقيق عند معارضة أقوال الرجاليين .
واحسن ما ألف اخيراً في هذا المجال معجم رجال الحديث . ويمكن بيان مزايا الكتاب المذكور فيما يلي : ـ
1 ـ قام بذكر مقدمة في بداية الكتاب تتضمن بعض الفوائد الرجالية باسلوب سهل واضح مبسط .
وهذه المزية لا تختص بهذا الكتاب فالكتب الآنف ذكرها قامت غالباً بهذه

المهمة اما في المقدمة أو في الخاتمة .

2 ـ ينقل نص كلمات النجاشي والكشي والطوسي والعلاّمة وابنداود والبرقي .
وقد ينقل ـ فيما إذا كان الشخص من المتأخرين ـ كلمات الشيخ منتجب الدين في فهرسته وابن شهراشوب في معالم العلماء .

وعلى هذا من يراجع المعجم يستغني عن مراجعة هذه الكتب .

3 ـ ان الراوي الواحد قد يرد في الروايات أو في الكتب الرجالية بعناوين متعددة ، فأحمد بن محمد بن عيسى الأشعري قد يرد في الروايات بعنوان أحمد تارة وبعنوان أحمد بن محمد ثانية وبعنوان أحمد بن محمد بن عيسى ثالثة وبعنوان أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري رابعة وبعنوان آخر خامسة .
والكتاب يقوم بذكر جميع هذه العناوين حسب تسلسل الحروف الهجائية ، فالشخص الواحد إذا كان وارداً بعناوين ستة يذكره ست مرات ، وهكذا .
ويشير في كل عنوان من عناوينه إلى انه متحد مع العنوان الآخر أو محتمل الاتحاد ، فيحنما يذكر أحمد بن محمد بن عيسى تحت رقم (10) مثلاً يقول انه متحد مع أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري الآتي في رقم (11) أو (12) أو . . .
ثم انه يأخذ بترجمة الشخص وما قيل في حقه تحت العنوان الذي يذكره النجاشي له في كتابه .

اجل يذكر تحت كل عنوان الروايات التي ورد فيها بذلك العنوان ، بمعنى ذكر مصادرها لا ذكرها بنفسها .
وتجدر الاشارة إلى انه (قدس سره) يقتصر على روايات الكتب الأربعة ولا يتعداها فكل من ورده اسمه في احدها ذكره ، اما من ورد اسمه في كتاب العلل مثلاً أو معاني الأخبار أو . . . فلا يتكفل بذكره .
ثم ان روايات الشخص إذا كانت قليلة يذكرها عند ذكر اسمه وان كانت كثيرة فيذكرها آخر الكتاب في جداول خاصة .
4 ـ عند ذكره للراوي يذكر من روى عنه ومن يروي هو عنه ، فإذا اشار إلى أحمد بن محمد بن عيسى مثلاً ذكر الأشخاص الذين يروون عنه والاشخاص الذين رووا عنه . وفي ذلك فائدة كبيرة إذ من خلال ذلك يمكننا متى ما ورد ذكر اسم أحمد بن محمد في السند من دون تقييده بابن عيسى تشخيص كونه ابن عيسى أو غيره من خلال من يروي عنه ومن يروون عنه .
وهذه المهمة قد سبقة فيها الأردبيلي في جامع الرواة ، فهو قد قام أيضاً بذكر الراوي والمروي عنه إلاّ انه لم يقم بها بنحو الاستقصاء ولم يشر إلىالمصادر بالأرقام .
5 ـ يشير إلى موارد اختلاف النسخ ، فإذا كانت نسخ الكافي أو بقية الكتب الأربعة مختلفة في اسم الراوي يشير إلى ذلك .
6 ـ يقوم بذكر ما يمكن الاستدلال به على وثاقة الشخص أو ضعفه ثم

يأخذ بالمحاكمة والخروج بنتيجة معينة . كل ذلك باسلوب فني وممنهجوعبارات سلسلة .
أجل إذا فرض ان الراوي لم يرد في حقه توثيق أو تضعيف سكت عنه ، وهذا يعني انه مجهول الحال وبحكم الضعيف .
و إذا كان وارداً في اسانيد تفسير القمي أو كامل الزيارات اشار إلى ذلك ، وهذا يعني ثبوت وثاقته لديه لأنه (قدس سره) يبني على وثاقة جميع من ورد في اسانيد الكتابين المذكورين(1) .

هذه أهم مزايا الكتاب المذكور .

 

 ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) طبيعي بالنسبة إلى رجال كامل الزيارات تراجع (قدس سره) في اُخريات عمره الشريف وبنى على ان الثقة منهم خصوص المشايخ المباشريين لابن قولويه .

تمرينات

 

س 1 : اذكر خمس ملاحظات على وسائل الشيعة .

س 2 : كيف تَمَ تفادي الملاحظات الواردة على وسائل الشيعة ؟

س 3 : اذكر لمحة موجزة عن مستدرك الوسائل .

س 4 : اذكر لمحة موجزة عن الوافي .

س 5 : اذكر لمحة موجزة عن بحار الأنوار .

س 6 : جاءت الكتب الرجالية الأربعة كحصيلة . . . . . . أكمل الفراغ .

س 7 : ما هي طريقة الكشي في كتابه الرجالي ؟

س 8 : ما هو العمل الذي قام به الشيخ الطوسي اتجاه رجال الكشي ؟

س 9 : اشرح الملاحظة الأولى المرتبطة برجال الشيخ الطوسي .

س 10 : دُفع اشكال التهافت الوارد على الشيخ بسبب تكراره لبعض الأسماء بعدة وجوه . اذكر الوجه الأول مع مناقشته .

س 11 : اذكر الوجه الثاني مع مناقشته .

س 12 : اذكر الوجه الثالث مع مناقشته .

س 13 : ما هو المناسب في الجواب ؟

س 14 : ما هو الوجه الأول في تفسير جملة «اسند عنه» ؟ وكيف يناقش ؟

س 15 : ما هو الوجه الثاني في ذلك ؟ وكيف يناقش ؟

س 16 : ما هو الوجه الثالث في ذلك ؟ وكيف يناقش ؟

س 17 : روى الشيخ في الفهرست كثيراً عن جماعة من اصحابنا . كيف نوجّه اعتبار الجماعة ؟
س 18 : الّف الشيخ الطوسي رجاله لغرض . . . . . . أكمل الفراغس 19 : الّف الشيخ الطوسي فهرسته لغرض . . . . . . اكمل الفراغ .

س 20 : الّف النجاشي فهرسته لغرض . . . . . . أكمل الفراغ .

س 21 : لماذا الّف النجاشي كتابه بعد فرض تأليف الشيخ لكتابيه ؟

س 22 : رجال البرقي لمن ؟ ولماذا لا يهم التعرض إلى حاله ؟

.

س 23 : نقل العلاّمة الحلي عن ابن الغضائري لا يعتمد عليه لوجهين . اذكرهما .

س 24 : قسّم العلاّمة كتابه إلى قسمين . أوضح ذلك .

س 25 : ما هي طريقة معجم رجال الحديث ؟

 

وبهذا نختم حديثنا عن القضايا الرجالية التي اردنا التعرض لها . وكان ذلك في مدينة قم المقدسة يوم 25 / رجب المرجب / 1416 هـ . ونشكره

عزّ وجلّ على هذا التوفيق .

باقر الأيرواني