سماحة السيد حسين الحكيم

السيد حسين الحكيم: كان فقه السيد الشهيد الحكيم (رحمه الله)

يثري سياسته وسياسته تثري فقهه..

 

أجرى موقع رسا الإخباري الإيراني لقاء مع سماحة السيد حسين الحكيم حول البعد العلمي والسياسي لشخصية شهيد المحراب سماحة آية الله المجاهد السيد محمد باقر الحكيم (رحمه الله) وفيما يلي نص اللقاء:

رسا: بسم الله الرحمن الرحيم

أولاً نرحب بسماحة العلامة السيد حسين الحكيم الأستاذ في الحوزة العلمية ومؤسس حوزة الإمام الكاظم (عليه السلام) وأحد الشخصيات البارزة من عائلة الدم والبذل والشهادة عائلة آل الحكيم.

سيدنا نرجو توضيح البعد العلمي والديني والسياسي في شخصية آية الله السيد الشهيد الحكيم(رحمه الله).

السيد حسين الحكيم: بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين

في البداية اشكر لكم استضافتكم واهتمامكم بالشأن العام وشأن الإسلام والمسلمين واتباع أهل البيت (عليهم السلام) بشكل خاص والحوزة العلمية بشكل أخص كما أؤكد الشكر على حسن الابتداء في هذا الشأن عندما بدأتم في السؤال عن السيد الشهيد الحكيم (رضوان الله عليه) الذي يمثل في هذه المرحلة أحد أبرز المعالم للتحديات التي تواجهها الأمة عموماً وشيعة أهل البيت والحوزة العلمية بكل مؤسساتها في العراق خصوصا ً، و في الحقيقة إن مشكلة العراق تحولت إلى هم كبير لدى المؤمنين في العالم لما يحمله العراق من خصوصيات متعددة من أولها وأهمهما احتضانه لمراقد الأئمة من أهل البيت (صلوات الله عليهم) والملايين المظلومة المقموعة التي تعرضت إلى مستويات هائلة جداً من العدوان من قبل أعداء الإسلام والمسلمين ومن قبل أعداء أهل البيت (عليهم السلام) بشكل خاص ولما فيه من الحوزات العلمية، خصوصاً الحوزة العلمية في النجف الأشراف التي تحتضن المرجعية الدينية المتمثلة بمراجع الدين الموجودين في النجف الأشراف مضافاً إلى العلماء والمبلغين الذين يقومون بدور كبير في هذه المرحلة في العراق..

السيد الشهيد الحكيم (رحمه الله) كان يمثل أحد أهم المفاصل في هذه الأمور فكان يعد نقطة التقاء للخط الحوزوي والمرجعي مع الخط السياسي الذي يتصدى لشؤون الأمة العامة مع خط التضحية والشهادة بما كان يمثله ويحمله من إرث الشهداء، الشهداء من أساتذته، من قبيل الشهيد الصدر والشهداء من إخوانه واسرته وزملائه..الشهداء من اتباعه.. الشهداء من المجاهدين الذين تربوا على خطه ومنهجه وأيضاً ما كان يحمله من اعتدال ومحاولة النهوض بالوضع العراقي في هذه المرحلة الحساسة ووضع الأمة عموماً فكان يحاول دائماً النهوض بالوضع العراقي على أساس الحد الأدنى من التضحيات والحد الممكن ـ لا نقول الحد الأفضل لان الأفضل ليس بممكن ـ من الإنجازات والمكاسب والتقدم الذي يمكن أن يحصل.

سؤالكم كان بالتحديد يركز في الجانب العلمي في شخصية السيد الشهيد الحكيم (رحمه الله) وفي الحقيقة السيد الشهيد الحكيم (رحمه الله) كان في شخصيته العلمية يحمل عدة خصائص من أهمها:

1 ـ عمق الرؤية الذي كان يتمتع به بسبب ما وصل إليه من درجة عالية من العلم والاجتهاد وهذا الأمر معروف عند كثير من فضلاء وعلماء الحوزة القريبين من شخص السيد الشهيد الحكيم (رحمه الله) فمثلاً شهد له أحد أبرز علماء النجف آية الله الشيخ مرتضى آل ياسين، بالاجتهاد وهو بعد في العقد الثالث من عمره تقريباً, وهذا إن دل على شيء فانه يدل على نضجه العلمي في وقت مبكر من عمره الشريف.

2 ـ الشمولية في العلوم، فبالإضافة إلى تخصصه بتفسير القرآن وبعلوم القرآن عموماً ومؤلفاته العديدة في هذا الجانب معروفة كان أيضاً فقيهاً وكان أصولياً وكان باحثاً متعمقاً في تاريخ أهل البيت (عليهم السلام) وفي نفس الوقت كان باحثاً في تاريخ الرسالات السماوية فكانت لديه أحاديث وأبحاث مفصلة في ما يخص رسالة الإسلام ومقارنتها بالرسالات السماوية الأخرى.

3 ـ مضافاً إلى ذلك كان يتمتع بمعرفة دقيقة بالتطورات المعاصرة التي تحدث و بصورة سريعة فهو بالإضافة إلى عمق وشمولية رؤيته العلمية التراثية في تراث الإسلام في العلوم التخصصية الإسلامية كان في الوقت نفسه مهتماً بدرجة عالية بمتابعة تطورات الواقع وهذه الحالة تمثل الحالة النموذجية التي ينبغي أن يكون عليها عالم الدين، لان دور عالم الدين أن يأتي بالإسلام ويوصله إلى الواقع، وليس دوره ينتهي عند معرفة الإسلام وكذا لا يكتفي منه أن يعرف الواقع فقط لانه ليس عالماً بالواقع وإنما هو عالم دين ووظيفته الأساسية هي معرفة الإسلام، ولكن في نفس الوقت لابد أن يأخذ هذه الرسالة رسالة الإسلام و يوصلها إلى الواقع ويكون له دور في عملية تغيير الواقع باتجاه الأهداف الإلهية السماوية.

رسا: كيف كان السيد الشهيد الحكيم يجمع بين الفقه والسياسة في آن واحد؟

السيد حسين الحكيم: في الحقيقة إن السيد الشهيد الحكيم (رحمه الله) كان فقهه يثري سياسته وسياسته تثري فقهه وكلا هذين الادعاءين يحتاج إلى مزيد من التوضيح والاستدلال.

أما أن فقهه كان يثري سياسته فكنا نراه في عملية التحليل السياسي ـ التي لعلّها المرحلة الأولى في الرؤية السياسية والتي يمكن اعتبارها مقدمات علم السياسة ـ كثيراً ما كان يستفيد من ثراءه الفقهي، فعلى سبيل المثال إن السيد الحكيم (رحمه الله) في مسألة التأكد من مصادر المعلومات السياسية التي تأتيه كان حريصاً جداً على معرفة تفاصيل المصادر التي تأتي بخبر من الأخبار على سبيل المثال الناس يسألون عن مصدر هذا الخبر، فيقال هذا الخبر مصدره قناة الجزيرة أو كما كان يمثل (رحمه الله) كان مصدره إذاعة (مونتي كارلو)! يقول هذا ليس كافياً بل لابد أن نبحث عن هذا الخبر من أين كانت بدايته الأولى ثم نلاحظ وندقق كيف ـ إن هذا المصدر الذي نقل هذا الخبر ـ توجهه السياسي بالقياس إلى هذا الخبر وهل هناك دواعي سياسية لتحريف الخبر أو لنقله ناقصاً.

وأيضاً كان يستفيد من رؤيته الفقهية وبراعته الفكرية في الجمع بين الأخبار ومعروف لدى أهل الاختصاص في الفقه أن من أهم الممارسات الاستنباطية الفقهية هي عملية الجمع بين الروايات التي تبدو وكأنها متعارضة لأول وهلة، فكيف يمكن الجمع بين نصوص الكتاب بحيث الإنسان يفسرُ الكتاب بالكتاب والسنة بالسنة والكتاب بالسنة والسنة بالكتاب، فعملية أخذ الحصيلة النهائية للنصوص الشرعية لكي يصل الفقيه من خلالها إلى رؤية متكاملة هي الأصعب في علم الفقه، الشهيد الحكيم(رحمه الله) كان يستفيد من خبرته الفقهية في تحليله السياسي للأخبار وليس في الأخبار فقط بل في تعيين الموقف الذي يتخذه حيث كان كثيراً ما ينطلق من منطلقاته الفكرية، فحينما يحدث هناك( تزاحم) في عناوين متعددة مثلاً عنوان حفظ النظام وعنوان المحافظة على بعض المصالح الإسلامية وعنوان المحافظة على أرواح المسلمين وعنوان المحافظة على بعض المقدسات وفي نفس الوقت عنوان المقاومة وعنوان التصدي وعنوان النهي عن المنكر وجهاد الأعداء وأمثال ذلك، هنا كان السيد الحكيم (رحمه الله) يستفيد بدرجة عالية من خلفيته الفقهية لإثراء موقفه السياسي وهذا لا يتسنى إلاّ لمن يكون سياسياً وفقيهاً في نفس الوقت بحيث تتمكن هذه الفقاهة أن تمثل زخماً ثرياً للموقف السياسي الذي يتخذه.

وأيضاً في خطابه السياسي، كان يستفيد من الجانب الفقهي فأولاً يحاول أن يضبط الخطاب السياسي الذي يصدر منه , وهنا يمكن أن تجري بحوث ودراسات تخصصية أكاديمية على بيانات السيد الشهيد الحكيم (رحمه الله) فكان مهتماً جداً بان يسجل مواقفه ضمن بيانات مكتوبة ودقيقة ومحددة المعالم فهذه البيانات ـ بل حتى التصريحات التي تؤخذ منه من خلال المحاورات الإعلامية ـ كان يسعى أن تكون منضبطة بالضوابط الشرعية ولا يتنازل وينهار أمام ضغط وتحدي معين ويُفرط في بعض المواقف السياسية والبيانات.

والفقاهة تمثل ضبطاً للخطاب والموقف السياسي، واعتقد أن هذا الأمر صار واضحاً لا يحتاج إلى مزيد من الاستدلال، بل هذا ظاهر من مسيرته السياسية

وفي مسألة التعامل مع الاحتلال ـ وهذه مسألة شائكة وحساسة وتدور في أذهان الجميع ـ هو وجد من المصلحة في ضمن الظرف الذي يعيش فيه العراق محنة صدام حسين أن يغض الطرف عن دخول القوات الأمريكية للعراق فيما لو كانت القوات الأمريكية تدخل بمشروع يريد أن يكرس ويرسي دعائم الديمقراطية في العراق لانه يمكن أن يتحول الشعب العراقي ويتملك إرادته ويمكن أن يقرر مصيره بدرجة أكبر مما هي عليه الحال في أيام صدام حسين في ضمن هذا التصور ولكن لا يمكن أن يكون له ما يبرر التعامل بمجاملة مع قوات الاحتلال بشكل مباشر وبحد أكثر مما هو ضروري فلهذا نجد من مواقف سماحة السيد الشهيد التي تدل على انضباط تحركاته السياسية وما شهدته بنفسي عندما كنتُ في النجف قبل شهادته بفترة قليلة جاء )بريمر) إلى النجف ولم يكن هناك توتر في الوضع الشيعي مع قوات الاحتلال كما هو موجود الآن، وكان هناك طلب حثيث ومتكرر لعدة أيام ـ أربعة أيام ـ يتصلون من طرف بريمر يحاولون أن يأخذوا موعدا لبريمر حتى يلتقي مع السيد الحكيم حينما يزور النجف فكانوا لا يعطونه الموعد وتأجل هذا الأمر وتأخر بدون رد قاسي وصارخ وإنما يؤجل إلى أن جاء إلى النجف ولم يتمكن من اللقاء مع السيد الشهيد الحكيم، فهذا يعني أن الموقف السياسي حينما ينطلق من منطلقات شرعية يبقى منضبطاً في ضمن الضوابط الشرعية ولا ينساب ولا يعيش حالة من الذوبان الكامل تحت عنوان وغطاء معين.

كما يحصل في التطرف ضد ومع الاحتلال الذي يعاني منه مراهقوا السياسة وغير الملتزمين والمتشرعين في العمل السياسي الذين يحسبون كل عنوان ثانوي يمكن أن يقدموه للجمهور أو لأنفسهم يبرر لهم ما يرتكبوه من المخالفات الشرعية، فالمشكلة الأساسية هي عدم الانضباط بالضوابط الشرعية وعدم الانطلاق من المنطلقات الشرعية الصحيحة في هذا المجال.

أما الجانب الآخر وهو أن سياسته كانت تثري فقاهته: كان الشهي الحكيم(رحمه الله) يتمكن من تقديم تصورات فقهية رائعة فيما يرتبط بالنص الديني السياسي والنص الديني التاريخي وذلك بحكم ما كان يمتلك من خبرة سياسية وخبرة في التعامل مع الجماهير وخبرة في طبيعة المجتمع وتغيراته وتقلباته وهذا لا يتسنى إلا لمن يمتلك هذه الخبرة الاجتماعية.

في خصوص النصوص التي تعالج الشؤون الاجتماعية أضرب لكم مثالاً:

هناك رؤية عامة تقول: أن بعض النصوص الواردة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لا يمكن العمل بها لأنها كانت محمولة على التقية وكانت صادرة بلا إرادة حقيقة وجدية وهذا أمر معروف وهناك نصوص تدل عليه، المعروف بين الفقهاء أن التقية كانت من الحاكم الظالم آنذاك والحاكم الظالم هو الدولة الأموية والعباسية وما يرتبط بهما ولكن أن يكون هناك خط سياسي في داخل الحالة الإسلامية وهذا الخط يكون فيه مستوى عالٍ من التشنج والتهديد والتعريض للأمة والجماعة التي تتمحور في ضمن خط أهل البيت (عليهم السلام) للتشرذم والتفرق والاختلاف لا يلتفت إلى هذا الأمر الكثير من الفقهاء الذين لا يدرسون هذه الحالات ويعيشون هذه المعاناة فالسيد الشهيد الحكيم (رحمه الله) في بحثه في الجهاد ـ البحث الذي لم يطبع لحد الآن ـ حينما كان يتحدث في بعض النصوص التي ترتبط بالموقف في مقابل الحاكم الجائر كان يرى من خلال القرائن الداخلية ويضمها إلى رؤيته العامة أن بعض النصوص كانت تحمل على التقية لا تقيةً من الدولة الظالمة آنذاك من الدولة العباسية أو الدولة الأموية مثلاً وإنما تقية من الخط الزيدي الذي كان يرى أن الإمامة والأولوية لمن ينهض بالسيف هذا الخط المتطرف في داخل المعارضة الإسلامية ـ إذا صح التعبيرـ معارضة الدولة الإسلامية الجائرة الظالمة هذا الخط في كثير من الأحيان كان يمنع الأئمة (عليهم السلام) من أن يذكروا بعض الحقائق أو يصرحوا ببعض الأشياء التي يؤدي ذكرها وبيانها إلى بعض المشاكل التي قد تحدث في داخل المجتمع الإسلامي وخصوصاً المجتمع الذي كان يحسب على شيعة أهل البيت و معارضي الدولة الظالمة، هذه الرؤية الثاقبة لا تنشا إلاّ في ضمن معاناة السيد الشهيد (رحمه الله) الذي كان يعاني كثيراً من بعض الخطوط السياسية التي كانت هي في صف المعارضة لنظام صدام الجائر وكان في بعض الأحيان يضطر إلى أن لا يصرح بالحقائق لا لأجل أنها ليست بصحيحة وإنما من أجل أن لا يتفرق الجمع وان لا ينقسم الصف في مقابل الدولة الظالمة التي كانت آنذاك.

هذه الرؤية السياسية وهذه التجربة السياسية هي التي كانت تثري عملية الاستنباط الفقهي الذي كان لديه وعموماً لا اعتقد أن هناك شكاً عند أحد أن فهم المجتمع وممارسة العمل السياسي الاجتماعي تؤهل الإنسان لكي يتعامل مع النص ويفهم النص بدرجة اكثر مما يفهمه الإنسان الذي يعيش بعيداً عن المجتمع ويغلق باب المكتبة على نفسه ويبقى يتعامل مع الكتب فحسب.

رسا: بنظركم كيف كان الشهيد الحكيم يعالج شدة الاختلافات بين التيارات السياسية المتفرقة من سنية وشيعية وغيرها؟

السيد حسين الحكيم: السيد الشهيد (رحمه الله) كان يرى ويميز بين ما هو واجب شرعاً وبين ما يتخذ من موقف سياسي استجابة لأولويات كل مرحلة ـ أوضح هذا الأمر لكي لا يفهم كلامي بشكل غير دقيق ـ السيد الشهيد مثلاً كان يرى أن هناك واجباً شرعياً على كل إنسان أن يتبّع الفقيه الجامع للشرائط في تشخيصه للشأن العام والذي يكون له ولاية في الجوانب التي ترتبط بمصالح المسلمين العامة وكان يعمل على هذا الإطار في ضمن هذه الحالة لكن هذا لا يعني انه حينما يكون الآخرون غير ملتزمين بهذا الأمر أن يتعامل معهم كخصوم وأعداء بل كان يرى في الواجب الشخصي له والواجب العام على الأمة أن لا تتقاطع مع بقية التيارات وان تعمل معها ضمن المشتركات وفي نفس الوقت يقول الموقف الشرعي واحد والوظيفة الشرعية واحدة معينة ومحددة والذي يخالفها يكون مدان شرعاً ومؤاخذ عند الله سبحانه وتعالى؛ لانه لم يؤد طبعاً الوظيفة الشرعية ـ طبعاً إذا قامت عليه الحجة ـ ولكن حينما نكون على الموقف الشرعي لا يعني أن نتعامل مع الآخرين على أساس الإلغاء وإنما نتعامل معهم على أساس العمل بالمشتركات وكان هناك تجربة في هذا الجانب، مثلاً بعض الأخوة في الأحزاب الإسلامية العريقة كان لديهم موقف من الدخول في حوار مع الأمريكان أو الدخول في مؤتمر لندن ومع ذلك كان يرى المصلحة في أن تؤسس معالم الدولة العراقية دولة ما بعد صدام من الآن وكان يرى انه هناك عناصر وخيوط قوة بيد المعارضة الإسلامية يمكن أن يستفاد منها قبل سقوط صدام أكثر مما يمكن ان يحصل بعد سقوط النظام ـ طبعاً في بعض الجوانب ـ فهو يرى هذا الأمر وكان يشجع عليه ودخل المجلس الأعلى تلك الحوارات لانه كان يتعامل معه كمرجع سياسي ديني، وينفذ توجيهاته وتشخيصه التكليف الشرعي، وهناك بعض الأحزاب السياسية العريقة لم تكن تعمل على هذا الأساس فهذا الموقف منه لم يجعله في حالة المصادمة معها أو في الحديث معها بطريقة شديدة فهو وان كان هو يرى بان التكليف الشرعي لتلك الأحزاب هو هذا، ولكن هذا لم يكن مبرراً في أن يدخل معها في صراع عندما لا يعملون بتكليفهم وقال: إنا مستعدون ان نكتب ميثاقاً للقوى الإسلامية وبدأ الحديث عن تفاصيل بنود هذا الميثاق وكانت هناك اجتماعات وحوارات واسعة في هذا المجال، ومع ذلك كان هناك بالنسبة إلى بعض البنود توقف لدى الأخوة في بعض الأحزاب لكن مع ذلك استمر السيد يحاول بأي شكل من الأشكال أن يثبت الميثاق ويتفق عليه ويكون منشأً للوحدة ولو في حد معين من حدود الوحدة حتى آل الأمر أن يقول هذه الكلمة وهي تدل على عمق المحنة التي كان يعيشها قال: أنا مستعد أن أوقع معهم ولو على كلمة (بسم الله الرحمن الرحيم) فعلى الأقل هذه الكلمة متفق عليها مع أ ن الأمة والمرجعيات الدينية كانت تتعامل مع الشهيد الحكيم على أساس انه مرجع ديني سياسي ولكن مع ذلك لم يشأ أن يفرض رأيه عليهم وحينما لا يجدهم يقبلون هذا الأمر يقوم بعملية رد فعل شديد في مقابل ذلك قال: فحتى لو نوقع على كلمة (بسم الله الرحمن الرحيم) فأنه أفضل من العدم.

فلاحظوا تعامله (رحمه الله) الذي كان على درجة عالية من النضج نحن أحوج ما نكون إليه ليس في العراق فقط وإنما في إيران وفي الأماكن الأخرى.

إننا حينما نشخص انه يوجد لدينا موقف شرعي وتكليف شرعي في قضية من القضايا هذا لا يعني أننا نتعامل مع الآخرين كخصوم وإنما موقفنا الشرعي نحدده ونوضحه للآخرين ونقيم الحجة به على الآخرين وهذه من جملة الوظائف الشرعية على الإنسان، وهذا لا يعني أننا ندخل في تقاطعات وفي مواجهة وان تكون قوتنا في مواجهة بعضنا البعض وإنما قوتنا يجب أن تتجه بزخم واحد واتجاه واحد من أجل تحقيق المصالح المشتركة التي يتفق عليها الجميع.

رسا: كيف يمكن ان نملأ الفراغ الذي تركه السيد الشهيد؟

السيد حسين الحكيم: هناك مشكلة حقيقية في هذا الجانب ولكن هو رؤيته الكلية أن المرجعية الدينية العامة ينبغي أن تنهض بمسؤولية تشخيص التكليف السياسي وان المرجعية الدينية السياسية كحالة تخصصية إنما يصار إليها عندما لا تتمكن المرجعية العامة لسبب داخلي أو خارجي يرتبط بها أو بتشكيلاتها ورؤاها وقناعاتها أو لسبب يرتبط بالظلم والقمع والإلغاء الذي يتعرض له المجتمع الشيعي والمرجعية الدينية من قبل الأعداء عندما لا تتمكن من الوفاء بدورها فيجب أن تنهض الشخصية العلمائية السياسية بأعباء هذه المهمة فهو في الحقيقية ـ السيد الحكيم ـ في أصل رؤيته أن المرجعية الدينية هي التي تقود الساحة حتى انه حينما ذهب إلى آية الله العظمى السيد السيستاني تعامل معه باحترام كامل وكان مستعداً للالتزام بمواقف السيد السيستاني حتى لو كانت بعض هذه المواقف غير مقنعة بالنسبة إليه هو (رحمه الله)، لأنه كان يرى ضرورة وجود محورية وان تكون هناك قيادة موحدة تحدد التكليف العام للمسلمين ولكن عندما وجد أن السيد السيستاني غير مستعد للدخول في بعض الخصوصيات والتفاصيل حاول هو أن يعبئ الفراغ، هذه النقطة أساسية و تعطينا خلفية عن هذه القضية، والآن قد تكون المرجعية بسبب بعض الظروف غير متمكنة من أن تنهض بمشروع سياسي ديني إسلامي متكامل ولكن بالإمكان من خلال التعامل والتكامل بين نشاط الخبراء السياسيين والمتصدين السياسيين مع المرجعية الدينية أن تصل الحالة العامة ـ حالة تشخيص الحكم ـ من خلال المرجعية الدينية وتشخيص الموضوع من خلال الخبراء السياسيين ـ إن صح التعبير ـ وهذا في الموارد التي يمكن فيها فرز الحكم عن الموضوع أما في موارد التزاحم التي شرحتها في بداية اللقاء فلابد من الاندماج والتكامل مع المرجعية الدينية بإيصال كل المعلومات التي يمكن أن يكون لها دور في اتخاذ القرار الشرعي السياسي ووضع كل الخبرة السياسية تحت تصرف المرجعية لكي تتمكن المرجعية من تحديد التكليف الذي يأخذ بنظر الاعتبار كل الجوانب الحكمية وتحديد الأهم من الملاكات الشرعية (المصالح التي على أساسها يشرع الله عزوجل أحكامه) والجوانب الواقعية المرتبطة بموضوع الحكم وتحديد نسبها الاحتمالية وقوة الاحتمال والمحتمل فيها فالمسألة لا يمكن التفكيك فيها بين الموضوع والحكم ففي التزاحم نحتاج إلى أن نعرف الموضوع والمستويات الاحتمالية فيه وأيضاً نسبة الملاك في كل حكم من الأحكام والأولويات التي تقدّم حتى على ما يقوله السيد السيستاني (حفظه الله) نسبة الاحتمال والمحتمل في كل شأن في هذه الشؤون، وقبل مدة كنت استفسر من آية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) حول بعض هذه الأمور فوجدت أنه ً يؤكد على فكرة التوازن بين أهمية الاحتمال والمحتمل فلا يمكن أن يقف السياسي في معزل عن المرجعية فمثلاً السياسي يجلس في بغداد ويقوم بالمناورات السياسية ويأخذ الفتوى من البيانات التي تصدر من المراجع أو يقف المرجع في النجف ويجلس بعيداً عن المتغيرات السياسية ومنعطفاتها وتحدياتها وتوقعات السياسيين بالنسبة إليها ويصدر بيانات كلية بنحو القضايا الشرطية ـ إن كان كذا فكذا ـ هذا لا ينفع، هذا قد يكون ينفع في بعض الأمور الاقتصادية، هذه المعاملة ربوية أو ليست ربوية، هو يتحدث يقول: إذا كان يعود إلى المضاربة فهو حلال وإذا كان يعود إلى الربا فهو حرام والخبير الاقتصادي يتمكن أن يشخص، أما في السياسة حيث تعود أكثر الكليات والكبريات في المواقف الإستراتيجية والتكتيكية السياسية تعود في كثير من الأحيان إلى باب التزاحم في الفقه، فلا يمكن أن نكتفي بفقيه منفصل عن التشخيص السياسي أو بسياسي منفصل عن التشخيص الشرعي، وما نجد اليوم في خلف السيد الحكيم وهو أخوه ومعتمده في المهمات الصعبة حجة الإسلام والمسلمين المجاهد السيد عبد العزيز الحكيم ما نجده من استعدادٍ عالٍ للانسجام مع المرجعية الدينية الأمر الذي جعله في موقع استثنائي في نظر المرجعية الدينية فعلى سبيل المثال المرجعية الدينية كانت تطلب منه بشكل مؤكد أن يذهب إلى نيويورك من أجل أن يكون له دور في استصدار القرار الذي يرتبط بقانون الانتخابات في الشأن العراقي طبعاً مع إيكال أمر تشخيص هذا الأمر إليه ولكن السيد السيستاني كان من خلال ما سمعته من المقربين للسيد السيستاني يقول إننا نريد أحداَ نعتمد عليه ويدافع عن هذه القضية ونحن نريدك أنت أن تذهب إلى نيويورك مع انه لم يكن هذا الأمر يروق له بسبب طبيعة الوفد الذي كان آنذاك ـ وهناك بعض الخصوصيات التي قد لا يحسن نشرها وذكرها في هذا الجانب ـ ولكن مع ذلك نجد أنه بالتالي انسجم مع رأي المرجعية وأيضا نجده اليوم من خلال موقفه من الأزمة التي تعيشها العتبات المقدسة في النجف الأشرف وكربلاء والعراق عموماً من خلال الأحداث الجارية الآن أحداث الصراع بين المحتلين والقوى الأخرى التي هي رأت أن تتصدى لمواجهة الاحتلال موقفه أيضاً يحاول أن يطبقه تماماً مع موقف المرجعية الدينية وكذا موقفه في تشكيل الحكومة المؤقتة والملابسات الكثيرة التي حدثت بسبب تعنت بعض الشخصيات التي لم تكن تعيش هذا الاعتقاد بضرورة الانسجام مع موقف المرجعية الدينية مع أننا اليوم أحوج ما نكون إلى حالة أن يفهم كل من المتصدي السياسي والمرجع الديني موقعه أولاً وان يتفاعل بشكل كامل مع الآخر من أجل تعبئة هذا الفراغ والوصول إلى هذه النتيجة وأنا سمعت من أحد أقرب المقربين إلى السيد السيستاني (دام ظله) أننا حينما كان السيد الحكيم (رحمه الله) حياً ما كنا بحاجة إلى أن نتصدى إلى بعض الأمور التي الآن قد أوجبت لنا بعض الحرج وبعض الضغوط وبعض المشكلات الحقيقية وكان يعيش الحسرة لأن السيد الحكيم (رحمه الله) غير موجود، مما اضطرنا إلى أن ندخل في بعض التفاصيل وبعض الخصوصيات السياسية.

رسا: كيف يمكن أن يتعامل مع الأحداث الجارية في العراق..؟

السيد حسين الحكيم: في الحقيقة الوحدة أمر أساسي وضروري في أي عمل ولكن الوحدة ينبغي أن تكون ضمن محورية وإلاّ إذا صار البناء أن جهة ما تدعو إلى الوحدة وتلتزم بها وجهة أخرى لا تلتزم بها وإنما تعمل على وفق اجتهاداتها وقناعاتها وتشخيصها فهذا يؤدي إلى ذوبان هذه الجهة مع أنها ترى أن الحق معها وهذه حالة طبيعية فان كل إنسان وكل جهة ترى الحق معها والمفروض على أساس هذا الحق تعمل وتجتهد ولكن مع هذه الحالة سوف يحصل لها ذوبان كامل في الطرف الآخر مع تضييع كثير من المصالح. صحيح في بعض الأحيان الذوبان مع الطرف الأخر يمكن أن يكون هو الأرجح ولكن في حالة أخرى يمكن ان يكون الذوبان في بوتقة الطرف الأخر يؤدي إلى أخطار كبيرة أهم من التفرق فلهذا نحن نحتاج دائماً حينما نطرح الوحدة أن نطرح المحورية على أساسها بحيث بدونها لا يكون للوحدة تطبيق حقيقي فنحن نعتقد وكل المؤمنين وكل المسلمين يعتقدون أن الوحدة يجب أن تكون في إطار التكليف الشرعي وفي إطار الإسلام ويعتقد معنا عامة المؤمنين أن تشخيص التكليف الشرعي في زمان الغيبة إنما يتم من خلال موقف المرجعية الدينية فلهذا نصر على أن الوحدة إنما تكون ضمن إطار المرجعيات الدينية وكل شذوذ وانفصال عن المرجعية الدينية يؤدي إلى تشرذم الأمة، والشخصية العراقية وبشكل خاص الشخصية التي هي مقسمة على أساس عشائري تتفهم وتعرف بدرجة عالية ضرورة وجود قيادة للمجتمع وان يكون هناك محورية، هذه المحورية يمكن أن تمثل الإطار الذي يحفظ الوحدة ونحن يكمن قلقنا البالغ في أن تتجه بعض الأطراف أياً كانت ـ ولا أريد أن أشير إلى طرف معين ـ باتجاهات معينة وتكون مستعدة لخرق هذه الوحدة ولرفض موقف المرجعية وللخروج عن الإجماع الإسلامي والإجماع الشيعي الذي يقبل المرجعية إطاراً له ومحوراً وحجة شرعية بينه وبين الله سبحانه وتعالى.

رسا: كيف يمكن تسيير هذه الأمور وتوظيفها لصالح الخط الشيعي العام؟

السيد حسين الحكيم: هناك آليات متعددة لهذا الجانب من أهمها: الحفاظ على المشتركات، فمثلاً الذين يتبنون المقاومة المسلحة والقتال مع المحتلين يجب أن لا ينفصلوا عن المطالب الشيعية والمطالب الإسلامية بشكل كامل، ولأجل التوضيح أقول: نحن مرة نضع لنا هدفاً وهو إخراج المحتلين في هذه الليلة وفي هذه الساعة ومرة نقول حتى إن بقي المحتل فلابد أن نحقق أهدافنا ولو بشكل محدود، فهنا أمر جامع بين الأمرين، وهو الحفاظ على المصالح العليا للإسلام، فكلٌ يعمل على حسب قناعته ولكن لا يعني هذا إلغاء الطرف الآخر، نعم نحن نريد إخراج المحتل وهذا مطلب عام لكل الناس، ولكن الإشكال في تشخيص الجزئيات فهل الآن يمكن إخراج الاحتلال؟ ثم البديل للاحتلال ماذا سيكون؟ وهناك إثارات كثيرة من هذا القبيل مع انه نظرتنا الكلية بطرد الاحتلال باقية ولكن إذا لم يخرج الاحتلال على الأقل نحن نريد للناس أن يأخذوا موقفهم في دستور وان يحكموا أنفسهم كحدٍّ ممكن وان تأخذ الفئات المقموعة والمهمشة والملغية في تاريخ العراق حقوقها، فنريد أن تعود إلى وضعها الطبيعي وتأخذ موقعها، هذا الأمر وهذه الحالة الترتبية مع الأسف غير موجودة (نعم هناك خطاب وحدوي يركز أكثر ما يركز مع المذاهب الأخرى ولا نجد هذا الحماس والحرارة التي فيه بالنسبة إلى داخل الحالة الأقرب إليه) نتمنى أن يحدث شيء من التطور في هذا الاتجاه هذا جانب.

ومن جانب آخر: عند من لا يرى المقاومة لا ينبغي له أن يصطف مع الاحتلال في مواجهة هذه المقاومة بحيث يبدأ بمعاداتها والصراع معها ومقاتلتها فهذا أيضاً لا يوجد له مبرر شرعي، هذا الخط وهذا التوجه يريد أن يقاوم، فهو رأى أن من مصلحته أو من مصلحة الإسلام أن يقاوم وهذا لا يعني أننا نصطف مع الاحتلال في مقابله فانه خطأ، نحن نحاول أن نفيد أكثر مما نستفيد من هذا الموقف الذي يصدر من المقاومة لصالح الحالة العامة والمراتب التالية لإخراج الاحتلال وعودة العراق إلى أهله بشكل كامل وهذا الأمر يمكن أن نأخذ له نموذجا، فمثلاً ما حصل في الفلوجة، إن أهداف المقاومين للاحتلال لم تتحقق ولكنهم في نفس الوقت اكتفوا بتحقيق أهدافهم الجزئية، نحن نخشى أكثر ما نخشاه أن تتحرك بعض الأطراف باتجاه تعميق التوتر وشده بين بعض الأخوة من أبناء هذه الجماعة أو تلك الجماعة، وجعلهم حطباً في نارٍ يطبخون عليها طبختهم ويريدون الوصول إلى مكاسب خاصة بالنسبة إليهم ويريدوا أن يعيدوا عجلة التاريخ لكي يعود صدام ولكن ليس باسمه وإنما بمنهجه مرة أخرى ليأخذ موقعه في حكم العراق كما شهدنا هذه الأمر خلال تحكيم بعض الناس الذين كان تاريخهم تاريخ صدامي في أكثر مواقع القوة في العراق في المنطقة التي كانت ترفع شعار ولواء طرد الاحتلال ولكن بمجرد أن أعطيت هذه المواقف تراجعت عمّا كانت تطالب به سابقاً.