|
بسم الله الرحمن الرحيم ملخص محاضرة القاها سماحة حجة الإسلام المسلمين السيد حسين الحكيم
بمناسبة مرور سبعة أيام على شهادة شهيد المحراب السيد محمد باقر الحكيم (قدس سره)8 رجب المرجب 1424هـ المعدّ: حيدر السيد مهدي الحكيم
قال تعالى: (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (البروج:4 ـ 8). لقد تعرّض أهل البيت (عليهم السلام) طيلة تاريخهم الى أبشع أنواع الظلم واشدها قساوة وشراسة من قِبل الظالمين، وقد تحدث لأول مرّة سماحة شهيد المحراب شهيد الجمعة الدامية شهيد الحضرة الحيدرية الشهيد الصائم في غرة رجب الأصب عن هذه الظلامات وبصراحة وقد وضّح وتحدث عن النواصب الذين يكيدون السوء لشيعة أهل البيت (عليهم السلام) من خلال ضرب رموزهم ومقدساتهم. هذا الانحراف وهذا العدوان بدء منذ ذلك اليوم الذي حرق فيه دار فاطمة (سلام الله عليها) ومنذ ذلك اليوم الذي اُقتيد به أمير المؤمنين (عليه السلام) وعند نشوء ذلك الفكرالذي عبرت عنه عامة المسلمين ـ ولا أقول جميعهم ـ بانه خيانة وغدر بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم). ثم امتدت المحنة واستمرت وتواصلت من خلال الاعتداءات والظلامات القاسية التي تعرّض لها أئمة أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) وشيعتهم الابرار، إلى ان توجّت وتلخصت في يوم الطف في يوم الحسين (عليه السلام) في يوم زينب (عليها السلام) ـ وانتن انشاء الله تحاولن تجسيد دور زينب (عليها السلام) حيث ان دورها قد بدأ الآن ـ حينما تعرّض الامام الحسين (عليه السلام) ومعه العشرات من أهل بيته واطفاله والعشرات من شيعته وانصاره وأصحابه، وتعرضت عائلته الشريفة الى أعلى مستويات الانتهاك و الاذية. هذه الظلامات كانت في مواجهتها موقف من شيعة أهل البيت (عليهم السلام) الموقف الذي قدمه أهل البيت (عليهم السلام) وهو موقف التفاعل مع هذه الظلامات بالعبرة والدمعة [تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب] (1) والتفاعل الذي يتحقق من خلال احياء أمرهم وادامة ذكرهم والالتزام باهدافهم التي هي اهداف اصلاح [اني لم اخرج أشراًولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي] (2). هذه الأهداف النبيلة ينبغي أن يتواصل معها الناس بسخونة دم الشهداء وبحرارة تلك العذابات التي كان يتعرض لها شيعة أهل البيت (عليهم السلام) وأئمتهم من سجون وتعذيب وتشريد، والتعامل معها وفق الطريقة الهاشمية وطريقة أهل البيت (عليهم السلام) حينما يؤسسون منهجاً لمواجهة الظلم والعدوان، بحيث يعيش الإنسان حالته الانسانية المشاعرية العاطفية بالتفاعل مع هذه الظلامات، فتكون حالته حالة الصمود والإيمان والتماسك والالتزام بجميع أهداف أهل البيت (عليهم السلام). حينما نتذكر شهيدنا الكبير شهيدنا المظلوم الصابرالأواه الحنين نتذكر هذين الأمرين (3) معاً، كان أسوة في الشجاعة والصمود، كان قلبه كأنه قدّة من شجاعة: (ففي أحد أيام الحرب العدوانية على ايران ـ والاوضاع الخطيرة وموقف السيد (قدس سره) الواضح من العراق وجهاده ضد البعثيين وكثرة حالات الاغتيال ـ دخل السيد (قدس سره) الشهيد مع حرسه إلى المكتب وكان في سلاح أحد الحراس طلقة نارية ولم يؤمّن السلاح، فعند وصول السيد إلى القاعة المغلقة ثارت الطلقة بصوت مضاعف ـ لان القاعة مغلقة ــ قرب أقدام السيد ففي هذه الحالة وهذا الوضع المربك شاهد أحدهم السيد (قدس سره) ويقول انا الذي كنت بعيداً عن الصوت نسبياً خفت أما السيد فلم يلتفت الىالوراء بل حتى لم تتغير معالم وجهه حتى وصل إلى غرفته فسأل عن خبر ذلك الصوت، نعم هكذا كان قلب السيد صلباً) (4). وبنفس الوقت هذا القلب كان رقيقاً حينما يذكر الحسين (عليه السلام) وكانت الدموع تسيل عند مصاب ابي عبد الله (عليه السلام). فهذه الشخصية الإيمانية شخصية فقيه من فقهاء أهل البيت (عليهم السلام) شخصية مجاهد من مجاهدي زمان الغيبة، هذه الشخصية كانت تُجسد الأمرين معاً. عندما نستحضر الشهيد المظلوم الصابر الأواه السيد الحكيم (قدس سره) نستحضر هذه المعاني ونتشبث ونقتدي بدرجة أكثر بهذه المعاني فكان شهيدنا يبكي وكان بكاؤه بكاء قوة لا بكاء انكسار فلم يكن يعيش حالة الانكسار. وكان آخر ما ودّع به ربّه في محراب سجوده الأخير من صلاة العصر هو قوله: (الهي عظم الذنب من عبدك فليحسن العفو من عندك). كانت لنا مع سيدنا واستاذنا وابينا وقائدنا ومولانا وشهيدنا ومقتدانا واسوتنا ذكريات طويلة لها عمق في الوجدان ولكن من الذكريات الرطبة الطرية انه كان يوصي وبشكل ملفت للنظر بالمرأة ويرى أن في هذا الجزء الاساس من المجتمع معركة وهذه المعركة يستتر بها أعداء الإسلام وبالتحديد ـ عندما يسيل الدم لابد أن تُسمى الأشياء بمسمياتها ـ من قِبل قوات الاحتلال الامريكية والمشروع الامريكي الخطير الذي يريد ان يعيد صياغة الإنسان العراقي قبل أي شيء آخر، فانه يريد صناعة انسان شاذٍ خارج عن قيمه وتقاليده ودينه وهويته ليكون كالنموذج الغربي، يزرعه في هذه المنطقة الحيوية في العالم الاسلامي. فكان فقيدنا العزيز قلقاً جداً على المعركة والتحدي الذي يواجهه الإنسان في جسمه النسوي وكان يؤكد على ضرورة حضور المرأة كما كان يجد الظرف الاستثنائي الذي يفرض على المجتمع والمؤمنين بل حتى علىالعلماء ومراجع الدين ان يستثمروا هذا الجزء الاساس من الإنسان ـ وخصوصاً الإنسان العراقي ـ لأن هذا الجزء يتمتع بامكانية استثنائية من الجانب الروحي والمعنوي والتعبوي، فكان (رضي الله تعالى عنه) يجد من المهم بل الضروري جداً ان يكون له عناية خاصة ورعاية خاصة وان يكون له حضور خاص في صلاة الجمعة وفي البرامج الدينية والبرامج الثقافية حتى في التصدي السياسي بل في كل الجوانب التي يمكن ان يدخل العدو من خلالها. نعم هذه رسالة سماحة السيد (رضي الله تعالى عنه) لكم وهذه المسؤولية التي تتحملوها من قِبل سماحة السيد، ويلزم علينا الالتزام بها ومما يزيد علينا وعليكم المسؤولية ان هذه الرسالة جاءت مضمخة الأسطر بدمه الشريف ودماء الشهداء الطاهرة إثر ذلك الانفجار المروع، ولهذا فان لهذه الرسالة الاثر البالغ في قلوب المؤمنين خصوصاً قلوب النساء الرقيقة التي يمكن ان تتجه الاتجاه الإلهي، المعنوي الذي يكون له دور في تعبئة الجزء الرجالي من الإنسان. فالمسؤولية استثنائية والمرأة بدأت بذلك، لعلكم شاهدتم في تشييع ذلك الجثمان الطاهر التجمع الاستثنائي والموقف الفريد للمرأة العراقية عندما خرجت لتشييع قائدها، فلم يكن ذلك الأمر معهوداً في مجتمعنا العراقي، حيث كانت النساء تلطم على الرؤوس وهي مشتبكة باطراف حجابها وهويتها، وكانت فجيعة الحكيم للمرأة في العراق أكثر مما هي فجيعة الحكيم للرجل في العراق. لابد ان يكون خط الحكيم (قدس سره) ومنهجه وأهدافه محترمة مقدسة ومطالب بها ومتابعة من قِبل المرأة بدرجة أكبر ممّا هي عند الرجل، لقداسة شخص الحكيم وكم جميلة هي كلمة العلوية (أم أحمد(5)) عندما قالت: ان سيدنا الشهيد كان يتمنّى إحدى الحسنيين أما النصر أو الشهادة، والله سبحانه وتعالى أكرم الاكرمين حينما يكرم عبده بما لا مزيد عليه قال له عبدي يا محمد باقر الحكيم أنت طال جهادك وسبقك الآخرون إلى الشهادة والى السعادة وسبقك الآخرون الىجوار الله حيث (لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً * إِلَّا قِيلاً سَلاماً سَلاماً) (الواقعة:25 ـ 26) ـ إن من اشد الأمور على نفس الشهيد ما كان يسمعه من هنا وهناك من اللغو والتأثيم ـ فكأنه يقول له: أردت ان اجمع لك يا قمر الشهداء يا قمر آل الحكيم يا قمر بني هاشم العصر اردت ان اجمع لك النصر والشهادة. نعم، اعطاه الله كلتا الحسينين ولكن يا أبا صادق ان النصر لم يكتمل ولم يتحقق بشكل كامل بل كنت على مشارف تحقيقه، ولكن يأبى أحباءك وأوليائك وانصارك وشيعتك إلاّ ان يضمخوا راية النصر التي اردوا ان ترتفع في سماء علي والحسين (عليهما السلام) بعدمك الطاهر ايها الشهيد الحكيم المظلوم. كان يؤرقه التاريخ الطويل من الظلامات على أهل البيت (عليهم السلام)، وقد ادركنا أحاديثه الكثيرة بهذا الصدد (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ) (البروج:4 ـ 5) هذه النار التي كان يتعرّض لها شيعة أهل البيت (عليهم السلام) من خلال مشاهد المقابر الجماعية التي كانت تحزن السيد (رضي الله تعالى عنه) أشد الحزن، مقابر فيها أكداس من الظلامات: فحينما قُتِل أهلها لا يعرف الناس اجسادهم، حينما يقتل أهلها تتراكم الأجساد على الأجساد وتختلط الأشلاء على الأشلاء. يا سيدنا الشهيد كتب الله ان يختلط جسدك مع اجساد محبيك والذين كانوا قد أئتموا بك في محراب الشهادة فكنت رمزاً آخر لذلك الأخدود الذي صنعه أعداء الايمان والمؤمنين على مرّ التاريخ وأبيت يا أبا صادق إلاّ ان تكون قرآنياً في كل شيء حتى في مقتلك ومذبحك وكنت قرآنياً حتى في طريقة تجميع اشلاءك، وكان القرآن هو الدليل على جسدك، حيث ان سيد حيدر (6) يقول: لم نعرف جسد السيد (رضي الله تعالى عنه) إلاّ من خلال القرآن الذي كان محتفظاً به،فصار القرآن علامة لجسد ذلك السيد المظلوم. فسلام عليك يوم تربيت في تلك الربوع وتربيت في جوار أمير المؤمنين (عليه السلام) وتربيت على يدي تلك المرجعية الرشيدة العظيمة التي ربّت جيلاً من الناس كنت أنت من طلائعهم. وسلام عليك يوم درست عند الشهيد الصدر (قدس سره) وتعلمت منه، وكان السيد يقول: (شهادة الشهيد الصدر لا يمكن تفسيرها إلاّ بتفسير وراء الارقام ووراء الوقائع والتحليل السياسي) أقول: سيدي كذلك أنت، فكنت تعلم ان الأوضاع الأمنية خطيرة وكنت تحذّر منها وكنت تستعد لها، فذات يوم كنت مع ولدك المقصرّ (7) حينما خلوت معه في ظلمة النجف عندما انقطع التيار الكهربائي وقلت له: عمي حينما دخلت إلى العراق ووجدت هذه الجموع قد خرجت لتعبّر عن ولائها للاسلام تذكرت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما نزل عليه قوله تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً) (سورة النصر) فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ في الرواية ـ انه قد نُعيت اليّ نفسي. فسكت (رضوان الله تعالى عنه)، فاغرورقت عيناي بالدمع وقلت له سيدي: ما زال الناس بحاجة اليك، فأومئ اليّ بان الامر قد قضي، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم. وسلام عليك حين اغتسلت غسل الجمعة ونويت معه عدة أغسال مندوبة وكان بضمنها بحيث تدري أو لا تدري غسل الشهادة. وسلام عليك حينما خرجت إلى جوار جدك والى الصلاة عند جدك أمير المؤمنين (عليه السلام) شهيد المحراب الأول وشهيد الصلاة الأول والمظلوم الأول. وسلام عليك حينما لبثت على باب القبلة المضمّخ بالدماء تقول: يا ولي الله أنت أول مظلوم وأول من غصب حقه، فاحتسبت وصبرت حتى أتاك اليقين. وسلام عليك يوم قرأت سورة الجمعة وما احلاك حينما تتنغم بالقرآن، وسلام عليك حينما خرجت تودع جدك وتودع جموع احبابك. وسلام عليك حينما أبيت إلاّ ان تكون بين أوساط شعبك ومحبيك حياً و ميتاً، وحينما اختلط لحمهم بلحمك ودمهم بدمك وشيبهم بشيبك، وتوحّد قبرهم من قبرك، وتلاحمت معهم في أهدافك، وعهداً منّا ان شاء الله تعالى ان نبقى على عهدك على صبرك وعلى دربك واهدافك على طاعتك للمرجعية الدينية وتكاملك وانسجامك مع هذا الخط الأصيل لشيعة أهل البيت (عليهم السلام) الخط الفيصل والمحور والخط الأمان عندما يخرج إمامنا المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف). وسلام عليكن ورحمة الله وبركاته. _________________ 1 ـ الكافي: ج 3 ص 262 ووسائل الشيعة: ج 3 ص280. 2 ـ بحار الأنوار: ج 44 ص 329. 3 ـ وهما التفاعل مع الظلامات بالدمعة والعبرة والتعامل مع الظلامات وفق الطريقة الهاشمية ومنجية أهل البيت (عليهم السلام) من الصمود والشجاعة والتماسك بأهداف أهل البيت (عليهم السلام). 4 ـ هكذا نقل الفقيد السيد عادل عن أخيه السيد صالح. أما سماحة السيد فقد نقلها هكذا: (في هذا المكان أخذ أحد حرس الشهيد يريد ان ينظف سلاحه وكان في السلاح طلقة نارية وإذا بالطلقة تثور فحصل انفجاراً قريباً من أقدام السيد والقاعة كانت مغلقة فصار الصوت بذلك مضاعفاً والذين رأوا السيد يقولون وكأنه لم يحرك شيء). 5 ـ أحدى كريمات شهيد المحراب (رضوان الله تعالى عنه). 6 ـ هو الابن الاصغر لشهيد المحراب (رضوان الله تعالى عنه). 7 ـ وهو نفس المحاضر الذي هو ابن شقيق شهيد المحراب (رضوان الله تعالى عنه). |