الشيخ جاسم  السهلاني     

 

قبس من نور شهيد المحراب

رغم الخسارة الكبرى التي مُنِيَ بها العالم الإسلامي عموماً والشعب العراقي بالخصوص ـ على حدِّ تعبير قائد الثورة الاسلامية السيد علي الخامنئي ـ بشهادة العلامة المجاهد آية الله السيد محمد باقر الحكيم (رحمه الله) رجل الاعتدال والاستقامة إلاّ انَّ شهادته لم تكن مفاجئة خصوصاً بالنسبة له (قدس سره الشريف)، وكيف تكون كذلك، وقد صَرَّحَ في أكثر من موطنٍ وموقف انه قَدِمَ العراق ويحملُ في جنبيه مشروع الشهادة في سبيل الله، ولا زالتْ كلمته المخلصة قبل شهادته بأيام أمام مجموعة من مجاهدي فيلق بدر الظافر تعيشُ في وجداني إذ قال لهم: (اعزائي واخواني الآن بدأ العمل والجهاد فمَنْ كان منكم مستعداً للشهادة فليعملْ…).

السيد الشهيد كان رجلاً شجاعاً غيوراً صبوراً تجمعتْ فيه جملة من الخصال والخلال ورثها عن آباءه واجداده جعلتْ منه قائداً محنكاً وسياسياً بارعاً يحب الجميع ويتعامل مع الجميع ويتحاور مع الجميع من دون ان يؤثر ذلك على ثوابته، بل يحّول الحوار والاجتماع إلى فرصة لخدمة الدين ومذهب أهل البيت (عليهم السلام) سواء كان ذلك في اجتماعاته الفكرية أو الاجتماعية أو السياسية وسواء كان المجتمعون مسلمون أو مسيحيون مفكرون أو سياسيون، وهذا ما نقله لي أحد المقربين منه (قدس سره) ولستُ بصدد الحديث عن سيرته الذاتية لإني لستُ مؤهلاً لذلك مضافاً إلى ان الحديث عن السيرة الذاتية للشهيد السعيد تفتقر إلى مزيد من الدقة والمتابعة لجميع مفردات حياته لكي لا نبخس حق الرجل بعد ان بُخِسَ حقه حياً.

ولكن اذكر كلمةً للسيد القائد الخامنئي (دام ظله) تُلَخّص كل ما قيل ويقال في حق الشهيد، إذ قال مخاطباً قادة الفرق والمحاور من فيلق بدر الظافر ـ وذلك بعد سقوط الطاغية ودخول السيد الشهيد إلى العراق ـ (إنَّ فيلق بدر نعمة للشعب العراقي كما إنَّ السيد محمد باقر الحكيم نعمة للشعب العراقي فهو مرجعكم السياسي فاتبعوه والتفتوا إلى توجيهاته…) وهذه الكلمة تعبّر عن معرفة السيد الخامنئي بهذه الشخصية العظيمة التي بَذَلَتْ جهوداً جبّارة من أجل خلاص العراق وشعبه الأبي من براثن الطغمة الفاسدة.

وإن كان لابد من ذكر شيء عن سيدنا الشهيد فأقول إنَّ هناك عدة من اللوحات الجميلة والمواقف النبيلة تزدحم في خاطري وأُحار أيّاً منها أُقدّمْ، ولكن سأذكر واحدةً منها والتي أراها مهمة جداً في واقعنا المعاصر، ودرساً مفيداً للجميع وخصوصاً طلبة العلوم الدينية الذين وضعوا أنفسهم موضع مَنْ يريد إن يهدي الناس.

ولكي يتضح مقصودي لابد من ذكر مقدمةً وهي: ان السيد الشهيد عُرِفَ منذ سن مبكرة بنبوغه العلمي وقدرته الذهنية والفكرية العالية، كما عُرِفَ بقوة الدليل وعمق الاستدلال ودقة البحث والنظر وقدرته على التفريع وافتراض الاشكالات والإجابة عليها، مضافاً إلى خبرته السياسية وقدرته الفائقة على تشخيص الموضوعات الخارجية ومعرفة خصوصياتها بل هو من الأكابر في هذا المجال، ولولا تصديه للقضية العراقية والتي اعتبرها أُولى أولوياته وبذل من أجلها الأخوة والأعزاء لنالَ مراتب عالية في العلم ولكن مع ذلك لم يخرجه تصديه عن كونه من أهل الخبرة في علوم الفقه وأصوله وعلوم القرآن وليس هذا بدعاً من القول بل يشهد لما ذكرناه أهل العلم والفقاهة منهم المرجع الكبير آية الله العظمى الشيخ مرتضى آل ياسين الذي نال منه شهادة الاجتهاد في أوائل شبابه.

وحظي السيد الشهيد محمد باقر الحكيم (رحمه الله) باحترام كبار العلماء والأوساط العلمية قديماً وحديثاً فها هو المرجع الكبير آية الله العظمى السيد السيستاني يصفه بـ(أحد الأكابر) وذلك عند لقاءه الخاص بمجموعة من طلبة مدرسة الإمام الكاظم (عليه السلام) الذي يشرف عليها استاذنا الفاضل حجة الإسلام والمسلمين السيد حسين نجل الشهيد العلامة السيد علاء الدين الحكيم (رحمه الله)، إذ بعد الفات الطلبة لدورهم الفاعل في المجتمع اعتذر لهم عن مواصلة اللقاء قائلاً: (عندنا لقاء مهم مع احد الاكابر) وعند خروج الطلبة رأوا قدوم السيد الشهيد محمد باقر الحكيم لزيارة سماحة السيد السيستاني (دام ظله) .

ولولا خوف الإطالة لذكرت للقراء الكرام عشرات الشواهد على تجليل الفقهاء لهذه الشخصية الفذّة، ولعل النعي العالمي والدولي والأقليمي وعلى مستوى مؤسسات ومنظمات واحزاب كافٍ في معرفة هذه الشخصية.

ومع كل هذه المكانة المرموقة  التي تمتع بها الشهيد الحكيم ـ وهذه هي النقطة التي احببت التأكيد عليها ـ تراه متواضعاً غاية التواضع للمراجع وعامة الناس بل هو المحامي والمدافع والفدائي الأول للمرجعية التي تعرّضَتْ وتتعرض لهجمات شرسة من الأعداء والأصدقاء، وقد جَسّدَ ذلك بالقول والفعل ففي خطبته في النجف الأشرف عند الضريح العلوي، ويعد سماعه هتاف الجمهور الذي انتظره ساعات بحياته وتعبيرهم عن ولائهم وحبهم له لم تأخذه النشوة بل ابتلت لحيته بالدموع واتجه بوجهه نحو المرقد الشريف يرجو رضا الإمام (عليه السلام) عنه ثم اردف يخاطبهم في موضع آخر: (أقبل اياديكم أقبل ايادي المراجع) كل ذلك من أجل ربط الناس بالمرجعية الدينية واعادة هذه الرابطة المقدسة والتي اصابها شيء من الضمور لاسباب تدمي القلب ولا تخفى على العاقل اللبيب.

وأما عملاً فقد تكررت زياراته للمراجع العظام للتشاور معهم في مختلف الشؤون التي تتعلق بحركته ونشاطه إيماناً منه بضرورة ذلك، في الوقت الذي تجد بعض المجاهيل يتهالك على الألقاب ويقف حجر عثرة أمام المرجعية، بل يحاول ان يستهين بعلماء الاسلام ويبين لهم تكاليفهم، مضافاً إلى كثرة المدّعين للاجتهاد مستغلين بذلك بسطاء الناس وجُهّالهم.

فطوبى لشهيد المرجعية وسلامٌ عليه يوم وُلِدَ ويوم استشهد ويوم يبعث حياً.