|
|
| عبد الله علي حسين
المبحث الثالث: منهج الشهيد الحكيم (قدس سره) في تفسير القرآن الكريم قبل التعرض لتحديد المنهج التفسيري وملامحه عن السيد الشهيد الحكيم (قدس سره)، نتطرق إلى المفردات التالية: الأسس العامة للتجربة التفسيرية: يحدد سماحته (الاسس العامة للتجربة التفسيرية) والتي ــ كما يرى ــ يمكن أن تشكل بدورها أساساً لمنهج التفسير المقترح (وخصوصاً في الحوزات العلمية) إكمالاً للفائدة وبياناً للمنهج الذي يحسن اعتماده. وأهم تلك الأسس نذكرها باختصار هي: 1 ـ توضيح المفردات اللغوية والمفاهيم القرآنية وذلك بالرجوع إلى أصولها اللغوية والتفتيش عن العلاقة بين هذه الأصول وموارد استعمال مادة هذه المفردات... مما يكون نظرة صحيحة عن معاني هذه المفردات القرآنية... 2 ـ عدم الاستغراق في الأمور الفرعية للتفسير ذات العلاقة بالقضايا الأدبية أو النحوية أو اللغوية أو الصرفية أو الفقهية أو العقائدية أو التاريخية، إلاّ بالقدر الذي يربط بتكوين الصورة القرآنية، وتحويل مثل هذه الأبحاث إلى الابحاث المختصة بها. 3 ـ الاهتمام بجانب (تفسير المعنى) إلى جانب (تفسير اللفظ)، وفي هذا الجانب نحتاج إلى التفييش عن أوسع الافاق للمصادق القرآنية وأدقها. 4 ـ الاهتمام بالسياق القرآني، وترابط الآيات بعضها ببعضها الآخر، وكذلك الارتباط بين بعض الفصول والمقاطع في السورة الواحدة، وذلك من أجل استكشاف الأهداف القرآنية والمقاصد الربانية، لنزول الآيات في عملية التغيير الاجماعي. 5 ـ محاولة تصور الظروف التي أحاطت بنزول القرآن الكريم وستنباطها من القرآن الكريم نفسه، أو من المسلمات التاريخية أو النصوص والروايات الصحيحة. 6 ـ الحديث عن المعنى الإجمالي للآية والمقطع القرآني والهدف له، فإن ذلك ينفع في تكوين الصورة الكاملة والنظرية القرآنية والخروج من النظرية التجزيئية المتناثرة، كما ينفع في فهم الآيات والمقاطع الأخرى. 7 ـ الاهتمام في بيان الأبعاد الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والتربوية والسنن الاجتماعية التي تتحكم في مسيرة التأريخ الإنساني، والتي تؤثر في بناء المجتمع البشري، لأن الهدف الأساس للقرآن يرتبط بهذا الموضوع. 8 ـ النظر إلى القرآن الكريم كوحدة بيانية متكاملة. 9 ـ إرجاع المأثور من الحديث إلى القرآن الكريم، وفهمه وقبوله على ضوء القرآن الكريم، لا إرجاع القرآن إلى المأثور. 10 ـ تناول بعض الموضوعات القرآنية بالبحث، واستنباط النظرية القرآنية فيها وفي حدود الآيات والنصوص المعتبرة التي توضح الرؤية فيها، وذلك في حدود المقاصد والأهداف القرآنية. وعلى وفق هذه الأسس للتجربة التفسيرية ويعتمد السيد الحكيم (قدس سره) منهجه في تفسير الفرآن ورؤيته التفسيرية كما هو واضح في مؤلفاته القرآنية، وفي تحديده للمنهج التفسيري للقرآن الكريم كما سيتضح إن شاء الله تعالى. رؤيته (قدس سره) للمناهج التفسيرية: رغم تعدد واختلاف أساليب ومناهج التفسير وبالتالي تعدد مدارسه المتبناة من قبل المفسرين على مختلف العصور إلاّ أن أهم المناهج التفسيرية وأبرزها منهجا التفسير (الترتيبي) التجزيئي، والتفسير الموضوعي.. ولكلا المنهجين اتجاهه ومر جحاته عند من يتبناه من المفسرين. وباختصار فالتفسير التجزيئي يعني"المنهج يتناوله المفسر ضمن إطاره القرآن الكريم آية فآية وفقاً لتسلسل تدوين الآيات في المصحف الشريف... فالهدف في كل خطوة من هذا التفسير فهم مدلول الآية التي يواجهها المفسر بكل الوسائل الممكنة، أي إن الهدف هدف تجزيئي، لأنه يقف دائماً عند حدود فهم هذا الجزء أو ذلك من النص القرآني ولا يتجاوز ذلك غالباً. وأما منهج التفسير الموضوعي فالمراد منه المنهج"الذي لا يتناول تفسير القرآن آية فآية بالطريقة التي يمارسها التفسير التجزيئي بل يحاول القيام بالدراسة القرآنية لموضوع من موضوعات الحياة العقائدية أو الاجتماعية أو الكونية، ويستهدف تحديد موقف نظري للقرآن الكريم وبالتالي للرسالة الإسلامية من ذلك الموضوع من موضوعات الحياة أو الكون". وفي هذه الدراسة لسنا في معرض التفصيل في ملامح وخصائص كل منهج بقدر ما نريد توضيح رؤية الشهيد الحكيم (قدس سره) تجاه كل منهج ومعرفة المنهج الذي يتبناه (قدس سره) في تفسير القرآن الكريم. رأي الشهيد الصدر(قدس سره) في مناهج التفسير: السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سره) لم يصنف كتاباً خاصاً في تفسير القرآن الكريم إلاّ أنه له وقفات ونظرات متعددة وخاصة في مناهج التفسير، وفي كثير من موضوعات علوم القرآن، فضلاً عن رؤيته في أهمية علوم معرفة علوم القرآن في فهم النص القرآني وموقف ذلك النص من قضايا الحياة والكون. وأما منهجه في التفسير فهو لم يرفض مناهج التفسير ولكنه لاحظ عليها عدة ملاحظات كحالة التناثر والتراكم العددي بعيداً عن كشف أوجه الارتباط والعضوية وبعيداً عن تحديد الموقف القرآني لكل مجال من مجالات الحياة، فانطلق في منهج موضوعي يبدأه من واقع الحياة من خلال طرح موضوع من الموضوعات بين يدي القرآن الكريم واستكشاف موقف النص القرآني تجاه ذلك الموضوع المطروح... فاتبع منهج التفسير الموضوعي، ورجحه على غيره من المناهج. رؤية الشهيد الصدر(قدس سره) للمنهج الموضوعي في التفسير: ذكر السيد الشهيد (قدس سره) في أبحاثه القرآنية ثلاثة مرجحات للمنهج الموضوعي على منهج التفسير التجزيئي، وهي: 1 ـ إن التفسير الموضوعي يمثل حالة من التفاعل مع الواقع الخارجي إذ ان المفسر يبدأ من واقع الحياة، يركز نظره على موضوع من موضوعات الحياة العقائدية أو الاجتماعية أو الكونية، ويستوعب ما أثارته تجارب الفكر الانساني حول ذلك الموضوع من مشاكل، وما قدمه من حلول ، ... ثم يأخذ النص القرآني ليطرح بين يدي النص موضوعاً جاهزاً مشرباً بعدد كبير من الأفكار والمواقف البشرية.. وهو يستهدف من ذلك ان يكتشف موقف القرآن الكريم من الموضوع المطروح. وهذه الخصيصة غير موجودة في منهج التفسير التجزيئي. 2 ـ إن التفسير الموضوعي لا يكتفي بإبراز المدلولات التفصيلية للآيات القرآنية كما هو الحال في التفسير التجزيئي، بل يحاول ان يستحصل اوجه الارتباط بين هذه المدلولات التفصيلية ويحاول ان يصل إلى مركب نظري قرآني. 3 ـ حالة التناثر ونزعة الاتجاه التجزيئي في النظر التفسيري ادى إلى ظهور التناقضات المذهبية العديدة في الحياة الإسلامية، إذ كان يكفي ان يجد هذا المفسر أو ذاك آية تبرر مذهبه لكي يعلن عنه يجمع حوله الأنصار والأشياع، كما وقع في كثير من المسائل الكلامية كمسألة الجبر والتفويض والاختيار مثلاً، بينما كان بالإمكان تفادي كثير من هذه التناقضات لو أن المفسر التجزيئي خطا خطوة اخرى ولم يقتصر على هذا التجمع العددي كما ترى ذلك في الاتجاه الموضوعي. فهذه هي المرجحات الثلاث للتفسير الموضوعي على التفسير التجزيئي، كما يراها السيد الشهيد الصدر (قدس سره). مرجحات اخرى: 4 ـ التفسير الموضوعي يمثل الحالة العميقة في البحوث التفسيرية، بذلك فهو يمثل الخطوة التكاملية لمسيرة التفسير من هذه الناحية أيضاً. بينما يمثل التفسير التجزيئي حالة من السطحية النسبية في التفسير قياساً إلى العمق الموجود في المنهج الآخر، وهذه الحالة هي حالة التفسير اللغوي واللفظي. يضاف إلى ذلك ان شيوع المنهج التجزيئي في التفسير يعود أيضاً إلى "النزعة الروائية والحديثية للتفسير، حيث ان التفسير لم يكن في الحقيقة وفي البداية إلاّ شعبة من الحديث بصورة وأخرى، وكان الحديث هو الأساس الوحيد تقريباً مضافاً إلى بعض المعلومات اللغوية والأدبية والتاريخية التي يعتمد عليها التفسير طيلة فترة طويلة من الزمن". أي انه (قدس سره) يعزو سبب التفسير التجزيئي وشيوعه ثم ظهور المنهج الموضوعي في أحضانه إلى التفسير بالمأثور.
ملاحظات السيد الشهيد الحكيم (قدس سره) حول مرجحات : المنهج الموضوعي على المنهج التجزيئيللشيهد الحكيم (قدس سره) ملاحظات حول مرجحات أستاذه الشهيد الصدر(قدس سره) للتفسير الموضوعي على التفسير التجزيئي، وهذه الملاحظات هي: 1 ـ فيما يخص المرجح الأول: فالشهيد الحكيم (قدس سره) لا يرى أن ملاحظة الواقع الموضوعي القائم إثاراته ومحاولة الحصول على معالجة له من الواقع من خلال القرآن مرجحاً وميزة للمنهج الموضوعي على المنهج التجزيئي في التفسير، "وذلك لأن هذا المرجح قائم وموجود في منهج التفسير التجزيئي أيضاً، وبمراجعة كتب التفسير لمختلف العصور نجد أن هذه المعالجة للواقع الموضوعي الخارجي في التفسير قائمة وموجودة، وغاية ما في الأمر أن هذه المعالجة قد تختلف باختلاف المفسر الإثارات التي يثيرها الواقع الموضوعي وقدره المفسر على معالجة الموضوعات والقضايا المختلفة". ويمثل (قدس سره) لذلك بالصراع والاختلاف في تفسير العقيدة الإسلامية بين الاشاعرة والمعتزلة، وكذلك بمحاولات العلماء استكشاف القوانين التي تحكم علوم النحو والبلاغة في بداية تقنينها وغير تلك الأمثلة وحتى في العصر الحالي وفي جميعها كان المنهج الذي يثبتونه هو (المنهج التجزيئي). فهو يرى إذن أن ملاحظة الواقع الموضوعي أمر مشترك وميزة مشتركة بين المنهجين التجزيئي والموضوعي، وأن لفظة (الموضوع) لا ينبغي أن تحدد ارتباط هذا المنهج دون ذاك مع الواقع الخارجي بل ان محاولات المفسرين للإجابة عن تساؤلات وإثارات الواقع الخارجي من خلال القرآن الكريم هي التي تحدد موضوعية المنهج التفسيري. 2 ـ فيما يخص المرجح الثاني: يرى الشهيد الحكيم (قدس سره) أنه مرجح ايجابي وصحيح لصالح المنهج الموضوعي، إذ ان ابراز المدلولات التفصيلية للآيات القرآنية، والوصول إلى الموقف القرآني والنظرية القرآنية في مختلف القضايا من خلال ذلك يعد ميزة للمنهج يفتقر إليها المنهج التجزيئي، بسبب صفة التجزئة في تناوله للنص القرآني دون استخلاص النظريات القرآنية المستفادة من لك الأجزاء بصورة تكاملية مرتبطة. إلاّ "وإن كان بالامكان استخلاص بعض النظريات القرآنية من خلال آية واحدة أو مقطع قرآني، إلاّ أن هذا لا يعني أن المنهج المتبع هنا هو منهج تجزيئي بل هو منهج موضوعي، وذلك لأن المنهج الموضوعي هو منهج استخلاص النظرية الكلية ذات الحالة الشمولية والتي تمثل القاعدة الاساسية. 3 ـ فيما يخص المرجح الثالث: فهو يرى أنه يمكن اعتبار هذا المرجح مرجحاً للمنهج الموضوعي على التجزيئي، لأن ظاهرة التناقضات والاختلافات المذهبية في الحياة الإسلامية، لا يمكن اعتبارها نتيجة للتفسير التجزيئي فقط بل وللتفسير الموضوعي كذلك" إذ إن هناك الكثير من الباحثين والمفسرين في العصور المتأخرة اعتمدوا المنهج الموضوعي ومع ذلك توصلوا إلى نتائج مختلفة ومتناقضة". فإن تلك التناقضات والاختلافات العقائدية ــ كما يرى الشهيد الحكيم (قدس سره) راجعة إلى سببين لا علاقة لهما بمنهجية التفسير، وهما: الأول: فرض المتبنيات الذاتية للإنسان والتي يتبناها من خارج القرآن الكريم على القرآن الكريم ومعناه ومفهومه. الثاني: أن المفسر لا يبذل جهداً مناسباً أثناء القيام بعملية التفسير أو لا تكون لديه القدرة المناسبة على استيعاب المضمون القرآني في التفسير. وكلا هذين المسببين ليس مما يختص به المنهج التجزيئي دون المنهج الموضوعي. 4 ـ وأما ما يخص المرجح الرابع: وهو أن سبب شيوع المنهج التجزيئي هو التفسير بالمأثور واعتماد التفسير لفترة طويلة على الروايات والأخبار التأريخية فإن السيد الحكيم (قدس سره) يرى ــ على أقل تقدير ــ عدم وضوح هذا التفسير لهذه الظاهرة، ويرجح سبب شيوع الاتجاه التجزيئي في التفسير وسبقه للاتجاه الموضوعي إلى أمرين: أحدهما ـ القدسية التي أحاطت النص القرآني الكريم: بسبب وضع القرآن الكريم ضمن ترتيب ونص معين، يبدأ بفاتحة الكتاب ويختتم بسورة (الناس)، وبقاء المسلمين حتى يومنا الحاضر على هذه الصيغة وهذا الشكل التركيبي للقرآن الكريم، والتقيد. والآخر ــ انتفاء الحاجة للبحث الموضوعي: وتزايد الحاجة له في العصر الحاضر أكثر من غيره، لأن المسلمين كانوا قد عاشوا النظريات الإسلامية سابقاً على مستوى التطبيق المباشر فلم يشعرون بأهمية البحث الموضوعي، خصوصاً في القضايا الاجتماعية، وكذلك على مستوى العقائد والفقه. وأما العمق في المنهج الموضوعي للتفسير والسطحية في التجزيئي فهو أمر غير واضح من وجهة نظر الشهيد الحكيم (قدس سره) "إذ لا يمكن أن يكون كلا التفسيرين عميقين، ولا داعي لافتراض اقتصار التفسير التجزيئي على المعنى اللغوي السطحي واستخلاص المفهوم للآية القرآنية أو المقطع القرآني وحد، وإنما يمكن التعميق والتعريف على كل مداليل تلك الآية حتى المرتبط منها بالمصاديق والتجسيدات الخارجية ولذا لا يمكن أن تكون هذه الملاحظة ـ حسب رأينا ــ ميزة للتفسير الموضوعي على التفسير التجزيئي.
|