الشيخ فلاح العابدي

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد واله الهداة الميامين

ما أثير من إشكالات حول وجود الإمام المهدي (عليه السلام) (الحلقة الثالثة)

لازال الكلام متواصلا عن ما طرحناه في البحث السابق من التعرض لاهم ما أثير من إشكالات حول وجود الإمام المهدي (عليه السلام) بعد الإيمان بأصل فكرة ظهوره في آخر الزمان ليملأ الأرض عدلا وقسطا بعدما تملأ ظلما وجورا , ووصل بنا الكلام إلى الإشكال الثالث ,وهو : إذا كان الإمام المهدي(عليه السلام) عبارة عن إنسان حيّ عاصرَ الأجيال المتعاقبة منذ أكثر من أحدَ عشرَ قرناً, ، فإنّه ولد عام 255هـ فيكون عمره إلى الأعصار الحاضرة أكثر من ألف مائة و خمسين عاماً, فهل يمكن في منطق العلم أن يعيش إنسان هذا العمر الطويل؟ وكيف تخطى قوانين الطبيعية التي تحتمّ مرور الإنسان بمرحلة الشيخوخة ؟! ومن الجائز أن نطرح الشبهة بصورة سؤالٍ كأن يقال : هل بالاِمكان أن يعيش الانسانُ قروناً طويلة ؟!(1)

 

والجواب عنها يكون بوجوه:

 

الأول: فقد دلّ الذكر الحكيم على أن نبي الله نوح (عليه السلام) عاش قرونا متطاولة ، قال تعالى: (وَلَقَدْ أرْسَلْنَا نوُحاً إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلاَّ خَمْسِينَ عَاماً) (2) ، وأن عيسى (عليه السلام) لم يمت وإنما رفعه الله تعالى إليه كما في قوله تعالى : ( وَقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنَا المسيحَ عيسى ابنَ مريمَ رسولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وما صَلَبُوه وَلَكِنْ شُبِّه لَهُمْ وإِنّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فيهِ لَفي شَكٍّ مِنْهُ مَالَهُم بِهِ من عِلْمٍ إلاّ اتباع الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً، بَل رَفَعَهُ اللهُ إليهِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكيماً )(3) وأيضاً فقد جاء في الروايات المتفق عليها بين المسلمين أنّه سينزل إلى الأرض، وكذلك جاء فيهما أن الدجال موجود حي , وكذلك ماورد حول الخضر(عليه السلام).

و قد تضمنت التوراة أسماء جماعة كثيرة من المعمرين، وذكرت أحوالهم في سفرالتكوين(4).

و قد قام المسلمون بتأليف كتب حول المعمرين، ككتاب المعمرين لأبي حاتم السجستاني, وغيره .

وهذا يدل على أن طول العمر اكثر من المتعارف أمر ممكن والدليل وقوع ذلك كما مر , وكما يقول أهل الميزان ( الوقوع أدل دليل على الإمكان) , فلا دليل على امتناع ذلك ابدا.

فعندما تتحدث الروايات الصحيحة والكثيرة ويشهد الشهود ، وتتوالى الاعترافات بوجود (المهدي) من عترة رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) ، من ولد فاطمة، نجل الحسن العسكري الذي ولد سنة ( 255 هـ ) ، فما المانع وما هو وجه الاستغراب والإنكار إلا العناد والاستكبار .

 

الثاني: انه ثبت في علم الحياة، من إمكان طول عمر الإنسان إذا كان مراعياً لقواعد حفظ الصحة، وأنّ موت الإنسان في فترة متدنية، ليس لقصور الاقتضاء، بل لعوارض تمنع عن استمرار الحياة، ولو أمكن تحصين الإنسان منها بالأدوية والمعالجات الخاصة لطال عمره ما شاء.

فمثلا يقول الاستاذ (ريمند بول) أحد أساتذة جامعة جونس هبكنس بأمريكا :

(إنه يظهر من بعض التجارب العلمية أنَّ أجزاء جسم الانسان يمكن أن تحيا الى أيّ وقتٍ أُريد ، وعليه فمن المحتمل أن تطول حياة الانسان الى مائة سنة ، وقد لايوجد مانع يمنع من إطالتها الى ألف سنة)(5) .

بالجملة، اتّفقت كلمة الأطباء على أنّ رعاية أُصول حفظ الصحة، توجب طول العمر، فكلما كثرت العناية برعاية تلك الأُصول، طال العمر،لأجل ذلك، نرى أنّ الوفيات في هذا الزمان، في بعض الممالك، أقلّ من السابق، والمعمّرين فيها أكثر من ذي قبل، وما هو إلا لرعاية أُصول الصحة، و من هنا أسّست شركات تضمن حياة الإنسان إلى أمد معلوم تحت مقررات خاصة و حدود معينة، جارية على قوانين حفظ الصحة، فلو فرض في حياة شخص اجتماع موجبات الصحة من كل وجه، طال عمره إلى ما شاء الله.

 

الثالث: فإنّ السؤال عن إمكان طول العمر، يعرب عن عدم التعرّف على سعة قدرة الله سبحانه وتعالى : (وَ مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِه)(6) فإنّه إذا كانت حياته وغيبته وسائر شؤونه، برعاية الله سبحانه ،لان الله سبحانه شاء أن يكون هذا الشخص هو خاتم الأوصياء الذي يحيي دين الله بعد إندراسه , فأي مشكلة في أن يمدّ الله سبحانه وتعالى في عمره ما شاء، ويدفع عنه عوادي المرض ويرزقه عيش الهناء. و بعبارة أُخرى، إنّ الحياة الطويلة، إمّا ممكنة في حدّ ذاتها أو ممتنعة، والثاني لم يقل به أحد، فتعين الأول، فلا مانع من أن يقوم سبحانه بمدّ عمر و ليّه، لتحقيق غرض من أغراض التشريع .

وبعبارة أوضح انه حتى لو قلنا بعدم وقوع طول العمر في الخارج, الا انه لم يقل احد بأنه ممتنع ,وعليه فيمكن ان يقع بطريق خرق العادة وماهو مألوف عند الناس ,و الذي كنا نسميه بالمعجزة , اذ كما ثبت بلا كلام فيه عند الجميع ان الله تعالى يجعل المعجزات مع الانبياء(عليهم السلام) لاداء اغراض الشريعة , فأمر الامام المهدي (عليه السلام) كذلك فما المانع من ان يطيل عمره الشريف .

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

 

(1) هذه الإشكالية مطروحة في كتب العقائد منذ القدم، وقد ذكرها وتصدى للإجابة عنها علمائنا بوجوهٍ عديدة، ونحن نتعرّض لبعضها فقط .

(2) سورة العنكبوت: الآية 14.

(3) سورة النساء : الاية 157 ـ 158.

(4) التوراة، سفر التكوين، الإصحاح الخامس، الجملة 5، وذكر هناك أعمار آدم، وشيث ونوح، وغيرهم.

(5) مجلة المقتطف المصرية ، الجزء الثاني من المجلد 59، الصادرة في آب (اغسطس) 1921 م ، الموافق 26 ذي القعدة سنة 1339 هـ ص206 تحت عنوان ( خلود الانسان على الارض ) .

(6) سورة الأنعام: الآية91 .