براهين إثبات المعاد (القسم الثاني)
 

الشيخ فلاح العابدي

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد واله الطاهرين


تكلمنا في البحوث السابقة عن دليلين من أدلة إثبات المعاد وهي دليل العدل ودليل الحكمة والتي تعتبر أهم الأدلة في هذا المقام ، وتتميما للبحث نذكر بعض الأدلة الأخرى التي تذكر عادة في هذا المجال معتمدين في ذلك على ما ذكره الشيخ جعفر السبحاني في ك
تابه الإلهيات مع بعض التصرف حسبما تقتضيه الضرورة.
 

أولا: في المعاد يتحقّق وعد الله سبحانه ووعيده:

وهذا الدليل مركب من مقدمة شرعية، وحكم عقلي، وذلك أنّه سبحانه قد وعد المطيعين بالثواب، والعاصين بالعقاب، وهذه المقدمة أخبر عنها الشرع.
و العقل يحكم بحسن أنّ إنجاز الوعد ، وقبح التخلّف عنه، نعم تقدم في سابقا أنّ العباد لا يستحقون الثواب بطاعتهم، وإنّما هو جود وتفضّل، لكن على كل حال فان الله تعالى وعد بالثواب للمطيعين والعقاب للعاصين ، و معه، فالوفاء به لازم.
و الآيات الواردة في هذا المجال على قسمين :

قسم يذكر فيه وعده بالقيامة ووعده بالثواب ووعيده بالعقاب ومنه قوله تعالى:

 (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاَقُوا يَوْمَهُمُ الذِي يُوعَدُون)(1)،

وقوله: (وأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيد * هَذَا مَا تُوعَدُونَ)(2)،

وقوله: )َ وإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ)(3)،

وقوله :(ومَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ)(4).
 

وقسم يذكر أنّه ينجز وعده ولا يخلف الميعاد،ومنه قوله تعالى:

( َبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْم لاَ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَاد)(5)،

وقوله(ولاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ)(6).
وعلى هذا الأساس يستدلّ المحقق الطوسي على ضرورة المعاد، بقوله: (و وجوب إيفاء الوعد، يقتضي وجوب البعث)(7).
 

ثانيا: المعاد مظهر لرحمته سبحانه:

و من لطائف الكلام في الذكر الحكيم أنّه عدّ المعاد فرعاً لرحمته، وجعله مجلىً لها، قال سبحانه:

(قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ للهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ)(8)
فترى أنّه سبحانه يرتّب جمع الناس إلى يوم القيامة، على قوله: (كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ )، وذلك لأنّ هذا اليوم يوم الرحمة للمؤمن والكافر، غير أنّ الكافر، قد خسر نفسه باقتراف المعاصي وترك الفرائض في الدنيا، فلا يتوفق لنيل رحمته تعالى، ولعلّه سبحانه إلى ذلك يشير في الآية بقوله: (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ)، و يعود معنى الآية إلى أنّ يوم القيامة أشبه بمائدة ممدودة، فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين، ولكن الانتفاع منها رهن قيود وشروط هي في وسع كل واحد من المكلّفين. فلو حرم الكافر من الرحمة، فهو بفعل نفسه وما جنته يداه لا من جانبه سبحانه، وهذا كابتلاء العباد وامتحانهم، فإنّه رحمة، لأنّ الهدف منه خروج الطاقات من القوة إلى الفعل، والكمالات من الخفاء إلى البروز، ولكن الكافر لا يخرج منه إلاّ راسباً غير مستفيد من أهداف الابتلاء، بل يخسر نفسه بفتور عزمه في مجال الطاعة.
 

ثالثا : المعاد خاتمة المطاف في تكامل الإنسان:

إنّ الحركة تتقوم بأُمور ستة، منها الغاية، كما حقق في محلّه. اعتبار الغاية في حقيقة الحركة ينشأ من تصوّر مفهومها، فإنّ الحركة جهد وسعي، يتطلب صاحبها غاية يفقدها، من غير بين أن تكون الغاية عقلائية، كحركة الطالب لتحصيل العلم، أو غير عقلائية، كاللعب بالسّبحة لترويح النفس.
و نرى أنّ الإنسان منذ تكونه نطفة فعلقة فمضغة، إلى أن يفتح عينه على الوجود، في حال حركة دائمة وسعي متواصل ليس له ثبات ولا قرار، وهو يطلب بحركته وسعيه شيئاً يفقده، فعلى ذلك لا بدّ من وجود يوم يزول فيه وصف اللاقرار، ويدخل منزلاً فيه القرار والثبات، يكون غاية المطاف.
و الحركة وإن كانت تتوقف بالموت ولا يرى بعدها في الإنسان سعي، لكنّ تفسير الموت ببطلان الإنسان وشخصيته الساعية، إبطال للغاية التي كان يتوخاها من حركته، فلابدّ أن يكون الموت وروداً إلى منزل آخر، يصل فيه إلى الغاية المتوخاة من سعيه وجهاده، وذلك المنزل هو النشأة الأخروية.
و لا يصح أن يقال إنّ الغاية من الحركة والسعي والكدح، هو نيل اللذائذ المادية والظاهرية، لوضوح أنّ الإنسان مهما نال منها، لا يخمد عطشه، بل يستمر في سعيه وطلبه، وهذا يدلّ على أنّ له ضالة أُخرى يتوجّه نحوها، وإن لم يعرف حقيقتها، فهو يطلب الكمال اللائق بحاله، ويتصور أنّ ملاذّ الحياة غايته، ومنتهى سعيه، ولكنه سوف يرجع عن كل غاية يصل إليها ويعطف توجهه إلى شي آخر.
 

وفي الآيات الكريمات إشارات إلى هذا البرهان، يفهمها الراسخون في الذكر الحكيم.
 

يقول سبحانه: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ)(9)
و أنت إذا لاحظت هذه الآيات وما تقدمها ممّا يتكفل ببيان خلقة الإنسان،ترى لها إنسجاماً وترابطاً خاصّاً، فالله سبحانه يصف الإنسان بأنّه كان نطفة فعلقة فمضمغة، إلى أن أنشأه خلقاً آخر، ثم يوافيه الموت، ثم يبعث يوم القيامة، فكأنّ الآية تبيّن تطور الإنسان تدريجاً من النقص إلى الكمال، ومن القوة إلى الفعل، وأنّه منذ تكوّن يسير في مدارج الكمال، إلى نهاية المطاف وهو البعث يوم القيامة، فهذا غاية الغايات، ومنتهى الكمال.
 

رابعا : المعاد مقتضى الربوبية:

إنّ الربّ في اللغة بمعنى الصاحب، يقال: ربّ الدّار، وربّ الضّيعة، فالربوبية تحكي عن مالكية الرّبّ، ومملوكية المربوب، و العلاقة المسمات بالربوبية، تقتضي كون المربوب ذا مسؤولية أمام ربّه، وأنّ الربّ لا يتركه سدى، بل يحاسبه على أعماله ويجازيه بما أتى تجاهه، وبما أنّ هذه المحاسبة لا تتحقق في النشأة الدنيوية، فيجب أن يكون هناك نشأة أُخرى تتحقق فيها لوازم الربوبية، فلا معنى لربّ بلا مربوب، كما لا معنى لمربوب يترك سدى، ولا يحاسب على أعماله وأفعاله.
و لعله لهذا الوجه، يركّز القرآن على كلمة الرّبّ في قوله: (يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيه)(10) و في قوله :(وإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْق جَدِيد أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم)(11) و هذه الآية الثانية، أصرح في المطلوب، وهو أنّ كفرانهم بربّهم جعلهم منكرين للمعاد، فلو عرفوا حقيقة الربوبية، وعرفوا ربّهم، لأذعنوا بأنّ مقتضى الربوبية، لزوم وجود يوم تطرح فيه أعمال العباد على طاولة الحساب.
والحمد لله رب العالمين


ــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 - سورة الزخرف: الآية 83.
2 - سورة ق: الآيتان 31 ـ 32.
3 - سورة الحجر: الآية 43.
4 - سورة هود: الآية 17.
5 - سورة آل عمران: الآية 9.
6 - سورة آل عمران: الآية 194.
7 - كشف المراد، المقصد السادس، المسألة الرابعة، ص 406.
8- سورة الأنعام،: الآية 12.
9- سورة المؤمنون: الآيات 14 ـ 16.
10- سورة الانشقاق: الآية 6.
11- سورة الرعد: الآية 5.