spacer
 

 

 

spacer
spacer  
 

اخبار مجلة الفرات
 
 

فهم معاصر لتاريخ خاتم المرسلين (1) طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ د. الشيخ عبد المجيد فرج الله ـ العدد (124) ـ ربيع الأول 1433   
د عبد المجيد فرج اللهالحمد لله رب الحمد والمجد ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل محمد.  يُجمع المسلمون على أن الإيمان بنبوة رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أصل أصيل في منظومة العقيدة الإسلامية ، وأنّ إنكار نبوّته يعني خروجاً عن الإسلام. والمنصفون من غير المسلمين لا يجدون محيصاً عقلياً عن الاعتراف بكون هذا العظيم (محمد) هو استثناء خارق في حياة البشر ، وبالتالي فهو إما نبيّ ورسول من الله حقاً ، أو أنه أعظم عظماء بني الإنسان .

إنّ اعتقادك أيها المسلم بنبوّة النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يجب أن لا يكون مرتكزاً على إخبار محيطك الأُسريّ أو الدينيّ ، فقط .. بل لا بدّ أن يكون مرتكزاً على قناعاتك التامّة.. قناعاتك أنت .. فهذا الاعتقاد هو من أصول دينك ، وأصولُ الدين ليس فيها تقليد .. نعم يمكنك الاستعانة بأبيك أو بأستاذك أو بكتاب تقرؤه ، ثمّ تبدأ مرحلة النقاش الذي يُفضي إلى اليقين ، فتكون عقيدتك بالنبي عقيدة راسخة ، تزول الجبال ولا تزول ، لأنّها عقيدة منسجمة مع الفطرة السليمة والتحليل العلمي ، وقناعتك الشخصية ، قناعتك أنت بالتحديد ، وبهذا يكون الاحترام للرأي الحر .. وحرية الرأي هذه لا تعني القناعات الشخصية المبتورة بلا دليل ، بل تعني القناعات العلمية المتلاقحة مع آراء العلماء أصحاب الاختصاص ، بلا عناد ، أو أوهام ، أو إعراض عن ما يقود إليه الدليل الدامغ .

وحتى تعرف رسول الله حق معرفته ، لا بدّ أن تُلمّ بتاريخه وسيرته ، وهنا تتفاقم مشكلة كبرى ؛ إذ ليس كل من كتبَ سيرة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أحاط بالشروط التي يجب أن تتوفّر لدى باحث محلّل ، يستطيع التعبير الصحيح عن تلك الشخصية العظيمة ! لعدة عوامل ، من أبرزها أنّ هناك فاصلة زمنية بين عصر الرسول الكريم وعصر كاتب السيرة النبوية ، قد تمتد لمئاتٍ من السنين .. وكذا لتضارب الكتب فيما بينها ، واضطراب أفكار كتّابها ، لاختلاف المنطلقات العقيدية عند هذا المؤلّف وذاك المصنّف.

على أن من رحمة الله بنا أن جعلنا لا نعيش الحيرة في البحث عن شخصية رسوله المؤتمن وسيرة حبيبه المصطفى وتاريخه العظيم . فليست كل الكتب متضاربة الأخبار ومشوّشة الأفكار ، وقبل هذا ، وأهم من كل هذا ؛ أننا عندنا القرآن الكريم ، هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، هذا الكتاب المجيد الذي فيه تبيان كلّ شيء ، وقد أعطانا الخطوط العريضة لسيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، كما أنّه جعل بين أيدينا أُسساً ومقاييس نستطيع بها أن نصحّح كتب ومرويات المؤرخين والرواة .

فمثلاً قول الله تعالى لرسوله الأمين (وإنّك لعلى خلق عظيم) ، هذا القول المقدّس يعطينا أساساً ومقياساً نقيس به كلّ المرويات الحديثية ، والأخبار التاريخية الواصلة إلينا عن خاتم الأنبياء وسيّدهم . فإذا واجهتنا رواية في كتاب فيها شيء ينافي كون رسول الله على خلق عظيم فإنّنا نرفضها ؛ لأنّها رواية تخالف كتاب الله . وقد أتحفنا سيدنا الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) الذي هو من أبناء رسول الله وأُمنائه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، بقاعدة أعطانا إياها ، ومفادها أنّ كل حديث يوافق كتاب الله نأخذ به ، وكل حديث يخالف كتاب الله نضرب به عرض الجدار .

إذن المنطلق الأول هو الاسترشاد بالقرآن الكريم لمعرفة حياة النبي وتاريخ مسيرته المباركة . وحين نتمعّن في الدلالات التاريخية لبعض آيات القرآن الكريم ، نجدها غنية في تزويد الباحث بالمادة التاريخية الدقيقة والصحيحة .

وأكثر من ذلك ؛ فإنّ تلك الآيات لا تعطي المعلومة التاريخية فقط ، بل تعطيك الصورة بكلّ ملامحها وخطوطها وألوانها بأبعاد اجتماعية ونفسية وعقيدية ... إلخ ..

لكن القرآن الكريم ليس كتاب تاريخ ...

إذن , ستبقى ثغرات وحلقات مفقودة لا تستطيع أن تعرفها عن تاريخ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيرته وحياته .

نعم ، هناك كثير من تلك الحلقات المفقودة والثغرات التي تحتاج إلى أن تُسدّ ، فكيف يستطيع المؤرّخ والباحث في أحداث تاريخ النبي الأكرم أن يخرج بمادة تاريخية صحيحة وشاملة لحياة خاتم الأنبياء وسيد المرسلين ؟

ولا جواب مقنعاً إلاّ أن نستنطق كلّ ما يقوله أعرف الناس بالرسول وبتاريخ حياته . فثمة مشكلة كبرى إضافة لما سبق تكمن في أن تدوين حياة الرسول وتاريخه وأحاديثه لم يتم إلا بعد قرن من وفاته أو أكثر !

وحتى يكون كلامنا علمياً ودقيقاً علينا أن لا نغفل عن عدّة أُسس ، أهمّها :

الأساس الأول : أن الله أمر باتّباع النبي الأكرم ، والتأسّي به ، وإطاعة أمره . فكيف يتحقق الاتّباع له إن لم تحصل المعرفة به ؟

الأساس الثاني : أنّ القرآن الكريم كان يحثّ ويحضّ ويؤكّد على الاستفادة من الأُمم السابقة ؛ لأخذ العبرة ، والحذر من الوقوع فيما وقع فيه السابقون من الأُمم المنقرضة ، وذلك في سياقات إخباره عن مفاصل تاريخية عاشها أُولئك الأقوام ، وفي التحليل الدقيق نجد أن تجارب الأُمم تتكرر ، وإخفاقاتهم تتشابه ، وأن ما صرّح به القرآن من تخطيء لمواقف تلك الأُمم وتكذيبها أنبياءها (سواء أكان تكذيباً لكل ما جاء به النبي ، أو كان إيماناً ببعض مع كفران ببعض آخر) ، سيتكرر أيضاً في أُمّةِ آخِرِ فرصةٍ نبويةٍ تُختم بها الرسالات السماوية .

الأساس الثالث : أنّ النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم) كان يرعى صحابته رعاية تفجّر الطاقات الكامنة في دواخلهم بما يخدم الأهداف الإسلامية الكبرى ، وذلك كُلاً حسب مؤهلاته واستعداداته وميوله . فانتقى ، عليه من ربّه أفضل الصلاة والسلام ، بعض المقربين منه المعروفين بالفطنة والذكاء وقوّة الحافظة والميل إلى التعلّم وانتهال المعرفة ، فأعطاهم من وقته وجهده واهتمامه ورعايته ما يطوّر عندهم الفهم والمعرفة والعلم وحفْظِ ما يتصل بالتشريع وتفسير القرآن . وكان يملي على ابن عمّه وتلميذه الأول علي بن أبي طالب وعلى ابنته فاطمة الزهراء عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام ، كان يُملي عليهم العلوم والمعارف إملاء وهم يكتبون ويحفظون ويُحدّثون ويروون ، بالقدر الذي يستوعبه السامعون ، فكانت كل علوم الرسول عندهم ، وهم يجودون على الناس بمقدار استيعاب سامعيهم .

الأساس الرابع : مع أنّ العرب كانت تُعنى ببعض وقائع التاريخ عناية شديدة ، لكنهم لم يكونوا مؤرخين (محترفين) ، لهم منهجية تاريخية علمية دقيقة ، بل كانوا معتمدين على الذاكرة في القص والوصف ، لا على التدوين والتوثيق . جلّ اهتمامهم كان بتفاصيل الأحداث الحربية التي مرّت وتمرّ ، ويسمّونها (أيام العرب) ، كما كانوا يهتمون بالقبائل والأنساب . وحين ظهر الإسلام ، وواجه أبناؤه التحديات ، كان المشغوفون باستقصاء تاريخ أيام العرب يحفظون ويروون أغلب ما حصل في تلك الأيام الخالدة كيوم بدر ويوم الخندق ويوم فتح مكة ويوم خيبر ، لكنّ هذا الاهتمام لا يعني منهجية علمية موضوعية صحيحة في الحفاظ على التاريخ ونقل أحداثه بأمانة ودقة . والأدهى أننا نجد الميول والأهواء والقناعات والمؤثرات تفعل فعلها في التكتّم على كثير من التفاصيل ، بل ربما تدفع حتى إلى التلاعب والتزييف والتبديل !..

الأساس الخامس ؛ أنّ التاريخ الموجود بين أيدي العرب والمسلمين هو التاريخ المرضي من قبل السلطات الحاكمة ، وهو تاريخ مُسيّس ، لا يُسمَح لرواته ومؤرّخيه أن يقولوا كل شيء ، فكان لا بدّ أن يلتزموا بالخطوط الحمراء للسلطات ، وما أكثرها ! وهذا يعني قلقاً معرفياً كبيراً ، إضافة إلى ما يعنيه من غياب الصوت الآخر كصوت الضحايا والمعارضين .

الأساس السادس ؛ أنّ النبيّ الأكرم كان يخطط لأن يُحصّن الإسلام مما وقع في تاريخ الأديان السابقة ، وتشريعاتها الماضية من التحريف والتزوير . وهو (صلّى الله عليه وآله وسلم) في الوقت نفسه يعمل على أن يبني ثلّة تحفظ دين الإسلام وتضحّي بالغالي والنفيس من أجل بقاء دين الله الخالد بعيداً عن تلاعب المتلاعبين وعبث الملوك والسلاطين ، وتحريف المنتفعين والمزوّرين .

هذا كله نجعله نصب العين والعقل ونحن نتأمل أن الله تبارك وتقدّس كان يأمر جميع العباد بالتأسي برسوله الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم) .. ومن الثابت لدى جميع المسلمين أن قول النبي ، وفعله ، وتقريره ، كاشف عن تشريع إلهي . وحين خصّ النبي الكريم بعض المقربين منه برعاية علمية كريمة ، فإنه جعلهم من بعده معلمين للأُمة ، ومن ضمن ما علّموها تفاصيل أحداث هي عماد المادة التاريخية التي تريدها الأجيال ...

وللحديث صلة في المقالة القادمة .

 
< السابق   التالي >

 

البحث في الموقع

دخول الأعضاء






هل فقدت كلمة المرور؟
ليس لديك حساب سجل الآن

التصويت

ما رأيكم بالموقع الجديد؟
 

المتواجدون الان

يوجد الآن 23 ضيوف يتصفحون الموقع

إحصائيات الموقع

الأعضاء: 197
المقالات: 852
المواقع الصديقة: 0
الزوار: 854556

الأعضاء


195 أعضاء مسجلين
0 هذا اليوم
0 هذا الأسبوع
1 هذا الشهر
آخر عضو: سيد حارث
spacer

spacer