تمهيـــــــــــــــد .... يعتبر الدعاء واحدا من اهم الموضوعات العبادية التي ينبغي للفرد المسلم الالتزام بها والمواظبة عليها لما لها من الآثار المعنوية ، هذه الآثار التي تتجلى في بعض مظاهرها بارتباط العبد بالله سبحانه وتعالى وانه قريب منه قال تعالى ( وإذا سالك عبادي عني فاني قريب أجيب دعوة اذا دعاني )[1] وفي الخبر الوارد عن الإمام الرضا ( عليه السلام ) ( عليكم بسلاح الأنبياء . قيل وما سلاح الأنبياء . قال : الدعاء) .ولكن مما يؤسف له اننا نشاهد حالة من الفتور بل والغياب للدعاء في أوساطنا الاجتماعية .
وانطلاقا من اهمية الدعاء في بلورة الروؤية الناضجة والفهم الصحيح لعملية التغيير ( على صعيد الفرد والمجتمع ) التي يسعى اليها جميع الدعاة والمصلحين في العالم كان لابد لنا من وقفة مع النظرية الإسلامية في الدعاء اضافة الى نظرية المسلمين[2] فيه لمعرفة مستويات المطابقة وعدمها بين الفكرين خصوصا بعد ان بات فكر المسلمين يتاثر كثيرا بالأفكار الدخيلة التي تدعة الى إعادة قراءة الفكر قراءة جديدة تجعل من العلبم اساسا لفهمه ، ولا ندري اعتماد مثل هذا المقياس كيف يمكن ان يحلل لنا سلامة ابراهيم (عليه السلام ) من نار النمرود؟ . وهل يتقبل العلم وجود نار غير محرقة ؟ وفي مستوى اخر وهو مستوى البحث عن الدعاء كثقافة يدعو الاسلام الى ضرورة الالتزام بها والعمل على اساسها نحاول تسليط الضوء على مساحة حضور هذه الثقافة لدى المسلمين إضافة إلى مقدار التزامهم بها . واسباب ذلك . على ان يكون لنا وقفة اخرى وفي بحث منفصل ان شاء الله تعالى مع بعض الادعية التي تتعلق بالواقع الذي نعيش فيه. نظرية الدعاء في النص الديني .... ان اهمية الدعاء تكمن في انه يشكل ركنا من اركان بناء الشخصية الإسلامية سواء على مستوى الثقافة او الفكر . فعلى مستوى الثقافة تسعى النصوص الدينية الى بناء ثقافة شخصية و اجتماعية تقوم على جعل مفردة الدعاء واحدة من المفردات اليومية التي يمارسها الانسان سواء على الصعيد الفردي او الاجتماعي وفي جميع الاوقات ، حتى بات لبعض الاوقات والامكنة ادعيتها الخاصة والمعروفة [3] بحيث تتحول عملية ممارسة الدعاء الى برنامج عملي وحالة طبيعية بل سلوك يلتزم به الفرد والمجتمع . واما على صعيد الفكر فان هدف النص الديني المتعلق بالدعاء هو بناء الفكر الإنساني على اساس ان الدعاء يمثل ملمحا من ملامح الهوية الإسلامية التي يحملها المجتمع وبالتالي فان فقدان هذا الملمح على صعيده الاجتماعي واختفاءه عن مسرح الحياة الاجتماعية يمكن ان يجعل المجتمع فاقدا لواحد من اهم وابرز ملامحه التي يمتاز بها عن المجتمعات اللا دينية ، قال تعالى ( قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاءكم ). ونظرا لهذه الاهمية تمكن من ان يسجل له حضورا ضخما في جميع مصادر النظرية الإسلامية من القران والسنة النبوية وروايات المعصومين (عليهم السلام ) . فعلى مستوى النص القر اني نجدان الدعاء يحتل موقع الصدارة في هذه النصوص حيث اشتملت عليه فاتحة الكتاب حتى ان بعض المفسرين يرى بان محور هذه السورة المباركة هو دعاء العبد لربه بالتوفيق الى سلوك الصراط المستقيم او الثبات عليه كمافي قوله تعالى ( اهدنا الصراط المستقيم )[4] ، و ايضا في السورة التي تليها نجد العديد من الآيات القرآنية التي يمكن توظيفها في مجال الدعاء كما في قوله تعالى (ربنا لاتؤاخذنا ان نسينا او اخطأنا ربنا ولاتحمل علينا اصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا انت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين )[5] . وعلى مستوى النصوص النبوية الشريفة فاننا نجد في احد هذه النصوص وصفا عظيما للدعاء حيث وصفه النبي ( صلى الله عليه واله وسلم) بقوله ( الدعاء سلاح المؤمن وعمود الدين ونور السماوات والارض ). واما على مستوى النصوص الواردة عن ائمة اهل البيت (عليهم السلام ) نجد النصوص التالية ( الدعاء مخ العبادة ) و ( الدعاء افضل العبادة ) و( احب الاعمال الى الله عز وجل في الارض الدعاء )و( ان الدعاء يرد القضاء والبلاء ).وغيرها من النصوص والروايات . ان قراءة هذه الروايات تشير الى عمق الدعاء في العبادية حتى انه جعل في بعضها من افضل العبادات بل واحبها الى الله سبحانه وتعالى ، فالدعاء يتضمن الاعتراف الضمني من العبد بضعفه ومسكنته ن وانه في مقام التذلل والخضوع والحاجة الى مقام الباري جل وعلا . الدعاء في فكر المسلمين ..... ان محاولة تاسيس روؤيا واضحة عن مساحة الدعاء في فكر المسلمين يعني اننا بحاجة الى مطالعة ما انتجه العقل المسلم وترجمه على شكل كتابات ومؤلفات تتحدث عن الدعاء . ونحن في الوقت الذي نجد في بعض هذه الكتابات مستوى من المطابقة بين ما اسسته النصوص الدينية كنظرية لهذه العقيدة وبين كتابات المسلمين وتصوراتهم[6] . نجد ايضا ان هناك بعض القراءات التي تحاول التقليل من اهمية الدعاء وانه جهد العاجز !!، فبعد هذا التطور الكبير والسريع الذي يشهده العلم في عدة مجالات ، ومحاولته لاخضاع الظواهر الطبيعية وغير الطبيعية للدراسة والبحث والتحليل ، في ظل هذه الظروف يمكن القول بان الانتاج العقلي يمكنه ان يسيطر على الاسباب التي يمكن ان تدعو الانسان الى ممارسة الدعاء بعبارة أخرى : هناك رؤية تقول بان توجه الانسان الى الله سبحانه وتعالى بالدعاء انما هو بسبب الخوف الذي ينتابه ، وبالتالي فانه اذا ما تمكن من الوصول الى اكتشاف الوسائل التي يمكن من خلالها السيطرة على هذا الخوف فانه عندها يصل الى حالة الاطمئنان التي تنتفي عندها الحاجة الى الدعاء !! ان هذه الرؤية وللاسف الشديد يمكن ان نصفها بانها قراءة ناقصة وغير مستوعبة لجميع مقدماتها وذلك من خلال النقاط التالية : الاولى : لو فرضنا جدلا ان الدعاء انما يلجأ اليه الانسان في خصوص حالة الخوف لاغيرها ، وبالتالي فان الاكتشافات العلمية التي يتصورها اصحاب هذه الرؤيا كافية في تحقيق الامن والاطمئنان ، فلا ندري كيف يمكن ان يفسر لنا حالة الفزع والخوف التي تعيشها المجتمعات الانسانية من نفس هذه الاكتشافات . فمثلا لو كانت الثورة الصناعية والاكتشافات التي تمخضت عنها لدى البلدان الاوربية كفيلة بتحقيق الامن فكيف نفسر الهزات الاقتصادية والازمات العالمية التي تصيب هذه البلدان واسواقها العالمية بالكساد والركود الذي ادى في بعض الاحبان الى انهيار بلدان باكملها وكما حصل في اليونان في الازمة المالية الاخيرة ؟. واذا كانت مصانع الاسلحة قد تكفلت بصناعة الاسلحة المتكفلة بازالة العدو من الوجود فبماذا يفسر لنا الخوف والهلع الذي اصاب العالم يوم القيت بعض انواع هذه الاسلحة على مدينتي هيروشيميا ونكازاكي . واذا كانت مراكز الرصد الزلزالية تتكفل برصد الزلازل فبماذا يفسر لنا ما حصل في الزلزال الذي ضرب الولايات المتحدة الامريكية قبل سنين ؟ ، هذه الدولة التي تعتبر من الدول المتقدمة تكنلوجيا بل انها تحتل مرتبة الصدارة في ذلك . واذا كان بناء القوة العسكرية كفيل بان يحقق الامن على اقل تقدير لابناء مجتمع من المجتمعات فبماذا يفسر لنا انهيار الاتحاد السوفيتي بين ليلة وضحاها وهو البلد الذي كان يمثل قطبا اقطاب القوة العالمية ؟ . هذه تساؤلات نضعها امام اصحاب هذه الرؤيا ومن يحاول اقناع نفسه بمصداقيتها من مجتمعاتنا الإسلامية الثانية : اننا في الوقت الذي نلتزم فيه بان حالة الخوف هي احدى الحالات التي يتوجه فيها الانسان الى الله سبحانه وتعالى بالدعاء وكما في قوله تعالى ( واني خفت الموالي من ورائي وكانت امراتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا)[7] الا اننا لانعتقد بان الخوف هو السبب الوحيد الذي يدعو الانسان الى الدعاء ، وانما الدعاء سلوك يفترض ان يتم التعامل معه في حالتي الخوف والامان ، والا فبماذا نفسر قوله تعالى ( وادعوه رغبة ورهبة ان رحمت الله قريب من المحسنين [8]). الثالثة : لايختلف اثنان في ان النبي واهل بيته ( عليهم السلام ) هم صفوة الخلق الذين ارتضاهم الله سبحانه وتعالى ائمة وقادة لهذا المجتمع فبماذا نفسر الادعية الواردة عنهم ( صلوات الله عليهم اجمعين )؟ وان تفسيرها على اساس انها تدخل ضمن منهاج التربية والتعليم لاتباعهم هو تفسير جزئي ، لانه لا ينسجم مع احوالهم التي يكونون عليها ( صلوات الله عليهم ) حال الدعاء وكما نقرأه عن الحالة التي كان عليها الامام الحسين (عليه السلام ) من البكاء وهو متوجه الى الله سبحانه بالدعاء في يوم عرفة . الدعاء كثقافة اجتماعية .... ان الحديث على مستوى الثقافي للمسلمين في مفردة الدعاء لاشك في انه حديث يشتمل على الكثير من الاسف ، لان ثقافة الدعاء باتت من الثقافات الغريبة عن مجتمعاتنا ، بالرغم من وجودها في مساحة ضيقة تتمثل في برامج الدعاء الجماعية التي تؤدى في بعض المراقد المقدسة لائمة اهل البيت ( عليهم السلام )[9] او المواقع الإسلامية الاخرى التي تاخذ طابع اهل البيت ( عليهم السلام ) من المساجد والحسينيات وغيرها ... الا اننا وللاسف الشديد نكاد نجزم بانعدامها او ندرتها في بعض المواقع الإسلامية المهمة كبيت الله المحرم اوالمسجد النبوي الشريف مع كل ما تمثله هذه المواقع من اهمية في حياة المسلمين عموما ، بل حتى في يوم عرفة ، هذا اليوم العظيم الذي تجتمع فيه ملايين المسلمين حيث لانجد مثل هذه الثقافة الا في سياق خطبة صلاة العيد التي لاياخذ الدعاء منها الا مساحة بسيطة بالقياس الى غيرها من الامور التي يتم تناولها من قبل الخطيب !!!! وبالتالي يمكن لنا ان نتساءل عن الاسباب الموجبة لغياب الدعاء في مثل هذا التجمع الكبير والمؤتمر العظيم لجموع المسلمين من جميع اصقاع الارض ، هل تنعم بلادنا الإسلامية بالامن والرخاء بحيث انها اصبحت مستغنية عن الدعاء مع اننا نعتقد وكما تقدم ان لايختص بحالة دون اخرى فبالاضافة الى ما تقدم من صريح القران الكريم في سورة الاعراف الاية (56) فقد ورد عن الامام الحسين ( عليه السلام ) في دعاء عرفة انه قال ( الهي انا الفقير في غناي فكيف لا اموت فقيرا في فقري . الهي انا الجاهل في علمي فكيف لا اكون جهولا في جهلي ). اذن هذه رسالة مفتوحة الى كل من يريد ان يقراها ويتابع ما موجود في مضمونها لانها تتحدث عن اخطر سلاح يمكن ان يحمله الانسان وهو يخوض صراعه من اجل الصلاح الذاتي والاصلاح الاجتماعي . ومن يصول في ارض المعركة بمعزل عن هذا السلاك لاشك في ان حاله لن يكون اقل من حال من يؤمن بالاسباب في قبال ايمانه بمسبب الاسباب ، لاسيما واننا اصبحنا كمسلمين عموما وكاتباع لاهل البيت ( عليهم السلام خصوصا) غرباء في هذا العالم الذي تتقاذفه الصراعات والحروب التي بالتاكيد اننا نفتقد لابسط اسباب النصر المادي فيها وهذه حقيقة يجب علينا الاعتراف بها وعدم اغفالها . اضافة الى ان قراءة الادعية بطريقة التدبر في ما تشتمل عليه من المضامين الكبيرة والعظيمة ( وخصوصا الادعية المرتبطة بصاحب الامر – عجل الله تعالى فرجه - ) يمكن ان تضع بايدينا مفاتيح اعادة ترتيب مفاهيمنا في عالم الغربة والغرباء الذي نعيش فيه . وبالتالي يمكن لنا ان نعيد ترتيب اوراقنا وبالموستوى الذي يتحقق فيه مفهوم الانتظار الايجابي . وهذا ما سنحاول ان نتناوله في تناولنا لنموذج من هذه الادعية ان شاء الله تعالى .. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] - سورة البقرة ، الاية 186 . [2] - ارجو الفات النظر الى الفرق بين الدعاء في الفكر الاسلامي والدعاء في فكر المسلمين لانهما موضوعان وليس موضوعا واحدا . [3] - كما في ادعية الاشهر الثلاثة رجب وشعبان ورمضان وادعية ليلة القدر وليلة القدر وليلة الجمعة ونهارها وغيرها . [4] - سورة الفاتحة . الاية 6 . [5] - سورة البقرة . الاية 286 . [6] - وهذا ما نجده لدى مطالعتنا لشروح الادعية مثل ادعية الصحيفة السجادية وغيرها من ادعية اهل البيت ع. [7] - سورة مريم ، الاية 5 . [8] - سورة الاعراف . الاية 56 . [9] - قولنا ( في بعض المراقد المقدسة ) اشارة الى غياب هذا البرنامج في البقيع بالاضافة الى مرقد الامامين العسكريين ( عليهم السلام ) في سامراء .
|