spacer
 

 

 

spacer
spacer  
 

ثقافة ومصطلحات قرآنية (48) ـ هجر القرآن الكريم ـ القسم الثاني طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ الشيخ حميد البغدادي ـ العدد (124) ـ ربيع الأول 1433   
الشيخ حميد البغدادي{ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا } الفرقان3 . القرآن الكريم كتاب الله تعالى الذي  نزل به الروح الأمين على قلب سيد البشرية الصادق الأمين محمد صلى الله عليه واله وسلم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، جمع الله فيه خيري الدنيا والآخرة، من تمسك به نجا ومن أعرض عنه فإن له معيشة ضنكا.

(وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) طه آية 124

والذي يثير الأسى عدم الوجود الحقيقي في مجتمعاتنا، وبالتالي لا توجد في نفوسنا الآثار العظيمة لهذا الكتاب الكريم رغم آثاره المباركة التي أخرجت أهل الجاهلية من الظلمات إلى النور.

فأين الخلل؟

وما هو السبب في هذا الواقع المؤسف؟

أسباب هجر القرآن الكريم

نتحدث هنا في دائرة المعتقدين بالقران والمؤمنين بالإسلام لا من يختلف معهم في الاعتقاد والدين.

 ان معرفة الأسباب لأية مشكلة تعد الخطوة الأولى للحل، فبدون معرفة تلك الأسباب لا يتسنى اجتنابها، وهنا  نشير إلى بعض  تلك الأسباب والتي ستكون في دائرتين فسنذكر أولا الأسباب التي تجعل الأمة كأمة بعيدة عن القران، ثم نتعرض للأسباب المؤدية لهجر القران على المستوى الفردي، وان لم يتحقق الهجران على مستوى الأمة والمجتمع، ولابد من الإشارة إلى ان بعض السباب يمكن ان تتداخل وتؤثر ببعضها البعض.

القسم الأول: أسباب هجران الأمة

السبب الأول: شبهة عدم صلاحية القرآن لزماننا

ان ارتكاز مثل هذه الشبهة وشيوعها يجعل من القران عند الأمة كتابا للبركة في أقصى الأحوال، فالاعتقاد ـ وهو وهم بلا شك ـ بأن القران الكريم غير مناسب لزماننا لأنه نزل في زمان بعيد وان العصر عصر تقدم وتطور هو نفي في الحقيقة للدين من الأساس، وان تظاهر البعض بالإبقاء على احترام وتقديس القران ظاهريا، والذي يجعل هذه الشبهة خطرة هو العمل على نشرها والتنظير له، ولذا تجد ان الأعداء يركزون على مثل هذه الشبهة بمختلف الطرق لأجل ان يبعدوا الأمة عن كلام الله سبحانه وتعالى، وهذا واضح لمن راجع كتابات وبحوث المستشرقين.

السبب الثاني: الفهم الخاطئ لهيبة القرآن الكريم

اختار البعض الابتعاد عن تفسير القران لأنه فوق العقول وان من فسره برأيه فقد هلك وذلك لوجود نصوص أشارت إلى ذلك ـ ولا ريب في عظمة القران وعلو معانيه وانه المعجزة الخالدة التي تحدى الله جل وعلا عباده ـ وهذا التعامل الخاطئ مع هيبة القران وعظمته هيمن وللأسف حتى على بعض المفسرين بحيث تراه لا يتعدى الفهم اللغوي للآية مخافة ان يقع في محذور تفسير القرآن بالرأي، والحال ان التدبر والتأمل والاتعاظ بالقرآن ليس له مدخلية بالتفسير بالرأي.

السبب الثالث: غياب مادة القرآن الكريم في مؤسساتنا الدينية

عدم الاهتمام المناسب في الحوزات والمراكز العلمية على دروس التفسير والتحفيظ للقران والتجويد وعلوم القران .

وقد يجعل درس التفسير أو التجويد لكن  كدرس ثانوي وليس من دروسها الأساسية، ونحن نعلم ان علوم اللغة إنما تدرس لأجل فهم النصوص الشرعية الذي يعتبر  القران الكريم أهمها.

ولعل السبب الذي قلل مثل هذا الاهتمام ان الدروس الحوزوية يقصد منها في الغالب استنباط الحكم الشرعي فصارت دائرة الاهتمام ضمن هذا النطاق، ويحتاج الأمر مراجعة أكثر وتحليل اشمل لايسعه هذا المجال.

 و في الأزمنة الحالية ازداد هذا الاهتمام بشكل ملحوظ فأسست المراكز والمؤسسات التي تعنى بالشأن القرآني بل أسست كليات متخصصة وخرجت الكثير من الرسائل الجامعية المختصة بالشأن القرآني، وزاد التوجه المبارك لحفظ وتلاوة القران وإقامة المسابقات القرآنية وهذا يفتح المجال للأمل المعقود على هذه الحوزات المباركة والمؤسسات العزيزة لأجل ان نصل إلى المرحلة الطموحة التي هي جعل القران المحور الأساس لحياتنا العلمية والعملية.

 القسم الثاني: أسباب الهجران الشخصي

 السبب الأول : الانشغال بغير القرآن عن القرآن

 فقد أصبح جل اهتمامنا وشغلنا بغير القرآن الكريم مما أدى إلى التشاغل عنه وهجره، بسبب المصالح الشخصية والانشغالات الدنيوية خصوصا في عصرنا الذي كثرت فيه أساليب اللهو واللعب .

 السبب الثاني: عدم التهيئة الذهنية والقلبية عند قراءة القرآن الكريم

فعدم اختيار المكان الهادئ، البعيد عن الضوضاء، وعدم لقائنا بالقرآن في وقت النشاط والتركيز بل في وقت التعب والرغبة في النوم.

وعدم استجماع مشاعرنا قبل القراءة، وعدم اتخاذ الوسائل المؤدية لذلك كالدعاء وتذكر الموت وبالنهاية الاستعداد النفسي لتلقي الخطاب القرآني.

 السبب الثالث: القراءة السريعة والمتعجلة

فعلينا ونحن نقرأ القرآن أن تكون قراءتُنا متأنيةً، هادئةً، مرسلةً، وهذا يستدعي منا سلامة النطق وحسن الترتيل، كما قال تعالى:

(وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا)  سورة المزمل4

وعلى الواحد منا ألا يكون همّه عند القراءة نهاية السورة،

وعن الرسول صلى الله عليه واله في قوله تعالى : (ورتل القرآن ترتيلا قال : بينه تبيانا ولا تنثره نثر الرمل ولا تهده هد الشعر ، قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ولا يكون هم أحدكم آخر السورة) (1).

 بل لا ينبغي أن تدفعنا الرغبة في ختم القرآن إلى سرعة القراءة.

السبب الرابع: التفاعل مع القراءة:

فالقراءة خطاب مباشر من الله عز وجل لجميع البشر، وهو خطاب يشمل أسئلةً وإجاباتٍ ووعدًا ووعيدًا، وأوامرَ ونواهي، فالتجاوب مع تلك العناصر يساعدنا على زيادة التركيز عند القراءة وعدم السرحان، والتمعن في الآيات القرآنية فالقراءة السطحية لا توصلنا إلى المعاني السامية في القران الكريم.

وفي الكافي عن علي بن الحسين  عليهما السلام  أنه قال: (آيات القرآن خزائن، فكلما فتحت خزينة ينبغي لك أن تنظر ما فيها) (2).

وعن الإمام الصادق  عليه السلام : ((وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً) قف عند وعده ووعيده، وتفكر في أمثاله ومواعظه) (3) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) النوادر، فضل الله الراوندي، ص 164، تحقيق : سعيد رضا علي عسكري، مؤسسة دار الحديث الثقافية – قم.
(2)  راجع: البحار ج89ص211. الکافي، ج 2، ص 446.
(3)  تفسير العياشي : ج1 ص 57 .

 

 
< السابق   التالي >

spacer

spacer