spacer
 

 

 

spacer
spacer  
 

دراسة موجزة عن حياة الامام الرضا وولاية العهد ـ الحلقة الثانية طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ الشيخ علاء الساعدي ـ العدد (123)   

الشيخ علاء الساعديبسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيد المرسلين، وحبيب اله العالمين، ابي القاسم محمد وعلى آله المعصومين الطاهرين، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، واللعنة الدائمة على اعدائهم اجمعين، الى يوم الدين...

يحتار كل انسان، بل حتى الاديب والبليغ، والعالم الضليع، عندما يمر بخاطره ذكرى عالم من علماء الامة، ولكن اذا مر امامه ذكرى لامام الامة، وامام علمائها ماذا يكون حاله...

كـ(علي بن موسى الرضا(عليه السلام)) يعجز البيان عن وصفه، وتملأ الدنيا طيباً بعرفهِ لانه وليد بيت الشرف، والبيت الرفيع، عالم آل محمد، قوي الحجة، دافع الشبهة، وبضعة رسول الله التي لم ترد هذه العبارة في حق احد من آبائه وابنائه الا فيه، لعلو شأنه، ومنزلته ومقامه عند الله تعالى.

مر سابقاً الحديث عنه تأريخياً، وذكر الحوادث المؤلمة التي قد أَهَّلَت، وغيرها الامام الرضا لتولي منصب الامامة بعد ابيه(عليهما السلام)، وقيامه بواجبه على أكمل وجه، حتى جعلت المأمون الغير مأمون ان يستدعيه من المدينة المنورة  الى خراسان، ليسند اليه ولاية العهد، لاسباب مرت علينا بصورة مجملة(وان شاء الله سوف نتعرض لها بشكل تفصيلي ونتعرض لحقائق الامور التي صبت اليها)، فنتيجة الولاء ومحبة المسلمين للامام الرضا حتى سمي الرضا لان المسلمين قد رضوا عنه بأجمعهم وهذه القاعدة الجماهيرية  لم تتوفر لأي إمام من ائمة اهل البيت(عليهم السلام) قبله فقد وصفها ابنه جواد الائمة محمد الجواد(عليه السلام) فقد قال: ((رضي به المخالفون من اعدائه كما رضي به الموافقون من أوليائه ولم يكن ذلك لاحد من آبائه عليهم السلام فلذلك سمي من بينهم الرضا(عليه السلام)))[1]، وسوف نتعرض على معالم هذه القاعدة من خلال ثلاثة أصناف بعد ذكر أدلة امامته الخاصة التي طالما كثر حولها لغط كثير بسبب الزيغ واتباع الهوى.

فإن دراسة سيرة ائمة اهل البيت(عليهم السلام)، تعد احدى الركائز الاساسية في البناء العقائدي والفكري والسلوكي لديننا القويم، وذلك لانهم عدل القرآن الكريم، والامتداد الرسالي لمنهج النبوة العظيم والحارس الامين للقيم والمفاهيم الاسلامية في وجه التشويه والتحريف والضلالة.

انها سيرة معصومة للكشف عن سلوك القدوة الحسنة بكل تجلياتها، وتربط المرء بالمفاهيم الاسلامية في اصالتها وتفتح له آفاق جديدة في مجالات العلم، والعمل الفكرِ والتربية والسلوك، من هنا فان الكتابة عنهم وعن سيرتهم لا تنتهي مهما تعددت الدراسات وتنوعت اساليبها، وذلك لما يجده الباحثون من حالة التواصل مع دلالتها التي تتسع مع سعة الحياة، وتستعرض كل مفرداتها وسيرتها باتجاه حركة التكامل المطلوب على صعيد الفرد والامة.

نحن في رحاب علي بن موسى(عليه السلام) نعيش أروع معالم الكمال البشري، اذا تيقنا بانه الامام الحق المفروض من الله تعالى طاعته كما سئل الامام الكاظم(عليه السلام): وقيل له من الذي يكون بعدك؟ فقال: ((ابني علي(عليه السلام) ))[2].

وكذلك عندما قال داوود الرقي لابي ابراهيم(يعني موسى بن جعفر(عليه السلام) فداك ابي، اني قد كبرت وخفت ان يحدث بي حدث، ولا القاك فأخبرني عن الامام من بعدك ؟

فقال: ((ابني علي))[3]، فكان هذا دليل واضح على وجود جو مملوء بالحقد والباطل لمعرفة من يخلفه الامام الكاظم(عليه السلام) لانها لم تسمع (جماهير الناس والموالين) مِن الامام مباشرة، ومَنْ الذي يتزعم منصب الامامة من بعده، فهنا وجهت شخصيات اسئلة صريحة للامام الكاظم حول من سيخلفه بعد وفاته، لاجل قطع الظن الحاصل من بعض الدعايات، باليقين الحاسم من السماع من الامام مباشرة، فأجابهم بجواب واضح حتى ينقذهم من ميتة الجاهلية كما ذكر في الحديث (من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية) لان من اكبر العوائق التي تقف سداً منيعاً في تقدم الانسان، والوصول لمعرفة الحقائق هو التعصب الاعمى، والتقليد الجاهلي للاباء، لذا عمد الاسلام منذ اعلان الدعوة المحمدية الى تحطيم هذه الحواجز العائقة، والتنديد بكل من يسلك طريق الاباء والمجتمعات من دون روية وتحقيق عن صحة المسير والمعتقد، ومن هنا يقول الله(عز وجل): (انهم الفوا ابائهم ضالين فهو على آثارهم يهرعون)[4].

فكان جواب الامام صريح بمن يتولى الخلافة من بعده من اجل بيان منصبه الحق، الذي من صفاته هداية الناس.

ان الامام الرضا(عليه السلام) لم يكن بعيدا عن هذا المجتمع بل واجهه بصورة جلية، كما واجهه ابوه الامام الكاظم(عليه السلام) بسبب الانحراف الذي اصابه(المجتمع) بعد وفاة النبي(صلى الله عليه واله)، فكان انحرافاً سياسياً خطير جداً بالرغم من انه لم يمس بحسب الظاهر الا ميدان واحد من الميادين التي كان يعتمد عليها الانسان.

في بداية الامر لعل كثير من الناس بدا لهم ان هذا الانحراف لا يعني اكثر من ان شخص كان مرشحاً من قبل النبي(صلى الله عليه واله)، او من قبل الله تعالى، وهذا الشخص قد غصب حقه، واعطي لشخص آخر بدلاً عنه قد يكون هذا الشخص الآخر قادراً على ان يقوم مقامه في هذه المهمة، الا ان الانحراف لم يكن انحرافاً شخصياً او سهلاً او بسيط بهذا المقدار، لان الاسلام رسالة تربية للانسان، رسالة جاءت لتبني الاسلام من جديد فلابد من السيطرة على كل المجالات، والذي لا يمتلك زمام نلك الميادين والمجالات فلا يمكن ان يسيطر على كل تلك الميادين والمجالات، ولا يمكن ان يسيطر على كل ابعاد الانسان وبالتالي كيف يربيه تربية إلهية، التي هي شاملة لكل الانسان بشكل متميز كلياً عن انسان ما قبل الاسلام، أي عن انسان الجاهلية، فهذا هو الذي جعل الامام ان يصرح بمن يكون بعده حتى تهوي اليه القلوب فيتوضح، الآن عدم اتباع الناس لائمة الحق في زمانهم اما ان يكون المجتمع ليس واصل لمرحلة يستعد بها لمعرفة من يجب عليه طاعته وهذا قسم، أو ان الانحراف الذي ساد في جسد المجتمع الاسلامي كان سبباً آخر.

وكلاهما واجهه علي ابن موسى الرضا(عليه السلام) ووعدنا نتعرض الى هذا المجتمع الذي في عصره وقلنا انه على ثلاثة اصناف، فالآن حان ذكرها وتأثير الامامة عليها حتى صار مجتمعه يختلف عن المجتمعات السابقة بسبب تآكل المرض فيها وهي:-

 (1) العلماء: تبدي لنا عظمة الامام واستحقاقه للامامة من كلمات التقدير والثناء التي أطّره بها كبار علماء الامامية، من المتحدثين، والمتكلمين، والمفسرين وبعضهم تلاميذه المشهورون كأبي الصلت الهروي واحمد بن محمد بن ابي نصر البيزنطي والحسن بن محبوب، بعد ان وجدوه بحراً لا يدرك غوره، وجبلاً شامخاً لا تهزه عواصف الاحداث، واراجيف المبطلين ويقف ابي الصلت الهروي ويقول: (ما رايت اعلم من علي ابن موسى الرضا(عليه السلام) ولا راه عالم الا وشهد له بمثل شهادتي ولقد حمل المأمون في مجالس له ذوات عدد علماء الاديان، وفقهاء الشريعة فقلبهم عن آخرهم حتى ما بقي احد منهم الا اقرَّ له بالفضل واقر على نفسه بالقصور) وغيرها من الشهادات التي تثبت الحقيقة المارة آنفاً.

(2) جمهور الناس: لما كانت اسرار الرسالة ومفاتيح كنوزها قد انتهت الى الامام الرضا غدت جموع الجماهير تحف به وفي المقابل كان الامام(عليه السلام) يكن للناس كل الحب والعطف عندما تحف به الجماهير، تتألف ملامحهُ بالبُشر والنور وتفيض عيناه بالوداع واللطف، كانت شخصية ذات جاذبية خاصة تجذب القلوب المؤمنة، والنفوس الطاهرة، كما يجذب شذى الازهار النحل اينما يرحل او يحل، ينظروه بوابل كلمات التقدير والتبجيل، يتعطشون الى رؤيته تعطش لضمان الى الماء.

عن ابي حبيب النّباجي قال: (جاءني من اخبرني بقدوم ابي الحسن الرضا(عليه السلام) من المدينة ورأيت الناس يسعون اليه)[5].

وعبارة يسعون اليه تكشف لنا مدى شوق الناس للامام وشدة محبتهم له فكانوا يتبركون به ويسألونه عن الحلال والحرام.

روى شيخنا الكليني في الكافي بسنده عن اليسع بن حمزة قال: (كنت في مجلس ابي الحسن الرضا وقد اجتمع اليه خلق كثير يسألونه عن الحلال والحرام.

(3) الشعراء كانوا يتوافدون اليه وينضمون القوافي ويتفننون في صوغ قوالب المعاني التي تشيد بفضله ومنزلته، كان دعبل من ابرز شعرائه حتى انه جهر بعداءه للعباسيين، وابدى دعبل حبوره لبيعة المأمون للامام الرضا(عليه السلام) بولاية العهد فدخل عليه بمرو فقال لهُ: (يا ابن رسول الله اني قد قلت فيكم قصيدة وآليت على نفسي ان لا انشدها احداً قبلك، فقال(عليه السلام): هاتها فأنشد:

                مدارس آيات خلت من تلاوة

                           ومنزل وحي مقفر العرصات[6].

ومن الشعراء ـ أيضاً ـ أبي نؤاس فارس الشعر في زمانه فقد ادلى بدلوه، واظهر جواهر شعره، حتى شّنت عليه وعلى كل من مدح الامام، حرباً شعواء لا هوادة لها فحاولوا ان يسقطوهم من الألسن ولكن لم يعلموا ان لهم عروشاً في القلب بسبب مدحهم وصدعهم بالحق.

فان الامام عليه السلام كان له دور بارز في صيانة الاسلام الاصيل التي وضعت اسسه واتضحت معالمه في عصر الرسالة، الاسلام ليس بحاجة الى صياغة جديدة وانما بحاجة ماسة الى قراءة تجلي صورته الاصيلة وفق رؤية واضحة خصوصاً بعد ظهور الفرق والمذاهب وهبوب رياح التيارات الفكرية المنحرفة والمخالفة، فقد استطاع الامام ان يستثمر هذه الفترة من أجل المواجهة، فمثلاً؛ كان له حوارات مع اهل الاديان والملل المختلفة كما نقل الشيخ الصدوق في كتاب التوحيد[7]، بإبطال عقيدة النصارى واثبات نبوة النبي(صلى الله عليه واله) والرد على عقيدة اليهود والرد على المجوس والصابئة والزنادقة بل كانت له حوارات مع المسلمين حول العصمة والامامة والعترة ومكانة آل محمد وانهم اهل الذكر وبيان انهم المنصبون من الله تعالى وكذلك رفع الجهل عن العلم الالهي في حديثه عن البيداء وتصحيح المفاهيم كما في الفصول المهمة وايجاد الحلول الشافية كما في كشف الغمة.

كان للامام دوره العظيم في قيادة المجتمع. فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]- عيون أخبار الرضا: الباب الأول/22/ح1.
[2]- عيون أخبار الرضا/ج1/33/ح8/ب4.
[3]- عيون أخبار الرضا(ع): 1/40/ح26/ب4.
[4]- سورة الصافات: 68/70.
[5]- عيون أخبار الرضا: 1/227/ح 15/ب 47.
[6]- اعلام الورى/ج2/ص67.
[7]- 417، ب65 وما بعدها، والاحتجاج للطبرسي/ج2، الفصل عن حياة الامام الرضا(عليه السلام).

 
< السابق   التالي >

spacer

spacer