يعتبر الامن الجماعي او الاجتماعي واحدا من المقومات المهمة لضمان الاستقرار ، وركن من اركان السلامة الفكرية والاطمئنان في المجتمعات الانسانية كما انه حاجة وغاية ضروريتين يسعى إلى توفيرها منفردا ومشاركا لابناء جنسه وكما جاء عن الامام الصادق (عليه السلام) انه قال (( خمس خصال من فقد منهن لم يزل ناقص العيش ، زائل العقل ، مشغول القلب ، فأولها الصحة ، والثانية الامن ، والثالثة السعة في الرزق ، والرابعة الانيس موافق و..........الدعة ))[1] ، وهو امن عام وشامل لايقتصر على جانب دون اخر من جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها.
وبذلك جاءت العديد من النصوص القرانية لتؤكد على هذه الحقيقة وتشير اليها وتعمل على توفيرها لابناء المجتمع الانساني من قبل ان تقضي الارادة الالهية بانزالهم الى الارض قال تعالى ( فقلنا يا ادم ان هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى * ان لك الا تجوع فيها ولا تعرى * وانك لاتظمؤا فيها ولا تضحى )[2] ، ومن بعد انزاله اليها قال تعالى ( ومن اياته أن خلق لكم من انفسكم ازواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة )[3] . وعلى صعيد الدراسات الاكاديمية فقد كان الامن واحدا من الموضوعات التي كانت تثير الباحثين والمنظرين وتدعوهم الى متابعة الاستقصاء المعلوماتي للوصول الى تاسيس نظرية يمكن لها ان تسجل حضورها في ميدان تحقيق الامن والاستقرار الجماعي . وعندما نحاول نسليط الضوء على بعض هذه النظريات الاكاديمية يمكن الوقوف عند نظرية مالثيوس[4] . نظرية مالثيوس ودورها في تحقيق الامن نظرية مالثيوس واحدة من النظريات الاقتصادية التي وان كانت لاتتحدث عن الامن بصورة مباشرة الا انها مرتبطة به اشد ارتباط ، و نظرية مالثيوس في السكان باختصار تحاول ان تصور لنا اسباب التخلف في بعض المجتمعات الانسانية وتؤكد على ان السبب يكمن في عدم التوازن بين النمو السكاني وانتاج المواد الغذائية ففي الوقت الذي يكون فيه نمو انتاج المواد الغذائية متواليا أي انه ينمو بالترتيب ( 1 – 2 – 3 – 4 – 5 -6 وهكذا ) فان النمو السكاني يشهد قفزات تضاعفية وكما يلي (1- 2 – 4 – 8 – 16 – 32 وهكذا ) . ولاجل ايجاد حالة من التوازن والسيطرة على الخلل في الميزان المحاسبي بين نمو السكان والمواد الغذائية والحد منه لابد من اتخاذ التدابير والاجراءات الوقائية مثل تاخير سن الزواج ، والعلاجية مثل افتعال الحروب و نشر الاوبئة والامراض وغيرها ان هذه النظرية ترى بان عدم التدخل للحد من هذا الخلل يمكن ان يقود الى الفوضى والاختلال وبالتالي فقدان الامن بين المجتمعات الانسانية . وفي مقام التقييم لهذه النظرية نجد بانها قد انطلقت من منطلقات وتصورات غير مكتملة وينتابها القصور او التقصير للاسس المعتبرة في ميدان البحث العلمي . فالمعروف في الاوساط البحثية ان القاعدة او النظرية لايمكن تاسيسها الا بعد افراغ الوسع في البحث والاستقصاء المعلوماتي وتتبع جميع المصادر التي يمكن الوصول اليها ومطالعتها للتعرف على ما فيها من الاراء التي يمكن على اقل التقدير اعتبارها مقدمات لتاسيس هذه النظرية . فالواقع البحثي لهذه النظريات يشير الى تسجيل الملاحظات التالية : الاولى : تاكيدها على البعد المادي في مجال التاسيس النظري لتحقيق الامن الجماعي . الثانية : غياب او تغييب للنصوص الدينية ورؤيتها عن مسرح البحث العلمي في العديد من النظريات بالرغم من ان بعض اصحاب هذه النظريات قد نشأ في وسط ديني كما هو حال المنظر البريطاني في مجال الاقتصاد مالثيوس . في قبال الاهتمام المبالغ فيه بقدرة العلم على الانفراد في تحقيق الامن وخصوصا بعد القفزات العلمية والتكنلوجية التي ساهمت في انتاج العديد من الوسائل التي يقال على انها قادرة على تحقيق الامن الجماعي. كما يرى اصحاب هذه النظرية ومثيلاتها بان التطور العلمي والاكتشافات العلمية التي باتت تسعى وراء كل ظاهرة (صغيرة ا وكبيرة) في الحياة الانسانية محاولة تحليلها و دراستها لمعرفة اسبابها واثارها وطرق السيطرة عليها والتعامل معها . ابعاد هذه النظرية... ان تركيز التاسيس النظري على العلم وانه قادر على دراسة كل ظاهرة في المجتمع والتعامل معها بالمستوى الذي يقوده الى السيطرة عليها من خلال التحكم بظروفها واثارها ، يشير الى اكثر من بعد في هذه النظرية ولعل منها : 1- ان هذه النظرية جاءت بمعزل عن النصوص والتشريعات الدينية التي تشير الى ان قضية الرزق امر مكفول من الله سبحانه وتعالى ، وبالتالي فانه لايمكن ان يوجد انسان على الارض وهو محروم من الرزق قال تعالى ( ولا تقتلوا اولادكم من املاق نحن نرقكم واياهم )[5] وقال تعالى (ولا تقتلوا اولادكم خشية املاق نحن نرزقهم واياكم ان قتلهم كان خطئا كبيرا )[6] وجاء في الدعاء ( يا من يعطي من سأله ويامن يعطي من لم يسأله ومن لم يعرفه تحننا منه ورحمة )[7]. 2- انها تصادر انسانية الانسان التي بها يمتاز عن غيره من المخلوقات الاخرى . وبالتالي تجرده عن كل عوامل التفاعل الاجتماعيالفاعل. بمعنى انها تعمل على ترسيخ المفاهيم والقيم المادية في الفكر الانساني ، والقضاء على المفاهيم والقيم المعنوية ، هذه القيم التي ينطلق منها الانسان في تفاعله مع ابناء جنسه ومن يشاركه في بيئته ومحيطه ،وبالتالي تختفي الصورة الانسانية ويتخلى الانسان عن كونه انسانا وان كان في صورته صورة انسان قال تعالى ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والانس لهم قلوب لايفقهون بها ولهم اعين لا يبصرون بها ولهم اذان لا يسمعون بها اولئك كالانعام بل هم اضل اولئك هم الغافلون [8]) 3- الايحاء بقدرة الانسان – ومن خلال توظيفه للعلم - منفردا في التحكم بالبيئة والمحيط الخارجي وبشكل مطلق وانتفاء المنافس له في هذا المجال.فكما ان الاحداث والازمات التي يتعرض اليها الانسان هي احداث وازمات منظورة ومشهودة ، كذلك الحال بالنسبة الى وسائل علاجها فانها ايضا لابد ان تكون امورا تتعلق بعالم المادة ، وبالتالي الوصول بالانسان الى مستوى من الاعتقاد بعدم جدوى التعلق بالغيب والتوسل بالدعاء مثلا للتدخل في معالجة هذه الاحداث والازمات. فالدعاء هو احدى الوسائل التي جعلتها النصوص الدينية بيد الانسان للتوسل بها الى الله سبحانه وتعالى لمعالجة الازمات التي تتعرض اليها المجتمعات الانسانية ، فهو وكما ورد عن الامام الرضا (عليه السلام ) سلاح الانبياء وهو اخطر واقوى الاسلحة التي يحملها النبي وهو يرفع لواء الدعوة الى الله سبحانه وتعالى بل هو اخر الاسلحة التي يلجأ اليها الرسل عندما يصلون الى مستوى القناعة التامة بان فئاتهم الاجتماعية قد وصلت الى المستوى القناعة الكاملة بما هي عليه من الرد او القبول لدعوتهم . قال تعالى ( وقال نوح رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا . انك ان تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا الا فاجرا كفارا ) . 4- تبرير الممارسات والسلوكيات بل والسياسات المنحرفة لبعض المجتمعات البشرية تجاه الاخرى ، فمثلا نظرية مالثيوس يمكن ان تكون في جوهرها تبريرا لافتعال الازمات السياسية والصراعات العسكرية بين المجتمعات البشرية وتغذيتها بوسائل التدمير الفتاكة وبما يضمن ايقاع اكبر عدد من الضحايا البشرية بحجة ان هذه الحروب والصراعات تمثل احدى طرق معالجة مشكلة الانفجار السكاني لايجاد حالة التوازن بين النمو السكاني غير المسيطر عليه وانتاج الغذاء . 5- تشير المنهجية المتبعة في استخلاص هذه النظرية الى ان مقياس صحة ومصداقية كل قضية يكمن في مقدار اخضاعها للبحث العلمي .وبالتالي فانها تعلن رفضها لكل ما هو غيبي . وعدم ايمانها بامكانية تخلف النار عن الاحراق وان الحديث عن نار ابراهيم(عليه السلام ) يمثل ضربا من الخيال !.فهي نظرية تحاول الاستحواذ على العقل بحيث انها تضع بينه وبين كل ما يمكن ان يساهم في منحه التصورات التي يحتاج اليها في عملية الاستنتاج والاستنباط في ميدان البحث جدارا فاصلا وعازلا . مناقشة هذه النظرية ... ان التعجب من هذا المستوى من الانتاج الفكري في هذه النظرية الاقتصادية فضلا عن غيرها من النظريات السياسية والعسكرية ومما يطول الحديث عنها ويخرج بنا عن اصل الموضوع ، ليس باقل من التعجب من امكانية تحقيق الامن الاجتماعي بواسطة الفوضى الاجتماعي ، فلا ندري كيف يمكن ان نستوعب ان بامكان الحروب والاوبئة والامراض التي تفتك في مجتمعاتها ، وترعب غيرها من المجتمعات حتى البعيدة عنها وهذا ما نشاهده من التدابير الوقائية الصارمة التي تتخذها العديد من دول العالم البعيدة عن ميدان الخطر تحسبا من وصوله اليها او تاثرا بها . الا انه مع هذا يمكن نسجل بعض المناقشات على مثل هذه النظريات . اولا : مناقشة ذات بعد ديني . جدلا وعلى فرض ان التقدم العلمي وصل الى مستوى بحيث امكن لمراكزه البحثية ان تقوم بانتاج وسائل جديدة لها قوة الردع الكافي لكل ما يمكن ان يكون مصدرا للخوف والتهديد للمجتمعات الانسانية [9]. لكن لماذا تقوم بمصادرة الطرق والوسائل الاخرى التي تلتقي مع هذه الوسائل في النتائج وان اختلفت عنها في مقدماتها ؟ . فالدعاء وان جاء على طريقة التضرع والتوجه الى الله سبحانه وتعالى وانه لايحتاج الى مراكز بحثية تقوم بتحليل هذه الظاهرة والوقوف على اجزائها التركيبية وغيرها الا انه وبلا شك اذا ما توفرت شروطه فانه يكون له تاثيره الذي يدركه من له ادنى ارتباط بالله سبحانه وتعالى . فلماذا لايكون الدعاء عنصرا اضافيا يساهم مع غيره من الوسائل الاخرى في تحقيق الامن الجماعي . فالنظرية الاسلامية في الوقت الذي تدعو فيه الى رد الاعتداءات الخارجية بالوسائل الحربية الا انها لم تقتصرا عليها فقط ، بل جعلت الدعاء احد الوسائل التي تم توظيفها لتحقيق النصر وايجاد حالة الامن والاطمئنان في المجتمع .قال تعالى ( وما النصر الا من عند الله )[10] قال تعالى (ان تنصروا الله ينصركم )[11] وقال تعالى ( يا ايها النبي حرض المؤمنين على القتال ان يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وان يكن منكم مائة يغلبوا الفا من الذين كفروا بانهم قوم لايفقهون)[12] ثانيا : مناقشة علمية ان تحقيق الامن الجماعي على اساس هذه النظرية وامثالها يمثل حالة من التناقض بين النظرية وتطبيقها ، فبالاضافة الى نظرية مالثيوس نجد نظرية الفوضى الخلاقة التي تسعى هي الاخرى الى تحقيق الامن الجماعي من خلال اشاعة الفوضى على مستوى العالم ، وان هذه الفوضى( بحسب هذه النظرية ) يمكن ان تكون سببا في انتاج عالم منظم يتسم بالامن الجماعي ) !!! فهذه النظريات تحمل بذور التناقض في صياغتها فضلا عن مضمونها ، فكيف يمكن للفوضى ان تنتج النظام ، وكيف للحروب والصراعات العسكرية والاوبئة وما تخلفه من حالات الخوف لدى الاطراف القريبة والبعيدة لها ان تنتج امنا فرديا فضلا عن الجماعي ، ف المجتمع البشري الذي يكون ميدانا ميدانيا لهذه الاحداث ومسرحا لها وبالتالي فانه يعاني من اثارها الحالية و المستقبلية خصوصا فيما يتعلق باستخدام الاسلحة الحديثة . واما المجتمعات البعيدة عن مسرح الاحداث فان حالها ليس بافضل من حال مجتمع الكارثة فانها هي ايضا تعيش حالة الخوف والهلع نتيجة تاثرها بهذه الصراعات وامتداد اثارها اليها ولو على المستوى الاقتصادي ، فالمجتمعات الانسانية اصبحت بدرجة من الاندماج والارتباط المصيري الذي يصعب فيه العيش بمنأى عن التاثر بالمحيط العالمي مما يعني ان هذه المجتمعات اصبح الارتباط بين بعضها والبعض الاخر بالمستوى الذي جعل عامل التاثر والتحفيز فيما بينها امرا واضحا وجليا للعيان[13] ــــــــــــــــــــــــــ [1] - الخصال للشيخ الصدوق ص 430 . [2] - سورة طه الايات 117 – 118 – 119 . [3] - سورة الروم . الاية 21 . [4] - مالثوس malthus فيلسوف واستاذ للاقتصاد السياسي في كلية هليبري التي انشأتها شركة الهند الشرقية والتي كانت تدير المستعمرات البريطانية في الشرق الاوسط والقارة الهندية بريطاني ينتمي الى عائلة لها ميول دينية !! الا انه مع هذا الانتماء الديني انتج هذه النظرية في السكان وهي نظرية وضعية صرفة.علما بانه تمسك بهذه النظرية الى درجة انه لم يتزوج الا في سن متاخر [5] - سورة الانعام – الاية 151 . [6] - سورة الاسراء – الاية 31 . [7] - مفاتيح الجنان . تعقيبات الصلاة اليومية في شهر رجب المعظم . [8] - سورة الاعراف – الاية 179 . [9] - وان كانت هذه الفرضية تفندها الكوارث الطبيعية التي هي خارج قدرة وسيطرة هذه المراكز البحثية التي في افضل صورها انها يمكن ان تتوقع حدوثها وتعجز عن تقدير نتائجها . [10] - سورة ال عمران – الاية 165 . [11] - سورة الانفال – الاية 10 . [12] - سورة الانفال – الاية 65 . [13] - ولعل ما تشهده الساحة العربية من احداث خير شاهد على ما نقول .
|