spacer
 

 

 

spacer
spacer  
 

ثقافة ومصطلحات قرآنية(30) ـ التفسير والمفسرون ـالقسم الرابع طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ الشيخ حميد البغدادي ـ العدد (106)   

الشيخ حميد البغدادي2 - التفسير بالرأي: والمقصود منه هنا أن يعتمد الإنسان في تفسير الآيات القرآنية على رأيه المجرّد من خلال قناعاته الشخصية المسبقة فيوجه أو يؤوّل الآيات القرآنية بما ينسجم معها. وقد تضمنت  النصوص الكثيرة النهي عن هذا التفسير والتحذير منه.

 (1) وهو يستند إلى الهوى والرأي غير المعتمد على ما يؤيده ويسدده من العقل أو الشرع.

وقد روي عن الإمام الصادق (ع):"من فسر القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ"  (2) وهو إشارة إلى ان ذلك من الخطأ في المنهج والطريقة التفسيرية وان وافق الواقع فان هذه الموافقة اتفاقية .
وليس منه تفسير القرآن بالاجتهاد ـ  أي على كل جهد عقلي واجتهادي لتفسير الآيات القرآنية ـ بعد معرفة المفسر لكلام العرب وأساليبهم في القول، ومعرفته للأَلفاظ العربية ووجوه دلالتها، ووقوفه على أسباب النزول، ومعرفته بالناسخ والمنسوخ من آيات القرآن، وغير ذلك من الأدوات التي يحتاج إليها المفسر. وهو غير التفسير بالرأي المنهي عنه.

قال السيد الخوئي مامعناه: (ان الأخذ بظاهر اللفظ, مستندا إلى قواعد وأصول يتداولها العرف في محاوراتهم، ليس من التفسير بالرأي، و إنما هو تفسير بحسب ما يفهمه العرف، وبحسب ما تدل عليه القرائن المتصلة والمنفصلة، والى ذلك أشار الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) بقوله: ( إنما هلك الناس في المتشابه، لانهم لم يقفوا على معناه، ولم يعرفوا حقيقته، فوضعوا له تأويلا من عند أنفسهم برأيهم، استغنوا بذلك عن مسالة الأوصياء فيعرفونهم).

وأضاف مانصه: (ويحتمل أن معنى التفسير بالرأي الاستقلال في الفتوى من غير مراجعة الائمة (عليهم السلام)، مع أنهم قرناء الكتاب في وجوب التمسك ، ولزوم الانتهاء إليهم ،  فإذا عمل الإنسان بالعموم أو الإطلاق الوارد في الكتاب، ولم يأخذ التخصيص أو التقييد الوارد عن الأئمة (عليهم السلام) كان هذا من التفسير بالرأي. وعلى الجملة، حمل اللفظ على ظاهره بعد الفحص عن القرائن المتصلة والمنفصلة، من الكتاب والسنة أو الدليل العقلي، لا يعد من التفسير بالرأي) (3) .
وهناك ثلاثة اتجاهات رئيسة في التفسير أشار إليها بعض الأعلام (4)وهي:

1 ـ التفسير الذي يعتمد على قناعات الإنسان وآرائه المسبقة، وهذا هو التفسير بالرأي المنهي عنه، ونلاحظ ان كثيراً من المفسّرين اقحموا قناعاتهم المسبقة في تفسير الآيات، وحمّلوا الآيات الكريمة آراءهم الخاصة وتوجّهاتهم. فالمعتزلي يفسّر الآية بما ينسجم مع منهجه الاعتزالي، والأشعري كذلك، والفيلسوف يجرّ الآيات إلى دعم آرائه الفلسفية، والعرفاء والمتصوّفة حوّلوا القرآن إلى رموز وإشارات وفق أذواقهم وهكذا... حتى ان المنبهرين بالتطور الهائل للعلوم المادية جعلوا من القرآن كتاب فهرسة للإشارة للنظريات العلمية المختلفة.

2 ـ تفسير الآيات من خلال الجمود على الروايات الواردة عن النبي(صلى الله عليه وآله) والأئمة المعصومين(عليهم السلام) ـ عند الشيعة ـ أو الصحابة والتابعين ـ عند الجمهورـ .
وهذه هي الطريقة التي كانت متبعة لدى الطبقات الأولى من المفسّرين بشكل عام.

ويلاحظ على هذه الاتجاه التفسيري انه يحدّد دور القرآن الكريم ويحصره في زوايا ضيّقة، فيفقد حيويّته وفاعليّته في حياة الأجيال المتعاقبة، خصوصاً عند الجمهور حيث لا تتجاوز الأحاديث النبوية في التفسير مائتين وخمسين حديثاً ـ مع ما في سند أكثرها من ضعف ومضمون بعضها من اضطراب وتهافت ـ .

ورغم وجود أحاديث مروية عن الأئمة(عليهم السلام) أكثر من هذا الرقم بكثير لدى الشيعة الإمامية إلاّ ان الروايات المذكورة لا تفي بالكشف عن الدور الحقيقي للقرآن الكريم، وان التقيّد بموارد هذه النصوص يغيّب القرآن الكريم عن الواقع المعاصر ويحدّ من دوره وحيويته.

على ان كثيراً من الآيات لم ترد في تفسيرها نصوص من طُرق الجمهور ولا  من طُرق شيعة أهل البيت(عليهم السلام)، حيث لم تتكفل الروايات الواردة في تفسير آيات القران الكريم الكتاب العزيز بأجمعه.
3 ـ تفسير القرآن بالاعتماد على التدبّر فيه، واستنطاق الآية الكريمة وملاحظة الآيات الأخرى المرتبطة بها، مع الرجوع للنصوص الواردة في المقام.

ويتطلب هذا النحو من التفسير:
أ : مستوى علمياً رفيعاً في العلوم المختلفة المرتبطة بالمواضيع التي يتناولها القرآن الكريم، بالإضافة إلى دقّة المفسّر ووعيه الاجتماعي العام.
ب : أصالة وعمق الثقافة الإسلامية للمفسِّر في مختلف الجوانب العقائدية والاجتماعية وغيرها، وإحاطته بالمصادر الإسلامية الأصيلة المتمثلة بالرسول الكريم(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الأئمة المعصومين(عليهم السلام)، لأنّ القرآن الكريم وأهل البيت ـ كما جاء في حديث الثقلين المعروف ـ هما الثقلان اللذان خلفهما الرسول الكريم للأمة الإسلامية وانهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض.
ج : الإحاطة والمراجعة الشاملة والدقيقة لكل ما يمكن أن يساهم في تفسير الآية، وعدم التسرع في التفسير، إلاّ بعد التثبت والوضوح التام، ومع عدمه فيُطرح الرأي كمجرد احتمال قابل للنقاش والدراسة من دون نسبته للقرآن، فلا يصح نسبة الرأي إلى انه مراد القران جزافا وتشهيا.
وهذا النمط من التفسير هو الذي ينسجم مع النصوص الكثيرة التي حثت على الرجوع للقرآن الكريم واستنطاقه، وانه لا يخلق على مرّ العصور والأيام... ففي كلام للإمام علي(عليه السلام) في نهج البلاغة: «وكتاب الله بين أظهركم ناطق لا يعيا لسانه وبيت لا تهدم أركانه وعزّ لا تهزم أعوانه»(5).
وفي كلام آخر له(عليه السلام)  أيضاً: «ثم انزل عليه الكتاب نوراً لا تطفا مصابيحه وسراجاً لا يخبو توقّده... فهو معدن الإيمان وبحبوحته ـ أي وسطه ـ وبحر لا ينزفه المستنزفون، وعيون لا ينضبها الماتحون ـ أي المستقون ـ ومناهل لا يغيضها الواردون... جعله الله رياً لعطش العلماء وربيعاً لقلوب الفقهاء... إلخ»(6).
وهناك نصوص كثيرة عن الرسول(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) تشير إلى ذلك، هذا بالإضافة إلى العديد من الآيات القرآنية الداعية للتدبر والتأمل في القرآن الكريم وهو واضحة لمن تتبع آيات الذكر الحكيم، منها:
(أفلا يتدبَّرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً)(7).
(كتابٌ أنزلناه إليك مباركٌ ليدَّبروا آياته وليتذكَّر أولوا الألباب)(8).
(أفلا يتدبَّرون القرآن أم على قلوب أقفالها)(9).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع: علوم القرآن.. دروس منهجية، السيد رياض الحكيم، «الدرس السادس والثلاثون».
(2) مقدمة تفسير العياشي , ج1 , ص 17, الحديث رقم2.
(3)  راجع: البيان في تفسير القرآن، السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي  ص 269 ـ 270.
(4) راجع: الميزان في تفسير القرآن, السيد محمد حسين الطباطبائي, تصحيح الشيخ حسين الاعلمي, الطبعة الثانية المحقّقة، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات: ج3 ص88 ـ 89..
(5) تصنيف نهج البلاغة: 209.
(6) تصنيف نهج البلاغة: 212.
(7) سورة النساء: 82.
(8) سورة ص: 29.
(9) سورة محمّد: 24.

 
< السابق   التالي >

spacer

spacer