spacer
 

 

 

spacer
spacer  
 

اخبار مجلة الفرات
 
 

الانحراف في مسيرة الأمة طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ حيدر الكعبي ـ العدد (106)   

حيدر الكعبييعد تاريخ الأمة الإسلامية - في عصر صدر الإسلام خاصة- من أهم القضايا التي على المسلمين أن يدرسوها بتأنٍ وإتقان، وتدبر وإمعان، لأن هذا التاريخ يمثل معلما أساسيا مهما يرتبط بالكثير من الحقائق التي تمس عقائد المسلمين عبر العصور.

لذا لا بد لكل فرد منهم أن يتجرّد عن خلفياته المذهبية ويشمّر عن صافي ذهنه لقراءة هذا التاريخ واستنطاقه، ليكون حكما عدلا وشاهدا بصيرا على واقع هذا التاريخ، ويفهم فصوله على نحو الحقيقة بعيدا عن التزييف والتحريف، لتحقيق الغرض المهم الذي يتعلق بنجاته في الحياة الأخرى.
وقد يعترض البعض على إثارة الوقائع التاريخية لأمتنا الإسلامية، باعتبار أن هذه الإثارة لا فائدة منها اليوم، وذلك لمضي فترة طويلة جدا على انقضائها، إضافة إلى أنها تسبب حالة من الشحناء بين جماعات الأمة الإسلامية لحساسية بعض تلك الوقائع.

وفي الحقيقة إن إثارة تلك الأحداث التاريخية ودراستها له فائدة عظيمة على الصعيدين العام والخاص، فعلى الصعيد العام نعلم بأن دراسة الحوادث التاريخية هي طريق مهم لاستخلاص العبر والدروس التي نحتاجها في حياتنا المعاصرة، لأن التاريخ يعيد نفسه دائما، وما مرّ على الأمم السابقة سوف يمر علينا حتما بشكل أو بآخر، قال النبي(ص): (لتركبن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع..)[1].

أما على الصعيد الخاص، فان الأحداث التاريخية الإسلامية كان لها تأثير رئيسي على حياتنا المعاصرة، إذ أن ما حصل في تلك الحقبة كان سببا مهما في توجيه مستقبل الأمة الإسلامية، والواقع الذي نعيشه اليوم ما هو إلا نتاج تلك الأحداث التاريخية بشكل من الإشكال.

والمتحصل من كلا هذين الأمرين: إن تلك الأمور ليست أموراً ميتة أكل الدهر عليها وشرب، وإنما هي أحداث حيّة ترسم مصير الأمة وتحدد وجهتها، ولها تأثير متواصل على مسيرتها في كل حين.
لذا فإن طرح مثل هذه القضايا المهمة بشكل موضوعي يأتي في سلّم الأولويات التي يجب أن تطرح، وإن النتيجة التي تترتب على دراسة تاريخ المسلمين نتيجة مهمة جدا حتى على صعيد وحدة الأمة الإسلامية، إذ أن هذه الأمة إذا ما وقفت على حقائق التاريخ الصحيح فإنها ستتفق على تاريخ وفكر ومنهج واحد، وهذه هي الوحدة الحقيقية التي تحقق للأمة طموحاتها، والتغافل والتعامي عن مثل هذه المسائل لا يحل المشكلة، وقد يزيد في تعقيدها.

فصل من دراسة تاريخ الأمة:
إن دراسة تاريخ الأمة الإسلامية واستقصاء معالمه العديدة أمر يضيق عنه وسع هذه العجالة بطبيعة الحال، ولكن يمكن في هذا المجال أن نلقي الضوء على جانب مهم من هذا الموضوع، وهذا الجانب يتجسد في الإجابة عن السؤال التالي: هل أن الأمة الإسلامية في مسيرتها العامة قد استقامت على نهج السماء الحنيف، أو أنها انحرافت في مسيرتها عنه وزاغت عن هديه وسمته.

إن استقراء آراء المسلمين في الجواب عن هذا السؤال يبين بأنهم ينقسمون – وفق نظرتهم العامة للتاريخ- إلى طائفتين رئيسيتين، الأولى تمثل جمهور المسلمين من أهل السنة والجماعة، والثانية تمثل أتباع أهل البيت(ع)، وان كانت هنالك طائفة ثالثة لها نظرة تأخذ من رأي الطائفة الأولى ضغث، ومن رأي الطائفة الثانية ضغث، وتكوّن من ذلك المزيج رأيا ثالثا لها، ولكن من خلال الوقوف على الصواب في احد الرأيين الأولين، فسوف نقف على حقيقة الأمر في رأي الطائفة الثالثة بكل وضوح.
إن أتباع أهل البيت(ع) ينظرون إلى أن ما حدث في الأمة الإسلامية على ارض الواقع لم يأتِ وفق ما أراده رسول الله(ص) لهذه الأمة، وان الأسس التي أقام دعائمها خاتم الأنبياء في حياته قد حُرفت عن مسارها الصحيح عن عمد وقصد، وبالتالي فان واقع المسلمين قد آل إلى ما هم عليه من فتن واستضعاف وفرقة.

وعلى العكس من هذه النظرة، فان جمهور المسلمين من أهل السنة والجماعة يرون بان ما حدث في تاريخ الأمة الإسلامية كان أمرا سليما بشكل عام، وان المسلمين عاشوا ويعيشون وفق ما رسمه الله تعالى لهم من العز والتفضيل – إلا طوائف شذت عن جماعة المسلمين- دون خلل عظيم في مسيرتهم العامة.

ووفق هذا المحور الحساس، احتدم النقاش وتقارعت الأدلة على تثبيت أحقية هذا الرأي أو ذاك، وكان على رأس هذا الجدل الاستدلال والاستشهاد بما ورد في القران الكريم وسنة رسول الله(ص)، باعتبارهما أساسان رئيسيان في معرفة أحكام الشريعة الإسلامية وما يتعلق بها من قريب وبعيد.

وفي هذا المضمار يمكن تحديد محطات تاريخية رئيسية للوقوف على الرأي الصائب في ذلك بشكل إجمالي، ومن هذه المحطات اخترنا أولا دراسة واقع حال عامة المسلمين الأوائل الذين يسمون بصحابة رسول الله(ص) دراسة سريعة على ضوء القران والسنة النبوية، وثانيا دراسة بعض الأحداث التي واكبت ظاهرة قتل الخلفاء الأوائل، وأخيرا بيان جانب من الحروب التاريخية المهمة التي نشبت بين طوائف المسلمين ثالثا.

أولا: صحابة الرسول(ص)
إن أول محطة من محطات دراسة تاريخ الإسلام في باب إثبات الانحراف في مسيرة الأمة أو نفيه: معرفة حال الصحابة الذين عاصروا النبي(ص)، مضافا إلى الذين بقوا منهم بعد وفاته، وهذه القضية امر مهم جدا باعتبار ان هؤلاء كان لهم التأثير الاكبر في تحديد مسيرة الامة في عهد الرسول(ص) وما بعده.

إن جمهور أهل السنة والجماعة يعرّفون الصحابي بأنه كل من اسلم في عصر النبي(ص) فشاهده وسمع حديثه، وليس بالضرورة أن يشهد مع النبي(ص) غزوة أو أكثر، أو أن يجالسه ويرافقه مطولا حتى يدخل في حيز الصحبة هذه.
 وكل الصحابة وفق هذا التعريف هم من العدول عندهم، بحيث لم يصدر عنهم انحراف أو زيغ أو ارتداد عن دين الله سبحانه وتعالى، وبالتالي فان مصيرهم لا ريب إلى الجنة، ويستندون في هذا الأمر إلى آيات من الذكر الحكيم كقوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)[2] وقوله تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا)[3].

كما أنهم يستندون في إثبات عدالتهم بأحاديث عن النبي(ص) كقوله: (لا تسبوا أحدا من أصحابي، فان أحدكم لو أنفق مثل أُحد ذهبا ما أدرك مد أحد ولا نصيفه)[4] وعنه أيضا: (الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني ومن أذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه)[5] وروي عنه أيضا قوله: (النجوم آمنة للسماء، فإذا ذهب النجوم أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي آمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون)[6].

كما أنهم يستندون في هذا الاعتقاد إلى تاريخ الصحابة نفسه، فحيث أنهم كانوا من الرعيل الأول الذين ضحوا بأنفسهم وأموالهم وجاهدوا مع رسول الله(ص) وصبروا معه في أيام الشدة والمحنة، فلا بد من أن يكونوا من الخالصين حقا في ولائهم للإسلام، إذ لا يعقل أن يزيغ إنسان –وحاله هذه- عن جادة الحق إلى الباطل.

أما أتباع أهل البيت(ع) فهم يرون بان الصحابة - شانهم شان سائر المسلمين-يدخلون تحت الإطار العام الذي وضعه المشرع الإسلامي الأعظم لإثبات عدالة المسلم وتمسكه بالدين، وهذا الإطار هو طاعة الله ورسوله(ص) والتسليم المطلق لهما، والالتزام بتعاليم الشرع الحنيف قولا وفعلا، قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا)[7] وقال تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا)[8] وقال تعالى: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[9] وقال تعالى: (قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ)[10] وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ)[11]وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي تجعل من طاعة الله وطاعة رسوله المقياس الذي ينبئ عن إيمان العبد على وجه الحقيقة لا على نحو الادعاء.

 وبالتالي فان صحبة الرسول(ص) - وفق تعريف أهل السنة والجماعة للصحبة- لا تعد مقياسا لعدالة الإنسان وإيمانه في نظر أتباع أهل البيت(ع)، وهم يستشهدون لذلك بأدلة من القران الكريم ومن سنة الرسول(ص) ومن تاريخ الصحابة أيضا.
فأما ما ورد من القران الكريم في ذلك تصريحه بان هنالك من الأشخاص الذين عاصروا النبي(ص) فشاهدوه وسمعوا حديثه هم في واقع حالهم من المنافقين الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، وفيهم أيضا من في قلبه مرض لم يستقر دين الله تعالى في سويدائه، وفيهم من يعصي رسول الله(ص) ويخالفه فيما يأمر وينهى، وقد وردت آيات عديدة من القران الكريم تشير إلى وجود أمثال هؤلاء صراحة كقوله تعالى: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ..)[12] وقال تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ)[13]وقال تعالى: (إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)[14] وقال تعالى: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولًا) [15]الى غير ذلك من الآيات القرآنية الكثيرة التي وردت في هذا المضمار.

كما رويت أحاديث نبوية شريفة تؤكد زيغ وانحراف بعض الصحابة، بحيث لا يستحقون في النهاية دخول الجنة أصلا، ونحن نكتفي بذكر ما ورد في صحيح البخاري – الذي يعد من اصح الكتب عند أهل السنة والجماعة- في هذا المجال.
روي عن النبي(ص) انه قال: (إني على الحوض حتى أنظر من يرد عليّ منكم، وسيؤخذ ناس دوني، فأقول: يا رب مني ومن أمتي. فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم) فكان ابن أبي مليكة يقول: اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن عن ديننا، وعنه(ص) انه قال: (يرد علي الحوض رجال من أصحابي فيحلؤون عنه فأقول: يا رب أصحابي، فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري) وقال(ص): (إني فرطكم على الحوض، من مر عليّ شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا، ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم) قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش فقال: (هكذا سمعت من سهل؟) فقلت: (نعم) فقال: (اشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها، فأقول: إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك؟ فأقول : سحقا سحقا لمن غيّر بعدي).

 وأخرج أيضا عن أبي هريرة أنه كان يحدث أن رسول الله(ص) قال: (يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيحلؤون على الحوض، فأقول: يا رب أصحابي، فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري)[16].
أما ما يخص الآيات التي يستدل بها أهل السنة والجماعة في تعديل الصحابة كقوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)[17] فليست تثبت لجميع الصحابة على الإطلاق، وإنما هي تختص بالمؤمنين منهم حقا، الثابتين على العهد الذي عاهدوا الله عليه، لان الآية الكريمة ليست بصدد إثبات عصمة كل الصحابة من الضلال، وليس من المسلمين احد يدعي لهم ذلك، وبالتالي يحتمل فيهم ارتكاب الإثم والزيغ، فإذا فرض تحقق الزيغ منهم فانهم سيخرجون عن رضا الله تعالى، ولن يعودوا داخلين في إطار الآية المباركة، إذ ليس من المعقول أن يثبت رضا الله تعالى عن إنسان زاغ عن الدين وإن كان سابقا له أول الأمر، وبخاصة أن الزيغ ممكن له لعدم ثبوت عصمته، ونتيجة لذلك نعلم بان إثبات عدالة الصحابة لا يستند على الآية الشريفة مباشرة، وإنما إثباتها يستند على قاعدة طاعة الله والرسول والالتزام بأحكام الشرع الحنيف، وهي الضابط الذي يبين إيمان المرء من فسقه، وهديه من ضلاله، ، قال الشيخ المفيد في هذا الباب: (على أنهم لو كانوا هم المعنيين بالآية لم يمنع ذلك من وقوع الخطأ منهم ولا اوجب لهم العصمة لأن الرضا المذكور في الآية وما أعد الله من النعيم إنما يكون مشروطا بالإقامة على ذلك والموافاة به، وذلك يجري مجرى قوله: (وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا)[18] ولا أحد يقول إن ذلك يوجب لهم العصمة ولا يؤمن وقوع الخطأ منهم بل ذلك مشروط بما ذكرناه..)[19].

أما في دلالة قوله تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا)[20] فالأمر فيها يجري مجرى الآية السابقة أيضا، يقول العلامة المجلسي في دلالة الآية الشريفة: (اشترط عليهم أن لا ينكروا بعد ذلك على رسول الله(ص) شيئا يفعله، ولا يخالفوه في شيء يأمرهم به، فقال الله عز وجل بعد نزول آية الرضوان: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا)[21] وإنما رضي عنهم بهذا الشرط، أن يفوا بعد ذلك بعهد الله وميثاقه، ولا ينقضوا عهده وعقده، ، فبهذا العقد رضي عنهم، فقد قدموا في التأليف آية الشرط على بيعة الرضوان، وإنما نزلت أولا بيعة الرضوان، ثم آية الشرط عليهم فيها)[22].

ومن المناسب أن ننقل ما قاله الشيخ المفيد حول آية الرضوان أيضا حيث قال: (.. قد رأينا من جملة السابقين ومن جملة المبايعين تحت الشجرة من وقع منهم الخطأ، ألا ترى أن طلحة والزبير كانا من جملة السابقين ومن جملة المبايعين تحت الشجرة وقد نكثا بيعة أمير المؤمنين(ع) وقاتلاه وسفكا دماء شيعته وتغلبا على أموال المسلمين، وكذلك فعلت عائشة، وهذا سعد بن أبي وقاص من جملة السابقين والمبايعين تحت الشجرة وقد تأخر عن بيعة أمير المؤمنين(ع)، وكذلك محمد بن مسلمة، وما كان أيضا من سعد بن عبادة وطلبه الأمر خطأ بلا خلاف)[23].

أما الأحاديث النبوية التي وردت في مدح صحابة النبي(ص)، فإنها - إن صحت- تختص أيضا فيمن وفى بحق الصحبة التي تنبع من طاعة الله والرسول(ص) والتسليم المطلق لهما، والثبات على الوفاء بهذا الحق، وإلا فمن غير المعقول أن يكون المنافقون والذين في قلوبهم مرض –وهم ممن صحبوا النبي(ص) – يدخلون أيضا في مدح وثناء الرسول(ص) في الأحاديث المذكورة.

أما ما يُستشهد به من البذل الذي قدمه أولئك الصحابة في عصر صدر الإسلام، فهو أمر ثابت لبعضهم دون البعض الآخر، فكم من موقف تزعزع خلاله الكثير من المسلمين وزلّوا فيه عن مرضاة الله تعالى، من ذلك انهزام عامّتهم في معركتي احد وحنين[24]، مع أن الله تعالى أمرهم أن لا يولوا الدبر في كتابه العزيز حيث قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ. وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)[25]، ومن ذلك اعتراض قوم من الصحابة على أمر رسول الله(ص) حينما أمر بإحضار دواة وقلم ليكتب لهم كتابا لن يضلوا به بعده أبدا، حتى طال الجدل بينهم أمامه، فغضب(ص) وأخرجهم من محضره الشريف ولم يكتب لهم الكتاب، وصار ابن عباس يبكي للحادثة ويسميها رزية[26].

ثانيا: قتل الخلفاء
ومن جملة محطات دراسة التاريخ الإسلامي - في مسالة انحراف مسيرة الأمة- ظاهرة قتل الخلفاء بعد رسول الله(ص)، الذين كانوا يمثلون قمة الهرم السياسي والتشريعي في الدولة آنذاك، وهذه الظاهرة إذا ما درسناها جيدا فسنجد أنها من الحقائق التاريخية العظيمة الأهمية، بحيث لا يمكن التغافل عنها وإهمال الوقوف عند أسبابها ونتائجها.

وإن من أكثر الإحداث إثارة للتساؤلات في هذا الباب: مسالة قتل الخليفة الثالث عثمان ابن عفان، حيث يشير التاريخ الإسلامي إلى أن جماعة كبيرة من المسلمين حاصروه في داره ثم اقتحموا عليه واردوه قتيلا في عاصمة الأمة الإسلامية آنذاك، وتحت سمع وبصر المسلمين.

وأهمية هذا المفصل الحساس من تاريخ الأمة يمثل نقطة حيوية لدى كلا الفريقين بشكل عام، فأما من ناحية أهل السنة والجماعة فلأن قتل رجل من صحابة رسول الله(ص) كعثمان بن عفان - مضافا إلى كونه خليفة الرسول في وقته- لم يكن أمرا هيّنا على الإطلاق، لأنهم لا يجوزون سبّ صحابي أو القدح في عدالته، فكيف إذا وصلت النوبة لقتله؟ أما أتباع أهل البيت(ع) فان هذه القضية تمثل أهمية بالنسبة لهم لأن فيها برهان جلي يفصح عن حقيقة إيمانهم بمسالة انحراف مسيرة الأمة، فباعتبار أن خلافة عثمان بن عفان كانت بالأصل زيغا واضحا عن جادة الصواب، فان انقلاب الرعية عليه يعد أمرا طبيعيا لمثل هذا الزيغ.

ومجمل التداعيات التي أدت إلى قتل الخليفة عثمان بن عفان كانت تتمثل في انقلاب طوائف عديدة من المسلمين – وفيهم من صحابة رسول الله(ص)[27]- في أنحاء الأمة الإسلامية على رأس الدولة آنذاك، لأمور منها جور الولاة الذين عيّنهم الخليفة في الأمصار الإسلامية، وتقريبه الشديد لأقاربه من بني أمية، واستئثار هؤلاء بالفيء، الأمر الذي أدى إلى زحف الكثير من المقاتلة نحو المدينة ومحاصرتها، وصولا إلى ضرب الحصار على بيت الخليفة ثم قتله.

ومن الجدير بالذكر أن التاريخ يبين أن هذه الأحداث لم تأت دفعة واحدة، وان طوائف الثائرين كانوا يرسلون رجالهم ويباحثون عثمان في الأمور التي نقموها عليه، فيحاججونه ويطالبونه بأمور يرون أن فيها حلا لمشاكلهم، وكان عثمان من جانبه يدفع بالتهم تارة، ويقر بذنبه تارة، ويستنصر عليهم بالقوة تارة أخرى.

روي عن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: كان أهل مصر الذين ساروا إلى عثمان ستمائة رجل على أربعة ألوية لها رؤوس أربعة، مع كل رجل منهم لواء وكان جماع أمرهم جميعا إلى عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي وكان من أصحاب النبي(ص) والى عبد الرحمن بن عديس التجيبي فكان فيما كتبوا إليه: (بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فاعلم أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فالله الله ثم الله الله فإنك على دنيا فاستتم إليها معها آخرة، ولا تلبس نصيبك من الآخرة فلا تسوغ لك الدنيا واعلم انا والله لله نغضب وفي الله نرضا، وإنا لن نضع سيوفنا عن عواتقنا حتى تأتينا منك توبة مصرحة أو ضلالة مجلحة مبلجة، فهذه مقالتنا لك وقضيتنا إليك والله عذيرنا منك والسلام)، وكتب أهل المدينة إلى عثمان يدعونه إلى التوبة ويحتجون ويقسمون له بالله لا يمسكون عنه أبدا حتى يقتلوه أو يعطيهم ما يلزمه من حق الله، فلما خاف القتل شاور نصحاءه وأهل بيته فقال لهم: (قد صنع القوم ما قد رأيتم فما المخرج؟) فأشاروا عليه أن يرسل إلى علي ابن أبي طالب فيطلب إليه أن يردهم عنه ويعطيهم ما يرضيهم ليطاولهم حتى يأتيه امداد، فقال: (إن القوم لن يقبلوا التعليل وهي محملي عهدا، وقد كان مني في قدمتهم الأولى ما كان، فمتى أعطهم ذلك يسألوني الوفاء به) فقال مروان بن الحكم: (يا أمير المؤمنين، مقاربتهم حتى تقوى أمثل من مكاثرتهم على القرب، فأعطهم ما سألوك وطاولهم ما طاولوك فإنما هم بغوا عليك فلا عهد لهم).

فأرسل إلى علي فدعاه، فلما جاءه قال: (يا أبا حسن، إنه قد كان من الناس ما قد رأيت وكان مني ما قد علمت ولست آمنهم على قتلي، فارددهم عني فان لهم الله عز وجل أن أعتبهم من كل ما يكرهون، وإن أعطيهم الحق من نفسي ومن غيري وإن كان في ذلك سفك دمي) فقال له علي: (الناس إلى عدلك أحوج منهم إلى قتلك، وإني لأرى قوما لا يرضون إلا بالرضا، وقد كنت أعطيتهم في قدمتهم الأولى عهدا من الله لترجعن عن جميع ما نقموا، فرددتهم عنك، ثم لم تفِ لهم بشيء من ذلك، فلا تغرّني هذه المرة من شيء، فإني معطيهم عليك الحق) قال: (نعم، فأعطهم فوالله لأفين لهم) فخرج عليٌ إلى الناس فقال: (أيها الناس، إنكم إنما طلبتم الحق فقد أعطيتموه، إن عثمان قد زعم أنه منصفكم من نفسه ومن غيره وراجع عن جميع ما تكرهون فاقبلوا منه ووكدوا عليه) قال الناس: (قد قبلنا فاستوثق منه لنا فإنا والله لا نرضا بقول دون فعل) فقال لهم علي: (ذلك لكم) ثم دخل عليه فأخبره الخبر فقال عثمان: (اضرب بيني وبينهم أجلا يكون لي فيه مهلة فاني لا أقدر على رد ما كرهوا في يوم واحد) قال له عليٌ: (ما حضر بالمدينة فلا أجل فيه، وما غاب فأجله وصول أمرك) قال: (نعم، ولكن أجلني فيما بالمدينة ثلاثة أيام) قال علي: (نعم) فخرج إلى الناس فأخبرهم بذلك وكتب بينهم وبين عثمان كتابا أجله فيه ثلاثا على أن يرد كل مظلمة ويعزل كل عامل كرهوه، ثم أخذ عليه في الكتاب أعظم ما أخذ الله على أحد من خلقه من عهد وميثاق وأشهد عليه ناسا من وجوه المهاجرين والأنصار، فكفّ المسلمون عنه ورجعوا إلى أن يفي لهم بما أعطاهم من نفسه، فجعل يتأهب للقتال ويستعد بالسلاح وقد كان اتخذ جندا عظيما من رقيق الخمس، فلما مضت الأيام الثلاثة وهو على حاله لم يغير شيئا مما كرهوه ولم يعزل عاملا ثار به الناس، خرج عمرو بن حزم الأنصاري حتى أتى المصريين وهم بذي خشب، فأخبرهم الخبر وسار معهم حتى قدموا المدينة، فأرسلوا إلى عثمان: (ألم نفارقك على أنك زعمت أنك تائب من أحداثك وراجع عما كرهنا منك وأعطيتنا على ذلك عهد الله وميثاقه؟) قال: (بلى أنا على ذلك) قال: (فما هذا الكتاب الذي وجدنا مع رسولك وكتبت به إلى عاملك)[28] قال: (ما فعلت ولا لي علم بما تقولون) قالوا: (بريدك على جملك وكتاب كاتبك عليه خاتمك) قال: (أما الجمل فمسروق وقد يشبه الخط الخط وأما الخاتم فانتقش عليه) قالوا: (فإنا لا نعجل عليك وإن كنا قد اتهمناك، اعزل عنا عمالك الفساق واستعمل علينا من لا يتهم على دمائنا وأموالنا واردد علينا مظالمنا) قال عثمان: (ما أراني إذاً في شيء إن كنت أستعمل من هويتم وأعزل من كرهتم، الأمر إذاً أمركم) قالوا: (والله لتفعلن أو لتعزلن أو لتقتلن، فانظر لنفسك أو دع) فأبى عليهم وقال: (لم أكن لأخلع سربالا سربلنيه الله) فحصروه أربعين ليلة[29].

 وروي انه لما رأى عثمان ما قد نزل به وما قد انبعث عليه من الناس، كتب إلى معاوية بن أبي سفيان وهو بالشام: (بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فإن أهل المدينة قد كفروا وأخلفوا الطاعة ونكثوا البيعة فابعث إلي من قبلك من مقاتلة أهل الشام على كل صعب وذلول) فلما جاء معاوية الكتاب تربص به وكره إظهار مخالفة أصحاب رسول الله(ص) وقد علم اجتماعهم[30].

إن الوقائع التي ينقلها التاريخ الإسلامي لهذه الحادثة تنبئ بوضوح عن خلل كبير وضعف شديد وصل إليه حال الأمة الإسلامية في ذلك الوقت، ومن الطبيعي أن هذا الحال لا يمكن أن يكون ناشئا عن أسباب ظهرت فجأة على الساحة الإسلامية وقلبت الأمور رأسا على عقب، وإنما هي ناشئة عن انحراف تدريجي أخذ بالنمو والتطور حتى آل الأمر إلى هذه النتيجة الفظيعة، لان الذي جرى لم يكن محصورا بطائفة محدودة من الناس، ولا القضية كانت متعلقة بحق من الحقوق الشخصية لهذا الفرد أو ذاك، وإنما كان هنالك رأي عام وجماعة كبيرة من المسلمين في أمصار مختلفة من البلدان الإسلامية تحركوا في هذا الاتجاه وفعلوا تلك الفعلة.

وبغض النظر عن أحقية تحركهم هذا أو خطئه، يبقى أصل هذا الانقلاب الذي أدى إلى مقتل رأس النظام الإسلامي آنذاك مؤشرا واضحا على مقدار الانحدار المؤسف في أوضاع المسلمين العامة، وتأثير ذلك الانحدار على كيان الأمة الإسلامية ككل.

ثالثا: الحروب بعد الرسول(ص)

ومن أوضح الأحداث التاريخية المرتبطة بموضوعنا هذا: الوقائع التاريخية التي نشبت بعد رحيل رسول الله(ص)، ابتداء من حروب الردة التي واجهها الخليفة الأول، مرورا بمعارك الجمل وصفين والنهروان، وانتهاء بمعركة الطف في كربلاء سنة 61هـ، وعلى الرغم من استمرار المعارك بين أقطاب الأمةالإسلامية بعد معركة الطف، إلا أن دراسة ما حدث في المعارك المذكورة آنفا والوقوف على خلفياتها وأسبابها يوصلنا – باعتقادي- إلى فهم أسباب وخلفيات المعارك والثورات التي حدثت بعد ذلك على أكمل وجه.

وان أفضل واقعة يمكن انتقاءها في هذه العجالة – كعينة لهذا المعلم التاريخي- معركتي الجمل وصفين، باعتبار أنهما وقعتا بين طائفتين تعلنان إسلامهما، ولأنهما –أو احدهما- كانا سببا أساسيا في نشوب معارك فاصلة تلت بعد ذلك كمعركة النهروان، ولمشاركة العديد من أصحاب رسول الله(ص) فيهما، ولصلة الوثيقة بين هاتين المعركتين مع حادثة قتل الخليفة الثالث، الأمر الذي يربط هاتين الواقعتين بالمعلمين المذكورين سابقا من هذا الموضوع.

أما في معركة الجمل فان السبب الذي دعا إلى نشوبها تحرك كل من عائشة وطلحة والزبير ضد حكومة الإمام علي(ع) بعد أشهر من استقامة البيعة له، وذلك لأنهم ادعوا الطلب بدم عثمان والانتقام من قاتليه.
والملاحظ أن طلحة والزبيرقبل إثارتهما لهذه الواقعة كانا من أول المبايعين للإمام علي(ع) بالخلافة بعد مقتل عثمان، واجتمع الناس في المدينة على ذلك خلا أنفار قليلة، قال ابن الأثير في الكامل: وكان أول من بايعه من الناس طلحة بن عبيد الله فنظر إليه حبيب بن ذؤيب فقال: (إنا لله، أول من بدأ بالبيعة يد له شلاء لا يتم هذا الأمر) وبايعه الزبير وقال لهما علي: (إن أحببتما أن تبايعاني وإن أحببتما بايعتكما فقالا بل نبايعك وقالا بعد ذلك إنما فعلنا ذلك خشية عليّ على نفوسنا وعرفنا أنه لا يبايعنا) وهربا إلى مكة بعد قتل عثمان بأربعة أشهر[31].

 إن ادعاء طلحة والزبير أنهما بايعا الإمام علي(ع) مكرهين هو أمر بعيد عن الحق في نظر المنصف، وبخاصة الزبير الذي كان يرى أن الأحق بالخلافة هو الإمام علي(ع) منذ عهد الخليفة الأول[32]، ثم إن انقلابهما على بيعة الإمام علي(ع) بدعوى طلبهما بثأر عثمان ما هي إلا حجة لا تسمن ولا تغني من جوع، لأنهما يعلمان تماما أن الإمام علي(ع) من ابرأ الناس من دم عثمان[33]، بل انه كان من أحسن الدافعين عنه الشر لو أن عثمان استجاب لنصائحه، ثم لماذا لم يطالبا بقتلة عثمان والاقتصاص لدمه خلال الأربعة أشهر من بقائهما في المدينة بعد البيعة إذا كان هذا الأمر يمثل كل هذه الأهمية بالنسبة لهم؟

أما أمر خروج عائشة ففساده بيّن، فقد أعلنت الانقلاب بمجرد سماعها بخبر تنصيب الإمام علي(ع) خليفة، ولم تذهب إلى المدينة لتستعلم الخبر وتجتمع بأهل المدينة لتتبين الحال وتطالبهم بالاقتصاص من قتلة عثمان، هذا مضافا إلى أن عائشة بنفسها كانت من الداعين إلى قتل عثمان من قبل، روى ابن الأثير في الكامل: أن عائشة خرجت من مكة تريد المدينة، فلما كانت بسرف، لقيها رجل من أخوالها من بني ليث يقال له عبيد بن أبي سلمة فاخبرها بقتل عثمان، قالت له: (ثم صنعوا ماذا؟) قال: (اجتمعوا على بيعة عليّ) فقالت: (ليت هذه انطبقت على هذه إن تم الأمر لصاحبك، ردوني ردوني) فانصرفت إلى مكة وهي تقول: (قتل والله عثمان مظلوما، والله لأطلبن بدمه) فقال لها: (ولم والله، إن أول من أمال حرفه لأنت، ولقد كنت تقولين اقتلوا نعثلا فقد كفر) قالت: (إنهم استتابوه ثم قتلوه، وقد قلت وقالوا، وقولي الأخير خير من قولي الأول)[34].

ثم لماذا لم تنتهِ عن المسير إلى القتال وقد صدق عندها حديث رسول الله(ص) لما نبحتها كلاب الحوأب في الطريق، فقد روى ابن الأثير عن العرني انه قال: (طرقنا الحوأب - وهو ماء-فنبحتنا كلابه، فقالوا: (أي ماء هذا؟) فقلت هذا ماء الحوأب، فصرخت عائشة بأعلى صوتها ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته وقالت: (إنا لله وإنا إليه راجعون إني لهيه، سمعت رسول الله(ص) يقول وعنده نساؤه: ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب؟) ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته وقالت: (ردوني أنا والله صاحبة ماء الحوأب) فأناخوا حولها يوما وليلة، فقال لها عبد الله بن الزبير إنه كذب، ولم يزل بها وهي تتمنع، فقال لها: (النجاء النجاء فقد أدرككم علي بن أبي طالب)[35].

ولعمري لقد ألزمها الصحابي جارية بن قدامة الحجة لمّا قال لها: (يا أم المؤمنين، والله لقتل عثمان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون عرضة للسلاح، إنه قد كان لك من الله ستر وحرمة، فهتكت سترك وأبحت حرمتك، إنه من رأى قتالك يرى قتلك، لئن كنت أتيتنا طائعة فارجعي إلى منزلك، وإن كنت أتيتنا مكرهة فاستعيني بالناس)[36].

إن خروج عائشة وطلحة والزبير الذي راح ضحيته الكثير من المسلمين – وغالبيتهم ممن لم يكن في أعناقهم من دم عثمان قطرة- لم يكن قد نال الثأر من قتلة عثمان وحسب، وإنما أفشى القتل والفتنة بين صفوف المسلمين، والذي يطلب الحق في مثل هذا الأمر كان الأجدر به أن يحتكم إلى إمام المسلمين الذي اجتمعت عليه الأمة ورضيت به خليفة، ولنِعم الحَكم الذي قال فيه رسول الله(ص): (علي مع الحق والحق مع علي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض يوم القيامة)[37].

أما أمر معاوية بن أبي سفيان وتأجيجه لمعركة صفين، فإنما هو وال من الولاة على بلاد الشام، يُنصب من قبل الخليفة ويعزل من قبل الخليفة، والواجب عليه السمع والطاعة، وما كان له أن يستأثر بالأمر ولا أن يعصي من استعمله، ولو كان يبغي الحق في الثار من قتلة عثمان لكان الأحرى به أن يستجيب لدعوة الإمام علي(ع) ليحكم فيما يطالب به على هدي القران[38]، لا أن يعصي ولي الأمر المفروض عليه طاعته، ويسفك الكثير من دماء المسلمين إضافة للدماء التي أريقت من قبل.
ولكن واقع الحال أن معاوية كان يريد الملك لنفسه، ويأبى أن يتنازل عن سلطان أهل الشام لغيره، وقد صرّح بذلك لجرير بن عبد الله البجلي –وهو رسول علي(ع) إليه- بعد أن عزم أهل الشام على طاعته في القتال: (إن ولاني عليٌ الشام ومصر بايعته على أن لا يكون لأحد بعده عليَّ بيعة)[39].

وقد اعتذر أهل السنة والجماعة عن الذين خرجوا على الإمام علي(ع) وحاربوه بأنهم اجتهدوا فاخطأوا في اجتهادهم، وهذا العذر في الواقع لا يغني من الحق شيئا، بل انه يعد طعنا عليهم وليس تبرئة لهم، لان ضلال أبصار أولئك عن رؤية الحق الواضح – الذي بلغ به الوضوح أن وقف عليه المتأخرون على بعدهم عن عصر النبوة - يدل على أنهم ليسوا من الذين يفقهون شيئا ولا يعقلون، ولا يحق لمن حالهم هذه أن يخوضوا في مسائل الدين ولا أن يفتوا بحكم من أحكام الله، وكان الأجدر أن ينزلهم المسلمون آنذاك منزلة الأعراب، لا أن يسلموهم قيادهم وزمام دينهم.

 إن مخالفة طلحة والزبير ومعاوية وعائشة ومن معهم لحكم الله في طاعة أولي الأمر الوارد في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ)[40] ومخالفتهم لرسول الله(ص) في حرمة دماء المسلمين حيث قال(ص): (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)[41]؛ لا تبرره دعوى الاجتهاد في الدين ولا أي دعوى غيرها، وإلا فلن يبقَ لدين الإسلام رسم، ولو اقرّ المسلمون بهذه الأفعال تحت عنوان الاجتهاد، فالأحرى عندئذ أن يسمّوا هذه الشريعة بشريعة السلطان التي نزلت على أيدي الرجال، لا شريعة السماء التي نزلت على يد الأنبياء.

نهاية المطاف:

إن المتحصل من دراسة المعالم المتقدمة الذكر - دراسة موضوعية يحكم فيها العقل البعيد عن الأهواء والتقليد الأعمى- تثبت حقيقة مفادها: أن الانحراف المأساوي قد أصاب مسيرة الأمة الإسلامية، وان الخلل الشديد قد المّ بكيانها العام، وان الكثير من المسلمين الأوائل الذين انتموا إلى هذه الأمة لم يحفظوا نقاءها وصفاءها التي كان يرجى أن تكون عليها، ومن اللازم على كل مسلم منصف صادق في إيمانه أن يحثّ الخطى في إعادة النظر بتاريخ الأمة الإسلامية لكي يقف على مواطن الخلل التي أدت بالأمة إلى هذا الحال، ولكي يعلم مواضع الصواب التي تحدد معالم دينه الأصيل، لأنه لا بد أن تكون دعوة الله تعالى باقية في الأرض، يعشو إلى ضوئها الطالبون، ويهتدي بنورها المتعلمون، ولا يعقل أن يكون الخلاف في أمور العقيدة تؤدي إلى الصواب جميعا، والحال أن جل مواطن الخلاف مدعاة إلى الحكم بضلال بعض المسلمين من قبل بعضهم الآخر.
إن حقيقة ثبوت الانحراف الشديد في مسيرة الأمة الإسلامية في بدايات تاريخها لا بد أن تكون نقطة أساسية تؤخذ كمسلمة من المسلمات في بحوث دراسة تاريخ هذه الأمة، الأمر الذي سيعين الباحث على فهم العديد من المفاصل الأخرى التي يخوض فيها حول تاريخ الأمة الإسلامية العام، والله سبحانه هو الهادي والموفق.
 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] المستدرك للحاكم النيسابوري ج4 ص455
[2] التوبة/100
[3] الفتح/18
[4] صحيح مسلم ج7 ص188
[5] سنن الترمذي ج5 ص358
[6] صحيح مسلم ج7 ص183
[7] الأحزاب/36
[8] النساء/65
[9] النور/51
[10] آل عمران/32
[11] محمد/33
[12] التوبة/101
[13] النساء 29-30
[14] {المنافقون/1}
[15] الاحزاب 12-15
[16] صحيح البخاري ج7 ص208وهنالك أحاديث أخرى في صحيحه تجري هذا المجرى لمن يريد الاطلاع على المزيد.
[17] التوبة/100
[18] التوبة/72
[19] مسألتان في النص على علي (ع) - الشيخ المفيد - ج 2 - ص 30 - 32
[20] الفتح/18
[21] الفتح/10
[22] بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 20 - ص 354
[23] مسألتان في النص على علي (ع) - الشيخ المفيد - ج 2 - ص 30 - 32
[24] تاريخ الطبري ج2 ص197/ البداية والنهاية لابن كثير ج4 ص373
[25] الأنفال/16
[26] صحيح البخاري ج5 ص138 /صحيح مسلم ج5 ص76 / السنن الكبرى للنسائي ج3 ص433
[27] روى الطبري في تاريخه ج 3 - ص 400 فقال: لما رأى الناس ما صنع عثمان، كتب من بالمدينة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما بالآفاق منهم، وكانوا قد تفرقوا في الثغور انكم إنما خرجتم أن تجاهدوا في سبيل الله عز وجل تطلبون دين محمد صلى الله عليه وسلم فإن دين محمد قد أفسد من خلفكم وترك فهلموا فأقيموا دين محمد صلى الله عليه وسلم فأقبلوا من كل أفق حتى قتلوه.
[28] (كتب عثمان إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح عامله على مصر حين تراجع الناس عنه وزعم أنه تائب بكتاب في الذين شخصوا من مصر وكانوا أشد أهل الأمصار عليه أما بعد فانظر فلانا وفلانا فاضرب أعناقهم إذا قدموا عليك فانظر فلانا وفلانا فعاقبهم بكذا وكذا منهم نفر من أصحاب رسول الله(ص) ومنهم قوم من التابعين، فكان رسوله في ذلك أبو الأعور بن سفيان السلمي حمله عثمان على جمل له ثم أمره أن يقبل حتى يدخل مصر قبل أن يدخلها القوم فلحقهم أبو الأعور ببعض الطريق فسألوه أين يريد قال أريد مصر ومعه رجل من أهل الشام من خولان، فلما رأوه على جمل عثمان قالوا له هل معك كتاب؟ قال لا، قالوا فيم أرسلت؟ قال لا علم لي، قالوا ليس معك كتاب ولا علم لك بما أرسلت، إن أمرك لمريب، ففتشوه فوجدوا معه كتابا في إداوة يابسة، فنظروا في الكتاب فإذا فيه قتل بعضهم وعقوبة بعضهم في أنفسهم وأموالهم، فلما رأوا ذلك رجعوا إلى المدينة فبلغ الناس رجوعهم والذي كان من أمرهم فتراجعوا من الآفاق كلها وثار أهل المدينة) تاريخ الطبري ج3 ص400
تاريخ الطبري - الطبري - ج 3 - ص 402
 [30] تاريخ الطبري - الطبري - ج 3 - ص 402
 [31] الكامل في التاريخ - ابن الأثير - ج 3 - ص 191
[32] الامامة والسياسة لابن قتيبة ج1 ص18-28
[33] والغريب ان الزبير لما انقلب على الامام علي(ع) دعا إلى إهدار دمه، فبأي حق استباح قتله وهو لم يشارك في دم عثمان أصلا، والله تعالى يقول: (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا)، روىابن الأثير في الكامل ج 3 - ص220: (وبايع أهل البصرة طلحة والزبير فلما بايعوهما قال الزبير إلا ألف فارس أسير بهم إلى علي أقتله بياتا أو صباحا قبل أن يصل إلينا فلم يجبه أحد، فقال إن هذه للفتنة التي كنا نحدث عنها، فقال له مولاه أتسميها فتنة وتقاتل فيها ؟ قال ويلك إنا نبصر ولا تبصر ما كان أمر قط إلا وأنا أعلم موضع قدمي فيه غير هذا الأمر فإني لا أدري أمقبل أنا فيه أم مدبر).
[34] الكامل في التاريخ - ابن الأثير - ج 3 - ص 206
[35] الكامل في التاريخ - ابن الأثير - ج 3 - ص 210
[36] الكامل في التاريخ - ابن الأثير - ج 3 - ص 213 - 214
[37] تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج42ص450
[38] كتب الامام علي(ع) الى معاوية لما عصى عليه بحجة الطلب بدم عثمان: (قد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه الناس ثم حاكم القوم إلي أحملك وإياهم على كتاب الله فأما تلك التي تريدها يا معاوية فهي خدعة الصبي عن اللبن ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان واعلم يا معاوية أنك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة ولا تعرض فيهم الشورى) تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر - ج 59 - ص 128 والبداية والنهاية لابن كثير ج8 ص136 ووقعة صفين لابن مزاحم ص 29.
[39] البداية والنهاية - ابن كثير - ج 8 - ص 137
 [40] النساء/59
[41] صحيح مسلم ج8 ص11

 
< السابق   التالي >

 

البحث في الموقع

دخول الأعضاء






هل فقدت كلمة المرور؟
ليس لديك حساب سجل الآن

التصويت

ما رأيكم بالموقع الجديد؟
 

المتواجدون الان

يوجد الآن 9 ضيوف يتصفحون الموقع

إحصائيات الموقع

الأعضاء: 190
المقالات: 847
المواقع الصديقة: 0
الزوار: 769879

الأعضاء


188 أعضاء مسجلين
0 هذا اليوم
0 هذا الأسبوع
0 هذا الشهر
آخر عضو: سيد حارث
spacer

spacer