spacer
 

 

 

spacer
spacer  
 

الرضا بالقضاء طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ الشيخ فالح عطا العيساوي ـ العدد (105)   

حيدر الكعبيان مفردتي القضاء والقدر من المفردات والمفاهيم الإسلامية التي أخذت مساحة واسعة في الذهنية الإسلامية وفي القران الكريم والروايات الشريفة عن اهل البيت العصمة والطهارة «عليهم السلام»، ومازال المجال مفتوحا للتعرف على عمق هذين المفهومين للأستنارة «القضاء: هو الحكم والفصل.

والقدر: هو مقدار الشيء وحالاته المقدرة له» المعجم الوسيط هذا هو المعنى اللغوي لهما.

وقد استعمل القران الكريم هاتين المفردتين بشيء من التفصيل، اذ استعمل مشتقات مفردة القضاء(1) في اكثر من سبعين موردا دون ان يستعمل نفس كلة القضاء الا انها وردت في لسان الروايات كثيرا.

وأما مفردة القدر فقد جاءت بلفظها في القران كقوله تعالى: «وان من شيء الا عندنا خزائنه وما ننزله الا بقدر معلوم»(2).

وقوله عز وجل: «انا كل شيء خلقناه بقدر»(3).

ونحن اذا نظرنا الى العالم المشهود نلاحظ  ان هنالك نظامين يحكمان هذا العالم، نظام الضرورة ونظام الامكان، ولا يمكن لاي مخلوق ان يخرج عن هذين النظامين في هذا العالم.

والمقصود بذلك ان هنالك اشياء شاء الله ان توجد فتوفرت عللها وشرائط وجودها وارتفعت عنها الموانع فوجدت، وسيمى بعالم الضرورة واخرى مقدر لها الوجود، وقد توجد وقد لا توجد فهي تحت نظام الامكان.

والامور التي اكتملت عللها فوجدت بمشيئة الله تسمى بالقضاء العيني او التكويني الخارجي، والامور التي مازالت قيد الامكان والتي ننتظر وقوعها، فهي ان شاء الله وجودها توفرت عللها واكتملت شرائط وجودها وارتفعت موانع الايجاد فتوجد، وان لم يشاء الله وجودها لا توجد.

اذن القضاء هو عالم التحقق والانقضاء تكوينا وعالم الحكم والفعل تشريفا وعالم القدر عالم التقدير وماقبل التحقق ومن هنا فقد ورد في زيارة أمين الله لامير المؤمنين «عليه السلام» «اللهم اجعل نفسي مطمئنة بقدرك راضية بقضاءك» باعتبار ان الامور التي ننتظر حصولها قد ينتابنا منها القلق اذ قد تحدث بما يلائمنا وقد تكون مفرة لنا، ومن هنا نسال الله عز وجل الاطمئنان بالقدر ولا يكون الاطمأنان الا بذكر الله «الا بذكر الله تطمأن القلوب».

ومعرفة ان الله لا يقضي بشيء الا وهو لخير الناس ولصلاح كمن آمن منهم.

واما القضاء فلا نملك الا الرضا به، لان الشيء بعد ان يتحقق فعدم الرضا لا ينفع بل يضر كما سيتضح ذلك عند نقل روايات اهل البيت «عليهم السلام» وعلى هذا المنوال جاءت الاية المباركة:

«وما كان لمؤمنا ولا مؤمنة اذا قضى الله ورسوله امرا ان يكون لهم الخيرة من امرهم ».

فعلى المؤمن ان يكون راضيا بقضاء الله مطمأنا بقدرة.

والمتتبع للقران الكريم يجد ان القضاء على انحاء قضاء تكويني وقضاء تشريعي وكل منهما قضاء كلي وجزئي.

اما القضاء التشريعي فكقوله عز وجل:

«وقضى ربك الا تعبدوا الا اياه وبالوالدين احسانا»

واما القضاء التكويني فكقوله تعالى:

«واذا قضى امرا فانما يقول له كن فيكون».

وكلا هذين القضائين «التشريعي والتكويني» تارة يكون كليا عاما وتارة يكون جزئيا خاصا ويسمى الاول بالقضاء الكلي والثاني بالقضاء الخاص. ومن امثلة القضاء الكلي الحكم باخلاد المعاندين بالنار.

وادخال المتقين الجنة، وكقوله عز وجل: «كل نفس ذائقة الموت كان على ربك حتما مقضيا» فهو قضاء عام بحق كل نفس لا تتخلف عنها نفس نبي ولا غيره «انك ميت وانهم ميتون».

واما القضاء الشخصي او الخاص فمن امثلته ان يجعل هذا الانسان غنيا وذاك فقيرا وهذا نبيا وذلك ليس بنبي وهذا اماما وذلك مأموما بحسب مقتضات الحكمة ومن امثلته ان يجعل هذا ابن ذاك وذلك طويلا وهذا قصيرا وذاك ابيضا وهذا اسودا وذاك في هذا البلد يخلق وذلك في ذلك البلد بحسب الحكمة لخلق هذا النظام العام.

والانسان المؤمن لا يعترض لا على القضاء التكويني «الكلي والخاص» ولاعلى القضاء التشريعي كليا كان ام خاصا كذلك.

فكما لا ينبغي للمؤمن ان يعترض ويقول لماذا جعلتني انسانا وابن فلان وفي البيئة الكذائية كذلك لا ينبغي ان يعترض على الاحكام الشرعية العامة او الخاصة، فلا يحق لنا ان نعترض ونقول: لماذا جعل الله عز وجل عيسى نبيا ولم يجعل فلانا مثلا ولماذا جعل الله عليا اماما ولم يجعل غيره فان هذه كلها من شؤون الحكمة فاننا متى ما علمنا بان الله حكيم عرفنا ان ما يفعله هو عين الحكمة والصواب والاعتراض وعدم الرضا من علامات ضعف العقل.

ومن هنا حذرت بعض الروايات تبعا للقران من مغبة عدم الرضا بقضاء الله عز وجل وعدته من علامات عدم الايمان والشرك بالله تعالى كقوله تعالى:

«فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك في ما شجر بينهم ثم لا يجدوا حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما»(4).

وقد ورد عن الامام الصادق«عليه السلام» على ما في اصول الكافي ج2 باب التسليم «لو ان قوما عبدوا الله وحده لا شريك له واقاموا الصلاة واتوا الزكاة وحجوا البيت وصاموا شهر رمضان، ثم قالوا لشيء صنعه الله او صنه النبي «صلى الله عليه وآله» الا صنع خلاف ما صنع؟ او وجدوا ذلك في قلوبهم لكانوا بذلك مشركين، ثم تلا هذه الاية «فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك في ما شجر بينهم ثم لا يجدوا حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما» ثم قال: ابو الله فعليكم بالتسليم»

اذن عدم الرضاء بالقضاء يكشف عن خلل في ايمان الانسان وبالمقابلة يكون الرضا بالقضاء من علامات الايمان وصحة عقل الانسان.

ومن هنا ورد عن امير المؤمنين «صلوات الله عليه» انه قال على المنبر:

«لا يوجد احد طعم الايمان حتى يعلم ان ما اصابه لم يكن ليخطئه، وما اخطاه لم يكن ليصيبه» الكافي ج2 ص58 ب فضل اليقين

وعن ابي الله «عليه السلام» لما سئل باي شيء يعلم المؤمن بانه مؤمن؟

قال: «بالتسليم لله والرضا فيما ورد عليه من سرور او سخط» الكافي ج2 باب الرضا بالقضاء ح12 ص63، وعنه ايضا انه قال:

«لم يكن رسول الله «صلى الله عليه وآله» يقول لشيء قد مضى لو كان غيره»

وذلك لان الشيء بعد ان اكتملت علله واسباب وجوده فقد وجد وتحقق ولا معنى لكن يقال لشيء قد قضى الله وجوده لو كان غيره.

ولذلك جعل الرضا بالقضاء من لوازم العلم بالله عز وجل حيث ورد عن ابي الله الصادق «عليه السلام» «ان اعلم الناس بالله ارضاهم بقضاء الله عز وجل».

وعن ابيه «عليه السلام»: «احق خلق الله ان يسلم لما قضى الله عز وجل من عرف الله عز وجل».

اذن العارف بالله هو المسلم لقضاء الله عز وجل الراضي به.

والحقيقة ينبغي لكل عاقل ان يرضى بقضاء الله، لانه سواء رضي بالقضاء ام لم يرضى فانه لا يؤثر على الواقع شيئا فالقضاء جار عليه ولا يتغير وان عدم رضاه بالاضافة الى انه يورث الحسرة والالم فانه سيخسر ايضا ثواب الله عز وجل وكرامته للراضين بقضائه.

ولذلك جاءت جملة من الروايات لتنبو على هذا الامر منها ما روي عن ابي جعفر «عليه السلام» «... من رضي بالقضاء اتى عليه القضاء وعظم الله اجره ومن سخط القضاء مضى عليه القضاء واحبط الله اجره» الكافي ج2 ب الرضا بالقضاء

وعن ابي الحسن الاول «عليه السلام»: ينبغي لمن عقل عن الله ان لا يستبطنه في رزقه، ولا يتهمه في قضائه.

ومن ذلك تلحظ ان الراضي بالقضاء مؤمن بالله، عاقل عنه وهو في مصاف العلماء بالله العارفين به، ثم تزيد بعض الروايات انه مستجاب الدعوة حيث ورد عن ابي الله الصادق «عليه السلام» انه قال: لقي الحسن ابن علي «عليهما السلام» عبد الله بن جعفر فقال: يا عبد الله كيف يكون المؤمن مؤمنا وهو يسخط قسمه، ويحقر منزلته والحاكم عليه الله، وانا الضامن لمن لم يهجس في قلبه الا الرضا ان يدعو فيستجاب له.

اذن من علامات الراضي بالقضاء.

 1ـ التسليم لله في الأمور التشريعية والتكوينية ولا يعترض على الله في شيء من ذلك بان يطيع الله ولا يعصيه، ويصبر على البلاء ولا يكفر.

2ـ اذا نزلت به نازلة فزع الى الله بالدعاء والطاعات وادى ما عليه من الحقوق والواجبات المتعلقة بها فلا يتعدى حدود الله ولا يضعف امام المصائب او الشهوات

فاذا فعل ذلك واطاع الله ولم يعصيه ورضي بما قسمه الله عز وجل بين خلقه كتبه الله تبارك وتعالى من الصديقين كما ورد ذلك في الكافي عن ابي عبد الله «عليه السلام»: «في ما اوحى الله عز وجل الى موسى بن عمران «عليه السلام»: يا موسى بن عمران: ما خلقت خلقا احب الي من عبدي المؤمن فاني انما ابتليه لما هو خير له واعافيه لما هو خير له، وازوي عنه ما هو شر له لما هو خير له، وانا اعلم بما يصلح عبدي، فليصبر على بلائي، وليشكر نعمائي، وليرض بقضائي اكتبه في الصديقين عندي، اذا عمل برضائي واطاع امري.

ومنعلامات الراضي بالقضاء ان لا ينفعل مع الاخرين لان تصرفات الاخرين في حقنا هي أيضا داخلة تحت قضاء الله وقدره، وان الله يبتلي العبد بما يشاء فتارة بقلة المال وأخرى بكثرة المال وثالثة بتسليط بعض الخلق على بعض وفي كل الأحوال يفزع الإنسان المؤمن إلى الله عز وجل ويتعرف على أحكام الله عز وجل وتشريعاته في كل حادثة ويسير على منهاجها، وبالتالي فستكون مشاعر المؤمن كلها تابعة لله عزل وجل فلا يرضى إلا بما يرضي الله ولا يسخط الأعلى ما يسخط الله فإذا كان كذلك وعلم الله عز وجل منه ذلك، جعل رضاه رضا الله وسخطه سخط الله، وهذا ما تؤكد عليه روايات أهل البيت «عليهم السلام»، كـ«رضا الله رضانا أهل البيت» أو ما جاء عن الرسول «صلى الله عليه وآله» «ان الله يرضى لرضا فاطمة ويغضب لغضبها».

ولا يمكن ان يصل الإنسان إلى ذلك إلا إذا سيطر على هواه وأحاسيسه ومشاعره بحيث لا يغضب ولا يحب إلا لما يغضب الله وما يحبه.

ففرق كبير بين من يرضى لرضا الله، وبين من يرضى الله لرضاه، فان الثاني يعتبر ميزان الرضا والسخط الإلهي بينما الأول هو يحتاج إلى ميزان يعرفه رضا الله من سخطه، فنحن إذا أردنا ان نعرف رضا الله من سخطه نظرنا إلى فاطمة «عليها السلام» فمن رضيت عنه رضينا عنه ومن سخطت عليه سخطنا عليه، وهكذا الأمر بلا إشكال في ابيها و بعلها «صلوات الله عليه وعليها» وفي الأئمة «عليهم السلام» من بنيها، وأما هم صلوات الله وسلامه عليهم جميع الأنبياء والأوصياء والأولياء فلا يحتاجون إلى ميزان بل قلوبهم أصبحت محلا لرضا الله فلا يرضون عن شيء إلا وقد رضي الله ولا يسخطون على شيء إلا وقد اسخط الله عز وجل وذلك لأنهم وضعوا أنفسهم فلم يدعوا لغير الله فيها شيئا وهو من معاني العصمة.

اللهم ارزقنا توفيق الطاعة وبعد المعصية والاطمئنان بقدرك والرضا بقضائك والحمد لله رب العالمين.             

ـــــــــــــــــــــــــــ

1ـ كـ«مقضى ويقضي أقض».

2ـ الحجر: 21. 

3ـ القمر: 4.

4ـ النساء: 64.

 
< السابق   التالي >

spacer

spacer