spacer
 

 

 

spacer
spacer  
 

اخبار مجلة الفرات
 
 

الطريق إلى الإبداع.. طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ حيدر الكعبي ـ العدد (105)   

حيدر الكعبيورد في معنى "بدع" لغةً انه الغاية في كل شيء، فيقال: رجل بدع إذا كان عالما أو شجاعا أو شريفا، ومنها تعارف استعمال وصف (إبداع) للإنسان الذي بلغ سنام أمر ما وتميز عن غيره في نيل قصب السبق فيه، وبدع (بالكسر): الأمر الذي يكون أولا، وكذلك البديع، فيقال: فلان بدع في هذا الأمر: أي أول لم يسبقه فيه احد.

وللكلمة معاني في أبواب الشر كما لها معاني في أبواب الخير، كالبدعة في الدين، ولكن المقصود في هذا الموضوع المعنى الأول بالذات، وبالأخص الإبداع في المجالات التي تمخض عنها التطور العلمي المشهود في الحياة المادية اليوم، الذي صار سلاحا فعالا يستخدمه أصحابه لترويج الأفكار والمعتقدات، والتحكم بالسياسات والاقتصاد عند كثير من شعوب العالم.

إن النهوض بواقع مجتمعنا يحتاج إلى نظرة شاملة ودقيقة لتشخيص المشاكل والتناقضات التي تعانيها، ومن ثم دراسة ما يمكن أن يستأصل تلك المشاكل من جذورها لمواكبة الأحداث السريعة المتتالية في النمو العلمي والاقتصادي الذي تشهده الدول، لأننا نؤمن بان العقول التي ينجبها هذا المجتمع الولود لا تقل شأنا عن غيرها من العقول في العالم اجمع، ولا بد من استثمار هذه الثروة لغرض وضع هذه الأمة في الإطار الذي ينبغي ان تكون عليه، لكي تخرج عن حيز التبعية والاستهلاك من قبل غيرها من الأمم المنتجة.

وعلى مجتمعاتنا أن تلتفت جيدا إلى حقيقة أن الإبداع البشري هو احد الأسرار الخفية التي تكمن وراء كل القفزات الخلاقة التي قطعتها الكثير من المجتمعات في مضمار التقدم العلمي والفني خلال فترة قياسية لا يمكن استيعابها بسهولة، قادها فطاحل العلماء والفنانين الذين كانت لهم بصمات واضحة في تغيير معالم العالم بشكل كبير.

 

 الإبداع.. الموهبة .. التنمية

إننا إذا أخذنا استقراء عاما للأفراد المبدعين في العالم نجد أن الكثير منهم يتمتعون بمواهب فطرية لها قابلية شديدة على العطاء ضمن المجالات التي أبدعوا بها، وهذه الموهبة يمكن أن تكون جزء لا يتجزأ من استعداداتهم المادية والمعنوية بحيث لا يجدون صعوبة في التفاعل مع هذا الجانب أو ذاك بخلاف سائر الناس.

ولكن هذه الموهبة الفطرية تكاد لا تنمو بالشكل المطلوب بحيث تحقق النتائج المرجوة منها إلا إذا وجدت من ينميها ويهذبها لكي تصل إلى المستوى الذي ينتج ويعطي للناس بشكل واسع، فهذه الموهبة شبيهة ببرعم النبات الفتي الذي يحتاج إلى من يرعاه ويدفع المكاره والأخطار عنه، حتى ينمو بشكل سليم وسريع ليعطي الثمار المطلوبة على أحسن ما يرام.

وكلا هاتين المقومتين – الموهبة الفطرية وتنميتها- أمران متلازمان يخلقان الإبداع، وبفقدان احدهما فان الإبداع لن يوجد في غالب الأحيان، لان التعليم والتلقين لا يخلقان المبدع إذا كان الإنسان مفتقرا في الأساس للاستعداد الذاتي، كما أن صاحب الموهبة قد لا يصل إلى مرحلة العطاء الكامل ما لم يتلق التربية والتعليم اللازمين للوصول إلى مرحلة النضج المطلوب.

إن رعاية هذه النقطة الأساسية هي احد الأسباب المهمة التي أدت إلى تفوّق المجتمعات المتقدمة في الفكر الصناعي، ، حيث وضعت الخطط المرصودة للأشخاص الناشطين في أي مجال من مجالات الحياة لدعم مواهبهم وتنميتها بالشكل الصحيح، ووظفت من اجل ذلك الإمكانيات الكبيرة للاستفادة من تلك المواهب بحيث عادت بالمنافع العظيمة على الإنسانية ككل.

 

 الإبداع.. وعقبات كؤود

إن مجتمعنا يعاني - مع شديد الأسف- من مشاكل فنية وإدارية تشكل بحد ذاتها عقبات كؤود في طريق الإبداع والمبدعين، الأمر الذي ينذر بتلكؤ هذه المسيرة الهامة التي تحمل في طياتها الازدهار في أعلى مستوياته، وهذه المشاكل إذا درسناها جيدا فسنجدها نابعة من عوامل داخلية تأتي من نفس المجتمع من جهة، وعوامل خارجية تفرض من خارج المجتمع من جهة ثانية.

أما العوامل الداخلية فمنها ما يتمثل بسوء إدارة الطاقات والإمكانيات، ومنها ما يتمثل بعدم التخطيط المحكم للبرامج المستقبلية من اجل تنمية القدرات المتوفرة، كما أن منها ما يتمثل بالجمود على الأنظمة القديمة التي لا تواكب مستجدات الزمن ومتطلبات المرحلة الراهنة، ولعل الأنظمة التدريسية والمناهج التعليمية عندنا تعاني الأزمة الأخيرة أكثر من سواها.

إن التخصص في العلوم أصبح أمرا ضروريا، لان توسع الدائرة العلمية اقتضى ولادة أقسام جديدة من العلوم لم تكن ذات بال في الماضي، وكل قسم من هذه الأقسام هو بحاجة إلى أخصائيين لهم القابلية على العمل فيه والإبداع على مستواه، ليؤدي العمل الجماعي على هذا النحو إلى طفرة ايجابية في تطور العلم ونتائجه، وهذا التخصص في العمل يفرض نوعا من التخصص في التعليم أولا، لذا كان من الضروري عدم إثقال كاهل طلبة العلوم الأكاديمية بالمواد العلمية التي لا تدخل في صلب الاختصاص الذي يرغبون بالعمل فيه، ونشدد على كلمة (يرغبون) لان الطالب لا بد له - في الوقت نفسه- من أن يعطى نوعا من حرية الاختيار في تحديد الاختصاص الذي يرى أنه قادر على التفاعل معه والإبداع فيه، طبعا بعد وضع اختبارات معينة من قبل الخبراء لتحديد مصداقية كفاءة الطالب في هذا المجال أو ذاك.

إن فرض أنظمة تعليمية تحيد بالطالب عن المجال الذي يحب التعلم والعمل فيه قد يؤدي إلى إن  تهدر الكثير من الطاقات العلمية الشابة، لان حب المجال العلمي المعين شرط مهم من شروط نجاح المرء فيه، وهو فرصة سانحة لاندفاع الطالب ذاتيا للكدح فيه وتحقيق التفوق والإبداع.

كما أن من المعوقات الكبيرة التي تحتاج إلى حل سريع هي: مسالة إهمال الرعاية اللازمة للمبدعين في المجتمع، وإعطائهم ما يستحقون فعلا مقابل جهودهم ونتاجاتهم المميزة، لان الدعم المادي والتكريم المعنوي أمران أساسيان في دفع المبدع إلى مواصلة درب الإبداع حثيثا من ناحية، وتشجيع الآخرين على انتهاج هذا السلوك للوصول إلى هذه المكاسب من ناحية أخرى، ولا يفوتنا أن نذكر هنا بأن توفير الاحتياجات الأساسية اللازمة لعيش الإنسان بشكل طبيعي تجعله في أمان من الانشغال بالضائقة المعاشية التي تستنفد من الفرد الكثير من الوقت والقدرة الفكرية والبدنية المطلوبة لخلق الإبداع.

إن هذه المناهج التعليمية والأنظمة التربوية ليست وليدة خيال أو مجرد تمنيات، وإنما لها نظائر واقعية في عالمنا المعاصر، ويمكن الاستفادة من تجارب الآخرين في هذا المضمار واستثمار الوسائل المتوفرة لدفع عجلة التطور، وهذه الاستفادة تختزل سنين طويلة من التجارب التي خاضتها تلك المجتمعات للوصول إلى ما وصلت إليه من نتائج مشرفة على هذا الطريق.

أما العوامل الخارجية التي تفرض على مجتمعنا نوعا من التراجع في مجال الإبداع فتتمثل بالمشاكل السياسية والاقتصادية التي تفرضها مجتمعات أخرى لمصالح تخصها، وما لم تكن هنالك التفاتة جادة لإصلاح مثل هذه العوامل من الداخل، فان الأمور ستبقى على ما هي عليه دون إحراز تقدم ملحوظ، لان مجتمعنا –بطبيعته- يرتبط ارتباطا وثيقا بهذه العوامل المركزية ويتأثر بها كثيرا، وان كان العمل المؤسساتي الذي نشطت حركته في السنين الأخيرة يمكن أن يؤدي دورا بارزا في مجال التعويض عن النقص في ما ينبغي أن تؤمنه الدولة بشكل عام.

 

 الإبداع.. والأعراف الاجتماعية

إن العديد من الأعراف والتقاليد الاجتماعية التي تحكم مجتمعنا وتسيّر الكثير من العلاقات بين أفراده تعد في الواقع ظاهرة طيبة وخطوة ايجابية تحافظ على تراثنا الأصيل وتشكل شخصية امتنا وتميزها عن غيرها، بل إن بعض هذه الأعراف لها دور كبير في حفظ جانب من الفرائض الإلهية بين الناس وتصون وجودها عن التحريف والضياع.

إلا أن الكثير من أفراد مجتمعنا – كما تشهد بذلك التجربة- قد طغت عليهم نزعة الأعراف والتقاليد الاجتماعية وألقت بكل ثقلها على شخصيتهم حتى صارت عندهم بمثابة القانون الأول المقدم على كل قانون آخر، لا يمكن التنازل عنه في شتى الظروف والأحوال، وهذا المنهج في الواقع له مردودات سلبية كثيرة تزداد أو تقل خطورتها حسب الموارد الايجابية التي تتعارض مع مثل هذه الرؤية وهذا السلوك.

ومن جملة الأمور التي تدخل في باب التعارض هذا: الحركة الإبداعية وطاقات الابتكار والتطوير التي تصب في صالح المجتمع بشكل عام، التي ربما تجد تعارضا مع جملة من القيود العرفية المتداولة بين الناس، من قبيل تقديم رأي أصحاب المكانة الاجتماعية على كل رأي آخر.. أو الاعتزاز ببقاء السياقات القديمة وعدم الرغبة في التخلي عنها مع وجود بدائل أفضل.. أو التقليل من شأن القدرات الاستثنائية للشباب بالنظر لحداثة السن فيهم.. وغير ذلك من الأمور التي تُعد عراقيل ضخمة تقف أمام حركة الإبداع الذي يبرز بين الحين والآخر.

إن الإبداع في الأصل عبارة عن طفرة تقع خارج حدود المتعارف، لذلك فهو مرشح بشكل قوي لان يلاقي معارضة شديدة من قبل السياقات التقليدية بين الناس، ولكن ذلك لا يُعد مبررا لإهماله أو الإجهاز عليه مطلقا، وإنما لابد أن يُفسح المجال أمامه لغرض التحرك بحرية اكبر ليتمكن من أداء دوره الطبيعي في البناء -باعتبار انه احد الأسس المهمة في رقي والازدهار- وذلك من خلال رفع الحواجز التي تعترض طريقه وتحاول أن تحجّم مردوداته لاعتبارات قديمة لا تواكب مستجدات الزمن.

إن الطبقة المثقفة هي من أكثر الطبقات الاجتماعية المدعوة إلى تشجيع الحركة الإبداعية في الأمة ودعمها بكل الوسائل المتاحة لغرض أداء دورها الكامل، باعتبار أن هذه الشريحة هي من أكثر الشرائح الاجتماعية معرفة بطبيعة البشر اللامحدودة القادرة على التقدم وتحقيق القفزات الخلاقة، وفي نفس الوقت لابد من دفع عجلة البحث عن الحركات الإبداعية وإبرازها على سطح الواقع الاجتماعي لتأخذ مكانتها الملائمة وتؤدي دورها الفاعل، لأنه قلّما يوجد مجتمع من المجتمعات لا يمتلك بين طياته طاقات إبداعية تتمثل غالبا بشخص أو مجموعة أشخاص لهم القابلية على عبور الحواجز التقليدية في شتى مناحي الحياة.

 

المؤمن والإبداع

إن الإبداع يحتاج - لكي يظهر على صفحة الوجود- إلى أسباب تعتمد على ذات الإنسان بالدرجة الأولى، ومن هذه الأسباب: بذل المجهود في العمل.. والإخلاص فيه.. والمواهب الفطرية وغير ذلك، وهذه الأسباب إذا ما تأملناها جيدا فسنجد بان الإنسان المؤمن الحقيقي يمتلكها بامتياز دون أدنى شك، وبالتالي فانه يمكن أن يكون أرضا خصبة لان يكون مبدعا وافر العطاء لمجتمعه.

إن الإيمان إذا ما تغلغل في أعماق ذات الإنسان فان قلبه وعقله سينفتحان على آفاق رحبة في معرفة ما يجري من حوله بشكل سليم، وبالتالي تكون لديه قابلية على تشخيص المتطلبات الأساسية التي تنهض بواقع الحال الذي يتحرك فيه، ويفهم جيدا العقبات والمعوقات التي تعترض طريقه وسبل إزالتها عن دربه، وهذا النوع من القابلية هي فضل الهي يمن به الباري عز وجل على من يشاء من عباده نتيجة لالتزامه بخط تقوى الله سبحانه، قال تعالى: (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ) وقال تعالى: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا) كما روي عن أمير المؤمنين(ع) انه قال: (اتقوا ظنون المؤمنين فان الله تعالى جعل الحق على السنتهم).

إن المؤمن الحقيقي هو إنسان مخلص لله سبحانه وتعالى في سره وعلانيته، وهذا النوع من الإخلاص يدفعه إلى بذل المجهود في سبيل تحقيق المنفعة الحقيقية للآخرين، وتقديم قدراته وإمكانياته رخيصة على هذا الطريق، ونبذ كل منفعة شخصية يمكن أن تقف حائلا دون العمل في هذا السبيل أو تعيقه، وبالتالي يتجنب هدر الكثير من الطاقات اللازمة للوصول إلى التخصص والإبداع في هذا المجال أو ذاك من مجالات الحياة المختلفة.

 
< السابق   التالي >

 

البحث في الموقع

دخول الأعضاء






هل فقدت كلمة المرور؟
ليس لديك حساب سجل الآن

التصويت

ما رأيكم بالموقع الجديد؟
 

المتواجدون الان

يوجد الآن 4 ضيوف يتصفحون الموقع

إحصائيات الموقع

الأعضاء: 190
المقالات: 847
المواقع الصديقة: 0
الزوار: 769544

الأعضاء


188 أعضاء مسجلين
0 هذا اليوم
0 هذا الأسبوع
0 هذا الشهر
آخر عضو: سيد حارث
spacer

spacer