|
بسم الله الرحمن الرحيم
تمهيد: لما استتب الأمر للأمويين بالشام واكلموا سيطرتهم على العالم الإسلامي وفرغوا ـ أو حسبوا انهم قد فرغوا من كبار معارضيهن وبؤر الأخطار عليهم أمثال الحسين بن رسول الله عام 61هـ.
والثوار من أهل المدينة المنورة بعد الحسين بعامين ومن عبدالله بن الزبير الذي استمر حاكما على الحجاز وعلى العراق أخوه مصعب من قبله وطال بقاء دولتهم لسبع سنوات ثم قضوا على أخيه وعليه بعدهُ سنة 73هـ. ثم توجهوا من بعده لاستئصال الخوارج الحرورية الذين كانوا كلما برزوا محقوا وأبيدوا. وبنو علي بن عبدالله بن العباس أسكنوهم بصورة إجبارية في منطقة الحمّيمة بالشام ليظلوا تحت رقابتهم، وبعد كل هذا توجهوا لإكمال ما بدأه مؤسس «لدولة معاوية بن أبي سفيان» وما كان يبتغيه من تبديل للشريعة الإسلامية وتغيير عقول المسلمين للتوافق مع الطبعة الأموية للرسالة الإسلامية، عبر تشكيل قادة وأتباع من عسكريين مخلصين ورجال دين همهم تبرير أفعال أولياء نعمتهم الذين اغرقوا عليهم الهبات والعطايا ثم استكملوا به فئةٍ أخرى من المهرجين والدجالين والشعراء المروّجين لهم من الذين قاموا بالهاء الجماهير المسلمة «بالنقائض» فيما بينهم كنقائض جرير والفرزدق وجرير والأخطل وعلى هذا الطريق قاموا بابتداع منصب جديد يعهدون به إلى احد المحدثين المتفيقهين المتشدقين بالقشور المتتبعين لقضايا وخزعبلات ما كانت لتدور بخلد المسلم الذي يعاني من ظلمهم وجبروتهم الأمرين وهذا المنصب الجديد هو «قصاص الجامع» يثبتونه في المسجد الجامع لكل مدينة فيلهي الناس بالأساطير والروايات الإسرائيلية ويدسها في أحاديثه ويثير اسأله مثل "ما كان نوع النثار يوم زُفت حواء لآدم؟؟" أو "ماهو اسم كلب أصحاب الكهف؟؟" وحتى سأل احدهم عن اسم الذئب الذي أكل يوسف؟!!" وغيرها وغيرها من هذه التوافه وبعضهم ممن يلمع نجمه وتنتشر قصصه يأخذ باختلاف الكرامات والبطولات لأناس من الصحابة كانوا على هامش الأحداث وخارج مركز القرار أيام النبي«صلى الله عليه وآله» في المدينة المنورة. وباختصار صار هؤلاء القصاصون وكما يقول المثل "صاروا ضغثاً على إبالة". ومن آثارهم المفجعة ومدسوساتهم المروّعة ما الصقوه بكرامة القرآن الكريم حتى إذا ما جاء عصر التدوين في القرن الثالث الهجري ـ أي بعد أكثر من مائة وخمسين عاما ـ فاخذ المصنفون يسودون بها مؤلفاتهم من التفاسير والكتب الحديثية. وفيما يلي بعض ما الصق بكرامة القرآن الكريم انقله لكم ـ أعزائي المطالعين ـ من مقدمة تفسير آلاء الرحمن للشيخ محمد جواد البلاغي ببعض التصرف. ورد في مسند احمد بن حنبل / الجزء الخامس: عن اُبى بن كعب قال: ان رسول«ص» قال لي: ان الله أمرني ان اقرأ عليك القرآن قال ثم قرأ حتى إذا وصل سورة البينة فقرأ فيها «لو أن ابن آدم سأل وادياً من مالٍ فأعطيه لسألَ ثانيا فلو سأل ثانيا فأعطيه لسأل ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب، وإن ذلك الدين القيم عند الله الحنيفية غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية ومن يعمل خيراً فلن يُكفَرَهُ»!! وفي رواية الحاكم المستدرك «..إن ذات الدين عند الله الحنيفية لا المشركة..» وفي رواية أخرى «غير المشركة..» وعن جامع الأصول لابن الأثير الجزري «إن الدين عند الله الحنيفية المسلمة لا اليهودية والنصرانية ولا المجوسية». وذكر عن اُبى أيضا بعد هذه الرواية «لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين... إلى قوله من بعد ما جاءتهم البيّنة ثم قرأ ان الدين عند الله الحنيفية لا المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية ومن يفعل خيراً فلن يَكفَرَه» ثم آيات بعدها ثم قرأ «لو أن لابن آدم واديين من مال لسأل وادياً ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب» قال ثم ختمها بما بقى منها. وهي روايات قد رواها أبو داود الطيالسي في سننه وسعيد بن منصور والحاكم النيسابوري في مستدركه على الصحيحين كما ورد في كنزل العمال. وذكر احمد في المسند أيضا عن أبى واقد الليثى قال كنا نأتي النبي«ص» إذا نزل عليه شيء فيحدثنا به وقال لنا ذات يوم قال الله عز وجل: «إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولو كان لابن آدم واد لأحب ان يكون له ثان ولو كان له واديان لأحب ان يكون لهما ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ثم يتوب الله على من تاب» وتعليقاً نقول: فلنفترض ان الصدق ومعرفة الحقيقة لا يطلبان هؤلاء «القصاص» أو كل «القصة خونية» ولا يسألانهم عن اضطرابهم الفاحش فيما يزعمون قرءانا وكذلك لا يسألانهم التمييز بين البلاغة القرآنية وبين هذا الانحطاط ولكن أليس اللغة العربية ان تسألهم عن الغلط المرتكب بوصفهم الدين بأنه «مشركة» أو «مسلمة» فهل هذا يجوز؟ أو في قولهم «ان ذاتَ؟ الدين..» أو « إنا أنزلنا المال..» فهو أقام الصلاة بيع؟ حيث عرفوا البيع "بأنه مبادلة مالٍ بمال" أو "مبادلة عين بمال" وهل «أقام الصلاة» مال أو عين مما يصلح للمبادلة؟؟ ولو استرسلنا في هذه المخترعات «fuhhy» أو المسلمية! سنجد في مسند الإمام احمد /ج6، عن التابعي مسروق قال: قلت لعائشة هل كان رسول الله يقول شيئاً إذا دخل البيت فقالت: إذا دخل تمثل: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً ولا يملأ فمه إلا التراب وما جعلنا المال إلا لأقام الصلاة وإيتاء الزكاة ويتوب الله على من تاب. وبإسناده عن جابر: قال قال رسول الله«ص» لو أن لابن آدم واديا من مال لتمنى واديين ولو أن له واديين لتمنى ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب. وبإسناده أيضا سئل جابر هل قال رسول الله لو كان لابن آدم وادٍ من نخل تمنى مثله حتى يتمنى أوديةً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب؟ وتعليقاً نقول: هل من الغريب أو الممتنع عادةً ان يتمنى الإنسان مالاً كثيراً؟ وفي الناس في كل زمان ومكان من يملكون وادي المال وأكثر وإلا فماذا نقول عن هؤلاء «المليارديرات» في الشرق والغرب وماذا تقدر أملاك «بل كَيتس صاحب برامجيات windows» وغيرها وما قولك عن آل روكفلر أصحاب بنكَ جيز مانهاتن بفروعه وآل روجليد واليوناني اوناسيس أغنى الناس في السبعينيات منالقرن الماضي وغيرهم وغيرهم. وإذن فلا يصح في الكلام المستقيم ان يقال «لو أن لابن آدم...الخ» إذ «لو» حرف امتناع الجواب أو قل الجزاء «المؤخر أو الثان كله بمعنى» من اجل امتناع الأول «الشرط والمقدم» فما بال الرواة هنا؟ أو لم يكونوا عربا أو ممن لهم إلمام بالعربية؟ نعم يرتفع اعتراضنا على رواية ابن عباس في مسند احمد أيضا «لو كان لابن آدم واديان من ذهب» وكذلك على رواية الترمذي عن انس بن مالك «لو كان لابن آدم وادٍ من ذهب لأحب ان يكون له ثانٍ..» ولكن يبقى اعتراض آخر قائماً وهو أن التمني وحده لا يمكن ان يعد من الذنوب أو المعاصي التي يطلب معه المولى من عبده ان يتوب منه. فما هو وجه المناسبة لانتهاء المرويات بجملة «ويتوب الله على من تاب». ولو شئت الاستزادة من الترافع والاضطراب فدونك ما رواه الحاكم في مستدركه «إن أبا موسى الأشعري قال: كنا نقرأ سورةً نشبهها بالطول والشدة ببراءة فأنسيتها؟! غير إني حفظت منها «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب». وذكر السيوطي في الدر المنثور ان هذا الحديث أخرجه جماعة عن أبي موسى الأشعري. وأضف إلى كل ذلك تدافعا واضطرابا وتناقضا ما جاء في الإتقان مسنداً عن أبي موسى الأشعري أيضا: قال نزلت سورة نحو براءة في الطول ثم رفعت!! ـ لاحظ يقول حضرته انها رفعت لان مخيلة المحترمة لم تعد تخترع المزيد ـ وحفظت منها ـ ومازال الكلام للصحابي أبي موسى ـ «إن الله سيؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاف لهم ولو أن لابن آدم واديين لتمنى...الخ» وبالعودة ثانية إلى ما أسنده في مصنفاتهم إما تعمدا أو استغفالاً للجماهير أو غفلةً منهم أو طمعاً أو انها الثقة بمظهر المراوي الأنيق وسلوكه الهادئ الرفيق وحاشيته أولي التهليل والتصفيق وارتباطهم بدوائر السلطان إلى غيرها من عوامل تفرض على المصنف التدوين فبمراجعة ما أسنده إلى السيدة عائشة والى الصحابة الكرام كابن عباس أو جابر بن عبدالله الأنصاري أو انس بن مالك وغيرهم عند التأمل فيها نجدها تجعل حديث الوادي والواديين من قول رسول الله«صلى الله عليه وآله وسلم» ومن تمثله ين ولو وجه بيوته الشريفة أو بعض بيوته. فهي بسوقها هكذا تنفي ان يكون مثل هذا الكلام من القرآن العظيم. ولكن ورغم نسبتها إلى كلام رسول الله«صلى الله عليه وآله» فانه يظل يرد عليه من الاعتراضات الشيء الكثير مما أوردناه ومن غيره لكل من تدبرها وقارنها بالصحيح من أقوله«ص» في سننه المعتمدة مما يفرض علينا ان ننزه كلامه عنه. له الاضطراب المؤلم والترافع المحض والتناقض المستفز الذي يجعل هكذا مرويات تندرج في النكت والمهازل وفي اللعب بالسنة النبوية لغايات لم تقد تخفى على الكثير ممن درسوا وتأملوا كثيراً في التاريخ الإسلامي وتاريخ ونِحلِهِ ومِلَلِهِ وعلى أيً فهكذا روايات لابد ان تترك لدى من يقرؤها انطباعاً لا يمكن ان يكون حميدا. "سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" "رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا"
|