spacer
 

 

 

spacer
spacer  
 

اخبار مجلة الفرات
 
 

الإسلام والتسليم طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ الشيخ علاء الدين الحمداوي ـ العدد (104)   

الشيخ علاء الدين الحمداوي مفهوم الإسلام من المفاهيم الواضحة فهو النظام الإلهي المنزل على الرسول الأكرم«صلى الله عليه وآله» ولذا كان الدخول في الإسلام مشروطاً بالتلفظ بالشهادتين إقراراً بالعبودية لله تعالى وبالرسالة لرسوله الكريم وهذا هو المعنى الظاهري للإسلام.

وبالتأمل قليلاً نجد أن المعنى الكامن في ذلك الإقرار أعمق من المعنى الظاهر بكثير لأن لذلك الكلام «الشهادتين» لوازم طويلة عريضة لا أنه مجرد لقلقة لسان ومن أهم تلك اللوازم وأعظمها الالتزام بالطاعة التامة لله تبارك وتعالى ولا يمكن أن يكون ذلك إلا من خلال استعلام أوامره ونواهيه من الواسطة والسبب المتصل بين الأرض والسماء «الرسول والمعصوم» والإتيان بالأعمال بما يوافقها، وهذا يعني أنه لا يوجد حكم شرعي في كل حركة أو سكنة إلّا وينبغي أن يسير المسلم وفقه امتثالاً لأمر الله تعالى ومن دون ذلك لا يكون ملتزماً بما أقَّر به من الشهادتين.

قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾(1).

فالاستقامة لا تكون بالقول فقط وإنما بالعمل بأحكام الله تعالى بعد الإقرار بالعبودية ولا يمكن أن يكون ذلك إلا بالعلم بتلك الأحكام في مرتبة سابقة عن العمل والإقرار بالرسالة للرسول الأكرم«صلى الله عليه وآله»، ويكشف هذا عن أهمية دور المعصوم إذ لولاه كيف يمكن امتثال الأوامر الإلهية التي لا يمكن أن تستعلم إلا منه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾

ويترتب على هذه المقدمة أمران:

الأول: لا مجال في الشريعة الإسلامية لحكم الإنسان برأيه فيما يخص الأحكام الشرعية، نعم وردت الكثير من الآيات الكريمة والروايات حاثة على التفكر والتأمل في خلق السماوات والأرض وهذه إحدى الطرق الموصلة إلى اليقين بالله تبارك وتعالى، ولكن بعد ما يصل الإنسان إلى الإقرار بوجود الله تعالى وعظمته وعلمه وحكمته وكونه خبيراً بصيراً فلا مجال للنقاش في الأحكام العملية والمنهاج الذي شرّعه في سبيل أن يسير الإنسان في مدارج الكمال ليصل بذلك إلى القرب الإلهي.

فعن أمير المؤمنين«عليه السلام» أنه قال: «لأنسبن الإسلام نسبة لم ينسبه أحد قبلي ولا ينسبه أحد بعدي إلاّ بمثل ذلك، إن الإسلام هو التسليم والتسليم هو اليقين واليقين هو التصديق والتصديق هو الإقرار والإقرار هو العمل والعمل هو الأداء، إن المؤمن لم يأخذ دينه عن رأيه ولكن أتاه من ربه فأخذ به».

وإذا ضممنا إلى ذلك قوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾(2).

فسيظهر بوضوح أن الإيمان الذي هو لب الإسلام وحقيقته لا يكون من دون التسليم بشكل تام ومن دون أي اعتراض وإن كان داخلياً في النفس لان ذلك مخالف لليقين.

الثاني: في كيفية التعامل مع الأخبار الواردة عن الرسول الأكرم«صلى الله عليه وآله» وأهل بيته المعصومين«عليهم السلام»، ويعتبر هذا الأمر من مزالق أقدام الكثير من الناس إذ بمجرد أن يطلعوا على الخبر المنسوب إليهم «عليهم السلام» يعرضوه على عقولهم فان وافق آراءهم استحسنوه وإن خالفها كذبوه، وهنا تكمن خطورة التعامل مع النوع الثاني من الأخبار وذلك لأن الأحكام في الشريعة الإسلامية خاضعة لملاكات وخلفيات يشرَّع الحكم على أساسها وليس بالضرورة أن تكون مما يدركها العقل بسهولة وحيث إن الخبر المنقول قد يكون صادقاً فيتصف حينئذٍ الإنسان بأنه ممن رد على الله تعالى وكذب أحكامه ولم يلتزم بما أقرّ به من الشهادتين وهذا يخالف التسليم والإيمان.

روى الشيخ الكليني في كتابه الكافي عن أبي عبيدة الحذّاء قال: سمعت أبا جعفر«عليه السلام» يقول: «والله إن أحب أصحابي إليَّ أورعهم وأفقههم وأكتمهم لحديثنا وإن أسوأهم عندي حالاً وأمقتهم الذي إذا سمع الحديث ينسب إلينا ويروى عنّا اشمأزَّ منه وجحده وكفّر من دان به وهو لا يدري لعل الحديث من عندنا خرج وإلينا أُسند فيكون بذلك خارجاً من ولايتنا».

وعن الحسن بن الجهم قال: قلت للعبد الصالح «عليه السلام»: هل يسعنا فيما ورد علينا منكم إلّا التسليم لكم؟ فقال: «لا والله لا يسعكم إلّا التسليم لنا».

وفي رواية ان سفيان بن السمط قال لأبي عبدالله«عليه السلام»: جعلت فداك وإن الرجل ليأتينا من قبلك فيخبرنا عنك بالعظيم من الأمر فيضيق بذلك صدورنا حتى نكذبه؟ فقال«عليه السلام»: «أليس عني يحدثكم؟ قلت: بلى قال «عليه السلام»: فيقول لليل أنه نهار وللنهار أنه ليل؟ قلت: لا فقال «عليه السلام»: رده إلينا فانك إن كذبت فإنما تكذبنا».

ولعل السر في النهي عن تكذيب الأحاديث المنسوبة إلى أهل البيت«عليهم السلام» هو لكونهم الخلفاء الشرعيون للنبي الأكرم«صلى الله عليه وآله» فمن كذب حديثاً صدر عنهم فقد كذب النبي الأكرم ومن كذبه فقد كذب الله عز وجل.

وقد أورد الشيخ الحر العاملي في الوسائل رواية عن الإمام الباقر أو الصادق«عليهما السلام» أنه قال: «لا تكذبوا بحديث أتاكم أحداً فإنكم لا تدرون لعله من الحق فتكذبوا الله فوق عرشه».

ونذكر في الختام رواية طريفة تستعرض سيرة بعض أصحاب الأئمة«عليهم السلام» وهي ما رواه زيد الشحام أنه قال للإمام الصادق«عليه السلام»: إن عندنا رجلاً يسمى كليباً فلا نتحدث عنكم شيئاً إلا قال أنا أُسلِّم فسميناه كليب التسليم، قال زيد: فترحكم عليه الإمام ثم قال «عليه السلام»: «أتدرون ما التسليم؟ فسكتنا، فقال: هو والله الإخبات، قول الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُواْ إِلَى رَبِّهِمْ﴾»...

والحمد لله أولاً وآخراً

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]ـ فصلت: 30.

[2]ـ النساء: 65.

 
< السابق   التالي >

 

البحث في الموقع

دخول الأعضاء






هل فقدت كلمة المرور؟
ليس لديك حساب سجل الآن

التصويت

ما رأيكم بالموقع الجديد؟
 

المتواجدون الان

يوجد الآن 15 ضيوف يتصفحون الموقع

إحصائيات الموقع

الأعضاء: 190
المقالات: 847
المواقع الصديقة: 0
الزوار: 769558

الأعضاء


188 أعضاء مسجلين
0 هذا اليوم
0 هذا الأسبوع
0 هذا الشهر
آخر عضو: سيد حارث
spacer

spacer