|
بسم الله الرحمن الرحيم
• زواجها من أمير المؤمنين«عليه السلام». الحديث عن زواج الزهراء «عليها السلام» طويل وواسع وقد يحتاج ـ للاحاطة به ـ الى كتاب لما فيه من جوانب متعددة، ومزايا كثيرة ولهذا ساقتصر على ذكر بعض الجوانب مع الاختصار الشديد كي لا يخرج الموضوع عن حدود المقال.
تزوجت السيدة الزهراء«ع» بعلي بن ابي طالب «عليه السلام» ومهرها اربعمائة درهم «فضة» او خمسمائة على اختلاف الروايات، وبهذا المهر الذي هو قيمةالدرع التي باعها علي«ع» ثَمَّ تجهيز الزهراء«ع» وتأثيث البيت. وهذا الجهاز وهذا الاثاث هو: • قميص، وخمار، وطيب. • قطيفة سوداء خيبرية «كساء له أهداب»(1). • سرير مزمّل بشريط «ملفوف بشريط». • فراشان من خَيْش مصر حشو احدهما ليف وحشو الآخر من جز الغنم «الخيش، قماش من كتان»(2). • اربع مرافق من أدم الطائف حشوها إذخر «المرفقة المخدة والأديم الجلد»(3). • ستر من صوف. • حصير هجري «منسوب الى مدينة هجر». • رحاء اليد «اداة للطحن». • سقاء من أدم «من جلد». • مخضب من نحاس «المخِْضَب، الإجانة لغسل الثياب»(4). • قَعْب للبن «القَعْب، قدح ضخم غليظ»(5). • شن للماء «الشنُّ، قربة صغيرها يكون الماءُ فيها أبرد من غيرها»(6). • مطهرة مزفتة «المِطْهرَة، إناء يُتطهّر به كالإبريق والسطل»(7). • جرة خضراء. • كيزان خزف «كيزان جمع كوز»(8). • نطع من أدم «النَطَع، بساط من جلد»(9). • عباء قطراني «القَطِر، ضرب من البرود»(10). • قربة ماء. هذا هو جهازها، وهذا هو أثاث منزلها، وهي بنت رسول الله«ص» وخاتم النبيين، وسيدة نساء العالمين، وسيدة نساء الجنة وو... وهذا المشهد المذهل يعطي درساً بليغاً لزوجات اليوم ممن يفتخرن بانتمائهن الى السيدة الزهراء«ع»، اذ القيمة ليست في البيت الفاره، والسيارة الحديثة، والمنصب المرموق، والمال الكثير، والمهر العظيم، وانما القيمة في كفاءة الزوج، في تدينه، واخلاقه، والتزامه، وثقافته، ووعيه، وقدرته على ادارة الاسرة، ورعايته للزوجة، ولهذا ورد في بعض الروايات ان احد الائمة «عليهم السلام» لما سئل: لمن ازوج ابنتي؟ فقال «ع»: لصاحب الدين، فانه ان احبها اكرمها، وان ابغضها لم يظلمها. اذا السيدة الزهراء تزوجت بعلي «عليه السلام» لمكانته عند الله تعالى، وسبقه الى الاسلام وجهاده مع رسول الله «ص» واخلاقه، وو... وقد ورد لو لا علي «ع» لما كان لفاطمة كفأ، وان الله سبحانه هو من أمر بتزوج فاطمة لعلي «عليهما السلام»(11). لقد كانت السيدة الزهراء «ع» مثالاً للزوجة الصالحة، والشريكة الناجحة، وحري بنساء اليوم ان يقرأن عن سيرتها مع زوجها، وسيرتها مع اولادها، ليتعلمن منها كيف يكن زوجات وكيف يكن امهات. لقد كانت هذه السيدة العظيمة تدير بيتها بنفسها، فكانت تطحن بالرحا حتى مجلت يداها «اي ظهرت في يديها دمامل»، وكانت تستقي حتى اضر ذلك بصدرها، وكانت بالاضافة الى بقية شؤون المنزل من طبخ الطعام والكنس والغسيل وغير ذلك كثير، تساعد زوجها في النفقة فقد روي انها كانت تغزل لتسد بعض النفقات بذلك. وكانت «عليها السلام» تشفق على زوجها أشد الاشفاق، ويكفي في ذلك ان ما وصل اليها من الضرب والاهانة وكسر الضلع واثر السوط، كل ذلك كان لحماية زوجها سيد الوصيين الى أن ماتت شهيدة محتسبة، ومع ذلك لما حضرتها الوفاة بكت، فقال لها أمير المؤمنين «ع»: يا سيدتي ما يبكيك؟. قالت: ابكي لما تلقى بعدي. قال لها: لا تبكي فوالله ان ذلك لصغير عندي في ذات الله تعالى(12). وروي ان النبي «ص» لما بعث أمير المؤمنين «ع» الى غزوة ذات الرمل «وتسمى ذات السلسلة» كانت له «ع» عصابة لا يتعصب بها حتى يبعثه النبي «ص» في وجه شديد، فمضى الى منزل فاطمة «ع» فالتمس العصابة منها. فقالت: أين تريد وأين بعثك أبي؟ قال: الى واد الرمل. فبكت إشفاقا عليه، فدخل النبي «ص» وهي على تلك الحال، فقال لها: ما لك تبكين؟ أتخافين أن يقتل بعلكِ؟ كلا إن شاء الله. فقال له علي «ع»: لاتنفس علي بالجنة يا رسول الله «ص»(13). اي لا تبخل علي بالجنة دعني حتى اقتل في سبيل الله. ومن ذلك ما رواه ابو سعيد الخدري، قال: أصبح علي بن أبي طالب «ع» ذات يوم ساغباً، فقال: يا فاطمة، هل عندك شيء تغذينيه؟. قالت: لا والذي أكرم أبي بالنبوة وأكرمك بالوصية، ما أصبح الغداة عندي شيء، وما كان شيء أطعمناه مذ يومين الا شيء كنت أترك به على نفسي، وعلى إبني هذين الحسن والحسين. فقال علي «ع»: يا فاطمة ألا كنت أعلمتني، فأبغيكم شيئاً؟. فقالت: يا أبا الحسن: أني لاستحي من إلهي لأن اكلف نفسك مالا تقدر عليه(14). ويلخص أمير المؤمنين «عليه السلام» علاقته بسيدة نساء العالمين «عليها السلام» بقوله: فوالله ما أغضبتها ولا أكرهتها على أمر حتى قبضها الله عز وجل إليه، ولا أغضبتني ولا عصت لي أمراً، ولقد كنت أنظر إليها فيكشف عني الهموم والاحزان(15). ما أجمل العلاقة الزوجية عندما تكون قائمة على التفاهم التام، والاحترام المتبادل، والحب والوئام، في مختلف الظروف والاحوال. وإن زوجة بهذا القدر من الاخلاص والتضحية والوفاق لجديرة أن يفتخر بها زوجها، ويذكرها أمام الناس بكل تقدير واحترام. وقد روي أن أمير المؤمنين «ع» كان يفتخر بزواجه من فاطمة «ع» ويقول: «لأقولن قولاً لم يقله أحد بعدي إلا كذاب، أنا عبدالله، وأخو رسوله، ووريث نبي الرحمة، وتزوجت سيدة نساء الامة، وأنا خير الوصيين»(16). • وفاتها. ماذنب الشيعة يرمون بالغلو والبدعة، عندما يعتقدون بافضلية أئمتهم وقادتهم، اذا كان ما يعتقدونه صدقاً وحقاً، ولماذا يرمون بالكذب اذا كانت مستنداتهم التي يعتمدونها حجة على الجميع!. فهذه فاطمة «ع» المرأة الشابة التي حضرتها الوفاة وهي في سنتها الثامنة عشر، ولكن كيف كان استقبالها لحادث الموت؟ لقد استقبلته وهي ضاحكة مستبشرة. ففي مصادر العامة والخاصة روي أن الزهراء «ع» لما اخبرها رسول الله «ص» بموتها تبسمت. من ذلك ما روي ان عائشة كانت تقول: إن رسول الله «ص» في مرضه الذي قبض فيه قال لفاطمة «ع»: يا بنية أحني عليَّ ... فأحنت عليه فناجاها ساعة ثم انشكفت وهي تبكي وعائشة حاضرة. ثم قال رسول الله «ص» بعد ذلك بساعة: أحني علي يا بنية ... فأحنت عليه فناجاها ساعة، ثم انكشفت عنه فضحكت. قالت عائشة: فقلت: أي بنية: أخبريني ماذا ناجاك أبوك؟. فقالت: «ع»: ناجاني على حال سر ظننت أني أخبر بسره وهو حي؟!. فشق ذلك على عائشة أن يكون سراً دونها!!. فلما قبضه الله قالت عائشة لفاطمة «ع»: يا بنية ألا تخبريني بذلك الخبر؟ قالت: «ع»: أما الان فنعم، ناجاني في المرة الاولى فأخبرني: أن جبرئيل صلى الله عليه كان يعارضه بالقرآن في كل عام مرة، وأنه عارضه بالقرآن العام مرتين. وأخبرني: أنه «ص» أخبره أنه لم يكن نبي إلا عاش نصف عمر الذي قبله، وأنه أخبرني: أن عيسى بن مريم «ع» عاش عشرين ومائة سنة ولا أراني إلا ذاهباً على رأس الستين. فأبكاني ذلك. وقال: يا بنية أنه ليس من نساء المسلمين امرأة أعظم رزية منك، فلا تكوني أدنى من امرأة صبراً. وناجاني في المرة الاخيرة فأخبرني «ص»: أني أول أهله لحوقاً به وقال «ص»: إنك سيدة نساء أهل الجنة ...(17). وعند هذه النقطة اريد ان اتوقف قليلاً لالخص ما جاء في كشف الغمة حيث ذكر ان نوحاً «ع» كان أطول الانبياء عمراً ولكن لما دنا أجله، قيل له كيف رأيت الدنيا؟. فقال: كدار ذات بابين دخلت في باب وخرجت من باب. وروي ان ابراهيم الخليل «ع» سال الله تعالى ان لا يميته حتى يساله الموت فلما استكمل أيامه التي قدرت له خرج فرأى ملكاً على صورة شيخ فانٍ كبير قد أعجزه الضعف وظهر عليه الخراف ولعابه يجري على لحيته وطعامه وشرابه يخرجان من سبيله من غير اختياره، فقال له: يا شيخ كم عمرك؟ فأخبره بعمر يزيد على ابراهيم سنة فاسترجع وقال أناأصير بعد سنة الى هذه الحال فسأل الموت. فهؤلاء الانبياء وهم اشرف الناس واعلاهم والارفع مكانة في الاخرة وقد عرفوا ذلك وأبت طباعهم البشرية إلا الرغبة في الحياة. وهذه فاطمة «ع» امرأة حديثة عهد بالشباب ذات اولاد صغار وزوج كريم لم تقض من الدنيا إرباً وهي في غضارة عمرها وعنفوان شبابها يخبرها ابوها «ص» انها سريعة اللحاق به فتسلو عن موت ابيها «ص» وتضحك ونفسها طيبة بفراق الدنيا وفراق بعلها وبنيها. وهذا أمر عظيم لا تحيط الالسن بصفته ولا تهتدي القلوب الى معرفته وما ذاك إلا لأمر علمه الله تعالى من هذه المرأة العظيمة وسر أوجب لها مزية التقدم فخصها بباهر معجزاته وأظهر عليها آثار علائمه(18). وقد اختلفت الروايات في تاريخ وفاتها، كما اختلفت في مكان دفنها. وقد روي انها توفيت في الثالث من جمادى الاخرة في السنة الحادية عشر من الهجرة اي بقيت بعد ابيها «ص» خمسة وتسعين يوماً، وروي انها بقيت بعده أربعة اشهر، وقيل غير ذلك. وروي عن اسماء بنت عميس انها قالت: أوصت فاطمة ان لا يغسلها اذا ماتت إلا انا وعلي صلوات الله وسلامه عليه فغسلتها أنا وعلي وصلى عليها أمير المؤمنين والحسن والحسين وعمار والمقداد وعقيل والزبير وابو ذر وسلمان وبريدة ونفر من بني هاشم في جوف الليل. ودفنها أمير المؤمنين «ع» سراً بوصية منها في ذلك. وأما موضع قبرها فقد اختلفت فيه الاقوال على ثلاثة. 1ـ في البقيع 2ـ في بيتها ولما توسع المسجد دخلت فيه 3ـ بين القبر والمنبر(19) ورحم الله الشيخ كاظم الأزري حيث أنشد: ولأي الأمور تدفن سرا | بضعة المصطفى ويعفى ثراها | فمضت وهي أعظم الناس وجداً | في فم الدهر غصة من جواها | وثوت لا يرى لها الناس مثوىً | اي قدس يضمه مثواها |
وفي الختام أود أن اختم مقالي هذا بكلمه للاستاذ الراحل عباس محمود العقاد حيث قال: «في كل دين صورة للانوثة الكاملة المقدسة، يتخشع في المسيحية صورة مريم العذراء، وفي الاسلام لاجرم، تتقدس صورة فاطمة البتول»(20). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1]ـ المعجم الوسيط: 747. [2]ـ صحاح الجوهري: مادة «خيش» [3]ـ المعجم الوسيط: 362، 10. [4]ـ نفس المصدر: 239. [5]ـ المعجم الوسيط: 748. [6]ـ نفس المصدر: 497. [7]ـ نفس المصدر: 569. [8]ـ صحاح الجوهري مادة: «كوز» [9]ـ المعجم الوسيط: 930. [10]ـ صحاح الجوهري مادة: «قطر». [11]ـ مناقب آل أبي طالب: 3/126 لابن شهر آشوب. [12]ـ بيت الاحزان: 26 عباس القمي. [13]ـ نفس المصدر: 27. [14]ـ بيت الاحزان: 35. [15]ـ نفس المصدر: 53. [16]ـ إعلام الورى: 1/298 الطبرسي. [17]ـ محنة فاطمة: 29 نقلاً عن المعجم الكبير للطبراني، 22/417ـ418 ح1029 وغيره. [18]ـ كشف الغمة للاربلي: 2/82. [19]ـ إعلام الورى: 1/300 وما بعدها. [20]ـ السيدة فاطمة الزهراء «س» محمد بيومي: 15.
|