spacer
 

 

 

spacer
spacer  
 

اخبار مجلة الفرات
 
 

خواطر في القرآن الكريم ـ ج3 ـ طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ المهندس حنون عاتي الدراجي ـ العدد (103)   

المهندس حنون عاتي الدراجي باسم الله الصمد الواحد منزل القرآن على نبيه الماجد وهو للقراءة والكتابة فاقد، وأحمده ـ رباً متفضلاً ـ بجميع المحامد، فقد قامت على وحدانيته الشواهد وكل شيء يدل على انه الواحد قد تقدس وقد تنزه  عن المثال إذ لا يحيط به وهم ولا خيال وهو اللطيف الكبير المتعال.

وأصلي وأسلم على محمد أفصح العرب وعلى آله أولي العصمة دون من قرب وعلى الخيار من صحبه أولي البلاغة والأدب، صلاة دائمة تأخذ بنا إلى أعلى المراتب ولننال بها عليهم اسنى المطالب، وبعد فقد ستدرجني الحديث في الحلقة السابقة حول استخدام الذكر الشريف للجملتين الاسمية والفعلية إلى تذكر ما ورد في الآيتين الشريفتين «133 ـ آل عمران»: "وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ" والآية «21 ـ الحديد»: "سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ".

فقد بين سبحانه في آية المسارعة من آل عمران الغرض من إعداد الجنة بأنها قد "أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ" واصفاً إياهم بصيغة «اسم» الفاعلين من الفعل الخماسي «اتقى» يتقي اتقاء والذي صدرت منه التقوى يقال عنه «متقي» بينما في آية المسابقة في الحديد تم إعداد الجنة "لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ". وأتوقع ممن تابعنا في الحلقة الماضية أو من يراجعها ان سيعرف فرق ما بين الوصفين فقد بينا هناك انه الوصف «الاسمي» يكون أكثر رسوخا وأقوى ثبوتا وأطول دواما واشرف رتبة وأعلى مقاما بينما الوصف «الفعلي» إنما يدل على مجرد حدوث وبدء تجرد وكفاية خروج من العدم. وإذن لابد من فرق بين الجنتين فلنتحقق.

لنعد أولا مقارنة بين كلماتهما المختلفات ولنتلمس إيجاد ما بينها من الفروق لغة ومنطقا.

آية آل عمران: سَارِعُواْ .. عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ .. لِلْمُتَّقِينَ

آية الحديد: سَابِقُوا .. عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء .. لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ .. ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ ...الخ الآية. المسارعة إلى الشيء ـ لغة ـ تعنى المبادرة إليه، وسارعوا = تسارعوا. سبقه = تقدمه. استبقا = تسابقا، وفلان سابقة في هذا الأمر = سبق الناس إليه وتقدم عليهم.

فالمسابقة إذن اعم من المسارعة لان المسابقة = مبادرة «أي مسارعة» + تقدم ناشئ عن تنافس بينما المسارعة لا تعد وعن المبادرة إلى الحاجة بغية قضائها، ولا مانع من تخلل الالتفات عنها ـ مؤقتا ـ إلى ماهو الأهم وحسب الأولويات لدى المسارع. ومن يبدأ بالمسابقة لا يتركها إلى غيرها فهما مسارعة وزيادة.

والذين امنوا يشملون المتقين وزيادة عليهم غيرهم إذ ليس كل من آمن بالله ورسوله سلك سلوك المتقين.

بقي ان نجري المقارنة بين كلمتي "السماء" و "السموات" ولنتلمس أيهما اعم من الأخرى.

ولهذا الغرض علينا مراجعة مواطنهما في الذكر الحكيم.

كلمة "السماوات" أينما وردت في القرآن لها معنى واحد وهي جمع كلمة "السماء" بمعناها الذي = كل ما علاك فاظلك. وكلمة "السماء" جاءت في القرآن الكريم مفردة لـ"السماوات" أي بمعنى كل ما علاك فاظلك كما في الآية «5 ـ تبارك»:

"وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ". لكن كلمة "السماء" وردت في القرآن الكريم ولها معان آخر سوى معنى كل ما علاك فاظلك، بل قد جاءت في الآية «11 ـ نوح» بمعنى المطر: "يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً" كما ورد بمعنى السحاب «17 ـ الرعد»: "أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ" وفي الآية «15 ـ الحج» "السماء" تعني السقف "مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء" وكذلك فان "السماء" تعني طبقات الجو العليا "وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء" «125 ـ الأنعام». وجاء في القاموس المحيط للفيروز آبادي: «السماء مؤنث ويذكر: سقف كل شيء وكل بيت ورواق البيت وفرس وظهر الفرس والمطر والمطرة الجيدة» وفي مختار الصحاح «السماء كل ما علاك فاظلك ومنه قيل لسقف البيت سماء والسماء المطر، يقال: مازلنا نطأ السماء حتى أتيناكم».

ومن كل هذا نستنتج انه كلمة "السماء" اعم وأكثر دلالة من كلمة "السماء"، فانظر كيف استعمل الكتاب العزيز المعجز الكلمات. فجمع ماهو اعم وأوسع في آية المسابقة من سورة الحديد؛ فالمسابقة والسماء والذين امنوا وضعت سوية. والكلمات ذات الدلالات والأعداد الأقل وضعها جميعا في آية المسارعة في سورة آل عمران كما وأن الجنة الموصوفة فيها بأن عرضها السموات والأرض هي جنة خاصة ولها سمات ومزايا لا يمكن ان تدانيها تلك الموصوفة بآية المسابقة «الحديدية» والتي يوحي الأمر بها إلى شيء من حسم وحد مفروغ منه وانتهى البت فيه فالإرادة الإلهية قد جرت بأن تعطى لمن يملك أدنى مؤهلات العقيدة وأقل درجات الإيمان الحائزة على أوليات مقوماته وأسسه وهي الإيمان بالله أحدا وبالمرسلين من عنده مصدقا برسالاتهم عموما. وعلى هذا جرى الأمر المقدس وعنه رفعت الأقلام وجفت الصحف. فلاحظ يا أخي ويا عزيزي كيف أنهى الباري سبحانه آية المسارعة بقوله "أعدت للمتقين" فالمتقون يدخلون في جنانهم التي أعدت لهم وهم جديرون بها وقد فازوا بها عن استحقاق فيقال لهم، "هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ" «26 ـ الحاقة» وكل منهم يقول حين دخوله جنته التي قد أعدت له: "إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ" «26 ـ الحاقة» ـ وظننت هنا تعني علمت ـ. بينما تنتهي آية المسابقة نهاية أخرى مذكرة بفضل الله سبحانه وتعالى الذي هو من سماته وأسمائه ففضله من مختصاته يضعه حيث يشاء ويؤتيه من يشاء إذ هو سبحانه "لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ" «23 ـ الأنبياء» وقد وهبهم جنته التي لم يدركوا ماهي عليه حتى عاشوا فيها ورأوا فيها من القدرات التي باتوا يتصفون بها ومن الكرامة والإمكانيات التي باتت لديهم حتى إذا تذكر أحدهم حيات الدنيا وما كان عليه وما أوشك به على الانزلاق في الهاوية لولا نعمة ربه فيتكلم مع أصحابه في هذا ثم يضيف "إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ *‏ يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ..." فراجعها في سورة الصافات ان شئت تجد ما حباهم به الله سبحانه من قابلية على الاطلاع على أركان الجحيم من قرنائهم ورفاقهم الذين ما فتئوا  يمارسون عليهم الغواية والإضلال بكل السبل ثم يطل عليه من عليائه ونعيمه «شامتا» هازئا وقرينه يصطرخ ألما يضج لوعة وحسرة وملائكة العذاب يضاعفون له ماهو فيه.

وما بالك بالمتقين الذين هم لقرب واقرب بأشواط بعيدة إلى رحمة ربهم والكون بها مستقرين متدرجين في «قوس الصعود» إلى حد الاتحاد والاندماج في الرحمة الإلهية ان كانوا يشتهون "وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ" «52 ـ الأنبياء» "وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ" «31 ـ فصلت» "وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ" «71 ـ الزخرف». وكل هذا بعد ان ينادى «يا أهل الجنة إخلود ولا موت ويا أهل النار إخلود ولا موت».

فيا أيها المؤمنون بالله ورسله! أبشروا، ويا من حفظتم الفرائض المفروضة مع نية ما تعتقدون أبشروا وما دام الحديث قد وصل بنا إلى استعمال القرآن المجيد في آياته الكريمة الكلمات التي تحمل معاني أوسع واعم وحشدها سوية في أسلوب فني أكثر من رائع واستعماله الكلمات ذوات المعاني الأخص وحشدها سوية بأسلوب مدهش، لابد لنا ان نعرج على الآيتين الكريمتين: «4 ـ الأنبياء» "قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ..." و «6 ـ الفرقان»: "قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" فلما جاء بكلمة "القول" الذي يضم تحته القول الجهري «العلني» والقول السري «التخافت» فالقول إذن عام ولهذا جاء معه بلفظ "السماء" العام كذلك. ولما استعمل كلمة "السر" التي هي قسم من قسمين "القول" جاء معها بكلمة "السماوات".

وإذن فلا محيص ولا مفر لمن يقلب استعمالات القرآن الكريم واستخدم الألفاظ فيه سيجد سر تحديه للعرب حفاظ المتعلقات وغير المعلقات وخطب الخطباء فيهم وفي غيرهم وما وجدوا إلى منازلته سبيلا ولا إلى مجاراته قبيلا وليس لهم سوى الإقرار بإعجازه "وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ" « 192ـ195 الشعراء».

فدونك إياها أيها المطالع العزيز من لم تذهب ببصر بصيرته أقوال الرجال ولأنه لست فطرته بالقيل والقال، أفكارا تسر النفوس والقلوب وتغسل أدران الذنوب مداعبة العقول والأرواح مفيضة عليها الانشراح سائلين المولى تعالى ان يجنبنا جميعا الخَطَلَ في القول والعمل لان الغرور والزلل هما الغالبان على من خلق من عجل. "رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ" «15 ـ الحشر».

 والى اللقاء في الحلقة القامة إن شاء الله تعالى.

 
< السابق   التالي >

 

البحث في الموقع

دخول الأعضاء






هل فقدت كلمة المرور؟
ليس لديك حساب سجل الآن

التصويت

ما رأيكم بالموقع الجديد؟
 

المتواجدون الان

يوجد الآن 14 ضيوف يتصفحون الموقع

إحصائيات الموقع

الأعضاء: 190
المقالات: 847
المواقع الصديقة: 0
الزوار: 769557

الأعضاء


188 أعضاء مسجلين
0 هذا اليوم
0 هذا الأسبوع
0 هذا الشهر
آخر عضو: سيد حارث
spacer

spacer