|
يحتل علم التفسير مكانة سامية في منظومة العلوم الإسلامية ويعتبر من العلوم المهمة والأساسية في نظر كافة المسلمين وهو من أشرف العلوم وأرفعها؛ لأن موضوعه كلام الله تعالى وفائدته والغرض منه فهم كلامه تعالى الذي هو العروة الوثقى و جميع العلوم الشرعية والمعارف الدينية متوقفة على العلم بكتاب الله تعالى.
فالتفسير اسم لعلم من أهم العلوم والمعارف الإسلامية، وأكثرها أثرا في حياة الأمة الفكرية والتشريعية والاجتماعية وغيرها من مجالات الحياة. وهو عبارة عن بيان المحتوى القرآني الذي يحتاج إلى بيان، وكشف المراد منه، سواء كان ذلك بيان معنى لمفردة لفظية أو جملة. ومما يبين الأهمية التي أولاها المسلمون للتفسير المؤلفات الكثيرة جدا في هذا المجال، فإطلالة خاطفة على المكتبة الإسلامية كافية في تبيان أهمية التفسير ودوره الأساس في العلوم الإسلامية. معنى التفسير لغة واصطلاحا التفسير لغة التفسير في اللغة :مشتق من الفسر بمعنى الإيضاح والإبانة والكشف وإظهار المعنى المعقول. قال الفيروزآبادي(729 ـ 817 هـ) : الفسر الإبانة وكشف المغطى كالتفسير(1). وقال ابن منظور (630 ـ 711 هـ): (الفسر كشف المغطى، والتفسير كشف المراد عن اللفظ المشكل)(2). وقال الراغب الاصفهاني(بعد 400هـ ): (الفسر: إظهار المعنى المعقول...) (3). وقد وردت كلمة تفسير في القران الكريم مرة واحدة وذلك في قوله تعالى: (ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً)( الفرقان : 33). أي بيانا وتفصيلا . وقال ابن عباس في قوله تعالى : ( وأحسن تفسيرا) أي تفصيلا0 فتفسير الكلام - أي الكلام - معناه الكشف عن مدلوله وبيان المعنى الذي يشير إليه اللفظ. التفسير اصطلاحا قال الزركشى (745 ـ 794 هـ) : (التفسير: علم يفهم به كتاب الله المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، وبيان معانيه ، واستخراج أحكامه وحكمه) (4). وقال السيوطـي (849 -911 هـ) ناقلا عن الراغب تعريفه للتفسير: (وقال الراغب: التفسير اعم منالتأويل، وأكثر استعماله في الألفاظ ومفرداتها، وأكثر ما يستعمل التأويل في المعانيوالجمل، وأكثر ما يستعمل في الكتب الإلهية. والتفسير يستعمل فيها وفي غيرها) (5) . وقال الاصبهاني في تفسيره: (اعلم ان التفسير في عرف العلماء: كشف معاني القرآن،وبيان المراد، اعم من ان يكون بحسب اللفظ المشكل وغيره، وبحسب المعنى الظاهر وغيره، والتأويل أكثره في الجمل. والتفسير إما ان يستعمل في غريب الألفاظ نحو البحيرة والسائبة والوصيلة، أو في وجيز يتبين بشرح، نحو: أقيموا الصلوة وآتوا الزكاة، وإما لكلام متضمن لقصة لا يمكن تصويره إلا بمعرفتها، كقوله: (إنما النسيء زيادة في الكفر) وقوله: (وليس البر بان تأتوا البيوت من ظهورها) (6). وقد عرفه الشيخ الطبرسي (460 - 548 هـ) بقوله: (التفسير: كشف المراد عن اللفظ المشكل) (7)، كما عرف التأويل بقوله: (والتأويل رد احد المحتملين الىما يطابق الظاهر) (8) . وعرفه السيد أبو القاسم الخوئي (1899 – 1992م ) بقوله: (التفسير هو إيضاح مراد اللّه تعالى من كتابهالعزيز، فلا يجوز الاعتماد فيه على الظنون والاستحسان، ولا على شيء لم يثبت انهحجة من طريق العقل، او من طريق الشرع للنهي عن اتباع الظن، وحرمة إسناد شيء إلى اللّه بغير إذنه) (9) . و عرفه الشهيد الصدر (1935 ـ 1980م)بقوله: (فتفسير الكلام أي كلام معناه: الكشف عن مدلوله، وبيان معناه الذي يشير إليه اللفظ) (10). الفرق بين التفسير والتأويل وقد اهتمّ الباحثون في علوم القرآن، وكذلك المفسّرون في التفريق بين التفسير والتأويل لأنهما يطرحان معا بل يظهر من البعض اتحادهما في المعنى او تقاربهما . التأويل لغة فالتأويل في اللغة مأخوذ من الأوْل وهو الرجوع، قال الفيروزآبادي(729 ـ 817 هـ) في القاموس: (آل إليه أوْلاً ومآلاً رجع... ثم قال: وأوّل الكلام تأويلاً وتأوّله تدبّره وقدّره وفسّره)(11). قال الراغب الأصفهاني (بعد 400هـ ) في المفردات: (التأويل من الأوْل: أي الرجوع إلى الأصل، ومنه الموئل للموضع الذي يرجع إليه، وذلك هو ردّ الشيء إلى الغاية المرادة منه، علماً كان أو فعلاً ...) (12) فالتأويل أصله الرجوع إلي الشيء ، ثم تدرجت هذه الكلمة في الاستعمال حتى كانت بمعني تفسير ما يؤول إليه الشيء، فجعلُ التأويلِ بمعنى التفسير كأنه باعتبار أن المؤوِّل ـ أي المفسِّر ـ يُرجع اللفظ إلى معناه. التأويل اصطلاحا قيل ان ما هو المقصود عند السلف غير ما هو المقصود عند المتأخرين، قال محمد حسين الذهبي (1915 – 1977م): التأويل عند السلف له معنيان (13): احدهما: تفسير الكلام وبيان معناه، سواء وافق ظاهره أم خالفه فيكون التأويل والتفسير ـ على هذا ـ مترادفين، وهذا ما عناه مجاهد من قوله: ان العلماء يعلمون تأويله، يعني القرآن، وما يعنيه ابن جرير الطبري بقوله في تفسيره: القول في تأويل قوله تعالى كذا وكذا، وبقوله: اختلف أهل التأويل في هذه الآية» ونحو ذلك، فإن مراده التفسير. ثانيهما: هو نفس المراد بالكلام فإن كان الكلام طلباً كان تأويله نفس الفعل المطلوب، وإن كان خبراً كان تأويله نفس الشيء المخبر به.. فإذا قيل طلعت الشمس فتأويل هذا هو نفس طلوعها. المعنى الثالث : التأويل عند المتأخرين من المتفقهة والمتكلمة والمحدّثة والمتصوفة... هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح ـ أي الظاهر ـ إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به(14). والصحيح ان التأويل لا يشترط فيه وجود الدليل أو القرينة على المعنى المرجوح دائماً، ولذلك يطلق التأويل على التفسير بالباطن مع أنّه خال عن الدليل غالباً، إذن التأويل بهذا المعنى يطلق على حمل اللفظ على غير المعنى الظاهر فيه ولو من دون دلالة على ذلك، نعم ربما تكون هناك أدلة أو قرائن خفية يعرفها العارف بالتأويل، يكون هذا هو المعنى الثالث للتأويل. المعنى الرابع : تأويل الإعمال: حكمة ومغزى بعض الأفعال مما يخفى على الناس عامة، كما في قضية الخضر(عليه السلام) مع النبي موسى(عليه السلام) (ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبراً)(15). وبذا يتضح اتجاهان في معنى التفسير: فالشائع ـ في كلمات العلماء والمفسرين ـ انهم استعملوا التفسير في معنيين: 1 ـ مطلق حمل اللفظ على المعنى وإظهار احد محتملات اللفظ، سواء كان ظاهراً فيه أم لم يكن، وسواء كانت هناك قرينة عليه أم لا. واثبات انه المعنى المراد وبهذا المعنى يسمون حمل اللفظ على المعنى الباطن تفسيراً. فيقولون عنه: انه تفسير بالباطن. وهو الاتجاه السائد لدى الأصوليين. (16) 2 ـ خصوص حمل اللفظ على المعنى الظاهر منه، ـ الذي قد يخفى على البعض لأمر خفي في الكلام (17) ـ وان كان سبب هذا الظهور التأمل والتمعّن في نفس الكلام أو القرينة المحيطة بالكلام. فيكون التفسير ـ بهذا المعنى ـ في مقابل (التأويل) الذي هو حمل اللفظ على غير المعنى الظاهر، وهو اخصّ من التفسير بالمعنى الأول.
(1) القاموس المحيط: 2 / 110. (2) لسان العرب: 6: 361. (3) معجم مفردات ألفاظ القرآن : مادة فسر (4) مباحث في علوم القرآن لمناع القطان الطبعة الأولى سنة 2000م . (5) الاتقان في علوم القرآن : 4/167 . (6) الاتقان في علوم القرآن : 4/168 . (7) مجمع البيان في تفسير القرآن، أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي المقدمة : ص80 (9) السيد الخوئي ، البيان في تفسير القرآن : ص421 . (10) علوم القرآن ، السيد محمد باقر الحكيم : ص66 . (11) القاموس المحيط، محمد بن يعقوب الشيرازي الفيروزآبادي: 3 / 331. (12) مفردات ألفاظ القرآن: 99. (13) راجع: علوم القرآن.. دروس منهجية، السيد رياض الحكيم (14) التفسير والمفسّرون، محمد حسين الذهبي: 1 / 17 ـ 18. (15) سورة الكهف: 82. (16) علوم القرآن ، السيد محمد باقر الحكيم. (17) المصدر السابق.
|