spacer
 

 

 

spacer
spacer  
 

اخبار مجلة الفرات
 
 

تبرير المعصية طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ الشيخ اسكندر الجعفري ـ العدد (103)   

بسم الله الرحمن الرحيمالشيخ اسكندر الجعفري

«وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ *‏ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَـذَا بَشَراً إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ * قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّنَ الصَّاغِرِينَ»يوسف«32،31،30».

ليس الحديث في هذه العجالة عن قصة يوسف«عليه السلام» ولا عن تفسير الآيات المذكورة، ولكن أريد التحدث عن قضية أشارت إليها هذه الآيات. وهي اننا نعلم ان زوجة عزيز مصر قد عشقت يوسف«عليه السلام» لسنين، ثم راودته عن نفسه لكنه امتنع وأبى وبتعبير القران الكريم «استعصم» وهو الامتناع بشدة، فلما انتشر الخبر في أرجاء المدينة وبين نسائها، أخذن نسوة أشراف المدينة في لوم زليخا وانتقادها والحط من كرامتها، فبعثت عليهن واعتدت لهن متكأ، ثم أمرت يوسف«عليه السلام» بالخروج عليهن فلما نظرن إلى جماله وحسنه وعفته أكبرنه ووقعن في حبه، ولذهولهن قطعن أيديهن سهوا، فاستغلت زليخا هذا المشهد فقالت هذا الذين لمتنني فيه ...الخ.

وبهذه الطريقة حاولت هذه المرأة ان تبرر الجريمة التي حاولت اقترافها، والمعصية التي همت بارتكابها، وكـأنها تريد ان تقول: إنني معذورة في حبي ليوسف ومعذورة في محاولتي لارتكاب الفاحشة لان جماله اسرني وحسنة افقدني صوابي، وعندما يكون الإنسان أسيرا للجمال، أو عندما تغلبه الشهوة، يكون معذورا فيما يقترف، لان لديه ما يبرر المعصية ويسوغها.

وهذه الظاهرة أخطر من المعصية، لأنها حالة تعطي للعاصي مبررات ومسوغات لفعله.

وإذا كان العاصي مقتنعا تماما بما يصنع من فاحشة ورذيلة، ويعتبر ذلك حقا مشروعا له، فحينئذ سوف لا تنفعه الموعظة، بل لا يمكن زجره وتأديبه، لأنه لا يعتقد بخطأ ما ارتكب ولا يسوء ما فعل.

وبتعبير آخر إن رؤية المعصية طاعة، والرذيلة فضيلة، توجب ارتفاع الوازع النفسي والضمير الباطني الذي يعظ الإنسان عندما يخطأن، ويؤنبه عند المخالفة، وهذا مضمون ما ورد في بعض الأحاديث ان من لم يكن من نفسه واعظ لا تنفعه المواعظ.

وفي القران الكريم نماذج لتبرير المعصية وتسويغها سأذكر على سبيل المثال لا الحصر بعضها:

1ـ اعتذار قريش عن الإيمان برسالة الإسلام مع اعترافهم بأحقية هذا الدين، لكنهم برروا هذا الامتناع وسوغوا هذا الكفر والإلحاد بان أتباعهم لهذا الدين سيعرض قوافلهم التجارية للنهب والسرقة.

قال تعالى: «وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» القصص«75».

2ـ اعتذار فئة من الناس عن كفرهم بان ذلك كان بسبب إطاعة سادتهم وكبرائهم.

قال تعالى: «وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا» الأحزاب«67».

ان هؤلاء المساكين قد الغوا «عقولهم» وتنازلوا عن «ضمائرهم» لهؤلاء الأسياد وتركوا لهم تقرير مصيرهم.

وهذه بحد ذاتها مشكلة، ان يفكر لك غيرك، ويقرر لك مصيرك، ويقول لك دعك أنت عن هذا واترك التفكير لي، أنت تأكل وتشرب وأنا أفكر لك، أنا اختار لك الطريق وأنت تسير عليه.

3ـ اعتذار إبليس عن السجود لآدم«عليه السلام» بأنه أفضل منه.

قال تعالى: «قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ» الأعرف«12».

إذا المعصية مشكلة وجريمة ورذيلة، ولكن تبريرها وتسويغها اشد منها رذيلة وأكثر منها إشكالا، لان التبرير يجعل العاصي يعتقد انه ليس مخطئا، وانه لا يتحمل ما صدر منه من سوء وعلى الجميع ان يحذروه لأنهم لو كانوا في مكانه لصنعوا كما صنع ولارتكبوا ما ارتكب.

ومن هنا تكمن خطورة مشاهدة بعض المسلسلات التي تبث على الفضائيات، كالمسلسلات «التركية» المدبلجة، لأنها تقوم على أساس تبرير المعصية، وان الرذيلة فضيلة في بعض الأحيان، والزنا وارتكاب الفاحشة عفة وطهارة وصدق!!!.

ان المسلسلات التركية هذه والتي عرضت قبل مدة كمسلسل «نور و مهند» و «سنوات الضياع» يثقف المتابع على ان بعض الانحرافات هي في حقيقتها فضائل ونوع من الاستقامة.

فيصور لك المسلسل امرأة متزوجة تقوم بخيانة زوجها مع رجل آخر تربطها به علاقة حب، ثم يبرر المسلسل هذه الجريمة على انها إخلاص وعفة ووفاء، وانها لم تجد عند زوجها ما وجدته عند صديقها من الحب والعطف والحنان.

وهي بذلك إنما تثقف للرذيلة، وكأنها تقول: على المرأة المتزوجة إذا لم تجد في زوجها الصفات الكاملة، ان تبحث عن صديق يمتلك تلك الصفات لتعوض ما فاتها من الحب والود.

وبعد ان يصور المسلسل هذه المرأة الخائنة على انها قديسة، او ذاك الرجل المنحرف على انه شجاع نبيل، يقوم المشاهد بالتعاطف مع هذه المرأة ويقول في نفسه «انها مسكينة، لقد عانت مع زوجها كثيرا، ليتها تجد صديقها».

وبعد ذلك تصبح جريمة «الزنا» في نظر المشاهد الذي وقع تحت تأثير المسلسل مسالة عادية ولا تشكل انحرافا خلقيا كبيرا كما يقول الشرع والعرف.

وبسبب هذا النوع من المسلسلات حدثت مشاكل كثيرة في داخل الأسرة منها.

أ ـ زوج اخرج زوجته من بيته وأرسلها إلى أهلها بسبب مسلسل «نور  و مهند».

ب ـ حدثت حالات طلاق كثيرة وخلافات بين المتزوجين بسبب هذه المسلسلات.

وقد أثبتت الكثير من الدراسات ان متابعة المسلسلات والأفلام من نوع معين ينعكس ذلك على سلوك المشاهد، فمثلا متابعة أفلام القتل والجريمة يقود المشاهد أحيانا إلى ممارسة ذلك بالفعل وهكذا متابعة أفلام العلاقات غير المشروعة تقود المشاهد إلى ارتكاب ذلك.

ويمكن تلخيص لبعض أهداف هذه المسلسلات على المشاهد والمتابع.

1 ـ تثقف الشاب والشابة على إقامة علاقات غير مشروعة قبل الزواج وتعتبر ذلك حقا مشروعا لكل منهما.

2 ـ في هذه المسلسلات يتم اختيار شخصيات مميزة، كان يكون الممثل شابا جميلا يستهوي المشاهدة، أو ممثلة جميلة فاتنة تستهوي المشاهد.

فإذا نظر الشاب لهذه الممثلة الجميلة لعدة أيام خصوصا وان عدد حلقات هذه المسلسلات يتجاوز الحد المألوف قد تقل رغبته لزوجته ويقول في نفسه ما أجمل هذه المرأة، وما أجمل شعرها وقامتها لو استطيع ان استبدلها بزوجتي، لماذا لم يعطني ربي مثل هذه الشقراء، وأعطاني امرأة دميمة، قصيرة أو طويلة، سمينة أو نحيفة، لا يرغب فيها أحد، وهكذا الأمر في طرف الزوجة عندما تنظر لممثل شاب جميل.

3 ـ إعطاء صيغة شرعية على الولد المتولد م الحرام.

4 ـ ان الإنسان يجب ان يمارس رغباته وشهواته من دون قيد أو شرط، وليس لأحد ان يمنعه من ذلك، فليس للأب ان يمنع ابنه من ارتداء الملابس التي يريدها، ولا يحق له ان يسأله عن أصدقائه ومع من يتكلم وأين يذهب وماذا يصنع، وهكذا البنت لا سلطان لامها عليها، لا يجوز للام ان تسألها عن ميولها وليس لها ان تمنعها عما تحب وترغب ولو كان ذلك سيئا يؤثر عليها عاجلا أو آجلا.

5 ـ تشجع هذه المسلسلات على الخيانة الزوجية كل من الزوجين وتهون الأمر عليهما وتسوغه، مع ان هذه الجريمة عظيمة عند ا... تعالى.

عن النبي«ص» «اشتد غضب ا... عز وجل على امرأة ذات بعل ملأت عينها من غير زوجها»«[1]».

وعنه «ص» أيضا: «لما أسرى بي مررت بنسوان معلقات بثديهن فقلت: من هؤلاء يا جبرائيل؟ فقال: هؤلاء الذين يورثون أموال أزواجهن أولاد غيرهم»«[2]»

وعن صادق أهل البيت«ع»: «اشد الناس عذابا يوم القيامة رجل أقر نطفته في رحم تحرم عليه»«[3]»

وهناك أهداف وآثار أخرى لهذه المسلسلات اترك ذكرها لفرصة أخرى.

والشيء المهم الذي أريد قوله، ان على أولياء الأمور ان يحافظوا على أنفسهم أولا وعلى عوائلهم ثانيا يقوا في مزالق الرذيلة، وذلك يتم عبر وسائل متعددة منها منع الأسباب التي تؤدي إلى ذلك والتي منها مشاهدة هذا النوع من المسلسلات على ما تقدم توضيح ذلك.

وفي الختام أود ان أختم مقالي هذا بما روي عن المسيح«عليه السلام» انه قال: «لا تكونن حديد النظر إلى ما ليس لك فانه لن يزني فرجك ما حفظت عينك، فان قدرت ان لا تنظر إلى ثوب المرأة التي لا تحل لك فافعل»«[4]»


[1]ـ التفسير المعين: 366.

[2]ـ نفس المصدر.

[3]ـ نفس المصدر.

[4]ـ نفس المصدر.

 
< السابق   التالي >

 

البحث في الموقع

دخول الأعضاء






هل فقدت كلمة المرور؟
ليس لديك حساب سجل الآن

التصويت

ما رأيكم بالموقع الجديد؟
 

المتواجدون الان

إحصائيات الموقع

الأعضاء: 190
المقالات: 847
المواقع الصديقة: 0
الزوار: 769537

الأعضاء


188 أعضاء مسجلين
0 هذا اليوم
0 هذا الأسبوع
0 هذا الشهر
آخر عضو: سيد حارث
spacer

spacer