spacer
 

 

 

spacer
spacer  
 

اخبار مجلة الفرات
 
 

خواطر في القران الكريم ـ ج2 طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ المهندس حنون عاتي الدراجي ـ العدد (102)   

المهندس حنون عاتي الدراجي استعمال الصيغ الاسمية والفعلية في القراءات

بسم ا... استعينه واستهديه واستغفره وأتوب إليه وأتدبر قوله متوكلا عليه واصلي واسلم على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آل بيته الهداة المعصومين وعلى الخيرة من صحبه وأصحابهم أجمعين ومن دعا بدعوتهم إلى يوم الدين وبعد، فحديثي معكم اخوتي رواد هذا الموقع الأعزاء يدور حول الاستخدام الواعي في الكتاب العزيز للجملتين الاسمية والفعلية ومن الجانب البلاغي،

فقد قال أرباب البلاغة في معرض كلامهم عنها، ان المخاطب إذا أراد ان يفيد في كلامه معنى الثبوت والدوام والاستمرار وصفا لمضمون كلامه فمقام الكلام هذا يتطلب منه ان يضع كلامه ضمن إطار اسمي وإذا أراد إفادة معنى متجدد حادث ومتشكل آنا بعد آن فالمقام يتطلب ان يضع كلامه ضمن إطار الجملة الفعلية، اذ البلاغة هي: مطابقة المقال لمقتضى الحال أو قل: إنها مراعاة المقام في أثناء الكلام كاستعمال الإمام الحسن الزكي العسكري(ع) الجمل الاسمية لا الفعلية في قوله الشريف:

«علامات المؤمن خمس: صلاة احدى وخمسين ـ أي الفرائض اليومية وهي سبعة عشر ركعة + النوافل الراتبة وهي اربع وثلاثون ـ وزيارة الأربعين والتختم باليمين وتعفير الجبين (بالسجود) والجهر ببسم ا... الرحمن الرحيم» فجاء «ع» بالفقرات كلها بالصيغة الاسمية إذ أراد «ع» صفات ثابتة عند المؤمن وليست صفات مؤقتة. ولاغرو في هذا فالإمام هو عدل الكتاب وصنوه. وتعال ـ يرحمك الله ـ معي لنتدبر في سورة الكافرون، قال تعالى: « بِـِسْمِ اللهِ الرَّحْمَن الرَّحِيمِ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ »‏ فابتدأ سبحانه بان وصفهم بـ«الكافرون» لان وصف الكفر ثابت راسخ فيهم ولم يقل لهم يا ايها الذين كفروا ـ مثلا ـ بالصيغة الفعلية التي تعني يا من تجدد لديكم الكفر وحدث فيكم ـ دون غيركم ودون من سبقكم ـ فيجعل وطأة الخطاب في السورة اخف عليهم فلا يقفوا على ما يريده الله ورسوله من جحد وإنكار وقلة خير منهم. ثم قال سبحانه في الآية الثانية بعدها جملة فعلية قد يرى فيها الكافرون جنبة كين ومداهنة منه «ص» فالمتوقع أنهم سيفهمون منها ان محمدا إذا صح انه لم يحدث عبادة لما نعبد حاليا فان هذا أمر غير دائم وثابت لديه بل لو سلكنا معه رد فعل جماعي مدروس قد يؤدي إلى ضعف صموده على ما يدعيه. لاسيما وان الآية الثالثة أبقت وصفهم بالصيغة الاسمية مما يعني لديهم يأس محمد التام من عبادتهم الله سبحانه فردا واحدا وتركهم ما هم به مشركون لكن سرعان ما جاءت الآية الرابعة بعد بالصيغة الاسمية فنزلت عليهم نزول الصاعقة إذ لو أصر محمد عليها فلن يروا منه عبادة ما هم عابدون في يوم ما. وسورة الجحد بعامة وهذه الآية بخاصة صلبة قوية تضفي على تاليها من المؤمنين قوة عزيمة ورسوخ مواجهة قاسيا قساوة الماس مع إحساس نقاء كنقاء الماس في بريقه وخطفه الأبصار. ثم كررت السورة مخاطبتهم "ولا انتم عابدون ما اعبد" وبنفس صيغة الآية الثالثة بينما هو (صلى الله عليه وآله وسلم) نفى عن نفسه عبادة أصنامهم في الحالتين الثابتة والحادثة فإصراره «ص» أقوى من إصرارهم.

 إذن وما دام الأمر هكذا فليمض كل منا في سبيله الذي اختاره واعدكم ان لن يبدر مني ما يؤذيكم في حياتكم وتجارتكم الخارجية ما تعهدتم لي بالمثل، فلا تحولوا بيني وبين ما اعتقد أو ما أنا عليه عازم من دعوة غيركم إلى ما زهدتم فيه مما أراه سبيل هداية وسعادة للجميع. فدعوني أخاطب غيركم بما خاطبتكم به دون سعي من أي منا لاحتواء الآخر او لقتله معنويا واقصائه، فان من أرسلني سبحانه يقول: "لكم دينكم ولي دين" فافهموا يا قوم ويا ايها الملأ من قريش ما جئت به ولنتخذ من هذه السورة بآياتها الواقعية التي يغلب عليها الطابع العملي البراكماتي الواقعي ولنتفق على عدم الالتفاف على واقعنا الراهن الذي يقول إننا قد وصلنا سوية إلى نهاية طريق مسدود لن يؤدي بنا إلى أي من الحلول الوسط فخلوا بيني وبين الآخرين وخلاكم ذم، ثم لتعلموا إني لن اجلب لكم ما يشعر بالخجل بل أنا سالك ما فيه الرفعة والسؤدد.

لكنهم رفضوا عرض السورة هذا راكبين جهلهم وعنادهم مصرين على مواقفهم العدائية العتيدة مظهرين بذلك عجزهم وخواءهم الفكري وإفلاسهم من كل خير.

ومن أمثلة استخدام القران الكريم للجملتين مفرقا بينهما دالا فيهما أحسن الدلالة قوله تعالى في سورة الذاريات «24و25» «هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ {24} إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ» فهل ترى ان الرسول«ع» رد تحية الملائكة بمثلها وترك الأولى في ردها بأحسن منها وكما هو المتوقع من شيخ الانبياء«ع» وصاحب الملة الحنيفية واول المسلمين كما في 163/ الانعام؟

معاذ الله ان يترك رسول الله شيئا من الدين. يقول أهل المعاني من البلاغيين لقد رد النبي ابراهيم«ع» تحيتهم بالأحسن إذ ان سلام الملائكة كان بالجملة الفعلية أي «نسلم سلاما» بينما رده عليه السلام كان بالجملة الاسمية أي «سلام منا» أو «أر منا سلام» ثم قالوا ما تعنيه الجملة الاسمية من ثبوت ودوام لا يمكن الا أن يكون اشرف وأعلى من الجملة الدالة على تجرد حادث يقبل الزوال، ولا يؤذن بالدوام.

ومن هذا أيضا الاية 14/ البقرة: «وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ» فحينما ينقل لنا القران للمنافقين موقفين وقولين ينقل قولهم ومخاطبتهم للمؤمنين بجملة فعلية لأنهم يعنون إيمانا مؤقتا زائلا في قوله "من امنا" ولم يقولوا «انا مؤمنون» كما هو قولهم لرفاقهم وشياطينهم الذين هم حسب «ابن عباس، رؤساؤهم من الكفار وقيل هم اليهود الذين امروهم بالتكذيب وروي عن ابي جعفر الباقر«ع» انهم كهانهم»(1) اذ حينما يخاطبونهم يقولون انا معكم بالجملة الاسمية المؤكدة بحرف التوكيد «إن» أي «إننا معكم» وقد حذفت إحدى النونات تخفيفا فسلكوا في قولهم للمؤمنين غير سلوك إفضائهم الى شياطينهم بما هو في ضمائرهم وما عقدته عليه نفوسهم وهذا هو هجيراهم(2)وتلونهم في خطاباتهم.

ومن هذا ايضا قول النبي يعقوب«ع» لأولاده في الآية 18/يوسف بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وهو كل ما يملكه «عليه السلام» من ردة فعل إزاء ولده المريبين فجاء «عليه السلام» بها جملة اسمية أي: فصبر جميل امثل لي او: فأمري صبر جميل وهذا هو المتوقع من النبي المعصوم ولا يتوقع منه صبر حادث مؤقت فيما لو جاء به جملة فعلية.

ومما نحن فيه أيضا قوله تعالى في الاية 33/الانفال: «وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ»  فقد علق سبحانه وتعالى عدم تعذيبهم على أمرين اولهما مدة حياة النبي الأعظم«ص» بينهم، وثانيهما اذ اثبتوا على الاستغفار مما يجترحون مخلصين لربهم فيه مداومين عليه. لكن حياته «ص» معهم لما كانت محدودة ومؤقتة بمدة قصيرة صاغ سبحانه وتعالى وعده بالأمان من خلالها بالجملة الفعلية الدالة على ذلك.

أما شرط الاستغفار فليس من هذا القبيل وليس له فرصة واحدة أو فرص محدودة بل هو أمان آخر دائم غير زائل. وقد حكى الإمام الباقر«ع» في الجزء الرابع من النهج ان أمير المؤمنين«ع» قال: «كان في الأرض أمانان من عذاب الله، وقد رفع احدهما فدونكم الآخر فتمسكوا به، أما الأمان الذي رفع فهو رسول ا...«ص» وأما الأمان الباقي فالاستغفار» ثم تلا الآية أعلاه «رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً» «15/الحشر»

 الى اللقاء في الحلقة القادمة ان شاء الله تعالى.

سلسلة خواطر في القرآن الكريم ـ ج1 ـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]- ما بين الهلالين نقلا عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي.
[2] هجيراهم: أي شانهم وديدنهم ودابهم.

 
< السابق   التالي >

 

البحث في الموقع

دخول الأعضاء






هل فقدت كلمة المرور؟
ليس لديك حساب سجل الآن

التصويت

ما رأيكم بالموقع الجديد؟
 

المتواجدون الان

يوجد الآن 8 ضيوف يتصفحون الموقع

إحصائيات الموقع

الأعضاء: 190
المقالات: 847
المواقع الصديقة: 0
الزوار: 769548

الأعضاء


188 أعضاء مسجلين
0 هذا اليوم
0 هذا الأسبوع
0 هذا الشهر
آخر عضو: سيد حارث
spacer

spacer