|
تعتبر مسألة ( الخاتمية) من المسائل البديهية في أوساط المسلمين ويـعـتبرونها من (ضروريات الإسلام) حيث اتّفقت الأُمّة الإسلامية على أنّ النبي محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) هو خاتم الأنبياء، وأنّ دينه خاتم الأديان، وكتابه خاتم الكتب والصحف السماوية، وقد أُوصد باب الرسالة والنبوة من بعده (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وهذا يعني أن رسالته (صلى الله عليه واله وسلم) رسالة خالدة إلى يوم القيامة. فالشريعة الإسلامية تمتاز بعدة امتيازات كالعالَمية ـ لكل العالم ـ والاستمرار والشمولية لكل جوانب الحياة، فإنها لم تَتَأَطَّر بزمانٍ ولا مكانٍ معيَّنَين، ولا تختص بطبقة من الناس، ولا بخصوص قوم أو جنس ما ؛ لأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد بُعث إلى الناس كافّة، وفي شَتَّى أقطار الأرض، ودعوته للناس عامة، وهي تستوعب جميع جوانب الحياة، وتقدم الحلول لجميع مشكلاتها. وقد جاء التصريح بهذه الحقيقة والتأكيد عليها في القرآن الكريم والأحاديث الإسلامية المتواترة وخطب وكلمات علماء المسلمين، وأشار إليها الشعراء في قصائدهم حتّى اعتبر لقب خاتم النبيّين من ألقابه (صلى الله عليه وآله وسلم) المعروفة والمشهورة. ونشير أخيرا إلى ان لهذا البحث الكثير من التفاصيل اعرضنا عنها لعدم المجال لمثل هذه التفاصيل في مثل هذه المجلة التي تعنى بتوضيح المطالب التي تهم عموم القراء وتنأى عن التعقيد الذي لاينفك في الغالب عن ذكر التفاصيل كما ان المراد بهذه السلسلة طرح الثقافة القرآنية الميسرة التي نسعى لان تسد حاجة مهمة لشبابنا الأعزاء. الخاتمية في القرآن ما ورد في القرآن الكريم مما له ربط بخاتمية رسالة النبي الأكرم (ص)، يمكن تقسيمه إلى أقسام ثلاث : القسم الأول : الآيات التي صرَّحت بأن الرسالة عامة لكلِّ زمان ومكان وانه مرسل للعالمين كافة وانه رحمة للناس، منها : قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) الأعراف 158 . فالخطاب هنا إلى جميع الناس في كل مكان وزمان وقوله تعالى : ( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ ) إبراهيم 1 . فإخراج الناس ـ جميعهم ـ في كل وقت وكل مكان إنما هو بالكتاب المنزل على الرسول الأكرم (ص). وقوله تعالى : ( تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ) الفرقان 1 . وقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ, لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت: 41, 42) فالمفهوم من (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ) انه خالد وانه عصيّ على التغيير لكماله فلا شيء يأتي بعد ليتكامل وهو معنى الخاتمية. وقوله تعالى : (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ) (الأنعام:19) فالإنذار ومن بعده وجوب الإيمان والطاعة هو لكل من بلغ في كل زمان ومكان وقوله تعالى : (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ) (الأنعام: 9) وقوله تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (سـبأ:28) وقوله تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:107) فهو ذكرى للعالمين وهو مرسل للناس كافة بأجمعهم وهو رحمة للعالمين. وقوله تعالى : (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) . (المائدة 48) فالكتاب الذي نـزل على نبينا محمد (ص) وصف بأنه مصدق لما بين يديه من الكتب السابقة المنـزلة من عند الله على من سبقه من الرسل و جعله الله مهيمناً عليها جميعاً ومعنى الهيمنة انه الموضح لها والمقدم عليها والمرجع لها . بل يمكننا التمسك بجميع الآيات التي ورد فيها الخطاب بلفظ : ( يَا أيُّهَا النَّاس ) وهي كثيرة لشمولها لجميع الناس إلى يوم القيامة. فقد دلت هذه الآيات المباركة وغيرها مما هي في معناها على أن الإسلام دين يعم كل الناس من حيث المكان والزمان وهو يشير إلى عدم الحاجة بعده إلى رسالة أخرى بعده بل هو احتوى على كل ما يحتاجه العالمون وفي كل الأوقات. القسم الثاني: الآيات الدالة على كمال الدين وتمامية الشريعة، وأنها مستوعبة لجميع الأحكام التي ينبغي أن تشرع، منها : قوله تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ) المائدة : 3 . فإنّها تدلّ على استحالة مجيء كتاب سماوي آخر ينسخ القرآن الكريم والشريعة الإسلامية، لن النسخ لايكون إلا لإتمام النقص أو زيادة الكمال وهو غير موجود هنا؛ إذ صرح القران بإكمال الدين إتمام النعمة نعمة الهداية. القسم الثالث: الآيات الدالَّة بصراحة على خاتمية الرسالة الإسلامية، وأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) هو خاتم الأنبياء والمرسلين، وقد أخرنا هذا القسم لأنه الأوضح في الخاتمية؛ إذ هو يصرح بذلك: قال تعالى : (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) (الأحزاب:40) ومعنى الآية الشريفة واضح في ان الرسول الأكرم (ص) هو آخر الأنبياء والرسل، جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي عند ذكره للآية الشريفة: (الخاتم بفتح التاء ما يختم به كالطابع و القالب بمعنى ما يطبع به و ما يقلب به و المراد بكونه خاتم النبيين أن النبوة اختتمت به (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا نبي بعده. و قد عرفت فيما مر معنى الرسالة و النبوة و أن الرسول هو الذي يحمل رسالة من الله إلى الناس و النبي هو الذي يحمل نبأ الغيب الذي هو الدين و حقائقه و لازم ذلك أن يرتفع الرسالة بارتفاع النبوة فإن الرسالة من أنباء الغيب، فإذا انقطعت هذه الأنباء انقطعت الرسالة. و من هنا يظهر أن كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) خاتم النبيين يستلزم كونه خاتما للرسل). ولذا لا نرى من المهم التعرض لرد الشبهات الوهمية والتي لا تعتمد على أساس في التمحل لحمل معنى الخاتم على غير معناه الواضح نعم سنشير إلى معنى الخاتم في اللغة. معنى (خاتم) أن كلمة (خاتم) تعني الشئ الذي ينهون به شيئا, جاء في مقاييس اللغة لابن فارس: (ختم, لها معنى اصليا واحدا لا أكثر وهو الوصول إلى نهاية الشئ وان قولهم (ختم) عندما يضعون ختما (مهرا)على شي فهو من هذا الباب, لأنهم دائما بعد إنهاء شي ما يضعون ختما أو مهرا عليه). (معجم مقاييس اللغة /مادة ختم) فالآية الشريفة تدلّ بصراحة واضحة على إيصاد باب النبوة بصورة مطلقة، سواء أكان المدّعي للنبوة صاحب رسالة وشريعة مستقلة، أو كان مروّجاً لشريعة النبي الأكرم. الخلاصة : أن المستَفاد من مجموع هذه الأقسام الثلاثة هو أن الشريعة المقدسة قادرة على الاستجابة لاحتياجات البشر التشريعية بما يكفل لهم الحياة التي أرادها الله سبحانه وتعالى لهم، وتغطية كل ساحة الحياة في أي مقطع زمني إلى قيام القيامة، وفي أية مكان من الأرض، سواءً في المسائل العبادية والروحية، أم المسائل التربوية والأخلاقية، أم المسائل الاقتصادية، أم المسائل الحقوقية، وسواءً تعلَّقت بالفرد، أو المجتمع، أو الدولة، وهو يعني ان الرسالة الإسلامية هي الخاتمة ولا توجد بعدها رسالة أو نبوة لأنها التامة لتحقيق حاجات البشرية جمعاء .
|