spacer
 

 

 

spacer
spacer  
 

موقف أهل البيت عليهم السلام من القراءات ـ القسم الثاني طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ الشيخ طلال الحسن ـ العدد (102)   

الشيخ طلال الحسننظر أعلام الشيعة في القراءات

يظهر أن المشهور والمعروف عند الشيعة الإمامية هو أن القراءات السبعة فضلاً عن العشرة غير متواترة، بل القراءات بين ما هو اجتهاد من القارئ وبين ما هو منقول بخبر الواحد، واختار هذا القول جماعة من المحققين من علماء أهل السنة(1).

ولكن القول بعدم تواترها لم ينفِ صحة القراءة بها عندهم, ولذلك ذهب معظم علمائنا الأعلام إلى القول بجواز القراءة بالقراءات السبعة, قال الطوسي:(واعلموا أن العرف من مذهب أصحابنا والشائع من أخبارهم ورواياتهم أن القرآن نزل بحرف واحد، على نبي واحد، غير أنهم اجمعوا على جواز القراءة بما يتداوله القرّاء, وأن الإنسان مخير بأي قراءة شاء قرأ ... )(2). وفي التحرير:(يجوز أن يقرأ بأي قراءة شاء من القراءات السبع، ولا يجوز أن يقرأ بغيرها، وإن اتصلت رواية)(3). بل يرى البهائي:(انه لا خلاف بين فقهائنا رضوان الله عليهم في أن كلما تواتر من القراءات يجوز القراءة به في الصلوة ...)(4), بل إن الشهيد الثاني يذهب إلى أبعد من ذلك, حيث يرى أن هذه القراءات السبعة هي من عند الله تعالى فيكون جواز القراءة بها من باب أولى, يقول رحمه الله:(إن كلاً من القراءات السبع, من عند الله تعالى نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين (صلى الله وعليه وآله) تخفيفا على الأمة وتهوينا على أهل هذه الملة)(5) .

 ولكن صاحب الحدائق يُنكر هذه الدعوى ودعوى تواترها, حيث يقول:(إن هذه القراءات السبع فضلا عن العشر, وإن ادّعى بعض علمائنا رضوان الله عليهم تواترها عن النبي (صلى الله وعليه وآله) إلا أن الثابت في أخبارنا ـ وعليه جملة من أصحابنا ـ خلافه وان صرحت أخبارنا بالرخصة لنا في القراءة بها حتى يظهر صاحب الأمر(عليه السلام) )(6), وقد عدّ شيخنا المحقق معرفة قول الشهيد الثاني شذوذاً وهفوة صدرت من عظيم, وإن ذلك قد صدر منه في أوليات تأليفه ومن غير تحقيق.

أقول: وهذا غريب منه هو الآخر, فإن الشهيد الثاني (رحمه الله) قد عاش شطراً كبيراً من حياته في تقية مُشددة, فكان الحمل على ذلك أولى.

وقد تعرّض صاحب الجواهر لذلك, حيث يقول:(... فالمعتبر حينئذ القراءات السبع أو العشر، وظاهر الأصحاب بل هو صريح البعض التخيير بين جميع القراءات)(7), والظاهر هو مشهور المعاصرين هو كذلك, يقول السيد الخميني (رحمه الله): (الأحوط عدم التخلف عن إحدى القراءات السبع, كما أن الأحوط  عدم التخلف عما في المصاحف الكريمة الموجودة بين أيدي المسلمين، وان كان التخلف في بعض الكلمات مثل " ملك يوم الدين " و " كفواً أحد " غير مضر، بل لا يبعد جواز القراءة بإحدى القراءات)(8). وكذلك السيد الخوئي (رحمه الله): (الاحوط  القراءة بإحدى القراءات السبع، وإن كان الأقوى جواز القراءة بجميع القراءات التي كانت متداولة في زمان الأئمة (عليهم السلام) )(9). بل نفى البعض ورود الشك في ذلك, حيث يقول:(لا ينبغي الشك في جواز القراءة بإحدى القراءات السبع، والقراء السبعة هم:نافع،وابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي. ونسب إلى المشهور:وجوب القراءة بأحدها)(10). وفي ذلك يقول البعض:(ومن الأباطيل الواضحة والأكاذيب الظاهرة، تواتر القراءات السبع)(11), ويقول في مكان آخر:(وليس من القراء من يُعدّ منا أهل البيت (عليهم السلام)، لما أن الشيعة كانوا يعتقدون بأن القرآن واحد ومن الواحد إلى الواحد للتوحيد )(12), وهذا خلاف الإنصاف, بل وخلاف التحقيق أيضاً, فعاصم بن أبي النجود, وأبو عمرو بن العلاء, وحمزة بن حبيب, وعلي بن حمزة الكسائي, هم من الشيعة, بل هم من المحافظين الثقات(13) .

وأمَّا ما نميل إليه فهو أن القول بالقراءات السبع أو العشرة حصراً لا يُمكن الركون إليه لعدم قيام الدليل الحجة عليه, وأما القول بتواترها عند مدرسة الخلفاء فهو قول ساقط  من رأس لوقوع الاختلاف بين أعلامهم, وتشنيع بعضهم على البعض الآخر في ذلك.

قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة:(وغاية ما يُبديه مُدّعي التواتر ... أنه متواتر إلى ذلك الإمام الذي نسبت القراءة إليه, بعد أن يجهد نفسه في استواء الطرفين والواسطة, إلا أنه بقي عليه التواتر من

ذلك الإمام إلى النبي (صلى الله وعليه وآله) في كلِّ فرد فرد, وهنالك تُسكب العبرات)(14) .

وأما القول بوجود قراءات معينة, فهو الأقرب للأجواء الروائية, بمعنى أن ما هو مقروء في الرسم القرآني الحاضر وما نبّه إليه أئمة أهل البيت (عليهم السلام) من قراءات أُخرى لجملة من النصوص القرآنية ـ التي تقدم بيانها ـ ينتهي بنا إلى وجود أكثر من قراءة, حتى وإن حصل لدينا قطع ببطلان بعضها أو صحة أحدها, فما نريد قوله هو أن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) قد بينوا لنا بعض القراءات الصحيحة المخالفة لما هو مشهور,وهذه البيانات المعصومة لم تلغِ ما تناهى إليهم من قراءات القوم, حيث أجازوها ولم يصرحوا ببطلانها, بدليل ما نحن عليه اليوم من الالتزام بها, وكل ذلك يعني وبوضوح وجود أكثر من قراءة واحدة, هذا أولاً.

 وأما ثانياً:فلنا أن نسأل:ما هي الموانع الحقيقية التي تقف بوجه القول بتعدد القراءات ؟. فإن لزم من القول بتعدد القراءات لازم باطل, كالتحريف أو تشتت وحدة النص القرآني أو ما شابه ذلك, فالتعدد يكون باطلاً بلا ريب, وأما إذا كان تعدد القراءات خُلواً من كل ذلك فما الضير في الالتزام بالتعدد ولو نظرياً وصورياً ؟.

والذي نميل إليه هو عدم لزوم ما يُخشى منه على القرآن في مسألة تعدد القراءات, و هذا يعني القبول بأصل الفكرة ولو نظرياً وصورياً.

والذي يُساعد على القول بالتعدد هو ملائمة ذلك للمصلحة التسهيلية في حفظ وفهم القرآن الكريم, وقد كان الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود يُمارس ذلك على رؤوس الأشهاد في مدينة الكوفة في عهد عثمان, ولم يعترض عليه أحد,ولم يأته زجر ولا تنبيه لا من صحابي بشكل عام ولا من الإمام علي (عليهم السلام)  بشكل خاص, مع أن التاريخ قد حفظ لنا أن ابن مسعود كان على صلة جيدة بأمير المؤمنين علي (عليهم السلام) وبأصحابه وشيعته في الكوفة, فلو كان ما يقوم به خارج عن المألوف كان لابد من نهيه وزجره فضلاً عن الاكتفاء بالتنبيه, ولكن لم يقع مثل هذا الأمر إلى آخر يوم من حياة ابن مسعود.

فمما يُروى عن ابن مسعود هو أنه كان يُقرئ بعض الموالي سورة الدخان, فكان يقول له:{إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ}(15),فكان الرجل يقول له:طعام اليتيم, حيث لم يستطع لفظ كلمة (الْأَثِيمِ), فأبدلها له ابن مسعود بكلمة أُخرى, فأقرأه: طعام الفاجر(16). وهكذا الحال في كلمة (كَالْعِهْنِ) في قوله تعالى:{ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ }(17), حيث كان  يُبدلها بكلمة (كالصوف), ويرى في ذلك تيسيراً وتسهيلاً على العامة, فهو لا بأساً في إبدال كلمة بمرادفة لها شرط أن تكون الكلمة البديلة أوضح وأن لايلزم منها تغيير في المعنى(18), وكان يقول:إنه ليس من الخطأ في القرآن أن يُقرأ مكان (العليم) كلمة (الحكيم), بل أن يضع آية الرحمة مكان آية العذاب(19), فلم يجد ابن مسعود من بدّ إلا أن يُفهم صاحبه بكلمة أُخرى,فقرأ له:كالصوف المنفوش(20).  وهنالك شواهد ومؤيدات أُخرى تصبّ باتجاه القبول بأصل فكرة التعدد, ولكن هذه القبول ليست أبوابه مشرعة وإنما له ضوابط وحدود أهمها عدم لزوم التحريف ولو بأدنى صوره, وعدم ضياع الوجه البلاغي للنص القرآني.

هذا ما يتعلق بأصل التعدد, وأما من الناحية الشرعية وإمكان ممارسة القراءات في الصلاة ـ مثلاً ـ فهو أمر قد اتّضح لنا في بحث نظر أعلام الشيعة في القراءات, وهو الصحيح, والله العالم.

 

الـخـاتـمـة :

حاولنا من خلال هذه المقالة  الوقوف عند موقف أهل البيت (عليهم السلام) من القراءات, وقد ثبت لدينا أنهم (عليهم السلام) لم ينهوا الأُمة عنها, بل أمرونا بأن نقرأ القرآن على ما هم عليه الناس, وأن العمل بالقراءة الخاصة بهم موكول إلى قيام الإمام المهدي (عليه السلام), فهم (عليهم السلام) لم يأمرونا بهذا العدد المشهور من القراءات, ولم يمنعونا عنها, فيسقط أصل العدد ويبقى موضوع القراءة بكل قراءة صحيحة ليست بشاذة هو العنوان الحاكم والمستفاد من كلماتهم (عليهم السلام), كما أنه قد ثبت أن مشهور الشيعة ـ إن لم يكن إجماعهم ـ قائم على صحة القراءة بالروايات السبعة أو بكل رواية صحيحة في الصلوات.

ونحن لم نُمانع أصل التعدَّد وإنَّما منعنا أصل العدد, بل إننا نميل إلى صحة التعدَّد, والذي يُساعد على القول بالتعدد ـ كما أسلفنا ـ هو ملائمة ذلك للمصلحة التسهيلية في حفظ وفهم القرآن الكريم.

والحمد لله رب العالمين, وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

موقف أهل البيت عليهم السلام من القراءات ـ القسم الأول

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ـ انظر البيان,مصدر سابق: 123 .
[2] ـ  التبيان ـ الشيخ الطوسي: ج 1 ص 7 .
[3]  ـ تحرير الأحكام ـ العلامة الحلي: ج 1 ص 245 .
[4] ـ مشرق الشمسين ـ للبهائي العاملي: 392  .
[5] ـ مفاتح الكرامة,للسيد العاملي:كتاب الصلاة,ص392. وأيضاً:الحدائق الناضرة ـ للمحقق البحراني:ج 8 ص 96 .
[6] ـ المصدر السابق: ج 2 ص 289 .
[7] ـ جواهر الكلام  ـ للشيخ الجواهري ج 9 ص 292 .
[8] ـ  تحرير الوسيلة ـ للسيد الخميني: ج 1 ص 167, المسألة : 14 .
[9] ـ منهاج الصالحين ـ للسيد الخوئي: ج 1 ص 165, مسألة 616 .
[10] ـ فقه الصادق j ـ للسيد محمد صادق الروحاني: ج 4 ص422 .
[11] ـ تفسير القرآن الكريم - السيد مصطفى الخميني:ج 1  ص 428 .
[12] ـ المصدر السابق : ج1 ص430 .
[13] ـ انظر: التمهيد: ج 2 ص 230 .
[14] ـ المرشد الوجيز: ص 178 .
[15] ـ الدخان: 43 – 44 .
[16] ـ انظر: التمهيد في علوم القرآن: ج1 ص317 .
[17] ـ القارعة : 5 .
[18] ـ انظر: التمهيد في علوم القرآن: ج1 ص 317 .
[19] ـ انظر:التفسير الكبير (مفاتيح الغيب),للفخر الرازي: ج1 ص 173 .   
[20] ـ انظر:تأويل مُشكل القرآن الكريم,لابن قتيبة: ص24 .

 
< السابق   التالي >

spacer

spacer