spacer
 

 

 

spacer
spacer  
 

بين يدي الإمام الحسن بن علي العسكري(عليه السلام) طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ الشيخ اسكندر الجعفري ـ العدد (101)   

الشيخ اسكندر الجعفريبسم الله الرحمن الرحيم

نحن لا نملك عن الإمام الحسن العسكري(ع) معلومات كثير، وإنما نعرف  أموراً عامة عنه، والخطوط العامة لتحركه ونشاطه، أما تفاصيل حياته، وخصوصياته، ومزاياه فالكثير منها غاب عنا ولم نعرف عنه شيئاً، والسبب في ذلك يعود إلى الأمور التالية:

1- الظروف السياسية والأمنية الصعبة التي كان يعيشها الإمام (عليه السلام) طيلة حياته، حيث كان تحت الإقامة الجبرية، وقضى شطراً من عمره الشريف في سجن السلطة العباسية، محجوباً عن الناس(1).

2-  بسبب الطريقة التي اعتمدها الإمام (عليه السلام) في نشاطه وممارسة عمله، فإنها كانت ذات طابع سّري للغاية لم يطلع عليه إلاَّ خاصته، ولهذا ضاعت علينا الكثير من النشاطات والمواقف والمعارف الخاصة به (ع)، وكان لهذه الطريقة ما يبررها من الظروف والملابسات، حيث كان الإمام (ع) يمهّد لغيبة ولده المهدي المنتظر(ع)، فيلزم تعويد الجماهير الموالية لأهل البيت (ع) على الغيبة والاستتار كي لا تتفاجأ ولا تنصدم بحدوثها بشكل مفاجأ، ولهذا روي أن الإمام علي النقي (عليه السلام) كان يحجب نفسه عن كثير من شيعته عدا القليل من خاصته، ولما انتهى الأمر إلى الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) صار يكلّم الخواص وغيرهم من وراء ستر، إلاَّ عندما كان يركب إلى السلطان، وكان هذا العمل منه ومن أبيه قبله توطئة لغيبة صاحب الزمان(عليه السلام)، كي يألف الشيعة ذلك فلا يستوحشوا من غيبته(2).

3- إنَّ فترة إمامته (ع) كانت قصيرة جدا، قياساً لإمامة غيره من آبائه الطاهرين (عليه السلام)، فقد تسلّم زمام الإمامة وله من العمر اثنان وعشرون سنة، واستُشهد وله من العمر ثمان وعشرون سنة، فتكون فترة إمامته لا تتجاوز الست سنوات، مع العلم ان معظم الفترة المذكورة قد قضاها في السجن.

4-   كان جُلّ اهتمام الإمام (عليه السلام) ينصب على حفظ الإمام المهدي الموعود (عليه السلام) والتمهيد لغيبته بمختلف الوسائل المتاحة له، لأنها هي القضية الأهم على الإطلاق، ولو استلزم ذلك للتقليل من نشاطه في الأمور الأخرى الأقل أهمية.

ولهذه الأسباب وغيرها خفيت علينا الكثير من التفاصيل عن حياته ونشاطه، ومع ذلك هذا لا يمنع من إعطاء صورة عامة عن دوره وتأثيره في قيادة الأمة الإسلامية، والمحافظة على أصول العقيدة الحقة والذب عنها، والاتصال المتواصل بقواعده الشعبية الواسعة، وليتضح دور الإمام (عليه السلام) بشكل واضح لابد في البداية من الحديث عن مشروع السلطة العباسية في التعامل معه (عليه السلام)، لأنه يسلط الأضواء على دوره القيادي والريادي في تلك الحقبة

مشروع السلطة العباسية مع الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وموقفه منه

ان السلطة العباسية كانت تعلم كما هو حال معظم المسلمين في تلك الفترة، بان الإمام المهدي (عليه السلام) الذي سيقوض عروش الظالمين هو الابن المباشر للإمام الحسن العسكري(ع) لشيوع الأخبار والأحاديث النبوية في ذلك، ولهذا لجأت الحكومة العباسية إلى استقدام الإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام) إلى سامراء لأجل احتواء الموقف وقتل الوليد الموعود، ويدل على ذلك التضييق الذي فرضته الحكومة على الإمامين المذكورين والحبس المتتالي لهما، ويدل على ذلك أيضاً تفقد الحكومة العباسية بين الحين والآخر جواري الإمام العسكري(ع) بحثاً عن الوليد الموعود

والخطوات التي اعتمدها الجهاز الحاكم في التعامل مع الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) تتلخص بالنقاط التالية:

1- وضعه تحت المراقبة الشديدة ودس العيون والجواسيس له لمعرفة تحركات ونشاطاته واستراق المعلومات عن الوليد الموعود، وقد ذكر المؤرخون ان الحكومة قد دست له الجواسيس وهو في السجن أيضاً لمعرفة ما يدور بينه (ع) وبين أتباعه الذين جسوا معه أيضاً.

فقد روى داوود بن القاسم، قال: كنت في الحبس المعروف بحبس خشيش في الجوسق الأحمر أنا والحسن بن محمد العقيقي ومحمد بن إبراهيم العمري وفلان وفلان ... إذ دخل علينا أبو محمد الحسن (عليه السلام) وأخوه جعفر فحففنا به، وكانت المتولي لحسبه صالح بن وصيف، وكان معنا في الحبس رجل جمحي يقول: إنه علوي.

قال: فالتفت أبو محمد العسكري (عليه السلام) فقال: لولا أن فيكم من ليس منكم لأعلمتكم متى يفرج عنكم، وأومأ إلى الجمحي أن يخرج، فخرج.

فقال أبو محمد: هذا الرجل ليس منكم فاحذروه، فإن في ثيابه قصة قد كتبها إلى السلطان يخبره بما تقولون فيه.

فقام بعضهم ففتش ثيابه فوجد فيها القصة يذكرها فيها بكل عظيمة(3).

2-  فصله تماما عن قواعده الشعبية، وحجبه عن الجماهير الإسلامية الموالية له، فعمدت لجعله تحت الإقامة الجبرية، لا يسمح لأحد بزيارته أو تفقده أو الاتصال به بشكل مباشر، وكانت تعتقل كل من يحاول ذلك.

3-  ملاحقة أتباعه ومطاردتهم وحبسهم وقتلهم، وحرمانهم من كل امتياز اجتماعي أو اقتصادي، فقد روى عن أحد بن عبيد ا... بن خاقان نقلاً عن أبيه: وهما من ولاة بني العباس ومن أعداء أهل البيت(عليهم السلام): إن السلطان أعزه ا... ! جرد سيفه وسوطه في الذين زعموا أن الإمام الهادي والعسكري أئمةً ليردهم عن ذلك فلم يقدر عليه(4).

4-  محاولة إضفاء الطابع الشرعي للسلطة العباسية من خلال استقدامه إلى سامراء ما أبيه الهادي(ع)، وتقريبه من السلطة ورجالاتها ومحاولة دمجه في أتباع الحكومة وبلاطها، ولهذا كان يفرض عليه الحضور عند السلطان في كل يوم اثنين وخميس(5).

هذا من جانب، ومن جانب آخر كانت السلطة تهدف من خلال ذلك إلى تشويه صورة الإمام العسكري(ع) وتلويث سمعته بين جماهيره، لما عرف سيرة آبائه من اعتزالهم الخلفاء والولاة، وابتعادهم عن مراكز الحكومة ومؤسساتها حفاظا على نزاهتهم وسمعتهم، فكانت هذه الطريقة محاولة من السلطة لتشويه صورته(ع)، والاستهانة به، والتقليل من قدره، وهناك محاولات أخر وأساليب كثيرة اعتمدها العباسيون لغرض التقليل من شانه، والاستهزاء بمكانته، فمن ذلك إلقاءه إلى السباع تارة، وأرخى تعريضه لبغل صعب يمنع ظهره واللجام والسرج. وفي كل مرة يرفعه ا... تعالى بذلك ويظهر على يديه من المعاجز والكرامات ما تتحير فيها عقول السلاطين.

5- قتل وتصفية الوليد الموعود، لإجهاض المشروع الإسلامي الكبير والذي عمل النبي (ص) طيلة حياته على انجاحه. وقد عمدت الحكومة العباسية لتحقيق هذا الغرض إلى إرسال بعض النساء العارفات إلى دار الإمام الحسن(ع) لفحص نسائه وجواريه للتأكد من الحمل أو الحبل، وإخبار السلطة بذلك. ومما يذكر في هذا الشأن أيضاً ان السلطة قامت باعتقال للسيدة نرجس أم الإمام المهدي(ع) بعد استشهاد الإمام الحسن(ع) ووضعها مع بعض نسائهم مدة سنتين للتأكد من حملها.

هذه أهم الخطوات التي عمدت السلطة العباسية لاتخاذها، لإلغاء دور الإمام الحسن العسكري(ع) وعزله عن جماهيره الواسعة. ومن الطبيعي ان يتخذ الإمام الحسن العسكري(ع) موقفاً مناهضاً لهذا المشروع الخطير، ويمكن تلخيص موقفه (ع) بالخطوات التالية:

1- اعتماد الإمام (ع) في الاتصال بقواعده الشعبية على فكرة الوكلاء، وقد تحقق له ذلك من خلال عدد كبير منهم من أمثال أبي هاشم الجعفري، وأحمد بن إسحاق، وعثمان بن سعيد العمري، وعلي بن محمد السمري وغيرهم كثير ممن كان يعتمدهم الإمام، في إرسال الرسائل والاستفتاءات وبعث الكتب والتوجيهات وقبض الأموال، وتقسيمها بين المستحقين. لاسيما المضطهدين من أتباعه ممن حرمتهم السلطة من عطائهم لانتمائهم لخط أهل البيت(ع).

2- عدم إضفاء الطابع الشرعي على الحكومة العباسية، والتزام الموقف السلبي تجاه مواقفها ونشاطاتها، ومن هناك تجد ان الإمام(ع) لم يؤيد تصدي الحكومة لثورة (الذبح) التي لا تنتمي لأهل البيت(ع) وقد ارتكب فيها الثوار أبشع الجرائم في حق الناس، ومع ذلك وقف الإمام موقفاً سلبياً من حرب الحكومة للثورة والسبب في ذلك يعود لأمرين:

أ‌-  للتجنب من إعطاء صبغة شرعية لموقف الحكومة ضد الثورة المذكورة وأمثالها.

ب‌- لكون هذه الثورة وان لم تكن تنتمي لخط أهل البيت(ع) لكنها تساهم في إضعاف الحكومة العباسية وتقويضها، وهو هدف يحرص الإمام(ع) على تحقيقه.

3-     إخفاء الإمام الموعود(ع) عن الناس إلا لخاصته الخاصة، والمحافظة على حياته بكل الوسائل المتاحة، حتى انه (ع) قد أخفى خبره عن أخيه جعفر، لما عرف عنه من التزلف للسلطة والتقرب منها.

وعملية إخفاء الإمام المهدي والمحافظة عليه والتهيئة لغيبته أخذت حيزا كبيرا من نشاط الإمام (ع) لأنها القضية الأهم في تلك الفترة الزمنية الحرجة.

نعم تلك الفترة الزمنية كانت حرجة للغاية، ويعود السبب في ذلك لقضيتين

الأولى: شدة بطش السلطة العباسية بأتباع أهل البيت(ع) من مناصري الإمام العسكري(ع)، وحرصها الشديد للقضاء على الوليد الموعود بكل وسيله ممكنة. فأحدثت لذلك ارتباكاً واسعاً في جماهير الشيعة وزلزالاً عنيفاً في قواعد الإمام الشعبية.

الثانية: اقتراب موعد حلول الغيبة وهو أمر يتطلب إقناع الناس بذلك، والفرق كبير بين ما يعتقده الشخص ويعلم به وبين ما يقتنع به، فنحن جميعاً نعلم بأننا سنموت، ولا تختلف في ذلك أصلاً، ولكن لو اخبرنا بأننا سنموت بعد يوم أو يومين أو شهر أو سنة فماذا سيكون حالنا؟! الأمر في غاية الصعوبة بكل تأكيد.

ومن هنا فان مهمة الإمام(ع) للتهيئة لم تكن بالمهمة السهلة إطلاقاً لأنها تقوم على أساس إقناع جماهير الشيعة بقرب وقوع الغيبة، التي هي تتنافى مع ما اعتادت عليه هذه الجماهير ومنذ سنتين طوال من اللقاء بالإمام(ع) وللسؤال منه والاتصال به بين الحين والآخر، فمن المحتمل جداً ان غيبة الإمام ستشكل صدمة كبيرة لهذه الجماهير، فلهذا كانت مهمته (ع) في غاية الصعوبة.

وعلى الرغم من صعوبة المهمة فان الإمام(ع) قام بمهمته على أكمل وجه واستعان لإنجاحها بأسلوبين.

الأول: التهيئة النظرية:

ويقصد بها بث الأحاديث التي تتحدث عن غيبته، ونشرها بين أتباعه، وقد صدر منه (ع) الكثير من تلك الأحاديث، والتي بعضها يتحدث عن حدوث الغيبة الصغرى، والكبرى، وبعضها الآخر يتحدث عن مسؤولية المسلمين تجاه الغيبة، أما الأحاديث التي تتحدث عن الغيبة ووقوعها فمنها ما رواه موسى بن جعفر بن وهب البغدادي، قال: سمعت آبا محمد الحسن بن علي العسكري(ع) يقول: ((كأني بكم وقد اختلفتم بعدي في الخلف مني ... إلى ان يقول: أما إن لولدي غيبة يرتاب فيها الناس إلاَّ من عصمه ا...))(6) ومنها ما عن محمد بن عثمان العمري، قال: سمعت أبي يقول: سئل أبو محمد الحسن بن علي وأنا عنده .. إلى ان قال(ع): أما إن له غيبة يحار فيها الجاهلون، ويهلك فيها المبطلون، ويكذب فيها الوقاتون، ثم يخرج... (7) وغيرهما.

وأما الأحاديث التي تتحدث عن وظيفة المسلمين ومسؤوليتهم فترة الغيبة، فمنها ما كتبه الإمام(ع) لأبي الحسن علي بن الحسين بن بابويه القمي، فقد جاء في أثناء حديثه ((عليك بالصبر وانتظار الفرج، قال النبي(ص) (أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج)، ولا يزال شيعتنا في حزن حتى يظهر ولدي...))(8) وغير ذلك من الأحاديث.

الثاني: التهيئة العملية:

ويقصد بها ما صدرت من الإمام(ع) من الأفعال والتصرفات التي يقنع من خلالها جماهيره بقرب وقوع الغيبة، فمن ذلك احتجابه عن عامة الناس بحيث كان لا يراه إلا بعض خاصته، بل كان لا يكلم خاصته إلا من وراء الستر في بعض الأحيان على ما روي، كل ذلك لإقناع الجماهير بحلول الغيبة ولابد لهم من التكيف معها والاستعداد لها.

وهذا ينتهي ما أردت بيانه من دور الإمام الحسن العسكري(ع) ونشاطه في فترة إمامته القصيرة في خضم الظروف السياسية والأمنية المعقدة التي عاشها أئمة أهل البيت (عليهم السلام) فترة الحكومة العباسية.
 
اللهم عرفني نفسك فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرفك، اللهم عرفي نبيك فإنك إن لم تعرفي نبيك لم أعرفه قط، اللهم عرفني حجتك فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني(9).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1]- منتهى الآمال ج2 ص521 عباس القمي.
[2]- نقلاً عن المسعودي.
[3]- كشف الغمة ج3/229 الفصل الثالث: في ذكر طرف من آياته ومعجزاته عليه السلام.
[4]- من حياة الإمام العسكري ص93 السيد محمد الحسيني الشيرازي.
[5]- الأئمة الاثنا عشر ص236 عادل الأديب، نقلا عن المناقب.
[6]- من حياة الإمام العسكري: ص111.
[7]- من حياة الإمام العسكري: ص111.
[8]- المصدر نفسه: ص129.
[9]- أصول الكافي: ج1 / 385

 
< السابق   التالي >

spacer

spacer