|
قال إمامنا علي الهادي(عليه السلام) : <أبو محمد أنصح آل محمّد غزيرة وأوثقهم حجة، وهو الأكبر من ولدي وهو الخلف، وإليه منتهی عُرى الإمامة وإحكامها>(1).
ولد الإمام أبو محمد الحسن العسكري(عليه السلام) في الرابع من شهر ربيع الثاني سنة 232 هـ في المدينة المنورة زمن خلافة المتوكل العباسي. ورحل عن الدنيا شهيداً مسموماً في الثامن من شهر ربيع الأول سنة 260 هـ في سامراء زمن خلافة المعتمد العباسي. فعلى هذا يكون عمر الإمام العسكري(عليه السلام) قرابة ثمان وعشرين سنة، فهو من الأئمة الذين استشهدوا في سن الفتوة والشباب. تولى منصب الإمامة وهو في الثانية والعشرين من عمره الشريف، ودامت مدّة إمامته قرابة ست سنوات. عاش الإمام العسكري(عليه السلام) كما عاش آباؤه من أئمة أهل البيت في موقع الإمامة من أجل فتح عقول الناس وقلوبهم على الإسلام الأصيل، الذي انطلق به رسول الله(صلى الله وعليه وآله وسلم) وسار فيه أئمة أهل البيت(عليهم السلام) ، باعتبار أنّهم أمناء الله على الرسالة، ولأنهم خلفاؤه في أرضه وحججه على عباده، وقد تتلمذ على يديه الكثيرون من الرواة والعلماء، وأثر في مجتمعه بالرغم من حداثة سنه تأثيراً كبيراً حتى أنّ اعداءه كانوا يشهدون له بما يشهد له به أولياؤه. وإليك نماذج ثلاثة تدل على مقام الإمام السامي، ومنزلته الرفيعة في الساحة الإسلامية: 1 ـ إنّ أوّل من عاصر الإمام العسكري وعرفه حق معرفته هو والده الإمام الهادي(عليه السلام) ، فإنّه وإن حجب ولده عن الناس ولم يُطلع أحداً على مقامه الرفيع إلاّ خاصة أوليائه؛ حفاظاً على بقاء نسل الإمامة، لكنه قال ما يعكس ويبين شيئاً من حقيقته، فقد ورد أنّ الفهفكي سأل الإمام الهادي (عليه السلام) عن القائم مقامه، فأجابه الإمام(عليه السلام) : أبو محمد أنصح آل محمد غزيرة وأوثقهم حجة، وهو الأكبر من ولدي وهو الخلف وإليه منتهي عُرى الإمامة وأحكامها، فما كنت سائلي فسله عنه، فعنده ما يُحتاج إليه(2). 2 ـ روي أنّ المعتمد العباسي دخل على الإمام يوماً وتضرع إليه وسأل منه ان يدعو له بالبقاء عشرين سنة(3). 3 ـ قال عبيد الله بن خاقان ـ الذي كان من أبرز الشخصيات السياسية في الحكومة العباسية وكان شديد العداوة لأهل البيت ـ لأبنه: يا بني، لو زالت الخلافة عن خلفاء بني العباس ما استحقها أحد من بني هاشم غير هذا ـ ويقصد الإمام العسكري ـ فإن هذا يستحقها في فضله وعفافه وهديه وصيانة نفسه وزهده وعبادته وجميل اخلاقه وصلاحه، ولو رأيت أباه لرأيت رجلاً جليلاً نبيلاً خيراً فاضلاً. من خلال هذه النماذج الثلاثة نقف على شيء يسير من شخصية الإمام العسکری (عليه السلام) التي لا مثيل لها ولا بديل. فإن طاغية زمانه المعتمد العباسي كان يعتقد به غاية الاعتقاد رغم محاصرته له وتضيقه عليه لذلك نراه يلتمس من الإمام الدعاء له بالبقاء عشرين سنة، فلو لم يعتقد بأنّه إمام مستجاب الدعوة لما طلب منه أن يدعو له. عاصر الإمام العسكري(عليه السلام) في فترة امامته التي دامت ست سنوات ثلاثة من خلفاء بني العباس؛ وهم المعتزّ والمهتدي والمعتمد. ومن عادة الحكّام العباسين عندما يتحسسون الخطر من أي شخصٍ، ولا سيما إذا كان من بني عليّ(عليه السلام) ، ممن يعتقد فريق من الامة بإمامته، إنّهم كانوا يضيقون عليه وعلى هذا الفريق؛ لأنّهم يعرفون عمق انتماء هذا الفريق من الأمة لأئمتهم، لذلك كانوا يحاصرون حركتهم ويصادرون صرياتهم ويوظفون العيون لرصد أعمالهم. وتنفيذاً لهذه السياسية حوصر الإمام العسكري (عليه السلام) واعتقل مرّات عدّة. ففي ايام المعتز العباسي سجن الإمام العسكري في أربعة سجون. السجن الأول على ما يبدوا أنّه سجن عام ولم يكن سجناً انفرادياً، حيث كان مع الإمام بعض أصحابه وشيعته ومن جملتهم عيسى بن صبيح، الذي يقول كنت مع الإمام العسكري في سجن المعتز العباسي، فسألني الإمام قائلاً: هل لك ولد؟ فقلت: كلا، يابن رسول الله، فعند إذٍ تمثل الإمام بقول الشاعر: من كان ذا ولدٍ تـُدرك ظلامتـه إن الذليل الذي ليست له عضدُ ثم قال: نعم العضد الولد، أما إنّه سيولد لك ولد يكون لك كلدا، وعين تاريخ ولادته. يقول بعد الافراج من السجن نظرت إلى تاريخ ولادته، فوجدته مطابقاً لما قاله الإمام(عليه السلام) . ثم سألت الإمام هل لك ولد؟ فقال له الإمام: ليس لي ولد؛ ولكن سيولد لي ولد يملئ الله به الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن تملئ ظلماً وجوراً. السجن الثاني الذي سجن فيه الإمام(عليه السلام) هو سجن صالح بن وصيف. وينقل أنّ بعض رجالات الدولة دخلوا عليه، فقالوا له ضيق عليه ولا توسع، فقال لهم: ما اصنع به، وقد وكلت به رجلين شرّ من قدرت عليه، فقد صارا من العبادة والصلاة والصيام إلى أمرٍ عظيم ثمّ أمر باحضار الموكّلين، فقال لهما: ويحكما ما شأنكما في أمر هذا الرجل؟ فقالا له: ما نقول في رجل يصوم نهاره ويقوم ليله كلّه لا يتكلم ولا يتشاغل بغير العبادة، فإذا نظر إلينا ارتعدت فرائصنا وداخلنا مالا نملكه من انفسنا، فلما سمع ذلك العباسيون انصرفوا خاسئين>(4). السجن الثالث الذي سجن فيه الإمام العسكري هو سجن سعيد الحاجب. والسجن الرابع الذي سجن فيه الإمام زمن المعتز العباسي هو سجن علي بن أوتامش، الذي كان اشدّ الناس عداوة لأهل البيت(عليهم السلام) فما اقام الإمام عنده يوماً إلا واحدث انقلاباً في كيان هذا الشخص وحوله من عدو لدود إلى صديق حميم. وهذا يدل على مدى قوّة التأثير الروحي الذي كان الإمام العسكري(عليه السلام) يتمتع به من دون أن يتكلم مع الآخرين الذين لديهم المقتضي للحق؛ ولكنهم في ضلال عن الحق، أو يدخل معهم في أي حوار. وتلك هي خصوصية أهل البيت(عليهم السلام) الذين يملكون من الملكات القدسية التي حباهم الله إياها ما يفيضون به على كل الناس الذين يعيشون معهم بكل المعرفة لله والروحانية والخلق العالي الذي يجتذبون الناس به إلى الخط الاصيل الذي يمثلونه، وهو خط الإسلام في منهج أهل البيت. وهكذا بقيّ الإمام(عليه السلام) يتنقل من سجن إلى سجن سواء في زمن المعتز العباسي أو المهتدي أو المعتمد الذي ضيق على الإمام ودس إليه السم، فكانت به شهادته. وكان لاحتجاز الإمام في سامراء قريباً من أعين السلطان وفصله عن الإمة الأثر الكبير في انتشار بعض الأفكار والاعتقادات لكن الإمام بالرغم من احتجازه في سامراء واستمرار المراقبة عليه ورصد حركاته وسکناته من قبل السلطة العباسية استطاع أن يؤدي دوره كاملاً في الوقوف بوجه تلك الانحرافات والمبتدعات من العقائد والآراء الفاسدة، عملاً بقول رسول الله(صلى الله وعليه وآله وسلم): <إذا رأيتم أهل الرّيب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم وأكثروا من سبّهم والقول فيهم والوقيعة، وباهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام>. فقد تصدى الإمام للصوفية، والواقفية، وكان يلاحق الزنادقية في زمانه وخصوصاً الذين يعملون على تهديم الاسس العقيدية والثقافية للإسلام، ومنهم يعقوب بن إسحاق الكندي الذي أخذ بتأليف ماتوهم وجوده من تناقض آيات القرآن وشغل نفسه بذلك. حيث قال الإمام لاحد تلاميذ الكندي: <أما فيكم رجل رشيد يردع استاذكم الكندي عمّا أخذ فيه من تشاغله بالقرآن؟ فقال التلميذ: نحن من تلامذته، كيف يجوز منّا الاعتراض عليه في هذا أوفي غيره؟ فقال له أبو محمد(عليه السلام) : أتؤدي إليه ما ألقية إليك؟ قال: نعم، قال: فصر إليه وتلطّف في مؤانسته ومعونته على ما هو بسبيله فإذا وقعت الأنسة في ذلك، فقل: قد حضرتني مسألة أسألك عنها، فإنه يستدعي ذلك، فقل له: إن أتاك هذا المتكلّم بالقرآن، هل يجوز أن يكون مراده بما تكلّم به غير المعاني التي قد ظننت أنّك قد ذهبت إليها؟ فإنّه سيقول: إنه من الجائز؛ لأنه رجل يفهم إذا سمع، فإذا أوجب ذلك، فقل له: فما يدريك، لعله أراد غير الذي ذهبت أنت إليه فتكون واضعاً لغير معانيه. فصار الرجل إلى الكندي، وتلطف إلى ان الـقی هذه المسألة، فقال له: أعد عليّ، فأعاد عليه، فتفكر في نفسه ورأى أنّ ذلك محتمل في اللغة. فقال: أقسمت عليك إلا أخبرتني من أين لك؟ فقال: إنّه شيء عرض بقلبي فأوردته عليك، فقال: كلاّ، ما مثلك من اهتدى إلى هذا، ولا من بلغ هذه المنزلة، فعرفني من اين لك هذا؟ فقال أمرني به أبو محمد(عليه السلام) فقال: الآن جئت به وما كان يخرج هذا الأمر ألامن ذلك البيت الذي زقّ أهله العلم زقاً ـ والذين يعيشون صفاء الحقيقتة واستقامة التفكير والجدل من أجل الوصول إلی الحقيقة ـ ثم إنّه دعا بالنار وأحرق جميع ما كان ألفه>(5). ويمكن أن نسجل على هذه القصة والحادثة ملاحظتين: الملاحظة الأولى: الإمام أبو محمد العسكري(عليه السلام) يرشدنا إلى إسلوب من أساليب الحوار في القرآن الكريم، وهو أنّك إذا أردت أن تدخل في حوار فكري مع شخص آخر تختلف معه، فعليك أولاً أن تدخل قلبه لتستطيع أن تدخل عقله؛ ولذلك قال الإمام(عليه السلام) لذلك التلميذ: <فصر إليه وتلطف في مؤانسته ومعونته>. الملاحظة الثانية: انّ أهل البيت لا ينكرون على الذين يختلفون معهم صفاتهم الايجابية خلافاً لما هو دائر بيننا، فإذا اختلفنا مع شخص فلا نتحدّث عنه بخير، فمع أنّ الكندي ألف كتاباً في تناقض القرآن وهو أمر خطير؛ لكن الإمام يقول لتلميذه: إنّه رجل يفهم إذا سمع، أي اأنّه رجل مفكر إذا جئته بفكرة معقولة فإنّها سوف تدخل عقله ولا يتعصب في رفضها و يتشبث بقناعاته. وهكذا ينبغي أن يكون الإنسان الذي ينتمي إلى الإمام العسكري(عليه السلام) ،إذا اختلف مع شخص فلا ينكر عليه صفاته الايجابية. فالامام العسكري (عليه السلام) كان يتابع بدقّة ما يجري على الساحة الفكرية في عهده، وينقاش الافكار المنحرفة التي تطرح هنا وهناك ويواجهها بالحجّة والاسلوب العلمي. وكان هناك دور متميز اختص به الإمام العسكري(عليه السلام) ، وهو دور الاعداد العملي لمرحلة إمامة ابنه الحجة(عليه السلام) ، وهذا الدور الذي نهض به الإمام العسكري كان متشعب الأطراف والابعاد. فمن اطرافه وابعاده ما يرتبط بالتمويه على السلطان الجائر، الذي يرصد كل حركة وسكنه في مراقبة بيت الإمام(عليه السلام) ، حذراً من الوالد وخوفاً من الوليد، الذي سيدمّر عروش طغاة الأرض أجمعين، حيث أخفى الإمام الحسن العسکري(عليه السلام) كل دلائل ولادة الحجة(عليه السلام) ولم يورد له ذكر في أي وثيقة قانونية رسمية. ثانيا كان ينبغي على الإمام أن يؤكد على ولادته والتنصيص عليه والتصريح بإمامته، وتهيئة الأرضية لمرحلة الغيبة. من هنا نجد أن الإمام كتم حمله حتى عن أخص الخواص، ولم يُعلم بذلك أحداً حتى القريب من أهل بيته، إلا السيدة حکيمة بنت الإمام الجواد(عليه السلام) التي اُعلمت بذلك في وقت متأخر جداً. وبعد أن ولدّ المولود المقدس كتم الإمام العسكري ولادته، خوفاً عليه من الأعداء، حتى أنّه أمرَّ بعض خاصة شيعته كأحمد بن إسحاق وغيره حينما بشّرهم ذلك أن يكتموا امرّه ويستروا ولادته عن الآخرين، بقوله: ولد لنا مولود، فليکن عندك مستوراً، وعن جميع الناس مكتوماً(6). وحيث إنّ مبدأ السرية التامة في الإمامة ممنوع عندنا من هنا بشر الإمام العسكري (عليه السلام) خواص اصحابه بولادة الإمام الحجة(عليه السلام) وعرضه على بعضهم کأحمد بن إسحاق، وعلي بن بلال، ومحمد بن معاوية بن حكيم، وغيرهم. فقد روى الشيخ الصدوق بسنده عن أبي غانم الخادم، قال: ولد لأبي محمد(عليه السلام) ولد فسمّاه محمداً، فعرضه على أصحابه يوم الثالث، وقال: هذا صاحبكم من بعدي وخليفتي عليكم، وهو القائم الذي تمتد إليه الاعناق بالانتظار، فإذا امتلأت الأرض جوراً وظلماً خرج فملأها قسطاً وعدلاً(7). وقد تحمل الإمام العسكري (عليه السلام) طوال فترة إمامته تهيئة الأرضية لغيبة الإمام الحجة القائم(عليه السلام) ، وذلك من خلال جملة من الامور، منها: 1ـ الاحتجاب، حيث استخدم الإمام الحسن(عليه السلام) أسلوب الاحتجاب عن الناس بصوره ملحظوة، تمهيداً لذهنية الناس عامة والشيعة خاصة؛ لقبول مرحله الغيبة، فلم يكن يلتقي بالناس الإ في الإيام التي كان يخرج فيها بأمر المعتمد الی لقاءة أو ما يراه من المصلحة في بعض الاحيان، بل لم يكن يظهر حتى لشعنه؛ على حد تعبير المسعودي حيث يقول: فلما أفضى الأمر إلى أبي محمد(عليه السلام) كان يكلم شيعته الخواص وغيرهم من وراء الستر إلا في الأوقات التي كان يركب فيها إلى دار السلطان وإنّ ذلك إنّما كان منه ومن أبيه قبله؛ مقدمة لغيبة صاحب الزمان لتألف الشيعة ذلك، ولا تنكر الغيبة، وتجري العادة بالاحتجاب والاستتار>(8). 2 ـ ارجاع الشيعة إلى الدلائل، حيث عين الإمام العسكري (عليه السلام) نواباً من قبله لكي يكونوا رابطاً بينه وبين شيعته لحل مشكلاتهم الدينية والدنيوية، وليألف الشيعة الرجوع إلى النواب مباشرة. ومن الوكلاء الذين عينهم الإمام(عليه السلام) عثمان بن سعيد العمري وكان يقول عنه: هذا أبو عمر الثقة الأمين، ثقة في الماضي وثتقي في المحيا والممات، فما قاله لكم فعني يقل، وما أدّى إليكم فعني يؤدي، فاسمع له وأطع فإنه الثقة المأمون(9). فمن خلال هذه الامور إستطاع الإمام ان يعرّف الإمام الحجة للخواص من شيعته، وبنفس الوقت حجب وستر ولده الموعود عن السلطات العباسية التي كانت تعيش القلق الدائم من وجود الإمام العسكري (عليه السلام) والخوف من ولادة الإمام المهدي عجل الله فرجه. فلم تكتفي السلطات العباسية بالتضيق على الإمام العسكري ومراقبة حركاته وسكناته حتى عمدت على تصفية الإمام وهو في ريعان الشباب. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] ـ الكافي 1: 327. [2] ـ الكافي 1: 327. [3] ـ البحار 50: 309. [4] ـ الكافي 1: 512. [5] ـ المناقب 3: 459. [6] ـ كمال الدين 2: 434. [7] ـ كمال الدين 2: 431. [8] ـ إثبات الوصية: 262. [9] ـ غيبة الطوسي: 215.
|