spacer
 

 

 

spacer
spacer  
 

اخبار مجلة الفرات
 
 

قراءة في موقف الإمامين الحسنين (ع) طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ الشيخ حيدر اليعقوبي ـ العدد (99)   

الشيخ حيدر اليعقوبي

بين موقفين

من عقائدنا الواضحة والثابتة هي عصمة أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، بمعنى أنّ قولهم وفعلهم وتقريرهم هو سنّة لنا وحجة علينا، شأنهم في ذلك شأن رسول الله (صلى الله عليه وآله)؛ الذي قال في حقهم: (إني تارك فيكم الثقلين ما إنْ تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض)[1].

ويعتبر الإمامان الحسنان عليها السلام جزءاً من تلك السلسلة التي خلقها الله سبحانه وتعالى واصطفاها في هذه الأرض، وحمّلها مسؤليات كبيرة في مسيرة التأريخ، فهما معصومان ويأخذان مواقفهما السياسية والاجتماعية والشخصية عن الوحي؛ لذا فلا يمكن أنْ يكون في موقف أحدهما شيء من الانحراف أو الابتعاد عن الإسلام، إلاّ أننا نجد أنّ هناك فرقاً ملحوظاً بين الموقفين، فالإمام الحسن(عليه السلام)، يصالح ومعه جمهور كبير من الناس، بينما نجد الإمام الحسين(عليه السلام) يقاتل ويستشهد ومعه قلة من الناس، مع أنّ كلاً منهما يتحمل نفس المسؤلية التي يتحمّلها الآخر، وكلاً منهما يقع في نفس السلسلة التي أشرت إليها، وهي سلسلة الأنبياء والمرسلين والأئمَّة المهديين والقادة المصلحين، الذين يتحمّلون هداية الناس في التأريخ البشري كله.

ولو كانت القضية تأريخية فقط، عاشها الأئمَّة (عليهم السلام) وانتهت معهم، لأمكننا القول أنّ هذين الإمامين معصومان وهما أعرف بتكليفهما؛ لكننا نعلم أنّ الأئمَّة (عليهم السلام) هم قدوة وإسوة لنا، والمواقف يمكن أنْ تتجدد، ويمكن أنْ نواجه نفس الظروف التي واجهها الإمام الحسن أو التي واجهها الإمام الحسين (عليهما السلام) . من هنا فلابد أنْ نميّز بين الموقفين، حتى يمكننا معرفة التكليف والوظيفة الشرعية والموقف الصحيح، الذي يجب أنْ نقفه في الظروف المختلفة التي تواجهنا.

وهذا بحث تأريخي طويل يحتاج إلى استيعاب كامل لكل العناصر التأريخية، ولكننا سنقف على مجموعة من الملاحظات الأساسية والرئيسية التي تمثل الجانب المشترك بين الإمام الحسن والإمام الحسين (عليهما السلام)، والتي تجلي لنا هذا الغموض الذي يكتنف الموقفين، منها:

أولاً ـ التربية الواحدة

إنّ الحياة الشخصية للإمامين الحسنين عليهما السلام، والتربية التي اكتسباها في مسيرة حياتهما منذ عهد الرسول حتى استشهادهما، وكذلك الظروف السياسية التي عاشاها كانت واحدة، فلم يكن أحدهما يقف في الشرق والثاني في الغرب، أو أنّ أحدهما يعيش في بلد إسلامي والثاني في بلد غير إسلامي، أو أنّ أحدهما يعيش في مرحلة تأريخية والآخر في مرحلة تأريخية أُخرى، شأنهم في ذلك شأن الأنبياء، فموسى (عليه السلام) ـ مثلاً ـ عاش في مرحلة تأريخية تختلف عن المرحلة التي عاش فيها عيسى (عليه السلام)، وإبراهيم عليه السلام عاش في مرحلة تختلف عن المرحلة التي عاش فيها نوح (عليه السلام)، وإنما كل منهما عاش ظروفاً تأريخية وسياسية، وأوضاعاً اجتماعية وبيئية، وعلاقات شخصية وروحية، متشابهة ومتماثلة تماماً.

فمن هذه الناحية لا يمكن أنْ نفترض أنّ أحدهما خضع لظروف معيّنة والآخر خضع لظروف أُخرى تختلف عن ظروف الأوّل، فقد سارا في مسيرة واحدة، وهذا الشيء لا بد أنْ نأخذه بنظر الاعتبار منذ البداية.

ثانياً ـ الموقف الواحد

كان الإمام الحسين عليه السلام موجوداً في زمن الصلح، وكان موقفه نفس موقف الإمام الحسن(عليه السلام)، وعندما تُوّفي الإمام الحسن في سنة إحدى وخمسين للهجرة النبوية الشريفة، بقي الإمام الحسين على موقفه تسع سنين، وهذا يكشف أنّ موقفه ووجهة نظره هي نفس وجهة نظر الإمام الحسن (عليه السلام)؛ ولذلك لم يتحرّك حتى مات معاوية، واختلف الوضع.

ومن الأدلة الواضحة على هذه الحقيقة هو ما سجلة التأريخ، من أنّ أهل الكوفة كتبوا للإمام الحسين (عليه السلام) بعد شهادة الإمام الحسن (عليه السلام) يطلبون منه النهوض والقيام واتخاذ موقفاً مغايراً للموقف السابق؛ لكنه قال: أنا باق على نفس موقفي ما دام معاوية باق.

ويشهد لها أمور، منها: أولاً: قول الحسين(ع) لحجر بن عدي لما أُبرم أمر الصلح، حيث جاءه ومعه عبيدة بن عمرو وقلبه يلتهب ناراً فدعا الإمام إلى إثارة الحرب قائلا: " أبا عبد الله شريتم الذل بالعز، وقبلتم القليل وتركتم الكثير، أطعنا اليوم، واعصنا الدهر، دع الحسن وما رأى من هذا الصلح، واجمع إليك شيعتك من أهل الكوفة وغيرها, وولني وصاحبي هذه المقدمة، فلا يشعر ابن هند إلّا ونحن نقارعه بالسيوف". فقال الإمام الحسينعليه السلام : ( إنا قد بايعنا وعاهدنا ولا سبيل لنقض بيعتنا )[2].

ثانياً: امتناع الحسين عليه السلام عن خلع معاوية عندما طُلب منه ذلك، حيث ورد في بعض النصوص التاريخية أنَّه:" لما مات الحسن بن علي(عليها السلام) تحركت الشيعة بالعراق وكتبوا إلى الحسين(ع) في خلع معاوية والبيعة له، فامتنع عليهم وذكر أنَّ بينه وبين معاوية عهداً وعقداً لا يجوز له نقضه، فإن مات معاوية نظر في ذلك.."[3].

وبالتالي فإنّ الموقف الذي تحملة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام هو عين الموقف الذي وقفه سيد الشهداء أرواحنا له الفداء.

وعلى الرغم من تدهور الأوضاع السياسية للمسلمين في فترة حكم معاوية بن أبي سفيان، إلا أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) بقي ملتزماً بموقف الإمام الحسن (عليه السلام) فترة عشر سنوات تقريباً، ولم يصدر منه موقفاً جهادياً تجاه معاوية، وإنّما كانت تضحيته ونهضته بعد أنْ وجد الناصر، وهذا الناصر كان متمثلاً بأهل الكوفة الذين أرسلوا إليه الرسائل يدعونه للقيام والثورة، فبعث إليهم مسلم بن عقيل وتأكد أنّهم على استعداد لنصرته والوقوف إلى جانبه، فكان عليه أنْ يستجيب لهذا النداء ولهذا الموقف العام، غاية الأمر أنّ أهل الكوفة تخاذلوا بعد ذلك، وأُريد من الإمام الحسين(عليه السلام) أنْ يبايع يزيد بيعة ذل وتنازل عن كل المبادئ والمفاهيم. فرفض الإمام ذلك، وقال: (ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين، بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة، يأبى الله ذلك لنا، ورسوله، والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، وأنوف حمية، ونفوس أبية، من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام)[4].

ثالثاً ـ المعاناة الواحدة

إنّ الموقف الذي وقفه الإمام الحسن في صلحه مع معاوية لم يكن سهلاً ولا مريحاً، بل كان أشد عليه من السم، ولو أردنا أنْ نتأمل في تضحية الإمام الحسن عليه السلام لوجدناها من الناحية النفسية ـ مع قطع النظر عن موضوع الأولاد والأصحاب والنساء، وما أُثير في قضية الحسين(عليه السلام) من مآس لم يعرفها التأريخ ـ إن لم تكن أعظم من تضحية الإمام الحسين، فهي لا تقل عنها؛ لأنّ الإمام الحسن(عليه السلام) ضحّى بكرامته وبوضعه، وتحمل الكثير من الطعنات المعنوية التي وجهت له.

مضافاً إلى ما تقدم، فإنّ الإمام الحسين عليه السلام لم تُقدم له أُطروحة صلح بالشكل والطريقة التي قُدّمت للامام الحسن( عليه السلام) من قبل معاوية، فقد ذكرت بعض النصوص التأريخية أنّ الإمام الحسين عليه السلام في يوم العاشر من المحرم قال للقوم: (أيها الناس إذ كرهتموني فدعوني انصرف عنكم إلى مأمني من الارض)[5]، فلم يقبلوا منه، وكان عبيد الله بن زياد يطلب منه أنْ يسلم ويبايع دون قيد أو شرط. أمّا الإمام الحسن (عليه السلام) فلم يواجه حالة من هذا القبيل، وإنّما واجه حالة هدنة واتفاق على شروط وقيود، ولم يطلب منه البيعة لمعاوية، فالقضية لم تكن قضية بيعة، فضلاً عن كونها بيعة ذل وتنازل عن كل المبادئ والقيم والشعارات والمفاهيم، فما واجهه الإمام الحسن(عليه السلام) يختلف تماماً عما واجهه الإمام الحسين(عليه السلام). ومن هنا فلابد أنْ نفهم الفرق الحقيقي بين موقف الإمام الحسن(عليه السلام)، وبين موقف الإمام الحسين(عليه السلام).

 مصادر البحث:

1 ـ  الاحتجاج1: ج1، ص90.

2 ـ  مسند أحمد: ج3، ص17.

3 ـ  كنز العمال ج1، ص186.

4 ـ  الأخبار الطوال: ص220.

5   الإرشاد ج2، ص 32.

 6 ـ اللهوف في قتلى الطفوف: ص59.

7 ـ   تأريخ الطبري: ج4 ، ص323.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  راجع: الاحتجاج1: 90، مسند أحمد3: 17، كنزالعمال1: 186.
[2] الأخبار الطوال: 220.
[3]  الإرشاد2: 32.
[4] اللهوف في قتلى الطفوف: 59.
[5]  تأريخ الطبري4: 323.

 
< السابق   التالي >

 

البحث في الموقع

دخول الأعضاء






هل فقدت كلمة المرور؟
ليس لديك حساب سجل الآن

التصويت

ما رأيكم بالموقع الجديد؟
 

المتواجدون الان

يوجد الآن 11 ضيوف يتصفحون الموقع

إحصائيات الموقع

الأعضاء: 190
المقالات: 847
المواقع الصديقة: 0
الزوار: 769896

الأعضاء


188 أعضاء مسجلين
0 هذا اليوم
0 هذا الأسبوع
0 هذا الشهر
آخر عضو: سيد حارث
spacer

spacer