|
لا ريب أن للشعائر الحسينية أثارا عميقة على مجرى الأحداث التاريخية سواء سواء كانت على الثورات والانتفاضات أم على المستوى العلمي والثقافي أم على مستوى نشاطات اجتماعية أم غيرها.
وان لهذه المشاعر والشعائر أهمية كبرى هي بلا شك لا تقلّ أهمية عن الشعائر الإبراهيمية في مناسك الحج والعمرة على مستوى الاهداف، فما يحصل من التماسك والتعارف والوحدة بين المسلمين في مناسك حجهم والعمرة، وما يشعر به الإنسان المسلم من قرب الهي وخشية وبكاء وهيبة من تلك الاجواء، والاحساس بالانتماء إلى خط الانبياء والصالحين، وما يحصل عليها الاولياء والسائرين إلى الله عزّ وجلّ من هبات وكرامات، وما نراه من ترسيخ التوحيد والهداية في النفوس، والابتعاد عن الشهوات، والبراءة والرّجم للشياطين والاشرار، وغيرها من الاهداف...، كلّ ذلك يحصل في الشعائر والمشاعر الحسينية وزيادة. وحينما نقول شعائر ومشاعر حسينية لا نريد حصرها في مفردة خاصة من مفرداتها كما يصنع بعض الجهال ويختزل كل ذلك الأفق الواسع في نافذة ضيقة. فاقامة المآتم الحسينية في المساجد وفي الحسينيات وفي البيوت وغيرها من الاماكن هي مفردات من الشعائر، وقراءة المقاتل هي مفردة أخرى، وتأليف الكتب فيها، والمقالات، والشعر، والنثر، والندوات، والمؤتمرات هي مفردات ايضاً، والزيارات والحضور عند أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ . وقراءة ما ورد من الزيارات، والأدعية، والصلاة في تلك الاماكن المقدسة، وزيارة الاربعين مشياً على الأقدام، وزيارة الخامس عشر من شعبان هي كذلك مفردات. والتمثيل والتشابيه والمسرحيات هي مفردات، والمواكب والهيئات والمراكز والتجمعات وما فيها من اللّطم والبكاء وغيرها كل ذلك يشكل منظومة الشعائر الحسينية، فمن الخطأ جداً أن نأخذ غصناً من هذه الشجرة المثمرة ونحسب انه هو الشجرة. ولهذه الشعائر ادوار متعددة وعظيمة ما زال البحث فيها فتياً وللبحث فيها مجال واسع، بالامكان أن تؤلف الكتب والرسائل على مستوى الحوزة والجامعة معاً. فمثلا دور الشعائر الحسينية في تثبيت الأصول والمبادئ العقائدية للإسلام من التوحيد والنبوة والمعاد بالاضافة إلى الإمامة، اذ من الواضح أن للملحمة الحسينية وما ألقيت فيها من خطب ومواقف دور عظيم في توضيح حقيقة التوحيد وانه ليس مجرد كلمات يجريها المتكلم على شفتيه بل هو افق عظيم من افاق المعرفة، وبحر عميق لا يستطيع أن يلج فيه كل غواص الاّ من تربى على موائد الانبياء واوصياء الانبياء، إلا ترى كيف مزج الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ في تلك اللحظات المملؤة بالماسي والآلام والمحن والشدائد بين التوحيد النظري والموقف العملي (رضاً بقضائك وتسليماً لامرك، لا معبود سواك يا غياث المستغيثين) وكأنه يشير ـ عليه السلام ـ بالمقابلة بين الخنوع والتسليم لامر عمر بين سعد بن أبي وقاص ولسيده يزيد بن معاوية، والرّضا والنزول على حكمهم، بالاضافة إلى انّه تسليم ورضى بحكم فاجر فاسق هو ايضاً عبودية لهم. فالحسين ـ عليه السلام ـ مع ما فيه من الجراح المادية والمعنوية قد رضي بقضاء الله لا بقضاء الطواغيت الظلمة وسلّم لامر الله لا لامرهم، لأنه لم يتخذ إلا معبوداً واحداً لا معبود سواه، ولو رضي وسلّم لامرهم لكان ذلك في مقياس الإمامة عبودية لغير الله وشرك طاعة. وهكذا اذا تابعنا كلمات الحسين ـ عليه السلام ـ وخطبه ومواقفه سنرى أن للتوحيد الحسيني كما هو مذاق أهل البيت ـ عليهم السلام ـ طعماّ خاصاً، وعمقاً عميقاً لا على المستوى الدقة والعمق النظري فحسب بل الاروع ما هو على مستوى المواقف العملية وكيفية تنزيل العلم النظري وتحويله إلى حقيقة معاشة عند المؤمن عملياً. وهكذا الأمر بالنسبة للنبوة فان للشعائر دور كبير لتأكيد الإيمان بها وازالة ريب الشكوك عنها واظهار حقيقتها بالمنظر الرائع، على عكس ما يراه القارئ لحياة الحكام الذين تسلطوا على رقاب المسلمين فانه سيرى الضّعة والانحدار في أخلاقهم بل سيجد أن هنالك من الصفات الرذيلة ما لا يصدقها عاقل قد لصقوها بنبي الإسلام تلميعاً لصدروهم القبيحة وافعالهم الشنيعة، ولا يمكن أن نوفق بين ما جاء في كتاب الله ((وانك لعلى خلق عظيم)) وبين تلك التي يرويها وعاظ السلاطين وسيجد الباحث أن هناك هوّة عظيمة بين الإسلام والمسلمين أو قل بين القران والمدّعين، شريطة أن تفهم القران فهماً محايداً أو معتمداً على منهاج أهل البيت، فهل هناك عاقل بان الله ـ عز وجل ـ الذي لا يظلم مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض، أن يجعل القاتل والمقتول سواء أو يجعل الظالم والمظلوم، أو يجعل المسلمين كالمجرمين ((ما لكم كيف تحكمون)). فهل معاوية بن أبي سفيان ابن هند آكلة اكباد الشهداء هو وعلي بن أبي طالب كلاهما على الحق، كيف هذا؟! هل عقيدة علي ـ عليه السلام ـ في رسول الله هي نفس عقيدة معاوية الذي حارب رسول الله في جميع الغزوات، هل عقيدة رافع راية الإسلام عقيدته برسول الله كعقيدة رافع الشرك في بدر والاحزاب والخندق وغيرها. والانكى من ذلك أن البعض ما زال لا يميز بين يزيد بن معاوية وبين الحسين بن علي، ماذا طبق يزيد من دين الله واي شيء اظهره من ايمانه برسول الله؟ هل قتل ذريّة الرسول واستباحته مدينته لجيشه ثلاثة أيام يفعل ما يشاء وضربه الكعبة المشرفة بالمنجنيق هل هذا ايمانه؟ (فعلى الإسلام السلام اذا بليت الامّة براعٍ مثل يزيد)، ثم يقال انه حليفة رسول الله أي اهانة اعظم للرسول من هذه الاهانة؟! واي عقل تافه يؤمن بهذا؟ اقسم صادقاً لولا تضحية سيد الشهداء لانمحى دين الله ولما بقي ذكر لرسول الله ولتشوهت كل القيم والمقاييس وحينئذٍ افلا يحق لنا أن نبكي الحسين دما؟! ثم أن للشعائر الحسينية ادوارا عظيمة لا ينبغي لمجتمع يحب الحياة والسمو والرفعة تركها بل لا ينبغي لانسان يحترم انسانيته أن لا يقيمها. ومن هذه الادوار بالاضافة إلى دورها في تثبيت الأصول والمبادئ العقائدية 1. دورها في تشخيص الأمراض الاجتماعية الخطيرة، كالقسوة والعنف، والتخاذل ونقض العهود والمواثيق .. الخ. 2. دورها في تقوية الإرادة والهمة. 3. دورها في تكريس أهم المفاهيم القرآنية: كالمودة لأهل البيت ـ عليهم السلام ـ والجهاد في سبيل الله، والتفاني من اجل العقيدة، والإخلاص والعبودية لله والكفر بالطاغوت. 4. دورها في ترسيخ مبدأ الأخوة الإيمانية. 5. دورها في تفعيل الشعور بالمسؤولية تجاه القضايا المصيرية، كالموقف من الحاكم الظالم. 6. دورها في نبذ الظلم والظالمين ووضع حدٍّ لهم. 7. دورها في بناء مجتمع حيّ ويقظ، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. 8. دورها في تفعيل الأخلاق الإسلامية كالإيثار، والشجاعة، والوفاء. 9. دورها في توحيد الكلمة ورصّ الصفوف. 10. دورها في الحفاظ على أركان الإيمان كالولاية، والصلاة. 11. دورها في تنمية الفطرة وتهذيبها، كالإحساس بالآم الآخرين. 12. دورها في حفظ المفاهيم الأخلاقية للحرب. 13. دورها في حفظ المفاهيم الإسلامية من التشويه والانحراف في معانيها كالإيمان بالقضاء والقدر، والموقف من الجبر والتفويض. 14. دورها في مزج العاطفة بالعقل، إثراء حالة التوازن. 15. دورها في صمود الإنسان تجاه المحن والشدائد مهما اشتدت به. 16. دورها في حفظ خط الأنبياء والرسالات من الاندثار. 17. دورها في تحقيق العدالة الاجتماعية وبناء دولة الحق وتنظيم الأمر. 18. دورها في تحقيق القرب الإلهي والحالات المعنوية. 19. دورها في نشر تعاليم السماء والشرائع الإلهية. 20. دورها في كشف النفاق والتضليل والشعارات المزيفة. 21. دورها في معرفة حقيقة الدنيا، والدوافع المادية، والشهوات. 22. دورها في تعميق العواطف الإنسانية النبيلة. هذا بالإضافة إلى العديد من الأدوار التي قد يجدها المتأمل والتي سيجد لها مصاديق كثيرة في الشعائر الحسينية، ومن الممكن أن تكتب فهيا المقالات وتؤلف فيها الرسائل فاذا نظرنا إلى هذه الشعائر كوحدة متكاملة ونسيج واحد لما لها من الادوار والاهداف سيكون الجواب من السؤال المطروح واضحاً اذ كيف لا نبكي على صاحب الذكرى وهو يحيي كلّ هذه الثمار، بل سيكون السؤال معكوساً كيف لا تبكون من قتل الحسين ـ عليه السلام ـ ((افمن هذا الحديث تضحكون ولا تبكون)). اذن شعائر تحقق كل هذه الأهداف حرّيّ بنا أن نبكي على صاحبها. ثم أن البكاء هو حقيقة فطرية من حقائق الإنسان قد عززها الله فيه وجعل من أسبابها الحزن، فمن اشتد حزنه بكى ومن عرف الحق بكى وفاضت عيناه بالدمع فكيف لا نبكي على سيد شباب أهل الجنة وقائد الناس إلى الخير والصلاح بعد جده وأبيه أليس الله قد قال: ((فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون)) 30 الروم فهل هناك إنسان يحمل المشاعر الإنسانية النبيلة لا يبكي على فقد حبيبه وهل هناك شخص احب للمسلم من نبيه واهل بيته، والله عز وجل يناديه ((قل لا اسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى)). فالفطرة هي دين الله القيم بصريح القران كما في الآية السابقة، وهذه الفطرة لا تتبدل ولا تختلف من إنسان إلى إنسان لان الله عز وجل قال: ((فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله)). فاذا فقد حبيبٌ اجتمعت محبوه على البكاء والتأثر ومن لم يتأثر فقد خرج عن حدود الإنسانية إلى حدّ البهيمية. ولهذا تجد النبي يعقوب سليل النبوة الإبراهيمية والفطرة الإلهية والديانة الحنيفية بكى حتى ابيضت عيناه من الحزن على فقد حبيبه وهو يعلم انه حيّ فكيف لو علم انه قد مات؟! وعلى نفس المنهاج جاء ابناؤه بعد ادعائهم الموت لاخيهم يوسف بالبكاء ((وجاءوا اباهم عشاءاً يبكون)) فالبكاء على الميت واجتماع المحبين لندبه لا ينبغي التشكيك فيها من انسان، وهذه هي سيرة الناس جمعاء وفطرتهم ولذلك نجد في التاريخ وفي كتب الروايات أن المسلمين والمشركين معاً قد بكوا قتلاهم وهكذا في معركة صفين كلا الطرفين بكوا قتلاهم أو ليس محبي طلحة والزبير قد بكوا عليهم أو ليس نعم نحن نعيد ذكراه كي لا ننساه وكي لا نسمح بان يقع حدث مثله، لان المكفرين للاولياء كثر هذه الازمان، فبالامس قتلوا الإمام الحسين بن علي ـ عليه السلام ـ واليوم يكفرون السيد الحسيني فهل سنسمح لهم بذلك؟!. اذن مشروعية البكاء على الموتى والاعزاء لا ينبغي التردد فيها باعتبار أن البكاء حقيقة فطرية لها اسبابها ومن اسبابها معرفة الحق والحزن كما صرّح بذلك القران الكريم (( ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم، ولا على الذين اذا ما اتوك لتحملهم قلت لا اجد ما احملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناّ..)) 92 التوبة. فالحزن يورث فيض الدموع وهكذا معرفة الحق كما في قوله عز وجل: ((وإذا سمعوا ما انزل إلى الرسول ترى اعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق..))83 اذن الحزن والمعرفة للحق هما سببان من أسباب فيضان الدمع من العيون. فهل يمكن لانسان عرف الحسين وامامته واهدافه ومشروعه وعرف طريقة قتله واهل بيته ورضيعه وانصاره ثم لا يبكي، كيف لا نبكي وكيف لا نجتمع لبكائه بل كيف لا يموت من سمع بذلك كمداً؟! وهل تُلام أم المؤمنين (أم سلمة) زوج الرسول اذ توفيت بعد مقتل الحسين كمداً عليه. وهل يُلام الإمام السجاد على بكائه كل ذلك العمر الطويل ولم يقدم له طعام ولا شراب إلا وبكى، هذا مضافاً سيل من الروايات الصحيحة الواردة عن طريق أهل البيت ـ عليهم السلام ـ.. ثم أن البكاء يرقق القلب ويهيئ النفس لقبول الحق وتصبح النفوس مستعدة لقبول الدعوة الإسلامية والانصهار في مفاهيمها. فلماذا كل هذه الهجمة على البكاء؟! ولصالح مَن؟ أو ليس قد ذكرت الروايات أن الانبياء قد بكوا على الحسين ـ عليه السلام ـ من ادم إلى الخاتم أولم يبك على الحسين ـ عليه السلام ـ الجيل الأول من المسلمين أولم يبكه الرسول الكريم بعد اخبار جبرائيل له بانه سيُقتل أوليس البكاء هو فطرة الله. أم يريدون منعنا من البكاء على الشهداء لئلا يفتضحوا؟ فهل يعقل أن البكاء بحق الشهداء بدعة محرّمة والقتل واسالة الدماء لتلك الشهداء اجتهاد محلل، القتل اجتهاد والبكاء عليهم بدعة؟! ((ما لكم كيف تحكمون)) وان كان كذلك فليس على الفطرة إلا علي وشيعته.
|