spacer
 

 

 

spacer
spacer  
 

اخبار مجلة الفرات
 
 

جزاء المتقين طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ سجاد حيدر مهدي ـ العدد (99)   

 تقدم في حلقات سابقة بيان أهمية التقوى للإنسان ورقيه واعتبارها من الخطوات الرئيسية والمهمة جدا في وصول الإنسان إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى، لذا ليس من الغريب ورودها  في آيات كثيرة من القرآن الكريم، بل وجعلها من المطالب الأولى لعباد الله الصالحين.

والى جانب ذلك ذكرت الآيات الكريمة أيضا الثواب الجزيل والمنازل العظيمة التي يتحلى بها من يتصف بهذا المفهوم السامي والراقي، فقد وعد الله سبحانه وتعالى المتقين بأحسن الوعود الطيبة والفضيلة، وزخرت الآيات بذكر جزاء المتقين. وسوف نحاول بهذه العجالة جمع ما اشترك من هذه الآيات على مضمون واحد كي لا يتشتت المطلب، ونتمنى ان نكون على بينة ولو بسيطة بهذا الجزاء القرآني العظيم.

1.    حب الله.

جاءت أكثر من آية كريمة تبين ان جزاء المتقي  ان يكون بموضع حب الله تعالى.

 ((بلى من أوفى بعهده واتقى فان الله يحب المتقين))[1]

 ((إلا الذين عاهدتهم من المشركين..........إن الله يحب المتقين))[2]

 ((كيف يكون للمشركين عهد عند الله..........إن الله يحب المتقين))[3]

لا نريد في المقام تفسير معنى الحب هذه الصفة الأخلاقية التي ورد عنها انها من الإيمان، بل بتعبير الإمام، وهل الإيمان إلا الحب وبالبغض؟[4] وإن شاء الله تعالى نوفق لكتابة موضوع خاص عن هذا العنوان المبارك.

ولكن ذكر العلامة الطباطبائي في معرض تفسيره للآية الأولى أنه من قبيل وضع الكبرى موضع الصغرى إيثارا للإيجاز والتقدير فأن الله يحبه – أي من وفى بعهده- لأنه متق والله يحب المتقين، والمراد أن كرامة الله لعباده المتقين حبه لهم...

ثم قال: فمفاد الكلام أن الكرامة الإلهية ليست بذاك المبتذل السهل التناول حتى ينالها كل من انتسب إليه انتسابا أو يحسبها كل محتال أو مختال كرامة جنسية أو قومية بل يشترط في نيلها الوفاء بعهد الله وميثاقه والتقوى في الدين فإذا تمت الشرائط حصلت الكرامة وهي المحبة والولاية الإلهية التي لا تعدو عباده المتقين وأثرها النصرة الإلهية والحياة السعيدة التي تعمر الدنيا وتصلح بال أهلها وترفع درجات الآخرة . فهذه هي الكرامة الإلهية. إنتهى.[5]

2.    قبول الأعمال

 من التوفيقات العظيمة أن يرضى الله على أعمالنا. فهناك من يصوم ويصلي ويحج، لكن لا يحصل من صومه سوى الجوع والعطش ومن صلاته سوى التعب والمشقة، ومن الحج ليس الا الضجيج بحسب تعبير الامام[6].

وما ذلك الا لخلو قلبه من تقوى الله قال تعالى:((واتل عليهم ابني آدم إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين))[7]

3.    العاقبة للمتقين.

منال الأولياء وبلغة الأنبياء ودعاؤهم هو حسن العاقبة، فالله جعل هذه العاقبة خاصة بمن أتقى، لو أجلينا البصر قليلا ونظرنا في القرآن لوجدنا هذه العبارة –العاقبة للمتقين- في عدة آيات:

 منها: قوله تعالى:((قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين))[8]

 ومنها: قوله تعالى: ((تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين))[9]

ومنها: قوله تعالى: ((تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر ان العاقبة للمتقين))[10]

 ولصاحب الميزان كلمة، وهي: ((العاقبة ما يعقب الشيء كالبادئة لما يبدأ الشيء، وكون العاقبة مطلقاً للمتقين من جهة ان السنة الإلهية تقضي بذلك وذلك انه تعالى نظم الكون نظماً يؤدي كل نوع الى غاية وجوده وسعادته التي  خلق لأجلها فان جرى على صراط الذي ركب عليه ولم يخرج عن خط مسيره الذي خط له بلغ غاية سعادته لا محالة والإنسان الذي هو أحد هذه الأنواع أيضاً حاله هذه الحال إن جرى على صراطه الذي رسمته له الفطرة واتقى الخروج عنه والتعدي منه إلى غير سبيل الله بالكفر بآياته والإفساد في أرضه هداه الله إلى عاقبته الحسنة وإحياء الحياة الطيبة وأرشده إلى كل خير يبتغيه))[11]  وأيضا لعلنا نوفق للحديث بصورة مستقلة عن حسن العاقبة وأهميتها في مسيرة العباد.

  4. الهداية

 ((ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين))

 ذلك الكتاب ألا وهو القرآن المنزل على الرسول الأعظم، ذلك الكتاب جعله الله هو المخطط الرئيسي والواضح لطريق المتقين وأكسبهم الله تعالى هدايتين (هداية أولى صاروا بها متقين وهداية ثانية أكرمهم الله سبحانه وتعالى بعد التقوى)[12]

 فجعل القرآن هادياً ومرشداً لهم لأعمال مسيرتهم دون خوف أو ضلال.

لو قلت: من الواضح أن القرآن هداية للبشرية جمعاء، فلماذا خصت الآية الكريمة المتقين بهذه الهداية؟

هنا يشير صاحب تفسير الأمثل إلى أن السبب هو أن الإنسان لا يتقبل هداية الكتب السماوية ودعوة الأنبياء، ما لم يصل إلى مرحلة معينة من التقوى (مرحلة التسليم أمام الحق وقبول ما ينطبق مع العقل والفطرة).

 وبعبارة أخرى: الأفراد الفاقدون للإيمان على قسمين:

 قسم يبحث عن الحق، ويحمل مقدارا من التقوى يدفعه لأن يقبل الحق أنى وجده.

 وقسم لجوج متعصب قد استفحلت فيه الأهواء، لا يبحث عن الحق، بل يسعى في إطفاء نوره حيثما وجده.

ومن المسلم به أن أفراد القسم الأول هم الذين يستفيدون من القرآن أو أي كتاب سماوي آخر، أما القسم الثاني فلا حظ لهم في ذلك....

ولذلك قال سبحانه في كتابه العزيز أنه : هدى للمتقين[13].

 4.    كمال الصفات

 قال تعالى في محكم كتابه في سورة البقرة الآية-177

 ((لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى مَنْ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ))

لو كانت هذه الآية الوحيد في القران لبيان منزلة المتقين لكفت، لأنها عرضت بصورة واضحة وصريحة صفات البر الراقية والسامية، وجمعتها ثم أطلقتها على المتقين، بمعنى أن هؤلاء الثلة المؤمنة أصبحوا ببركة هذه الصفات أبراراً.

ولو تأمل الإنسان هذه الصفات قليلا لوجدها تمثل منازل الأنبياء والمعصومين، عن النبي(ص) ((من يعمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان))[14]. فما أعظمها من صفة تزين بها المتقون وميزهم عن الآخرين.

 5-   ثواب في الدنيا وجنان في الآخرة

 قال تعالى((وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ {30} جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللّهُ الْمُتَّقِينَ))[15]

قد يقال: من يستكمل الإيمان ببركة التقوى على ماذا يحصل؟ وما هو جزاؤه؟

 هتان الآيتان توضح ان لهم خير الجزاء في الدنيا والآخرة، ويعيشون حياة طيبة مليئة بالعدل والإحسان والسعادة في الدنيا، ولهم الجنان في الآخرة.

 والقرآن الكريم ملئ بوصف جنات المتقين خاصة في الكثير من الآيات الشريفة ووعدهم الله بها فجلالته وعده مسؤول ووعدهم بأنهم خالدين فيها (وأشار تفسير الميزان إلى ان هذا الوعد من الأقضية التي قضاها يوم خلق آدم وأمر الملائكة وإبليس بالسجود له.

 فعندما أبى إبليس السجود والقصة معروفة، طلب إبليس من الله عز وجل أن يمهله كي يغوي الناس فأجابه ربه بأن لا سلطان لديه على عباد الله المخلصين المتقين قال عز وجل: ((إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ  إلى أن قال -  إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ))[16].

ثم قال تعالى في آيات أخرى في وصف  الجنة الخاصة بالمتقين في سورة النبأ:((‏ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً {31} حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً {32} وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً {33} وَكَأْساً دِهَاقاً )) .

هذه إطلالة سريعة على بعض صفات المتقين، وليس الغرض إحصائها ودراستها تفصيلا بقدر سردها، كي تكون آفاقا ومفاتيح لبحوث مستقبلية أكثر تفصيلا إن شاء الله تعالى.

نسأل الله تعالى ان يرزقنا التقوى ونكون من أصحاب هذه الجنان والرضوان الإلهي الأكبر.    

المصادر:

[1] آل عمران/76
[2] التوبة/4
[3] التوبة/7
[4] - الكافي 1 : 125 ، باب الحب في الله والبغض في الله، ح5.
[5] - الميزان 3 : 263 تفسير الآية 76 من سورة آل عمران.
[6] - دعائم الإسلام 1 : 87.
[7] المائدة/27
[8] الأعراف/128
[9] القصص/83
[10] هود/49
[11] تفسير الميزان المجلد الثامن ص/224
[12] تفسير الميزان المجلد الأول ص49
[13] - الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل 1: 74
 [14] تفسير الميزان المجلد الأول ص431
[15] النحل(30-31)
[16] الحجر45

 
< السابق   التالي >

 

البحث في الموقع

دخول الأعضاء






هل فقدت كلمة المرور؟
ليس لديك حساب سجل الآن

التصويت

ما رأيكم بالموقع الجديد؟
 

المتواجدون الان

يوجد الآن 10 ضيوف يتصفحون الموقع

إحصائيات الموقع

الأعضاء: 190
المقالات: 847
المواقع الصديقة: 0
الزوار: 769915

الأعضاء


188 أعضاء مسجلين
0 هذا اليوم
0 هذا الأسبوع
0 هذا الشهر
آخر عضو: سيد حارث
spacer

spacer