|
بسم الله الرحمن الرحيم يختلف معنى التقريب بحسب الشخص الذي يدعو إليه أو يحذر منه، ومن خلال متابعتي لموافقي التقريب ومخالفيه وجدت ثلاثة معانٍ مختلفة للتقريب. المعنى الأول التنازل عن بعض المعتقدات المثيرة لحفيظة الآخرين، والجارحة لإحساسهم العقيدي، حيث يتلقاها الآخر على أنها إهانة لمقدساته، أو توهين لها.
والدعاة إلى هذا النوع من التقريب لا يقرون بالرغبة للتنازل، وإنما ينظرون لدعوتهم بطرق متعددة ويغلفونها بأشكال مختلفة، من دون التصريح بالدعوة إلى التنازل، إلا ما يقفز في فلتات اللسان. فتراه تارة يدعو إلى الاعتدال ترك (التطرف)، وأخرى يحث على التمسك بالجوهر من العقيدة ونبذ (القشور)، ويقصد بالقشور نفس المسائل العقيدية المثيرة لحساسية الآخر. وتصل عنده الرغبة في التقريب إلى الشعور بأن هذه العقائد (القشرية) حجر عثرة، وعقبة كؤود أمام مشروعه التقريبي الكبير. وعندها لن يخفي تململه من هذه العقائد، ويفعل المستحيل من أجل تهميشها وتضعيفها في النفوس، بل حتى تسخيفها والإزراء بها. حتى إذا شعر بمقاومة المتدينين لمشروعه تقمص مسوح المصلحين، الذين يتحملون ألوان المعاناة والأذى في سبيل رسالتهم الإصلاحية المقدسة. وهو بذلك يلمح إلى أن من يعارض مشروعه هذا إنما هم رعاعٌ جهلة، أو علماء متعنتون ألقوا التقوى والموازين العلمية وراء ظهورهم حيث ركبوا التعصب الأعمى والتقليد المقيت. وعلامة أصحاب هذا النوع من التقريب أنهم يدعون إلى الحوار الفكري الحر وفسح المجال للنقد والمناقشة في الهواء الطلق، حتى إذا تعرضوا للنقد والمناقشة نسوا ما كانوا يدعون إليه، فيثارون عند أدنى نقد، وينتفضون عند أبسط مناقشة. وفي الحقيقة ليس هذا الذي يدعون إليه تقريباً بقدر ما هو تذويب وتنازل غير مبرر عن الحق وتضييع للحقيقة أكثر مما هي ضائعة. وهو يكشف عن ضعف في الشخصية أو ضعف في الإيمان أو ضعف فيهما معاً. ويوجد معنى آخر للتقريب لمسناه عن المعسكر المخالف للتقريب، حيث أنهم فهموا من التقريب الاعتراف بعقيدة الطرف المقابل، بعنوان أنها عقيدة مستندة إلى الدليل وتستحق الاحترام من جهة إيمان الآخرين بها، وهذا الاعتراف سيفسح المجال لأصحاب الديانات والمذاهب الأخرى لكي ينفذوا إلى المتدينين، وينشروا بينهم أفكارهم الهدامة، مستفيدين من أجواء الاستقبال والاعتراف الذي جلبه التقريب، والمقبولية التي أفرزها الاحترام لعقائدهم الفاسدة. بخلاف ما لو بقيت الشقة بين المذاهب والأديان بعيدة، والنفرة على أشدها، فينسد الطريق أمام دعاة المذاهب الأخرى، وتغلق منافذ تأثيرهم على البسطاء من المتدينين. وينشط هؤلاء المخالفون للتقريب في تأييد موقفهم ببيان مثالب المذاهب الأخرى وبعدهم عن الحق، لينفروا الناس منهم، بحجة المحافظة على المجتمع من العقائد المنحرفة والأفكار الهدامة. وهناك صوت ثالث يدعو إلى التقريب، في حال أنه يخالف طريقة التذويب والتنازل، كما يخالف أسلوب المواجهة الفجة ورمي أحجار التعصب في كل اتجاه. ودعاة هذا النوع من التقريب لا يدعون إلى أن يترك الناس معتقداتهم لمجرد الحاجة إلى دمج المذاهب، وتوحيد الصفوف ؛ لأن الطريق الصحيح للدعوة إلى المذهب الحق والعقيدة السليمة هو الحكمة، والموعظة الحسنة، وهي الموعظة المشفوعة بالحكمة والمشتملة على عرض البراهين الدامغة، والأدلة العلمية، والمباني المستدلة. والتقريب عند هؤلاء هو قبول الآخر كحقيقة قائمة على الأرض يجب التعامل معها، وترتيب العلاقة فيما بيننا وبينهم على أساس الاحترام المتبادل، ولكن هذا الاحترام لا يكون للعقائد الباطلة التي يحملونا ـ لأن الباطل لا احترام له ـ بل هو احترام لشخص الإنسان الآخر، بما هو إنسان، أو للمقدار من العقائد الحقة التي يحملها والتي خلطها بالباطل، ومن هنا فالاحترام لأصحاب الأديان والمذاهب الأخرى يتفاوت بحسب ما تحمله هذه الأديان والمذاهب من الحق بين طيات باطلها. وهذا هو الصحيح، حيث أن التقريب لا يملي علينا التنازل عن بعض عقيدتنا، ولا يفرض علينا قبول العقائد الباطلة للآخرين، ولا حتى إجبارهم على قبول رأينا. وإنما هو التعايش لا أكثر، فلا يصح أن نميع عقيدتنا بلا مبرر، ولا أن نهرب من التقارب الاجتماعي والسياسي بين الأديان والمذاهب بحجة الخوف على حقنا من باطلهم. وإنما هو الاعتدال، والمداراة، والتعقل، وحسن معاشرة الآخرين. ويجمع كل هذه المفاهيم تعبير (التعايش) الذي لخصنا فيه معنا التقريب الذي نرتضيه، الذي يكون مصحوباً بالثقة بالنفس، والاتكال على العقيدة الحقة، التي هي أولى بالاعتقاد والاحترام. وأما نحو قوله تعالى: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ)(الفتح: من الآية29). و (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ )(البقرة: من الآية191). و (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ )(التوبة: من الآية5). و (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ)(لأنفال: من الآية65) فهي لا تعني أن أشهر سيفي بوجه كل من يخالفني في العقيدة، وأن يتحول الدعاة للدين إلى جلادين وقصابين، كما نراه في بعض المذاهب والحراكات السياسية، بل يجب أن نفسر هذه الآيات الكريمة وأمثالها من خلال جمعها مع أمثال قوله تعالى: (ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)(النحل: من الآية125). و (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)(طـه:44). و (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ)(التوبة:6) حتى لا نكون ممن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض. مع التأني دوماً في إطلاق الإحكام على الآخرين، والاعتدال في التعامل معهم، خصوصاً من يكون في عقيدته الكثير من الحق والنقاط المضيئة. وخلاصة القول: أن مَن يدعو إلى التذويب إنما هو مَن أقر على عقيدته بالبطلان، ولا يخاف التقريب إلا من استشعر عورات مذهبه، وأن التقريب الصحيح هو التعايش مع الآخر، مهما كان لذلك سبيل، من دون التنازل عن الحق لأجل الباطل، بدافعٍ من هوس التقريب، ومن دون الهجوم العشوائي على المخالفين خوفاً من احتمال التقريب، وإخراساً لصوت الدعوة إليه. قال تعإلى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات:13)
|