|
اللون الأبيض : أما رمزية اللون الأبيض إلى الطهارة والروحانية والنورانية والنقاء فهي أشهر من نار على علم, ولذا يجد الرائي في مناماته الصادقة إذا ما التقى بأُناس صالحين يجدهم باللون الأبيض سواء ما كانت عليه وجوههم أو ما يرتدونه.
وقد استفاد القرآن الكريم من مناخات هذا اللون في أكثر من مورد,منها قوله تعالى:{ بَيْضَاء لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ }(1),حيث يصف الخمرة الأخروية بالبيضاء إشارة منه إلى طهارتها ونقاوتها, وفي قوله تعالى:{ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }(2),حيث عبّرت عن السلامة و الطهارة وحسن العاقبة و الختام باللون الأبيض, وجعلته في مقابل اللون الأسود. اللون الأسود ... وأمّا الأسود فبقطع النظر عمّا إذا كان لوناً أصالة أو انه عدم الألوان الاُخرى, حيث انه يُمثل حالة استثنائية في عدم انعكاس الأشياء المُضيئة فيه أو في امتصاصه للألوان فلا يتميز فيه شيء من الألوان ومراتبها, فتكون حالة عدم انعكاس الألوان فيه هي عين السوداوية التي هو عليها, فإن هذا النموذج الاستثنائي عادة ما يُرمز به إلى حالة من العبوسة والحزن والكدر واليأس والظلامية والمجهول وسوء المصير, كما هو الحال في قوله تعالى:{وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ}(3),حيث أشارت إلى العبوسة وسوء المصير والبؤس الذي سيكون عليه أولئك الذين افتروا على الله سبحانه. وأيضا في قوله تعالى:{وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ}(4),حيث وصفت الوضع النفسي السيّئ والحزن العميق الذي يكون عليه الإنسان إذا ما وُلدت له أُنثى, وهو وصف للمجتمع الجاهلي الذي قد يتكرّر في سلوكياته في أماكن وأزمنة مختلفة . مراتبية الألوان : إنّ الألوان إمّا أن تكون أوّلية أو ثانوية, والأوّلية هي الألوان المنشطرة من اللون الأبيض, وأمّا الألوان الثانوية فهي الألوان الناشئة من عملية المزج بين الألوان المختلفة أساساً وبدرجاتها المختلفة التي لا حصر لها. بعبارة اُخرى:إنّ كل لون أوّلي وأساسي ينضوي تحته ما لا حصر له من المراتب الراجعة إليه,فتكون الألوان ما لا حصر لها,كما هو واضح. والذي نراه في المقام هو عدم وجود لون أوّلي وآخر ثانوي, بمعنى:عدم وجود لون أوّلي تتفرّع منه أو تنضوي تحته مراتب لا حصر لها, وذلك لأنّ اللون الأوّلي ـ حسب الفرض ـ إمّا أن يمثل مرتبة من مراتب هذا اللون أو ليس من مراتبه, فإن عُدّ منها فهو لا يفترق عنها ـ وإن اشتدّت اللونية فيه ـ وإن لم يُعدّ منها فأصل اللون غير صادق عليه, كما هو واضح. بعبارة اُخرى:إنّ اللون الأوّلي أو الأصلي إنّما هو مجرّد مفهوم ذهني لا غير, ففي دائرة المصاديق لا يُوجد ما هو أصلي وآخر فرعي, أو ما هو أوّلي و آخر ثانوي, وإنّما هي مراتب تشترك في العنوان وتختلف في الشدّة والضعف, وكل هذه المراتب ـ التي لا حصر لها ـ تنضوي تحت عنوان مفهومي كلي. وبذلك نخلص إلى أنّ الألوان جميعا الأوّلية والثانوية, المعهودة وغير المعهودة, إنّما هي مجرّد عناوين كلية, ينضوي تحت كل عنوان منها ما لا حصر له من المراتب. وبالتالي فإنه لا يُوجد شيء لونه أحمر وآخر أزرق وآخر أصفر !, وإنّما يُوجد شيء في الخارج له مرتبة من مراتب اللون الأحمر أو الأخضر ..وإلخ. مختلف ألوانه ... وردت مفردة الاختلاف اللوني في الإنسان والحيوان النبات والجماد, ينبغي لنا الوقوف عندها, ومن تلك النصوص :ـ قوله تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ}(5). وقوله تعالى:{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ...} (6). وقوله تعالى:{ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ }(7). وقوله تعالى:{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ}(8). إنّ هذه الآيات المصرّحة بالاختلاف اللوني يُمكن أن نتصوّر من خلالها عدّة وجوه لتحديد هوية الاختلاف تمهيداً لبيان حقيقة الإعجاز اللوني في القرآن الكريم. الوجه الأوّل:أن يكون المراد بالاختلاف اللوني هو اختلاف الأجناس(9), كما في الآية الثانية والثالثة والرابعة, فجنس التفاح هو غير جنس البرتقال وجنساهما غير جنس الرمان, وكلها تختلف عن جنس العنب, وهكذا الحال في سائر الثمرات الاُخرى, وهذا الاختلاف الجنسي سار هو الآخر في الحيوانات والجمادات, بل والإنسان أيضاً,كما سيأتي بيانه(10) . الوجه الثاني :أن يكون المراد بالاختلاف اللوني هو خصوص الألوان المتعارفة لدينا, فكل ثمرة لها لونها الخاص بها,وهذه اللونية سارية إلى الفرد الخارجي لا المفهوم الذهني, بمعنى:انّ كل ثمرة موجودة في عالم الخارج لها لونها الخاص بها والذي يُميّزها عن سائر الثمرات الآخرى, فالاختلاف ليس بين لون التفاح ولون البرتقال ـ مثلاً ـ وإنّما بين كل ثمرة خارجية واُخرى مطلقاً, وإلا فلا فضيلة للقرآن بذكر الاختلاف بين لون التفاح ولون الرمان ـ مثلاً ـ , فذلك أمر معلوم لدى العالم والجاهل معاً. فتكون الإشارة القرآنية ـ بعد ثبوت كون المراد هو الاختلاف اللوني الفعلي لا الجنسي ـ إلى مراتب كل لون حيث يُوجد اختلاف فيما بينها شريطة أن تكون الأجسام ملونة بألوان طبيعية لا صناعية, وإلا فالألوان الصناعية يُمكن أيجاد أفراد كثيرة منها بنفس الدرجة والمرتبة عند ضبط موازين التراكيب الأولية فيها, ومن القرائن المفيدة إلى كون الاختلاف لونياً لا جنسياً هو ما جاء في الآية الأُولى,فالمخاطب فيها هو الإنسان. نعم, ربّما يُقال ان المراد من الاختلاف اللوني هو المشهور منه والمتداول بيننا وهو الأبيض والأسمر ـ الحنطي ـ والأسود, وما هو قريب من ذلك, كاختلاف لون الأفارقة عن لون الآسيويين وهما عن لون الأوربيين, وهذا أمر وجداني يُمكن إدراكه والاستدلال عليه بقوله تعالى:{.. وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ... }(11),الدال على ما هو متعارف من لونية الإنسان وبقوله تعالى:{ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ... } (12), الدال على التبعيض كما هو واضح. ويُمكن الجواب عن ذلك بوجوه, منها: 1 ـ إن قوله تعالى:{.. وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ..}, مطلق فيكون شاملاً لكل فرد فرد من أفراد الإنسان, فكل فرد من منه يمتاز بلونه الخاص به,وإن كان الاختلاف عن الآخرين ضئيلاً نسبياً. وأمّا بخصوص الألسنة فذلك للإشارة إلى الأصوات التي هي الاُخرى تختلف من شخص لآخر. وأمّا احتمال كون المراد من الألسنة هو اللغات ومن الألوان هو خصوص المتعارفة منها فذلك وإن كان مُتبادراً إلى الذهن إلا أنه تبادر ناشئ من الاستعمال, والاستعمال أعمّ من الحقيقة والمجاز, وبقطع النظر عن حجية هذا التبادر الاستعمالي إلا أنّه لا يدل على الحقيقة عيناً لما عرفت من أعمّيته, ثم ما هو الجديد الذي جاء به القرآن الكريم, وهو المحكم والمتقن والموجَز والمُعجز؟, أهو مُجرد تقرير أمر يُدركه الجهلة والصبيان فضلا عن المتعلمين والراشدين ؟!. 2 ـ أمّا القرينة الموجبة للتبعيض في قوله تعالى:{ وَمِنَ النَّاسِ... }, حيث إفادة ( من ) لذلك,كما هو مقرّر في علوم اللغة, فهو غير تام أيضاً, نظراً لأقوائية كون المراد من كلمة (من) هو البيانية لا التبعيضية, بدليل ما جاء في صدر الآية السابقة عليها حيث تقول:{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا ...}(13), حيث لم تقل من الثمرات, فإذا ما أفاد التنكير في كلمة ( ثَمَرَاتٍ) الإطلاق, فإنّ كلمة (من) سوف تُفسّر بالبيانية نظراً لانتفاء احتمال كون المراد من اللون ما هو مشهور ومتعارف عليه. الوجه الثالث :أن يكون المراد هو الاختلاف الجنسي واللوني معا,فكل جبل وثمرة وحيوان يختلف في جنسه ـ النوع المنطقي ـ ولونه عن سائر الموجودات الاخرى,سواء كانت من أبناء جنسها المنطقي أو أنّها متباينة. المصادر: [1] ـ الصافات : 46 . [2] ـ آل عمران : 106 ـ 107 . [3] ـ الزمر : 60 . [4] ـ النحل : 58 . [5] ـ الروم : 22 . [6] ـ فاطر : 27 ـ 28 . [7] ـ النحل : 13 . [8] ـ الزمر : 21 . [9] ـ المراد بالأجناس هو خصوص المعنى اللغوي لا المنطقي,والمعنى اللغوي للجنس هو عين النوع المنطقي,فالتفاح نوع منطقي وجنس لغوي , وأمّا جنس التفاح المنطقي فهو النبات . 2 ـ يُمكن تصوّر الاختلاف الجنسي اللغوي والنوعي المنطقي في الإنسان وذلك من خلال انقسامه إلى ذكر وأُنثى ـ إن صدقت النوعية فيهما ـ أو بمعنى آخر أكثر عمقاً وأدقّ معنى,وهو أنّ الإنسان جنس منطقي حقيقي قريب,وهو أيضاً نوع إضافي متوسط ,وكل فرد خارجي ينطبق عليه عنوان الإنسان هو نوع حقيقي (نوع الأنواع) , قائم بنفسه منطبق على شخصه,ونوعيته في المقام نريد بها الصورة الباطنية التي هو عليها فعلاً والمتغيّرة بحسب الكمالات المكتسبة والمفقودة , والتي تشكّل عنوانً جامعاً صالحاً للانطباق على كثيرين,وهذه الصورة الباطنية التي تمثّل حقيقة الإنسان الفعلية قد تحلّ محلّها صورة باطنية اُخرى يكون الفرد الخارجي مصداقها,وهذا التحوّل متحقّق في العوالم الثلاثة,أعني: الدنيا و البرزخ والآخرة,والله العالم . [11] ـ الروم : 22 . [12] ـ فاطر : 28 . [13] ـ فاطر : 27 .
|