|
العصمة وشبهة الجبر: في مقالنا الأخير ـ القسم الثاني ـ بحثنا عصمة الإمام في آية التطهير، وفسرنا كلمة الإرادة الواردة فيها بالإرادة التكوينية لا التشريعية، وهذا الإرادة يستحيل فيها تخلف التحقق الخارجي
للفعل المراد (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (1) ، وهذا لازمه الجبر في إذهاب الرجس والتطهير، ومع الجبر تنتفي آية ميزة وفضيلة لأهل البيت عليهم السلام وينتفي كل ثواب وعقاب بالنسبة إليهم، لذا فأما ان نلتزم بكون الإرادة في الآية المقصود بها الإرادة التكوينية فعندئذٍ لابد من الاعتراف بالجبر، وأما العدول إلى كون المراد منها هي الإرادة التشريعية. وللجواب عن هذه الشبهة نحتاج إلى ذكر مقدمات: أولاً: ان الله تعالى هو خالق كل شيء ومالكه الحقيقي، ولا يمكن ان يقع أي فعل سواء كان فعلاً إرادياً للإنسان أو سبباً طبيعياً مؤثراً إلا بإذنه تعالى ومشيئته (وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (2)، فالمشيئة والإرادة الإلهية قبل كل فعل ومعه وبدونها لا يمكن التصرف في أي شيء في هذا الكون. ثانياً: إن الإنسان في هذه النشأة أي في الحياة الدنيا التي هي مرحلة التكامل في مسيرته له إرادة واختيار وهو مالك لهما، ومع هذه الإرادة والاختيار أصبح مكلفاً وصح ثوابه وعقابه، وإلا ففاقد الاختيار لا تصح معاقبته وإثابته، وقد أشار تعالى إلى هذا الاختيار في الإنسان في قوله: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) (3). ثالثاً: اقتضت الحكمة الإلهية ان تكون مشيئة الباري تعالى وإرادته تابعة لمشيئة الإنسان وإرادته وإمداد الله تعالى الإنسان بالأدوات اللازمة في تحقيق ما يريد، فلو شاء الإنسان السير في طريق الخير كانت المشيئة الإلهية متفقة مع هذه الإرادة الإنسانية، ولو شاء الإنسان ان يتبع طريق الشر وأتباع الشهوات فإن الإرادة الإلهية لا تخالفه في ذلك، قال تعالى: (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً * كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُوراً) (4). رابعاً: ان الله تعالى عالم بجميع الأشياء كلياتها وجزئياتها وكل تفاصيلها ولا تخفى عليه خافية في السموات ولا في الأرض علماً مطلقاً غير متناه قبل خلقه لها وإيجادها وبعدها، قال تعالى: (عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) (5). من خلال هذه المقدمات نصل إلى نتيجة وهي انه تعالى إذا علم من عبد انه يريد طاعته وعبادته والطهارة من الجنس والدنس فلا محالة انه تعالى سوف يعطيه ذلك، وسوف تتعلق إرادته ومشيئته تعالى بذلك، فيمكن العبد من تحقيق ما يريد، وليس هذا جبراً لأنه العبد يبقى مختاراً غاية الأمر ان المشيئة الإلهية قد تعلقت بما اختاره وأراده ذلك العبد. وكذلك الحال فيما لو علم تعالى من عبد انه يريد الكفر والعصيان، فعندئذٍ سوف لن يمنعه الباري تعالى من ذلك بل يعطيه ما يحقق رغبته، وتكون الإرادة والمشيئة الإلهية متعلقة بتلك الأفعال، وهذا لا يعني الجبر أيضاً بل ان العبد اختار وأراد، والله تعالى شاء تحقيق ما اختاره ذلك العبد. ولو جئنا إلى الآية الكريمة ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (5)، سنجد ان الإرادة التكوينية للباري تعالى هنا منسجمة مع الإختيار، فهي تشير إلى علمه تعالى بأن هؤلاء الصفوة لا يريدون سوى الطهارة من الرجس، فاستجابت إرادته تعالى لإرادتهم في الطهارة وذهاب الرجس (7). ونختم بحثنا في ( وجوب عصمة الإمام في القرآن) بحديث رواه الصدوق في معاني الأخبار بسنده عن محمد بن أبي عمير قال: (ما سمعت ولا استفدت من هشام بن الحكم في طول صحبتي له شيئا أحسن من هذا الكلام في صفة عصمة الإمام فإني سألته يوما عن الإمام أهو معصوم ؟ فقال : نعم . فقلت : فما صفة العصمة فيه ؟ وبأي شيء تعرف ؟ فقال : إن جميع الذنوب لها أربعة أوجه ولا خامس لها : الحرص ، والحسد ، والغضب ، والشهوة فهذه منفية عنه لا يجوز أن يكون حريصا على هذه الدنيا وهي تحت خاتمه لأنه خازن المسلمين ، فعلى ماذا يحرص ؟ ولا يجوز أن يكون حسودا لان الإنسان إنما يحسد من فوقه وليس فوقه أحد ، فكيف يحسد من هو دونه ؟ ولا يجوز أن يغضب لشئ من أمور الدنيا إلا أن يكون غضبه لله عز وجل ، فإن الله عز وجل قد فرض عليه إقامة الحدود وأن لا تأخذه في الله لومة لائم ولا رأفة في دينه حتى يقيم حدود الله عز وجل ، ولا يجوز له أن يتبع الشهوات ويؤثر الدنيا على الآخرة لان الله عز وجل حبب إليه الآخرة كما حبب إلينا الدنيا فهو ينظر إلى الآخرة كما ننظر إلى الدنيا فهل رأيت أحدا ترك وجها حسنا لوجه قبيح وطعاما طيبا لطعام مر وثوبا لينا لثوب خشن ونعمة دائمة باقية لدنيا زائلة فانية) (8). المصادر 1 ـ يس: 32. 2 ـ التكوير: 29. 3 ـ الإنسان: 3. 4 ـ الإسراء: 18 ـ 20. 5 ـ سبأ: 3. 6 ـ الأحزاب: 33. 7 ـ راجع العصمة بحث تحليلي في ضوء المنهج القرآني للسيد كمال الحيدري ص180 ـ 198. 8 ـ معاني الأخبار، الشيخ الصدوق، ص133.
|