spacer
 

 

 

spacer
spacer  
 

نظرية الشورى في واقعها التاريخي طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ الشيخ فلاح العابدي   

تعرضنا في البحث السابق إلى أهم الأقوال ـ عند مدرسة أتباع الصحابة ـ في الصفات المشترط توفرها فيمن تنعقد له الإمامة، ثم الطرق التي تنعقد بها الإمامة عنده، وقبل أن نختم الكلام في هذا الموضوع نرى من المناسب أن نتكلم عن نظرية حاول المجددون من متكلمي هذه المدرسة التمسك بها كطريقة شرعية لاختيار الإمام بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي طريقة الشورى أو ما يعرف بـ (نظرية الشورى), حيث حاول البعض التركيز على نظرية الشورى أصلاً في النظام، مستنداً على أمثلة ووقائع تاريخية معدودة، صاغ منها اُنموذجاً للشورى في الإسلام.

وتناولت ذلك كتب العقائد والأحكام فمثلا يقول الماوردي في الأحكام السلطانية عند ذكر أدلة القائلين بانعقاد الإمامة بخمسة يجتمعون على عقدها.

والثاني: أن عمر جعل الشورى في ستة ليعقد لأحدهم برضا الخمسة)(1), ثم وبمرور الزمن تقدّمت هذه النظرية خطوة أُخرى إلى أمام لانتزاع أدلة شرعية لها من مصادر التشريع الإسلامي؛ القرآن الكريم والسُنّة.. لتكتسب نظرية الشورى بعد ذلك أصالة دينية بعد أن كانت مجرد واقع حال عاشه المسلمون في فترة من الزمن.

كان أول ظهور لنظرية الشورى في الإسلام كما اتفق أصحاب التاريخ و الحديث على يد عمر الحطاب فكان أول من سن الشورى في اختيار الإمام هو عمر بن الخطاب قبل وفاته، وليس له قبل هذا التاريخ أثر..

قال القرطبي، بعد كلام في استحباب الشورى: (وقد جعل عمر بن الخطاب الخلافةَ ـ وهي أعظم النوازل ـ شورى)(2).

وقال ابن كثير:(وأمرهم شورى بينهم) أي لا يبرمون أمراً حتّى يتشاوروا فيه، ليتساعدوا بآرائهم، في مثل الحروب وما جرى مجراها، كما قال تبارك وتعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) (3) ولهذا كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يشاورهم في الحروب ونحوها ليطيّب بذلك قلوبهم. وهكذا لمّا حضرت عمر بن الخطاب الوفاة حين طعن جعل الأمر بعده شورى (4).

ويذكر الطبري في تاريخه قصة الشورى بهذا النص:

((عن عمرو بن ميمون الاودي أن عمر بن الخطاب لما طعن قيل له يا أمير المؤمنين لو استخلفت قال من أستخلف؟ لو كان أبو عبيدة ابن الجراح حيا استخلفته فإن سألني ربي قلت سمعت نبيك يقول إنه أمين هذه الأمة، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا استخلفته فإن سألني ربي قلت سمعت نبيك يقول إن سالما شديد الحب لله فقال له رجل أدلك عليه عبد الله بن عمر, فقال: قاتلك الله والله ما أردت الله بهذا ويحك كيف أستخلف رجلا عجز عن طلاق امرأته... أنظر فإن استخلفت فقد استخلف من هو خير مني وإن أترك فقد ترك من هو خير مني ولن يضيع الله دينه فخرجوا ثم راحوا, فقالوا: يا أمير المؤمنين لو عهدت عهدا, فقال: قد كنت أجمعت بعد مقالتي لكم أن أنظر فأولي رجلا أمركم هو أحراكم أن يحملكم على الحق وأشار إلى علي ورهقتني غشية فرأيت رجلا دخل جنة قد غرسها فجعل يقطف كل غضة ويانعة فيضمه إليه ويصيره تحته فعلمت أن الله غالب أمره ومتوف عمر فما أريد أتحملها حياً وميتاً عليكم هؤلاء الرهط الذين قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إنهم من أهل الجنة سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل منهم ولست مدخله ولكن الستة علي وعثمان ابنا عبد مناف وعبد الرحمن وسعد خالا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والزبير بن العوام حواري رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وابن عمته وطلحة الخير ابن عبيد الله فليختاروا منهم رجلا فإذا ولوا واليا فأحسنوا مؤازرته وأعينوه إن ائتمن أحدا منكم فليؤد إليه أمانته وخرجوا فقال العباس لعلي: لا تدخل معهم، قال: أكره الخلاف قال إذا ترى ما تكره فلما أصبح عمر دعا عليا وعثمان وسعدا وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام. فقال: إني نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم ولا يكون هذا الأمر إلا فيكم وقد قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو عنكم راض إني لا أخاف الناس عليكم إن استقمتم ولكني أخاف عليكم اختلافكم فيما بينكم فيختلف الناس فانهضوا إلى حجرة عائشة بإذن منها فتشاوروا واختاروا رجلا منكم... وقال لأبي طلحة الأنصاري يا أبا طلحة إن الله عز وجل طالما أعز الإسلام بكم فاختر خمسين رجلا من الأنصار فاستحث هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا منهم وقال: للمقداد بن الأسود إذا وضعتموني في حفرتي فاجمع هؤلاء الرهط في بيت حتى يختاروا رجلا منهم وقال: لصهيب صل بالناس ثلاثة أيام وأدخل عليا وعثمان والزبير وسعدا وعبد الرحمن بن عوف وطلحة إن قدم وأحضر عبد الله بن عمر ولا شيء له من الأمر وقم على رؤوسهم فان اجتمع خمسة ورضوا رجلا وأبى واحد فاشدخ رأسه أو اضرب رأسه بالسيف وان اتفق أربعة فرضوا رجلا منهم وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما فان رضي ثلاثة رجلا منهم وثلاثة رجلا منهم فحكموا عبد الله بن عمر فأي الفريقين حكم له فليختاروا رجلا منهم فان لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبدا لرحمن بن عوف واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس...الخ (5).

السؤال الملح هنا هو: كيف حدث هذا التحوّل الكبير بعد أن انعقدت خلافة أبي بكر ببيعة أهل السقيفة وانعقاد خلافة عمر باستخلاف أبي بكر له؟ وتحت أيّ دافع؟

هذا السؤال أجاب عنه عمر بن الخطاب بنفسه في ذات الوقت الذي جعل فيه الخلافة شورى، ذلك في خطبته التي ذكر فيها السقيفة وأخبارها، ثم قال: (... ثم انه بلغني أن قائلاً منكم يقول والله لو مات عمر بايعت فلانا فلا يغترن امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت ألا وإنها قد كانت كذلك ولكن الله وقى شرها وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر من بايع رجلا عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا وانه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه (صلى الله عليه وسلم) إن الأنصار خالفونا واجتمعوا......الخ)(6).

ولكن يبقى السبب فيه بعض الغموض فلماذا تثور ثورة عمر عندما بلغه أن شخصا يقول: (والله لو مات عمر بايعت فلانا) مع أن البيعة ليست بجديدة فهو في خطبته يعترف أن خلافة أبي بكر انعقدت بالبيعة (7).

لعل القسطلاني قام بحل رموز سبب هذه الثورة ليجعل مبدأ الشورى هو المعتمد لاختيار الإمام.

فبعد أن يأتي بإسنادها الذي أورده البخاري عن ابن عباس، وفيه أنّ عبد الرحمن بن عوف جاء إلى ابن عباس في موسم الحجّ وكان يتعلّم عنده القرآن، فقال له: لو سمعت ما قاله أمير المؤمنين ـ يعني عمر بن الخطاب ـ إذ بلغه أنّ (فلاناً) قال: (لو قد مات عمر لبايعت (فلاناً) فما كانت بيعة أبي بكر إلاّ فلتة، فهمّ عمر أن يخطب الناس ردّاً على هذا القول، فنهيته لاجتماع الناس كلّهم في الحج وقلت له إذا عدت المدينة فقل هناك ما تريد، فإنّه أبعد عن إثارة الشغب.. فلمّا رجعوا من الحجّ إلى المدينة قام عمر في خطبته المذكورة..

فمن هو "فلان" القائل؟ ومن هو "فلان" الآخر؟

حين تردّد بعض الشارحين في الكشف عن هذين الاسمين، استطاع ابن حجر العسقلاني أن يتوصل إلى ذلك بالإسناد الصحيح المعتمد عنده، والذي ألغى به كل ما قيل من أقوال أثبت ضعفها ووهنها، فقال: وجدته في الأنساب للبلاذري بإسناد قويّ، من رواية هشام بن يوسف، عن معمر، عن الزهري، بالإسناد المذكور في الأصل، ولفظه: (قال عمر: بلغني أنّ الزبير قال: لو قد مات عمر لبايعنا عليّاً..) الحديث (8).

هذا هو الأصل التاريخي لظهور هذه النظرية ثم بعد ذلك أصبحت موضوع بحث من قبل المهتمين من أعلام مدرسة أتباع الصحابة وحاولوا جاهدين أن يوجدوا لها صبغة شرعية بالتماس بعض الأدلة من القران والسنة والتي ورد فيها لفظة (شورى)، ومحاولة سوقها لتدل على هذه النظرية عندهم.

وسنتعرض إن شاء الله إلى أهم الأدلة التي تمسكوا بها لذلك وبيان ما فيها في البحث القادم إن شاء الله تعالى.

والحمد لله رب العالمين

ـــــــــــــــــــــــ

1 ـ الأحكام السلطانية: ص 6.

2 ـ تفسير القرطبي: 161 ـ 162.

3 ـ آل عمران:159.

4 ـ تفسير ابن كثير 4: 119.

5 ـ تاريخ الطبري: ج 3 ص 292ـ293.

6 ـ صحيح البخاري: ج 8 ص 26 / كتاب الحدود ـ باب رجم الحبلى من الزنا 6442، مسند أحمد: 1: 56، سيرة ابن هشام: 4: 308، تاريخ الطبري: 3: 200.

7 ـ طبعا هذه البيعة لم تكن من قبل جميع المسلمين بل كانت من عدد قليل منهم كما اعترف به علماء مدرسة أتباع الصحابة كالماوردي حيث يقول: (أن بيعة أبي بكر انعقدت بخمسة اجتمعوا عليها ثم تابعهم الناس فيها وهم عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح, واسيد بن الحضير، وبشر بن سعد, وسالم مولى أبي حذيفة) الأحكام السلطانية: ص6ـ7.

8 ـ مقدمة فتح الباري بشرح صحيح البخاري: 337. وتبعه القسطلاني في ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري: 10: 19.

 
< السابق   التالي >

spacer

spacer