|
هناك شواهد أخرى على ارتباط القرآن بالله تعالى، نذكر منها..
أ : يجد الباحث العديد من آيات العتاب للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)ـ وبعضها شديد ـ كان ص في غنى عنها ـ لو كانت من إنشائه ـ نخص بالذكر الآيات المدنية المذكورة التي نزلت في أوج قوة النبي(صلى الله عليه وآله) حيث لم يكن في حاجة لمثل هذه الأساليب لتدعيم سلطته.
ب : اختلاف مضمون القرآن وطبيعة سلوك النبي(صلى الله عليه وآله)المختلفين تماماً عن مضمون كلام أصحاب العلوم الغريبة وسلوكهم. ج : لم يتغير منهج النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) قبل دعوته وبعدها ذلك، رغم تصيد الأعداء لكل ما يمكن ان ينفعهم في هذا الصدد، هذا الصدق حدا في النهاية أنصاره في الاستماتة عن الدين الحنيف تحمّلهم الشدائد في سبيل ذلك. د : بعض المواقف الحازمة التي تكشف عن الارتباط بالله تعالى مثل موضوع قبلة المسلمين وتبدلها من بيت المقدس إلى الكعبة، ففي مكة وبداية الدعوة حيث كان يفترض ـ من منظور مصلحي ـ جذب القرشيين إلى الإسلام جُعلت القبلة إلى بيت المقدس مما أثار غيظ المكيين حيث طعنهم في أقدس رمز عندهم، والذي كان أهم مصدر لوضعهم المعنوي والمادي المتميّز، بالإضافة إلى أنّه كان خلاف رغبته(صلى الله عليه وآله) ـ كما دلّت عليه الآية الكريمة فيما بعد ـ . وفي المدينة حيث كان يفترض ـ كذلك ـ جذب أهل الكتاب وضرب مصالح أهل مكة أُرجعت القبلة إلى الكعبة ممّا يكشف عن أنّ أمر التشريع المذكور لا يخضع للرغبة البشرية، وإنما هو تابع للإرادة الإلهية رعايةً لمصالح لا يعرفها غيره تعالى. هـ ـ موقف الرسول(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته(عليهم السلام) الصلب وتفانيهم في سبيل هذا الدين العظيم مع علمه(صلى الله عليه وآله)بمصير أهل بيته المفجع ـ كما دلّت عليه نصوص كثيرة ذكرها أيضاً من لم يكن من أتباع أهل البيت(عليهم السلام)(1) ـ فلو لم يكن محمد(صلى الله عليه وآله)مرسلاً ومرتبطاً بالله لم يكن إقدامه على ما سيؤول إلى مقتل أسرته وذرّيته معقولاً. ولا يحتمل في حقّه(صلى الله عليه وآله) أن يكون على وهم وقناعة خاطئة، لأنّه(صلى الله عليه وآله)لم يكن يعتمد على النظريات المجرّدة القابلة للخطأ، بل يعتمد على مشاهدة الواقع العيني. ونظير موقفه(صلى الله عليه وآله) موقف أهل بيته(عليهم السلام) ـ خاصةً الإمام علي(عليه السلام) ـ في استقامتهم ومعاناتهم في سبيل الرسالة الإسلامية حيث بذلوا كل غال ونفيس. (2) الشبهة حول إعجاز القرآن لقد أثيرت حول إعجاز القرآن الكريم - من قبل المستشرقين والمبشرين - شبهات كثيرة. (3) فبعض هذه الشبهات تحاول ان تبرز الإشكال على الأسلوب والمحتوي القرآني. وبعض الشبهات تحاول ان إثارة ان القرآن الكريم ليس بمعجزة بل يمكن للبشر الإتيان بمثله. الشبهة الأولى : وجود بعض الآيات التي لا تنسجم مع قواعد الفصاحة والبلاغة بل تخالفها الأمر الذي يدعو إلى القول بعدم إعجاز القرآن الكريم. وتذكر أمثلة على ذلك. وقد ناقش العلماء الشبهة بمستويين : الأول : الرد عن كل شبهة وبيان انطباقها مع القواعد العربية المختلفة وملاحظة مختلف القراءات القرآنية التي يتفق الكثير منها مع هذه القواعد، بالشكل الذي لا يبقي مجالاً لورود الشبهة عليها. (4) الثاني : مناقشة أساس الفكرة التي تقوم عليها الشبهة ومدى إمكان الاعتماد عليها في الطعن باعجاز القرآن وذلك بملاحظة مايلي : أ - ان تأسيس قواعد اللغة العربية كان في وقت متأخر على نزول القرآن الكريم وفي العصور الأولى للدول الإسلامية للحاجة إليها بعد اختلاط العرب بغيرهم. وقد كان الهدف الرئيس لوضع هذه القواعد هو الحفاظ على النص القرآني ولغته. وقد اتبعت في استكشاف هذه القواعد طريقة ملاحظة النصوص العربية الواردة قبل هذا الاختلاط أو التي لم تتأثر به. فلم تكن عملية وضع القواعد عملية تأسيس واختراع من قبل واضعي اللغة العربية وإنما هي عملية استكشاف لما كان العرب يتبعه من أساليب في البيان والنطق خلال كلامهم ولذا كان الكلام العربي الأصيل هو الذي يتحكم في صياغة القاعدة وتفصيلاتها. ولا شك ان القرآن الكريم كان أهم تلك المصادر التي اعتمد عليها واضعو هذه القواعد في صياغتها وتأسيسها لأنه أوثق المصادر العربية والكلام البليغ الذي بلغ القمة. وعلى هذا الأساس التاريخي لوجود قواعد اللغة العربية يجب ان يكون الموقف تجاهها ان نجعل القرآن هو القياس الذي يتحكم في صحتها وخطئها لا ان نجعل القواعد مقياساً نحكم به على القرآن. ب - ان موقف المعاصرين للقرآن الكريم - وهم ذوو الخبرة والمعرفة الفائقة باللغة العربية – الإذعان والاستسلام للبلاغة القرآنية لأن القرآن الكريم سار على أدق القواعد والأساليب العربية في البيان والتعبير، وإلا لكان من الجدير بهؤلاء الأعداء ان يتخذوا ذلك وسيلة لنقد القرآن ومنفذاً للطعن به بدلا من الدخول في صراع مرير انتهى بهم إلى خسائر كبيرة . الشبهة الثانية : استخدم القرآن أسلوبا لا ينسجم مع أساليب البلاغة العربية فهو يجعل المواضيع المتعددة متشابكة بعضها مع بعض فبينما يتحدث القرآن في التاريخ ينتقل إلى موضوع آخر من الوعد والوعيد والحكم والأمثال والأحكام وغير ذلك من الجهات فلا يجعل القارئ قادراً على الإلمام بالأفكار القرآنية. ويمكن الجواب: أولا : ان القرآن الكريم كتاب هداية وتربية وهدفه الأساس هو إحداث التغيير الاجتماعي وأسلوبه خضع لهذا الهدف في طريقة العرض وفي التدرج في النزول وفي غير ذلك من الظواهر القرآنية. و أفضل شاهد على انسجام هذا الأسلوب مع هدفه النتائج العظيمة التي حققها القرآن الكريم في المجتمع الجاهلي. الثانية : هذه الطريقة يمكن اعتبارها إحدى الميزات التي يتجلى فيها الإعجاز القرآني بصورة أوضح فانه بالرغم من هذا التشابك في الموضوعات تمكن القرآن الكريم من الاحتفاظ بجمال الأسلوب وقوة التأثير وحسن الوقع على الأسماع والنفوس. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الأمالي للشيخ الطوسي: 315، مناقب آل أبي طالب 3:213، بحار الأنوار 45:227 و231. (2) راجع: دروس منهجية في علوم القران، رياض الحكيم، الدرس الخامس. (3) راجع: علوم القرآن، السيد محمد باقر الحكيم ، ص249. (4) راجع: الهدى الى دين المصطفى، العلامة البلاغي، ج 1ص330،. شبهات ورود حول القرآن، الشيخ محمد هادي معرفة، مراجعات قرآنية، السيد رياض الحكيم.
|