|
بسم الله الرحمن الرحيم  قال تعالى: { وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ } الصافات : 24 . وهنا نود أن نتعرض إلى مطالب أجملتها الآية الكريمة بعنوان المسؤولية , والتي قد يُعبّر عن متعلقها بالأمانة في وجهٍ من الوجوه التفسيرية , وذلك في قوله تعالى:{ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ... } الأحزاب : 72 .
وهذا الأمر يدعونا للوقوف عند هذا العنوان القرآني بوجهه الأول , وهو المسؤولية , لنقف عند معانيها وشروطها ومعطياتها , ثم نطلّ من خلال ذلك كلِّه على الدور الفاعل للمسؤولية في حفظ ممتلكات الدولة والمواطنين . معنى المسؤولية : المسؤولية هي شعور بالواجب يُوجِّه تفكير الشخص كما يُوجِّه سلوكه وأقواله ومواقفه ، وبذلك يصبح كل ما يصدر عنه ذا معنى ومقصد . فالمسؤولية قوة حقيقية تجعل الإنسان قادراً على بلوغ مقاصده وتحقيق مطالبه , وبهذا يكون جميع ما يتحمله الإنسان ( فرداً وجماعة ) من وظائف حياتية ( دينية ودنيوية ) مرهوناً بمقدار ما تسلَّح به من الشعور بالمسؤولية تجاه ذلك , وهي ـ أي المسؤولية ـ على اختلاف مجالاتها , التبليغية الدينية و الأسرية والسياسية والأمنية والقانونية , تعبير آخر عن جدوائية الحياة , فبدونها لا معنى للحياة . ومن هنا يُمكن القول بأنّ الوجود كلَّه هو مسؤولية , فالحياة فيها راعٍ ورعية , والحاصل من كل ذلك هو المسؤولية . كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته : هنالك روايات كثيرة تصبُّ بهذا الاتجاه , منها ما روي عن رسول الله (صلى الله وعليه وآله) من أنه قال:( كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته ؛ الإمام راعٍ ومسؤولٌ عن رعيته ، و الرجل راعٍ في أهله وهو مسؤولٌ عن رعيته ، و المرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها ، و الخادم راعٍ في مال سيده وهو مسؤولٌ عن رعيته ، وكلكم راعٍ ومسؤولٌ عن رعيته )(1) . وعنه (صلى الله وعليه وآله) أيضاً:( إن الله تعالى سائل كل راع عما استرعاه أحفظ ذلك أم ضيعه حتى يسأل الرجل عن أهل بيته )(2) , وعن الإمام علي (عليه السلام) : كل امرئ مسؤول عما ملكت يمينه وعياله )(3) . شروط المسؤولية : المسؤولية سواء كانت فردية أم جماعية ، وسواء تعلَّقت بالإنسان أم بالأشياء المحيطة به , لها شروط ومواصفات , وهذه الشروط والمواصفات تتحدد في ضوء الوظيفة الملقاة على عاتق المسؤول والقابليات التي يتمتع بها , فليس من الصحيح تحميل الراعي ما يفوق طاقته ثم يُوجَّه له اللوم لعدم نهوضه بذلك , فمثلاً كون الإنسان صالحاً لا يعني صلاحيته للقيادة والرئاسة , كما أن الأمانة وحدها لا تجعل من الشخص خازناً لمال المسلمين , فلا بد من الكفاءة , وهذا المعنى يُمكن استفادته من قوله تعالى:{ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ ... }(4), ومن قول الرسول الأكرم (صلى الله وعليه وآله) :(كلٌّ مُيَسَّرٌّ لما خُلِق له)(5). إذن فالمسؤولية ليست مجرد تحمُّل الواجبات وإنما هي أيضاً مُراعاة الاستعدادات والقدرات والمقومات الموضوعية التي تكفل للمسؤول تحمُّل مسؤوليته . ولعل من أهم الشروط المطلوبة في تحقيق مصداقية المسؤولية هي : أولاً: توفر الفهم في النظر والإخلاص في العمل . الوقوف على طبيعة الوسائل والهدف والفهم العميق لهما سوف يُوفِّران الوقت والجهد على المتصدي لذلك , كما أن الإخلاص في انتخاب الأفضل في الشكل والمضمون في تفاصيل العمل سوف يجعل العمل متكاملاً , وكلما عظمت المسؤولية عظمت الحاجة لهذين العنصرين , لاسيما في المسؤوليات الخطيرة التي تتعلق في نظم وإدارة الدولة . ثانياً: الدقة في التخطيط والتنظيم . إن التخطيط المسبق والتنظيم الدقيق في خطوات العمل هو الآلية الأكثر فاعلية في تحقيق الأهداف المتوخاة من أصل تحمل المسؤولية والنهوض بها . ولعل من أهم فقرات هذا التخطيط والتنظيم هو ترتيب الأولويات وتوزيع المهام بشكل يتوافق مع حجم القابليات المتوفرة ف{ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ... }(6), كماً ينبغي مراعاة الوضوح في أداء فقرات العمل . عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) :( أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ونظم أمركم )(7) , فلا شيء يُرجى من العشوائية والفوضوية و الارتجال والاتكال على الإتفاقيات . ثالثاً: السعي إلى تحصيل الخبرات الميدانية . إن النظر والإخلاص والتخطيط ونظم أُمور العمل رهن بحجم الخبرات الميدانية التي يتحرك في ضوئها الناهض بالمسؤولية , بمعنى أن كل ما تقدَّم لايُوفِّر الضمانة في تحقق الهدف فإن التخطيط وحده مهما بلغت دقته فإنه سوف يكون مُفتقراً للخبرات الميدانية . رابعاً: مواصلة متابعة الجديد في العمل والقبول بتقويمه . إنما نسعى لتحقيق الأفضل والأنسب , وهذا إنما ينسجم تماماً مع سياسة التغيير وليس مع سياسة التبرير ، ينسجم مع الرؤية المستقبلية وليس مع الرؤية الماضوية ، وكل ذلك بضميمة قبول توجيهات ونقودات الآخر الذي يُطمأن لرصده ونقده , فالقبول بالنقد سوف يُعمِّق الفكرة ويُنضِّج التجربة . خامساً: مواجهة الأخطاء وتباعتها والسعي للتصحيحها . لابدّ من مواجهة الأخطاء بشجاعة والعمل على تصحيحها , وهذا لا يعني القبول ببقائها وإيجاء البدائل في عرضها فذلك مُجرد ترقيع لا يصمد كثيراً , وإنما لابدّ من السعي للتغيير الجذري , فإن الأمراض المستعصية لا تُعالج بالمهدئات أبداً . نعم , إن أصل المواجهة وعدم الهروب من المشكلة يعكس بقوة عظمة المسؤولية التي يتحرَّك في ضوئها الناهض بها , ولكن هذا غير كافٍ فإن مُقتضى الحكمة هو السعي للتصحيح على نحو العلاج الجذري لا على نحو إعطاء المهدئات والمسكنات التي سرعان ما يزول أثرها . ولاينبغي إغفال كون أصل تحمل المسؤولية وتبعاتها والسعي للتصحيح من الأُمور التي قد تكون مُوجبةً للإنزعاج والتذمر وبعض الضغوطات النفسية, كما أن المتابعة قد تُورث نوعاً من التقاعس والتمرد أحياناً , ولكن علاج ذلك يكمن في استحضار الهدف السامي الذي يسعى لتحقيقه . سادساً: النزعة الإيمانية في القول والعمل . للإيمان صلة وثيقة في تحديد هوية العمل كمَّاً وكيفاً , فهو كفيل بتحديد الملامح الأساسية له وإعطاء زخماً كبيراً من الجدوائية والتحرّك باتجاه الآخر , بل إن الإيمان يخلق في نفس المسؤول وعياً خاصاً يُمكنه من تجاوز العقبات واختصار المسافات , لأن الدوافع العَقَدية والشرعية تقف أمام المسؤول دائماً كمرآة تُسجِّل له محاسنه وأخطاءه , فيصبح الشعور بالمسؤولية ذاتياً لا يخبو ضوءه حتى مع العواصف العاتية , فتجد همته عالية وحيويته حاضرة , فالصحة في التوجّه والفاعلية في العمل تُقاس عنده بمقاسات الهداية والضلال , فالحضور الصحيح والفاعل هو الهداية , والغياب والانطفاء ضلالة , وهذه هي المسؤولية بأرفع مراتبها. إنه لا يسمح لنفسه بالانهيار لأن ذلك وجه من وجوه الضلال , ولا ينفكّ عن إيجاد الأفضل لأن ذلك وجه من وجوه الهداية , إنها المسؤولية الموضوعية المبررة التي فيها نكون ودونها لا نكون . ولكن ينبغي التنبيه إلى مسألةٍ في غاية الخطورة والأهمية , وهي أن النزعة الإيمانية إنما نُريد منها الوجه الإيجابي , وهو المزج بين التوجّه لله تعالى والجدّ في العمل , فلا ينبغي إيكال الأُمور إلى خصوص التوكّل والدعاء , فذلك هو البعد السلبي للنزعة الإيمانية . عن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) أنه قال:( من سأل الله التوفيق .. ولم يجتهد فقد استهزأ بنفسه )(8). وللبحث تتمة تأتي ... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] ـ ميزان الحكمة - محمدي الريشهري: ج 2 ص 1212 , وأيضاً رواه البخاري: ج 3 ص 88 . [2] ـ كنز العمال: 14636 . [3] ـ غرر الحكم : 7254 . [4] ـ البقرة : 184 . [5] ـ بحار الأنوار : ج 2 ص 282 . [6] ـ البقرة : 286 . [7] ـ نهج البلاغة ـ خطب الإمام علي (عليه السلام) : ج 3 ص 76 , تحقيق محمد عبده . [8] ـ بحار الأنوار : ج 75 ص 356 .
|