spacer
 

 

 

spacer
spacer  
 

اخبار مجلة الفرات
 
 

المسؤولية ودورها في حفظ ممتلكات الدولة والمجتمع ـ ( القسم الأول ) طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ الشيخ طلال الحسن ـ العدد (95)   

بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى: { وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ } الصافات : 24 . وهنا نود أن نتعرض إلى مطالب أجملتها الآية الكريمة بعنوان المسؤولية , والتي قد يُعبّر عن متعلقها بالأمانة في وجهٍ من الوجوه التفسيرية , وذلك في قوله تعالى:{ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ... } الأحزاب : 72 .

وهذا الأمر يدعونا للوقوف عند هذا العنوان القرآني بوجهه الأول , وهو المسؤولية , لنقف عند معانيها وشروطها ومعطياتها , ثم نطلّ من خلال ذلك كلِّه على الدور الفاعل للمسؤولية في حفظ ممتلكات الدولة والمواطنين .

معنى المسؤولية :

المسؤولية هي شعور بالواجب يُوجِّه تفكير الشخص كما يُوجِّه سلوكه وأقواله ومواقفه ، وبذلك يصبح كل ما يصدر عنه ذا معنى ومقصد .

فالمسؤولية قوة حقيقية تجعل الإنسان قادراً على بلوغ مقاصده وتحقيق مطالبه , وبهذا يكون جميع ما يتحمله الإنسان ( فرداً وجماعة ) من وظائف حياتية ( دينية ودنيوية ) مرهوناً بمقدار ما تسلَّح به من الشعور بالمسؤولية تجاه ذلك , وهي ـ أي المسؤولية ـ على اختلاف مجالاتها , التبليغية الدينية و الأسرية والسياسية والأمنية والقانونية , تعبير آخر عن جدوائية الحياة , فبدونها لا معنى للحياة .

ومن هنا يُمكن القول بأنّ الوجود كلَّه هو مسؤولية , فالحياة فيها راعٍ ورعية , والحاصل من كل ذلك هو المسؤولية .

 كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته :

هنالك روايات كثيرة تصبُّ بهذا الاتجاه , منها ما روي عن رسول الله (صلى الله وعليه وآله)  من أنه قال:( كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته ؛ الإمام راعٍ ومسؤولٌ عن رعيته ، و الرجل راعٍ في أهله وهو مسؤولٌ عن رعيته ، و المرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها ، و الخادم راعٍ في مال سيده وهو مسؤولٌ عن رعيته ، وكلكم راعٍ ومسؤولٌ عن رعيته )(1) .

وعنه (صلى الله وعليه وآله)  أيضاً:( إن الله تعالى سائل كل راع عما استرعاه أحفظ ذلك أم ضيعه حتى يسأل الرجل عن

أهل بيته )(2) , وعن الإمام علي (عليه السلام)  : كل امرئ مسؤول عما ملكت يمينه وعياله )(3) .

 شروط المسؤولية :

المسؤولية سواء كانت فردية أم جماعية ، وسواء تعلَّقت بالإنسان أم بالأشياء المحيطة به , لها شروط ومواصفات , وهذه الشروط والمواصفات تتحدد في ضوء الوظيفة الملقاة على عاتق المسؤول والقابليات التي يتمتع بها , فليس من الصحيح تحميل الراعي ما يفوق طاقته ثم يُوجَّه له اللوم لعدم نهوضه بذلك , فمثلاً كون الإنسان صالحاً لا يعني صلاحيته للقيادة والرئاسة , كما أن الأمانة وحدها لا تجعل من الشخص خازناً لمال المسلمين , فلا بد من الكفاءة , وهذا المعنى يُمكن استفادته من قوله تعالى:{ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ ... }(4), ومن قول الرسول الأكرم (صلى الله وعليه وآله) :(كلٌّ مُيَسَّرٌّ لما خُلِق له)(5).

إذن فالمسؤولية ليست مجرد تحمُّل الواجبات وإنما هي أيضاً مُراعاة الاستعدادات والقدرات والمقومات الموضوعية التي تكفل للمسؤول تحمُّل مسؤوليته .

ولعل من أهم الشروط المطلوبة في تحقيق مصداقية المسؤولية هي : 

أولاً: توفر الفهم في النظر والإخلاص في العمل .

الوقوف على طبيعة الوسائل والهدف والفهم العميق لهما سوف يُوفِّران الوقت والجهد على المتصدي لذلك , كما أن الإخلاص في انتخاب الأفضل في الشكل والمضمون في تفاصيل العمل سوف يجعل العمل

متكاملاً , وكلما عظمت المسؤولية عظمت الحاجة لهذين العنصرين , لاسيما في المسؤوليات الخطيرة التي

تتعلق في نظم وإدارة الدولة . 

ثانياً: الدقة في التخطيط والتنظيم .

إن التخطيط  المسبق والتنظيم الدقيق في خطوات العمل هو الآلية الأكثر فاعلية في تحقيق الأهداف المتوخاة من أصل تحمل المسؤولية والنهوض بها .

ولعل من أهم فقرات هذا التخطيط والتنظيم هو ترتيب الأولويات وتوزيع المهام بشكل يتوافق مع حجم القابليات المتوفرة ف{ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ... }(6), كماً ينبغي مراعاة الوضوح في أداء فقرات العمل .

عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) :( أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ونظم أمركم )(7) , فلا شيء يُرجى من العشوائية والفوضوية و الارتجال والاتكال على الإتفاقيات . 

ثالثاً: السعي إلى تحصيل الخبرات الميدانية .

إن النظر والإخلاص والتخطيط ونظم أُمور العمل رهن بحجم الخبرات الميدانية التي يتحرك في ضوئها الناهض بالمسؤولية , بمعنى أن كل ما تقدَّم لايُوفِّر الضمانة في تحقق الهدف فإن التخطيط وحده مهما بلغت دقته فإنه سوف يكون مُفتقراً للخبرات الميدانية . 

رابعاً: مواصلة متابعة الجديد في العمل والقبول بتقويمه .

إنما نسعى لتحقيق الأفضل والأنسب , وهذا إنما ينسجم تماماً مع سياسة التغيير وليس مع سياسة التبرير ، ينسجم مع الرؤية المستقبلية وليس مع الرؤية الماضوية ، وكل ذلك بضميمة قبول توجيهات ونقودات الآخر الذي يُطمأن لرصده ونقده , فالقبول بالنقد سوف يُعمِّق الفكرة ويُنضِّج التجربة .

 خامساً: مواجهة الأخطاء وتباعتها والسعي للتصحيحها .

لابدّ من مواجهة الأخطاء بشجاعة والعمل على تصحيحها , وهذا لا يعني القبول ببقائها وإيجاء البدائل في عرضها فذلك مُجرد ترقيع لا يصمد كثيراً , وإنما لابدّ من السعي للتغيير الجذري , فإن الأمراض المستعصية لا تُعالج بالمهدئات أبداً .

نعم , إن أصل المواجهة وعدم الهروب من المشكلة يعكس بقوة عظمة المسؤولية التي يتحرَّك في ضوئها الناهض بها , ولكن هذا غير كافٍ فإن مُقتضى الحكمة هو السعي للتصحيح على نحو العلاج الجذري لا على نحو إعطاء المهدئات والمسكنات التي سرعان ما يزول أثرها .

ولاينبغي إغفال كون أصل تحمل المسؤولية وتبعاتها والسعي للتصحيح من الأُمور التي قد تكون مُوجبةً للإنزعاج والتذمر وبعض الضغوطات النفسية, كما أن المتابعة قد تُورث نوعاً من التقاعس والتمرد أحياناً , ولكن علاج ذلك يكمن في استحضار الهدف السامي الذي يسعى لتحقيقه .

سادساً: النزعة الإيمانية في القول والعمل .

للإيمان صلة وثيقة في تحديد هوية العمل كمَّاً وكيفاً , فهو كفيل بتحديد الملامح الأساسية له وإعطاء زخماً كبيراً من الجدوائية والتحرّك باتجاه الآخر , بل إن الإيمان يخلق في نفس المسؤول وعياً خاصاً يُمكنه من تجاوز العقبات واختصار المسافات , لأن الدوافع العَقَدية والشرعية تقف أمام المسؤول دائماً كمرآة تُسجِّل له محاسنه وأخطاءه , فيصبح الشعور بالمسؤولية ذاتياً لا يخبو ضوءه حتى مع العواصف العاتية , فتجد همته عالية وحيويته حاضرة , فالصحة في التوجّه والفاعلية في العمل تُقاس عنده بمقاسات الهداية والضلال , فالحضور الصحيح والفاعل هو الهداية , والغياب والانطفاء ضلالة , وهذه هي المسؤولية بأرفع مراتبها.

إنه لا يسمح لنفسه بالانهيار لأن ذلك وجه من وجوه الضلال , ولا ينفكّ عن إيجاد الأفضل لأن ذلك وجه من وجوه الهداية , إنها المسؤولية الموضوعية المبررة التي فيها نكون ودونها لا نكون .

ولكن ينبغي التنبيه إلى مسألةٍ في غاية الخطورة والأهمية , وهي أن النزعة الإيمانية إنما نُريد منها الوجه الإيجابي , وهو المزج بين التوجّه لله تعالى والجدّ في العمل , فلا ينبغي إيكال الأُمور إلى خصوص التوكّل والدعاء , فذلك هو البعد السلبي للنزعة الإيمانية .

عن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)  أنه قال:( من سأل الله التوفيق .. ولم يجتهد فقد استهزأ بنفسه )(8).

وللبحث تتمة تأتي ...

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ـ ميزان الحكمة - محمدي الريشهري: ج 2  ص 1212 , وأيضاً رواه البخاري: ج 3  ص  88 .

[2]  ـ كنز العمال: 14636 . 

[3]  ـ غرر الحكم : 7254 .

[4]  ـ البقرة : 184 .

[5]  ـ بحار الأنوار : ج 2  ص 282  .

[6]  ـ البقرة : 286 .

[7]  ـ  نهج البلاغة ـ خطب الإمام علي (عليه السلام)  : ج 3 ص 76 , تحقيق محمد عبده .

 [8]  ـ  بحار الأنوار : ج 75  ص 356 .

 
< السابق   التالي >

 

البحث في الموقع

دخول الأعضاء






هل فقدت كلمة المرور؟
ليس لديك حساب سجل الآن

التصويت

ما رأيكم بالموقع الجديد؟
 

المتواجدون الان

يوجد الآن 15 ضيوف يتصفحون الموقع

إحصائيات الموقع

الأعضاء: 190
المقالات: 847
المواقع الصديقة: 0
الزوار: 769928

الأعضاء


188 أعضاء مسجلين
0 هذا اليوم
0 هذا الأسبوع
0 هذا الشهر
آخر عضو: سيد حارث
spacer

spacer