|
ذكرنا سابقاً أن لتزكية النفس عدة وسائل، وتحدثنا عن النية ودورها في هذه التزكية، وسنحاول في هذا العدد أن نسلط الضوء على وسيلة أخرى مهمة جدا، بل هي الأهم، وإذا تجاوزها الإنسان بنجاح تحققت التزكية التي هي طموح الأنبياء والأوصياء والأولياء، وهي التقوى.
ومعلوم لدى القارئ العزيز تشعب هذا الموضوع الناتج عن أهميته، بحيث ألفت كتب ودارت ندوات خاصة حول هذا المحور، لذا لا يمكن احتواؤه بصورة كاملة في هذه السطور، وإلا خرج المقام عن غاية المرام. لذلك سوف نحاول اختصار الموضوع مع تقديم صورة واضحة مبسطة عن الموضوع بلا تفصيل وتعقيد، كي يتضح موقف المؤمن تجاه هذا المفهوم المقدس. وسنبدأ في هذه الحلقة بتعريف التقوى لغةً ومواردها في القرآن ثم اصطلاحا، وبعدها نوضح أهمية التقوى، ومراتبها، ونحيل الحديث في جزاء المتقين إلى حلقة ثانية. التقوى لغة: قال الراغب الأصفهاني في المفردات[1]: وقى: الوقاية: حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره، يقال وقيت الشيء أقيه وقاية ووقاء، قال: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ﴾[2] ، ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الجحيم﴾[3]، ﴿وَمَا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِن وَاقٍ﴾[4]، ﴿مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ﴾[5]، ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَار﴾[6] والتقوى: جعل النفس في وقاية مما يخاف، هذا تحقيقه، ثم يسمى الخوف تارة تقوَى، والتَّقوَى خوفا حسب تسمية مُقتضى الشيء بمُقتضِيه والمُقتضِى بمقتضاه.))([7]) قال في مجمع البحرين: والتقوى: فعلى كنجوى ، والأصل فيه " وقوى " من وقيته : منعته ، قلبت الواو تاء وكذلك تقاة والأصل وقاة، قال تعالى : ( إلا أن تتقوا منهم تقاة ) أي: اتقاء مخافة القتل، وجمع التقاة " تقى " كطلى للأعناق.[8] وفي تاج العروس [ وقى ] : أي وقاه يقيه وقيا، بالفتح، ووقاية، بالكسر، وواقية، على فاعلة : صانه وستره عن الأذى وحماه وحفظه ، فهو واق ؛ ومنه قوله تعالى : ( مالهم من الله من واق ) ؛ أي من دافع ، وشاهد الوقاية قول البوصيري : وقاية الله أغنت عن مضاعفة * من الدروع وعن عال من الأطم ثم قال: والاسم التقوى، وأصله تقيا، التاء بدل من الواو، والواو بدل من الياء. بعدها ذكر بعض الآراء في تعين أصل كلمة التقوى، فنقل عن أبن سيده أنه (وقوى)، ونقل عن بعض النحويين أنه (وقى). كما نقل آراء أخرى في كيفية تصريف هذه الكلمة[9]، وهي وإن كانت مهمة في بابها إلا أن حاجتنا لها في بحثنا قليلة. نعم من المهم أن نعرف معاني التقوى في القرآن، حيث ذكر في المجمع: والتقوى في الكتاب العزيز جاءت لمعان: 1- الخشية والهيبة ومنه قوله تعالى : (وإياي فاتقون). 2- الطاعة والعبادة ومنه قوله تعالى : (اتقوا الله حق تقاته). 3- تنزيه القلوب عن الذنوب ، وهذه - كما قيل - هي الحقيقة في التقوى دون الأولى ، قال تعالى : (ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون) 4- الدافع، كما في قوله تعالى : (وما لهم من الله من واق) أي دافع . قوله تعالى : (أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب)* لأنه إذا ألقي في النار مغلولة يداه فلا يتهيأ له أن يتوقى النار إلا بوجهه . ثم ذكر انه إذا ذكرت عبارة (كلمة " التقوى ") فإنها فسرت بلا إله إلا الله[10]. التقوى اصطلاح بعد هذه الجولة مع مصطلح القوى في اللغة والقرآن نصل إلى بيان تعريف التقوى المرادف في هذه المقالة، أي: التقوى التي تمثل الوسيلة الأهم لتزكية النفس. قال في المفردات[11]: وصار التقوى في تعارف الشرع حفظ النفس عما يؤثم، وذلك بترك المحظور. نعم، هذه هي التقوى بكلمة بسيطة، فالمؤمن إذا جاء بالواجبات جميعا، وانتهى عن المحرمات جميعا، صدقت عليه كلمة التقوى وصار متقيا. هنا يظهر أن الراغب الأصفهاني يضيف شيئا آخر، وهو: ويتم ذلك –أي:ترك المحظور- بترك بعض المباحات لما روى : " الحلال بين ، والحرام بين ، ومن رتع حول الحمى فحقيق أن يقع فيه " فالراغب لا يكتفي بالكف عن المحرمات وإتيان الوجبات في تحقق التقوى، بل يضاف إلى ذلك ترك المباحات، والظاهر يقصد المباحات التي تمثل محور الشبهة لا البيّنة الواضحة كما يستشف من استشهاده بالرواية. كما أيضا يظهر أن نفس الولوج في الشبهة ما دامت شبهة لا تخرج المتقي من كونه متقيا ما لم يقع في الحمى. إذاً، التقوى الاصطلاحية هي الكف عن المحرمات وإتيان الواجبات. وانعم وأكرم بهذا التوفيق. أهمية التقوى من خلال الوقوف على تعريف التقوى يبرز أهمية هذا المفهوم السامي، فانه وصية الأنبياء والأوصياء، بل رسالة ربّ السماء للعباد ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ﴾([12]) وعلى أساسها خلقت الجنان باكتساب رضا الرحمن، فبها قد يرقى الإنسان قاب قوسين أو أدنى، وبدونها قد يصل إلى مستوى الأنعام بل أضل سبيلا. فعلى أساسها تقاس المقامات، وبها يصح التفاضل بين الأنام، وببركتها يحضا المرء الكرامة عند الله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ فهنا بينت الآية أن جنس البشر كان ذكرا أم أنثى لا يقاس بالنسب أو الجاه أو المال أو .. بل التقوى تعلو ولا يعلى عليها شيء. ولو راجعنا القرآن الكريم مراجعة سريعة لاتضحت معاني سامية للتقوى والمتقين أكد عليها القرآن في أكثر من مناسبة، بل نفس القرآن الكريم المعجزة الخالدة للنبي الخاتم، يستفتح كلامه في سورة البقرة بأنه كتاب هداية لخصوص المتقين، قال تعالى:( الم* ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)[13] ومن خلال هذه الكلمات التي تمثل الشيء القليل من بحر هذا المفهوم الراقي تتضح بعض معالمه، ولو أردنا اختصار القول بذلك يمكن بيان أهمية التقوى من خلال النقاط التالية: 1-إن التقوى سبيل أسمى الأهداف وأعلاها رتبة، من ناله وظفر به حصل على الدرجات العليا ، ومن فقده وأخفق به خسر الخسران العظيم، ولو ملك الدنيا باجمعه. نعم، التقوى هي السبيل إلى تزكية النفس ورضا الله تعالى ومحبته، وبالتالي كسب جنانه، وبذلك وردت آيات كثيرة فضلا عن أحاديث أهل البيت( عليهم السلام) قال تعالى:( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)[14]. وقال: ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾(15). وعن الإمام علي((إن التقوى منتهى رضا الله من عباده وحاجته من خلقه))(16). وسنذكر آيات أخرى عند بيان جزاء المتقين. وحري بالمؤمن أن يقف عند هذه النقطة المهمة التي تعتبر الأصل والبقية أمور متفرعة عليه، ليعرف موقعه والمستوى الذي يكنزه من هذا المفهوم العظيم. 2- انُس النفس المتقية وغناها عن ملذات الدنيا وشهواتها واكتفاءها بالقليل، عن يعقوب بن شعيب، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ((ما نقل الله عز وجل عبداً من ذل المعاصي إلى عز التقوى إلا أغناه من غير مال، واعزه من غير عشيرة، وآنسه من غير بشر))(17). هذه هي الطمأنينة والراحة النفسية التي يمن بها الله على عباده المتقين في حياتهم وعند رجوعهم إليه، قال تعالى: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ *ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّة*ً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي* وَادْخُلِي جَنَّتِي)[18]. كما أن التقوى هي سر عز المؤمن وماله وهيبته، روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: (من أراد عزا بلا عشيرة، وهيبة من غير سلطان، وغنى من غير مال، وطاعة من غير بذل، فليتحول من ذل معصية الله إلى عز طاعته، فإنه يجد ذلك كله)[19]. فهذه هي همة المؤمن الذي تزيل الجبال الرواسي، وهي الإرادة التي يتحلى بها ولا يمكن لاعتى طواغيت الأنس والجن أن يزحزحها، وهي سلاح المؤمن الفعّال ودرعه الحصين في معركته الضروس مع الشيطان وحزبه، روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: ((الجاوا إلى التقوى فإنها جنة منيعة من لجأ إليها حصنته ومن اعتصم بها عصمته))(20). 3-تترتب الخيرات والبركات وغيرها من الآثار التكوينية على تقوى العباد، وهذا من الآثار التكوينية الذي جاء في القرآن الكريم صريحا (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ )[21] وقال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾(22). وفي الآية الأخيرة إشارة رائعة إلى المؤمنين الذين قد يشح عليهم الرزق، فكأنها تقول: إذا كنت متقيا لله تعالى، فان الرزق المحتسب والذي ترجوه مذخور لك، ولكن هناك رزقا آخر قد صرت مستحقا له ببركة التقوى، وصفة هذا الرزق غير محتسب وغير متوقع. مراتب التقوى من خلال ما تقدم يظهر ان التقوى ليست على مرتبة واحدة، بل من المفاهيم المشككة القابلة للتطور والتراجع، وقد عدها بعض إلى عشرة مراتب. وما دام المقال مبني على الاختصار فسوف نقتصر على ثلاثة: المرتبة الدنيا: وهي ما تقدم الحديث عنها، أي: الالتزام بأوامر الله ونهيه. المرتبة العليا: وهي التي لم يتحملها الصحابي همام، بحيث صعق صعقة ومات عند سماعه وصف المتقين في الدنيا، وذلك في خطبة المتقين لأمير المؤمنين، وجاء فيها: (... فالمتقون فيها هم أهل الفضائل. منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع. غضوا أبصارهم عما حرم الله عليهم، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم . نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت في الرخاء. ولولا الأجل الذي كتب لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا إلى الثواب، وخوفا من العقاب . عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم ، فهم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون . إلى أن قال: إن صمت لم يغمه صمته، وإن ضحك لم يعل صوته. وإن بغي عليه صبر حتى يكون الله هو الذي ينتقم له. نفسه منه في عناء. والناس منه في راحة. أتعب نفسه لآخرته، وأراح الناس من نفسه. بعده عمن تباعد عنه زهد ونزاهة. ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة. ليس تباعده بكبر وعظمة، ولا دنوه بمكر وخديعة ( قال ) فصعق همام صعقة كانت نفسه فيها.)[23] هذه هي المرتبة الأسمى والأرقى ولا ينالها إلا من أجتهد وجد وكان ممن له الحظ العظيم. وما بين هذه المرتبتين مراتب تسمو وترقى أو ترجع تبعا لالتزام المؤمن. أما جزاء المتقين فقد زخرت الآيات الكريمة في بيانه وبيان مقامهم، وهو مقام عظيم لا يحتمل المقال ذكره، والحال اختصاره، لذا تركنا الحديث عنه في حلقة مستقلة نذكرها في العدد بعنوان: (المتقون في القرآن) إن شاء الله تعالى. ربنا اجعلنا من (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ).
[1] - مفردات غريب القرآن: 530، مادة وقى. [2] - الانسان:11 [3] - الدخان: 56 [4] - الرعد: 34 [5] - الرعد: 37 [6] - التحريم: 6 [7]- مفردات ألفاظ القرآن: 880 مادة وقى، تحقيق صفوان عدنان داوودي. [8] - مجمع البحرين4 : 540، باب و. [9] - تاج العروس20 : 305 ، باب وقى. [10] - مجمع البحرين4 : 540، باب وقى. [11] - مفردات ألفاظ القرآن: 881، باب وقى. [12]- النساء: 131. [13] - البقرة:1-2 [14] - [15]- آل عمران: 76، التوبة: 4و7. [16]- قرر الحكم: 3620. [17]- الإمام الصادقˆ، بحار الأنوار: 70/272. [18] - الفجر: 27-30 [19] - أمالي الطوسي:524، حديث 1161/68 [20] عيون الحكم والمواعظ:88 [21] - الأعراف: 96 [22]- الطلاق: 2 [23] - نهج البلاغة2: 165، شرح محمد عبده، خطبة المتقين، رقم(193)
|