|
ثقافة ومصطلحات قرآنية(20) ـ إعجاز القرآن وأنواعه ـ القسم الثاني
|
|
|
|
الكاتب/ الشيخ حميد البغدادي ـ العدد (94)
|
|
معجزة القرآن: القرآن هو المعجزة الخالدة في إثبات رسالة النبي (صلى الله عليه واله وسلم ) وهو معجزة باقية إلى يوم القيامة
أبعاد الإعجاز القرآني ذكر المهتمون بالشأن القرآني العديد من الأبعاد في إثبات الإعجاز القرآني نحاول الإلمام بها بشئ من الاختصار وأهمها أربعة: 1ـ البعد البياني: فللقران الكريم نظمه العجيب وأسلوبه الغريب المخالف لأساليب كلام العرب ومناهج نظمها ونثرها، فإن الأسلوب الذي جاء القرآن عليه، و مقاطع آيه، و فواصل كلماته إليه، لم يوجد قبله ولا بعده نظير له، لذلك لما سمع عتبة بن ربيعة القرآن وهو من أشد الناس عداوة له – قال يا قوم... قد علمتم أني لم أترك شيئاً إلا وقد علمته وقرأته وقلته، والله لقد سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط، وما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة. ولو استعرضنا آيات القرآن الكريم، لوجدنا كل آية قد تحققت فيها الفصاحة والبلاغة في أبهى صورهما، ولهذا كان بيانه معجزاً، أعجز الثقلين أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه، فكان المعجزة الخالدة المستمرة إلى يوم القيامة، وتأكيداً لصحة هذه الدلالة نلاحظ أنّ التحدي القرآني كان في مكة حيث كان المسلمون أقلية مضطهدة وكان هناك قلق كبير ينتاب كبار قريش من دعوة الرسول(صلى الله عليه وآله)، فلو كان بإمكانهم التحدي لواجهوا نداء القرآن (فأتوا بعشر سور مثله مفتريات)(1). و(فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله)(2).وروى أن النبي(صلى الله عليه وآله) لما اُنزل عليه (حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم * غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب)(3) قام إلى المسجد يقرؤها والوليد بن المغيرة قريب منه فلما فطن النبي(صلى الله عليه وآله)لاستماعه لقراءته أعاد قراءة الآية، فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه بني مخزوم، فقال: والله، لقد سمعتُ من محمد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، وإنّ له لحلاوة وإنّ عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمُغدق وإنه ليعلو وما يعلى عليه. (4) وللإعجاز البياني ـ كما أشار الكتّاب والباحثون ـ جوانب متعددة في الفصاحة والبلاغة تميّز بها القرآن منها: 1ـ الإيقاع الموسيقي المتميز المتعدد الأنواع والمتناسق. 2ـ انّه بيان على قدر الحاجة، حتى قال بعضهم: (لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب على لفظة في أن يوجد أحسن منها لم توجد). 3ـ انّه لا يخلق عن كثرة الرد وطول التكرار...، كما أشار إليه كلام الإمام علي(عليه السلام) ولا نجد في القرآن تذبذباً في الأسلوب ولا ضعفاً في بعض سوره وآياته، مكيّة كانت أم مدنية، وهذا أيضاً مخالف للطبيعة البشرية المتأثرة بعوامل عديدة تنعكس على نتاجها، خاصة الحس الأدبي والبلاغي المرهف الذي يتأثر بأدنى سبب. فتكرر الحديث عن نفس المواضيع التي سبق التعرض لها في فترات زمنية متباعدة مما يجعله معرضاً للاضطراب والتناقض ـ لو كان نتاجاً بشرياً ـ وعدم الاقتصار في الحديث عن الموضوع مرة واحدة. 4ـ الروحانية العالية التي تنفذ إلى عمق سريرة الإنسان وتهزّ وجدانه. (5) 5ـ من المعروف أنّ سمات ودلائل النبوغ تظهر لدى الشخص في سني حياته الأولى وبدايات الشباب، فلو كان القرآن من إنشاء النبي(صلى الله عليه وآله) لظهرت عليه دلائل هذا النبوغ في بدايات حياته واهتم به قومه وتحدّث به العرب لاهتمامهم بهذه الظاهرة، ولاكتسب(صلى الله عليه وآله) مكانةً مرموقةً بين قومه وافتخر به أهله وعشيرته. ولعل الآية الكريمة تشير إلى ذلك بقولها: (قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون)(6). 7ـ تنوع أساليب القرآن الكريم وبلوغه القمة في كل منها حيث نجد قمة البلاغة في السور ذوات الآيات القصار كما نجدها في ذوات الآيات الطوال، كذلك تشترك كل الآيات ـ بمضامينها المتنوعة ـ في الإبداع، سواء منها آيات الوعد والوعيد أم القصص أم التشريع أم مكارم الأخلاق أم العقائد وغيرها، بينما المعهود في الأدباء والبلغاء.. 8ـ عدم الاضطراب في المحتوى، وتظهر أهمية هذه النقطة مع ملاحظة ما يلي.. أ : تشعب المواضيع والعلوم التي يتعرّض لها، حيث يشتمل على منظومة من العقائد والحِكَم ومكارم الأخلاق والقوانين، ويتضمّن القصص التاريخية وبعض الظواهر الكونية.. وغير ذلك. ب : نزول كثير من الآيات أو أكثرها من دون تهيئة مسبقة، أو تبعاً لحدث طارئ أو سفر أو حرب أو نحو ذلك مما لا يسمح بالتمعّن ومراجعة النص السابق تجنّباً للوقوع في التناقض. 2ـ البعد الغيبي: أخبر القرآن الكريم عن حوادث ماضية لم يشهدها النبي (صلى الله عليه واله وسلم ) و تحدث عن نشأة الكون والحياة ، وما وقع منذ خلق آدم عليه السلام إلى مبعث رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم )وهو النبي الأمي الذي ما كان يتلو من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه ، فأخبر بما كان من قصص الأنبياء مع أممها، والقرون الخالية في دهرها، وأجاب عن تحديات أهل الكتاب حين سألوه عن قصة أهل الكهف، وشأن موسى والخضر عليهما السلام، وحال ذي القرنين، وغير ذلك، فجاءهم بما عرفوا من الكتب الثابتة صحتها مع أنه أمي من أمة أمية لها علم بذلك، ومع أنه (صلى الله عليه واله وسلم ) لم يكن مختلطاً بأهل الآثار والتاريخ، ولم يكن متردداً إلى المتعلم منهم. فلم يبق سبب لعلمه بذلك كله إلا وحي السماء. وكذا ما تضمنه من الأخبار عن الكائنات في مستقبل الزمان والإخبار بالمغيبات في المستقبل وهي التي لا يمكن الاطلاع عليها إلا بالوحي وهي التي أخبر عنها القرآن بأنها ستقع فوقعت كما أخبر ولم يتخلف منها شيء. من ذلك قوله تعالى: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون} [الفتح: 27]. ومنه قوله تعالى: {غلبت الروم. في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين} [الروم: 2-3-4]. ومنه قوله تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً} [الفتح: 28]. ومنه قوله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: 09]. ومنه قوله تعالى: {إنا كفيناك المستهزئين} [الحجر: 95]. ومنه قوله تعالى: {والله يعصمك من الناس} [المائدة: 67]. 3ـ البعد التشريعي: إن التشريعات الإسلامية التي نظمت شؤون الإنسان والحياة، وربطت الدنيا بالآخرة، جمعت بين الروح والمادة، فأشبعت كلاًّ منهما في الإنسان بما يناسبها، ووفّرت السعادة والطمأنينة في الحياة الدنيا، مع مراعاة الفطرة وتلاؤمها معها، لدليل على أن أحداً من البشر لا يستطيع أن يدرك هذه المجالات أو يحيط بها. فالقرآن يشتمل على تشريع انتظم قانوناً عادلاً مؤلفاً من مواد قليلة تتضمن أحكاماً كلية، ومبادئ عامة في كل الفروع وذلك ما لم يحصل لغيره من الكتب السماوية قال الله تعالى: {وكل شيء فصلناه تفصيلاً} [الإسراء: 12]. 4ـ البعد العلمي: إن الإشارات التي وردت عن بديع صنع الخالق سبحانه وتعالى في هذا الكون في مختلف مجالاته، وتتحدث عن النفس الإنسانية وأعماقها وعواطفها ومشاعرها ، فهل يعقل أن يكون هذا القرآن من عند رجل أميّ عاش في بيئة أمية لم يذكر التاريخ عن أسلافها تقدّما في فنون علوم الكون أو النفس البشرية {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون * بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتو العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون } [العنكبوت: 48-49]. يتضح لقارئ كتاب الله تعالى أن الكثير من الحقائق العلمية التي يصل لها العقل البشري لها أصلاً في كتاب الله تعالى عن طريق الإشارة أو العبارة. جاء في قوله تعالى: {خلق السموات بغير عمدٍ ترونها، وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم} [لقمان: 10]. والمعنى أن الله أوجد الجبال في الأرض حتى تظل محتفظة بتوازنها فلا تميد (تميل) بمن عليها، ولا يفهم حفظ التوازن بالنسبة للأرض إلا على أنه دليل على تعلقها في الفضاء. واقرأ في علم الأجنة قوله تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. ثم جعلناه نطفة في قرار مكين. ثم خلقنا النطفة علقة، فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضغة عظاماً، فكسونا العظام لحماً، ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين} [المؤمنون: 12-13-14]. ولابد من الاعتدال والموضوعية وعدم تحميل الآيات القرآنية خلاف ظاهرها لمجرد تطبيقها على مقولة أو نظرية علمية حديثة؛ لأن القرآن كتاب هداية وليس كتاباً جامعاً للنظريات العلمية التي هي شؤون بشرية. (1) سورة هود: 13. (2) سورة يونس: 38. ( 3) سورة غافر: 1 ـ 3. (4) يراجع مجمع البيان: 10 / 854. ( 5) يراجع تلخيص التمهيد: 2 / 26 وما بعدها. (6) سورة يونس: 16.
|