|
العلاقة بين فهم القرآن وبين تأويله : تقدمت الإشارة بأن للقرآن مراتب معرفية , وهذه المراتب تتوقف على درجات الفهم , ولاشك بأن تأويل القرآن يتعلق بمرتبة من مراتب الفهم , فمراتب الفهم لا تنحصر بالتفسير , وإنما تتعدى للتأويل أيضاً ,
والتأويل على ما يحمله من نظريات سواء قلنا بأن التأويل يندرج ضمن مقولة اللفظ والمعنى كما يرى مشهور المفسرين أو ضمن الحقائق الخارجية كما يرى ابن تيمية والسيد العلامة الطبأطبائي مع اختلاف أساسي في تصويرهما . فعلى المقولتين معاً هنالك علاقة وثيقة بالفهم , لأن عرض المعطى القرآني في دائرة التأويل لايختلف كثيراً من حيث الصورة عن التفسير , بمعنى أن المؤول يقوم أيضاً بعرض فهمه للنص ولكن خارجَ حدود الظاهر القرآني أو العبارة القرآنية على حدّ تعبير الإمام الحسين (عليه السلام) . فكما ينطلق المفسير من مقدمية الفهم لعرض وجوه الظاهر القرآني فكذلك ينطلق المؤول من هذه المقدمية ولكن لعرض الباطن القرآني , أو ما هو المحكي خارج ظاهر اللفظ. القيمة العلمية للتفسير والمفسّر : قلنا بأن الفهم في حدود الإطار العلمي يُمثل عُمقَ الحركة العلمية ومدى أصالتها وقوةَ تأثيرها وحدودَ معطياتها , وبدون الفهم يعني التقليد الأعمى المفضي إلى الانطفاء , وهذا الأمر يرتبط ارتباطاً مباشراً بالتفسير والمفسر , فالقيمة العلمية التي يحملها التفسير القرآني إنما يحكي لنا درجة فهم وعمق المفسر في تصوير المراد القرآني , وبالتالي فإن الفهم التخصصي بطبيعة الحال سوف يحكي لنا عن أمرين هما: الأول: القيمة العلمية للتفسير . الثاني: المستوى العلمي الذي عليه المفسر. مدخلية الفهم في تحديد المنهج التفسيري : لاريب في ذلك , ولذا فالكثير ممن يلجأ إلى المناهج اليسيرة والسهلة إنما لأجل القصور في الفهم , أو هروباً من مسؤولية الفهم الاجتهادي القائم على أساس النظر والتحقيق , فالتفسير الروائي خالٍ من الإبداع بالنسبة للمفسر , فهو مجرد درج الرواية المناسبة في ذيل الآية ذات العلاقة , ومن هنا كلما ازداد الوعي القرآني لدى المفسر فإنه سوف يجد نفسه يتعاطى مع أصعب المناهج وأعقدها . هذا أولاً , وثانياُ هو أن المفسر الذي يمتلك فهماً رفيعاً وناضجاً سوف يكون أكثر توفيقاً في تحديد المنهج المناسب , بخلاف المفسر القاصر الذي نجده يتخبط حتى في اختيار المنهج الصحيح . صلة الفهم بالتفسير التجزيئي والموضوعي : لهذه الفقرة صلة بما تقدم , ولكي تتضح الفكرة أكثر نحتاج أن نوجز المراد من التفسير التجزيئي والتفسير الموضوعي , أما التجزيئي فيُراد به وفي ضوء ما تقدم إن التفسير التجزيئي هو الأُسلوب الأسهل بالنسبة للمفسر , بخلاف أُسلوب التفسير الموضوعي الذي يحتاج إلى بذل جهد كبير جداً من قبل المفسر , وبالتالي فمن يمتلك فهماً عميقاً يكون مؤهّلاً أكثر من غيره في خوض تجربة التفسير الموضوعي , والعكس بالعكس . تأثير اختلاف فهم القرآن على مصداقية التفسير والمفسر : لاريب في حصول هذا التأثير , وهذه مسألة عقلائية نعمل بها في كافة مجالاتنا الحياتية , فنحن نُرجّح الذهاب إلى الطبيب الذي هو أكثرُ فهماً من غيره , وفي التعليم نذهب لمن هو أعلم , وقلنا بأن التعبير بالفهم هو حكايةٌ عن نفس العلم , فمن يفهم أكثر ينبغي أن يكون يعلم أكثر , وبالتالي فإن تأكد لنا بأن أحد المفسرين يمتلك فهماً وعمقاً محدوداً فإن اعتناءنا بتفسيره سوف يكون محدودا , وسوف لن يكون تفسيره محل اعتناء المتخصصين , بخلاف ما لو كان المفسر يمتلك عقلية متميزة , وهذا واضح . إمكان فهم القرآن وتفسيره : إن فكرة عدم إمكان فهم القرآن وإن كانت لها جذور تأريخية ولكنها تفاقمت في العقود الثلاثة الأخيرة , ولهذا الموضوع صلة وثيقة ببعض مدارس ( الهرمنيوطيقا ) التي تُحاول بعضها إثبات أن المتكلم ليس له مراد نهائي , وبالتالي لابد لكل قارئ للنص أن يُقدم فهمَه الخاص به , أي لا يكون الفهم حكراً على أحد . وبعض هذه المدارس تُصرح بأن النص المقرؤء عند قراءته يكون قد خرج من سلطة المؤلف إلى سلطة القارئ والمتلقي , وللقارئ أن يقدم فهمه الخاص به دون لحاظ المراد الواقعي للمتكلم . ونحن بالقدر الذي نعذر فيه القائلين بذلك فإننا نرفض تعميمَ مقولاتِهم بل ولا يُمكن الالتزام بها . إما أعذارهم فذلك لأنهم اصطدموا بنصوص التوراة والإنجيل وواجهوا هنالك مشاكل كثيرة اضطرتهم إلى تقديم قراءات تخالف النص . وأما رفضنا لتعميماتهم فذلك لانتفاء أصل الإشكالية في النصوص القرآنية , فإن القرآن الكريم هو الكلام الإلهي الوحيد الذي لم تمسه يد التحريف , هذا من جهة , ومن جهة أُخرى هو أنه نزل بلسان عربي مُبين , وليس بلسان أعجمي أو غير مُبين , ونحن عرب ونفهم العربية جيداً , فلماذا لا نفهم القرآن الكريم . إن أصل الإشكالية الحقيقية هي في دعوى عدم فهم القرآن وليس في فهمه , وبالتالي إذا أمكن فهمه فإنه سوف يُمكن تفسيره . لا يعرف القرآن إلا من خُوطب به : ربما يُقال إذا كان فَهم القرآن وتفسيره ممكنين لنا فكيف نوفق بين هذا الإمكان وبين الحديث الشريف الذي رواه الكليني عنالإمام محمد الباقر (عليه السلام) أنه قال:(إنما يعرف القرآن من خوطب به )(1) , أَوَ ليس هذا الحديث الصريح يغلق أبواب فهم القرآن تفسيراً وتأويلاً ؟. والجواب عن ذلك هو أن هذا الحديث الشريف مع قطع النظر عن سنده , حيث يُوجد كلام كثير حول صحة سنده وقد كفانا في ذلك السيد المحقق الخوئي (رحمه الله عليه) في كتابه (البيان في تفسير القرآن) حيث انتهى إلى عدم صحة سند هذا الحديث . ولذا فالكلام في متنه ودِلالته , فإنه وبحسب دلالة الاقتضاء يكون المراد هو أنه لا يعرف القرآن معرفة كاملة إلا من خُوطب به , وهذا من قبيل : لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد , الذي لا يدل على بطلان الصلاة في المنزل وإنما الأجر الكامل لصلاة المجاور للمسجد هي في المسجد , فإذا صلى في بيته فهو مأجور أيضاً , ولكن أجره أقل مما لو صلاها في المسجد . والمعرفة الكاملة للقرآن إنما غير حاصلة لغير من خُوطب به فذلك لوجود المحكم والمتشابه وفواتح السور ومسألة التأويل التي لا يعرفها إلا الله والراسخون في العلم . أضف إلى ذلك أن القرآن الكريم فيه مراتب أربع وفقاً للحديث المروي عن الإمام الحسين (عليه السلام) حيث يقول: (كتاب الله على أربعة أشياء , العبارة والإشارة واللطائف والحقائق , أما العبارة فللعوام , وأما الإشارة فللخواص , وأما اللطائف فللأولياء , وأما الحقائق فللأنبياء)(2) , ونحن في العملية التفسيرية إنما ندور حول العبارة , وفي التأويل ندور حول الإشارة . أدلة فهم القرآن : يُمكن تقسيم أدلة فهم القرآن الكريم إلى قسمين , الأدلة النقلية والعقلية , وتنقسم الأدلة النقلية إلى قسمين , أدلة قرآنية وروائية . الأدلة النقلية القرآنية على فهم القرآن : هنالك نصوص قرآنية صريحة في ذلك , من قبيل قوله تعالى : قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً } النساء:174 . فالبرهان هو النبي والنور هو القرآن الكريم , والنور كناية عن وضوحه وظهوره . وقوله تعالى :{الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ } يوسف: 1. والبين هو الواضح الذي لا يحتاج إلى تبيين. وقوله تعالى : { وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ } الشعراء: 192 – 195 . وواضح قوله تعالى : بلسان عربي مبين . الأدلة النقلية الروائية على فهم القرآن : أولاً : حديث الثقلين الذي يُرجع الأُمة إلى القرآن والعترة الطاهرة , فإذا كان القرآن غير قابل للفهم فما هو جدوى إرجاع الأُمة إليه ؟. ثانياً : روايات عرض الحديث على القرآن الكريم , فقد روي عنهم b :(ما أتاك عنا فاعرضوه على كتاب الله فما وافق كتاب الله فخذوا به وما خالفه فاطرحوه )(3)، فما معنى عرض الحديث على كتاب غير قابل للفهم ؟!. ثالثاً : وأخيراً الروايات الحاثة على تلمه وتعلمه , فعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال:( ينبغي للمؤمن أن لا يموت حتى يتعلم القرآن أو يكون في تعليمه )(4). الأدلة أُخرى على فهم القرآن : أولاً : إن عدم الالتزام بإمكان فهم القرآن وتفسيره ينتهي بنا إلى القول بالتعطيل , ولا يبقى للقرآن من أثر في حياة المسلمين سوى التبرك به , وهذا أشبه بالتعطيل المعتزلي في الأسماء والصفات الإلهية . ثانياً : يلزم من عدم فهمه انتفاء الغرض من تنزيله , لأن القرآن يهدي للتي أقوم , وفيه تبيان كل شيء , فإذا لم يُفهم فما الذي سيهدي إليه ؟ وأين تبيانه لكل شيء ؟. ثالثاً : يلزم من عدم فهمه تكذيب القرآن نفسه , لأن القرآن أمرنا بالالتزام به واقتفاء أثره , فكيف يدعونا لذلك وهو غير قابل للفهم , ألم يدعونا للتدبر فيه والعمل به , { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } محمد:24 . فكيف يدعونا لذلك وهو غير قابل للفهم ؟. رابعاً : من الثابت في محله هو أن الرسالات السماوية وخطابات الأنبياء b لأقوامهم إنما كان بلسان أقوامهم تحصيلاً للفائدة , قال تعالى:{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } إبراهيم:4 . والقرآن إنما نزل على العرب أولاً بلسانهم , وهذا كاف في إمكان فهمه . خامساً: إن النبي (صلى الله وعليه وآله) كان يتلو على العرب القرآن وينقل لهم تحدي القرآن لهم على أن يأتوا بمثله أو بسورة من مثله , فلِمَ لم يقولوا له إئتنا بكتاب نفهمه لكي نأتيك بمثله ؟!. وهنالك من الملازمات الكثيرة التي يضيق المقام بذكرها . والحمد لله رب العالمين .
[1] ـ الكافي للشيخ الكليني : ج 8 ص 312 . [2] ـ بحار الأنوار : ج 89 ص 103 ح81 . [3] ـ الاستبصار - للشيخ الطوسي: ج 3 ص 158 . [4] ـ الكافي , مصدر سابق: ج 2 ص 607 , حديث: 3 .
|