spacer
 

 

 

spacer
spacer  
 

اخبار مجلة الفرات
 
 

فهم القرآن الكريم ـ ( القسم الأول ) طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ الشيخ طلال الحسن ـ العدد (92)   

معنى الفهم : يأتي الفهم بمعنى العلم , ومنه قوله تعالى:{فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً ...} ـ الأنبياء:79ـ  أي علمناها إياه. وقد يكون الفهم هو المقصود من مفردة القراءة المعاصرة , فيكون معنى تعدد القراءات هو تعدد الفَهم أو تعدد الرؤى.

والذي يبدو لنا أنه يوجد نوعٌ من التأنّي والتروّي في عملية الفَهم , فيقال: فهمتُه الدرس , أي علمتُه الدرسَ شيئاً فشيئاً, وعليه ففهم القرآن يعني تعلمه واستيعابه شيئاً فشيئاً .

 

علاقة الفهم بنظرية المعرفة :

وللفهم علاقةُ وثيقة كبيرة وصميمية بنظرية المعرفة , بل إن نظرية المعرفة إنما قامت لإثبات إمكان الفهمِ والتفهيم , وهذا بحث ذو صلة وثيقة بالبناءات الفلسفية الأُولى , حيث وقع خلاف في أصل ثبوت الحقيقة الخارجية وإمكان دركها وفهمها وتفهيمها للآخرين , أي هل للمعرفة قيمة حقيقية تستحق منا بذل الجهد لتحصيلها ؟؟.

هذه المسألة التأريخية التي على أساسها قام عرش الفلسفة المشائية على يد رائدها الأول وبطلها التأريخي سقراط الحكيم .

وقد انتهى سقراط إلى إمكان المعرفة وإمكان التعريف بالحقيقة المعرَّفة إلى الآخرين , وفي ضوء ذلك تقننت أُصول العلم وتعليمه , وقد ازدان ذلك في عهد الباني الحقيقي للفلسفة المشائية أرسطو طاليس .

فنظرية المعرفة تدور حول إمكان الفهم والتفهيم والمعرفة , ومن هنا تبرز لنا حدود العلاقة بين الفهم ونظرية المعرفة .

بعبارة أُخرى إن الحديث عن الفهم هو حديث عن المعرفة وعن نظرية المعرفة .

 

أثر الفهم في الإطارين ( العلمي والاجتماعي ):

أما في الإطار العلمي فإن الفهم يُمثل عُمقَ الحركة العلمية ومدى أصالتها وقوةَ تأثيرها وحدودَ معطياتها , وأنه بدون الفهم يعني الاجترار والتقليد الأعمى المفضي إلى الانطفاء .

إن الحياة العلمية القائمة على أساس التخيل أولاً ثم الاكتشاف والإبداع إنما تنطلق من مبدأ الفهم للظروف الموضوعية وتراكبية المقدمات المنتجة , وكما قلنا بأن الفهم هو العلم , فبلا فهم لاحركة علمية البتة .

وأما في الإطار الاجتماعي فإن الأُمم إنما تتبارى بعمقها الحضاري وتجربتها المدنية , وهذا قائم على أساس الفهم , فالفهم يكشف لنا عن درجة الوعي التي عليها المجتمع , فإذا ما أردنا النهوض بالمجتمع لابد لنا من نشر ثقافة الفهم والوعي , وهذا إنما يكون عندما تكون الأُمة راصدة وناقدة , لا أنها مُتلقية ومُقلدة , ومن هنا نفهم سرّ ضعف الاستقرار السياسي في العراق منذ ألف عام وأكثر , لأن هذا الشعب العريق تربى على ثقافة الرصد والنقد , ومن تربى على ثقافة الرصد والنقد لايسعه السكوت , إنه شعب يريد أن يفهم وبعمق , فلا تجدي معه الأجوبة الإسكاتية نفعاً , إنه يُريد أجوبة إقناعية تفصيلية , ولأجل هذه الثقافة تمسّك أكثرُ أبناء العراق بالحق وقدّموا لأجله القرابين على طول أربعةَ عشرَ قرناً , ولأجل هذه الثقافة سوف يكون هذا الشعب العريق هو المخلص لشعوب العالم من الزيف والتقليد .        

 

الفهم الاصطلاحي للقرآن الكريم :

إن الفهم الاصطلاحي أو الحقيقي للقرآن الكريم هو الوقوف على تعاليمه بتدبر , أي إنه لا يكفي مُجرد العلم به , أو لا يكفي مُجرد فَهم مرادهِ , وإنما لابد من التدبر به والعمل بمقتضياته , فالفُهمَ القرآني لا ينتهي عند وصول المعلومة للذهن فذلك مجرد مقدمة لهدف أسمى وهو تحرك القلب والوجدان باتجاه الفعل , ولهذا الفهم القرآني مراتب ودرجات , أُولى هذه المراتب هي الانفعال بالنصّ والتحرك باتجاه الفعل , وعندما يتحرك باتجاه الفعل تبدأ مرتبة أُخرى وهي بالتحرك من خلال الوعي القرآني لا الوعي الشخصي والفردي , أي أنه يتحرك وهو يحمل في وجدانه همومَ الرسالة والأُمة.

    

العلاقة الجدلية بين فهم القرآن وتفسيره :

وهنا لنا أن نسأل هل فهم القرآن يعني تفسيرَه ؟ , وهل يحتاج مَـن فَهِمَ القرآنَ إلى تفسيره ؟.

أما السؤال الأول فالصحيح هو أن فهمُ القرآن لا يعني تفسيرَه , فالتفسير علم قائم بنفسه , ولكن من مقدمات العملية التفسيرية حصول الفهم , فالفهم لا يُشترط فيه التخصص , ولذلك كل الناس تقرأُ في القرآن وتفهمُ بقدر استعداداتها ولكن ليس كل من يقرأ القرآن يكون مُفسراً.

نعم الفهمُ التخصصي يتناسب مع العملية التفسيرية , وأما الفهم العادي أو غير التخصصي فهو ليس بتفسير .

وأما السؤال الثاني , فالصحيح هو القول باحتياجه إلى تفسيره , لأننا لا نضمن نوعَ الفهم الذي هو عليه , فما دام فهمُهُ غيرَ تخصصي فهو بحاجة إلى الرجوع إلى المفسرين .

نعم , لو كان فهمه تخصصياً فإنه يكون قد حقق ملاك العملية التفسيرية , فيكون تحصيل تفسيره من باب تحصيل الحاصل .

وهنا ينبغي التنبيه إلى تفسير القرآن هو النتيجة التطبيقية لفهمه أو لبعض مراتب فهمه , فمن الواضح جداً بأن العملية التفسيرية تتوقف على مجموعة مقدمات , منها القدرة على الفهم , فعندما ينتهي المفسر إلى النتائج القرآنية فإنه سوف يكون بصدد عرض فَهمِه للقرآن , ولكنه فهمٌ تخصصي لا عامّي .

وعليه فالنتاج التفسيري للمفسر هو تعبير آخر عن تطبيقاته العملية لما انتهى إليه فهمُهُ التخصصي .

 

فَهمَ القرآن لغير العربي :

لاشك بأن الطريق الأمثل هو تعلم اللغةَ العربية وإتقانَها , وهذا الأمر متعسر على أغلبية غير الناطقين بالعربية , بل حتى المتعلمين والدارسين للعربية عن كبر سنٍ سوف تواجههم مسألة التبادر التي لا يعيش تفاصيلها سوى أبناء اللغة .

وعلى أي حال , فإن غير الناطقين بالعربية ليس أمامهم سوى اللجوء إلى الترجمة , وهنا كما يُقال:(تُسكب العبرات) , فنحن نلاحظ حجم الأخطاء البشعة في ترجمة الكتب الأدبية والعلمية فكيف بالقرآن الدقيق في جُمَله وكلماته وحروفه , والذي ما يعتمد كثيراً على فنون اللغة العربية من إيجاز ومجاز في تصوير مطالبه , بل إن البلاغة القرآنية وهي من أهم مفردات الإعجاز القرآني سوف تذوب كلياً في الترجمة , ومن هنا حرص علماؤنا الأعلام على من غير الناطقين بالعربية على تعلم العربية والكتابة فيها تفادياً لإشكاليات أخطاء الترجمة , وهنالك من يرى بأن العملية الاجتهادية في الأحكام الشرعية تتوقف على إتقان اللغة العربية وفنونها .

 
< السابق   التالي >

 

البحث في الموقع

دخول الأعضاء






هل فقدت كلمة المرور؟
ليس لديك حساب سجل الآن

التصويت

ما رأيكم بالموقع الجديد؟
 

المتواجدون الان

يوجد الآن 13 ضيوف يتصفحون الموقع

إحصائيات الموقع

الأعضاء: 157
المقالات: 746
المواقع الصديقة: 0
الزوار: 475195

الأعضاء


156 أعضاء مسجلين
0 هذا اليوم
0 هذا الأسبوع
0 هذا الشهر
آخر عضو: سيد حارث
spacer

spacer