spacer
 

 

 

spacer
spacer  
 

المثل الأعلى ... و مسؤولية المستقبل ـ القسم الثاني طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ الشيخ طلال الحسن ـ العدد (91)   

بسم الله الرحمن الرحيم

قلنا بأن المثل الأعلى المحدود أو المتوسط  ـ الذي يحمل معه ابتداءً جذوة من المستقبل ـ سرعان ما سيذوي وينطفئ, فحركته الإيجابية سوف لن تتجاوز كماله المحدود, إنها حركة ضئيلة محدودة سريعة الانطفاء, ولكنه سوف يُسلِّم بانطفائه, ولن يسعى للتزود من غيره, لأنه يرى نفسه فوق الجميع ولا شيء فوقه.

وقد اتضح بأن مُشكلته الكبرى هو أنه سيظن مع مرور الأيام بأن الحياة لن تستقيم بدونه, وأن الرعية مُجرّدُ جسدٍ خاوٍ بدونه, سيقبعُ في هذا الوهم, وعلى الأُمة أن تتعاطى معه على أنه حقيقة راسخة, ونسي بأن المقابر مليئة بأشخاص ظنوا بأن الحياة ستنطفئ بدونهم .

وهكذا يُخلق في الأُمة صنم جديد, قزم مُتعملق يحتاج إلى فأس إبراهيمية تقلعه من جذوره, فإن كانت اليد والفأس إبراهيميتين كان خلاص الأُمة بذلك, وإلا فالعود قريب لقدوة أُخرى منخفضة أو محدودة على أفضل التقادير, لتبدأ الأُمة رحلة جديدة من غياب الهوية وهدر الطاقات .

وبحسب الحركة التأريخية للإنسان والسنن التأريخية الإلهية هو أن الحركات الإصلاحية ما لم تكن سائرة في ركب الأنبياء (عليهم السلام) والرسالات السماوية الخالدة فإن المصير الحتمي هو الزوال والاندثار مهما بلغت شدّة الجذوة التي يحملها ذلك القدوة المحدود, ولعل جميع الثوّار والإصلاحيين في العالم قد مروا بذلك, ولعل من الشواهد الحية في عصورنا القريبة هذه هم قادة الثورة البلشفية ـ  bolshevismـ الروسية على الحكومة المنطفئة المتمثلة آنذاك بقيصر, فهم قد نجحوا في ثورتهم الإصلاحية وتعاطفت الطبقات المضطهدة معهم في جميع العالم, ولكنهم لم يحملوا المطلق معهم, إنما جذوة كانت شديدة في أوانها, جذوة محدودة رسمت نهايتها منذ أول انطلاقتها, فما هي إلا سنين معدودة حملت معها الانهيار الكارثي, وهكذا الحال في الدول الأُخرى التي حملت ذات المشعل الخافت, من قبيل جيكوسلوفاكيا ويوغسلافيا, حيث لم يبق منها إلا شرائح ضعيفة هزيلة تُثير الشفقة, وكذا الحال مع كل قدوة محدودة لم تحمل مشعل الأنبياء (عليهم السلام) ورسالات السماء, إنها أمثلة مهما اختلفت لغاتها وألوانها وشواخصها فإنّ مصيرها الحتمي والقريب هو الذبول والانهيار ثم المكوث في القماقم القذرة .       

وأما المثل الأعلى الحقيقي فهو الجامع لكل كمال والفاقد لكل نقص, هو من لا ينقطع السير باتجاهه لأنه فيّاض وهّاب, لأن عطاءِهِ غيرُ مجذوذ, لأنه لا تنقص خزائنُه .

ولأن السير باتجاهه لا يعني الانقطاعَ عنه في كل خُطوة, فهو لا يُمثل نهاية جُغرافية نسير باتجاهها, ولا يتواجد في منطقة أو مكان فيه يفترِقُ عنا, إنه موجود معنا على طول الخط, وفي كل خطوة خطوة .

نعم, في كل خطوة ما دمنا معه فهو معنا, يزرع في قلوبنا السكينةَ و الطمأنينةَ, وينتزع منها اليأس والغمّ والهم والحزن, هكذا هو ينشر السعادةَ في قلوب أحبائِِهِ, وبعبارة أُخرى ينشر اليأسَ من الدنيا في قلوبِ أحبائِهِ ومُريديه, فيصبح الهمُّ الوحيدُ الذي يتنفسُهُ مُريديه هو السعيُ لديمومة الوجد, ونيل جواره في جنة الخلد .

إن هذا المثل الأعلى والأسمى و الأغلى يُوجد التغيير الفعلي في قلوب ونفوس المُقتدين به, إنه تغيير جذري (راديكالي) , تغيير على مستوى الكم وعلى ومستوى الكيف .

أمّا التغيير الكمي فذلك لأن الكمالات المأخوذة منه ليست محدودة أولا وبالذات, وإنما تحدّدت ثانياً وبالعرض, أي أن تحديدها كان بأمر عرضي خالص يعود إلى استعدادات وقابليات المُتلقي, وإلا فكمالاته مطلقة بإطلاق وجوده وبانتفاء قيوده, فهو الواجد لكل موجود, والفاقد لكل مفقود(1) .

إن جمع المُثل العُليا الأُخرى غير قادرة على التواصل في العطاء, لأنها منخفضة أو محدودة, لها سقف مُعين وحدود مُعينة, ولكنها مُجرد أيام مُجرد سنوات وتنتهي ليعود المثل الأعلى المُتخَذ إلى دائرة الانطفاء .

وأما المثل الأعلى الحقيقي وهو الله تعالى, فإنه لا ينضب عطاؤه, لأنه لا حدّ لكمالاته , ولذا فالتزام به سوف يُحدث تغييراً جوهرياً على مستوى الكم, يجعل الحركة المحدودة حركة مطلقةً غير محدودة .

وأما التغيير الآخر فهو على مستوى الكيف, فإنه سوف يتكفّل بتقديم الحلول الجذرية للجدل القائم في الإنسان, للجدل المُحرّك والراسم لمستقبل الإنسان .

فكل واحد منا يعيش تناقضاً جدلاً حقيقياً, ولابد لنا من حله, لابد لنا من عدم الاستجابة لمتطلباته وفق الأهواء النفسية, ومن هنا تصبح الحاجة مُلحة لوجود هذا المثل الأعلى المطلق, لأنه الوحيد الذي سوف يحل لنا التناقض, سوف يُحطم لنا قيود الجدل القائم في أنفسنا .

إن التناقض الذي نعيشه راجع إلى المتطلبات المختلفة والمتقاطعة بين الروح والجسد, فالروح تُريد بنا الرفعة السمو, تُحركنا باتجاه الكمال المطلق, ولكن للجسد حاجات أُخرى, رغبات أُخرى تدسّ بنا في الأرض .

نعم, الروح تُسرع بنا إلى مقام (أحسن تقويم), والجسد ينخفض بنا إلى مقام (أسفل سافلين), إنه تناقض عظيم, ينخر و يُحطّم في بناءاتنا الداخلية, فلابد له من حلول ناجعة .      

نعم, سوف يُحلُّ هذا التناقض, ولكن عن طريق رفع مستويات الشعور بالمسؤولية تجاه أخينا الإنسان, وذلك من خلال خلق الشعور الصادق باتجاه نفس المثل الأعلى, جميع الآلهة والأصنام والمُثل العليا الأُخرى هي عاجزة تماماً عن خلق هذا الشعور العالي بالمسؤولية تجاه المثل الأعلى, ولذلك فالإلهي إنسان رسالي لا يخون مثله الأعلى ولا يخون رعيته, أم المُثل الأُخرى فإنها لا تزرع فينا هذا الوفاءَ والإخلاصَ الذاتيين, ولذا فتلك الآلهة تبقى قابلة للخيانة وأصحابها يبقون قابلين للخيانة .

ذلك المثل الأعلى المقدس المطلق منفصل عن واقعنا, لأنه ليس نتاجاً بشرياً بخلاف المُثـُل الأُخرى, فإنها نتاج بشري زائل, { كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا } ـ:الأعراف:38.

ولا يُمكن بأي حالٍ من الأحول أن نشعر بالمسؤولية الحقيقية تجاه تلك المُثـُل المنخفضة أو المتوسطة, لأنها مُجرد أقزام, مُجرد شبح .

فلا يبقى أمامنا سوى القدوة والمثل الأعلى الحقيقي, وهو الله سبحانه وتعالى, فبه نقي أنفسنا من ذلك التناقض الكبير, وبه نتحرّك باتجاه مسقبل زاهر آمنٍ مُطمئن .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ـ ورد في دعاء خرج من الناحية المقدسة بتوقيع الإمام الحجة بن الحسن (عليه السلام) , أنه يُقرأ في كل يوم من أيام رجب هذا الدعاء:(... يا موصوفا بغير كنه, ومعروفا بغير شبه, حاد كل محدود, وشاهد كل مشهود, ومُوجِد كل موجود, ومُحصي كل معدود, وفاقد كل مفقود !, ليس دونك من معبود ... ), انظر:مصباح المتهجد, للشيخ الطوسي:ص 804, رقم الدعاء : 877.

 
< السابق   التالي >

spacer

spacer