|
بسم الله الرحمن الرحيم يتحرك الإنسان باتجاه مستقبلهِ حركةٍ تكوينية لابد منها, قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ} ـ الانشقاق:6 ـ , فالكدح هو الحركة والسير بجهد نحو الهدف والغاية, ولكنّ هذه الحركة حركةٌ مرنة, بمعنى أن الإنسان بإمكانه أن يرسم ملامح هذه الحركة التكوينية ويُحرّكها باتجاهات مختلفة
, وهنا تتحقق الوسطية بين الجبر والتفويض, فكونك تتحرك أمر لابدّ منه, ولكن كيفية التحرك أمر متروك لك بحسب التصور الأولي, قال تعالى:{وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} ـ البلد:10 ـ أي عرَّفناه بطريق الحق وطريق الباطل, وقد عبّر بالنَّجْدَيْنِ لأن النَّجْد هو المكان المرتفع الذي يراه الجميع, وقد غرس الله تعالى في فطرة الإنسان معرفة الخير وحبَّه, ومعرفةَ الشر وبغضَه, ثم عرّفَهُ بسبيل الحق الموافق لفطرته جملة وتفصيلاً ولم يُجبره ابتداء على التمسك بالحق, قال تعالى:{إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} ـ الإنسان:3 ـ , أي إما أن يلتزم ويُظهر ما آمن به يتنصل عنه ويستر عنه داعي الفطرة . وهذه الحركة المستقبلية يقف خلفها داعٍ ومُوجّهٍ قد يكون خفياً عن الفاعل لشدة الاندكاك به, إنه القدوة والأُسوة والمثل الأعلى . إنه الصورة الكمالية الماثلة أم الرائي لها, والهدف المقصود أمام القاصد, يلحظه المتحرك باتجاهه في كل حركاته وسكناته, إنه لحاظ عملي محض, ولذلك فهو قدوة وأُسوة يُقولب خطوات المقتدي به بكمالاته الحقيقية أو المتوهمة . ولكن الخطر العظيم الذي يجب أن نلتفت إليه ونتعاطى معه بجدية هو أن هذا المثل الأعلى له صور ثلاث مختلفة, ومقاطع مُتفاوته . كل صورة تحمل كمالاً يستقطب المتحرك باتجاهه, سواء كان ذلك الكمال حقيقياً أم مُتوهماً, وسواء كان مُطلقاً أم مُقيداً . إلى الآن يكون قد اتضح لدينا أن لكل إنسان حركةً تكوينيةً ذاتَ كيفيةٍ اختياريةٍ مرنةٍ باتجاه المستقبل, وأن هنالك داعياً ومُوجّهاً لتلك الحركة التكوينية يتمثل بالقدوة والأُسوة والمثل الأعلى, وأن هذا المثل الأعلى له صور ثلاث . وهنا ينبغي لنا الوقوفُ عندَ هوية القدوة والأُسوة والمثل الأعلى, وبيانِ ملامحِه, {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}ـ البقرة:187ـ فإذا ما تبين لنا الفجر الصادق من الفجر الكاذب فإن حركتنا المستقبلية سوف تتغير جوهرياً أو تتأكّد جوهرياً . هوية وملامح القدوة والمثل الأعلى ... إن المثل الأعلى الـمُتَّخذ من قبلنا يأخذ أحد هذه الأشكال الثلاثة: 1. المثل الأعلى المنخفض . 2. المثل الأعلى المحدود المتوسط . 3. المثل الأعلى المطلق . أما المثل الأعلى المنخفض فهو المأخوذ من الواقع دون أن تكون له صفةٌ مُميزةٌ تفصله عن الآخرين, فيكون كماله مُتوهَّما مُتمحَّلاً, بعبارة أُخرى: إنه كمال إسقاطي أُخذ من الواجد للفاقد, وهكذا تبدأ الحركة باتجاه مستقبل مأخوذ من الواقع, باتجاه كمال مفقود, باتجاه مثلٍ مُكررٍ عن الواقع المُعاش, وهو ما يُسميه السيد الشهيد الصدر بالمثل التكراري(1) . ولذلك أُولى النتائج السلبية ـ المتوقعة سلفاً ـ لهذا المثل الأعلى المنخفض هو أن الحركة باتجاهه سوف تكون حركة تراجعية لا تخرج عن كونها دوامة لا تُعرف لها نهاية ودون جدوى تُذكر . فيتحوّل بناء الإنسان الشامخ إلى شبح خاوٍ على عروشه, وعادة ما يكون هذا المثل الأعلى المنخفض أُميّاً إقصائياً متخلفاً عن علوم عصره, فيحاول تدليس عيوبه الكثيرة بلباس القدسية . نعم, فلباس الدين وهالة التقديس والتبجيل سوف يُحاول من خلالها تبرير حركاته وسكناته, وعلى المتدينين أن لا يُخالفوا له أمراً, هذا ما فعله فرعون الذي لم يجد ما يستميل به رعيته, ويُلزمهم بطاعته وعدم مخالفته غير أن يدّعي الإلوهية, فعلى الآخرين أن يخرّوا له سُجّدا . ولكن لن يفلت من نقصه وتسفّله, فسيضل الشعور بالنقص يُطارده, في قيامه وجلوسه, وفي يقظته ونومه, ولا ريب بأن هذا الشعور بالنقص سوف يُسرّيه إلى أتباعه ومُريديه, وهؤلاء الحمقى من أتباعه يظنون فيه الكمال المنشود, ولكنه {... كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً ...} النور:39 . وأما المثل الأعلى المحدود فهو واجد لبعض الكمالات, ولذلك تتحرك الأُمة باتجاهه بقوة في أول الأمر, تعيشُ حالةَ الانبهار والزهوَ به, ولكنه سرعان ما تنطفي جذوته وتغيب أقماره . ثمن قليل يُقدمه وكمال ضئيل يهبه لإتباعه سرعان ما يتحوّل إلى شبح وتتحول الأُمة معه إلى أشباح خاوية, إنه يخلق حالة من الانبهار, حالة من الشدّ, ولكن طاقته محدودة تسير باتجاه الانطفاء الأبدي,{من كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً } ـ الإسراء:18. وعادة ما يتحوّل هذا المثل إلى صنم من جديد ليُعبد من قبل رعيته, فبقاؤه مع انطفائه لا مبرر له غير أن يدّعي لنفسه كمالات مفقودة فيه ابتداء وانتهاءً . وبحسب السنن التأريخية فإن مثل هكذا شخص لن يتنصّل عن مقامه الخاوي, لتعود معه من جديد دعوى الإلوهية ولو بصورة غير مُباشرة, فبمجرد رفض أي اقتراح من رعيته, وعدم السماح لهم بالنقد, وسدّ أبواب التغيير أمامهم فذلك كاشف عن كونه قد اختار لهم مصيراً معيناً يتمثل بإتباعه وعدم عصيانه, وهذا هو ما نعنيه من التعبير غير المباشر عن إلوهيته الكارتونية, عن أولويته بالتصرّف بنفوس الآخرين, وليس للآخرين غير أن يخرّوا له سُجّدا . وهذا المثل الأعلى المحدود قد يكون مُتعلّما, بل قد يكون مُعلماً أو عالماً أو خبيراً أو بروفسوراً أو ... الخ . ولكن مُشكلته الكبرى هو أنه سيظن مع مرور الأيام بأن الحياة لن تستقيم بدونه, وأن الرعية مُجرّد جسدٍ خاوٍ بدونه, سيقبع في هذا الوهم, وعلى الأُمة أن تتعاطى معه على أنه حقيقة راسخة . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] ـ للوقوف عند تفصيل هذه المُثل العليا يُراجع كتاب:المدرسة القرآنية,المقطع الثاني من التفسير الموضوعي .
|