|
الأخلاق الحسنة هي التي يلجأ إلى كنفها المجتمع الإنساني كلما أراد الخلاص من براثن الانحرافات والانحطاط والسقوط في ظلمات التيه والفساد، وهي التطلع الذي تشرق منه شمس الرحمة الإلهية على ساكني هذا الكون فيلاءم قوله تعالى واصفاً حبيبه النبي الأكرم:
(وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)(1) لقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (2) الأخلاق الحسنة هي السلطان الذي يجلس على عرشه فتخر له الرؤوس والقلوب سجداً، وتسرع الأفواه لتشبع يديه لثماً وتقبيلاً. الأخلاق الحسنة هي وجود الشخص وكيانه وحقيقته الإنسانية ومن دونها لن تبدو عليه إلا ملامح الحيوانات وفعالها، وهي وجود الأمة وأسس حضارتها فإن غيبت أو ضاعت لفّت في أشعتها بقايا تلك الحضارة ومعالمها وعبر الشاعر قائلاً: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا فبالأخلاق الكريمة تنشأ المجتمعات وتتلألأ في سماء الرقي لتظهر الإبداعات إثر الإبداعات وتشرع النجاحات بعضها يتبع بعضا ويلوح في الأفق الرضا الإلهي المتمثل بالخير والعطاء الذي لا يحده حدود ولا تمنعه حواجز ولا قيود فيغمر الخير كل مجالات الحياة ويصبح هدفاً ومرمى لكل من يتشكل منهم ذلك المجتمع. فليس بغريب أن يكون ذلك من أبرز أهداف بعثة الأنبياء والرسل الأكرمين (عليهم السلام) وإلا لما قال الخاتم :(إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) (3) فهي بحق تمثل إنسانية الإنسان ومع فقدها تضيع الإنسانية ولو ضاع بعضها لفقد بعضها أيضاً فما أجمل وأفضل أن يكون الإنسان إنساناً وما أعظم ذلك، بل ما أنفعه للعاقل وما أدرّه على اللبيب خبرة ونجاح وراحة بال في الدنيا وسعادة وجنة وأجر وثواب في الآخرة ماذا يطلب الإنسان أكثر من ذلك، وهل يوجد في الكون هدف أسمى وأعلى وأرفع من ذلك؟! نعم قد يكون إلا وهو رضا الله تعالى الذي طلبه الأولياء والصديقين، ولكن يعود السؤال من جديد ... كيف ...؟ وجوابه الأخلاق (وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ) (4). فما على الإنسان سوى ما يشمر عن ساعديه لبدء العمل ما أجمل الصورة لو كشف للإنسان عن مجلسه يوم القيامة ورأى نفسه من أقرب الناس مجلساً الى حبيب الله تعالى الذي فضله على العالمين، كم ستكون سعادته؟ وكيف؟! وهل يحدّها حدود ...؟! وهذا ما قاله النبي الخاتم: (أقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً) (5). وأنظر إلى ما ذكر عن الرسول (صلى الله وعليه وآله) وأهل بيته حول صاحب الخلق الحسن وأجره في الآخرة. فها هو النبي (صلى الله وعليه وآله) يقول: (إن صاحب الخلق الحسن له مثل أجر الصائم القائم) (6). وقال كذلك: (عليكم بحسن الخلق، فإن حسن الخلق في الجنة لا محالة وإياكم وسوء الخلق فإن سوء الخلق في النار لا محالة) (7). وعنه (صلى الله وعليه وآله): ( أبى الله عز وجل لصاحب الخلق السيء بالتوبة! قيل: فكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: لأنه إذا تاب من ذنب وقع في ذنب أعظم منه) (8). وعن الصادق (عليه السلام): (ما يقدم المؤمن على الله تعالى بعمل بعد الفرائض أحب الله تعالى من أن يسع الناس بخلقه) (9). وقال (عليه السلام): (إن الله ليعطي العبد من الثواب على حسن الخلق كما يعطي المجاهد في سبيل الله، يغدو عليه ويروح) (10). وعن الصادق (عليه السلام): (إن الخلق الحسن يميث الخطيئة كما تميث الشمس الجليد) (11). آثار الأخلاق الحسنة في الدنيا: تعال هذه المرة لنرى آثار الأخلاق الكريمة في حياة الإنسان في هذه الدنيا وسأجعلها على نقاط: الأولى: في رزق الإنسان وكأن الأخلاق ستفتح عليه أبواب الرزق ويغدق الله سبحانه وتعالى عليه من واسع رزقه، وهذا ما جاء في الروايات الشريفة فعن أمير المؤمنين (عليه السلام): (وفي سعة الأخلاق كنوز الأرزاق) (12). وعنه (عليه السلام): (من ساء خلقه ضاق رزقه) (13). وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (حسنُ الخلق من الدين وهو يزيد في الرزق) (14). الثانية: في الأحزان التي تصيب الإنسان والهم والغم فيبدو وأن سببها سوء الخلق وعدم تربية الإنسان نفسه وتهذيبها ليكون كل مفصل من مفاصل حياته سبباً للغم والهم والعيش النكد ويدوم ذلك ما دام يعيش سوء الخلق، وهذا ما قاله أمير المؤمنين ومولى الموحدين (عليه السلام): (سوء الخلق نكدا العيش وعذاب النفس) (15)، وسئل يوماً ما: (من أدوم الناس غماً؟ قال: أسوؤهم خلقاً) (16). الثالثة: في محبة الناس له وأنس النفوس به، وهذا ما يجده الإنسان في قرارة نفسه إن أمعن النظر فيها حيث سيرى لمن يعرفهم من ذوي الأخلاق الحميدة هناك حبّ ومودة خاصين لهم. فقد جاء عن سيد الوصيين (عليه السلام): (حسن الخلق يثبت المودة) (17) بل سيزداد أصدقاؤه ومحبوه وهذا ما قاله سيد الوصيين (عليه السلام): (من حسن خلقه كثر محبوه وأنست النفوس به) (18). (ومن ساء خلقه أعوز الصديق والرفيق) (19) وكأنه نار يتجنبها الناس حتى لا يحرقهم لهيبها فما أتعس حياة الإنسان إذا كان حاله هذا، فليس أمامنا إلا ان نضع هاتين القاعدتين نصب أعيننا ما دمنا أحياء وهما: الأولى: عن الرسول الأكرم (صلى الله وعليه وآله): (إنكم لم تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم) (20). والثانية: (إن شئت أن تكرم فلِن، وإن شئت ان تهان فأخشن) (21). والحمد لله رب العالمين
[1] القرآن الكريم، سورة القلم، 4. [2] ـ القرآن الكريم، سورة الأنبياء، 107. [3] ـ بحار الأنوار 16: 210. [4] ـ القرآن الكريم، سورة آل عمران، 159. [5] ـ القاموس الفقهي: ص89. [6] ـ وسائل الشيعة، ج 11، ص 333، ح 2. [7] ـ الكافي، ج2، ص 100، ح 4. [8] ـ الكافي، ج2، ص 321، ح 2. [9] ـ الكافي، ج2، ص 100، ح 5. [10] ـ عيون أخبار الرضا (ع)، ج 1، ص34. [11] ـ الكافي، ج2، ص 100، ح 7. [12] ـ تحف العقول، ص98. [13] ـ عيون الحكم والمواعظ، ص431. [14] ـ تحف العقول، ص373. [15] ـ جامع أحاديث الشيعة، ج 136، ص 512. [16] ـ ميزان الحكمة، ج1، ص 806. [17] ـ تحف العقول، ص45. [18] ـ ميزان الحكمة، ج1، ص 805. [19] ـ ميزان الحكمة، ج1، ص 807. [20] ـ الأمالي، للصدوق، ص62. [21] ـ الكافي، ج1، ص27، ح29.
|