|
بلغت بعوث النبي صلى الله عليه واله وسلم وسراياه ثمان وثلاثين، والمتعارف في كتب السير و المغازي التعبير بالغزوة في حروب حضرها النبي صلى الله عليه وآله بنفسه ، وبالسرية فيما كان لم يحضر ونتعرض هنا لبعض هذه السرايا:
من السرايا قبل بدر 1- سرية سيف البحر (ساحل البحر) أولى السرايا التي عقد لواءها رسول صلى الله عليه واله وسلم ، لحمزة بن عبد المطلب لمواجهة قريش ومنعها مما تنوي القيام به من محاصرة الدعوة ، وتضييق الخناق عليها . 2- سرية رابغ كانت في شوال من السنة الأولى للهجرة ، بقيادة عبيدة بن الحارث بن المطلب ، وكان عدد المسلمين فيها نحو ستين رجلاً من المهاجرين ليس فيهم أنصاري ، فالتقوا بأبي سفيان وهو في مائتين على بطن رابغ ، وترامى الفريقان بالنبل ، وانفضّ الفريقان بعد ذلك من غير قتال . 3- سرية الخرار وقعت في ذي القعدة من السنة الأولى للهجرة ، وتتكون هذه السرية من عشرين راكباً بقيادة سعد بن أبي وقاص ، وقال ابن اسحق: ...في ثمانية، رهط من المهاجرين. بهدف اعتراض عيرٍ لقريش ، فخرجوا مشاة يكمنون بالنهار ، ويسيرون بالليل حتى وصلوا الخرَّار وهو موضع من الجحفة قريب من خم ، صبيحة خمس، فوجدوا العير قد مرت بالأمس. يقال: لم يبعث رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أحدا من الأنصار مبعثا حتى غزا بهم بدرا. 4- سرية نخلة وكانت في رجب من السنة الثانية للهجرة ، وتتكون من اثني عشر رجلاً من المهاجرين بقيادة عبدالله بن جحش الأسدي ، وقد أعطاه الرسول صلى الله عليه واله وسلم كتاباً ، وأمره ألا يقرأه إلا بعد مسيرة يومين ، وتضمن الكتاب الأمر بالمُضِّي حتى وصول نخلة بين مكة والطائف (ونخلة وادي بستان ابن عامر) ، ثم القيام برصد عيرٍ ـ قافلة ـ لقريش ، فساروا حتى بلغوا المكان ، فمرت العير ، فلحق بها المسلمون حتى أدركوها في آخر يوم من رجب وهو من الأشهر الحرم ، فقتلوا ناساً من القافلة ، ولاذ البعض بالفرار ، وعادت السرية بالعير وأسيرين إلى المدينة ، فعاتبهم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم على قتالهم في الشهر الحرام ، واستغل المشركون الحادثة ، وتحدثوا أن المسلمين قد انتهكوا الأشهر الحرم ، ثم نزل القرآن مبينا الموقف، قال تعالى : { يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ }(البقرة:217). بعد ذلك أطلق رسول الله صلى الله عليه واله وسلم سراح الأسيرين ، ودفع دية المقتول إلى أوليائه . من السرايا بعد بدر 5ـ سرية القردة: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله زيد بن حارثة بعد رجوعه من بدر إلى المدينة بستة أشهر (1) فأصابوا عير القريش على القردة(2) فيها أبو سفيان ومعه فضة كثيرة ، وذلك لان قريشا قد خافت طريقها التي كانت تسلك إلى الشام حين كان من وقعة بدر ، فسلكوا طريق العراق ، واستأجروا رجلا من بكر بن وائل يقال له : فرات بن حيان يدلهم على الطريق ، فأصاب زيد بن حارثة تلك العير وأعجزته الرجال هرب . وفي رواية الواقدي : أن ذلك العير مع صفوان بن أمية (3)، وأنهم قدموا بالعير إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأسروا رجلا أو رجلين، وكان فرات بن حيان أسيرا فأسلم فترك من القتل. 6ـ سريّة الجُهني إلى سفيان بن خالد اللحياني : روى الواقدي : أن بنى لحيان من هذيل كانوا قد نزلوا فى عُرنة ( بقرب عرفة من مكة ) وما حولها . وبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله أن قائدهم سفيان ابن خالد قد جمع الجموع(4) . فروى عن عبدالله بن اُنيس الجُهني : أن رسول الله دعاه ( في أوائل المحرّم للسنة الرابعة للهجرة(5) ) وأخبره الخبر وأمره أن ينبعث اليه وحده ليقتله . قـال ابن اُنيس : وكنتُ لا أهاب الرجال، فأخذت سيفي لم أزد عليه ، وخرجت أمشي على رجلي حتى انتهيت الى قُديد ، فوجدت بها خزاعة كثيراً وانتسبت إليهم. وخرجت أمشي حتى خرجت على عُرنة فجعلت اخبر من لقيت أني اريد سفيان بن خالـد لأكون معه ، حتى اذا كنت ببطن عرنة وقد دخـل وقت العصـر فلقيته يمشي وهو يتوكأ على عص. فلما دنوت منه قال : مَن الرجل ؟ فقلت : من خُزاعة ، سمعت بجمعك لمحمد فجئتك لأكون معك . قال : أجل اني لفي الجمع له . فمشيت معه وأنا أقول : عجباً لما أحدث محمد من هذا الدين المحدَث ، فارق الآباء وسفّه الأحلام ! فقال : لم يلق محمد أحداً يُشبهني ! وأنشدته شعراً وحدّثته فاستحلى حديثي وانتهى الى خبائه حتى اذا أمكننى حملت عليه بالسيف فقتلته ثم خرجت وتركت نساءه منكبّات عليه وأخذت رأسه. وأقبلت أتوارى النهار وأسير الليل حتى قدمت المدينة فوجدت رسول الله في المسجد ، فلمـا رآني قال : أفلح الوجه ! قلت : أفلح وجهك يا رسول الله ! ثم وضعت رأسه بين يديه وأخبرته خبري . 7ـ سرية الرجيع بعث رسول الله صلى الله عليه وآله بعد غزوة حمراء الأسد مرثد بن أبي مرثد الغنوي حليف حمزة وخالد بن البكير وعاصم بن ثابت بن الأفلج وخبيب بن عدي وزيد بن دثنة وعبد الله بن طارق ، وأمير القوم مرثد ، لما قدم عليه رهط من عضل والديش ، وقالوا : ابعث معنا نفرا من قومك يعلموننا القرآن و يفقهوننا في الدين فخرجوا مع القوم إلى بطن الرجيع وهو ماء لهذيل فقتلهم حي من هذيل يقال لهم : بنو لحيان ، وأصيبوا جميع . وذكر ابن إسحاق أن هذيلا حين قتلت عاصم بن ثابت أرادوا رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد ، وقد كانت نذرت حين أصيب ابناها بأحد لئن قدرت على رأسه لتشربن في قحفه (القحف : العظم الذي فوق الدماغ) الخمر ، فمنعتم الدبر(الدبر بالفتح : جماعة النحل) ، فلما حالت بينهم وبينه قالوا : دعوه حتى نمسي فتذهب عنه ، فبعث الله الوادي فاحتمل عاصما فذهب به ، وقد كان عاصم أعطى الله عهدا أن لا يمس مشركا ولا يمسه مشرك أبدا في حياته ، فمنعه الله بعد وفاته مما امتنع منه في حياته . 8ـ سرية بئر معونة ونقل الطبرسي في « إعلام الورى » عن كتاب أبـان البجلي الكوفي قال : قدم على رسول اللّه صلى الله عليه وآله بالمدينة أبو بَراء عامر بن مالك مُلاعب الأسنّة ، فعرض عليه الإسـلام فأسلم وقال : يا محمّد ! إن بعثت رجالاً إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك ! فقال الرسول صلى الله عليه وآله: أخشى عليهم أهل نجد ! فقـال أبو بَراء : أنا لهم جار ! فبعث رسول اللّه المنـذر بن عمرو في بضعة وعشرين رجلاً ـ وقيل : في أربعين ، وقيل : في سبعين رجلاً ـ من خيار المسلمين ، منهم : الحارث بن الصمّة ، وحرام بن ملحان ، وعامر بن فهيرة(وقال الواقدي : هؤلاء هم القرّاء الذين بعثهم إلى بئر المعونة) ومعهم كتاب رسول اللّه . فساروا حتى نزلوا بئر معونة، وهي بين أرض بني عامر وحرّة بني سُليم . فبعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول اللّه إلى عامر بن الطفيل ، فلمّا أتاه لم ينظر ( عامر ) في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله ، ثمّ دعا ( عامر ) بني عامر إلى قتالهم ، فقالوا : لا نخفر أبا بَراء ! فاستصرخ قبائل من بني سليم : عُصَيّة ورِعْلاً وذَكوان فأجابوه وأحاطوا بالقوم في رحالهم . فلمّا رأوهم أخذوا أسيافهم وقاتلوا القوم حتى قتلوا عن آخرهم وإنّما كانوا قد خلّفوا في سرحهم عمرو بن اُميّة الضَمْري ورجلاً آخر من الأنصار ( المنذر بن محمّد ) فلم يُنبئهما بمصاب القوم إلاّ الطير تحوم على العسكر ، فقالا ، واللّه إنّ لهذا الطير لشأنا ! فأقبلا لينظرا فإذا القوم في دمائهم ! فقال الأنصاري ( المنذر بن محمّد ) لعمرو الضمري : ما ترى ؟ قال : أرى أن نلحق برسول اللّه فنخبره الخبر ، فقال الأنصاري ( المنذر بن محمّد ) : لكني لم أكن أرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو فقاتل القوم حتى قُتل . ورجع عمرو الضمري إلى المدينة فأخبر رسول اللّه صلى الله عليه وآله. وقد تألم النبي صلى الله عليه وآله لأجل هذه المأساة، ولأجل مأساة الرجيع اللتين وقعتا خلال أيام معدودة ، تألما شديداً، ودعا رسول اللّه على قتلتهم في صلاة الصبح من تلك الليلة التي جاءه فيها الخبر ، رفع رأسه من الركوع وقال : سمع اللّه لمن حمده ثمّ قال : اللّهم اشد وطأتك على مُضر ، اللّهم عليك ببني لحيان وزِعبٍ ورِعْل وذكوان وعُصية ، فإنّهم عصوا اللّه ورسوله ، اللّهم عليك ببني لحيان وعضل والقارة . . . اللّهم انج المستضعفين من المؤمنين : غفار غفر اللّه لها وأسلم سالمها اللّه . ثمّ سجد . قال ذلك خمس عشرة يوما وقيل : أربعين يوم. من المصادر: بحار الأنوار، العلامة المجلسي، مناقب آل أبي طالب، إعلام الورى ، مغازي الواقدي، الطبقات الكبرى، البداية والنهاية، موسوعة التاريخ الإسلامي.
(1) في الامتاع : سار [ أي زيد ] لهلال جمادى الآخرة على رأس سبعة وعشرين شهر (2) ماء من مياه نجد بين الربذة والغمرة ناحية ذات عرق. (3) اختار الأول ابن إسحاق على ما في سيرة ابن هشام 2 : 429 ، واختار الثاني المقريزي في الامتاع : 112 وقال في شرح ذلك : نكب صفوان بن أمية عن الطريق ، وسلك على جهة العراق يريد الشام بتجارة فيها أموال لقريش ، خوفا من رسول الله صلى الله عليه وآله أن يعترضها ، فقدم نعيم بن مسعود الأشجعي على كنانة بن أبي الحقيق في بنى النضير فشرب معه ، ومعهم سليط ابن النعمان يشرب ، ولم تكن الخمر حرمت ، فذكر نعيم خروج صفوان في عيره وما معهم من الأموال ، فخرج سليط من ساعته وأخبر النبي صلى الله وعليه وآله ، فأرسل زيد بن الحارثة في مائة راكب فأصابوا العير وأفلت أعيان القوم فقدموا بالعير فخمسها رسول الله صلى الله عليه وآله فبلغ الخمس عشرين ألف درهم ، وقسم ما بقي على أهل السرية. (4) مغازي الواقدي 1 : 357 ـ 362 . (5) روى ابن اسحاق هذه السرية بلا تاريخ 4 : 267 ، وإنما رواها الواقدى مضطرباً في تاريخها : فذكرها في فهرسه للمغازي والسرايا في مقدمة كتابه : 3 تارة : على رأس خمسة وثلاثين شهراً . واخرى : 4 في المحرم سنة ست . ثم ذكر التفصيل على التاريخ الثاني : على رأس أربعة وخمسين شهراً : 531 . بينما ذكر في غزوة الرجيع : 354 : أن قتل عاصم بن ثابت كان انتقاماً لقتل سفيان بن خالد ، وهذا يرجّح التاريخ الأول : 35 شهراً . كما ذكرها المسعودي كذلك في التنبيه والاشراف : 212، راجع: موسوعة التاريخ الاسلامي، ج 2: العصر النبوي - العهد المدني، تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي .
|